← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 5551

ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة بالبرهان

محمود شكري الألوسي

Полный текст (134 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

سُورَة الْأَعْرَاف قَالَ الله تَعَالَى فِيهَا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] تَفْسِير هَذِه الْآيَة عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "الْمَيِّت تحضره الْمَلَائِكَة فَإِذا كَانَ الرجل صَالحا قَالَ أَخْرِجِي أيتها النَّفس الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب أَخْرِجِي حميدة وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب رَاض غير غَضْبَان فَلَا تزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى تخرج ثمَّ يعرج بهَا إِلَى السَّمَاء فيستفتح لَهَا فَيُقَال من هَذَا فَيَقُولُونَ فلَان ابْن فلَان فَيُقَال مرْحَبًا بِالنَّفسِ الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب أدخلي حميدة وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب رَاض غير غَضْبَان فَلَا تزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة" (٢). والْحَدِيث مَشْهُور. وَكَون السَّمَاء لَهَا أَبْوَاب تفتح للأعمال الصَّالِحَة والأرواح الطّيبَة قد تفتحت لَهُ أَبْوَاب الْقبُول للنصوص الْوَارِدَة فِيهِ وَمِنْهَا حَدِيث الْمِعْرَاج (٣). وَهُوَ ثَابت فِي الْكتب الصَّحِيحَة وَفِيه ذكر أَبْوَاب السَّمَاء على وَجه لَا يقبل التَّأْوِيل وَهُوَ أَمر مُمكن أخبر بِهِ الصَّادِق فَلَا حَاجَة إِلَى تَأْوِيله.

стр. 37

والمعترفون بالسماوات من الفلاسفة أَنْكَرُوا أَن يكون لَهَا أَبْوَاب قَالُوا لِأَن السَّمَاء كرية لَا تقبل الْخرق والالتئام وَهَذَا قَوْلهم بأفواههم لَا يتم لَهُ دَلِيل عِنْد أهل الْحق وَظَاهر كَلَام أهل الْهَيْئَة الجديدة جَوَاز الْخرق والالتئام على الأفلاك لكِنهمْ لَا يعترفون بِوُجُود السَّمَاوَات السَّبع على الْوَجْه الَّذِي نطقت بِهِ النُّصُوص فَإِن مثل هَذِه الدقائق لَا تصل إِلَيْهِ يَد أفكارهم القاصرة وَلَا لَهُم آلَة يدركون بهَا حقائق الْأُمُور بل إِن مثل هَذِه الْأُمُور لَا تمكن الْإِحَاطَة بهَا وَالدُّخُول فِي حقائقها إِلَّا من أَبْوَاب النُّبُوَّة وَالْوَحي الرباني وَالسَّلَام على من أتبع الْهدى. وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤] تَفْسِير مثل هَذِه الْآيَة سبق فِي سُورَة الْبَقَرَة فنفسرها على سَبِيل الِاخْتِصَار فَنَقُول ﴿إِن ربكُم﴾ أَي خالقكم ومالككم ﴿الَّذِي خلق السَّمَاوَات﴾ السَّبع ﴿وَالْأَرْض﴾ بِمَا فِيهَا ﴿فِي سِتَّة أَيَّام﴾ والمفسرون قَالُوا المُرَاد بِالْأَيَّامِ الْأَوْقَات أَي فِي سِتَّة أَوْقَات أَو فِي مِقْدَار سِتَّة أَيَّام على حذف مُضَاف كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ ﴿وَلَهُم رزقهم فِيهَا بكرَة وعشيا﴾ فَإِن الْمُتَعَارف أَن الْيَوْم من طُلُوع الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا وَلم تكن هِيَ حِينَئِذٍ مَوْجُودَة نعم الْعَرْش وَهُوَ المحدد على الْمَشْهُور عِنْد الفلاسفة مَوْجُود إِذْ ذَاك لَكِن ذَاك لَيْسَ نَافِعًا فِي تحقق الْيَوْم الْعرفِيّ. وَإِلَى حمل الْيَوْم على الْمُتَعَارف وَتَقْدِير الْمُضَاف ذهب جمع من الْعلمَاء،

стр. 38

وَادعوا أَن ابْتِدَاء الْخلق كَانَ يَوْم الْأَحَد وَلم يكن فِي السبت خلق أخذا لَهُ من السبت بِمَعْنى الْقطع لقطع الْخلق فِيهِ ولتمام الْخلق فِي يَوْم الْجُمُعَة واجتماعه فِيهِ سمي بذلك. فَأول يَوْم وَقع فِيهِ الْخلق يُقَال لَهُ الْأَحَد وَثَانِي يَوْم الِاثْنَيْنِ وَهَكَذَا وَيَوْم جمع فِيهِ الْخلق الْجُمُعَة. وَذهب آخَرُونَ إِلَى حمل الْيَوْم على الْيَوْم اللّغَوِيّ وَعدم تَقْدِير مُضَاف قبله وَقَالُوا كَانَ مِقْدَار كل يَوْم ألف سنة ﴿وَإِن يَوْمًا عِنْد رَبك كألف سنة مِمَّا تَعدونَ﴾. وَمَا ذَكرْنَاهُ سَابِقًا من تَفْسِير الْأَيَّام بالأوقات أَو تَقْدِير مُضَاف وَهُوَ مِقْدَار سِتَّة أَيَّام هُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ القاصرون من الْمُفَسّرين عَن الْوُصُول إِلَى مَا ورد فِي الشَّرِيعَة الغراء فقد ذكر الإِمَام تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس ابْن تَيْمِية فِي «منهاج السّنة» وَغَيره من مؤلفاته أَن الْأَيَّام كَانَت تعرف قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَمَا فِيهَا بأنوار تشرق من جَانب الْعَرْش يعرف بهَا كل يَوْم من أَيَّام الْأُسْبُوع وَبرهن على ذَلِك بِمَا يَنْبَغِي مُرَاجعَته وَفِي خلقه سُبْحَانَهُ الْأَشْيَاء مدرجا تَعْلِيم لِلْخلقِ التثبت والتأني فِي الْأُمُور.

стр. 39

وَقَوله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ مَعْنَاهُ أَنه اسْتَوَى عَلَيْهِ اسْتِوَاء يَلِيق بِذَاتِهِ لَا أَن المُرَاد بِهِ استولى كَمَا ذهب إِلَيْهِ المعاندون واعتقدوا أَن لَيْسَ فَوق الْعَرْش إِلَه يعبد مَعَ أَن نُصُوص الْكتاب وَالسّنة ترغم أنوفهم وَكَلَام السّلف فِي هَذَا الْبَاب مَشْهُور و ﴿الْعَرْش﴾ فِي الْمَشْهُور الْجِسْم الْمُحِيط بِسَائِر الْأَجْسَام سمي بِهِ إِمَّا لارتفاعه وَإِمَّا للتشبيه بسرير الْملك فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ عرش وَمِنْه قَوْله ﴿وَلها عرش عَظِيم﴾ فِي عرش بلقيس لِأَن الْأُمُور والتدبيرات تنزل مِنْهُ. وَمعنى قَوْله تَعَالَى ﴿يغشي اللَّيْل النَّهَار﴾ أَي يُغطي سُبْحَانَهُ النَّهَار بِاللَّيْلِ وَلما كَانَ المغطى يجْتَمع مَعَ المغطي وجودا وَذَلِكَ لَا يتَصَوَّر هُنَا قَالُوا الْمَعْنى يلْبسهُ مَكَانَهُ فَيصير الجو مظلما بعد مَا كَانَ مضيئا. وَمعنى قَوْله ﴿يَطْلُبهُ حثيثا﴾ أَي سَرِيعا. وَقَوله ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره﴾ أَي خَلقهنَّ حَال كونهن مذللات تابعات لتصرفه سُبْحَانَهُ فِيهِنَّ بِمَا شَاءَ غير ممتنعات عَلَيْهِ جلّ شَأْنه كأنهن مميزات أمرن فانقدن وإفراد الشَّمْس وَالْقَمَر بِالذكر مَعَ دخولهما فِي النُّجُوم، لإِظْهَار شرفهما عَلَيْهَا لما فيهمَا من مزِيد الْإِشْرَاق والنور وبسيرهما فِي الْمنَازل تعرف الْأَوْقَات وَقدم الشَّمْس على الْقَمَر لِأَنَّهَا أَسْنَى من الْقَمَر وأسمى مكانة ومكانا بِنَاء على مَا قَالَ الفلكيون وبرهنوا عَلَيْهِ أَنَّهَا فِي السَّمَاء الرَّابِعَة وَأَنه فِي السَّمَاء الدُّنْيَا غير أَن ذَلِك لَيْسَ بِمُسلم عِنْد الْمُحدثين كالقول بِأَن نوره مُسْتَفَاد من

стр. 40

نورها، لاخْتِلَاف تشكلاته على أنحاء متفاوته بِحَسب وَضعه من الشَّمْس فِي الْقرب والبعد عَنْهَا مَعَ مَا يلْحقهُ من الخسوف لَا لاخْتِلَاف التشكلات وَحده فَإِنَّهُ لَا يُوجب الحكم بِأَن نور الْقَمَر مُسْتَفَاد من الشَّمْس قطعا لجَوَاز أَن يكون نصفه من ذَاته وَنصفه مظلما ويدور على نَفسه بحركة مُسَاوِيَة لحركة فلكه فَإِذا تحرّك بعد المحاق يَسِيرا رَأَيْنَاهُ هلالا ويزداد فنراه بَدْرًا ثمَّ يمِيل نصفه المظلم شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن يؤول إِلَى المحاق. وَبَاقِي الْآيَة مَعْلُوم. فَهَذِهِ الْآيَة لَيْسَ فِيهَا مَا يُخَالف قَوَاعِد الْفَنّ بِوَجْه من الْوُجُوه.

стр. 41

سُورَة التَّوْبَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ [التوبة: ١٢٩] تَفْسِيرهَا ﴿الْعَرْش﴾ كَمَا سبق هُوَ الْجِسْم الْمُحِيط بِسَائِر الْأَجْسَام وَلَا تصل إِلَى حَقِيقَة عظمه الأفهام والأوهام وسمته الفلاسفة فلك الأفلاك ومحدد الْجِهَات وَلَيْسَ لَهُم على ذَلِك برهَان وَلَا أثارة من علم وَوَصفه ب ﴿الْعَظِيم﴾ ويحق لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يعلم مِقْدَار عَظمته إِلَّا الله تَعَالَى. وَفِي الْخَبَر "إِن الأَرْض بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا كحلقة فِي فلاة" (١)، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْش كَذَلِك وَعَن ابْن عَبَّاس إِنَّه لَا يقدر قدره أحد (٢).

стр. 42

سُورَة يُونُس قَالَ الله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ [يونس: ٥ - ٦] تَفْسِير هَذِه الْآيَة ﴿الشَّمْس﴾ مَأْخُوذَة من شمسة القلادة للخرزة الْكَبِيرَة وَسطهَا وَسميت بذلك لِأَنَّهَا أعظم الْكَوَاكِب كَمَا تدل عَلَيْهِ الْآثَار وَيشْهد لَهُ الْحس وَإِلَيْهِ ذهب جُمْهُور أهل الْهَيْئَة وَمِنْهُم من قَالَ سميت بذلك لِأَنَّهَا فِي الْفلك الْأَوْسَط بَين أفلاك العلوية وَبَين أفلاك الثَّلَاثَة الْأُخَر على تَرْتِيب مَا فِي قَوْله (زُحَلٌ شرى مريّخه من شمسه ... فتزاهرتْ لعُطاردَ الأقمار) وَهُوَ أَمر ظَنِّي لم تشهد لَهُ الْأَخْبَار النَّبَوِيَّة كَمَا ستعلمه واستفادةُ الْقَمَر النُّور من الشَّمْس سَوَاء أَكَانَت على سَبِيل الانعكاس من غير أَن يصير جَوْهَر الْقَمَر مستنيرا كَمَا فِي الْمرْآة أم بِأَن يَسْتَنِير جوهره على مَا هُوَ الْأَشْبَه عِنْد الرَّازِيّ قد ذكرهَا كثير من النَّاس. وَهِي مِمَّا لم يجِئ من حَدِيث من عرج إِلَى السَّمَاء ﷺ وَإِنَّمَا جَاءَ عَن الفلاسفة.

стр. 43

وَقد زَعَمُوا أَن الأفلاك الْكُلية تِسْعَة أَعْلَاهَا فلك الأفلاك وَهُوَ الْفلك الأطلس ثمَّ فلك الثوابت ثمَّ فلك زحل ثمَّ فلك المُشْتَرِي ثمَّ فلك المريخ ثمَّ فلك الشَّمْس ثمَّ فلك الزهرة ثمَّ فلك عُطَارِد وَهُوَ الْكَاتِب بزعمهم ثمَّ فلك الْقَمَر. وَاسْتدلَّ كثير مِنْهُم على هَذَا التَّرْتِيب بِمَا يبْقى مَعَه الِاشْتِبَاه بَين الشَّمْس وَبَين الزهرة وَالْكَاتِب كالكسف والانكساف وَاخْتِلَاف المنظر الَّذِي توصلوا إِلَى مَعْرفَته بِذَات الشعبتين لِأَن الأول لَا يتَصَوَّر هُنَاكَ لِأَن الزهرة وَالْكَاتِب يحترقان عِنْد الاقتران فِي مُعظم المعمورة وَالثَّانِي أَيْضا مِمَّا لَا يُسْتَطَاع علمه بِتِلْكَ الْآلَة لِأَنَّهَا تنصب فِي سطح نصف النَّهَار وَهَذَانِ الكوكبان لَا يظهران هُنَاكَ لِكَوْنِهِمَا حوالي الشَّمْس بِأَقَلّ من برجين فَإِذا بلغا نصف النَّهَار كَانَت الشَّمْس فَوق الأَرْض شرقية أَو غربية فَلَا يريان أصلا وَجعل الشَّمْس فِي الْفلك الْأَوْسَط لما فِي ذَلِك من حسن التَّرْتِيب كَأَنَّهَا شمسة القلادة أَو لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْملك فِي الْعَالم فَكَمَا يَنْبَغِي للْملك أَن يكون فِي وسط الْعَسْكَر بنبغي لَهَا أَن تكون فِي وسط كرات الْعَالم أَمر إقناعي بل هُوَ من قبيل التَّمَسُّك بحبال الْقَمَر. وَمثل ذَلِك تمسكهم فِي عدم الزِّيَادَة على هَذِه الأفلاك بِأَنَّهُ لَا فضل فِي الفلكيات مَعَ أَنه يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون ثخن الْفلك الْأَعْظَم أقل مَا يُمكن أَن يكون للأجسام من الثخانة إِذْ لَا كَوْكَب فِيهِ حَتَّى يكون ثخنه مُسَاوِيا لقطره وَقد بَين فِي «رِسَالَة الأبعاد والأجرام» أَنه بلغ الْغَايَة فِي الثخن وَحِينَئِذٍ يُمكن أَن يكون لكل من الثوابت فلك على حِدة وَأَن تكون تِلْكَ الأفلاك متوافقة فِي حركاتها جِهَة وقطبا ومنطقة وَسُرْعَة بل لَو قيل يتخالف بَعْضهَا لم يكن هُنَاكَ دَلِيل يَنْفِيه لِأَن المرصود مِنْهَا أقل قَلِيل فَيمكن أَن يكون بعض مَا لم يرصد متخالفا على أَن من النَّاس من أثبت كرة فَوق كرة الثوابت وَتَحْت الْفلك الْأَعْظَم وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِمَا اسْتدلَّ

стр. 44

وَمن علم أَن أَرْبَاب الأرصاد مُنْذُ زمن يسير وجدوا عدَّة كواكب سيارة غير السَّبع مِنْهَا هرشل وَقد رصده بعض الفلاسفة الْمُتَأَخِّرين وَهُوَ أَبْطَأَ سيرا من زحل فَوَجَدَهُ يقطع البرج فِي سِتّ سِنِين شمسية وَأحد عشر شهرا وَسَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا لَا يبْقى لَهُ اعْتِمَاد على مَا قَالَه المتقدمون وَيجوز أَمْثَال مَا ظفر بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخّرُونَ وَأَيْضًا من الْجَائِز أَن تكون الأفلاك ثَمَانِيَة لِإِمْكَان كَون جَمِيع الثوابت مركوزة فِي محدب ممثل زحل أَي فِي متممة الْحَاوِي على أَنه يَتَحَرَّك بالحركة البطيئة والفلك الثَّامِن يَتَحَرَّك بالحركة السريعة وَحِينَئِذٍ تكون دَائِرَة البروج الْمَارَّة بأوائل البروج منتقلة بحركة الثَّامِن غير منتقلة بحركة الممثل ليحصل انْتِقَال الثوابت بحركة الممثل من برج إِلَى برج كَمَا هُوَ الْوَاقِع وَقد صرح البرجندي أَن القدماء لم يثبتوا الْفلك الْأَعْظَم وَإِنَّمَا أثْبته الْمُتَأَخّرُونَ. وَأَيْضًا يجوز أَن تكون سَبْعَة بِأَن تفرض الثوابت ودائرة البروج على محدب ممثل زحل وَيكون هُنَاكَ نفسان تتصل إِحْدَاهمَا بِمَجْمُوع السَّبْعَة وتحركها إِحْدَى الحركتين الْأَوليين وَالْأُخْرَى بالكرة السَّابِعَة وتحركها الْأُخْرَى وَلَكِن بِشَرْط أَن تفرض دوائر البروج متحركة بالسريعة دون البطيئة كتحركها متوهمة على سطوح الممثلات بالسريعة دون البطيئة لتنقل الثوابت بالبطيئة من برج إِلَى برج كَمَا هُوَ الْوَاقِع وَأَيْضًا ذكر الرَّازِيّ أَنه لم لَا يجوز أَن تكون الثوابت تَحت فلك الْقَمَر فَتكون تَحت كرات السيارة لَا فَوْقهَا؟

стр. 45

وَمَا يُقَال من أَنا نرى أَن هَذِه السيارة تكسف الثوابت والكاسف تَحت المكسوف لَا محَالة مَدْفُوع بِأَن هَذِه السيارات إِنَّمَا تكسف الثوابت الْقَرِيبَة من المنطقة دون الْقَرِيبَة من القطبين فَلم لَا يجوز أَن يُقَال هَذِه الثوابت الْقَرِيبَة من المنطقة مركوزة فِي الْفلك الثَّامِن والقريبة من القطبين مركوزة فِي كرة أُخْرَى تَحت كرة الْقَمَر. على أَنه لم لَا يجوز أَن يُقَال (١): الْكَوَاكِب تتحرك بأنفسها من غير أَن تكون مركوزة فِي جسم آخر وَدون إِثْبَات الِامْتِنَاع خرط القتاد؟ وَذكروا فِي استفادة نور الْقَمَر من ضوء الشَّمْس أَنه من الحدسيات لاخْتِلَاف أشكاله بِحَسب قربه وَبعده مِنْهَا وَذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْن الْهَيْثَم لَا يُفِيد الْجَزْم بالاستفادة لاحْتِمَال أَن يكون الْقَمَر كرة نصفهَا مضيء وَنِصْفهَا مظلم ويتحرك على نَفسه فَيرى هلالا ثمَّ بَدْرًا ثمَّ ينمحق وَهَكَذَا دَائِما ومقصود أَنه لَا بُد من ضم شَيْء آخر إِلَى اخْتِلَاف الأشكال بِحَسب الْقرب والبعد ليدل على الْمُدعى وَهُوَ حُصُول الخسوف عِنْد توَسط الأَرْض بَينه وَبَين الشَّمْس وَأَنت تعلم أَنه لَا جزم أَيْضا وَإِن ضم مَا ضم لجَوَاز أَن يكون سَبَب آخر لاخْتِلَاف تِلْكَ الأشكال النورية لَكنا لَا نعلمهُ كَأَن يكون كَوْكَب كمد تَحت فلك الْقَمَر ينخسف بِهِ فِي بعض استقبالاته وَإِن طعن فِي ذَلِك بِأَنَّهُ

стр. 46

لَو كَانَ لرئي قُلْنَا لم لَا يجوز أَن يكون ذَلِك الِاخْتِلَاف والخسوف من آثَار إِرَادَة الْفَاعِل الْمُخْتَار من دون توَسط الْقرب والبعد من الشَّمْس وحيلولة الأَرْض بَينهَا وَبَينه بل لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا توَسط الْكَاف وَالنُّون وَهُوَ كَاف عِنْد من سلمت عينه من الْغَيْن. وللمتشرعين من الْمُحدثين وَكَذَا للصوفية كَلِمَات شهيرة فِي هَذَا الشَّأْن. ولعلك قد وقفت عَلَيْهَا وَإِلَّا فستقف بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقد استندوا فِيمَا يَقُولُونَهُ إِلَى أَخْبَار نبوية وأرصاد قلبية وغالب الْأَخْبَار فِي ذَلِك لم تبلغ دَرَجَة الصَّحِيح وَمَا بلغ مِنْهَا آحَاد. وَالْحق أَنه لَا جزم بِمَا يَقُولُونَهُ فِي تَرْتِيب الأجرام العلوية وَمَا يلْتَحق بذلك وَأَن القَوْل بِهِ مِمَّا لَا يضر بِالدّينِ إِلَّا إِذا صادم مَا علم مَجِيئه عَن النَّبِي ﷺ . وَقَوله تَعَالَى ﴿وَقدره منَازِل﴾ أَي قدر للقمر منَازِل أَو قدر مسيره فِي منَازِل وَتَخْصِيص الْقَمَر بِهَذَا التَّقْدِير لسرعة سيره بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّمْس وَلِأَن مَنَازِله مَعْلُومَة محسوسة ولكونه عُمْدَة فِي تواريخ الْعَرَب وَلِأَن أَحْكَام الشَّرْع منوطة بِهِ فِي الْأَكْثَر والمنازل ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ منزلا وَهِي على مَا ذكره ابْن قُتَيْبَة فِي «كتاب الأنواء» وَغَيره مِمَّن ألف فِي الأنواء الشرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك الرامح والسماك الأعزل والغفر والزباني والإكليل وَالْقلب والشولة والنعائم والبلدة وَسعد الذَّابِح وَسعد بلع وَسعد الأخبية وَفرغ الدَّلْو الْمُقدم وَالْفَرغ الْمُؤخر وبطن الْحُوت

стр. 47

وَهِي مقسمة على البروج الأثني عشر الْمَشْهُورَة فَيكون لكل برج منزلان وَثلث والبرج عِنْدهم ثَلَاثُونَ دَرَجَة حَاصِلَة من قسْمَة ثَلَاث مئة وَسِتِّينَ جُزْءا هِيَ أَجزَاء دَائِرَة البروج على اثْنَي عشر والدرجة عِنْدهم منقسمة بستين دقيقة وَهِي منقسمة بستين ثَانِيَة وَهِي منقسمة بستين ثَالِثَة وَهَكَذَا إِلَى الروابع والخوامس والسوادس وَغَيرهَا وَيقطع الْقَمَر بحركته الْخَاصَّة فِي كل يَوْم بليلته ثَلَاث عشرَة دَرَجَة وَثَلَاث دقائق وَثَلَاثًا وَخمسين ثَانِيَة وستا وَخمسين ثَالِثَة وَتَسْمِيَة مَا ذكر منَازِل مجَاز لِأَنَّهُ عبارَة عَن كواكب مَخْصُوصَة من الثوابت قريبَة من المنطقة والمنزلة الْحَقِيقِيَّة للقمر الْفَرَاغ الَّذِي يشْغلهُ جرم الْقَمَر. فَمَعْنَى نزُول الْقَمَر فِي هاتيك الْمنَازل مسامتته إِيَّاهَا وَكَذَا تعْتَبر المسامتة فِي نُزُوله فِي البروج لِأَنَّهَا مَفْرُوضَة أَولا فِي الْفلك الْأَعْظَم وَأما تَسْمِيَة نَحْو الْحمل والثور والجوزة بذلك فباعتبار المسامتة أَيْضا وَكَانَ أول الْمنَازل الشرطان وَيُقَال لَهُ النطح وَهُوَ لأوّل الْحمل ثمَّ تحركت حَتَّى صَار أَولهَا على مَا حَرَّره الْمُحَقِّقُونَ من الْمُتَأَخِّرين الْفَرْع الْمُؤخر وَلَا يثبت على ذَلِك لِأَن للثوابت حَرَكَة على التوالي على الصَّحِيح وَإِن كَانَت بطيئة وَهِي حَرَكَة فلكها ومثبتو ذَلِك اخْتلفُوا فِي مِقْدَار الْمدَّة الَّتِي يقطع بهَا جُزْءا وَاحِدًا من دَرَجَات منطقته فَقَالَ بَعضهم هِيَ سِتّ وَسِتُّونَ سنة شمسية أَو ثَمَان

стр. 48

وَسِتُّونَ سنة قمرية. وَذهب ابْن الأعلم إِلَى أَنَّهَا سَبْعُونَ سنة شمسية وطابقه الرصد الْجَدِيد الَّذِي تولاه نصير الطوسي بمراغة وَزعم مُحي الدّين أحد أَصْحَابه أَنه تولى رصدعدة من الثوابت كعين الثور وقلب الْعَقْرَب بذلك الرصد فَوَجَدَهَا تتحرك فِي كل سِتّ وَسِتِّينَ سنة شمسية دَرَجَة وَاحِدَة وَادّعى بطليموس أَنه وجد الثوابت الْقَرِيبَة إِلَى المنطقة متحركة فِي كل مئة سنة شمسية دَرَجَة. وَالله تَعَالَى أعلم بحقائق الْأَحْوَال وَهُوَ الْمُتَصَرف فِي ملكه وملكوته كَمَا يَشَاء. قَوْله تَعَالَى ﴿لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب﴾ هَذِه الْآيَة تكلم فِيهَا كثير من الْمُفَسّرين وَأحسن من تكلم عَلَيْهَا الإِمَام تَقِيّ الدّين أَحْمد بن تيميه ألف فِي ذَلِك رِسَالَة سَمَّاهَا «بَيَان الْهدى من الضلال» وَبعد أَن ذكر لَهَا مُقَدّمَة قَالَ: "إِنِّي رَأَيْت النَّاس فِي شهر صومهم وَفِي غَيره أَيْضا مِنْهُم من يصغي إِلَى مَا يَقُوله بعض جهال أهل الْحساب من أَن الْهلَال يرى أَو لَا يرى وَيَبْنِي على ذَلِك إِمَّا فِي بَاطِنه وَإِمَّا فِي بَاطِنه وَظَاهره حَتَّى بَلغنِي أَن من الْقُضَاة من كَانَ يرد شَهَادَة الْعدَد من الْعُدُول لقَوْل الحاسب الْجَاهِل الْكَاذِب إِنَّه يرى أَو لَا يرى فَيكون مِمَّن كذب بِالْحَقِّ لما جَاءَهُ وَرُبمَا أجَاز شَهَادَة غير المرضي لقَوْله،

стр. 49

فَيكون هَذَا الْحَاكِم من السماعين للكذب فَإِن الْآيَة تتَنَاوَل حكام السوء كَمَا يدل عَلَيْهِ السِّيَاق حَيْثُ تَقول ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ من الرشا وَغَيرهَا وَمن أَكثر مَا يقْتَرن هَذَانِ! وَمِنْهُم من لَا يقبل قَوْله فِي المنجم لَا فِي الْبَاطِن وَلَا فِي الظَّاهِر لَكِن فِي قلبه حسيكة من ذَلِك وشبهة قَوِيَّة لِثِقَتِهِ بِهِ من جِهَة أَن الشَّرِيعَة لم تلْتَفت إِلَى ذَلِك لَا سِيمَا إِن كَانَ قد عرف شَيْئا من حِسَاب النيرين واجتماع القرصين ومفارقة أَحدهمَا الآخر بعدة دَرَجَات وَسبب الإهلال والإبدار والاستتار والكسوف والخسوف فَأجرى حكم الحاسب الْكَاذِب الْجَاهِل بِالرُّؤْيَةِ هَذَا المجرى. ثمَّ هَؤُلَاءِ يجيزون من الْحساب وَصُورَة الأفلاك وحركاتها أمرا صَحِيحا قد يعارضهم بعض الْجُهَّال من الْأُمِّيين المنتسبين إِلَى الْإِيمَان أَو إِلَى الْعلم أَيْضا فيراهم قد خالفوا الدّين فِي الْعَمَل بِالْحِسَابِ فِي الرُّؤْيَة أَو فِي اتِّبَاع أَحْكَام النُّجُوم فِي تأثيراتها المحمودة والمذمومة فيراهم لما تعاطوا هَذَا وَهُوَ من الْمُحرمَات فِي الدّين صَار كل مَا يَقُولُونَهُ من هَذَا الضَّرْب حَقًا وَلَا يُمَيّز بَين الْحق الَّذِي دلّ عَلَيْهِ السّمع وَالْعقل وَالْبَاطِل الْمُخَالف للسمع وَالْعقل مَعَ أَن هَذَا أحسن حَالا فِي الدّين من الْقسم الأول لِأَن هَذَا كذب بِشَيْء من الْحق متأولا جَاهِلا من غير تَبْدِيل لبَعض أصُول الْإِسْلَام وَالضَّرْب الأول قد يدْخلُونَ فِي تَبْدِيل الْإِسْلَام فَإنَّا نعلم بالاضطرار من دين الْإِسْلَام أَن الْعَمَل فِي رُؤْيَة هِلَال الصَّوْم أَو الْحَج أَو الْعدة أَو الْإِيلَاء أَو غير ذَلِك من الْأَحْكَام الْمُعَلقَة بالهلال بِخَبَر الحاسب أَنه يرى أَو لَا يرى لَا يجوز والنصوص المستفيضة عَن النَّبِي ﷺ بذلك كَثِيرَة وَقد أجمع الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ وَلَا يعرف فِيهِ خلاف قديم أصلا وَلَا خلاف حَدِيث إِلَّا أَن بعض الْمُتَأَخِّرين من المتفقهة الحادثين بعد المئة الثَّالِثَة زعم أَنه إِذا غم الْهلَال جَازَ للحاسب أَن يعْمل فِي حق نَفسه بِالْحِسَابِ فَإِن كَانَ الْحساب دلّ على الرُّؤْيَة صَامَ وَإِلَّا فَلَا

стр. 50

وَهَذَا القَوْل وَإِن كَانَ مُقَيّدا بالإغمام ومختصا بالحاسب فَهُوَ شَاذ مَسْبُوق بِالْإِجْمَاع على خِلَافه. فَأَما اتِّبَاع ذَلِك فِي الصحو أَو تَعْلِيق عُمُوم الحكم الْعَام بِهِ فَمَا قَالَه مُسلم. وَقد يُقَارب هَذَا القَوْل من يَقُول من الإسماعيلية بِالْعدَدِ دون الْهلَال وَبَعْضهمْ يروي عَن جَعْفَر الصَّادِق جدولا يعْمل عَلَيْهِ وهوا لذِي افتراه عَلَيْهِ عبد الله بن مُعَاوِيَة. وَهَذِه الْأَقْوَال خَارِجَة عَن دين الْإِسْلَام وَقد برأَ الله مِنْهَا جعفرا وَغَيره وَلَا ريب أَن أحدا مَا يُمكنهُ مَعَ ظُهُور دين الْإِسْلَام أَن يظْهر الِاسْتِنَاد إِلَى ذَلِك إِلَّا أَنه قد يكون لَهُ عُمْدَة فِي الْبَاطِن فِي قبُول الشَّهَادَة وردهَا وَقد يكون عِنْده شُبْهَة فِي كَون الشَّرِيعَة تعلم الحكم بِهِ وَأَنا إِن شَاءَ الله أبين ذَلِك وأوضح مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة دَلِيلا وتعليلا شرعا وعقلاً. قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَهِلّة قل هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس وَالْحج﴾ فَأخْبر أَنَّهَا مَوَاقِيت للنَّاس وَهَذَا عَام فِي جَمِيع أُمُورهم وَخص الْحَج بِالذكر تمييزا لَهُ وَلِأَن الْحَج تشهده الْمَلَائِكَة وَغَيرهم وَلِأَنَّهُ يكون فِي آخر شهور الْحول فَيكون علما على الْحول كَمَا أَن الْهلَال علم على الشَّهْر، وَلِهَذَا يسمون الْحُلُول حجَّة فَيَقُولُونَ لَهُ سَبْعُونَ حجَّة وأقمنا خمس حجج فَجعل الله الْأَهِلّة مَوَاقِيت للنَّاس فِي الْأَحْكَام الثَّابِتَة بِالشَّرْعِ ابْتِدَاء أَو سَببا من الْعباد وللأحكام الَّتِي تثبت بِشُرُوط العَبْد فَمَا ثَبت من الموقتات

стр. 51

بشرع أَو شَرط فالهلال مِيقَات لَهُ وَهَذَا يدْخل فِيهِ الصّيام وَالْحج وَمُدَّة الْإِيلَاء وَالْعدة وَصَوْم الْكَفَّارَة وَهَذِه الْخَمْسَة فِي الْقُرْآن قَالَ الله تَعَالَى ﴿شهر رَمَضَان الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الْحَج أشهر مَعْلُومَات﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿للَّذين يؤلون من نِسَائِهِم تربص أَرْبَعَة أشهر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فسيحوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر﴾ وَكَذَلِكَ صَوْم النّذر وَغَيره وَكَذَلِكَ الشُّرُوط من الْأَعْمَال الْمُتَعَلّقَة بِالثّمن، وَدين السّلم وَالزَّكَاة والجزية وَالْعقل وَالْخيَار والأيمان وَأجل الصَدَاق ونجوم الْكِتَابَة وَالصُّلْح عَن الْقصاص وَسَائِر مَا يُؤَجل من دين وَعقد وَغَيرهَا. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالْقَمَر قدرناه منَازِل حَتَّى عَاد كالعرجون الْقَدِيم﴾ وَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فَقَوله ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ مُتَعَلق وَالله أعلم بقوله ﴿وَقدره﴾ لَا ب ﴿جعل﴾ لِأَن كَون هَذَا ضِيَاء وَهَذَا نورا لَا تَأْثِير لَهُ فِي معرفَة عدد السنين والحساب وَإِنَّمَا يُؤثر فِي ذَلِك انتقالهما من برج إِلَى برج وَلِأَن الشَّمْس لم يعلق لنا بهَا حِسَاب شهر وَلَا سنة وأنما علق ذَلِك بالهلال كَمَا دلّت على تِلْكَ الْآيَة وَلِأَنَّهُ قد قَالَ تَعَالَى ﴿إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله يَوْم خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْهَا أَرْبَعَة حرم﴾ فَأخْبر أَن الشُّهُور

стр. 52

مَعْدُودَة اثنى عشر والشهر هلالي بالاضطرار فَعلم أَن كل وَاحِد مِنْهَا مَعْرُوف بالهلال. وَقد بَلغنِي أَن الشَّرَائِع قبلنَا أَيْضا إِنَّمَا علقت الْأَحْكَام بِالْأَهِلَّةِ وَإِنَّمَا بدل من أتباعهم كَمَا يَفْعَله الْيَهُود فِي اجْتِمَاع القرصين وَفِي جعل بعض أعيادها بِحِسَاب السّنة الشمسية وكما تَفْعَلهُ النَّصَارَى فِي صَومهَا حَيْثُ تراعي الِاجْتِمَاع الْقَرِيب من أول السّنة الشمسية وَتجْعَل سَائِر أعيادها دَائِرَة على السّنة الشمسية بِحَسب الْحَوَادِث الَّتِي كَانَت للمسيح وكما يَفْعَله الصابئة وَالْمَجُوس وَغَيرهم من الْمُشْركين فِي اصْطِلَاحَات لَهُم فَإِن مِنْهُم من يعْتَبر بِالسنةِ الشمسية فَقَط وَلَهُم اصْطِلَاحَات فِي عدد شهورها لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت طبيعية فشهودها عددي وضعي. وَمِنْهُم من يعْتَبر القمرية لَكِن يعْتَبر اجْتِمَاع القرصين. وَمَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة هُوَ أكمل الْأُمُور وأحسنها وأبينها وأصحها وأبعدها من الِاضْطِرَاب. وَذَلِكَ أَن الْهلَال أَمر مشهود مرئي بالأبصار وَمن أصح المعلومات مَا شوهد بالأبصار وَلِهَذَا سموهُ هلالا لِأَن هَذِه الْمَادَّة تدل على الظُّهُور وَالْبَيَان إِمَّا سمعا وَإِمَّا بصرا كَمَا يُقَال أهل بِالْعُمْرَةِ وَأهل بالذبيحة لغيره إِذا رفع صَوته وَيُقَال تهلل وَجهه إِذا استنار وأضاء وَقيل إِن أَصله رفع الصَّوْت ثمَّ لما كَانُوا يرفعون أَصْوَاتهم عِنْد رُؤْيَته سموهُ هلالا وَمِنْه قَوْله (يُهِلّ بالفرقد رُكْبانُها ... كَمَا يُهلّ الرَّاكِب الْمُعْتَمِر) وتهلل الْوَجْه مَأْخُوذ من اسْتِنَارَة الْهلَال. فالمقصود أَن الْمَوَاقِيت حددت بِأَمْر ظَاهر بَين يشْتَرك فِيهِ النَّاس وَلَا يُشْرك الْهلَال فِي ذَلِك شَيْء فَإِن اجْتِمَاع الشَّمْس وَالْقَمَر الَّذِي هُوَ تحاذيهما الْكَائِن قبل الإهلال أَمر خَفِي لَا يعرف إِلَّا بِحِسَاب ينْفَرد بِهِ بعض النَّاس مَعَ تَعب وتضييغ زمَان كثير واشتغال عَمَّا يَعْنِي النَّاس ومالا بُد مِنْهُ وَرُبمَا وَقع فِيهِ الْغَلَط وَالِاخْتِلَاف.

стр. 53

وَكَذَلِكَ كَون الشَّمْس حاذت البرج الْفُلَانِيّ أَو الْفُلَانِيّ هَذَا أَمر لَا يدْرك بالأبصار وَإِنَّمَا يدْرك بِالْحِسَابِ الْخَفي الْخَاص الْمُشكل الَّذِي قد يغلط وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك بالإحساس تَقْرِيبًا فَإِنَّهُ إِذا انصرم الشتَاء وَدخل الْفَصْل الَّذِي تسميه الْعَرَب الصَّيف ويسميه النَّاس الرّبيع كَانَ وَقت حُصُول الشَّمْس فِي نقطة الِاعْتِدَال الَّذِي هُوَ أول الْحمل وَكَذَلِكَ مثله فِي الخريف فَالَّذِي يدْرك بالإحساس الشتَاء والصيف وَمَا بَينهمَا من الاعتدالين تَقْرِيبًا فَأَما حُصُولهَا فِي برج بعد برج فَلَا يحْسب إِلَّا بِحِسَاب فِيهِ كلفة وشغل غَيره مَعَ قلَّة جدواه. فَظهر أَنه لَيْسَ للمواقيت حد ظَاهر عَام الْمعرفَة إِلَّا الْهلَال. وَقد انقسمت عادات الْأُمَم فِي شهرهم وسنتهم الْقِسْمَة الْعَقْلِيَّة وَذَلِكَ أَن كل وَاحِد من الشَّهْر وَالسّنة إِمَّا أَن يَكُونَا عدديين أَو طبيعيين أَو الشَّهْر طبيعيا وَالسّنة عددية أَو بِالْعَكْسِ فَالَّذِينَ يعدونهما عدديين مثل من يَجْعَل الشَّهْر ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَالسّنة اثنى عشر شهرا وَالَّذين يجعلونهما طبيعيين مثل من يَجْعَل الشَّهْر قمريا وَالسّنة شمسية. وَيلْحق فِي آخر الشُّهُور الْأَيَّام المتفاوتة بَين السنتين فَإِن السّنة القمرية ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَبَعض يَوْم خمس وَسدس وَإِنَّمَا يُقَال فِيهَا ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ يَوْمًا جبرا للكسر فِي الْعَادة عَادَة الْعَرَب فِي تَكْمِيل مَا ينقص من التَّارِيخ فِي الْيَوْم والشهر والحول. وَأما الشمسية فثلاثمائة وَخَمْسَة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَبَعض يَوْم ربع يَوْم. وَلِهَذَا كَانَ التَّفَاوُت بَينهمَا أحد عشر يَوْمًا إِلَّا قَلِيلا تكون سنة فِي كل ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة وَثلث سنة وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَبِثُوا فِي كهفهم ثَلَاث مائَة سِنِين وازدادوا تسعا﴾ قيل: مَعْنَاهُ ثَلَاثمِائَة سنة شمسية وازدادوا تسعا بِحِسَاب السّنة القمرية. ومراعاة هذَيْن، عَادَة كثير من الْأُمَم من أهل الْكِتَابَيْنِ بِسَبَب تحريفهم وَأَظنهُ كَانَ عَادَة الْمَجُوس أَيْضا.

стр. 54

وَأما من يَجْعَل السّنة طبيعية والشهر عدديا فَهَذَا حِسَاب الرّوم والسريانيين والقبط وَنَحْوهم من الصابئين وَالْمُشْرِكين مِمَّن يعد شهر كانون وَنَحْوه عدديا وَيعْتَبر السّنة بسير الشَّمْس فَأَما الْقسم الرَّابِع فبأن يكون الشَّهْر طبيعيا وَالسّنة عددية فَهُوَ سنة الْمُسلمين وَمن وافقهم. ثمَّ الَّذين يجْعَلُونَ السّنة طبيعية لَا يعتمدون على أَمر ظَاهر كَمَا تقدم بل لَا بُد من الْحساب وَالْعدَد وَكَذَلِكَ الَّذِي يجْعَلُونَ الشَّهْر طبيعيا ويعتمدون على الِاجْتِمَاع لَا بُد فِيهِ عِنْدهم من الْعدَد والحساب ثمَّ مَا يَحْسبُونَهُ أَمر خَفِي ينْفَرد بِهِ الْقَلِيل من النَّاس مَعَ كلفة ومشقة وَتعرض للخطأ فَالَّذِي جَاءَت بِهِ شريعتنا أكمل كل الْأُمُور لِأَنَّهُ وَقت الشَّهْر بِأَمْر طبيعي ظَاهر عَام يدْرك بالأبصار فَلَا يضل أحد عَن دينه وَلَا يشْغلهُ مراعاته عَن شَيْء من مَصَالِحه وَلَا يدْخل بِسَبَبِهِ فِيمَا لَا يعنيه وَلَا يكون لأحد طَرِيق إِلَى التلبيس فِي دين الله كَمَا يفعل بعض عُلَمَاء أهل الْملَل بمللهم وَأما الْحول فَلم يكن لَهُ حد ظَاهر فِي السَّمَاء فَكَانَ لَا بُد فِيهِ من الْحساب وَالْعدَد فَكَانَ عدد الشُّهُور الْهِلَالِيَّة أظهر وأعم من أَن يحْسب سير الشَّمْس وَتَكون السّنة مُطَابقَة للشهر وَلِأَن السنين إِذا اجْتمعت فَلَا بُد من عَددهَا فِي عَادَة جَمِيع الْأُمَم إِذْ لَيْسَ للسنين إِذا تعدّدت حد سماوي يعرف بِهِ عَددهَا فَكَانَ عدد الشُّهُور مُوَافقا لعدد الشُّهُور ثمَّ جعلت السّنة اثْنَي عشر شهرا بِعَدَد البروج الَّتِي تكمل بدور الشَّمْس فِيهَا شمسية فَإِذا دَار الْقَمَر فِيهَا كمل دورته السنوية وَبِهَذَا كُله تبين معنى قَوْله ﴿وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب﴾. فَإِن عدد شهور السّنة وَعدد السّنة بعد السّنة إِنَّمَا أَصله تَقْدِير الْقَمَر منَازِل. وَكَذَلِكَ معرفَة الْحساب فَإِن حِسَاب بعض الشَّهْر لما يَقع فِيهِ من الْآجَال وَنَحْوهَا إِنَّمَا يكون بالهلال وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس وَالْحج﴾

стр. 55

فَظهر بِمَا ذَكرْنَاهُ أَنه بالهلال يكون تَوْقِيت الشَّهْر وَالسّنة وَأَنه لَيْسَ شَيْء يقوم مقَام الْهلَال الْبَتَّةَ لظُهُوره وَظُهُور الْعدَد الْمَبْنِيّ عَلَيْهِ وتيسر ذَلِك وعمومه وَغير ذَلِك من الْمصَالح الخالية من الْمَفَاسِد. وَمن عرف مَا دخل على أهل الْكِتَابَيْنِ وَالصَّابِئِينَ وَالْمَجُوس وَغَيرهم فِي أعيادهم وعباداتهم وتواريخهم وَغير ذَلِك من أُمُورهم من الِاضْطِرَاب والحرج وَغير ذَلِك من الْمَفَاسِد ازْدَادَ شكره على نعْمَة الْإِسْلَام مَعَ اتِّفَاقهم أَن الْأَنْبِيَاء لم يشرعوا شَيْئا من ذَلِك وَإِنَّمَا دخل عَلَيْهِم ذَلِك من جِهَة المتفلسفة الصائبة الَّذين دخلُوا فِي ملتهم وشرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله فَلهَذَا ذكرنَا مَا ذكرنَا حفظا لهَذَا الدّين عَن إِدْخَال المفسدين فَإِن هَذَا مِمَّا يخَاف من تَغْيِيره. فَإِنَّهُ قد كَانَت الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا قد غيرت مِلَّة إِبْرَاهِيم بالنسيء الَّذِي ابتدعته فزادت بِهِ فِي السّنة شهرا جَعلتهَا كبيسا لأغراض لَهُم وغيروا بِهِ مِيقَات الْحَج وَالْأَشْهر الْحرم حَتَّى كَانُوا يحجون تَارَة فِي الْمحرم وَتارَة فِي صفر حَتَّى يعود الْحَج إِلَى ذِي الْحجَّة حَتَّى بعث الله الْمُقِيم لملة إِبْرَاهِيم فوافي حجه ﷺ حجَّة الْوَدَاع وَقد اسْتَدَارَ الزَّمَان كَمَا كَانَ وَوَقعت حجَّته فِي ذِي الْحجَّة فَقَالَ فِي خطبَته الْمَشْهُورَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض السّنة اثْنَا عشر شهرا مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ثَلَاث مُتَوَالِيَات ذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَرَجَب مُضر الَّذِي بَين جُمَادَى وَشَعْبَان" (١). وَكَانَ قبل ذَلِك الْحَج لَا يَقع فِي ذِي الْحجَّة حَتَّى حجَّة أبي بكر سنة تسع كَانَت فِي ذِي الْقعدَة وَهَذَا من أَسبَاب تَأْخِير النَّبِي ﷺ الْحَج. وَأنزل الله تَعَالَى ﴿إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد

стр. 56

الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله يَوْم خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ذَلِك الدّين الْقيم﴾ فَأخْبر الله أَن هَذَا هُوَ الدّين الْقيم ليبين أَن مَا سواهُ من أَمر النسيء وَغَيره من عادات الْأُمَم لَيْسَ قيمًا لما يدْخلهُ من الانحراف وَالِاضْطِرَاب. وَنَظِير الشَّهْر وَالسّنة الْيَوْم والأسبوع فَإِن الْيَوْم طبيعي من طُلُوع الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا وَأما الْأُسْبُوع فَهُوَ عددي من أجل الْأَيَّام السِّتَّة الَّتِي خلق الله فِيهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش فَوَقع التَّعْدِيل بَين الشَّمْس وَالْقَمَر بِالْيَوْمِ والأسبوع بِسَبَب الشَّمْس والشهر وَالسّنة بِسَبَب الْقَمَر وَبِهَذَا قد توجه قَوْله ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ - إِلَى ﴿جعل﴾ فَيكون جعل الشَّمْس وَالْقَمَر لهَذَا كُله فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿وَجعل اللَّيْل سكنا وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا﴾ فقد قيل هُوَ من الْحساب وَقيل بحسبان كحسبان الرَّمْي وَهُوَ دوران الْفلك فَإِن هَذَا مِمَّا لَا خلاف فِيهِ فقد دلّ الْكتاب وَالسّنة وَأجْمع عُلَمَاء الْأمة على مثل مَا عَلَيْهِ أهل الْمعرفَة من أهل الْحساب من أَن الأفلاك مستديرة لَا مسطحة انْتهى الْمَقْصُود من نَقله ثمَّ ذكر فصلا ختم بِهِ رسَالَته من أَرَادَهُ فليراجعه فَإِن فِيهِ فَوَائِد كَثِيرَة.

стр. 57

وَقَوله تَعَالَى ﴿مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أَي متلبسا بِالْحَقِّ مراعيا فِيهِ مُقْتَضى الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَقَوله ﴿نفصل الْآيَات لقوم يعلمُونَ﴾ إِنَّمَا خصهم لأَنهم المنتفعون بهَا ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿إِن فِي اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار وَمَا خلق الله فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض لآيَات لقوم يَتَّقُونَ﴾ فِي هَذِه الْآيَة تَنْبِيه إجمالي على قدرَة الله تَعَالَى أَي فِي تعاقب اللَّيْل وَالنَّهَار وَكَون كل مِنْهُمَا خلفة للْآخر بِحَسب طُلُوع الشَّمْس وغروبها التَّابِعين عِنْد أَكثر الفلاسفة لحركة الْفلك الْأَعْظَم حول مركزه على خلاف التوالي فَإِنَّهُ يلْزمهَا حَرَكَة سَائِر الأفلاك وَمَا فِيهَا من الْكَوَاكِب مَعَ سُكُون الأَرْض على مَا زَعَمُوا وَهَذَا فِي أَكثر الْمَوَاضِع وَأما فِي عرض تسعين فَلَا يطلع شَيْء وَلَا يغرب بِتِلْكَ الْحَرَكَة أصلا بل بحركات أُخْرَى وَكَذَا فِيمَا يقرب مِنْهُ قد يَقع طُلُوع وغروب بِغَيْر ذَلِك وَتسَمى تِلْكَ الْحَرَكَة الْحَرَكَة اليومية وَجعلهَا بَعضهم وهم فلاسفة الإفرنج بِتَمَامِهَا للْأَرْض وَجعل آخَرُونَ بَعْضهَا للْأَرْض وَبَعضهَا للفلك الْأَعْظَم وَالْقُرْآن الْعَظِيم سَاكِت عَن المذهبين وَذَلِكَ من براهين إعجازه وَالْمَشْهُور عِنْد كثير من الْمُحدثين أَن الشَّمْس نَفسهَا تجْرِي مسخرة بِإِذن الله تَعَالَى فِي بَحر مكفوف فَتَطلع وتغرب حَيْثُ شَاءَ الله وَلَا حَرَكَة للسماء وَإِلَى مثل ذَلِك ذهب الشَّيْخ مُحي الدّين بن عَرَبِيّ إِمَام صوفية عصره وَالله المطلع على حقائق الْأُمُور لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده لَا شريك لَهُ

стр. 58

سُورَة هود قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] تَفْسِير الْآيَة: كَانَ المُرَاد بِخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض خلقهما وَمَا فيهمَا أَو تجْعَل (السَّمَوَات) مجَازًا عَن العلويات فتشملها وَمَا فِيهَا وَتجْعَل (الأَرْض) مجَازًا بِمَعْنى السفليات فتشملها وَمَا فِيهَا من غير تَقْدِير واحتيج إِلَى ذَلِك لاقْتِضَاء الْمقَام إِيَّاه وَإِلَّا فخلقهما فِي تِلْكَ الْمدَّة لَا يُنَافِي خلق غَيرهمَا فِيهَا وَالْمرَاد بِالْيَوْمِ الْوَقْت مُطلقًا لَا الْمُتَعَارف إِذْ لَا يتَصَوَّر ذَلِك حِين لَا شمس وَلَا قمر وَمِنْهُم من قَالَ أُرِيد بِهِ مُدَّة زمَان دور المحدد الْمُسَمّى بالعرش بزعمهم دورة تَامَّة وَإِلَيْهِ ذهب الشَّيْخ مُحي الدّين وَقد علمت حَاله فِيمَا سبق وَأَن الشَّيْخ الإِمَام تَقِيّ الدّين أَحْمد بن تَيْمِية ذكر أَن للأيام عَلَامَات تصدر من جَانب الْعَرْش بهَا تعرف وَقد ذكر ذَلِك فِي كثير من كتبه مِنْهَا «منهاج السّنة» وَفِي عدم خلقهما دفْعَة كَمَا علمت دَلِيل على كَونه سُبْحَانَهُ قَادِرًا مُخْتَارًا مَعَ مَا فِيهِ من الِاعْتِبَار للنظار والحث على التأني فِي الْأُمُور

стр. 59

وإيثار صِيغَة الْجمع فِي السَّمَاوَات لاختلافها بِالْأَصْلِ والذات دون الأَرْض، وَإِن قيل إِنَّهَا مثل السَّمَاء فِي كَونهَا سبعا طباقا بَين كل أَرض وَأَرْض مَسَافَة وفيهَا مخلوقات وَبِذَلِك فسر قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ﴾ وَالْكثير على أَن الأَرْض كرة وَاحِدَة منقسمة إِلَى سَبْعَة أقاليم وحملوا الْآيَة على ذَلِك. وَمعنى قَوْله ﴿وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ أَن عَرْشه كَانَ على المَاء قبل خلقهما وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَام مُجَاهِد وَبِه صرح القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ ثمَّ قَالَ لم يكن حَائِل بَينهمَا فُرْجَة أَي بَين الْعَرْش وَالْمَاء لَا أَنه كَانَ مَوْضُوعا على المَاء وَاسْتدلَّ بِهِ على إِمْكَان الْخَلَاء وَأَن المَاء أول حَادث بعد الْعَرْش من أجرام هَذَا الْعَالم انْتهى. وَوَافَقَهُ أَبُو السُّعُود على ذَلِك لكنه قَالَ: " لَيْسَ تَحت الْعَرْش غير المَاء سَوَاء كَانَ بَينهمَا فُرْجَة أَو مَوْضُوعا على مَتنه كَمَا ورد فِي الْأَثر فَلَا دلَالَة فِيهِ على إِمْكَان الْخَلَاء كَيفَ لَا وَلَو دلّ لدل على وجوده لَا على إِمْكَانه فَقَط وَلَا على كَون المَاء أول مَا حدث فِي الْعَالم بعد الْعَرْش وَإِنَّمَا يدل على أَن خلقهما أقدم من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض من غير تعرض للنسبة بَينهمَا" انْتهى وَالْأَكْثَرُونَ على أَن الْحق مَعَ أبي السُّعُود وَفِي الْمقَام تَفْصِيل يَنْبَغِي أَن يُرَاجع تَفْسِير الْآيَة فِي مفصل التفاسير.

стр. 60

سُورَة الرَّعْد قَالَ الله تَعَالَى ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ [الرعد: ٢] تَفْسِير اية ﴿رفع السَّمَاوَات﴾ أَي خلق الله السَّمَاوَات مرتفعات على طَريقَة سُبْحَانَ من كبر الْفِيل وَصغر البعوض لَا أَنه سُبْحَانَهُ رَفعهَا بعد أَن لم تكن كَذَلِك والعمد الدعائم والمفرد عماد كإهاب وَأهب يُقَال عَمَدت الْحَائِط أعمده عمدا إِذا دعمته فاعتمد واستند وَالْجمع لجمع السَّمَاوَات لَا لِأَن الْمَنْفِيّ عَن كل وَاحِدَة مِنْهَا الْعمد لَا الْعِمَاد و ﴿ترونها﴾ اسْتِئْنَاف جِيءَ بِهِ للاستشهاد على كَون السَّمَاوَات مَرْفُوعَة كَذَلِك كَأَنَّهُ قيل مَا الدَّلِيل على ذَلِك؟ فَقيل رؤيتكم لَهَا بِغَيْر عمد. فَهُوَ كَقَوْلِك أَنا بِلَا سيف وَلَا رمح تراني. وَهَذَا دَلِيل على وجود الصَّانِع الْحَكِيم تَعَالَى شَأْنه وَذَلِكَ لِأَن ارْتِفَاع السَّمَاوَات على سَائِر الْأَجْسَام المساوية لَهَا فِي الجرمية كَمَا تقرر فِي مَحَله واختصاصها بِمَا يَقْتَضِي ذَلِك لَا بُد أَن يكون لمخصص لَيْسَ بجسم وَلَا جسماني يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ الَّذِي هُوَ على كل شَيْء قدير ثمَّ لَا يخفى أَن الضَّمِير فِي ﴿ترونها﴾ إِذا كَانَ رَاجعا إِلَى السَّمَاوَات المرفوعة اقْتضى ظَاهر الْآيَة أَن المرئي هُوَ السَّمَاء

стр. 61

وَقد صرح بعض الفلاسفة بِأَن المرئي هُوَ كرة البخار وثخنها أحد وَخَمْسُونَ ميلًا وتسع وَخَمْسُونَ دقيقة وَالْمَجْمُوع سَبْعَة عشر فرسخا وَثلث فَرسَخ تَقْرِيبًا وَذكروا أَن سَبَب رؤيتها زرقاء أَنَّهَا مستضيئة دَائِما بأشعة الْكَوَاكِب وَمَا وَرَاءَهَا لعدم قبُول الضَّوْء كالمظلم بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا فَإِذا نفذ نور الْبَصَر من الْأَجْزَاء المستنيرة بالأشعة إِلَى الْأَجْزَاء الَّتِي هِيَ كالمظلم رأى النَّاظر مَا فَوْقه من المظلم بِمَا يمازجه من الضياء الأرضي والضياء الكوكبي لونا متوسطا بَين الظلام والضياء وَهُوَ اللَّوْن اللازوردي وَذَلِكَ كَمَا إِذا نَظرنَا من جسم أَحْمَر مشف إِلَى جسم أَخْضَر فَإِنَّهُ يظْهر لنا لون مركب من الْحمرَة والخضرة وَأَجْمعُوا أَن السَّمَاوَات الَّتِي هِيَ الأفلاك لَا ترى لِأَنَّهَا شفافة لَا لون لَهَا لِأَنَّهَا لَا تحجب الْأَبْصَار عَن رُؤْيَة مَا وَرَاءَهَا من الْكَوَاكِب وكل ملون فَإِنَّهُ يحجب عَن ذَلِك وَتعقب ذَلِك الرَّازِيّ بقوله إِنَّا لَا نسلم أَن كل ملون حَاجِب فَإِن المَاء والزجاج ملونان لِأَنَّهُمَا مرئيان وَمَعَ ذَلِك لَا يحجبان فَإِن قيل فيهمَا حجب عَن الإبصار الْكَامِل قُلْنَا وَكَيف عَرَفْتُمْ أَنكُمْ أدركتم هَذِه الْكَوَاكِب إدراكا تَاما انْتهى على أَن مَا ذَكرُوهُ لَا يتمشى فِي المحدد إِذْ لَيْسَ وَرَاءه شَيْء حَتَّى يرى وَلَا فِي الْفلك الَّذِي يسمونه بفلك الثوابت أَيْضا إِذْ لَيْسَ فَوْقه كَوْكَب مرئي وَلَيْسَ لَهُم أَن يَقُولُوا لَو كَانَ كل مِنْهُمَا ملونا لَوَجَبَتْ رُؤْيَته لأَنا نقُول جَازَ أَن يكون لَونه ضَعِيفا كلون الزّجاج فَلَا يرى من بعيد

стр. 62

وَلَئِن سلمنَا وجوب رُؤْيَة لَونه قُلْنَا لم لَا يجوز أَن تكون هَذِه الزرقة الصافية المرئية لَونه وَمَا ذكر أَولا فِيهَا دون إثْبَاته خرط القتاد. وَمَا يُقَال إِنَّهَا أَمر يحس فِي الشفاف إِذا بعد كَمَا فِي مَاء الْبَحْر فَإِنَّهُ يرى أَزْرَق متفاوت الزرقة بتفاوت قَعْره قربا وبعدا فالزرقة الْمَذْكُورَة لون يتخيل فِي الجو الَّذِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لِأَنَّهُ شفاف بعد عمقه لَا يجدي نفعا لِأَن الزرقة كَمَا تكون لونا متخيلا قد تكون أَيْضا لونا حَقِيقِيًّا قَائِما بالأجساد وَمَا الدَّلِيل على أَنَّهَا لَا تحدث إِلَّا بذلك الطَّرِيق التخيلي فَجَاز أَن تكون تِلْكَ الزرقة المرئية لونا حَقِيقِيًّا لأحد الفلكين وَأَنت تعلم أَنه لَا مَانع عِنْد الْمُسلمين من كَون المرئي هُوَ السَّمَاء الدُّنْيَا الْمُسَمَّاة بفلك الْقَمَر عِنْد الفلاسفة بل هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيه الظَّوَاهِر ولان نسلم أَن مَا يذكرُونَهُ من طَبَقَات الْهَوَاء مَانِعا وَهَذِه الزرقة يحْتَمل أَن تكون لونا حَقِيقِيًّا لتِلْك السَّمَاء صبغها الله تَعَالَى بِهِ بِحَسب مَا اقتضته حكمته. وَعَلِيهِ الأثريّون كَمَا قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ. وَيُؤَيِّدهُ ظَاهر مَا صَحَّ من قَوْله ﷺ : "مَا أظلت الخضراء وَلَا أقلت الغبراء من ذِي لهجة أصدق من أبي ذَر" (٢).

стр. 63

وَيحْتَمل أَن يكون لونا تخيليا فِي طبقَة من طَبَقَات الْهَوَاء الشفاف الَّذِي مَلأ الله بِهِ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَيكون لَهَا فِي نَفسهَا لون حَقِيقِيّ الله أعلم بكيفيته وَلَا بعد فِي أَن يكون أَبيض وَهُوَ الَّذِي يَقْضِيه بعض الْأَخْبَار لَكنا نَحن نرَاهُ من وَرَاء ذَلِك الْهَوَاء بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّة كَمَا نرى الشَّمْس من وَرَاء جَام أَخْضَر أَخْضَر وَمن وَرَاء جَام أَزْرَق أَزْرَق وَهَكَذَا وَبَعض النَّاس يروي أثراً، لا صحة لَهُ. وَهُوَ أَن ذَلِك من انعكاس لون جبل قَاف عَلَيْهَا وَتعقب بِأَن جبل قَاف لَا وجود لَهُ وَبرهن عَلَيْهِ بِمَا يردهُ مَا جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس أَن وَرَاء أَرْضنَا بحرا محيطا ثمَّ جبلا يُقَال لَهُ قَاف ثمَّ أَرضًا ثمَّ بحرا ثمَّ جبلا وَهَكَذَا حَتَّى عد سبعا من كل وَخرج بعض أُولَئِكَ عَن عبد الله بن بُرَيْدَة أَنه جبل من زمرد مُحِيط بالدنيا عَلَيْهِ كنف السَّمَاء وَعَن مُجَاهِد مثله وَنقل صَاحب حل الرموز أَن لَهُ سبع شعب وَأَن لكل سَمَاء مِنْهَا شُعْبَة وَأَنا أَقُول إِن كل ذَلِك لَا صِحَة لَهُ وَيجب الْجَزْم بِأَن السَّمَاء لَيست مَحْمُولَة إِلَّا على كَاهِل الْقُدْرَة وَأَنَّهَا مُحِيطَة بِالْأَرْضِ من سَائِر جهاتها كَمَا رُوِيَ عَن الْحسن. وَفِي الزرقة الاحتمالان وَقد تعرض للون السَّمَاء ابْن الْقيم فِي كِتَابه «مِفْتَاح دَار السَّعَادَة» بِمَا يَقْتَضِي مُرَاجعَته بَقِي الْكَلَام فِي رُؤْيَة بَاقِي السَّمَاوَات وَظَاهر الْآيَة يَقْتَضِيهِ وَهُوَ غير مُسلم وَظَاهر بعض الْآيَات يساعد على ذَلِك فنحتاج حِينَئِذٍ إِلَى القَوْل بِأَن الْبَاقِي وَإِن لم يكن مرئيا حَقِيقَة لكنه فِي حكم المرئي ضَرُورَة أَنه إِذا لم يكن

стр. 64

لهَذَا عماد لَا يتَصَوَّر أَن يكون لما وَرَاءه عماد عَلَيْهِ بِوَجْه من الْوُجُوه ويؤل هَذَا إِلَى كَون المُرَاد ترونها حَقِيقَة أَو حكما بِغَيْر عمد وَجوز أَن يكون المُرَاد ترَوْنَ رَفعهَا أَي السَّمَاوَات جَمِيعًا بِغَيْر ذَلِك وَقد تقدم الْكَلَام على الْعَرْش والاستواء وسنعود إِلَيْهِ فِيمَا يُنَاسب من الْآيَات وَمعنى تسخير ﴿الشَّمْس وَالْقَمَر﴾ جَعلهمَا طائعين لما أُرِيد مِنْهُمَا ﴿كل يجْرِي لأجل مُسَمّى﴾ أَي يسير فِي الْمنَازل والدرجات لوقت معِين فَإِن الشَّمْس تقطع الْفلك فِي سنة وَالْقَمَر فِي شهر لَا يخْتَلف جري كل مِنْهُمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم وَالْقَمَر قدرناه منَازِل حَتَّى عَاد كالعرجون الْقَدِيم﴾ وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَمن الْمُفَسّرين من قَالَ أَي كل يجْرِي لغاية مَضْرُوبَة يَنْقَطِع دونهَا سيره وَهِي ﴿إِذا الشَّمْس كورت وَإِذا النُّجُوم انكدرت﴾ وَهَذَا مُرَاد مُجَاهِد من تَفْسِير الْأَجَل الْمُسَمّى بالدنيا وعَلى قَول الفلاسفة الْمُتَأَخِّرين إِن للشمس حَرَكَة مركزها وَهُوَ معنى ﴿تجْرِي لمستقر﴾ وَزعم ابْن عَطِيَّة أَن ذكر الشَّمْس وَالْقَمَر قد تضمن ذكر الْكَوَاكِب فَالْمُرَاد من ﴿كل﴾ كل مِنْهُمَا وَمِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُمَا من الْكَوَاكِب

стр. 65

وَالْحق مَا علمت وَالله الْعَالم بِمَا تضمنته آيَاته وَمن آيَات سُورَة الرَّعْد قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾ [الرعد: ٣] هَذِه الْآيَة مُتَّصِلَة بِالْآيَةِ الَّتِي قبلهَا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لما ذكر من الشواهد العلوية مَا ذكر أردفها بِذكر الدَّلَائِل السفلية فَقَالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي مد الأَرْض﴾ قَالَ عُلَمَاء الْهَيْئَة الجديدة الأَرْض جرم من الأجرام السماوية يَعْنِي أَنَّهَا جرم من الأجرام التابعة للشمس وَهِي السيارات الدائرة حولهَا على أبعاد مُتَفَاوِتَة وَسميت النظام الشمسي وشكلوا لذَلِك شكلا فِي وَسطه الشَّمْس ثمَّ عُطَارِد وَهُوَ أقرب إِلَى الشَّمْس من سَائِر السيارات الْمَعْرُوفَة وَبعده الزهرة ثمَّ الأَرْض ثمَّ قمرها ثمَّ المريخ ثمَّ فسحة وَاسِعَة فِيهَا مئتان وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ جرما صَغِيرا تسمى النجيمات أَو الشبيهة بالسيارات ثمَّ المُشْتَرِي ثمَّ زحل ثمَّ أورانوس ثمَّ نبتون ثمَّ بعد مهول وخلاء مَجْهُول حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى أقرب النُّجُوم الثوابت الَّتِي يعد كل وَاحِد مِنْهَا شمسا لَا يرى توابعها للبعد الشاسع والنظام الشمسي يَنْتَهِي عِنْد نبتون أَعنِي لَا يعرف سيار أبعد من نبتون بل إِنَّه إِلَى الْآن لم يكْشف عَن وجود جرم تَابع للنظام الشمسي أبعد من الْمَذْكُور والنجوم الثوابت لَيست من النظام الشمسي بل هِيَ أنظمة مُسْتَقلَّة ترى مِنْهَا شمسنا كَمَا ترى هِيَ من عندنَا أَي نقطا لامعة نيرة فِي الْقبَّة الزرقاء. وَقَالُوا فِي شَأْن الأَرْض أَيْضا وحركتها السيار التَّابِع للنظام الشمسي الَّذِي نَحن ساكنون عَلَيْهِ هُوَ الأَرْض وَأَنَّهَا كرية الشكل، وَأَقَامُوا على ذَلِك

стр. 66

دلائلهم الْمَعْلُومَة فِي كتبهمْ وَأَنَّهَا على عظمها سابحة فِي الفضاء وَلَيْسَت لَهَا حافة يَنْتَهِي إِلَيْهَا من يجوب سطحها كَمَا إِذا مشت ذُبَابَة على بطيخة معلقَة فَهِيَ لَا تَنْتَهِي إِلَى حافة كَذَلِك الأَرْض الكرية الشكل السابحة فِي الفضاء لَيْسَ لَهَا حافة يَنْتَهِي إِلَيْهَا من يجوب سطحها وَهِي عائمة فِي الفضاء. وذهبوا إِلَى أَن حركتها وَكَذَا سَائِر الأجرام السماوية من الغرب إِلَى الشرق لَا كَمَا يتَرَاءَى أَن حَرَكَة هَذِه الأجرام من الشرق إِلَى الغرب وذهبوا إِلَى أَن لَهَا حَرَكَة أُخْرَى غير الْحَرَكَة اليومية وَهِي الْحَرَكَة السنوية فللأرض عِنْدهم حركتان حَرَكَة يومية وَهِي دورانها على محورها مرّة من الغرب إِلَى الشرق وَمِنْهَا اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار وحركة من الغرب إِلَى الشرق حول الشَّمْس مرّة وَاحِدَة كل سنة هَذَا مَا ذكره عُلَمَاء الْهَيْئَة الجديدة فِي شَأْن الأَرْض. وَقد تصفحت الْقُرْآن الْعَظِيم الشَّأْن فَوجدت عدَّة آيَات نطقت بِمَا يتَعَلَّق بِالْأَرْضِ من جِهَة الِاسْتِدْلَال بهَا على وجود خَالِقهَا وعظمة باريها وَلم يذكر فِيهَا شَيْء مِمَّا يُخَالف مَا عَلَيْهِ أهل الْهَيْئَة الْيَوْم وَلَا يُنَافِي كريتها مَا يدل ظَاهرهَا على الْمَدّ والبسط والفرش فَإِن هَذَا كُله لَا يُنَافِي الكرية لِأَن المُرَاد من بسطها وتوسعتها ومدها مَا يحصل بِهِ الِانْتِفَاع لمن حلهَا وَلَا يلْزم من ذَلِك نفي كريتها لما أَن الكرة الْعَظِيمَة لعظمها ترى كالسطح المستوي وَكَأن كل قِطْعَة مِنْهَا سطح مفروش يَصح الْقعُود وَالنَّوْم عَلَيْهِ والكرة كلما عظمت قربت أقواس سطحها إِلَى الْخط الْمُسْتَقيم وَفِي الشَّرِيعَة دَلَائِل كَثِيرَة تدل على كرية الأَرْض وَالسَّمَاء مِنْهَا اعْتِرَاف

стр. 67

الْأَئِمَّة باخْتلَاف الْمطَالع فَإِن الصُّبْح فِي بعض الْبِلَاد يُوَافق الْمسَاء فِي بِلَاد أُخْرَى وطلوع الْهلَال فِي بعض الْآفَاق يُوَافق غيبوبته فِي بِلَاد أُخْرَى وَهَكَذَا الشَّمْس وَسَائِر الْكَوَاكِب فَفِي بعض الْآفَاق يرى القطب الشمالي فَوق رُؤُوس أَهله والقطب الجنوبي لَا يرى أصلا وسكنة خطّ الاسْتوَاء يرَوْنَ القطبين على الْأُفق وَفِي بعض الْبِلَاد تكون الْحَرَكَة فِيهِ دولابية وَفِي الْبَعْض حمائلية وَفِي الْبَعْض رحوية كل ذَلِك مَبْنِيّ على كرية الأَرْض ولولاها لما كَانَ شَيْء من ذَلِك وَقَوله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي مد الأَرْض﴾ لَا يُنَافِي الكرية وَمَا على الأَرْض من الْجبَال والأودية والبحار لَا يخرج الأَرْض عَن الكرية فَإِن أعظم جبل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا كنسبة سبع عرض شعيرَة إِلَى كرة قطرها ذِرَاع وَقَوله تَعَالَى ﴿وَجعل فِيهَا رواسي﴾ مَعْنَاهُ جعل فِيهَا جبالا ثوابت فِي أحيازها من الرسو وَهُوَ ثبات الْأَجْسَام الثَّقِيلَة وَفِي الْخَبَر لما خلق الله تَعَالَى الأَرْض جعلت تميد فخلق الله الْجبَال عَلَيْهَا فاستقرت،

стр. 68

فَقَالَت الْمَلَائِكَة رَبنَا خلقت خلقا أعظم من الْجبَال قَالَ نعم الْحَدِيد فَقَالُوا رَبنَا خلقت خلقا أعظم من الْحَدِيد قَالَ نعم النَّار فَقَالُوا رَبنَا خلقت خلقا أعظم من النَّار قَالَ نعم المَاء فَقَالُوا رَبنَا خلقت خلقا أعظم من المَاء قَالَ نعم الْهَوَاء فَقَالُوا رَبنَا خلقت خلقا أعظم من الْهَوَاء قَالَ نعم ابْن آدم يتَصَدَّق الصَّدَقَة بِيَمِينِهِ فيخفيها عَن شِمَاله (١). وَهَذَا أَيْضا لَا يُنَافِي حَرَكَة الأَرْض اليومية والسنوية الَّتِي قَالَ بهما أهل الْهَيْئَة فَإِن الله تَعَالَى لَو لم يخلق فِي الأَرْض الْجبَال لمادت أَي اضْطَرَبَتْ والميد اضْطِرَاب الشَّيْء الْعَظِيم فَلَمَّا ألْقى فِيهَا الرواسِي وَهِي الْجبَال الثوابت انْتَفَى ذَلِك وَوجه كَون الْإِلْقَاء مَانِعا عَن اضْطِرَاب الأَرْض أَنَّهَا كسفينة على وَجه المَاء والسفينة إِذا لم يكن فِيهَا أجرام ثَقيلَة تضطرب وتميل من جَانب إِلَى جَانب بِأَدْنَى حَرَكَة شَيْء وَإِن وضعت فِيهَا أجرام ثَقيلَة تَسْتَقِر فَكَذَا الأَرْض لَو لم يكن عَلَيْهَا هَذِه الْجبَال لاضطربت فالجبال بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا كالأجرام الثَّقِيلَة الْمَوْضُوعَة فِي السَّفِينَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا وَالْمَقْصُود أَن جعل الرواسِي فِيهَا لَا يُعَارض حركتها بِوَجْه من الْوُجُوه كَمَا أَن السَّفِينَة إِذا كَانَ فِيهَا أجرام ثَقيلَة تمنع اضطرابها وميلها من جَانب إِلَى جَانب لَا يُنَافِي حركتها وسنزيد ذَلِك بَيَانا فِيمَا يُنَاسب من الْآيَات الْآتِيَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى و ﴿الْأَنْهَار﴾ المجعولة فِي الأَرْض كَثِيرَة وَذكر بَعضهم أَنَّهَا مئة وَسِتَّة وَتسْعُونَ نَهراً، وَجَاء فِي أَرْبَعَة مِنْهَا: أَنَّهَا من الْجنَّة وَهِي: سيحان

стр. 69

وجيحان والفرات والنيل وكل وَاحِد مِنْهَا من أَنهَار الْجنَّة (١). وَجَاء فِي بعض الْأَخْبَار مَرْفُوعاً: "نهران مُؤْمِنَانِ ونهران كَافِرَانِ أما المؤمنان فنيل والفرات، وَأما الكافران فدجلة وجيحون" (٢). وَحمل ذَلِك على أَنه ﷺ شبه النهرين الْأَوَّلين لنفعهما بسهولة الْمُؤمن والنهرين الآخرين بالكافر لعدم نفعهما كَذَلِك فَإِنَّهُمَا إِنَّمَا يخرج فِي الْأَكْثَر ماؤهما بِآلَة ومشقة وَإِلَّا فوصف ذَلِك بِالْإِيمَان وَالْكفْر على الْحَقِيقَة لَا نعلم كيفيته. وَأما آخر الْآيَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن كل الثمرات جعل فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يغشي اللَّيْل النَّهَار إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون﴾ فتفسيره لَيْسَ من مَوْضُوع كتَابنَا فَإِن التفكر فِيهَا إِلَى الحكم بِأَن يكون كل من ذَلِك على هَذَا النمط الرَّائِق والأسلوب الْفَائِق لَا بُد لَهُ من مكون قَادر حَكِيم يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد.

стр. 70

سُورَة إِبْرَاهِيم قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم: ٤٨] تَفْسِير الْآيَة قَالَ ابْن عَبَّاس ﴿تبدل الأَرْض﴾ يُزَاد فِيهَا وَينْقص مِنْهَا وَتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وَمَا فِيهَا وتمد مد الْأَدِيم العكاظي وَتصير مستوية لَا ترى فِيهَا عوجا وَلَا أمتا و ﴿تبدل﴾ السَّمَاوَات بذهاب شمسها وقمرها ونجومها فحاصله يُغير كل عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَأنْشد (وَمَا النَّاس بِالنَّاسِ الَّذين عهدتهم ... وَلَا الدَّار بِالدَّار الَّتِي كنت أعلم) وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي تبدل السَّمَاوَات بطيها وَجعلهَا مرّة كَالْمهْلِ وَمرَّة وردة كالدهان.

стр. 71

وَعَن مُجَاهِد: تكون الأَرْض كالفضة وَالسَّمَاوَات كَذَلِك. وَعَن ابْن مَسْعُود تبدل الأَرْض أَرضًا بَيْضَاء كَأَنَّهَا سبيكة بَيْضَاء لم يسفك فِيهَا دم حرَام وَلم يعْمل فِيهَا خَطِيئَة وَجَاء فِي تَبْدِيل الأَرْض رِوَايَات أُخْرَى مَذْكُورَة فِي التَّفْسِير وَكَذَا السَّمَاوَات كل ذَلِك فِي الْآخِرَة وَذَلِكَ مِمَّا يجب الْإِيمَان بِهِ على من آمن بالرسول وَأَن يَقُول الْمُؤمن ﴿رَبنَا آمنا بِمَا أنزلت وَاتَّبَعنَا الرَّسُول فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ وَلَيْسَ هَذَا من مَوْضُوع فن الْهَيْئَة فَإِنَّهُم يَتَكَلَّمُونَ على مَا تصل إِلَيْهِ يَد دلائلهم وَالله ولي التَّوْفِيق

стр. 72

سُورَة الْحجر وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ١٤ - ٢١] فِي هَذِه الْآيَات إِثْبَات بَاب للسماء وَأَنَّهَا جرم من الأجرام وَأثبت لَهَا بروجا وَأثبت الشهب وَأثبت للْأَرْض امتدادا وَألقى فِيهَا رواسي لِئَلَّا تميد بساكنيها وَبَعض هَذِه الْأُمُور قد مر بَيَانهَا غير مرّة بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ وَمَعَ ذَلِك نتكلم فِي تَفْسِيرهَا إِجْمَالا فَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو فتحنا عَلَيْهِم﴾ أَرَادَ بِهِ على هَؤُلَاءِ المقترحين المعاندين وَالْمرَاد بِالْبَابِ غير أَبْوَاب السَّمَاء الْمَعْهُودَة الَّتِي وَردت فِي حَدِيث الْمِعْرَاج وَمعنى ﴿فظلوا فِيهِ يعرجون﴾ أَي يصعدون فِي ذَلِك الْبَاب بِحَسب مَا نيسره لَهُم فيرون مَا فِيهَا من الْمَلَائِكَة والعجائب طول نهارهم مستوضحين لما يرونه كَمَا يفِيدهُ ظلوا لِأَنَّهُ يُقَال ظلّ يعْمل كَذَا إِذا فعله فِي النَّهَار حَيْثُ يكون للشَّخْص ظلّ وَمعنى قَوْله ﴿لقالوا إِنَّمَا سكرت أبصارنا﴾ أَي سدت ومنعت من الإبصار حَقِيقَة وَمَا نرَاهُ تخيل لَا حَقِيقَة لَهُ وَذَلِكَ لفرط عنادهم وغلوهم فِي المكابرة وتفاديهم عَن قبُول الْحق

стр. 73

وَقَوْلهمْ ﴿بل نَحن قوم مسحورون﴾ أَي قد سحرنَا مُحَمَّد ﷺ عِنْد ظُهُور سَائِر الْآيَات الباهرة ثمَّ إِنَّه تَعَالَى لما ذكر حَال منكري النُّبُوَّة وَكَانَت متفرعة على التَّوْحِيد ذكر دلائله السماوية والأرضية فَقَالَ عز قَائِلا ﴿وَلَقَد جعلنَا فِي السَّمَاء بروجا وزيناها للناظرين﴾ والبروج جمع برج وَهُوَ لُغَة الْقصر والحصن أَي جعلنَا فِي السَّمَاء قصورا فِيهَا الحرس أَو أَن المُرَاد بالبروج الْكَوَاكِب الْعِظَام أَو الْكَوَاكِب السيارة أَو أَنَّهَا مُطلق الْكَوَاكِب وَعَن ابْن عَبَّاس تَفْسِير ذَلِك بالبروج الاثْنَي عشر الْمَشْهُورَة وَهِي سِتَّة شمالية ثَلَاثَة ربيعية وَثَلَاثَة صيفية وأولها الْحمل وَسِتَّة جنوبية ثَلَاثَة خريفية وَثَلَاثَة شتائية وأولها الْمِيزَان وَقد جمعهَا الشَّاعِر بقوله (حمل الثور جوزة السرطان ... ورعى اللَّيْث سنبلَ الْمِيزَانِ) (وَرمى عقربٌ بقوس جديا ... وَمن الدَّلْو مشرب الْحيتَان) وَطول كل برج عِنْدهم ثَلَاثُونَ دَرَجَة وَعرضه ثَمَانُون دَرَجَة ومئة وَتسْعُونَ مِنْهَا فِي جِهَة الشمَال وَمثلهَا فِي جِهَة الْجنُوب وَكَأَنَّهَا إِنَّمَا سميت بذلك لِأَنَّهَا كالحصن أَو الْقصر للكوكب الْحَال فِيهَا وَهِي فِي الْحَقِيقَة أَجزَاء الْفلك الْأَعْظَم وَهُوَ المحدد بزعمهم الْمُسَمّى بلسانهم الْفلك الأطلس وفلك الأفلاك وبلسان الشَّرْع بعكسه

стр. 74

وَلِهَذَا يُسَمِّي الشَّيْخ مُحي الدّين بن عَرَبِيّ الْفلك الأطلس بـ "فلك البروج" وَالْمَشْهُور تَسْمِيَة الْفلك الثَّامِن - وَهُوَ فلك الثوابت - بِهِ، لاعتبارهم الانقسام فِيهِ وَكَانَ ذَلِك لظُهُور مَا يتَعَيَّن بِهِ الْأَجْزَاء من الصُّور فِيهِ وَإِن كَانَ كل مِنْهَا منتقلا عَمَّا عينه إِلَى آخر مِنْهَا لثُبُوت الْحَرَكَة الذاتية للثوابت على اخْتِلَاف التوالي وَإِن لم يثبتها لَهُ لعدم الإحساس بهَا قدماء الفلاسفة كَمَا لم يثبت الْأَكْثَرُونَ حركتها على نَفسهَا وأثبتها الشَّيْخ أَبُو عَليّ وَمن تبعه من الْمُحَقِّقين. وَقد صَرَّحُوا بِأَن هَذِه الصُّور الْمُسَمَّاة بالأسماء الْمَعْلُومَة توهمت على المنطقة وَمَا يقرب مِنْهَا من الْجَانِبَيْنِ من كواكب ثَابِتَة ينظمها خطوط موهومة وَقعت وَقت الْقِسْمَة فِي تِلْكَ الْأَقْسَام وَإِنَّمَا توهموا لكل قسم صُورَة ليحصل التفهم والتعليم بِأَن يُقَال الدبران مثلا عين الْأسد وَتعقب هَذَا القَوْل بَعضهم وَقَالَ هَذَا لَيْسَ بسديد عِنْدِي لِأَن تِلْكَ الصُّور لَو كَانَت وهمية لم يكن لَهَا أثر فِي أَمْثَالهَا من الْعَالم السفلي مَعَ أَن الْأَمر لَيْسَ كَذَلِك فقد قَالَ بطليموس فِي الثَّمَرَة الصُّور الَّتِي فِي عَالم التَّرْكِيب مطيعة للصور الفلكية إِذْ هِيَ فِي ذواتها على تِلْكَ الصُّور فأدركتها الأوهام على مَا هِيَ عَلَيْه. ِ انْتهى. ثمَّ هَذِه البروج مُخْتَلفَة الْآثَار والخواص بل لكل جُزْء من كل مِنْهَا وَإِن كَانَ أقل من عاشرة بل أقل الْأَقَل آثَار تخَالف آثَار الْجُزْء الآخر وكل ذَلِك آثَار حِكْمَة الله تَعَالَى وَقدرته . وَقد ذكر الشَّيْخ مُحي الدّين بن عَرَبِيّ فِي بعض كتبه أَن آثَار النُّجُوم وأحكامها مفاضة عَلَيْهَا من تِلْكَ البروج الْمُعْتَبرَة فِي المحدد.

стр. 75

وَفِي الْفَصْل الثَّالِث من الْبَاب الْحَادِي وَالسبْعين والثلاثمائة من «فتوحاته» أَن الله تَعَالَى قسم الْفلك الأطلس اثْنَي عشر قسما سَمَّاهَا بروجا وأسكن كل برج مِنْهَا ملكا وَهَؤُلَاء الْمَلَائِكَة أَئِمَّة الْعَالم وَجعل لكل مِنْهُم ثَلَاثِينَ خزانَة يحتوي كل مِنْهَا على عُلُوم شَتَّى يهبون مِنْهَا للنازل بهم قدر مَا تعطيه رتبته وَهِي الخزائن الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى فِيهَا ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه وَمَا ننزله إِلَّا بِقدر مَعْلُوم﴾ وَتسَمى عِنْد أهل التعاليم ب دَرَجَات الْفلك والنازلون بهَا هم الْجَوَارِي والمنازل وعيو قاتها من الثوابت والعلوم الْحَاصِلَة من تِلْكَ الخزائن الإلهية هِيَ مَا يظْهر فِي عَالم الْأَركان من التأثيرات بل مَا يظْهر فِي مقعر فلك الثوابت إِلَى الأَرْض إِلَى آخر مَا قَالَ وَقد أَطَالَ الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب وَهُوَ بمعزل عَن اعْتِقَاد الْمُحدثين نقلة الدّين ثمَّ إِن فِي اخْتِلَاف خَواص البروج بِحَسب مَا تشهد بِهِ التجربة مَعَ مَا اتّفق عَلَيْهِ الْجُمْهُور من بساطة السَّمَاء أدل دَلِيل على وجود الصَّانِع الْمُخْتَار ﷻ . وتزيين السَّمَاء بِمَا فِيهَا الْكَوَاكِب السيارات وَنَحْوهَا وَهِي كَثِيرَة لَا يعلم عَددهَا إِلَّا الله تَعَالَى وَقد أسلفنا أَن المرصود مِنْهَا ألف ونيف وَعِشْرُونَ كوكبا وَأَنَّهُمْ رتبوها على سِتّ مَرَاتِب وسموها أقدارا متزايدة سدسا سدسا حَتَّى كَانَ قطر مَا
следующие страницы →