فالعَظَمَةُ مِن حيثُ هي مَعْنى من المعاني تدلُّ على الكمالِ والمدحِ، سواء كَان هذا في عذابٍ أو في نعمةٍ.
وقَوْلهُ: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ كثيرٌ منَ النَّاسِ يَتَحَاشَوْنَ أنْ يَصِفُوا المخلوقَ بـ (العظيم)، ولكن الحَقِيقَة لا وجهَ لهذا، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ [النبأ: ١ - ٢]، ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦]، فوصَفَ اللهُ تَعالَى بالعِظَم نفسَه وكَلامَه ووحيَه، ووصفَ به أيضًا بعضَ مخلوقاتِهِ، ممّا يدلّ على أنّه لا بأسَ به.
وقد كَان النَّاسُ يَتَحاشَوْن أيضًا قَول (المُعَظَّم)، وهذا أيضًا لا يُتحاشى منه، والسَّبَبُ أنه معظَّم ليس عظيمًا، فـ (المعُظم) قد لا يكون عظيمًا، فقد يُعَظَّم مَن ليس بِعَظيمٍ، وهو أقلّ رُتبةً من العظيم؛ فإذا كَان (العَظيم) جائزًا إطلاقُه، فـ (المعظَّم) من باب أَولى.
ثم قال الله : ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ قال المُفسِّر ﵀: [أي: عَقَرَها بعضُهم بِرِضاهم، ﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ على عَقرها، ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الموعود به، فهلكوا]، فهو ﵇ قال لهم: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾، ولكنَّهم مَسُّوها بأسوأ السُّوء - والعياذُ بالله - فعَقَروها، والظَّاهرُ أنّ المُرادَ بالعقرِ القتلُ، وليس قطعَ الأرجُل فقطْ، بل أنّهم أَهلكوها، فعُوقِبوا بمثلِ ما جَنَوْا.
وهل أصبحوا نادمينَ على ما فَعَلُوا من ذنبٍ، أم أنَّهم نَدِموا على ما فَاتَهُمْ من مَصلحتها؟
الظَّاهر أنَّهم نَدِموا على المصلحةِ؛ لأنَّهم ما بعدُ أَتاهمُ العذابُ، فالظَّاهرُ أنَّهم نَدِموا على ما فاتَهُمْ منَ المصلحةِ الدنيويَّة؛ لأنّهم لو ندِموا على الذّنْب لكَانوا تائبينَ،
стр. 247
ولمَا استحقُّوا العذابَ، لكن نَدِموا على مَصْلَحَتِهِم فقد كانوا يَشربون مِن لَبَنِها، ثم فاتَهم هذا.
وقد بَقُوا بعد ذلك ثلاثةَ أيامٍ، والحكمةُ من هذه الأيَّام الثلاثةِ - واللهُ أعلمُ - لعلَّهم يَتُوبُونَ، ولكنَّهم لم يَتُوبوا، وقد أُخِذ منْ هذا استتابة المرتَدّ ثلاثةَ أيَّام، فإنْ تابَ وإلا أُجري عليه الحدُّ، على خِلافٍ بينَ أهلِ العِلْم في هذه المسألةِ.
والمهمُّ أن هؤُلاءِ لم يَنْدَمُوا على فِعل المعصيَةِ، ولو ندِموا لكَانَ توبة، ولكنهم ندِموا على ما فاتهم من حَظِّ الدنيا فقطْ.
قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الموعودُ به، فهَلَكُوا]، إلَّا أنَّ اللهَ تَعالَى أنجَى صالحًا ومَن معَه.
وقولُه تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ معلومٌ أنّهم لم يكونوا كلّهم عَقَروها، ولكن لَمَّا كَان برِضا الجميعِ، ومِن زُعَمائِهِم، فنُسِب إليهم جَميعًا، ففِعل الطائفةِ منَ الأُمَّة يُعتبَر فعلًا للجميعِ إذا لم يُنكِروه، فإذا سَكَتُوا ولم يُنْكِروه فهو فِعْل الجَميع، ولهذا يذكِّر اللهُ تَعالَى الْيَهُودَ في عهد الرَّسُولِ ﷺ بما فعلَ أسلافُهم، ويُخاطِبُهم به مُخَاطَبَةَ الفاعلِ؛ لأنها أُمَّة واحدة، فإذا لم تُنْكِر ما كَان عليه أسلافُها، نُسب للجميعِ.
وما هو العذابُ الَّذي أَخَذَهُم؟
الجَواب: صَيْحَة ورَجْفَة، يَعْنِي: رَجَفَ اللهُ بهم الأَرْضَ وصاحَ بهم جِبريلُ، فماتوا، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧]، - والعياذُ باللهِ - صَرَعى كنفسٍ واحدةٍ.
وفي هذا دليلٌ على كمالِ قُدرة اللهِ وأنّ الله تَعالَى قادرٌ على كلِّ شيْءٍ، ولا يُعْجِزُه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي
стр. 248
الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، ولو أَنَّنا عَقَلْنَا - نحن المسلمينَ - وآمنَّا حقيقةَ الإيمانِ، ما كنّا بهذه الحالِ الَّتي نحن عليها، يَعْنِي: ما كنّا نخاف النَّاس أكثر ممّا نخاف الله.
فالإِنْسانُ لا بُدَّ أن يخافَ ويَرْجُو، لكن إمّا أن يخاف اللهَ أو يخاف غيرَه؛ فإن خافَ اللهَ خافَهُ النَّاس، وإنْ خاف غيرَ اللهِ استولَى عليه هذا الخوفُ، وهذا صَحِيحٌ وحقّ، فإنَّ مَن خافَ اللهَ خافَه كلّ شيْءٍ، ومَنِ اتَّقَى اللهَ اتَّقاه كلُّ شيْءٍ، والعكسُ بالعكسِ.
فعلينا جميعًا أن نكونَ واثقينَ بوعدِ اللهِ غيرَ ناظرينَ إلى الأسْبابِ الحاضرةِ، ولو نَظرنا نظرةً مادِّيَّة مَحْضَةً، لكنّا لا يُمكِن أن نَتَكَلَّم معَ هؤُلاءِ، أو أنْ نَتَحَدَّاهم في تنفيذِ الشريعةِ ومُحاربتهم، لكن يجبُ أن لا نَنْظُر إلى هذه الأسْبابِ الحاضرةِ، ويجب أن ننظرَ إلى أسْبابٍ أُخْرَى فوق المادَّة.
ولهذا مَن نَظَرَ إلى هذه الأسْبابِ - المشاهدة الطبيعيَّة - لا يَستقيمُ له أمرٌ، فالصَّحَابة ﵃ عِندَما جاءتِ الفُرْسُ والرُّوم لم يَنْظُروا إلى هذه الأسْبابِ، فقد كَانوا يحاصِرون المدينةَ العظيمةَ لمدَّةٍ، ثم يَخْرُجون في الصَّبَاح، فيكبّرون اللهَ، فإذا كبّروا تصدّعتِ الأسوارُ، وهذا شَيْءٌ مُتواتِرٌ في التاريخِ عنهم، أنَّهم يُحاصِرون المدينةَ مُدَّةً، ثم إذا كبَّروا اللهَ كَأنَّها صَوَارِيخ وقنابل تَصَدّع هذه الجُدران، ولكنه تكبيرٌ يَخْرُج منَ القلبِ.
قَوْلهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فقومُ صَالِحٍ بِغَضِّ النظَرِ عن عَقْرِ الناقةِ قدْ آمَنَ قليلٌ مِنهم باللهِ.
стр. 249
فإنْ قيلَ: كيف أخذت منهم أحكام المُرْتَدّ وهم أصلًا لم يُؤْمِنوا؟
قلنا: أخذ هذا من إمهالِ اللهِ لهم ثلاثةَ أيامٍ، فصار أننا نُمْهِل الكفّار ثلاثةَ أيامٍ، لكنّ الكفّارَ الأَصْليِّينَ في الشريعةِ الإسلاميَّة لهم أحكامٌ خاصَّة، كإقرارهم بالجِزْيَة مثلًا، وغيرهم ممَّن لا يقرّ على دينه وهو المرتدّ يُنْظَر ثلاثةَ أيَّام، والمسألةُ خِلافيَّة، ثم إنَّ الرِّدَّة أيضًا تَختلف: فمِن الرِّدَّة ما يمكِن أن يُمهَل، ومنها ما لا يمكن أن يُمهَل.
وهل كان قومُ صالحٍ كلّهم يَشربون من بِئرٍ واحدةٍ؟
نقول: لعلَّ هذه البِئر هي الصَّالحةُ في الشُّربِ، وغيرها لا تَصْلُحُ للشُّرب، المهمُّ أنَّ أصلَ شُربهم من هذهِ البئرِ، ولهذا قسّم وقتها: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، ولا مانعَ أيضًا من أن تكونَ هذه البِئْر تَسقي كلَّما أمكن، لكن الأقرب - والله أعلم - أنَّ البساتينَ مُنْتَشِرة فيها العيونُ، وأنَّ هذه البِئر هي الَّتي يأخذون منها ماء الشُّرب.
فإن سألَ سائلٌ: لماذا منع الرَّسُولُ ﷺ منَ الشُّرب من مائهم حين مَرَّ بدِيارهم؟
فالجَواب: لأنَّ استعمالَ هذا الماءِ يؤدِّي إلى النزولِ فيه والطُّمأنينة، والرَّسُول ﵊ لَمَّا مرّ بها مرَّ مقنِّعًا رأسَه وأسرَعَ، وقال: "لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ القَوْمِ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لم تَكُونُوا بَاكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ" (١)، فالمسألةُ ليستْ هيِّنَةً، والعجيبُ أنَّ كثيرًا منَ النَّاس اليومَ يذهبونَ
стр. 250
إليها مَذْهَبَ الفُرْجَة والنُّزْهَة، وهذا حَرامٌ، لا يجوزُ.
ولا يُعارِضُ هذا قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥]؛ لأنَّهم كافرونَ؛ أي أنّ فِعْلَهم لا يدلُّ على الجواز.
أو يُقال: إنَّ شَرِيعَتَنَا وردتْ بخلافِ ذلكَ في التحريمِ، وأمَّا قولُ بعض النَّاس: الأَرْض كلّها لا تَخلو من أممٍ مكذِّبة، فأنا أقول: نعم، الأَرْضُ كلُّها لا تخلو من أممٍ مكذِّبة، لكن مَن قال: إن هذا المكَان المعيَّن مكَان أُمَّة مكذِّبة.
والأحقافُ في الأَصْلِ يجوزُ أن نَزُورَها؛ لأننا لا نَعْلَم مَساكِنَهم بعينها، لكن ثَمُود مساكنهم موْجودةٌ بعينها، فإذا دخلها الإِنْسانُ كَأنَّه داخلها بذلك الوقتِ، ولهذا منعَ الرَّسُولُ ﷺ منَ الدخولِ إلَّا والإِنْسان باكٍ، فقال ﵊: "فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ"، لكن عندنا اليومَ يدخلون ومعهم آلاتُ التصويرِ.
فإن قيل: وهل شَدُّ الرَّحْل لِزِيَارةِ مساكنِ ثَمُودَ محرَّم؟
قلنا: شدُّ الرَّحْل لغيرِ التعبُّد ليسَ فيه مانعٌ، فكلُّ النَّاسِ يَشُدُّون الرِّحال للتِّجارة ولغيرِ التجارةِ، لكن شَدّها للنُّزهة فهذا حرامٌ.
أمَّا أن يذهبَ للخُشُوع والتعبُّد بتذكُّر مآلِ هؤلاءِ الجبَّارين لَمَّا عَصَوْا أمرَ ربِّهم، فقد يُقال: إن هذا لا بأسَ به، على أنَّ المسألةَ فيها نظرٌ، فقد يُقال: إنّ الإعتبارَ بما في القُرآنِ أبلغُ بما في البُنيان، لكنَّه أهونُ منَ الَّذي يذهب للنُّزهة والفُرجة، فزيارةُ هذه المساكنِ مَشروطةٌ بأنْ يَعْتَبِرَ الإِنْسانُ.
стр. 251
وهل يجوزُ الشُّرب من مائهم؟
يقول العلماء: إنَّه يجوز، حتَّى من بِئْر الناقةِ؛ لأنَّ المُسلمينَ كَانوا يشربونَ منها، فبئرُ الناقةِ كانتْ معروفةً في الزمنِ السابقِ، أمَّا الآنَ فلا نَدري أمعروفةٌ أم لا، وإلَّا فقد كَانتْ معروفةً في الماضي، وحَسَب كَلام الفُقهاء أنَّها كَانت بئرًا كبيرةً، يَرِدُها الحجّاج الَّذينَ يَقْدَمُونَ منَ الشامِ.
من فوائد ذِكر قومِ صالحٍ:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: فيها دليلٌ على عدمِ البقاءِ في حالِ الرفاهيَةِ عِقابًا لمَنِ الْتَزَمُوا شِرْكَهم؛ أيْ أنَّه لا يمكِن أنْ يُتركوا بدونِ رُسُلٍ وشكرٍ للنعمةٍ، ويُؤْخَذُ من قولِه تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾، والمُراد بالإسْتِفهامِ هنا للنفيِ والتوبيخِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فيها دَلالةٌ على عِظَم نعمةِ اللهِ وأنَّها تَستوجِب الشكرَ العظيمَ لله وأنَّه هو مُعْطِي الأمان وآخِذه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿آمِنِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: عِظَم نِعمةِ الأمنِ، وهذا صَحِيحٌ، فإنَّ نِعمة الأمنِ قد تُقابِل نِعمة الشِّبَع والشُّرب والرِّيّ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ النَّخيل من أطيبِ أنواعِ الفواكهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، فهي ليِّنة وسهلة الهَضم، ووجهُه أنَّها مفضَّلة على غيرِها، وأنها تُؤْتِي أُكُلَها كلَّ حِينٍ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيان قُوَّة قومِ صالحٍ، ويُستفاد من قَوْلهِ: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ﴾، إذ بَلَغُوا من القوَّة أن كانوا يَنْحِتون بيوتهم في الجبالِ، وأيُّ قوَّةٍ بعدُ؟ !
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فيه دليلٌ على دِقَّتِهِم في العملِ، والحِذق في الهَندسة؛ لأنَّ
стр. 252
هذا يَتَطَلَّب حِذقًا، حيثُ إنَّه أمرٌ مُغَيَّب ليسَ شيئًا أمامَك كي تَحْصُلَ على ما تريدُ، ويُؤْخَذُ من قِراءَة: (فارهين) بمَعْنى حاذِقينَ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: يُؤْخَذ من قَوْلهِ: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ فائدتانِ: لفظيَّة ومعنويَّة، الفائدةُ المعنويَّةُ أنَّهم لا يُشارِكُ فَسادَهم صلاحٌ، فيكون في هذا نفيُ إِثْباتٍ لكمالِ الفسادِ، والفائدةُ اللفظيَّةُ أنّ فيها طِباقًا، فهذا لا شكّ أنَّه من الأسلوبِ اللفظيِّ الحَسَن، مع ما فيه من معنًى.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ ما أصابهم هو نتيجةُ فَسادهم؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: فيها تَسْلِيَة لكلِّ داعيةٍ إذا دعَا إلى حقٍّ لو أُصيب بمثل هذا، فإنَّ كلَّ مُفْتَرٍ على أهلِ الحقِّ أو رافِض له فِعْلُهُ شَبيهٌ بِعَقْرِ هذه الناقةِ، ولكن الواجب على الداعيَةِ أن يَصْبِرَ، وأن يقولَ: جَرَى للأنبياءِ مثلُ هذا وأشدُّ، وَهُمْ أَشْرَفُ عندَ اللهِ منِّي ما هو أَعْظَم.
* * *
الآيتان (١٦٥، ١٦٦)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦].
* * *
قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ النَّاسِ، ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ أَقْبَالَهُنَّ، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ مُتَجَاوِزُونَ الحَلَالَ إِلَى الحَرَامِ].
كلُّ الرُّسُلِ يُرْسَلون أوَّلًا بتحقيقِ التوحيدِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦]، لكن هناك أنواع مُعَيَّنة منَ المعاصي يَرْتَكِبُها بعضُ الأممِ ويركز عليها الرُّسُل عليهم الصَّلاة والسلامُ، ففيما ذكر في قومِ لوطٍ كَان جُرمهم هذه الفاحشة، ولهذا قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ وهذا الإسْتِفهامُ للتوبيخِ والإنكارِ.
قَوْلهُ: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ أي: الذُّكور، جَمْع ذَكَر، ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ بيان للذُّكران، أي: منَ النَّاسِ، سواء كَانوا من قَبيلتكم أو من غيرِ قَبيلتكم، ولهذا لم يقلْ: "أتأتونَ الذُّكران مِنكم"، بل قال: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾؛ إشارةً إلى أنَّهم - والعياذُ بالله - لا يَتَحَاشَوْنَ من أحدٍ، فهم مثل الكِلابِ.
стр. 255
ثم معَ ذلك - زيادةً على قُبحهم - أنَّهم تَرَكوا النعمةَ الَّتي خَلَقَها اللهُ لهم ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾، فلو كُنْتُم تأتونَ الذكران من العالمينَ؛ لأنكم مُضْطَرُّونَ لذلك، وليس لكم منَ الحلالِ ما يُغْنِيكم، لكَان الأمرُ أهونَ، لكن لكم منَ الحلال ما يُغنيكم، فكيف تأتونَ الخبائثَ وتَدَعُونَ الطيِّبات؟ !
ولهذا قال: ﴿وَتَذَرُونَ﴾ وهي داخلةٌ في مَضمونِ الإسْتِفهامِ، يَعْنِي: وأَتَذرونَ، بمَعْنى: تتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾، قال المُفسِّر ﵀: [أقبالَهن]، وهذا تفسيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ يَعْنِي: تأتونَ الَّذي خلقَ لكم منَ الأزواجِ، وهو القُبُل، هذا ما ذهبَ إليه المُفَسِّر، والصَّوابُ خلاف هذا، والصَّوابُ أن (مِن) بيانٌ لـ (مَا) أي: ما خلقَ لكم ربُّكم منَ الأزواجِ، يَعْنِي: وتذرون الأزواجَ، هذا هو المَعْنى.
وفرْقٌ بينَ ما ذكرتُ وبينَ ما ذهبَ إليه المُفَسِّر، يَعْنِي: كَأنَّه يقول: تَذَرُونَ فُرُوجَ النِّساءِ، ولكن لو قال: (أتأتونَ أدبارَ الذُّكور) لكَان صوابًا، وتذرونَ فروجَ النِّساءِ، لكن لما قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ صار المناسِب أنَّ المَعْنى: وتَدَعُونَ النِّساءَ.
لكن قال: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ دونَ قَوْلهِ: ﴿أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ إشارةً إلى أن الله تَعالَى هَيَّأَ هذه الزوجةَ للذَّكَر يَتَمَتَّع بها كما يشاءُ، إلَّا فيما حرّم اللهُ مِنَ الدُّبُر مثلًا، ولهذا قال الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] وهذا يدلُّ على إباحةِ استمتاعِ الرَّجُلِ بامرأتِهِ إباحةً مُطْلَقَةً بلا حدودٍ، ما عدا أمرينِ: الدُّبُر، والفَرْج في الحَيْض، وما سِوَى ذلك فكلُّ شَيْءٍ مُباحٌ.
стр. 256
وهذا يزيدُ الأمرَ قُبحًا إلى قُبْحِهِم، حيث يَدَعون الطيِّبَ ويأتونَ الخبيثَ.
وفي قَوْلهِ: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ و ﴿وَتَذَرُونَ﴾ الفائدةُ المعنويَّة الَّتي أَشرنا إليها، وهي زيادةُ القُبْح، والفائدةُ اللفظيَّة، وهي الطِّبَاق بذِكْر الأمرِ ومقابلِهِ.
وقولُه ﵊: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ اللامُ للإباحةِ أو للتعليلِ؛ أي: خَلَق لِأَجْلِكُم، أو: أباح لكم.
وقَوْلهُ: ﴿رَبُّكُمْ﴾ إشارة إلى أنَّه هو المتصرِّف فيهم الَّذي يُحْيِيهِم.
وقَوْلهُ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾، (بَلْ) للإضرابِ، والإضراب هنا كَأنَّه قال: لا تاتونَ الذُّكران فِطرة ولا عَمَلًا عادِيًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الَّذي حَمَلَكُم على هذا هو العُدوان المجرَّد - والعياذ بالله - متجاوزينَ الحلال إلى الحرامِ، فبيّن لهم لُوطٌ ﵊ أنَّ ما فَعَلُوه أمرٌ مُسْتَنْكَرٌ عَقْلًا، ومستنكَرٌ شَرعًا وعُرفًا؛ لأنَّ العدوانَ لا شكّ أنّ كلّ أحدٍ يُنْكِره، وهؤُلاءِ مُعْتَدُونَ.
ومنَ الغَريبِ أنّ الفاعلَ مِنهم اليومَ قد كَانَ مَفعولًا به بالأمسِ! والمفعول به اليومَ يكونُ فاعلًا في المستقبَل! وهذا غاية ما يكونُ مِنَ العُدوان.
وسبحان اللهِ! كيف هؤُلاءِ الجماعة - نسأل الله السلامةَ - يرى الإِنْسانُ ولدَهُ أو أخاهُ الصغيرَ تُفعَل به الفاحشةُ ولا يبالي بهذا؟ ! والظَّاهرُ أنَّهم يَفعلونها جَهرًا؛ لِقَوْلهِ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، فهم لا يُبالُونَ - والعياذُ باللهِ - أن يَرْكَبَ بعضُهم بعضًا جِهَارًا، وهذا غايةُ ما يكون منَ السُّخْط.
* * *
﴿لَئِنْ﴾ مُوَطّئَةٌ لِلْقَسَم، أمَّا اللام في ﴿لَتَكُونَنَّ﴾ فهي واقعة في جَوابِ القَسَم،
والجَوابُ الموْجودُ هنا لِلْقَسَمِ، قال ابن مالك (١):
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِماعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
قالَ لهم لوط ﵊: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ قالَ المُفَسّر ﵀:
[المُبْغِضِين]، وهذا فيه نوعٌ مِنَ التحدِّي لهم. يَعْنِي: إنْ أَخْرَجْتُمُونِي فأنا راضٍ
بذلكَ، ولا يُهِمّنِي إخراجي؛ لأني ﴿لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ والإِنْسانُ المبغِض لعملِ
قومٍ لا يحب أن يَبقَى معَهم، فكَأنَّه يقولُ: أنا لا يُهِمّنِي إذا خرجتُ؛ لأنني لا أرغبُ
بالمُقامِ معَكم وأنتم على هذا العملِ الخبيثِ الَّذي أُبْغِضُه، والإِنْسانُ أشدّ ما يكونُ
عليه أن يَبْقَى مع قومٍ يَكْرَهُهُمْ، يقول المُتَنبِّي (٢):
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الحُرِّ أَنْ يَرَى ... عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ
وهذا صَحِيحٌ، فأنْ تَبْقَى معَ قومٍ تَكْرَه أفعالَهم، هذا صعبٌ على النفوسِ،
فكَأنَّه يقول: أنا أرغبُ بهذا، ومُسْتَعِدٌ له، ولا أُبالي مِنَ الْقَالِينَبإخراجِكُمْ.
وفيه دليلٌ على أنَّه يَجِبُ على كلِّ مؤمنٍ أن يُبْغِضَ عملَ هؤُلاءِ القومِ؛ لأنَّ
الرُّسُلَ يُبْغِضُونه، وهذه هي فائدةُ الجمع في قَوْلهِ: ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ أي: من المُبْغِضِين
له، وإنْ كَان هو ما فيه إلّا قليل منَ اَّلذينَ آمنوا معه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، يَعْنِي أنَّه ما آمنَ
معه أحدٌ إلَّا أهلُ بَيْتِهِ، وليس كلّ أهلِه؛ فامرأتُه كَانتْ من الكَافِرينَ.
стр. 259
قوله تعالى: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قال المفسِّر: [﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ من
عَذابهم]، ولا شكّ أنّ هذا التأويلَ قاصِرٌ؛ لأنَّ: ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فِعْلِهم
ومن عذابِهِم أيضًا.
ولا يَمْتَنِع أن يَسألَ اللهَ تَعالَى أن يُنْجِيَهُ مِن هذا العملِ، وإنْ كَانَ الرُّسُل
لا يُمْكِن أن يَعْمَلُوهَ، لأنَّ الصَّوابَ المقطوعَ به أنَّهم معصومونَ ممَّا يُخِلُّ بالشَّرَفِ
والكرامةِ، وعملُ قومِ لوطٍ هذا يُخِلّ بالشرفِ، لكنَّه هو دعا لنفسِه وأهلِه: ﴿نَجِّنِي
وَأَهْلِي﴾، وأهلُه ليسوا مَعصومينَ.
والصَّوابُ أنَّه سألَ اللهَ أن يُنْجِيَه من عَمَلِهِم، ومن عَذَابِهِم.
قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ الفاءُ للتفريعِ، يَعْنِي: فتفريعًا على دعوتِه
أُجيب.
قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ امْرَأتَهُ، ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الْبَاقِينَ أَهْلَكْنَاهَا]،
وفي بعض النسخ: [أَهْلَكْنَا]، وكَأنَّه يريد أنَّ (أهلكنا) مُسَلَّطٌ على قَوْلهِ: ﴿إِلَّا
عَجُوزًا﴾ يَعْنِي: إلَّا أنَا أَهْلَكْنَا ﴿عَجُوزًا﴾، و (أهلكناها) أيضًا لها مَعْنى أوضح؛ لأنَّه
إذا قال: (الباقين أهلكنا) قد يظن الظانّ أنَّ المُرادَ أهلكَ الباقينَ. وعلى كُل حالٍ
استجاب الله دعوتَه، فنجّاه وأهلَه.
قَوْلهُ: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدلُّ على أنَّ الأهلَ كَانوا عددًا كثيرًا، والصَّحِيحُ أننا
لا نَدري كم عَدَدُهم، إنَّما أهله، ولكن: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يدلُّ على الكثرةِ؛ لأنَّ: ﴿أَجْمَعِينَ﴾
هذه جمعٌ، وأدنى ما يُقال فيه ثلاثةٌ، معَ أنَّ هذه الكلمةَ: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تدلُّ على جماعةٍ
مُسْتكثَرَةٍ.
стр. 260
وقَوْلهُ: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ - والعياذُ باللهِ- هذه المرأة عَجُوز كبيرة في السِّنِّ، وكَان
الَّذي يَنْبَغي لكبيرِ السنِّ أن يكونَ مُنِيبًا إلى اللهِ ؛ لأنَّه قَريبٌ مِنَ الموتِ،
وأقرب إلى الموت من الشاب، ولكن هي صارتْ خبيثةً- والعياذُ باللهِ- كافرةً
باللهِ، لكنَّها كاتمةٌ لذلكَ، ولهذا قال اللهُ تَعالَى في سُورة التَّحريم: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾
[التحريم: ١٠] ليستْ خيانةَ شَهوةٍ وزِنًا، لكن خِيانة كُفْر، ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ
مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠]، ثم قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾،
لم تُشْعِرَاهُما بالكُفْر، فما عَلِمَا بِكُفْرِهِما.
وهي لَمَّا كَانتْ مُؤَيِّدَةً لِفعلِ القومِ كانَ هذا إقرارًا بالكفرِ، فهي كافرةٌ
ومؤيِّدة أيضًا زيادة.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقينَ]، والغابِرُ: يُطْلَق على
مَعَانٍ، منها: الباقي، ومنها: الماضي أيضًا، فيكون مِنَ الأضدادِ؛ وهي الكَلِمات
التي تَصْلُحُ للشيْءِ ولِضِدِّه.
قَوْلهُ: ﴿ثُمَّ﴾ بعدَ أن أنجَيْنَا لُوطًا وأهلَه ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾؛ لأنَّه بعدَ أَنْ أُمِر أن
يسيرَ بأهله ليلًا، وأن يخرج من البلدة إلَّا امرأته، دمر الله هذه البلدة، يَعْنِي: فخرجَ
ثمَّ دُمِّرَتْ، وقَوْلهُ: ﴿الْآخَرِينَ﴾ المُرادُ به قومُه.
قال المُفسِّر ﵀: [أَهلكناهم، ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حِجَارَةً، من جملةِ
الإهلاكِ]، والظَّاهرُ لي أن قَوْلَهُ: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ عطْفُ تَفسيرٍ على قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا﴾؛
لأنَّ هذا هو الَّذي دُمّروا بِهِ، أنَّ اللهَ أمطرَ عليهم مَطَرًا، وهذا المطر هو ﴿حِجَارَةً
مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]، مُتَتابع، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ [هود: ٨٣] عندَ اللهِ.
стр. 261
قوله : ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: مَطَر هؤُلاءِ القومِ، وإنَّما قال: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾؛ لِبيانِ أنَّها قد قامتْ عليهم الحُجَّة ولم يُنْذَرُوا بالعذابِ إلَّا بعدَ أنْ أعذرَ مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في هذه الآيةِ وغيرِها منَ الآيَاتِ ما يدلُّ على أنَّ قومَ لُوطٍ أُهلِكوا بهذه الحِجارةِ: بالتدميرِ بالحجارةِ وليسَ بالقلبِ كما هو مشهورٌ عندَ أهلِ العِلْمِ وكثيرٍ من المُفَسِّرينَ، أنَّ بلادهم حُملتْ إلى عَنانِ السَّماء ثم قُلِبت، فهذا ليسَ في القُرآنِ ما يدلُّ عليه، والّذي في القُرآنِ قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر: ٧٤]، وجَعْلُ العالي سافلًا يكونُ بغيرِ القلبِ؛ فإنَّ هذه الحجارةَ إذا نزَلتْ على المنازلِ وهَدَّمَتْهَا صار العالي منَ المنازلِ سَافلًا، ثم إنَّها إذا قُلبتْ - مثلًا - وصارَ النَّاسُ في باطنِ الأَرْضِ، فليسَ للحِجارة حِينَئذٍ قيمة.
والمهمُّ أنَّه ليس في الأمرِ عنِ النَّبيّ ﵊ ما يدلُّ على أنّ أرضَهم حُملتْ فقُلبتْ، وما دام أنَّه ليسَ في الأمرِ ما يدلُّ على ذلكَ، فالأَولى أن يُقال: إنّهم دُمِّروا بهذه الحجارةِ.
ويُستفاد من قِصَّة لُوطٍ ﵇ مع قومه:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: الدُّعاءُ إلى توحيدِ اللهِ والأمر بِتَقْوَاهُ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الإخلاصُ في الدَّعوة إلى اللهِ تعالى، وأنَّه لا يَنْبَغي للدَّاعي أن يأخذَ على دَعْوَتِهِ أَجْرًا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ مِن بني آدمَ مَن تُقلَب طَبِيعَتُه وتُصْرَف حتى يَسْتَحْسِنَ الخبيثَ؛ لأنَّ هؤُلاءِ هذا حالهُم.
стр. 262
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: زيادةُ الإنكارِ فيما إذا كَان للإِنْسانِ مَنْدُوحَةٌ عنِ الحرامِ، لِقَوْلهِ: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: جوازُ الإستمتاعِ بالزوجةِ استمتاعًا مُطْلَقًا؛ لقَوْلهِ: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ مَن تجاوزَ الحلالَ إلى الحرامِ، فهو عادٍ ظالمٌ لنفسِهِ ولغيرِه؛ لقَوْلهِ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: في الآيَات دليلٌ على أنَّ المعانِدِينَ لِلرُّسُل إنَّما يَلْجَئُون إلى قُوَّتِهِم وسُلْطَتِهِم، لا إلى العقلِ والإقناعِ، قالوا: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧]، وقال ذلكَ قومُ نوحٍ: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، لكنَّه عذابٌ آخرُ، وكذلك أيضًا قالَهُ فِرعون لمِوسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، وقالَه آزرُ لابنِه إبراهيمَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦].
كلُّ هذا ممَّا يدلُّ على أنَّ هؤُلاءِ الَّذينَ يُهَدِّدُونَ بالسُّلطة لا بالإقناعِ والعقلِ، هؤُلاءِ لا حُجَّةَ لهم.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ أن يُبغِضَ ما أبغضَهُ اللهُ؛ لأنَّ هذه طريقةُ الرُّسُلِ؛ قال: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّه لا غِنى لأحدٍ عن دعاءِ اللهِ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]، وأمَّا قولُ بعضِ العارِفِينَ الجاهلينَ: "عِلْمُهُ بِحالي يُغْنِي عن سُؤَالِي" (١)،
стр. 263
فهذا قولٌ باطلٌ، فالله يعلمُ بحالِ كلِّ أحدٍ، ومع ذلك ما زالتِ الرُّسُلُ وأَتْبَاعُهم يَدْعُون اللهَ ﵎.
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: وُجودُ الربِّ ؛ لقَوْله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١٦٩]، وقَوْلِه: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ [الشعراء: ١٧٠]، وهذا دليلٌ حِسِّيٌّ ظاهرٌ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إجابةُ اللهِ للدُّعاء، وهذه الإجابةُ تَتَضَمَّن عِدَّةَ صفاتٍ، فتتضمَّن العِلْمَ، والقُدْرَة، والرَّحمة.
الْفَائِدَةُ الثَّانيةَ عَشْرَةَ: في الآيَات دليلٌ على أنَّ اللهَ يُنْقِذ أهلَ الحقِّ من إهلاكِ الكَافِرينَ، ويُهْلِك الكَافِرينَ ولو كَانوا في أحضانِ أهلِ الحقّ؛ لأنّ اللهَ أنجَى لُوطًا، وأهلكَ امرأتَه، وهي في أحضانِهِمْ، وهذا هو السرُّ في قَوْلهِ: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، فالتعبيرُ القُرآنيُّ أنَّ المُؤمِنينَ نَجَوْا، لكن البيت المُسْلِم ما نَجَا كله، فالمرأةُ الَّتي كَانتْ تَتظاهَرُ بالدِّين وهي مسلمةٌ ظاهرًا؛ ما نَجَتْ، ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، فهذا البيت أهلُه مُسْلِمُونَ، لكن ليسَ كلّهم مُؤمِنينَ، بل فيهم هذه المرأةُ العَجُوز كَانت كافرةً، وليسَ في الآيةِ دليلٌ - كما يقول بعضُ النَّاسِ - على أنَّ الإيمانَ هو الإسلامُ؛ لأنَّ فَرْقًا بينَ هذا وهذا.
الْفَائِدَةُ الثَّالثةَ عَشْرَةَ: أنّ القُربَ من الأَنْبِياء والأولياءِ لا يُغْنِي الإِنْسانَ شيئًا، لأنَّ هذه زوجة نبيّ، ومعَ ذلك هَلَكَتْ معَ مَن هلكَ، فكونُ الإِنْسانِ قَريبًا من إِنْسانٍ وليٍّ للهِ لا يفيدُه شيئًا، فأبو لَهَبٍ عمُّ النَّبيّ ﵊ ومعَ ذلك ما نزلَ
стр. 264
مِنَ القُرآنِ في أحدٍ مُعيَّن منَ الكفَّار سِوَى أبي لَهَبٍ عمّ النَّبيِّ ﵊، وما نزلَ القُرآنُ في تَسْمِيَةِ شخصٍ بعينِه منَ المسلمينَ إلَّا في زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ، مَوْلًى منَ الموالي، من أبعد ما يكون عنِ الرَّسُولِ ﵊.
وبهذا يَتَبَيَّن أنَّ قُرب النسَبِ وقرب المصاهرةِ وغيره لا يُغني عنِ الإِنْسان شيئًا.
وتأمَّل ما نزل في سُورَةِ التحريمِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠]؛ لأنَّ عائشةَ وحَفْصَةَ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا على النَّبيّ ﷺ قد يَغْتَرَّانِ بِقُربهما إلى النَّبيِّ ﵊ فيَعْمَلَانِ ما عَمِلاه، وبيَّن الله أنَّه لا تَنْفَعُهما صِلَتُهما بالنَّبيِّ ﷺ .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ عُقوبة اللهِ تَتَنَوَّع حَسَبَ العملِ؛ لأنَّ هنا تُمْطِر مطرًا حتَّى هَدَّمَتْ مَنازِلَهم، وصار عاليها سافلها، ثم خُسِف بها فيما بعدُ، ولذلكَ الآن هي بُحيرة اسمها (بُحيرة لُوط) معروفة، وهي البحر المَيِّتُ؛ وسُمِّيَتِ البحرَ الميِّتَ لأنه غيرُ مُتَّصِل بالبِحار، ويقولون أيضًا: إنَّه لا يعيشُ فيه السمكُ والحوتُ بمثل ما يعيشُ فيه غيرُه، فهو فيه سمكٌ لكنه ليسَ مثلَ غيرِه؛ لأنه ليسَ مُتَّصِلًا بالبحارِ العميقةِ، فلا يكون فيه ذلك الشيْءُ الكثيرُ.
الْفَائِدَةُ الخَّامِسَةَ عَشْرَةَ: استدلَّ بعضُ العُلَماءِ - أخذًا من هذه القصّة - أنَّ اللُّوطِيَّ يُقتَل بأنْ يُرمَى بالحجارةِ حتَّى يموتَ؛ قياسًا على رَمْيِ اللهِ تَعالَى لهؤُلاءِ بالحجارةِ.
وهذه المسألة فيها خلافٌ:
فالقولُ الأوَّل: أنَّ اللُّوطيّ لا يُتعرّض له ولا يُقال له شيْءٌ.
стр. 265
والقول الثَّاني: أنَّه يُعَزَّر بالضربِ والحَبْس، وما أشبهَ ذلك.
والقولُ الثَّالثُ: أنَّه كالزاني: إنْ كَان مُحْصَنًا رُجِمَ، وإنْ كَان غيرَ مُحْصَنٍ جُلِدَ وغُرِّبَ.
والقولُ الرابعُ: أنَّه يُقْتَل بكُلِّ حالٍ، سواء كَان مُحْصَنًا أم غيرَ مُحْصَنٍ، ولكن اختَلفوا في كيفيَّة قَتلِه، فقيل: بالرَّجْم، وقيل: بالسَّيف، وقيل: بالتَّحْرِيق، وقيل: بإلقائه منَ الشاهِق وإتباعه بالحِجارة، وهذا القولُ هو الَّذي اتَّفَقَ عليه الصّحابة أنه يُقْتَل.
وهذا القولُ هو الصَّحِيح المتعيَّن، أنَّه يُقتل بكُلِّ حالٍ؛ فاعلًا كَان أمْ مفعولًا به، إذا كَان بالغًا عاقلًا؛ لأنَّ هذا ليسَ كالزِّنا، بل أشدّ وأعظم، ولأنه أمرٌ لا يُمْكِن التحرُّزُ منه، بخلافِ الزِّنا، فالزنا يمكن التحرُّز منه، لكن هذا لا يُمْكِن؛ فإِنَّه لو أنَّ خَبيثًا أمسكَ بِيَدِ أمردَ لا أحدَ يقولُ: ما الأمردُ هذا؟ ولماذا تُمْسِك يدَه؟ وما أشبهَ ذلك، فهو أمرٌ لا يُتَحَرَّز منه، فيأتي في نوادي الرِّجال وغيرها.
وقد ذَكَرَ شيخُ الإسلامِ ﵀ أنَّ الصَّحَابَة أجمعوا على قَتْلِه (١).
أمّا مَن قال: إنَّه لا يُتَعَرَّض له، فحُجَّتُه أنَّ هذا ممَّا تَنْفِرُ عنه الطِّباع، وما تنفر عنه الطباعُ يُكتَفَى بالرَّدْع الطبيعيّ، كما أنَّ شاربَ البَوْلِ لا يُتعرّض له، وشارب الخَمْر يُجْلَد؛ لأنَّ الخمرَ تَدْعُو النَّفسُ إليه، وهذا لا تَدعو النفوس إليه.
ولكن هذا قولٌ باطلٌ مِن وجوهٍ:
أوَّلًا: فإن قولَهم: "إنَّها لا تدعو النفوسُ إليه" هذا صَحِيحٌ لكن النفوس
стр. 266
السَّليمة بلا شَكّ هي التي لا تَدعو إليه، وتَسْتَهْجِنه وتَسْتَقْبِحه، لكن النفوس الخَبيثة تَهواه أكثر مِنَ النِّساء، فيَهْجُرُونَ نِساءَهم في فُرُشِهِنَّ، ويَذْهَبُونَ إلى فِعْل هذه الفاحشةِ!
ثانيًا: قولهم: "إنَّ البولَ لا يُعَزَّر على شُربه، ويُكتفى برادعٍ طبيعيّ"، هذا باطلٌ أيضًا، بل يجبُ أنْ يُعَزَّرَ على فِعله، ومَن رأيناهُ يَشرب بولًا يجبُ أن نُعَزِّرَهُ؛ لأنَّه فعَلَ محرَّمًا، والتعزيرُ واجبٌ لكلِّ مَعْصِيَةٍ لا حدَّ فيها ولا كَفَّارة، فالصَّوابُ أنَّه يُقْتَل في كُلِّ حالٍ. واللهُ المستعانُ.
فإن قيلَ: كيف أجازَ الصَّحابة تَحْرِيقَه، وقد وردَ النَّهيُ عنِ التعذيبِ بالنارِ في قولِهِ ﷺ : "لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ" (١)؟
قلنا: كَأنَّهم رَأَوُا ذلك لِعِظَم هذا الفِعل، وأنّ المقصودَ بتعذيبِ النارِ في الأمورِ الَّتي دونَ هذا، وإلَّا فقد وقعَ ذلك من أبي بكرٍ ﵁ (٢)، وعليّ بنِ أبي طالبٍ ﵁، ومن هشام بن عبدِ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ، ثلاثة مِنَ الخُلَفَاء كلّهم اتَّفَقُوا عليه.
والراجِحُ أنَّ حَدَّه القتلُ في كُلِّ حالٍ، يَعْنِي: لو يَتَلَوَّط مَن له سبعَ عشْرةَ سنةً بِمَن له ستَّ عشْرةَ سنةً، قُتِلَا جميعًا، وإن كَانا غيرَ مُحْصَنَيْنِ، أو كانا مُحْصَنَيْنِ.
وقد وردَ في مواطنَ أُخْرَى منَ القُرآنِ الكريمِ أنَّ لُوطًا ﵇ قالَ لقومِه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١]، يَعْنِي: تَزَوَّجُوهُنَّ.
وبعضُ المُفَسِّرين قالُوا: ﴿بَنَاتِي﴾ يَعْنِي: بنات الأُمَّة؛ لأنَّ الرَّسُولَ أبٌ لِقَوْمِه،
стр. 267
فيكنّ له بِمَنْزِلَة بناتِه. والَّذي دعاهم إلى هذا أنَّهم قالُوا: إن بناتِه مسلمات مُؤْمِنات، وهؤُلاءِ كفَّار، والكافرُ لا يتزوَّج بالمؤمنةِ.
فيُقال: الجواب عن هذا: إمَّا أنَّ شَريعتهم تُبيح ذلك، أو أنَّ مَعْنَى: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يَعْنِي: فأَسْلِمُوا وتَزَوَّجُوهُنَّ.
وهذا في الحَقِيقَةِ كَأنَّه يقول: أنا أُحَافِظ على ضيوفي أكثر ممَّا أحافظ على أيّ شيْءٍ آخرَ، يَعْنِي: فإنّي أَحْمِيهم حتى إني أَتَنَازَلُ عن بناتي وتتزوجوهنّ؛ من أجل المحافظةِ على هؤُلاءِ المسلمينَ.
* * *
وما هي الأيكةُ؟
قال المُفسِّر ﵀: [هِيَ غيضَةُ شَجَرٍ قُرْبَ مَدْيَنَ]، أي أَرْض مَمْلُوءَة بالشجرِ، والغالبُ أن تكونَ هذه الأشجار المُلْتَفَّة بعضها على بعض.
و(مَدْيَن) يَظْهَر أنَّه في طُور سِيناء، من قِصَّة مُوسى.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [لم يقلْ: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم]، بينما قالَ في غيرِه ممَّا مَضَى مِنَ القَصَصِ: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥]، فتبيَّن بهذا أن أصحابَ الأيكةِ لَيْسُوا أهلَ مَدْيَنَ.
ولهذا قال المُفَسِّر: [قُرب مَدْيَن]، وليسوا منَ القريةِ الَّتي بُعِث فيها شُعَيْب؛ لأنَّ أهلَ القريةِ الَّتي بُعِثَ فيها مَدْين مِن قَبيلته، ولهذا لَمَّا ذكرَ مَدْيَنَ قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وأمَّا هنا فقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ ولم يقلْ: أَخوهم.
وممّا يدلُّ على أنَّهم ليسوا أصحابَ مَدْيَنَ، أنَّ العذابَ الَّذي أُخِذوا به غيرُ العذابِ الَّذي أُخِذَ به أصحابُ مَدْيَنَ، فأصحابُ مَدْيَنَ أُخِذوا بالصَّيْحَة، وهؤُلاءِ أُخِذُوا بعذابِ الظُّلَّة، كما سيأتي إن شاء الله.
وهل مَعْنى هذا أنَّ شُعيبًا أُرسلَ مرّتينِ؟
الجَواب: لا، بل أُرسل مرَّةً واحدةً، لكن إلى قومينِ؛ إلى هؤُلاءِ وهؤُلاءِ، ويجوزُ أن يكونَ هذا من بابِ التبع، يَعْنِي: هذه القرية صغيرة مثلًا، وكَانت تابعة لبلدتِهِ، ويدلُّك على هذا أن عَمَلَهم واحد؛ عمل هؤُلاءِ، وعمل أهل مَدْيَنَ.
فـ ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ يَعْنِي: في كلّ فَرْد من أفرادِ معاملاتكم، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من المتَّصِفين بالإقساط، والإقساطُ بمَعْنى النَّقْص.
قولُه تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا الوزنُ، والفرقُ بين الوزنِ وبين الكيلِ: أنَّ ما قُدِّر بالحَجْم فهو كيْل، لأنَّ المكيالَ تَضَع فيه الشيْء فيكون حَجْمُه هكذا، وأمَّا ما يُقَدَّر بالثّقل فيُسمى وَزْنًا، وقَوْلُهُ: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ يقول المُفسِّر: [المِيزان السَّوِيّ]، فَعَلى هذا القِسطاس بمَعْنى: المِيزان، والمستقيم بمَعْنى: السَّوِيّ.
قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ قال: [لا تَنْقُصُوهم من حَقِّهم شيئًا]، هذا عامٌّ حتَّى فيما يُزرَع، وفيما يُعَدُّ.
مثل هؤُلاءِ القوم ذَنْبُهم الخاصّ الَّذي بُعِث هذا الرَّسُولُ لإصلاحِه، مع عِبادَة اللهِ، هو بَخْسُ النَّاسِ في الكيلِ والميزان وغيرهما، ولهذا عَمَّمَ: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تَنْقُصُوهم حُقُوقَهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [بالقتلِ وغيرِه]، ولم نعرِفْ أن هؤُلاءِ القوم - أي: قوم شُعَيْب - كَانوا يَقْتُلون النَّاسَ، بل المعروف من ذَنْبهم أنَّهم كَانوا يَبْخَسُون النَّاسَ أشياءَهم، فيمكِن أن يكونَ المقصودُ هو الإفسادَ بالقتلِ أو غيره. إنَّما الإيعاد سواء بالحَبْس أو بالضربِ أو بغيرهما، فهو من الفسادِ، ومن الفسادِ أيضًا نقصُ النَّاسِ أشياءَهم.
وقَوْلهُ: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حالٌ مؤكِّدة؛ لأن العُثُوَّ هو الفسادُ، كما لو قلتَ: "لا تَقُمْ قائمًا"؛ فإنَّ قائمًا حالٌ مؤكِّدَةٌ لقَوْلكَ: "لا تَقُمْ".
стр. 273
قَوْلهُ: [﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ﴾: الخَلِيقَة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾]، ذَكَرَهُم الرَّسُول ﵊ بالذي خَلَقَهُم، وخَلَقَ الخَلْقَ الأوَّلَ أيضًا، إشارة إلى أنَّكم سَتَزُولُون كما زالَ مَن قبلَكم، فأنتم مَخْلُوقُونَ مِنَ العَدَمِ، وتعودونَ إلى العَدَمِ.
* * *
والدَّليلُ على أنَّها مخفَّفة ليستْ نافيةً: أمرانِ:
الأمر الأوَّلُ: لَفظيّ، وهو اللامُ؛ لأنَّ اللامَ لا تَقْتَرِن إلَّا في خبرِ (إنْ) المخفَّفة.
والأمر الثَّاني: المَعْنى: فلو قال قائل: إنّ (إنْ) نافية، قلنا: ليس كذلك؛ لأنَّهم لو قالُوا: ما نَظُنُّكَ مِنَ الكاذبينَ، لكَانوا مُصدِّقينَ به، والأمرُ ليس كذلكَ، بل هم يريدونَ: إننا نظنُّك منَ الكاذبينَ، وهذا الظنُّ حَسَب اعتقادهم إنْ كَانوا جاهلينَ بالأمرِ، أو حسب عِنَادِهِم إنْ كَانوا عالِمينَ وكاتمينَ، مثل قول فِرعونَ: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧]، وهو يعلمُ أنه صادقٌ.
قَوْلهُ: [﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ بسكون السين وفتحها: قِطَعًا: ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك]، أعوذ بالله! هؤُلاءِ أخبثُ من قومِ صالحٍ؛ لأن أولئك قالُوا: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، لكن هؤُلاءِ قالُوا: إنْ كنتَ صادِقًا بما تُوعِدُنا به فَأْتِ بالعذابِ: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، كقولِ قريشٍ للرسولِ ﵊ حين قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وهذا من سَفَاهَتِهِمْ، وكَان الواجب أنْ يقولوا: اللَّهمَّ إنْ كَان هذا هو الحقَّ مِن عندِكَ، فاهْدِنا إليه ووَفِّقْنا.
وما فعله أصحابُ الأيكةِ في تكذيبهم لِشُعَيْبٍ هو ما فَعَلَهُ غيرُهم من أقوامِ الأَنْبياءِ، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وهذا التشابهُ تشابهٌ في القلوبِ والأفعالِ.
قوله تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، (إِنْ) شرطيَّة، والغَرَضُ منها التحدِّي.
стр. 276
قال المُفسِّر ﵀: [﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم به]، يَعْنِي: أنتم فعلتُم كلَّ قبيحٍ، وقابلتموني بكلِّ إثمٍ صَريحٍ، ولكن الَّذي يَعْلَم ذلك هو اللهُ، وهو يُهَدِّدُهُمْ بلازِمِ العِلْمِ. ولهذا قال المُفسِّر: [فيجازيكم به].
قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ قال المُفسِّر: [هي سَحابةٌ أظَلَّتْهُم بعدَ حرٍّ شديدٍ أَصابَهم، فأمطرتْ عليهم نارًا، فاحْتَرَقُوا، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾] فهم - والعياذُ باللهِ - أُصيبوا بحرٍّ شديدٍ عظيمٍ جدًّا ما أطاقوهُ، فأنشأ اللهُ السَّحابة تُظِلُّهُمْ، فخرجوا من بلادهم عن بَكْرَةِ أَبيهم إلى هذا الظلِّ.
ولكن - والعياذُ باللهِ - لَمَّا وَصَلُوا وإذَا هي نارٌ - والعياذ بالله - أَحْرَقَتْهُمْ عن آخِرِهِم، وهذا من أشدّ ما يكون - والعياذُ باللهِ - منَ العذابِ؛ لأنَّهم جاءُوا هاربينَ من عذابٍ، فوَقَعُوا في أشدّ منه - والعياذُ باللهِ - فكَانوا حينما أقبلوا يظنُّون أنَّهم نَجَوْا من الحرِّ بهذه الظِّلال، ولكنه - والعياذ بالله - صارَ حَتْفَهم: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
ولهذا وصف الله ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا العذاب ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فصدقَ اللهُ.
وهذه القَصَص عِبَرٌ في الحَقِيقَةِ، يَعْتَبِر بها الإِنْسانُ من عدَّة نواحٍ.
أولًا: يَعْلَم بها صبرَ الرُّسُلِ - عليهم الصلاةُ والسلامُ - وجَلَدَهُم، وإخلاصَهم للهِ، وأنَّهم لا يُبالون بما نالَهُمْ في ذاتِ اللهِ.
ثانيًا: يُعتبر بها في التَّسَلِّي بما أصابَ الرُّسُلَ؛ لأنَّ الإِنْسانَ يتسلَّى بما أصاب غيرَه، بأنْ يَصبِر هو على الدعوةِ إلى اللهِ، ولا يَمَلّ ولا يكِلّ؛ لأن العاقبةَ تكونُ
стр. 277
للصابرينَ والداعينَ إلى اللهِ، فكلُّ العواقب الَّتي رأيناها في القَصَصِ للرسُلِ عليهم الصلاة والسلامُ.
ثالثًا: إن فيها عِبْرة تحذِّر المخالفينَ للرسُلِ، فإنّ كلّ المخالِفينَ للرسلِ - كما رأيتم كلهم - عُوقِبوا، وأَخَذَهُمُ العذابُ.
رابعًا: بيان قُدرة الله حيثُ يَنزِل العذاب، فينجو منه مَن يَنجو، ويَهلِك به مَن هَلَكَ، وأن الله على كلِّ شَيْء قديرٌ: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١].
خامسًا: إن الإِنْسان يَتَعَجَّب كيف يصل بنو آدمَ إلى هذا العُتُوّ والعنادِ والإستكبارِ.
سادسًا: إنك تَقيس حاضرَكَ بغائبكَ، فإِنَّه يوجد الآنَ أمثال هؤُلاءِ؛ لأن طبيعةَ البشرِ واحدةٌ من آدمَ إلى اليومِ، فيوجد مِن هؤُلاءِ وإنِ اختلفَ الأسلوبُ، فالأسلوبُ قد يَختلف، لكن المَعْنى واحدٌ: العُتُوّ والإستكبارُ.
فيوجَدُ الآنَ مِن بَنِيَ آدمَ مَن يقولُ: إنَّ الدِّين خُرافة!
ويوجَد من بني آدمَ مَن يقولُ: إنَّ الله يَجِبُ أنْ يُوضَعَ في قَفَصِ الإتِّهام! لأنَّه لماذا يُشْبع هذا، ويَجُوعُ هذا؟ ! ولماذا يؤمَّن هذا ويخوَّف هذا! وهذا يَصِحّ وهذا يَمْرَض؟ والعياذ بالله.
فهذه الأشياءُ يجب أن تَعْتَبِر بها، وأنه ما سبقَ قبل زمانِكَ وُجِد مثلُه في زمانِكَ، والعِظَة من هذا كَثِيرَة.
ولوْ أنَّ الإِنْسانَ كَتَبَ هذه العِبَرَ لكان أفضل، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي
стр. 278
قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]؛ لأنك كما استنتجتَ عبرةً ازددتَ عقلًا؛ لأنّ الله جعل العِبَرَ لِأَولي الألبابِ، فكلّما كَان اللُّبُّ أقوى كَانتِ العبرةُ الَّتي تؤخَذ من هذا أكثرَ.
وفي سُورةِ هُودٍ الكثيرُ مِن قصصِ الأَنْبياءِ، وذَكَرَ اللهُ في آخِرها: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠].
ويُستفاد من قِصَّة شُعيب ﵇:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: بَيان ما قابَلَ الرُّسُل من صَبرهم، وجلدهم، وتحملهم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بلاغةُ شُعيب ﵇، حتَّى كأنَّه خَطيب الأَنْبِياء، لكن لا نقدِر أن نقولَ: إنَّه خَطيب الأَنْبياءِ، فقد يكون منَ الأَنْبِياء من هو أخطبُ منه.
* * *
стр. 279
الآيات (١٩٢ - ١٩٦)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٦].
* * *
قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنَّهُ﴾ أَيِ الْقُرْآنَ ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ جِبْرِيلُ، ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ بَيِّن وَفِي قِرَاءَة بِتَشْدِيدِ "نَزَّلَ" وَنَصْب "الرُّوحَ" وَالْفَاعِل اللهُ (١)، ﴿وَإِنَّهُ﴾ ذِكْرَ الْقُرْآنِ المُنَزَّل عَلَى مُحَمَّد ﴿لَفِي زُبُرِ﴾ كُتُبِ ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾].
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، الضَّميرُ في قَوْلهِ: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعودُ إلى القُرآنِ - كما قال المُفَسِّر - وإنْ لم يَسْبِقْ له ذِكْرٌ، لكن يعيِّنه السياقُ، ومَرجِع الضَّمير - كما هو معروف - قد يكونُ مَشهورًا وقد يكون مَعلومًا، والمذكور قد يَتَقَدَّم وقد يتأخَّر، إلّا أنه من القواعدِ المقرَّرة أنه لا يعودُ الضَّميرُ على متأخِّر لَفظًا ورُتبةً، إلَّا في مَسائِل معيَّنة.
قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اللامُ للتَّوكيدِ، فيكونُ هذا الخبرُ مؤكَّدًا بأداتينِ، وهما: (إنّ) و (اللام).
стр. 280
و (تَنْزِيل) مصدر، لكنَّه بمَعْنى اسم المفعولِ، أي: لمُنَزَّل؛ لأن القُرآنَ نفسَه ليسَ تَنزيلًا، بل التنزيل فِعل الله، والقُرآنُ عِبارة عن شَيْء منزَّل، كما قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان: ١].
وقَوْلهُ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه الربوبيَّة العامَّة إشارة إلى أنه مِن مُقتضى ربوبيَّته أن يكون منزِّلًا لعبادِهِ هذا الكتابَ المفيدَ لهم.
ويشير أيضًا إلى عُمومِ شريعةِ هذا الكتابِ، كما عمّت ربوبيّة منزلِهِ، فهو أيضًا عامٌّ في التشريع.
قولُه تعالى: ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ هو جِبريلُ ﵊، وقد وُصِف بالرُّوح لأنه يَنزِل بما فيه الحياةُ، وهو الوحيُ الَّذي به حياةُ القلوبِ، ووُصِف بالأمانةِ لأن المَقامَ يَقتضيه، وأمانة جبريلَ ﵊ من عِدَّة أوجهٍ بالنِّسبة للقرآنِ:
أولًا: أمينٌ بحيثُ لا يَنزِل به إلا على مَن أُمِرَ به، وعلى هذا فيكونُ قولُ الرافضةِ - قبَّحهم الله -: إن جِبريلَ أُمر أنْ يَنزل بالقُرآنِ على عليٍّ، ولكنه خانَ فنزَل به على مُحمَّدٍ ﷺ منافيًا لوصفِ جبريلَ ﵇ بالأمانةِ.
ثانيًا: مُقتضَى الأمانةِ أنْ يَنزلَ به كما سمِعه منَ اللهِ؛ لا يزيدُ فيه ولا يَنْقُصُ، ولا يُقدِّم ولا يؤخِّر.
ثالثًا: أن ينزلَ به في الوقتِ الَّذي أُمرَ بإنزالِهِ فيه، فلا يتأخَّر إذا أوحي إليه به إلَّا بإذنِ اللهِ.
فهذه الأوصاف الثلاثةُ مِن مُقتضَى أمانةِ جِبريلَ ﵊.
وقَوْلهُ: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ خصَّ القلبَ؛ لأنه مَحَلّ الوعيِ، وفيه دليلٌ على عِنايةِ اللهِ
стр. 281
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالقُرآنِ، وعلى كمالِ حِفظ الرَّسُولِ له ﷺ ؛ لأنَّ ما نزَلَ على القلبِ يَثْبُتُ ويَرْسَخُ، بخِلافِ ما سمِعتْه الأُذُنُ، فإنّ الأذنَ قد تُوصِل إلى القلبِ وقد لا تُوصِل، فقد يكون قلبُه غافلًا، ولكن هنا كَان على القلبِ.
وقَوْلهُ: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ اللامُ هنا للتعليلِ وللعاقبةِ معًا، فهما متلازِمانِ، فإذا قلنا: للتعليلِ، صار مكلَّفًا بذلكَ، وإذا كَانتْ في العاقبةِ كَانتْ عاقبتُه أن يكونَ مُنْذِرًا، وإنْ لم يكنْ هناك تَكليف، ولكن الصَّحِيح أنها شاملةٌ للأمرينِ.
وقَوْلهُ: ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ أي: الرُّسُل، كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥].
وقَوْلهُ: ﴿بِلِسَانٍ﴾ بلغةٍ، وأطلقَ اللِّسان على اللُّغةِ؛ لأنَّه مَحَلّ الكَلامِ الَّذي هو عنوانُ اللُّغةِ.
وقَوْلهُ: ﴿عَرَبِيٍّ﴾ نِسبةً إلى العربِ؛ وذلك لأنَّ النَّبيّ ﷺ كَان عربيًّا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].
وفي هذا إشارةٌ إلى أنه يَنْبَغي أن تكونَ اللُّغةُ العربيّة لغةَ جميعِ الخلقِ؛ لأن الشرْعَ الَّذي نزلَ بها شرعُ جميعِ الخلقِ، فكَان يَنْبَغي أن تكونَ اللُّغةُ العربيّة لغةَ جميعِ الخلقِ، خلافًا لمن يريدونَ أن يُذِيبُوها في عَصْرِنا الحاضرِ، بأن يطالِبوا بجعلِ اللُّغَة العامِّيَّة مكَانَ اللُّغةِ العربيّةِ في المكاتَباتِ والمراسَلات وغيرهما!
وأقبحُ من ذلك مَن يحاولونَ أن يتكلَّموا باللُّغةِ الأعجميّة، كما يوجد من بعضِ النَّاسِ الَّذينَ يَفخَرون بلغةِ الإنجليزِ وغيرهم، فتجدهم يَتَشَدَّقُونَ بالكَلام بها.
стр. 282
ثمّ إنّ قَوْلَهُ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ متعلِّق بقَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ﴾.
وقَوْله: ﴿مُبِينٍ﴾ بيّن، وفي قِراءَة بالتشديد: (نزّل)، بتشديد (نزل)، ونصب (الرُّوحَ)، فالفاعلُ الله: (نَزَّلَ بِهِ الرُّوحَ الْأَمِينَ).
وفي اختلافِ القراءتينِ فائدةٌ، وهي أن الَّذي أمرهُ بالنزولِ هو اللهُ فنزلَ، فيكون جمعتَ بين فِعل جبريلَ الصادر عن أمر اللهِ، وبين الدلالةِ على أمرِ اللهِ له بذلك: (نزّلَ به).
قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنَّهُ﴾ ذِكر القُرآن المنزَّل على محُمَّد ﷺ ﴿لَفِي زُبُر﴾ كُتُب ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ كالتوراةِ والإنجيلِ]، المُفَسِّر جعلَ الضَّميرَ يعودُ على القُرآنِ، يَعْنِي: إنَّ ذكرَ القُرآنِ موْجودٌ في ﴿زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ كُتُبهم، والمُرادُ وصفُ القُرآنِ؛ لأن النَّبيّ ﵊ وصف صفات التَّوْرَاة والإِنْجِيل بصفاته وصفات الكِتاب الَّذي نزَل به.
وقَوْلهُ: ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ ظاهرُ الآيةِ الكريمة الْعُمومُ، وأن كل الكتبِ السابقةِ ذُكِرَ فيها القُرآنُ، وبشر إليه، ومنها: التوراة والإنجيل، فتكون الكاف هنا للتشبيهِ، وفي هذا دليلٌ واضحٌ على عِناية اللهِ تَعالَى بهذا القُرآنِ، وتَشريفه، وتَعظيمه، حيثُ ذُكِر في كلّ كتابٍ سَبَقَ.
وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّه لو جاءَ هذا الكتابُ لَوَجَبَ على جميعِ مَن يَعْتَنِقُونَ الكتبَ السابقةَ أنْ يُؤْمِنُوا به.
* * *
وقَوْلهُ: ﴿آيَةً﴾ بالنصبِ خَبَر ﴿يَكُنْ﴾ مقدَّمًا، و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ اسمها مؤخَّر، يَعْنِي: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ أي: عِلْمُهُ، من ﴿عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فبنو إسرائيلَ هم بنو يَعْقُوبَ بنِ إسحاقَ، الَّذينَ تفرَّعوا منه، وهذا من الآيَاتِ البيِّنة على أنه مذكورٌ في الكتبِ السابقةِ وأنَّ عُلماء بني إسرائيلَ يَعْلَمُونه؛ لأنه لو لم يكنْ مذكورًا في كُتُبهم، ما علِموه، وإنَّما يَعلَمونه لأنه مذكورٌ في كُتُبِهِم.
وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ المَرْجِعَ في مثل هذه الأمورِ إلى العُلَماءِ أهلِ العِلْم.
وقول المُفسِّر ﵀: [كعَبْدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ وأصحابِه ممَّن آمنوا؛ فإِنَّهم يُخْبِرون بذلك]، هذا ليس بلازِمٍ؛ لأن كونَهم يعلمونَ به فهم عالِمونَ سواء أَخبروا أو لم يُخْبِروا، ولذلك القُرآنُ ما قال: (أولم يَكُنْ لهم آيَةٌ أن يُخْبِر به) بل قال: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ ومجرَّد عِلْمِ هؤُلاءِ به هو آيةٌ وإنْ لم يُخْبِروا به.
ونقول: إنّ عبد الله بن سلَام ﵁ ومَن آمَنَ، هم من علماء بني إسرائيلَ، فعَلِموا وأَخبروا، وغيرُهم منَ العُلَماء الَّذينَ لم يُؤمِنوا علِموا ولكنَّهم لم يُخبِروا.
وقول المُفسّر ﵀: [وبالفوقانيَّة ورَفْع (آيةٌ)] وعليه يكون: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ خبر (تكن)، و (كان) في القراءتينِ ناقصةٌ.
قَوْلهُ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ هذا اللسانُ العربيّ، سواء بلسان العربِ أو بغيرِه: ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ ما آمنوا به، فالمَعْنى أنَّهم لم يُؤْمِنُوا سواء جاء به محُمَّدٌ ﷺ وهو من صَميم العربِ، ويَعرفونه، أو جاء من رجل أعجميٍّ؛ ذلك لأنَّهم معانِدون، والمعاند - والعياذ بالله - لو جِيءَ بكلِّ آيةٍ ما آمَنَ؛ لأنه فرقٌ بين الإِنْسانِ الَّذي يَتَحَرَّى الحقَّ، والإِنْسانِ الَّذي يُعانِد الحقَّ.
стр. 285
فالمعانِدُ المُكابِر يَصْعُب عليه أنْ يَرجِع إلى الحقّ، والمَعْنى أنه لو نزّل اللهُ هذا القُرآنَ على بعض الأَعْجَمِينَ إنْ كَان بِلُغَتِهِم؛ فإِنَّهم لن يُؤْمِنوا به؛ لأنَّهم لم يَفْهَمُوه، وهو بلغةِ العَجَمِ، وإنْ كَان باللُّغة العربيَّة ما آمنوا أيضًا؛ أنفةً من أنْ يَتَّبِعُوا رجلًا أعجميًّا.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل إدخالنا التَّكذيبَ به بقِراءَةِ الأعجميّ، ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ أَدْخَلْنا التَّكذيبَ به ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ كُفَّار مكَّة لقِراءَة النَّبيّ ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾]. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإسلاك أو السَّلْك، والمُراد بالسلك: الإدخال، و (كذلك) مفعول مُطْلَق لـ ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ يَعْنِي: مثل ذلك، وهي تأتي دائمًا في القُرآن: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ﴾، ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ﴾ وما أَشْبَهَهُما.
فيقولون: إنَّ الكافَ اسمٌ بمَعْنى (مثل)، وهي مضافةٌ إلى اسمِ الإشارةِ العائدِ على المصدرِ المفهومِ مِنَ الفعلِ.
وعليه فيكون إعراب الكاف: اسم بمَعْنى (مثل)، مفعولًا مُطْلَقًا، عاملها الفعلُ الَّذي بعدها. يَعْنِي: إن الله جَلَّ وَعَلَا أدخلَ التَّكذيبَ في قلوبِ المجرمينَ، والمُرادُ بالمجرمينَ ما هو أعمُّ من كفارِ مكَّة، خِلافًا لمِا قالَ المُفَسِّر، فالمجرمُ كافرٌ، سواء كَان من أهلِ مكَّة أو من غيرها.
ولمَّا دخلَ التَّكذيبُ في قُلُوبهم والإستكبارُ: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إلى آخره.
وليس في هذه الآيةِ حُجَّة لأهل الكُفْر والمَعْصِيَة، الَّذينَ قالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]؛ لأنَّ الله بيّن في آيةٍ أُخْرَى أنّ سببَ كُفرهم وشِرْكِهم هو أنّهم كَانوا لا يريدون الحقّ، فلمَّا زَاغُوا أزاغَ اللهُ قلوبَهم، ولو كَانوا يُريدونَ الحقَّ لَشَرَحَ الله صدورَهم له، لكنّهم عِنْدَهُم - والعياذُ باللهِ -