← Тафсир

Тафсир · id 555

تفسير العثيمين: الشعراء

ابن عثيمين

Полный текст (309 стр.). Показаны 281–309 · переход к 286.

стр. 281

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالقُرآنِ، وعلى كمالِ حِفظ الرَّسُولِ له ﷺ ؛ لأنَّ ما نزَلَ على القلبِ يَثْبُتُ ويَرْسَخُ، بخِلافِ ما سمِعتْه الأُذُنُ، فإنّ الأذنَ قد تُوصِل إلى القلبِ وقد لا تُوصِل، فقد يكون قلبُه غافلًا، ولكن هنا كَان على القلبِ. وقَوْلهُ: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ اللامُ هنا للتعليلِ وللعاقبةِ معًا، فهما متلازِمانِ، فإذا قلنا: للتعليلِ، صار مكلَّفًا بذلكَ، وإذا كَانتْ في العاقبةِ كَانتْ عاقبتُه أن يكونَ مُنْذِرًا، وإنْ لم يكنْ هناك تَكليف، ولكن الصَّحِيح أنها شاملةٌ للأمرينِ. وقَوْلهُ: ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ أي: الرُّسُل، كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]. وقَوْلهُ: ﴿بِلِسَانٍ﴾ بلغةٍ، وأطلقَ اللِّسان على اللُّغةِ؛ لأنَّه مَحَلّ الكَلامِ الَّذي هو عنوانُ اللُّغةِ. وقَوْلهُ: ﴿عَرَبِيٍّ﴾ نِسبةً إلى العربِ؛ وذلك لأنَّ النَّبيّ ﷺ كَان عربيًّا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. وفي هذا إشارةٌ إلى أنه يَنْبَغي أن تكونَ اللُّغةُ العربيّة لغةَ جميعِ الخلقِ؛ لأن الشرْعَ الَّذي نزلَ بها شرعُ جميعِ الخلقِ، فكَان يَنْبَغي أن تكونَ اللُّغةُ العربيّة لغةَ جميعِ الخلقِ، خلافًا لمن يريدونَ أن يُذِيبُوها في عَصْرِنا الحاضرِ، بأن يطالِبوا بجعلِ اللُّغَة العامِّيَّة مكَانَ اللُّغةِ العربيّةِ في المكاتَباتِ والمراسَلات وغيرهما! وأقبحُ من ذلك مَن يحاولونَ أن يتكلَّموا باللُّغةِ الأعجميّة، كما يوجد من بعضِ النَّاسِ الَّذينَ يَفخَرون بلغةِ الإنجليزِ وغيرهم، فتجدهم يَتَشَدَّقُونَ بالكَلام بها.

стр. 282

ثمّ إنّ قَوْلَهُ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ متعلِّق بقَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ﴾. وقَوْله: ﴿مُبِينٍ﴾ بيّن، وفي قِراءَة بالتشديد: (نزّل)، بتشديد (نزل)، ونصب (الرُّوحَ)، فالفاعلُ الله: (نَزَّلَ بِهِ الرُّوحَ الْأَمِينَ). وفي اختلافِ القراءتينِ فائدةٌ، وهي أن الَّذي أمرهُ بالنزولِ هو اللهُ فنزلَ، فيكون جمعتَ بين فِعل جبريلَ الصادر عن أمر اللهِ، وبين الدلالةِ على أمرِ اللهِ له بذلك: (نزّلَ به). قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنَّهُ﴾ ذِكر القُرآن المنزَّل على محُمَّد ﷺ ﴿لَفِي زُبُر﴾ كُتُب ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ كالتوراةِ والإنجيلِ]، المُفَسِّر جعلَ الضَّميرَ يعودُ على القُرآنِ، يَعْنِي: إنَّ ذكرَ القُرآنِ موْجودٌ في ﴿زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ كُتُبهم، والمُرادُ وصفُ القُرآنِ؛ لأن النَّبيّ ﵊ وصف صفات التَّوْرَاة والإِنْجِيل بصفاته وصفات الكِتاب الَّذي نزَل به. وقَوْلهُ: ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ ظاهرُ الآيةِ الكريمة الْعُمومُ، وأن كل الكتبِ السابقةِ ذُكِرَ فيها القُرآنُ، وبشر إليه، ومنها: التوراة والإنجيل، فتكون الكاف هنا للتشبيهِ، وفي هذا دليلٌ واضحٌ على عِناية اللهِ تَعالَى بهذا القُرآنِ، وتَشريفه، وتَعظيمه، حيثُ ذُكِر في كلّ كتابٍ سَبَقَ. وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّه لو جاءَ هذا الكتابُ لَوَجَبَ على جميعِ مَن يَعْتَنِقُونَ الكتبَ السابقةَ أنْ يُؤْمِنُوا به. * * *

стр. 283

الآيات (١٩٧ - ٢٠٤) * * * * قالَ اللهُ : ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ١٩٧ - ٢٠٤]. * * * قال المُفسِّر ﵀: [﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ لِكُفَّارِ مَكَّة ﴿آيَةً﴾ عَلَى ذَلِكَ ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا فإِنَّهمْ يُخْبِرُونَ بِذَلِكَ، وَ (يَكُنْ) بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَنَصْبِ آيَة، وَبِالْفَوْقَانِيَّةِ وَرَفْعِ آيَة (١): ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ جَمْع أَعْجَم، ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ كُفَّار مَكَّة ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ أَنَفَةً مِنِ اتِّبَاعه، ﴿كَذَلِكَ﴾ أَيْ مِثْل إدْخَالِنا التَّكْذِيب بِهِ بِقِرَاءَةِ الْأَعْجَمِيّ ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ أَدْخَلْنَا التَّكْذِيب بِهِ ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ كفّار مكّة بقِراءَة النبيّ، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ لِنُؤْمِن فَيُقَال لَهُمْ لا فقالوا متى هذا العذاب، قال تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾]. قَوْلهُ: [﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ لِكُفَّار مكّة ﴿آيَةً﴾ على ذلك]، يَعْنِي: عَلامَة على أنه حقّ ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

стр. 284

وقَوْلهُ: ﴿آيَةً﴾ بالنصبِ خَبَر ﴿يَكُنْ﴾ مقدَّمًا، و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ اسمها مؤخَّر، يَعْنِي: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ أي: عِلْمُهُ، من ﴿عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فبنو إسرائيلَ هم بنو يَعْقُوبَ بنِ إسحاقَ، الَّذينَ تفرَّعوا منه، وهذا من الآيَاتِ البيِّنة على أنه مذكورٌ في الكتبِ السابقةِ وأنَّ عُلماء بني إسرائيلَ يَعْلَمُونه؛ لأنه لو لم يكنْ مذكورًا في كُتُبهم، ما علِموه، وإنَّما يَعلَمونه لأنه مذكورٌ في كُتُبِهِم. وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ المَرْجِعَ في مثل هذه الأمورِ إلى العُلَماءِ أهلِ العِلْم. وقول المُفسِّر ﵀: [كعَبْدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ وأصحابِه ممَّن آمنوا؛ فإِنَّهم يُخْبِرون بذلك]، هذا ليس بلازِمٍ؛ لأن كونَهم يعلمونَ به فهم عالِمونَ سواء أَخبروا أو لم يُخْبِروا، ولذلك القُرآنُ ما قال: (أولم يَكُنْ لهم آيَةٌ أن يُخْبِر به) بل قال: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ ومجرَّد عِلْمِ هؤُلاءِ به هو آيةٌ وإنْ لم يُخْبِروا به. ونقول: إنّ عبد الله بن سلَام ﵁ ومَن آمَنَ، هم من علماء بني إسرائيلَ، فعَلِموا وأَخبروا، وغيرُهم منَ العُلَماء الَّذينَ لم يُؤمِنوا علِموا ولكنَّهم لم يُخبِروا. وقول المُفسّر ﵀: [وبالفوقانيَّة ورَفْع (آيةٌ)] وعليه يكون: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ خبر (تكن)، و (كان) في القراءتينِ ناقصةٌ. قَوْلهُ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ هذا اللسانُ العربيّ، سواء بلسان العربِ أو بغيرِه: ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ ما آمنوا به، فالمَعْنى أنَّهم لم يُؤْمِنُوا سواء جاء به محُمَّدٌ ﷺ وهو من صَميم العربِ، ويَعرفونه، أو جاء من رجل أعجميٍّ؛ ذلك لأنَّهم معانِدون، والمعاند - والعياذ بالله - لو جِيءَ بكلِّ آيةٍ ما آمَنَ؛ لأنه فرقٌ بين الإِنْسانِ الَّذي يَتَحَرَّى الحقَّ، والإِنْسانِ الَّذي يُعانِد الحقَّ.

стр. 285

فالمعانِدُ المُكابِر يَصْعُب عليه أنْ يَرجِع إلى الحقّ، والمَعْنى أنه لو نزّل اللهُ هذا القُرآنَ على بعض الأَعْجَمِينَ إنْ كَان بِلُغَتِهِم؛ فإِنَّهم لن يُؤْمِنوا به؛ لأنَّهم لم يَفْهَمُوه، وهو بلغةِ العَجَمِ، وإنْ كَان باللُّغة العربيَّة ما آمنوا أيضًا؛ أنفةً من أنْ يَتَّبِعُوا رجلًا أعجميًّا. قال المُفسِّر ﵀: [﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل إدخالنا التَّكذيبَ به بقِراءَةِ الأعجميّ، ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ أَدْخَلْنا التَّكذيبَ به ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ كُفَّار مكَّة لقِراءَة النَّبيّ ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾]. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإسلاك أو السَّلْك، والمُراد بالسلك: الإدخال، و (كذلك) مفعول مُطْلَق لـ ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ يَعْنِي: مثل ذلك، وهي تأتي دائمًا في القُرآن: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ﴾، ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ﴾ وما أَشْبَهَهُما. فيقولون: إنَّ الكافَ اسمٌ بمَعْنى (مثل)، وهي مضافةٌ إلى اسمِ الإشارةِ العائدِ على المصدرِ المفهومِ مِنَ الفعلِ. وعليه فيكون إعراب الكاف: اسم بمَعْنى (مثل)، مفعولًا مُطْلَقًا، عاملها الفعلُ الَّذي بعدها. يَعْنِي: إن الله جَلَّ وَعَلَا أدخلَ التَّكذيبَ في قلوبِ المجرمينَ، والمُرادُ بالمجرمينَ ما هو أعمُّ من كفارِ مكَّة، خِلافًا لمِا قالَ المُفَسِّر، فالمجرمُ كافرٌ، سواء كَان من أهلِ مكَّة أو من غيرها. ولمَّا دخلَ التَّكذيبُ في قُلُوبهم والإستكبارُ: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إلى آخره. وليس في هذه الآيةِ حُجَّة لأهل الكُفْر والمَعْصِيَة، الَّذينَ قالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]؛ لأنَّ الله بيّن في آيةٍ أُخْرَى أنّ سببَ كُفرهم وشِرْكِهم هو أنّهم كَانوا لا يريدون الحقّ، فلمَّا زَاغُوا أزاغَ اللهُ قلوبَهم، ولو كَانوا يُريدونَ الحقَّ لَشَرَحَ الله صدورَهم له، لكنّهم عِنْدَهُم - والعياذُ باللهِ -

стр. 286

أَنَفَةٌ وكِبْرِيَاءُ وغَطْرَسَةٌ، فلذلك حُرِموا منَ الوصول إلى الصَّوابِ. قَوْلهُ: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: بالقُرآنِ، وإذا قلنا: إن ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ عامّ فإنّ ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: بما نزل من عند الله. وقَوْلهُ: ﴿حَتَّى يَرَوُا﴾ للغاية، والمَعْنى: إنهم إذا رأوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ فقدْ يؤمنونَ، ولكن يقول الله : ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]، وقَوْلهُ: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذا هو الغالب على المكذِّبين المعانِدين أنّ اللهَ يُملي لهم فيُوغِل - والعياذُ باللهِ - في الكُفْر وفي الفِسْق وفي المَعْصِيَة، حتَّى إذا جاءهمُ العذاب أتاهم بَغتةً على غِرَّة، كما قال الرَّسُول ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" (١)؛ لأنَّ هؤُلاءِ لو أنَّ اللهَ أذاقَهُمُ البأسَ شيئًا فشيئًا لرُبَّما آمنوا ورَجَعُوا، ولكنَّه - والعياذُ باللهِ - يُمْهِلُهم، حتى إذا وَصَلُوا إلى قِمَّة الكُفْر والفِسْق أُخذوا. وهذا شَيْءٌ مشاهَدٌ حتَّى في عصرنا الحاضرِ، فنَرَى بعضَ البلادِ لَمَّا أوغلتْ في الكفرِ ووَصلتْ إلى غايتِهِ أُخِذَتْ والعياذُ باللهِ. قال: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ قال المُفسِّر: [لِنُؤْمِن؟ فيقال لهم: لا، قالُوا: متى هذا العذابُ؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾]، يَعْنِي أنَّه إذا أتاهم العذابُ بَغتةً يقولون: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾؟ وهذا الإسْتِفهامُ للتمنِّي؛ أي: لَيْتَنا نُنظَر، هذا هو الظاهِرُ.

стр. 287

والمُفَسِّر حَمَلَه على ظاهرِهِ؛ على أنه الإسْتِفهام الإستخباريّ، ولهذا قالَ: [فيُقال لهم: لا] يَعْنِي: لن تُنظَروا، ولكن إذا جَعلناه للتمنِّي - أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ أن يُنْظَروا - لَمَا احتاج إلى جَوابٍ. قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ الهمزةُ في مثلِ هذا التركيبِ إمّا أنّها داخلةٌ على جملةٍ مقدَّرة بحسَبِ السِّياق، أو أنّها داخلةٌ على الجُملة الموْجودة. وقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ هذا من باب التَّوبيخ والإنكار عليهم، يَعْنِي: أَيَسْتَعْجِلُون بعذابِ اللهِ وهو قريبُ الأخذِ، فهو يُنْكِر عليهم هؤُلاءِ الَّذينَ يَستعجلون بعذابِ الله. وكيفيَّة استعجالهم بالعذابِ، هل هو بالفعلِ أم بالقولِ؟ نقول: بالقولِ وبالفعلِ، أمّا القول فإِنَّهم يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، وأمَّا الفِعل فإنّ إيغالَهم بالكفرِ والمعاصي مُوجِبٌ بأنْ يُعاجَلوا بالعُقُوبة، فصار هذا الإنكارُ عليهم، سواء كَانوا يَستعجلون قولًا - كما قال المُفَسِّر، قالُوا: متى هذا العذاب؟ - أو كَانوا يَستعجلون فعلًا، بأنْ يُوغِلوا ويَتَعَمَّقُوا في الكُفر والمعاصي؛ فإن ذلك منِ استعجالِ عُقوبةِ اللهِ. * * *

стр. 288

الآيات (٢٠٥ - ٢٠٧) * * * * قال اللهُ : ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]. * * * قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ أَخْبِرْنِي ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ مِنَ الْعَذَابِ، ﴿مَا﴾ اسْتِفْهَامِيَّة بِمَعْنَى أَيّ شَيْء ﴿أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ فِي دَفْع الْعَذَاب أَوْ تَخْفِيفه، أَيْ لَمْ يُغْنِ]. قال المفسِّر: [﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ أَخْبِرْني]، والخطابُ ليسَ للرسولِ ﵊، بل لِكُلِّ مَن يَتَوَجَّهُ إليه الخِطاب. قال: ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ قال المُفَسِّر: [منَ العذابِ، ﴿مَا﴾ استفهامية بمَعْنى أي شيْء ﴿أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ فِي دَفْع الْعَذَاب أَوْ تَخْفِيفه، أَيْ لَمْ يُغْنِ]، يقول الله تَعالَى: أَخْبِرْني أيُّها المخاطَب إنْ مَتَّعنا هؤُلاءِ سِنينَ وأَمهلناهم ولم نُعاجِلْهُمْ بالعُقوبةِ حتى بَلَغوا غايةَ المُتعة في هذه الدُّنيا ثم جاءهم ما كَانوا يُوعَدون ماذا يَنْفَعُهُمْ هذا التَّمْتِيع؟ فهو في الحَقِيقَة لا يَزيدهم إلّا حسرةً والعياذُ باللهِ، وإلَّا زيادة في العُقوبةِ في النارِ؛ لأنه كلَّما كَثُرَتِ المعاصي في الإِنْسان ازداد عُقوبةً. وهذا مَثَلٌ في الحَقِيقَة يُطبَّق على كلِّ مَن قال لنا: إن هؤُلاءِ الكَفَرَة قد أنعمَ اللهُ

стр. 289

عليهم وفتحَ عليهم الدُّنيا، فالأمطارُ تأتيهم كلَّ وقتٍ، والأَرْضُ مُخَصَّبَة، فنقول له: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾؟ ! ونقول: إنَّ هذا أشدّ في وَقْعِ العذابِ في قُلوبهم؛ لأنَّ الإِنْسانَ الذي يُنَعَّم في رَغَدٍ مِنَ العَيْش بهناءٍ وطُمأنينة إذا أُخذَ فهو أشدّ منَ الَّذي يُؤخَذ على بَأْسِهِ، بل الذي في البأساءِ والضرَّاء قد يَرَى أن الموت أريحُ له، أمّا المأخوذُ - والعياذ بالله - على شِدَّة النِّعمة وقوَّتها فهو أشدّ. وقد ذُكر عنِ ابنِ حَجَر ﵀ وهو قاضي القُضاة في مِصْر، أنَّه كان يَمشي بموكبه، وعلى يمينه ويَسَارِهِ النَّاسُ والخَدَمُ، فمرّ برجلٍ زَيَّات يَهُودِيّ كله وَسَخٌ مِنَ الزَّيتِ، فأوقفه الْيَهُوديّ وقال له: إن نبيَّكم يقول: "الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ" (١)، وأنتَ مؤمنٌ وأنت في هذا النَّعيم، وأنا يهوديٌّ وأَحْيَا فيما ترى منَ الفقر والعذابِ؟ ! فقال له ابن حَجَر: نعم صَحِيح، لكن ما مُتِّعْتُ به مِنَ النِّعمة هو بالنِّسبة إلى نَعيم الآخرةِ سِجنٌ، وما أنتَ فيه مِنَ البَأْسَاءِ هو بالنِّسبةِ إلى عَذابِ الآخِرَةِ نَعيمٌ وجَنَّةٌ (٢). فالحاصل: أن هؤُلاءِ إذا مُتِّعُوا طَويلًا في الدُّنيا ونعيمها ثم جاءهمُ العذابُ فإِنَّه لا يُغْنِي عنهم هذا المتاعُ شَيئا. وقَوْلهُ: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ لك أن تقولَ: إنَّ (ما) هنا نافيةٌ، ولك أن تقول: إنَّها استفهاميَّة بمَعْنى النفيِ، والأبلغُ أن تكون استفهاميةً بمَعْنى النفيِ؛ لأنَّ الإسْتِفهامَ

стр. 290

الَّذي بمَعْنى النفي يَتَضَمَّن النفيَ وزيادةً؛ إذ إنَّه مُشْرَبٌ مَعْنى التحدِّي. وقَوْلهُ: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ يَعْنِي: يَتَحَدَّاهم أنْ يُغْنِيَ عنهم شيئًا، فإذا كَانت (ما) صالحةً للنفيِ والإسْتِفهامِ، حُمِلت على الإسْتِفهامِ أَولى وأبلغُ؛ لأنه يدلُّ معَ النفيِ على زيادةِ المَعْنى والتحدِّي. * * *

стр. 291

الآيتان (٢٠٨، ٢٠٩) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨ - ٢٠٩]. * * * قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ رُسُل تُنْذِر أَهْلَهَا، ﴿ذِكْرَى﴾ عِظَة لَهُمْ ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ فِي إهْلَاكِهِمْ بَعْدَ إنْذَارِهِمْ، وَنَزَلَ رَدًّا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ]. قَوْلهُ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ قال المفسِّر ﵀: [رسل تنذر أهلها]، وقَوْلهُ: ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، يَعْنِي: ما أهلكناها إلا في هذا الحالِ، يَعْنِي: ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾. وهل المُراد أن الله تَعالَى يُنْذِر على ألسنةِ رسلِه؟ يَعْنِي: إلَّا ونحن لها مُنْذِرُونَ؟ أو أن: ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ يَعْنِي: رسل تُنْذِر؟ يقول المُفَسِّر: ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ يَعْني: رسل تُنْذِر. يَعْنِي: إلَّا ولها رُسُل تُنْذِرها، ولكنها مِنْ قِبل اللهِ . قَوْلهُ: ﴿ذِكْرَى﴾ قال المُفَسِّر: [عِظَة لهم]، يَعْنِي: إننا نُرسِل هؤُلاءِ المنذِرينَ لأجلِ الذِّكْرَى، يعني: المَوْعِظَة لهؤُلاءِ.

стр. 292

قال المُفَسِّر: [﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ في إهلاكهم بعد إنذارهم]، وهذا صَحِيح، ويَحتمِل: ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: مُهْلِكِينَ بدون إنذارٍ، والمَعْنى صَحِيح على هذا الوجهِ وعلى الوجهِ الَّذي ذكرَهُ المُفَسِّر؛ فاللهُ تَعالَى إذا أَهلكهم بعدَ إِنذارهم وقد عَصَوْا، فهو لم يَظْلِمْهُمْ، وكذلك لا يمكِن أن يُهْلِكَ مَن لا يُنْذَر؛ لأنَّ ذلك ظُلْمٌ. فوائد الآيتين الكريمتينِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: أنَّ الشرائعَ لا تُلْزَم إلَّا بعدَ العِلْم، وأنَّه ما دامَ الإِنْسان غيرَ عالمٍ بالشرعِ؛ فإِنَّه لا يُكَلَّف به، ولهذا شواهِدُ: منها: قِصَّة المُسِيءِ في صَلاتِه؛ فإن الرَّسُول ﷺ لم يُلْزِمْه بقَضاءِ ما فاتَه (١)؛ لأنه ما علِمَ. ومنها: المرأةُ الَّتي كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فلا تُصَلِّي، فما أمرها النَّبيّ ﵊ بالقَضاء (٢). ومنها: حديث عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، حيثُ أَكَلَ بعدَ طُلوعِ الفجرِ (٣).

стр. 293

إلى غير ذلك أشياء كَثِيرَة من هذا، إلا أنه قد يُلْزَم الإِنْسانُ بالشيْء إذا كَان مُفَرِّطًا مُهْمِلًا، مثل لوِ انقدحَ في ذِهنه أو قيل له: إن هذا الشيْء واجبٌ، ولكنه قال - كما يقول العامَّة -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، لا تُفَتِّشْ، غدًا يقول لك: هذا واجبٌ ويُحْرِجُونَني، أو هو يفعل شيئًا وانقدحَ في ذِهنه أنه حرام، أو قيل له: إنه حرام، وقال: لا، أخافُ إنْ سألتُ العُلَماء أن يقولوا: هذا حرامٌ، فهذا لا يُعْذَر؛ لأنه ليسَ بغافلٍ، واللهُ تَعالَى يقول: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١]، يَعْنِي: ما طرأَ على بالهِم شيٌ، ولا يَعْلَمُون شيئًا، وأما الإِنْسان الَّذي طرأَ على بالِهِ لكنه فرّطَ في ترْكِ السُّؤالِ، فهذا يَنْبَغي أن يُلْزَم. فإن قيلَ: بعض العوامّ صَعْبٌ أن يَتَغَيَّروا، فهل نُعْطِيهم العلمَ؟ ! قلنا: أَعْطِه العِلْمَ، قُلْ له مثلًا: إذا قمتَ للصلاةِ فكبِّر، ثمّ اقْرَأْ فاتحةَ القُرآنِ، ثم ما تَيَسَّر منَ القُرآن، وعلِّمه ما يَلْزَمْه، فكون اللهِ يُنْعِم عليك بالعلمِ أشدّ تَبِعَةً منَ المالِ، فالعلمُ أشدُّ تبعةً؛ لأنه في الحَقِيقَةِ نشرٌ للرِّسالَةِ، وتبليغٌ لِشريعة اللهِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: في قَوْلهِ: ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ إشارة إلى إمكَان الظُّلْم، ولكنه مُستحيلٌ شَرعًا، لا لِذَاتِه؛ لأنَّ الله قادرٌ على أنْ يعذِّب المطيعَ، وإنْ أطاعَ، فهذا ليس مُستحيلًا، ولكنّه ﵎ منزَّه عنه لكمالِ عدلِهِ. وهذا فيه الردُّ على الجَهْمِيَّة، الَّذينَ يقولون: إن الله يَستحيل في حقِّه الظلم، يَستحيلُ لذاتهِ، ومُحالٌ لذاتِه. وعلى رأيِهِم يَصير لا مَعْنى لقولِه تعالى في الحديث القُدُسِيّ: "يَا عِبَادِي إِنِّي

стр. 294

حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي" (١)، فلا يصير فيه مدحٌ لأنَّ الظُّلْمَ - على مُقتضَى قولهِم - مُحالٌ لِذاتِهِ، والمحالُ لذاتِه لا يُمْدَحُ اللهُ به؛ إذِ المُحالُ به غير واقعٍ، ولا يكون لقولِهِ تَعالَى في الحديثِ القُدُسِيّ: "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي" معنًى. فالصَّوابُ أنَّ الظُّلم من الأمور المُمْكِنة لكنَّه ﵎ منزَّه عنه. * * *

стр. 295

الآيات (٢١٠ - ٢١٢) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾ بِالْقُرْآنِ ﴿الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي﴾ يَصْلُح ﴿لَهُمْ﴾ أَنْ يَنْزِلُوا بِهِ ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذَلِكَ، ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾ لِكَلَامِ المَلَائِكَة ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ بِالشُّهُبِ]. قد يكون ما قاله المُفَسِّر حقًّا من أنَّ هذا ردٌّ لقولِ المشركينَ، وقد يكونُ هذا من تكميلِ قَوْلهِ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٣]، فقال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾ أي: [بالقُرآنِ ﴿الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي﴾ يصلح ﴿لَهُمْ﴾ أن ينزلوا به، ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذلك]، أي أن الشياطينُ ما تنزلتْ بالقُرآنِ، بخِلاف أقوالِ الكهَّان، فإن الشياطينَ تَنَزَّلَتْ بها، أمَّا القُرآنُ فما تنزلَّتْ به الشياطين. ثم قال: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ يَعْنِي ما يَليق أبدًا أن يَنزِلوا به، ثم قال: ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وهذا تدرُّج، يَعْنِي ما يمكِن أن ينزِلوا بالقُرآنِ. فهو أوَّلًا قال: إنَّهم ما نَزَلوا، وكونهم ما نَزلوا ما يدلُّ على أنَّ هذا غيرُ لائقٍ بهم، ثم إنه غير مُمْكِن في حَقِّهم. فهذا فيه ترتيبٌ: أوَّلًا: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾ نفيٌ لِتَنَزُّلهِم به، لكن لا يَنفي أن يكونَ مُمْكِنًا في حقِّهم،

стр. 296

ولا أن يكون لائقًا في حقِّهم. ثانيًا: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ فهذا يَعني أنَّه غيرُ لائقٍ أنْ يَنزِلوا به. ثم ارتقَى إلى ما هو أعظمُ فقال: ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أن ينزِلوا به؛ لأنَّهم عنِ السَّمْعِ لمَعزولُون، مَعْزُولون قَدَرًا وشَرْعًا. قَوْلهُ: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ فيه دليلٌ على أنَّ القُرآنَ تَفِرُّ منه الشياطينُ، وأنه لا يمكِن أن تقْرَبَه، وقد أخبرَ النَّبيّ ﷺ في بعض الآيَاتِ أنَّها تَطْرُدُ الشياطينَ؛ كما في البَقَرَة (١) وفي آية الكُرْسِيّ (٢) وما أشبهَ ذلك. قال المُفسِّر ﵀: [﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾ لِكَلامِ الملائكةِ ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ بالشُّهُب]، على قولِ المُفَسِّر يكونُ المُرادُ هنا بالسَّمْع سَماع الملائكةِ بالوحيِ. وهم مَعْزُولون عنه، لا يُمْكِن أن يَقْرَبوا منه، قال المُفَسِّر: [بالشهب]، يَعْنِي هذه الشهب الَّتي تَرْمِيهم تَطْرُدُهم عنِ استراقِ السمعِ، فلا يَسْتَطِيعون أنْ يَسْتَرِقُوا السَّمْعَ، ولا أن يأتوا به، رُبّما يُدْرِك الكلِمة أحيانًا قبلَ أنْ يُدْرِكَه الشِّهاب فتنةً منَ اللهِ فيأخذ الكلمة ويُضيف إليها عشراتِ أو مئاتِ الكَلِماتِ من عنده، فإذا وافقَ واحدٌ بالمائةِ صَدَّقه النَّاسُ في التسع والتسعينَ. وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ الإِنْسانَ كلَّما انقادَ للشيطانِ ابتعدَ عن فَهْم القُرآنِ، ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾؛ لأنَّهم شَيَاطِينُ، فمَن كَان شيطانًا - والشيطانُ مِن بني آدمَ هو الَّذي يَتَلَقَّى ما تأمرُه الشياطينُ به - فإِنَّه يُعْزَل أيضًا عن فَهْم القُرآن.

стр. 297

الآية (٢١٣) * * * * قال الله : ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]. * * * قال المُفسِّر ﵀: [﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ الَّذِي دَعَوْكَ إليه]. قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الخِطاب للرسولِ ﷺ ، ولا يَلْزَم منَ النهيِ عنه إمكَانُ وُقُوعِه، كما أنَّ الله تَعالى يأمرُ المُؤمِنينَ بالثَّبَات على الإيمانِ، ويَنهاهم عنِ الشِّرْكِ وهو لم يَقَعْ منهم. والدُّعاءُ هنا يَشمَل دعاءَ المسألةِ ودعاءَ العِبادَة. دعاء المسألة: مثل ما يقولَ لغيرِ الله: يا فلانُ أَعْطِني، يا فلان ارْزُقْنِي، وما أشبهَ ذلك، شخصٌ وقفَ عندَ قبرِ النَّبيِّ ﵊ وقال: يا رَسُولَ اللهِ، ارزقني، يا رَسُول الله، هَيِّئْ لي زوجةً، يا رَسُول اللهِ، أَعْطِني ولدًا، فهذا شِرْكٌ أكبرُ مُخْرِجٌ عنِ المِلَّة. دعاءُ العِبادَة: أنْ يقفَ عندَ قبرِ النَّبيِّ ﵊ ويعبُدُ النَّبيَّ، ويركَع له ويسجدُ له، وما أشبه هذا. والنهيُ عنِ الدُّعاءِ معَ اللهِ إلى آخرَ شاملٌ للنوعينِ.

стр. 298

قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ الفاءُ للسببيَّة، ﴿فَتَكُونَ﴾ أي: إنْ دعوتَ معَ اللهِ إلهًا آخَرَ ﴿مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾، ولم يَقُلْ: مُعَذَّبًا، أو: ستُعَذَّب، إشارةً إلى أنَّ المشركينَ الكفَّار كثيرونَ، والذي يدعو معَ الله إلهًا آخَرَ يكون منهم. * * *

стр. 299

الآيات (٢١٤ - ٢١٦) * * * * قال اللهُ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٤ - ٢١٦]. * * * قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المُطَّلِبِ، وَقَدْ أَنْذَرَهُمْ جِهَارًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ (١) وَمُسْلِمٌ (٢)، ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ] أَلِنْ جَانِبَكَ ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المُوَحِّدِينَ، ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ عَشِيرَتُكَ ﴿فَقُلْ﴾ لَهُمْ: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ مِنْ عِبَادَة غَيْرِ اللهِ]. قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وهم جماعاتٌ من بني المطَّلِب، قال المُفسِّر ﵀: [وقد أَنْذَرَهُمْ جِهارًا، رواه البخاريُّ ومسلمٌ]، وهذا في أوّل الدعوة، أُمِر أنْ يُنْذِرَ عَشيرته الأقربينَ؛ لأنَّهم أحقُّ النَّاسِ بِبِرِّهِ، ولأنَّهم بِمُقْتَضَى القَرابة، لا بِمُقتضى الواقعِ، أقربُ النَّاسِ إلى الإيمانِ به، ولأنَّهم أيضًا بمقتضى القرابةِ هم أشدُّ النَّاسِ غَيْرَةً عليه، ولأنَّهم أيضًا بصِلة القرابةِ هم أعظمُ النَّاسِ حقًّا عليه. فلذلك الإِنْسان مسؤولٌ عن أهلِهِ أكثرَ مما هو مسؤولٌ عنِ الأجانبِ، ومسؤولٌ عنِ القُرْبَى أكثر مما هو مسؤولٌ عمَّن هو ممَّن ليس بينه وبينه قرابةٌ.

стр. 300

وقَوْلهُ: ﴿الْأَقرَبِينَ﴾ اسمُ تفضيلٍ، فيَقْتَضِي أنه ما دام أنَّ الحُكْم مُعَلَّق بالأقرب، أنه كلَّما كَان أقربَ كَان أَولى وأحقَّ. وقول المُفَسِّر: [هم بنو هاشم وبنو المطَّلِب]، هذا ليس بصَحِيحٍ؛ إذْ لَيسوا كلّهم منَ الأقربِ، على أنَّ مِنهم من هو من الأقربِ بلا شَكّ، ومنهم مَن أجابَ ومنهم مَن لم يُجِبْ، وقدِ امتنعَ عنِ الإجابةِ عمُّه أبو لَهَبٍ، وهو من أقربِ النَّاسِ إليه؛ لأن "عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ" (١)، وامتنعَ عن الإجابةِ عمُّه أبو طالبٍ أيضًا، وهو صِنو أبيه، لكنَّ عمَّه أبا طالِبٍ وَالاهُ وناصَرَهُ، وعمه أبو لَهَبٍ عاداه وخَذَلَهُ، والعياذ بالله. وقد صار أمامَ الرَّسُولِ ﵊ ثلاثةُ أقسامٍ: ١ - قِسْمٌ آمَنَ به. ٢ - وقسم نصَره ولم يؤمنْ به. ٣ - وقسم لم يؤمنْ به ولم يَنْصُرْه. وهذا من حكمة الله ؛ لأنَّهم لو نَاصَرُوه كلُّهم وآمنوا به، لقِيل: هذا رجلٌ يريدُ المُلْك والسِّيادة، ولهذا تَبِعَهُ أقاربُه، وهم متَّفِقون على هذه الخطَّة، ولكن من حِكمة الله أن الله تَعالى قدّمهم هذا التقديمَ. وفي هذا دليلٌ على أَنَّه يجب على الإِنْسانِ أنْ يُرْشِدَ وَيعِظَ الأقربَ منه فالأقرب، وهو مسئولٌ سُؤالًا مباشِرًا بالنِّسبةِ إلى أهلِهِ. قَوْلهُ: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [ألِنْ جَانِبَكَ، ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنِينَ﴾ الموحِّدين]، والإنذارُ لِلْعَشيرة، وخَفْضُ الجَناحِ للمؤمنِ، سواء كَان

стр. 301

من عشيرتِهِ أو ليسَ من عشيرتِهِ. ففي هذا دليلٌ على أَنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ ألَّا يَتَعَاظَم على أحدٍ، لكن بالأخصّ للمؤمنِ، وأن يُلِينَ له جانبًا، لكن غير المؤمن لا يُلِين له جانبًا. فإن قيل: كيف نقولُ: لا يُلِين للكافرِ جانبًا، بينما يقول الله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ، قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ [طه: ٤٤]؟ قلنا: الآيةُ يُرادُ بها جانِبُ الدَّعوة. وقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في هذا دليلٌ على أنَّ تَحقيقَ الإيمانِ إنَّما يكونُ في اتِّباع الرَّسُول ﷺ ؛ لأنه لَمَّا قال: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيَرتَكَ﴾، فهو إذَا أنذرَ إمَّا أنْ يُتَّبَعَ وَإِمَّا ألّا يُتَّبَعَ. قَوْلهُ: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ قال المُفَسِّر: [عَشِيرَتُكَ]، والأصحُّ هم أو غَيرُهم، قال: [﴿فَقُلْ﴾ لهم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ مِن عِبادَة غيرِ اللهِ]، ولم يقلْ: "بريء منكم"؛ لأنه لو قال: "مِنكم" لكَان هذا أشدَّ صدمةً، ولاحتملَ أن تكون هذه براءةً شخصيَّةً، وأيضًا يَحْصُل منهم النفورُ عن العملِ، لكنه لما قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ عَرَفُوا أن السَّبَبَ في البراءة العملُ، ولربما يكون ذلك سببًا لِئَنْ يَرْتَدِعُوا عنه، ولأجلِ أنْ يَنالوا الوَلاءَ دُون البَرَاء. * * *

стр. 302

الآيات (٢١٧ - ٢٢٠) * * * * قال اللهُ : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠]. * * * قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَتَوَكَّل﴾ بِالْوَاو وَالْفَاءِ (١) ﴿عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ الله، أَي: فَوِّضْ إلَيهِ جَمِيعَ أُمُورِكَ، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إلَى الصَّلَاةِ، ﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ قَائِمًا وَقَاعِدًا، وَرَاكِعًا وَسَاجِدًا، ﴿فِى السَّاجِدِينَ﴾ المُصَلِّينَ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾]. قَوْلهُ: [﴿وَتَوَكَّل﴾ بالواو والفاء]، وهذه من المسائلِ النادرةِ في القراءاتِ؛ لأن الغالبَ في القِراءَةِ أنْ يكونَ الخِلاف في صفةِ الكلمةِ أو في الحرفِ، ليسَ في ذاته أو عينه، لكن هذا قد يأتي أَحيانًا في ذاتِ الحرفِ، وأحيانًا أيضًا بإسقاطِ الحرفِ من عَدَمِهِ، في قولِه تَعالَى في سُورَة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٥ - ١١٦]، في قِراءَة بإسقاط الواو: (قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ) (٢)، وهذه من المسائلِ النادرةِ في القراءاتِ، فالقِراءَةُ قد تكونُ في نوعِ الحرفِ، وفي وُجودِ الحرفِ، وفي شكل الحرفِ، وأكثرُها في شَكْل الحرفِ وهَيْئَتِهِ؛ يُمَدّ أو لا يُمَدّ، يُفْتَح أو يُضَمّ.

стр. 303

والتوكُّل: هو الإعتمادُ على اللهِ معَ الثِّقَةِ به في جَلْبِ المنافِعِ ودَفْعِ المضارّ. قولُه ﵀: [﴿عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ الله، أي: فَوِّضْ إليه جميعَ أمورِكَ]، ولم يَقُلِ اللهُ : "على الله" بل قال: ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأنَّ المقامَ يَقتضيه؛ يَقتضي عِزَّة في مقابلِ المكذِّبين له، ورحمةً في مقابلِ قيامِه بواجبِ الإنذارِ. قال المُفسِّر ﵀: [﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إلى الصلاةِ]، بعضُهم يقولُ: حينَ تقومُ مِن مَنامِكَ، ولكن هذا المَعْنى الَّذي ذكرَه المُفَسِّر أعمُّ، وقيل: إنَّ المَعْنى: حينَ تقومُ في شُئُونِكَ منَ الإنذارِ وغيرِ الإنذارِ، يَعْنِي: يَرَاكَ حينَ تقومُ مُنْذِرًا، ويراك حين تقومُ مُصَلِّيًا، ويراك حين تقوم صَائمًا، وحين تقوم حَاجًّا، وفي جميعِ الأحوالِ، يَعْنِي: حِينَ تَقُومُ إلى عِبادَة اللهِ. ويَرَاكَ أيضًا حين تَقَلُّبِكَ ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال المُفَسِّر: [المصلِّين]، أي: في جُمْلَتِهِم، وهذا المَعْنى الأخيرُ أعمُّ منَ الجميعِ. قَوْلُهُ: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ تَقَصَّد الصلاةَ؛ لأنها أصلُ العباداتِ البدنيَّة. وقَوْلهُ: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ جملةٌ استئنافيَّةٌ؛ لِبَيَانِ أنه معَ رُؤْيَتِهِ ﵎ فهو أيضًا سميعٌ عليمٌ. إذنِ اجتمعَتْ ثلاثُ صِفاتٍ: الرؤيةُ، والسمعُ، والعلمُ. * * *

стр. 304

الآيات (٢٢١ - ٢٢٢) * * * * قال الله : ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣]. * * * قال المُفسِّر ﵀: [﴿هَل أُنَبِّئُكُمْ﴾ يَا كُفَّارَ مَكَّةَ ﴿عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ بِحَذْفِ إحْدَى التَّاءَينِ مِنَ الْأَصْل، ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾ كَذَّاب ﴿أَثِيمٍ﴾ فَاجِرٍ، مِثْل مُسَيْلِمَة وَغَيْرِه مِنَ الْكَهَنَةِ، ﴿يُلْقُونَ﴾ الشَّيَاطِينُ ﴿السَّمْعَ﴾ مَا سَمِعُوهُ مِنَ المَلَائِكَة إلَى الْكَهَنَة ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ يَضُمُّونَ إلَى المَسْمُوعِ كَذِبًا كَثِيرًا، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ حُجِبَتِ الشَّيَاطِينُ عَنِ السَّمَاءِ]. قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ هذا كلُّه يدورُ حولَ قولِ الكفارِ: إن الرَّسُول ﵊ كَان كاهنًا، والكاهنُ مَن تنَزَّل عليه الشياطينُ، وهذا القُرآنُ تنزيلُ ربِّ العالمينَ: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠]، فبيّن اللهُ بعد ذلكَ بهذا الإسْتِفهامَ للتشويقِ، أو لإقامةِ الحجَّة والتحدِّي، يَعْنِي: إنّ الشياطين إنَّما تَنْزِلُ ليسَ على مثلِ الرَّسُولِ ﷺ الصادقِ الأمينِ، البعيد عن الفَحشاء، إنَّما تَتَنَزَّل ﴿عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾. وإتيانُ الكَلامِ بمثلِ هذه الصيغةِ - استفهام ثم خَبَر - أبلغُ في رُسُوخه في القلب.

стр. 305

قَالَ المُفسِّر ﵀: [﴿أَفَّاكٍ﴾ كذَّاب ﴿أَثِيمٍ﴾] و ﴿أَفَّاكٍ﴾ هذه للنسبةِ والمُبالغةِ أيضًا، أي: كثير الإِفك، والإفكُ بمَعْنى الكذِب، والأثيمُ بمَعْنى الآثِمِ، أي: الجامع بينَ سُوءِ القولِ وسُوء العملِ. وقول المُفَسِّر: [مثل مُسَيْلِمَة وغيرِه منَ الكَهَنَة]، هذا تمثيلٌ، أي مثل كذا. قال المُفسِّر ﵀: [﴿يُلْقُونَ﴾ الشياطينُ، ﴿السَّمْعَ﴾ ما سمِعوه منَ الملائكةِ إلى الكهنةِ، ﴿وَأَكْثَرُهُم كَاذِبوُنَ﴾]، الضَّمير في ﴿يُلْقُونَ﴾ يعودُ على الشياطين، و ﴿السَّمْعَ﴾ أي: المَسْمُوع، وهو مصدرٌ بمَعْنى اسمِ المفعولِ. يُلْقُونه على الكهنةِ، فيأخذون منَ السمعِ ما أخذوه، ولكنهم يَزيدون إلى هذا كذباتٍ كَثِيرَةً، ولهذا قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبوُنَ﴾ قال المُفَسِّر: [يَضمُّون إلى المسموعِ كَذبًا كثيرًا، وكَان هذا قبلَ أنْ حُجِبَتِ الشياطينُ منَ السماءِ]. وكَانت الشياطينُ قبلَ بَعثةِ الرَّسُولِ ﵊ تَستمِع إلى شيءٍ منَ السماءِ، ولكنها حينَ البعثةِ صاروا لا يَستمِعون؛ لِقَوْلهِ: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]، لا يَستَطِيعون، فلو قَعَدوا مقاعدَهم كما كانوا يَقعدُون أوَّلًا لِيَسْتَمِعوا أَتَتْهُمُ الشُّهُبُ. وهل هذا انقطعَ بانقطاعِ الوحيِ؛ لأن الحكمَ يدورُ معَ عِلَّتِه، أم بَقِيَ؟ الظَّاهرُ - والله أعلمُ - انقطعَ بانقطاعِ الوحيِ؛ لأنه في ذلك الوقتِ مُنِعَتِ السماءُ مِنَ الشياطين، أما بعدَ ذلك فإِنَّها لا تمُنَع، ولكن قد تُمنَع أحيانًا بما نرى من الكثيرِ منَ الشهبِ. * * *

стр. 306

الآيات (٢٢٤ - ٢٢٦) * * * * قال الله : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦]. * * * قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ﴾ فِي شِعْرهمْ فَيَقُولُونَ بِهِ وَيَرْوُونَهُ عَنْهُمْ فَهُمْ مَذْمُومُونَ، ﴿أَلَم تَرَ﴾ تَعْلَم ﴿أَنَّهُم فِي كُلِّ وَادٍ﴾ مِنْ أَوْدِيَة الْكَلَام وَفُنُونه ﴿يَهِيمُونَ﴾ يَمْضُونَ فَيُجَاوِزُونَ الحدَّ مَدْحًا وَهِجَاءً، ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾ فَعَلْنَا ﴿مَا لَا يَفعَلُونَ﴾ يَكْذِبُونَ]. قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ مناسبةُ ذِكر هذا أنّ كفّار قُرَيْش عارَضوا النَّبيّ ﵊ بأنه كاهِنٌ، وعارَضوه بأنه شاعرٌ، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]، فنفى الله تَعالَى أن يكونَ كاهنًا بما سبقَ، ثم قال: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ أي: في شِعرهم، فيقومونَ به ويَرْوُونَه عنهم، فهم مذمومونَ، سواء الشُّعراء أو الغُوَاة الَّذين يَتَّبِعُونَهم. فإِنَّه لا يَتَّبِعُ الشعرَ غالبًا إِلَّا الغواةُ، فهو باطلٌ، وهذا القُرآنُ ليس كذلك، هذا القُرانُ لا يتبعه إلا أهلُ الرُّشْدِ والسَّدادِ، فدَلَّ ذلك على أنه ليسَ بالشعرِ؛ لأن الغالبَ أن الشعرَ لا يَتَّبِعُه إلّا الغاوونَ. والشعرُ المذمومُ هنا هو الذي لم يُؤْخَذ منَ الكتابِ والسنَّة؛ فإنْ أُخِذ من

стр. 307

الكتابِ والسنّة فإِنَّه يَتَّبِعُهُ الراشدُ، مثل بعض القصائدِ الَّتي نَظَمَها أهلُ العِلْم والإيمانِ، فهذا لا يُعْتَبَر شِعرًا يَتَّبِعُهُ الغاوونَ. قال: [﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعلم، ﴿أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ﴾ من أوديةِ الكَلامِ والفنونِ، ﴿يَهِيمُونَ﴾ يمضون فيجاوِزون الحدّ مدحًا وهجاءً]، هذا صَحِيحٌ، فحالُ الشعراءِ: شاعرٌ يقولُ ما لا يَستَطِيعُ أنْ يَمْلِكَ نفسَه فيه؛ لأنه يبالغُ في المدحِ، ويبالغُ في الذمِّ؛ لأنه - بإذنِ اللهِ - كَأَنَّه يَتَكَلَّم من غير شعورٍ، وإنْ كَان يُوصَف الشِّعرُ بأنه يأخذُ في الشُّعور، لكن الشَّاعِر يتكلَّم من غيرِ شُعورٍ. والمُرادُ بالشعراءِ غيرُ الَّذينَ آمَنُوا وعمِلوا الصَّالحِات، ولهذا استثنى فيما بعدُ فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقول المُفَسِّر: [﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾ فعلنا ﴿مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ يَكْذِبون]، فيه نظرٌ، لكن: ﴿يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ فيما إذا امْتَدَحُوا أو هَجَوْا، فيقولون: نحنُ نفعلُ كَذا وكَذا إذا كَانوا يريدونَ أنْ يَتَقَرَّبُوا إلى الشخصِ، ونحن نَخْدُمُكَ، ونحنُ نُواسيكَ بأنْفُسِنا، ونَفديك بأهلنا، وما أشبهَ ذلك. لكنهم لا يَفعلون هذا؛ لأنَّهم غُواةٌ، وغيرُ راشدينَ. كذلك أيضًا: ﴿يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾، فيقولون في هِجَاءِ عَدُوِّهِم: نحن لا نَخشاهُ، ونحن سَنُيَتِّمُ أولادَهُ، ونحن سَنُرَمِّلُ نِساءَه، وما أشبهَ ذلك، وهم لا يَفعلون ذلك. فيُمْكِن أنْ يَصِيرَ الشَّاعِرُ الَّذي يُغَيِّر الأُمَّة بِشِعْرِهِ في الخلفِ، فلا يكون في المقدِّمَةِ عندَ التقاءِ الصَّفيْنِ. * * *

стр. 308

الآية (٢٢٧) * * * * قال اللهُ : ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. * * * قال المُفسِّرُ ﵀: [﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مِن الشُّعراء ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ لَمْ يَشْغَلهُمُ الشِّعْرُ عَنِ الذِّكْر ﴿وَانْتَصَرُوا﴾ بِهَجْوِهِمُ الْكُفَّارَ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ بِهَجْوِ الْكُفَّارِ لَهُمْ فِي جُمْلَة المُؤْمِنِينَ فَلَيْسُوا مَذْمُومِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالى ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النِّساء: ١٤٨]، وَقَال تَعَالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِنَ الشُّعَراء وَغَيرهِمْ ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾ مَرْجِع ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ يَرْجِعُونَ بَعْد المَوْت]. قَوْلهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ هذه أربعةُ أوصافٍ: الإيمان، والعملُ الصَّالحُ، وذِكر اللهِ كثيرًا، وهذا يشيرُ إلى أنَّ الشَّاعِر يَقِل ذِكرُه لله، فما امتلأَ قلبُه منَ الشعرِ إلّا بَعُد عنه ذِكرُ الله. قال ابن القَيِّم (١): حُبُّ الكِتَابِ وحُبُّ أَلحَانِ الْغِنَا ... في قَلْبِ عَبْدٍ لَيْسَ يَجْتَمِعَانِ

стр. 309

والصِّفَة الرابعةُ: ﴿وَانْتَصَرُوا﴾ يَعْنِي: لِأَنْفُسِهِم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ إمَّا بهجاءِ الكفارِ لهم إذا كَان شاعرًا مقابلَ شاعرٍ، أو باعتداء الكفارِ عليهم أيضًا. قَالَ المُفسِّر ﵀: [﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ منَ الشُّعراء وغيرهم، ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾ مَرْجِع، ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ يَرجعون بعدَ الموتِ]. وهذه الجُملةُ فيها من التهديدِ ما لا يَخفى، يَعْنِي أن ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ سَيَعْلَمُونَ عن قُربٍ ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾ يكونُ انقلابهم، وهو المَرْجِع إلى اللهِ ، وهذا تهديدٌ بيِّن للظالمينَ. والظُّلْم مَرْتَعٌ مُبْتَغيه وَخِيم، فالظلمُ من أقرب ما يكونُ في معاجلةِ العُقوبةِ، لا سِيَّما إنْ دعَا المظلومُ على ظَالِمِهِ؛ فإن الأمرَ يكونُ إليه سريعًا. ثم إنّ الظُّلم نوعانِ: أحدهما: ظُلم مُتَعَدٍّ للغيرِ. الثَّاني: ظُلْمٌ للنفْسِ. فإنْ كَان في مَعصيةِ اللهِ فهو ظُلْمٌ للنفسِ، وإنْ كَانَ فيه الإعتداءُ على الغَيْرِ، فهو ظُلْم للغيرِ، كما لو أخذَ ماله أو أفسدَ عليه شأنَه؛ فإن هذا منَ الظُّلْم المتعدِّي، واللهُ أعلمُ. * * *