Полный текст (134 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ما دل عليه القرآن
مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان
تأليف
السيد محمود شكري الآلوسي
تحقيق
محمد زهير شاويش
تخريج
محمد ناصر الدين الألباني
стр. 2
جمع الحقوق حفوظة
الطبعة الثانية
١٤١٨ هـ - ١٩٩٧م
المكتب الإسلامي
стр. 3
مُقَدّمَة الْمُؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نحمدك يَا مبدع الأكوان، وَيَا خَالق الْكَوْن وَالْمَكَان، وَيَا ميسر الْفلك على حسب مَا تَقْتَضِيه الْحِكْمَة من الدوران؛ وَنُصَلِّي ونسلم على نبيك " مُحَمَّد " الَّذِي سريت بِهِ من حرم إِلَى حرم، ورفعته من سَمَاء إِلَى سَمَاء، حَتَّى أوصلته إِلَى مقَام لَا تصل إِلَيْهِ الأذهان، صلى الله تَعَالَى وَسلم عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه بدور سَمَاء الدِّرَايَة وَالْهِدَايَة وشموس أفلاك الْعرْفَان.
أما بعد: فقد شاع فِي عصرنا قَول " فيثاغورس " الفيلسوف الشهير فِي هَيْئَة الأفلاك، وَنَصره الفلاسفة الْمُتَأَخّرُونَ، بعد أَن كَانَ عاطلا مَهْجُورًا، وَهُوَ القَوْل بحركة الأَرْض اليومية والسنوية على الشَّمْس، وَأَنَّهَا هِيَ مَرْكَز نظامها، وَأَن الأَرْض إِحْدَى الْكَوَاكِب السيارة، وَأَنَّهَا سابحة فِي الجو، معلقَة بسلاسل الجاذبية، وقائمة بهَا، كَسَائِر الْكَوَاكِب، لَا أَنَّهَا كَمَا ذهب إِلَيْهِ
стр. 4
" بطليموس " فِي الأفلاك كالمسامير فِي الْبَاب، إِلَى غير ذَلِك من قواعدها الْمَشْهُورَة وقوانينها الْمَذْكُورَة.
وَقد سَمَّاهَا الفلاسفة الْمُتَأَخّرُونَ " الْهَيْئَة الجديدة "، لكَونهَا شاعت فِي الْعَصْر الْمُتَأَخر. وَإِلَّا، فَالْقَوْل بهَا مُتَقَدم جدا، فقد رَأَيْت كثيرا من قواعدها لَا يُعَارض النُّصُوص الْوَارِدَة فِي الْكتاب وَالسّنة. على انها لَو خَالَفت شَيْئا من مَذَاهِب السّلف الْحُرِّيَّة بِالْقبُولِ، بل لَا بُد أَن نقُول: إِن الْمُخَالف لَهما مُشْتَمل على خلل فِيهِ؛ فَإِن الْعقل الصَّرِيح، لَا يُخَالف النَّقْل الصَّحِيح، بل كل مِنْهُمَا يصدق الآخر وَيُؤَيِّدهُ.
وَأعلم أَن الشَّرِيعَة الغراء لم ترد باستيعاب قَوَاعِد الْعُلُوم الرياضية، إِنَّمَا وَردت بِمَا يسْتَوْجب سَعَادَة الْمُكَلّفين فِي العاجل والآجل، وَبَيَان مَا يتوصلون بِهِ إِلَى الْفَوْز بالنعيم الْمُقِيم، وَرُبمَا أشارت - لهه الْأَغْرَاض - إِلَى مَا يستنبط مِنْهُ بعض الْقَوَاعِد الرياضية.
وَقد ورد الْقُرْآن الْكَرِيم - فِي بَيَان ذَلِك - بِمَا خَاطب بِهِ الْعَرَب، مِمَّا يعلمونه من عُلُوم تلقوها خلفا عَن سلف. فقد كَانَت لَهُم عُلُوم ذَكرنَاهَا فِي الْكتاب الَّذِي ألفناه فِي بَيَان أَحْوَالهم، كَمَا كَانَ لعقلائهم أعتناء بمكارم الْأَخْلَاق واتصاف بمحاسن الشيم، فصححت الشَّرِيعَة مِنْهَا مَا هُوَ
стр. 5
صَحِيح وزادت عَلَيْهِ، وأبطلت مَا هُوَ بَاطِل قَبِيح، وبينت مَنَافِع مَا ينفع من ذَلِك ومضار مَا يضر مِنْهُ. فَكَانَ من علومها " علم النُّجُوم " وَمَا يخْتَص بهَا من الاهتداء فِي الْبر وَالْبَحْر وَاخْتِلَاف الْأَزْمَان باخْتلَاف سَيرهَا، وتعرف منَازِل سير النيرين وَمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْمَعْنى. وَهُوَ معنى مُقَرر فِي أثْنَاء الْقُرْآن، فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جعل لكم النُّجُوم لتهتدوا بهَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر﴾، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وبالنجم هم يَهْتَدُونَ﴾، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَر قدرناه منَازِل حَتَّى عَاد كالعرجون الْقَدِيم لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر، وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار، وكل فِي فلك يسبحون﴾، وَقَوله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء، وَالْقَمَر نورا، وَقدره منَازِل، لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب﴾، وَقَوله تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا اللَّيْل وَالنَّهَار آيَتَيْنِ، فمحونا آيَة اللَّيْل، وَجَعَلنَا آيَة النَّهَار مبصرة﴾ الْآيَة، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد زينا السَّمَاء الدُّنْيَا بمصابيح، وجعلناها رجوما للشياطين﴾، وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَهِلّة، قل: هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس وَالْحج﴾، وَمَا أشبه ذَلِك.
وَمن عُلُوم الْعَرَب: " الأنواء " وأوقات نزُول الأمطار، وإنشاء السَّحَاب، وهبوب الرِّيَاح المثيرة لَهَا، فَبين الْكتاب وَالسّنة حَقّهَا من باطلها، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يريكم الْبَرْق خوفًا وَطَمَعًا، وينشئ السَّحَاب الثقال، ويسبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُم
стр. 6
المَاء الَّذِي تشربون؟ أأنتم أنزلتموه من المزن، أم نَحن المنزلون﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾، أَي بدل شكر رزقكم أَنكُمْ تكذبون، أَي تَقولُونَ: " مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا ". وَفِي حَدِيث الصَّحِيح: " بعد وُقُوع الْمَطَر أصبح من عبَادي مُؤمن بِي وَكَافِر أما الْمُؤمن، فَيَقُول: أمطرنا الله؛ وَأما الْكَافِر، فَيَقُول: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا " (١). وَفِي (الْمُوَطَّأ): " إِذا نشأت بحريّة، ثمَّ تشاءمت، فَتلك عين غديقة" (٢). وَقَالَ عمر بن الْخطاب، ﵁، للْعَبَّاس وَهُوَ على الْمِنْبَر وَالنَّاس تَحْتَهُ: كم بَقِي من نوء الثريا؟ فَقَالَ الْعَبَّاس: بَقِي من نوئها كَذَا وَكَذَا. فَمثل هَذَا مُبين للحق من الْبَاطِل فِي أَمر الأنواء والأمطار. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح فأنزلنا من السَّمَاء مَاء فأسقيناه إِلَى بلد ميت، فأحيينا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا﴾، إِلَى كثير من هَذَا الْقَبِيل.
وَقد أَحْبَبْت أَن أجمع مَا ورد فِي هَذَا الْبَاب من الْآيَات المنتشرة فِي سور الْقُرْآن على تَرْتِيب سورها، وأخص مِنْهَا الْمُشْتَملَة على الأجرام العلوية стр. 7
والأجرام السفلية، وأذكر فِي تَفْسِيرهَا مَا ذكره جهابذة الْمُفَسّرين، مُلْتَزما فِي ذَلِك طَرِيق الِاخْتِصَار. وَأَصَح الْأَقْوَال وأصوب الأفكار.
وَقد سميت مَا كتبت فِي هَذَا الْبَاب، وَمَا جمعته من لب اللّبَاب:
(مَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن مِمَّا يعضد الْهَيْئَة الجديدة القويمة الْبُرْهَان)
وَمن الله أَسْتَمدّ التَّوْفِيق؛ نعم الْمولى وَنعم الرفيق.
стр. 8
سُورَة الْبَقَرَة
فِي هَذِه السُّورَة بعض الْآيَات الْمُشْتَملَة على بَيَان الأجرام مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢]
تَفْسِير هَذِه الْآيَة
معنى ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ أَي كالفراش فِي صِحَة الْقعُود وَالنَّوْم عَلَيْهَا أَنه سُبْحَانَهُ جعل بَعْضهَا بارزا عَن المَاء مَعَ أَن مُقْتَضى طبعها أَن يكون المَاء محيطا بِأَعْلَاهَا لثقلها وَجعلهَا متوسطة بَين الصلابة واللين ليتيسر التَّمَكُّن عَلَيْهَا بِلَا مزِيد كلفة فالتصيير بِاعْتِبَار أَنه لما كَانَت قَابِلَة لما عدا ذَلِك فَكَأَنَّهَا نقلت مِنْهُ وَإِن صَحَّ مَا نقل عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَن الأَرْض خلقت قبل السَّمَاء غير مدحوة فدحيت بعد خلقهَا ومدت فَأمر التصيير حِينَئِذٍ ظَاهر إِلَّا أَن كل النَّاس غير عَالمين بِهِ وَالصّفة يجب أَن تكون مَعْلُومَة للمخاطب وَلَا يُنَافِي كريتها كَونهَا فراشا لِأَن الكرة إِذا عظمت كَانَ كل قِطْعَة مِنْهَا كالسطح فِي افتراشه كَمَا لَا يخفى.
стр. 9
وَسَيَأْتِي إِقَامَة الدَّلَائِل على كريتها وَبَيَان مَا يعارضها من ظواهر النُّصُوص وتوجيه ذَلِك
وَاخْتَارَ سُبْحَانَهُ لفظ ﴿السَّمَاء﴾ على السَّمَاوَات مُوَافقَة للفظ الأَرْض وَلَيْسَ فِي التَّصْرِيح بتعددها هُنَا كثير نفع وَمَعَ هَذَا يحْتَمل أَن يُرَاد بهَا مَجْمُوع السَّمَاوَات وكل طبقَة وجهة مِنْهَا
وَالْبناء فِي الأَصْل مصدر أطلق على الْمَبْنِيّ بَيْتا كَانَ أَو قبَّة أَو خباء أَو طرافا وَمِنْه قَوْلهم بنى فلَان بأَهْله أَو على أَهله خلافًا للحريري لأَنهم كَانُوا إِذا تزوجوا ضربوا خباء جَدِيدا ليدخلوا على الْعَرُوس فِيهِ
وَالْمرَاد بِكَوْن السَّمَاء بِنَاء أَنَّهَا كالقبة المضروبة أَو أَنَّهَا كالسقف للْأَرْض
وَيُقَال لسقف الْبَيْت بِنَاء وَرُوِيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس
وَالْمرَاد من السَّمَاء فِي قَوْله ﴿وَأنزل من السَّمَاء مَاء﴾ جِهَة الْعُلُوّ أَو السَّحَاب.
وَإِرَادَة الْفلك الْمَخْصُوص - بِنَاء على الظَّوَاهِر - غير بعيدَة، نظرا إِلَى قدرَة الْملك الْقَادِر ﷻ وسمت عَن مدارك الْعقل أَفعاله إِلَّا أَن الشَّائِع أَن الشَّمْس إِذا سامتت بعض الْبحار والبراري أثارت من الْبحار بخارا رطبا وَمن البراري يَابسا فَإِذا صعد البخار إِلَى طبقَة الْهَوَاء الثَّالِثَة تكاثف فَإِن لم يكن الْبرد قَوِيا اجْتمع وتقاطر لثقله بالتكاثف.
стр. 10
فالمجتمع سَحَاب والمتقاطر مطر. وَإِن كَانَ الْبرد قَوِيا كَانَ ثلجا وبردا وَقد لَا ينْعَقد وَيُسمى ضبابا.
وعَلى هَذَا يُرَاد بالنزول من السَّمَاء نشوؤه من أَسبَاب سَمَاوِيَّة وتأثيرات أثيرية فَهِيَ مبدأ مجازي لَهُ على أَن من انجاب عَن عين بصيرته سَحَاب الْجَهْل رأى أَن مَا فِي هَذَا الْعَالم السفلي نَازل من عرش الْإِرَادَة وسماء الْقُدْرَة بِحَسب مَا تَقْتَضِيه الْحِكْمَة بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة كَمَا يُشِير إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه وَمَا ننزله إِلَّا بِقدر مَعْلُوم﴾ بل من علم أَن الله سُبْحَانَهُ فِي السَّمَاء على الْمَعْنى الَّذِي أَرَادَهُ وبالوصف الَّذِي يَلِيق بِهِ مَعَ التَّنْزِيه اللَّائِق بِجلَال ذَاته تَعَالَى صَحَّ لَهُ أَن يَقُول إِن مَا فِي الْعَالمين من تِلْكَ السَّمَاء وَنسبَة نُزُوله إِلَى غَيرهَا أَحْيَانًا لاعتبارات ظَاهِرَة وَهِي رَاجِعَة إِلَيْهِ فِي الْآخِرَة
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]
تَفْسِير هَذِه الْآيَة:
﴿اسْتَوَى﴾ أَي علا إِلَيْهَا وارتفع من غير تكييف وَلَا تَمْثِيل، وَلَا تَحْدِيد،
стр. 11
قَالَه الرّبيع أَو قصد إِلَيْهَا بإرادته قصدا سويا بِلَا صَارف يلويه وَلَا عاطف يثنيه من قَوْلهم اسْتَوَى إِلَيْهِ كالسهم الْمُرْسل إِذا قَصده قصدا مستويا من غير أَن يلوي على شَيْء قَالَ الْفراء
وَالْمرَاد ب ﴿السَّمَاء﴾ الأجرام العلوية أَو جِهَة الْعُلُوّ
وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِي خلق السَّمَاء وَمَا فِيهَا وَالْأَرْض وَمَا فِيهَا بِاعْتِبَار التَّقَدُّم والتأخر لتعارض الظَّوَاهِر فِي ذَلِك
فَذهب بَعضهم إِلَى تقدم خلق السَّمَاوَات لقَوْله تَعَالَى ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٣]
стр. 12
وَذهب آخَرُونَ إِلَى تقدم خلق الأَرْض لقَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]
وَجمع بَعضهم فَقَالَ: إِن قَوْله ﴿أخرج مِنْهَا ماءها﴾ بدل أَو عطف بَيَان لقَوْله ﴿دحاها﴾ أَي بسطها مُبين للمراد مِنْهُ فَيكون تأخرها لَيْسَ بِمَعْنى تَأَخّر ذَاتهَا بل بِمَعْنى تَأَخّر خلق مَا فِيهَا وتكميله وترتيبه بل خلق التَّمَتُّع وَالِانْتِفَاع بِهِ فَإِن البعدية كَمَا تكون بِاعْتِبَار نفس الشَّيْء تكون بِاعْتِبَار جزئه الْأَخير وَقَيده الْمَذْكُور كَمَا لَو قلت بعثت إِلَيْك رَسُولا ثمَّ كنت بعثت فلَانا لينْظر مَا يبلغهُ. فَبعث الثَّانِي وَإِن تقدم لَكِن مَا بعث لأَجله مُتَأَخّر فَجعل نَفسه مُتَأَخِّرًا
وَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ،
стр. 13
يُشِير إِلَى هَذَا. وَلَا يُعَارضهُ مَا رَوَاهُ ابْن جرير وَغَيره وصححوه عَنهُ أَيْضاأَن الْيَهُود أَتَت النَّبِي ﷺ فَسَأَلته عَن خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فَقَالَ خلق الله الأَرْض يَوْم الْأَحَد والاثنين وَخلق الْجبَال وَمَا فِيهِنَّ من الْمَنَافِع يَوْم الثُّلَاثَاء وَخلق يَوْم الْأَرْبَعَاء الشّجر والمدائن والعمران والخراب فَهَذِهِ أَرْبَعَة فَقَالَ تَعَالَى ﴿أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿سَوَاء للسائلين﴾ وَخلق يَوْم الْخَمِيس السَّمَاء وَخلق يَوْم الْجُمُعَة النُّجُوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالْمَلَائِكَة. (٢)
وَإِنَّمَا قُلْنَا وَلَا يُعَارضهُ إِلَى آخِره لجَوَاز أَن يحمل على أَنه خلق مَادَّة ذَلِك وأصوله إِذْ لَا يتَصَوَّر الْمَدَائِن والعمران والخراب قبل فعطفه عَلَيْهِ قرينَة لذَلِك.
وَاسْتشْكل الرَّازِيّ تَأَخّر التدحية عَن خلق السَّمَاء وَقَالَ إِن الأَرْض جسم عَظِيم فَامْتنعَ انفكاك خلقهَا عَن التدحية فَإِذا كَانَت التدحية مُتَأَخِّرَة كَانَ خلقهَا أَيْضا مُتَأَخِّرًا. стр. 14
وَهَذَا غَفلَة مِنْهُ لِأَن من يَقُول بتأخر دحوها عَن خلقهَا لَا يَقُول بعظمها ابْتِدَاء بل يَقُول إِنَّهَا فِي أول الْخلق كَانَت كَهَيئَةِ الفِهْر (١) ثمَّ دحيت فَيتَحَقَّق الانفكاك وَيصِح تَأَخّر دحوها عَن خلقهَا.
وَقَوله إِن خلق الْأَشْيَاء فِي الأَرْض لَا يُمكن إِلَّا إِذا كَانَت مدحوة لَا يخفى دَفعه بِنَاء على أَن المُرَاد بذلك خلق الْموَاد وَالْأُصُول لَا خلق الْأَشْيَاء فِيهَا كَمَا هُوَ الْيَوْم.
وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي أَن خلق السَّمَاء مقدم على خلق الأَرْض أَو مُؤخر نقل الإِمَام الواحدي عَن مقَاتل الأول وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَلم يَخْتَلِفُوا فِي أَن جَمِيع مَا فِي الأَرْض مِمَّا ترى مُؤخر عَن خلق السَّمَاوَات السَّبع بل اتَّفقُوا عَلَيْهِ.
فَحِينَئِذٍ يَجْعَل الْخلق فِي الْآيَة الْكَرِيمَة بِمَعْنى التَّقْدِير لَا الإيجاد أَو بِمَعْنَاهُ وَيقدر الْإِرَادَة وَيكون الْمَعْنى أَرَادَ خلق مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا لكم على حد ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة﴾ و ﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن﴾ وَلَا يُخَالِفهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها﴾ فَإِن الْمُتَقَدّم على خلق السَّمَاء إِنَّمَا هُوَ تَقْدِير الأَرْض وَجَمِيع مَا فِيهَا أَو إِرَادَة إيجادها والمتأخر عَن خلق السَّمَاء إِيجَاد الأَرْض وَجَمِيع مَا فِيهَا فَلَا إِشْكَال وَأما قَوْله ﴿خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ﴾ فعلى تَقْدِير الْإِرَادَة وَالْمعْنَى أَرَادَ خلق الأَرْض. стр. 15
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَجعل فِيهَا رواسي﴾ يَنْبَغِي أَن يكون بِمَعْنى أَرَادَ أَن يَجْعَل وَيُؤَيّد ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ فَإِن الظَّاهِر أَن المُرَاد أَتَيْنَا فِي الْوُجُود وَلَو كَانَت الأَرْض مَوْجُودَة سَابِقَة لما صَحَّ هَذَا
فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ اإنكم لتكفرون بِالَّذِي أَرَادَ إِيجَاد الأَرْض وَمَا فِيهَا من الرواسِي والأقوات فِي أَرْبَعَة أَيَّام ثمَّ قصد إِلَى السَّمَاء فتعلقت إِرَادَته بإيجاد السَّمَاء وَالْأَرْض فأطاعا بِأَمْر التكوين فأوجد سبع سماوات فِي يَوْمَيْنِ وأوجد الأَرْض وَمَا فِيهَا فِي أَرْبَعَة أَيَّام.
بَقِي هَا هُنَا بَيَان النُّكْتَة فِي تَغْيِير الأسلوب حَيْثُ قدم فِي الظَّاهِر هَاهُنَا وَفِي ﴿حم﴾ السَّجْدَة خلق الأَرْض وَمَا فِيهَا على خلق السَّمَاوَات وَعكس فِي (النازعات)
وَلَعَلَّ ذَلِك لِأَن الْمقَام فِي الْأَوَّلين مقَام الامتنان فمقتضاه تَقْدِيم مَا هُوَ نعْمَة نظرا إِلَى المخاطبين فَكَأَنَّهُ وَهُوَ الَّذِي دبر أَمركُم قبل خلق السَّمَاء ثمَّ خلق السَّمَاء وَالْمقَام فِي الثَّالِثَة مقَام بَيَان كَمَال الْقُدْرَة فمقتضاه تَقْدِيم مَا هُوَ أدل على كمالها
هَذَا وَالَّذِي يفهم من بعض عِبَارَات الْقَوْم أَن المحدد وَيُقَال لَهُ سَمَاء أَيْضا مَخْلُوق قبل الأَرْض وَمَا فِيهَا وَأَن الأَرْض نَفسهَا خلقت بعد ثمَّ بعد خلقهَا خلقت السَّمَاوَات السَّبع ثمَّ بعد السَّبع خلق مَا فِي الأَرْض من معادن ونبات ثمَّ ظهر عَالم الْحَيَوَان ثمَّ عَالم الْإِنْسَان.
فَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ حِينَئِذٍ قدره أَو أَرَادَ إيجاده أَو أوجد مواده
وَمعنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَجعل فِيهَا رواسي﴾ إِلَى آخِره فِي الْآيَة الْأُخْرَى على نَحْو هَذَا.
وَقَوله تَعَالَى ﴿وخلق الأَرْض﴾ فِيهَا على ظَاهره، وَلَا يأباه قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] إِلَى
стр. 16
آخِره لجَوَاز حمله على معنى ائتيا بِمَا خلقت فيكما من التَّأْثِير والتأثر وإبراز مَا أودعتكما من الأوضاع الْمُخْتَلفَة والكائنات المتنوعة أَو إتْيَان السَّمَاء حدوثها وإتيان الأَرْض أَن تصير مدحوة أَو لتأت كل مِنْكُمَا الْأُخْرَى فِي حُدُوث مَا أُرِيد توليده مِنْكُمَا.
وَبعد هَذَا كُله لَا يَخْلُو الْبَحْث من صعوبة وَمَا زَالَ النَّاس يستصعبونه من عهد الصَّحَابَة إِلَى الْآن وسنعود إِلَيْهِ مرّة أُخْرَى إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَمعنى سواهن أتمهن وقومهن وخلقهن ابْتِدَاء مصونات عَن العوج والفطور لَا أَنه سواهن بعد أَن لم يكن كَذَلِك فَهُوَ على حد قَوْلهم ضيق فَم الْبِئْر ووسع الدَّار.
لَا يُقَال إِن أَرْبَاب الأرصاد الْمُتَقَدِّمين أثبتوا تِسْعَة أفلاك وَهل هِيَ إِلَّا سماوات لأَنا نقُول هم لَا يزالون شاكين فِي النُّقْصَان وَالزِّيَادَة فَإِن مَا وجدوه من الحركات يُمكن ضَبطهَا بِثمَانِيَة وَسَبْعَة بل بِوَاحِد وَبَعْضهمْ أثبتوا بَين فلك الثوابت والأطلس كرة لضبط الْميل الْكُلِّي
وَقَالَ بعض محققيهم لم يتَبَيَّن لي إِلَى الْآن أَن كرة الثوابت كرة وَاحِدَة أَو كرات منطوية بَعْضهَا على بعض.
وَأطَال الإِمَام الرَّازِيّ الْكَلَام فِي ذَلِك
على أَنه إِن صَحَّ مَا شاع فَلَيْسَ فِي الْآيَة مَا يدل على نفي الزَّوَائِد بِنَاء على مَا اخْتَارَهُ الرَّازِيّ من أَن مَفْهُوم الْعدَد لَيْسَ بِحجَّة
وَكَلَام الْبَيْضَاوِيّ فِي تَفْسِيره يشيير إِلَيْهِ خلافًا لما فِي منهاجه الْمُوَافق
стр. 17
لما عَلَيْهِ الإِمَام الشَّافِعِي وَنَقله عَنهُ الْغَزالِيّ فِي "المنخول".
وَذكر عبد الْحَكِيم السيالكوتي الْهِنْدِيّ أَن الْحق أَن تَخْصِيص الْعدَد بِالذكر لَا يدل على نفي الزَّائِد وَالْخلاف فِي ذَلِك مَشْهُور
وَإِذا قُلْنَا بكرية الْعَرْش والكرسي لم يبْق كَلَام.
وَضمير ﴿فسواهن﴾ للسماء إِن فسرت بالأجرام
وَأما مَا ذهب إِلَيْهِ متأخرو الفلاسفة فَلَا سَمَاء عِنْدهم بل الأجرام العلوية قَائِمَة بالجاذبية فَإِن الشَّمْس وَسَائِر الْكَوَاكِب السيارات عَلَيْهَا بل وَجَمِيع الثوابت لَيست مركوزة فِي جسم من الْأَجْسَام والآيات القرآنية وَإِن لم يكن فِيهَا مَا يدل على خلاف مَا ذكر فِي الْكَوَاكِب بل رُبمَا كَانَ فِيهَا مَا يدل على مَا يُؤَيّد مَذْهَب الْمُتَأَخِّرين فَإِن النُّصُوص تشعر بِأَن مَا نشاهده من الحركات لَيست بالأجرام اشْتَمَلت على الْكَوَاكِب مثل قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار وكل فِي فلك يسبحون﴾
стр. 18
نعم المناقضة والمخالفة بَين مَذْهَب الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين فِي هَذَا الْبَاب فَإِن الْمُتَقَدِّمين قَالُوا إِن الْعَالم الجسماني كرة منضدة من ثَلَاث عشرَة كرة ومركز الْعَالم مَرْكَز كرة الأَرْض غير أَن الْمُتَأَخِّرين لم يثبتوا من السَّمَاوَات سبعا وَلَا أَكثر من ذَلِك وَلَا أنقص والمتشرعون مِنْهُم قَالُوا المُرَاد من السَّمَاوَات السَّبع أَصْنَاف أجرام الْكَوَاكِب فَإِنَّهُم جعلوها على سَبْعَة أَصْنَاف فِي الْمِقْدَار وَذَلِكَ هُوَ الضلال الْبعيد فَلَا يلْزم أَن يكون كل مَا لم تصل إِلَيْهِ أَيدي أفكارهم هُوَ فِي حيّز الْعَدَم ﴿بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ وَلما يَأْتهمْ تَأْوِيله﴾ فَإِن الرُّسُل ﷺ كلهم أخبروا بِوُجُود السَّمَاوَات فِي هَذَا الفضاء الَّذِي لَيْسَ لَهُ مبدأ وَلَا انْتِهَاء وَهَذَا خاتمهم ﷺ قد ذكر مَا ذكر مِمَّا رأى فِي معراجه فِي السَّمَاوَات واستفتاحه لَهَا بِوَاسِطَة جِبْرِيل كل ذَلِك يبطل تَأْوِيل من أوَّلَ.
وَسَيَأْتِي فِي ذَلِك كَلَام مفصل وَمَا ذَكرْنَاهُ هُنَا كَاف فِي الْمقَام وَالله ولي التَّوْفِيق.
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]
стр. 19
ذكر أهل التَّفْسِير أَن معَاذ بن جبل وثعلبة بن غنم قَالَا يَا رَسُول الله مَا بَال الْهلَال يَبْدُو ويطلع دَقِيقًا مثل الْخَيط ثمَّ يزِيد حَتَّى يعظم وَيَسْتَوِي ويستدير ثمَّ لَا يزَال ينقص ويدق حَتَّى يعود كَمَا كَانَ لَا يكون على حَال وَاحِدَة فَنزلت.
وَالسُّؤَال يحْتَمل أَن يكون عَن الْغَايَة وَالْحكمَة وَأَن يكون عَن السَّبَب وَالْعلَّة وَلَا نَص فِي الْآيَة وَالْخَبَر على أَحدهمَا.
أما الملفوظ من الْآيَة فَظَاهر وَأما الْمَحْذُوف فَيحْتَمل أَن يقدر مَا سَبَب اختلافها وَأَن يقدر مَا حكمته.
وَهِي وَإِن كَانَت فِي الظَّاهِر سؤالا عَن التَّعَدُّد إِلَّا أَنَّهَا فِي الْحَقِيقَة متضمنة للسؤال عَن اخْتِلَاف التشكلات النورية لِأَن التَّعَدُّد يتبع اختلافها إِذْ لَو كَانَ الْهلَال على شكل وَاحِد لَا يحصل التَّعَدُّد كَمَا لَا يخفى.
وَأما الْخَبَر فَلِأَن مَا فِيهِ يسْأَل بهَا عَن الْجِنْس وَحَقِيقَته فالمسؤول عَنهُ حِينَئِذٍ حَقِيقَة أَمر الْهلَال وشأنه حَال اخْتِلَاف تشكلاته النورية ثمَّ عوده إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ الْأَمر المسؤول عَن حَقِيقَته يحْتَمل ذَيْنك الْأَمريْنِ بِلَا ريب
стр. 20
فعلى الأول يكون الْجَواب بقوله ﴿قل هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس وَالْحج﴾ مطابقا مُبينًا للحكمة الظَّاهِرَة اللائقة بشأن التَّبْلِيغ الْعَام المذكرة لنعمة الله تَعَالَى ومزيد رأفته وَهِي أَن تكون معالم للنَّاس يوقتون بهَا أُمُورهم الدِّينِيَّة ويعلمون أَوْقَات زُرُوعهمْ ومتاجرهم ومعالم للعبادات يعرف بهَا أَوْقَاتهَا كالصيام والإفطار وخصوصا الْحَج فَإِن الْوَقْت مرَاعِي فِيهِ أَدَاء وَقَضَاء
وَلَو كَانَ الْهلَال مدورا كَالشَّمْسِ أَو ملازما حَالَة وَاحِدَة لم يكد يَتَيَسَّر التَّوْقِيت بِهِ وَلم يذكر ﷺ الْحِكْمَة الْبَاطِنَة لذَلِك مثل كَون اخْتِلَاف تشكلاته سَببا عاديا أَو جعليا لاخْتِلَاف أَحْوَال المواليد العنصرية كَمَا بَين فِي مَحَله لِأَنَّهُ مِمَّا لم يطلع عَلَيْهِ كل أحد
وعَلى الثَّانِي يكون من الأسلوب الْحَكِيم وَيُسمى القَوْل بِالْمُوجبِ وَهُوَ تلقي السَّائِل بِغَيْر مَا يتطلب بتنزيل سُؤَاله منزلَة غَيره تَنْبِيها على أَنه الأولى بِحَالهِ وَاخْتَارَهُ السكاكي وَجَمَاعَة. فَيكون فِي هَذَا الْجَواب إِشَارَة إِلَى أَن الأولى على تَقْدِير وُقُوع السُّؤَال أَن يسْأَلُوا عَن الْحِكْمَة لَا عَن السَّبَب لِأَنَّهُ لَا يتَعَلَّق بِهِ صَلَاح معاشهم ومعادهم وَالنَّبِيّ ﷺ إِنَّمَا بعث لبَيَان ذَلِك
وَبَعض عُلَمَاء الْهَيْئَة اليونانية قَالَ لَيْسُوا مِمَّن يطلع على دقائق علم الْهَيْئَة الْمَوْقُوفَة على الأرصاد والأدلة الفلسفية
وَهَذَا وهم لِأَن ذَلِك على فرض تَسْلِيمه فِي حق أُولَئِكَ الْمَشَّائِينَ فِي ركاب النُّبُوَّة والمرتاضين فِي رواق الفتوة والفائزين بإشراق الْأَنْوَار والمطلعين بأرصاد قُلُوبهم على دقائق الْأَسْرَار وَإِن لم يكن نقصا من قدرهم
стр. 21
إِلَّا أَنه يدل على أَن سَبَب الِاخْتِلَاف مَا بَين فِي علم الْهَيْئَة من بعد الْقَمَر عَن الشَّمْس وقربه إِلَيْهَا
وَهُوَ بَاطِل عِنْد أهل الشَّرِيعَة فَإِنَّهُ مَبْنِيّ على أُمُور لم يثبت جزما شَيْء مِنْهَا
غَايَة الْأَمر أَن الفلاسفة الأول تخيلوها مُوَافقَة فَمَا أبدعه الْحَكِيم الْمُطلق كَمَا يُشِير إِلَيْهِ كَلَام الشَّيْخ مُحي الدّين ﵀ فِي «فتوحاته» مِمَّا يُنَادي على أَن مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مُجَرّد تخيل لَا تأباه الْحِكْمَة وَلَيْسَ مطابقا لما فِي نفس الْأَمر أَن الْمُتَأَخِّرين مِمَّن انتظم فِي سلك الفلاسفة كهرشل الْحَكِيم وَأَتْبَاعه أَصْحَاب الرصد والزيج الْجَدِيد تخيلوا خلاف مَا ذهب إِلَيْهِ الْأَولونَ فِي أَمر الْهَيْئَة وَقَالُوا بِأَن الشَّمْس مَرْكَز وَالْأَرْض وَكَذَا النُّجُوم دَائِرَة حولهَا وبنوا حكم الْكُسُوف والخسوف وَنَحْوه على ذَلِك وبرهنوا عَلَيْهِ وردوا مخالفيه وَلم يتَخَلَّف شَيْء من أحكامهم فِي هَذَا الْبَاب بل يَقع بِحَسب مَا يَقع مَا يَقُوله الْأَولونَ مَبْنِيا على زعمهم.
فَحَيْثُ اتّفقت الْأَحْكَام مَعَ اخْتِلَاف المبنيين وتضاد المنشأين ورد أحد الزعمين بِالْآخرِ ارْتَفع الوثوق بكلا المذهبين وَوَجَب الرُّجُوع إِلَى الْعلم المقتبس من مشكاة الرسَالَة والمنقدح من أنوار شمس السِّيَادَة والبسالة والاعتماد على مَا قَالَه الشَّارِع الْأَعْظَم ﷺ بعد إمعان النّظر فِيهِ وَحمله على أحسن مَعَانِيه!
وَإِذا أمكن الْجمع بَين مَا يَقُوله الفلاسفة كَيفَ كَانُوا مِمَّا يقبله الْعقل، وَبَين
стр. 22
مَا يَقُوله سيد الْحُكَمَاء وَنور أهل الأَرْض وَالسَّمَاء فَلَا بَأْس بِهِ بل هُوَ الْأَلْيَق الأحرى فِي دفع الشكوك الَّتِي كثيرا مَا تعرض لِضُعَفَاء الْمُؤمنِينَ.
وَإِذا لم يكن ذَلِك فَعَلَيْك بِمَا دارت عَلَيْهِ أفلاك الشَّرْع وتنزلت بِهِ أَمْلَاك الْحق.
وسنتكلم فِيمَا يتَعَلَّق بِأَحْكَام الْقَمَر فِيمَا يُنَاسِبهَا من الْآيَات الْآتِيَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]
تَفْسِير هَذِه الْآيَة
الْكُرْسِيّ جسم بَين يَدي الْعَرْش مُحِيط بالسماوات وَالْأَرْض وَقد أخرج جرير وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ "لَو أَن السَّمَاوَات السَّبع وَالْأَرضين السَّبع بسطن ثمَّ وصلن بَعضهنَّ إِلَى بعض مَا كن فِي سعته أَي الْكُرْسِيّ إِلَّا بِمَنْزِلَة الْحلقَة بالمفازة".
وَهُوَ غير الْعَرْش كَمَا يدل عَلَيْهِ مَا أخرجه ابْن جرير عَن أبي ذَر أَنه سَالَ النَّبِي ﷺ عَن الْكُرْسِيّ فَقَالَ يَا أَبَا ذَر مَا السَّمَاوَات السَّبع والأرضون السَّبع عِنْد الْكُرْسِيّ إِلَّا كحلقة ملقاة بِأَرْض
стр. 23
فلاة وَإِن فضل الْعَرْش على الْكُرْسِيّ كفضل الفلاة على تِلْكَ الْحلقَة. (١)
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ ﴿كرسيه﴾ مَوضِع قَدَمَيْهِ وَالْعرش لَا يقدر قدره وَقيل هُوَ الْعَرْش نَفسه وَنسب ذَلِك إِلَى الْحسن. وَقيل قدرَة الله تَعَالَى وَقيل تَدْبيره وَقيل ملك من مَلَائكَته وَقيل هُوَ مجَاز عَن الْعلم من تَسْمِيَة الشَّيْء بمكانه لِأَن الْكُرْسِيّ مَكَان الْعَالم الَّذِي فِيهِ الْعلم فَيكون مَكَانا للْعلم بتبعيته لِأَن الْعرض يتبع الْمحل فِي التحيز حَتَّى ذَهَبُوا إِلَى أَنه معنى قيام الْعرض بِالْمحل وَحكي ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَقيل عَن الْملك أخذا من كرْسِي الْملك وَقيل أصل الْكُرْسِيّ مَا يجلس عَلَيْهِ وَلَا يفضل عَن مقْعد الْقَاعِد وَالْكَلَام مسوق على سَبِيل التَّمْثِيل لعظمته تَعَالَى شَأْنه وسعة سُلْطَانه وإحاطة علمه بالأشياء قاطبة فَفِي الْكَلَام اسْتِعَارَة تمثيلية وَلَيْسَ ثمَّة كرْسِي وَلَا قَاعد وَلَا قعُود وَهَذَا الَّذِي أختاره الجم الْغَفِير من الْخلف فِرَارًا من توهم التجسيم وحملوا الْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهرهَا حمل الْكُرْسِيّ على الْجِسْم الْمُحِيط على مثل ذَلِك وَلَا سِيمَا الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا ذكر الْقدَم كَمَا قدمنَا وكالحديث الَّذِي أخرجه الْبَيْهَقِيّ وَغَيره عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: стр. 24
"الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ وَله أطيط كأطيط الرحل الْجَدِيد إِذا ركب عَلَيْهِ من يثقله مَا يفضل مِنْهُ أَربع أَصَابِع" (١).
وَأَنت تعلم أَن ذَلِك وَأَمْثَاله لَيْسَ بالداعي الْقوي لنفي الْكُرْسِيّ بِالْكُلِّيَّةِ
فَالْحق أَنه ثَابت كَمَا نطقت بِهِ الْأَخْبَار الصَّحِيحَة وتوهم التجسيم لَا يعبأ بِهِ وَإِلَّا لزم نفي الْكثير من الصِّفَات وَهُوَ بمعزل عَن اتِّبَاع الشَّارِع وَالتَّسْلِيم لَهُ.
وَأكْثر السّلف الصَّالح جعلُوا ذَلِك من الْمُتَشَابه الَّذِي لَا يحيطون بِهِ علما وفوضوا علمه إِلَى الله تَعَالَى مَعَ القَوْل بغاية التَّنْزِيه وَالتَّقْدِيس لَهُ تَعَالَى شَأْنه.
والقائلون بِالظَّاهِرِ من الصُّوفِيَّة لم يشكل عَلَيْهِم شَيْء من أَمْثَال ذَلِك.
وَقد ذكر بعض العارفين مِنْهُم أَن (الْكُرْسِيّ) عبارَة عَن تجلي جملَة الصِّفَات الفعلية فَهُوَ مظهر إلهي وَمحل نُفُوذ الْأَمر وَالنَّهْي والإيجاد والإعدام الْمعبر عَنْهُمَا بالقدمين. وَقد وسع السَّمَوَات وَالْأَرْض وسع وجود عَيْني ووسع حكمي لِأَن وجودهما الْمُقَيد من آثَار الصِّفَات الفعلية الَّذِي هُوَ مظهر لَهَا وَلَيْسَت القدمان فِي الْأَحَادِيث عبارَة عَن قدمي الرجلَيْن وَمحل النَّعْلَيْنِ تَعَالَى الله سُبْحَانَهُ عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَلَا الأطيط عبارَة عَمَّا تسمعه وتفهمه فِي الشَّاهِد بل هُوَ إِن لم تفوض علمه إِلَى الْعَلِيم الْخَبِير إِشَارَة إِلَى بروز الْأَشْيَاء المتضادة أَو اجتماعها فِي ذَلِك الْمظهر الَّذِي هُوَ منشأ التَّفْصِيل والإبهام وَمحل الإيجاد والإعدام، ومركز الضّر والنفع والتفريق وَالْجمع. وَمعنى "مَا يفضل стр. 25
مِنْهُ أَربع أَصَابِع إِن كَانَ الضَّمِير رَاجعا إِلَى الرجل ظَاهر وَإِن كَانَ رَاجعا إِلَى الْكُرْسِيّ فَهُوَ إِشَارَة إِلَى وجود حضرات هِيَ مظَاهر لبَعض الْأَسْمَاء لم تبرز إِلَى عَالم الْحس وَلم يُمكن أَن يَرَاهَا إِلَّا من ولد مرَّتَيْنِ وَلَيْسَ المُرَاد من الْأَصَابِع الْأَرْبَع مَا تعرفه من نَفسك.
وللصوفية فِي هَذَا الْمقَام كَلَام غير هَذَا ولعلنا نشِير إِلَى بعض مِنْهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأَنا أَقُول غير مبال بجهول: إِن غَالب هَذِه الْأَقْوَال لَيست برطب إِذْ أعدت وَلَا يبس، والمعول عَلَيْهِ مَا أَرَادَ الله تَعَالَى وَرَسُوله بِظَاهِر كَلَامهمَا ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]
стр. 26
سُورَة آل عمرَان
فِي هَذِه السُّورَة قَوْله تَعَالَى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]
هَذِه الْآيَة كثيرا مَا يصدر مصنفو علم الْهَيْئَة بهَا كتبهمْ ظنا مِنْهُم أَنَّهَا تنوه بفنهم وتحث على الِاشْتِغَال بِهِ
وللرازي فِي تَفْسِيرهَا كَلَام يُوضح مَا قُلْنَاهُ
وَقَالَ غَيره ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي فِي اتحادهما وإنشائهما على مَا هما عَلَيْهِ من الْعَجَائِب والبدائع ﴿وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ أَي تعاقبهما ومجيء كل مِنْهُمَا خلف الآخر بِحَسب طُلُوع الشَّمْس وغروبها التَّابِعين لسباحتها فِي بَحر قدرته سُبْحَانَهُ بِحَسب إِرَادَته
وَكَون ذَلِك تَابعا لحركة السَّمَوَات وَسُكُون الأَرْض مُخَالف لما ذهب إِلَيْهِ جُمْهُور أهل السّنة من الْمُحدثين وَغَيرهم من سُكُون السَّمَاوَات وتحرك النُّجُوم أَنْفسهَا بِتَقْدِير الله تَعَالَى الْعَلِيم وَهُوَ مُوَافق من بعض الْوُجُوه لما ذهب إِلَيْهِ متأخرو الفلاسفة من أَن مَرْكَز السيارات هُوَ الشَّمْس.
стр. 27
وَقَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين بن عَرَبِيّ: إِن الله تَعَالَى جعل هَذِه السَّمَاوَات سَاكِنة وَخلق فِيهَا نجوما تسبح بهَا وَجعل لَهَا فِي سباحتها حركات مقدرَة لَا تزيد وَلَا تنقص وَجعلهَا تسير فِي جرم السَّمَاء الَّذِي هُوَ مساحتها فتخرق الْهَوَاء المماس لَهَا فَيحدث بسيرها أصوات ونغمات مطربة لكَون سَيرهَا على وزن مَعْلُوم فَتلك نغمات الأفلاك الْحَادِثَة من قطع الْكَوَاكِب المسافات السماوية.
وَجعل أَصْحَاب علم الْهَيْئَة للأفلاك ترتيبا مُمكنا فِي حكم الْعقل وَجعلُوا الْكَوَاكِب فِيهِ كالشامات على سطح الْجِسْم.
وكل مَا قَالُوهُ يُعْطِيهِ ميزَان حركاتها وَإِن الله تَعَالَى لَو فعل ذَلِك كَمَا ذَكرُوهُ لَكَانَ السّير السّير بِعَيْنِه وَلذَلِك يصيبون فِي علم الكسوفات وَنَحْوه.
وَقَالُوا إِن السَّمَاوَات كالأكر وَإِن الأَرْض فِي جوفها وَذَلِكَ كُله تَرْتِيب وضعي يجوز فِي الْإِمْكَان غَيره وهم مصيبون فِي الأوزان مخطئون فِي أَن الْأَمر كَمَا رتبوه.
قَالَ: فَلَيْسَ الْأَمر إِلَّا على مَا ذَكرْنَاهُ شُهُودًا. انْتهى
وَيُؤَيّد دَعْوَى: أَنه يجوز فِي الْإِمْكَان غَيره مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَاب الزيج الْجَدِيد من أَن الشَّمْس سَاكِنة لَا تتحرك أصلا وَأَنَّهَا مَرْكَز الْعَالم وَأَن الأَرْض وَكَذَا سَائِر السيارات والثوابت تتحرك عَلَيْهَا وَأَقَامُوا على ذَلِك الْأَدِلَّة والبراهين بزعمهم وبنوا عَلَيْهِ الْكُسُوف والخسوف وَنَحْوهمَا وَلم يتَخَلَّف شَيْء من ذَلِك.
стр. 28
فَهَذَا يشْعر بِأَنَّهُ لَا قطع فِيمَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَاب الْهَيْئَة.
وَيحْتَمل أَن يُرَاد بـ ﴿واخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ تفاوتهما بازدياد كل مِنْهُمَا بانتقاص الآخر وانتقاصه بازدياده باخْتلَاف حَالَة الشَّمْس بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا قربا وبعدا بِحَسب الْأَزْمِنَة أَو فِي اخْتِلَافهمَا وتفاوتهما بِحَسب الْأَمْكِنَة إِمَّا فِي الطول وَالْقصر فَإِن الْبِلَاد الْقَرِيبَة من قطب الشمَال أَيَّامهَا الصيفية أطول ولياليها الصيفية أقصر من أَيَّام الْبِلَاد الْبَعِيدَة مِنْهُ ولياليها
وَإِمَّا فِي أَنفسهمَا فَإِن كرية الأَرْض تَقْتَضِي أَن يكون بعض الْأَوْقَات فِي بعض الْأَمَاكِن لَيْلًا وَفِي مُقَابِله نَهَارا وَفِي بَعْضهَا صباحا وَفِي بَعْضهَا ظهرا أَو عصرا أَو غير ذَلِك.
وَهَذَا مِمَّا لَا شُبْهَة فِيهِ عِنْد كثير من النَّاس وَلَيْسَ بالبعيد بل اخْتِلَاف الْأَوْقَات فِي الْأَمَاكِن مشَاهد محسوس لَا يخْتَلف فِيهِ اثْنَان.
إِلَّا أَن فِي كرية الأَرْض اخْتِلَافا فقد ذكر الشَّيْخ مُحي الدّين أَن الله تَعَالَى بعد أَن خلق الْفلك المكوكب فِي جَوف الْفلك الأطلس خلق الأَرْض سبع طَبَقَات وَجعل كل أَرض أَصْغَر من الْأُخْرَى ليَكُون على كل أَرض قبَّة سَمَاء فَلَمَّا قدر خلقهَا وَقدر فِيهَا أقواتها واكتسى الْهَوَاء صُورَة البخار الَّذِي هُوَ الدُّخان فتق ذَلِك الدُّخان سبع سماوات طباقا وأجساما شفافة وَجعلهَا على الْأَرْضين كالقباب على كل أَرض سَمَاء أطرافها عَلَيْهَا نصف كرة وكرة الأَرْض لَهَا كالبساط فَهِيَ مدحية دحاها من أجل السَّمَاء أَن تكون عَلَيْهَا،
стр. 29
وَجعل فِي كل سَمَاء من هَذِه وَاحِدَة من الْجَوَارِي على التَّرْتِيب الْمَعْرُوف. انْتهى.
قَالَ الْجدُّ (١) متعقباً: وَالْقلب يمِيل إِلَى الكرية وَالله لَا يستحيي من الْحق
قَالَ وَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّيْخ أَمر شهودي وَفِيه الْمُوَافق والمخالف لما ذهب إِلَيْهِ مُعظم الْمُحدثين وَأكْثر عُلَمَاء الدّين وَالَّذِي قطع بِهِ بعض الْمُحَقِّقين أَنه لم يَجِيء فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المرفوعة مَا يفصل أَمر السَّمَاوَات وَالْأَرْض أتم تَفْصِيل إِذْ لَيست الْمَسْأَلَة من الْمُهِمَّات فِي نظر الشَّارِع ﷺ والمهم فِي نظره مِنْهَا وَاضح لَا مرية فِيهِ وَسُبْحَان من لَا يتعاصى قدرته شَيْء.
و ﴿اللَّيْل﴾ وَاحِد بِمَعْنى جمع وواحدته لَيْلَة مثل تمر وَتَمْرَة.
وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿لآيَات لأولي الْأَلْبَاب﴾ أَي إِنَّهَا دلالات على وحدانية الله تَعَالَى وَكَمَال علمه وَقدرته وأولو الْأَلْبَاب أَصْحَاب الْعُقُول الْخَالِصَة عَن شوائب الْحس وَالوهم وَوجه دلالات الْمَذْكُورَات على وحدته تَعَالَى أَنَّهَا تدل على وجود الصَّانِع دلَالَة الدُّخان على النَّار لتغيرها المستلزم لحدوثها واستنادها إِلَى مُؤثر قديم
وَمَتى دلّت على ذَلِك لزم مِنْهُ الْوحدَة وَوجه دلالتها على كَمَال علمه وَقدرته أَنَّهَا فِي غَايَة الإتقان وَنِهَايَة الإحكام لمن تَأمل فِيهَا وتفكر فِي ظَاهرهَا وخافيها وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَمَال الْعلم وَالْقُدْرَة كَمَا لَا يخفى. стр. 30
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿ويتفكرون فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فقنا عَذَاب النَّار﴾ فقد فَسرهَا ابْن الْقيم فِي كِتَابه (بَدَائِع الْفَوَائِد) أحسن تَفْسِير وَاسْتدلَّ بهَا على وجود الصَّانِع والنبوات وعَلى الْمعَاد وَالْجنَّة وَالنَّار باستدلال عَجِيب لَيْسَ من مَوْضُوع كتَابنَا هَذَا. فَمن أَرَادَهُ، فَليرْجع إِلَيْهِ.
стр. 31
سُورَة الْأَنْعَام
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]
المُرَاد ب ﴿النُّجُوم﴾ مَا عدا النيرين لِأَنَّهَا الَّتِي بهَا الاهتداء وَلِأَن النَّجْم يخص فِي الْعرف بِمَا عداهما وَجوز أَن يدخلا فِيهَا فَيكون هَذَا بَيَانا لفائدتها الْعَامَّة إِثْر بَيَان فائدتهما الْخَاصَّة
والمنجمون يقسمون النُّجُوم إِلَى ثوابت وسيارات. والسيارات عِنْد الْمُتَقَدِّمين سبع بإجماعهم وَعند المنجمين الْيَوْم وهم أهل الْهَيْئَة الجديدة أَن الشَّمْس فِي وسط الْكَوَاكِب الَّتِي تَدور حولهَا وَأَنَّهَا أعظم من الأَرْض بِأَلف ألف مرّة وَثَلَاث مئة وَثَمَانِية وَعشْرين ألف مرّة وَأَن لَهَا حَرَكَة على نَفسهَا وَقد استنبط بعض عُلَمَائهمْ من تحول كلفها الَّذِي يظْهر على ظهرهَا ورجوعه فِي أزمنة مَخْصُوصَة أَنَّهَا تَدور على نَفسهَا فِي خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا واثنتي عشرَة سَاعَة وجزموا بِأَن لَيْسَ لَهَا حَرَكَة حول الأَرْض بل للْأَرْض حَرَكَة حولهَا وَأَن الأَرْض إِحْدَى السيارات.
стр. 32
وَهِي عِنْدهم عُطَارِد والزهرة وَالْأَرْض والمريخ ووسنة وَقد كشفها رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ أولبوس فِي حُدُود سنة ثَلَاث وَعشْرين ومئتين وَألف لِلْهِجْرَةِ ونبتون وَقد كشفها رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ هاردنق فِي حُدُود سنة عشْرين ومئتين وَألف لِلْهِجْرَةِ وسيرس وَقد كشفها رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ بياظى فِي حُدُود سنة سِتّ عشرَة ومئتين وَألف لِلْهِجْرَةِ وبلاس وَقد كشفها أولبوس أَيْضا فِي حُدُود سنة سبع عشرَة ومئتين وَألف وَالْمُشْتَرِي وزحل وأورانوس وَقد كشفها رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ هرشل فِي حُدُود سنة سبع وَتِسْعين ومئة وَألف لِلْهِجْرَةِ.
وَلم يعدوا الْقَمَر من السيارات بل من سيارات السيارات لِأَنَّهُ يَدُور حول الأَرْض ودورانها حول الشَّمْس وَهُوَ عِنْدهم دون عظم الأَرْض بتسع وَأَرْبَعين مرّة وَزَعَمُوا أَن بعد الشَّمْس عَن الأَرْض أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ ألف ألف فَرسَخ فرنسي وَهُوَ الْمُقدر بمسافة سَاعَة وَخمْس مئة ألف فَرسَخ وَمَعَ هَذَا يصل نورها إِلَيْنَا فِي مُدَّة ثَمَانِي دقائق وَثَلَاث عشرَة ثَانِيَة وَأَن الْبعد الْأَبْعَد للقمر عَنْهَا أحد وَتسْعُونَ ألفا وَأَرْبع مئة وَخَمْسُونَ فرسخا والبعد الْأَقْرَب لَهُ ثَمَانُون ألفا ومئة وَخَمْسَة فراسخ فَيكون الْبعد الْأَوْسَط نَحْو سِتَّة وَثَمَانِينَ ألف فَرسَخ.
وَكَانُوا يَزْعمُونَ من قبل أَن لَيْسَ للشمس حَرَكَة على كَوْكَب آخر وَإِنَّمَا لَهَا حَرَكَة على نَفسهَا فَقَط ثمَّ أدركوا أَن لَهَا حَرَكَة على كَوْكَب من كواكب الثريا وجوزوا أَن يكون لذَلِك الْكَوْكَب حَرَكَة على كَوْكَب آخر أبعد مِنْهُ وَهَكَذَا إِلَى مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى. فَإِن سَعَة الجو غير متناهية عِنْدهم، وَفِيه
стр. 33
من الْكَوَاكِب مَا لَا يتناهى أَيْضا وَزَعَمُوا أَن من هاتيك الْكَوَاكِب مَا لَا يصل نوره إِلَى الأَرْض فِي مئة سنة بل أَكثر مَعَ شدَّة سرعَة الضَّوْء كَمَا أُشير إِلَيْهِ آنِفا فِي بَيَان حَرَكَة ضوء الشَّمْس.
والنجوم الثوابت لَا يعلم عدتهَا إِلَّا الله تَعَالَى والمرصود مِنْهَا ألف وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ نجما بِإِدْخَال الضفيرة وَمن أخرجهَا قَالَ هِيَ ألف وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ نجما ورتبوا الثوابت على سِتّ أقدار وسموها أقدارا متزايدة سدسا سدسا وَجعلُوا كل قدر على ثَلَاث مَرَاتِب أعظم وأوسط وأصغر
وَلَهُم تقسيمات لَهَا أخر باعتبارات أخر بنوا عَلَيْهَا مَا بنوا وَلَا يكَاد يسلم لَهُم إِلَّا مَا لم يلْزم مِنْهُ مَحْذُور فِي الدّين
وَمعنى ﴿لتهتدوا بهَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر﴾ أَي فِي ظلمات اللَّيْل فِي الْبر وَالْبَحْر أَو فِي مُشْتَبهَات الطّرق وسماها ﴿ظلمات﴾ على الِاسْتِعَارَة
وَقد ذكر ابْن قُتَيْبَة فِي «كتاب الأنواء» كَيْفيَّة اسْتِدْلَال الْعَرَب بالنجوم والماهر فِيهِ من قبائلهم ولعلنا نلم بذلك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَهَذَا إِفْرَاد لبَعض مَنَافِعهَا بِالذكر بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْمقَام وَإِلَّا فَهِيَ أجدى من تفاريق الْعَصَا وَهِي فِي جَمِيع مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا كَسَائِر الْبَاب.
أما تعلم علم النُّجُوم وَمَعْرِفَة البروج والمنازل والأوضاع وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يتَوَصَّل إِلَى مصلحَة دينية فَلَا بَأْس بِهِ والمنهي عَنهُ من عُلُوم النُّجُوم، مَا
стр. 34
يَدعِيهِ أَهلهَا من معرفَة الْحَوَادِث الْآتِيَة فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان يَزْعمُونَ أَنهم يدركون ذَلِك بسير الْكَوَاكِب لاقترانها وافتراقها وَهَذَا علم اسْتَأْثر الله تَعَالَى بِهِ لَا يُعلمهُ أحد غَيره فَمن ادّعى علمه بذلك فَهُوَ مَرْدُود عَلَيْهِ.
فَأَما من يَقُول إِن الاقتران والافتراق الَّذِي هُوَ كَذَا جعله الله عَلامَة بِمُقْتَضى مَا اطردت بِهِ عَادَته الإلهية على وُقُوع كَذَا وَقد يتَخَلَّف فَلَا إِثْم عَلَيْهِ بذلك
وَكَذَا الْإِخْبَار عَمَّا يدْرك بطرِيق الْمُشَاهدَة من عُلُوم النُّجُوم الَّذِي يعلم بِهِ الزَّوَال وجهة الْقبْلَة وَكم مضى وَكم بَقِي من الْوَقْت فَإِنَّهُ لَا إِثْم فِيهِ بل هُوَ فرض كِفَايَة
وَأما مَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَن رَسُول الله ﷺ صلى صَلَاة الصُّبْح فِي إِثْر مَاء أَي مطر كَانَ من اللَّيْل فَلَمَّا انْصَرف أقبل على أَصْحَابه فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ أصبح من عبَادي مُؤمن بِي وَكَافِر فَأَما من قَالَ مُطِرْنَا بِفضل الله تَعَالَى فَذَاك مُؤمن بِي كَافِر بالكواكب وَمن قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا فَذَاك كَافِر بِي مُؤمن بالكواكب فقد قَالَ أهل الْعلم وَمِنْهُم ابْن قُتَيْبَة فِي «كتاب الأنواء» إِنَّه مَحْمُول على مَا إِذا قَالَ ذَلِك مرِيدا أَن النوء هُوَ الْمُحدث أما لَو قَالَ ذَلِك على معنى أَن النوء عَلامَة على نزُول الْمَطَر ومنزله هُوَ الله تَعَالَى وَحده فَلَا يكفر لَكِن يكره لَهُ قَول ذَلِك لِأَنَّهُ من أَلْفَاظ الْكفْر.
وَفِي «كتاب مِفْتَاح دَار السَّعَادَة» لِابْنِ الْقيم كَلَام مفصل فِي إبِْطَال علم النُّجُوم
وسنعود إِلَى الْكَلَام على ذَلِك فِيمَا يُنَاسِبه من الْآيَات.
стр. 35
وَالْمَقْصُود أَن الاهتداء بالنجوم فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر لَيْسَ فِي قَوَاعِد الْهَيْئَة الجديدة مَا يَأْبَى هَذِه الْآيَة بل الْكل متفقون على الاهتداء بهَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر وَلَهُم فِي ذَلِك كتب وقواعد مَشْهُورَة يتخذها ربانو المراكب والجائلون فِي فيافي البراري، وَالله ولي التَّوْفِيق
стр. 36
سُورَة الْأَعْرَاف
قَالَ الله تَعَالَى فِيهَا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]
تَفْسِير هَذِه الْآيَة
عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "الْمَيِّت تحضره الْمَلَائِكَة فَإِذا كَانَ الرجل صَالحا قَالَ أَخْرِجِي أيتها النَّفس الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب أَخْرِجِي حميدة وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب رَاض غير غَضْبَان فَلَا تزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى تخرج ثمَّ يعرج بهَا إِلَى السَّمَاء فيستفتح لَهَا فَيُقَال من هَذَا فَيَقُولُونَ فلَان ابْن فلَان فَيُقَال مرْحَبًا بِالنَّفسِ الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب أدخلي حميدة وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب رَاض غير غَضْبَان فَلَا تزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة" (٢).
والْحَدِيث مَشْهُور. وَكَون السَّمَاء لَهَا أَبْوَاب تفتح للأعمال الصَّالِحَة والأرواح الطّيبَة قد تفتحت لَهُ أَبْوَاب الْقبُول للنصوص الْوَارِدَة فِيهِ وَمِنْهَا حَدِيث الْمِعْرَاج (٣). وَهُوَ ثَابت فِي الْكتب الصَّحِيحَة وَفِيه ذكر أَبْوَاب السَّمَاء على وَجه لَا يقبل التَّأْوِيل وَهُوَ أَمر مُمكن أخبر بِهِ الصَّادِق فَلَا حَاجَة إِلَى تَأْوِيله. стр. 37
والمعترفون بالسماوات من الفلاسفة أَنْكَرُوا أَن يكون لَهَا أَبْوَاب قَالُوا لِأَن السَّمَاء كرية لَا تقبل الْخرق والالتئام
وَهَذَا قَوْلهم بأفواههم لَا يتم لَهُ دَلِيل عِنْد أهل الْحق
وَظَاهر كَلَام أهل الْهَيْئَة الجديدة جَوَاز الْخرق والالتئام على الأفلاك لكِنهمْ لَا يعترفون بِوُجُود السَّمَاوَات السَّبع على الْوَجْه الَّذِي نطقت بِهِ النُّصُوص فَإِن مثل هَذِه الدقائق لَا تصل إِلَيْهِ يَد أفكارهم القاصرة وَلَا لَهُم آلَة يدركون بهَا حقائق الْأُمُور بل إِن مثل هَذِه الْأُمُور لَا تمكن الْإِحَاطَة بهَا وَالدُّخُول فِي حقائقها إِلَّا من أَبْوَاب النُّبُوَّة وَالْوَحي الرباني وَالسَّلَام على من أتبع الْهدى.
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]
تَفْسِير مثل هَذِه الْآيَة سبق فِي سُورَة الْبَقَرَة فنفسرها على سَبِيل الِاخْتِصَار فَنَقُول ﴿إِن ربكُم﴾ أَي خالقكم ومالككم ﴿الَّذِي خلق السَّمَاوَات﴾ السَّبع
﴿وَالْأَرْض﴾ بِمَا فِيهَا ﴿فِي سِتَّة أَيَّام﴾ والمفسرون قَالُوا المُرَاد بِالْأَيَّامِ الْأَوْقَات أَي فِي سِتَّة أَوْقَات أَو فِي مِقْدَار سِتَّة أَيَّام على حذف مُضَاف كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ ﴿وَلَهُم رزقهم فِيهَا بكرَة وعشيا﴾ فَإِن الْمُتَعَارف أَن الْيَوْم من طُلُوع الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا وَلم تكن هِيَ حِينَئِذٍ مَوْجُودَة نعم الْعَرْش وَهُوَ المحدد على الْمَشْهُور عِنْد الفلاسفة مَوْجُود إِذْ ذَاك لَكِن ذَاك لَيْسَ نَافِعًا فِي تحقق الْيَوْم الْعرفِيّ.
وَإِلَى حمل الْيَوْم على الْمُتَعَارف وَتَقْدِير الْمُضَاف ذهب جمع من الْعلمَاء،
стр. 38
وَادعوا أَن ابْتِدَاء الْخلق كَانَ يَوْم الْأَحَد وَلم يكن فِي السبت خلق أخذا لَهُ من السبت بِمَعْنى الْقطع لقطع الْخلق فِيهِ ولتمام الْخلق فِي يَوْم الْجُمُعَة واجتماعه فِيهِ سمي بذلك. فَأول يَوْم وَقع فِيهِ الْخلق يُقَال لَهُ الْأَحَد وَثَانِي يَوْم الِاثْنَيْنِ وَهَكَذَا وَيَوْم جمع فِيهِ الْخلق الْجُمُعَة.
وَذهب آخَرُونَ إِلَى حمل الْيَوْم على الْيَوْم اللّغَوِيّ وَعدم تَقْدِير مُضَاف قبله وَقَالُوا كَانَ مِقْدَار كل يَوْم ألف سنة ﴿وَإِن يَوْمًا عِنْد رَبك كألف سنة مِمَّا تَعدونَ﴾.
وَمَا ذَكرْنَاهُ سَابِقًا من تَفْسِير الْأَيَّام بالأوقات أَو تَقْدِير مُضَاف وَهُوَ مِقْدَار سِتَّة أَيَّام هُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ القاصرون من الْمُفَسّرين عَن الْوُصُول إِلَى مَا ورد فِي الشَّرِيعَة الغراء فقد ذكر الإِمَام تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس ابْن تَيْمِية فِي «منهاج السّنة» وَغَيره من مؤلفاته أَن الْأَيَّام كَانَت تعرف قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَمَا فِيهَا
بأنوار تشرق من جَانب الْعَرْش يعرف بهَا كل يَوْم من أَيَّام الْأُسْبُوع وَبرهن على ذَلِك بِمَا يَنْبَغِي مُرَاجعَته
وَفِي خلقه سُبْحَانَهُ الْأَشْيَاء مدرجا تَعْلِيم لِلْخلقِ التثبت والتأني فِي الْأُمُور.
стр. 39
وَقَوله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ مَعْنَاهُ أَنه اسْتَوَى عَلَيْهِ اسْتِوَاء يَلِيق بِذَاتِهِ لَا أَن المُرَاد بِهِ استولى كَمَا ذهب إِلَيْهِ المعاندون واعتقدوا أَن لَيْسَ فَوق الْعَرْش إِلَه يعبد مَعَ أَن نُصُوص الْكتاب وَالسّنة ترغم أنوفهم وَكَلَام السّلف فِي هَذَا الْبَاب مَشْهُور
و ﴿الْعَرْش﴾ فِي الْمَشْهُور الْجِسْم الْمُحِيط بِسَائِر الْأَجْسَام سمي بِهِ إِمَّا لارتفاعه وَإِمَّا للتشبيه بسرير الْملك فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ عرش وَمِنْه قَوْله ﴿وَلها عرش عَظِيم﴾ فِي عرش بلقيس لِأَن الْأُمُور والتدبيرات تنزل مِنْهُ.
وَمعنى قَوْله تَعَالَى ﴿يغشي اللَّيْل النَّهَار﴾ أَي يُغطي سُبْحَانَهُ النَّهَار بِاللَّيْلِ
وَلما كَانَ المغطى يجْتَمع مَعَ المغطي وجودا وَذَلِكَ لَا يتَصَوَّر هُنَا قَالُوا الْمَعْنى يلْبسهُ مَكَانَهُ فَيصير الجو مظلما بعد مَا كَانَ مضيئا.
وَمعنى قَوْله ﴿يَطْلُبهُ حثيثا﴾ أَي سَرِيعا.
وَقَوله ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره﴾ أَي خَلقهنَّ حَال كونهن مذللات تابعات لتصرفه سُبْحَانَهُ فِيهِنَّ بِمَا شَاءَ غير ممتنعات عَلَيْهِ جلّ شَأْنه كأنهن مميزات أمرن فانقدن وإفراد الشَّمْس وَالْقَمَر بِالذكر مَعَ دخولهما فِي النُّجُوم، لإِظْهَار شرفهما عَلَيْهَا لما فيهمَا من مزِيد الْإِشْرَاق والنور وبسيرهما فِي الْمنَازل تعرف الْأَوْقَات وَقدم الشَّمْس على الْقَمَر لِأَنَّهَا أَسْنَى من الْقَمَر وأسمى مكانة ومكانا بِنَاء على مَا قَالَ الفلكيون وبرهنوا عَلَيْهِ أَنَّهَا فِي السَّمَاء الرَّابِعَة وَأَنه فِي السَّمَاء الدُّنْيَا غير أَن ذَلِك لَيْسَ بِمُسلم عِنْد الْمُحدثين كالقول بِأَن نوره مُسْتَفَاد من
стр. 40
نورها، لاخْتِلَاف تشكلاته على أنحاء متفاوته بِحَسب وَضعه من الشَّمْس فِي الْقرب والبعد عَنْهَا مَعَ مَا يلْحقهُ من الخسوف لَا لاخْتِلَاف التشكلات وَحده فَإِنَّهُ لَا يُوجب الحكم بِأَن نور الْقَمَر مُسْتَفَاد من الشَّمْس قطعا لجَوَاز أَن يكون نصفه من ذَاته وَنصفه مظلما ويدور على نَفسه بحركة مُسَاوِيَة لحركة فلكه فَإِذا تحرّك بعد المحاق يَسِيرا رَأَيْنَاهُ هلالا ويزداد فنراه بَدْرًا ثمَّ يمِيل نصفه المظلم شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن يؤول إِلَى المحاق.
وَبَاقِي الْآيَة مَعْلُوم.
فَهَذِهِ الْآيَة لَيْسَ فِيهَا مَا يُخَالف قَوَاعِد الْفَنّ بِوَجْه من الْوُجُوه.
следующие страницы →