سُورة الشُّعَراء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا محُمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد:
قال المُفَسِّر (١) ﵀: [سُورَة الشُّعَرَاء [مَكِّيَّة إلَّا آيَة ١٩٧ و ٢٢٤ إلَى آخِر السُّورَة فَمَدَنِيَّة وَآيَاتهَا ٢٢٧ آيَة نَزَلَتْ بَعْد الْوَاقِعَة].
الشُّعَرَاء: جمع شاعرٍ، وسُمِّيَتْ به لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي آخِرِها، والتَّسميةُ للسُّوَرِ منها شيْءٌ تَوْقِيفِيٌّ منَ النبيّ ﷺ ومنها شيْء اجتهادِيٌّ، فالنبيُّ ﵊ أحيانًا يذكرُ السُّورَةَ بعينها، مثلما قَالَ: "اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ؛ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ" (٢)، وأحيانًا لا يَذْكُرُهَا ولا يُبَيِّنُ اسْمها، ولكن يَجْتَهِدُ الصَّحابةُ فِي تَسْمِيَتِها.
وتَسميةُ السُّور أيضًا قد تكون واحدة، بمَعْنى: أن تُسَمَّى السورةُ باسْمٍ واحدٍ، وقد يكونُ للسورةِ عِدَّةُ أسماء.
ومن السُّور ذوات الأسماء العدة سُورَةُ الإسراء، فهي تُسَمَّى أيضًا سُورةَ بني إِسْرَائِيلَ، لكنَّ بعض القَوْمِيِّينَ أنكروا ذلك، وحجتُّهم في هذا الإنكار: أنَّه
стр. 4
لا يمكنُ أن تكونَ سُورَةٌ باسْم بني إِسْرَائِيل، يعني سُورة اليَهود، فأنكروا هَذَا الشَّيْء.
وقلنا: إن القومِيِّين أثبتوا أن اليَهودَ قتَلُوا عيسى بنَ مَرْيَمَ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النِّساء: ١٥٧].
يقول المُفسِّرُ ﵀: [مَكِّيَّة]، والمكيُّ هُوَ الَّذِي نزلَ قبلَ الهجرةِ عَلَى القولِ الصَّحيحِ، يعني: فالمُعْتَبَر الزمنُ لا المكانُ.
قوله ﵀: [إلا ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إِلَى آخِرِها]، وهي أربع آيات: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧] , وهذا الإستثناء لَيْسَ بمقبولٍ إلَّا إذا دلّ الدَّليلُ عليه، والدَّليل عليه تارَةً يكون بالنقلِ، وتارَةً يكون بالمَعْنى، والمَعْنى قد يكون واضحًا وقد يُنازَع فيه.
فهنا المُفسِّرُ استثنى هَذِهِ الآيَاتِ الأربعَ بقرينةِ السياقِ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] , قيل: لَمّا نزلت ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، تأثر لها حَسَّان ﵁ فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] (١)، والإنْتِصار بعد الظُّلم كَانَ فِي المدينةِ وليسَ بمكَّةَ، ومِن ثمَّ قالوا: إن هَذِهِ الآيَات مَدَنِيَّة.
стр. 5
قال المُفسِّر ﵀: [وهي مائتانِ وسبعٌ وعشرونَ آيةً]، وتقسيم الآيَات أيضًا توقيفيٌّ، حَتَّى النبي ﵊ لَيْسَ له شأنٌ فِي تقسيمِ الآيَاتِ، فتنزل الآيَات من عند الله مُقَسَّمةً، وأيضاً الرسول ﵊ يأمر بوضعها فِي مكانها من السورة، فهي توقيفيَّة أيضًا فِي الترتيبِ.
قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ والبَسْملَة متعلِّقة بفعل محذوف متأخِّر مناسِب لما يُسَمَّى عليه، فمثلًا: عِندَما تريد أن تقرأ تقول: بسم الله الرَّحْمن الرحيم، فالتَّقدير: "بسْم الله الرَّحْمن الرحيم أقرأُ".
وقُدِّر فعلًا لِأَنَّهُ الأَصْل فِي العمل.
وقدِّر متأخرًا لإِفادة الحصر والتبركِ بتقديم اسْم الله.
وقُدِّر مناسبًا لِأَنَّهُ أخفُّ، وإلا فيجوزُ أن تقدِّر: باسْم الله أبتدئُ، ولكنّه إذا قُدِّر خاصًّا فهو أخصُّ وأدلُّ عَلَى المقصود.
* * *
стр. 6
الآية (١)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿طسم﴾ [الشعراء: ١].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿طسم﴾ اللهُ أعلمُ بمُراده بذلك]، ويَحتمِل قوله: [بمرادِهِ بذلكَ] أَنَّهُ يَقصد أن لهذه الكلمةِ أو لهذه الحروف معانيَ واللهُ أعلمُ بها، ويَحتمِل أن مراده (الله أعلم بذلك) أي: بالغَرَضِ الَّذِي من أجلِهِ أتَى بهذه الحروف الهِجائيَّة، وبين المعنيينِ فرقٌ، يعني: عَلَى التَّقديرِ الأوَّل تكون هَذِهِ الكَلِمَةُ لها معنًى لكن لَيْسَ معروفًا، وعلى التَّقديرِ الثَّاني يكونُ لا معنَى لها، ولكن الحِكمة فِي الإتيان غير معروفة.
أمَّا احتمال أن يكون لها معنًى فهذا بعيدٌ، ووجهُ البُعْدِ أنَّ القُرآن أتَى بلِسانٍ عربيٍّ، وأن هَذِهِ الحروف الهجائيَّة لمجرَّد كونها حروفًا لَيْسَ لها معنًى، واللهُ لا يُنْزِل لنا حروفًا هجائيَّةً ويَقصِد بِهَا المَعْنى؛ لِأَنَّ هَذَا خِلاف أن يكون القُرآن بيانًا وخُروجًا عن مُقْتَضَى اللُّغة العربيَّة.
وأمَّا الإحتمال الثَّاني فَهُوَ أن يُقالَ: اللهُ أعلمُ بما أرادَ؛ بالغرضِ الَّذِي من أجلِهِ أتى بهذه الحروف الهجائيَّة؛ فهذا حقٌّ؛ فإذا قال الْإِنْسَانُ: أنا لا أعلم واللهُ أعلمُ فهذا حقٌّ، ولكن بعض أهل العلم أَبْدَى مناسبةً، وقال: إن منَ المناسباتِ أن القُرآنَ الكريمَ المعجِزَ للناسِ أجمعينَ أَنَّهُ لن يأتيَ بأمرٍ غريبٍ، وإنَّما أتَى بكلماتٍ من
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ١].
﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [القَصَص: ١ - ٢].
﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ١ - ٣].
﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان: ١ - ٢].
﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١ - ٢].
وسِيروا عَلَى هَذا.
بَقِيَ أَنَّهُ يجب أن يُرَدَّ بأنَّ الآيَاتِ: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]، و ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ١ - ٣]، و ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: ١ - ٢]، لَيْسَ فيها ذِكْرٌ للقرآنِ؟
فيُقال: فيها ذِكْر للقرآن: فـ ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ هَذَا وَحْيٌ، و ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فإنَّ قصصَ وأخبار الأوَّلِين إنَّما كانتْ بالوحيِ، و ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ إخبارٌ أيضًا عن أمرٍ مُسْتَقْبَلٍ من أمور الغيبِ لا يُعْلَم إلا بالوحيِ.
ثم لو فُرضَ أن هَذَا لَيْسَ بواضحٍ؛ فإن النادرَ لا حُكْمَ له، وهذا المَعْنى - الذي أَشرنا إليه - ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأيّده شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ (١).
стр. 9
الآية (٢)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿تِلْكَ﴾ أي: هَذِهِ الآيَات ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾] وتعبيرُ القُرآن: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ وهناك فرق بين التعبير القُرآنيّ وتعبير المفسِّر؛ الفرقُ بينهما أن التعبيرَ القُرآنيَّ أتَى بالإشارةِ للبَعيد، والمُفسِّر أتى بالإشارة للقريبِ.
ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: هَذِهِ الآيَات ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾]، أيضًا لِيُبَيِّن أن آيات الكِتاب هِيَ الخبرُ.
والصَّوابُ أن نقولَ: لو قال المُفسِّر: (تلك الآيَاتُ آيات) لكَانَ أحسنَ؛ لِأَنَّ كونه يعدِل عن الإشارةِ بالبعيدِ إِلَى الإشارةِ بالقريبِ، معَ أن الله تعالى أثبتَ الإشارةَ للبعيدِ، فهذا لَيْسَ تفسيرًا، والصَّواب بلا شكّ: القُرآن هُوَ الصَّوابُ، والإشارة بالبعيدِ هنا مع قُربِ القُرآنِ الكريمِ وكَوْنه بينَ أيدينا إشارةٌ إِلَى عُلُوّ مَرْتَبَتِه، فهو للتَّعْظيمِ، وإذا صِرنا عَلَى ما قال المُفسِّر فاتنا هَذَا المَعْنى الَّذِي أُرِيدَ بالإشارة للبَعيد.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ هو القُرآن، والإضافة بمَعْنى (مِن)]، يعني: آيات من الكِتابِ.
وقوله: ﴿الْكِتَابِ﴾ بمَعْنى: المكتوب، كاللِّبَاسِ بمعنَى: المَلْبُوس، والغِرَاس:
стр. 10
بمَعْنى المَغْرُوس، والبِنَاء بمَعْنى: المَبْنِيّ، والفِرَاش: بمَعْنى المَفْرُوش. وسُمِّيَ كِتابًا لأَنَّهُ كُتِبَ فِي اللَّوْح المَحْفُوظ، وكُتِب بالصُّحُف الَّتِي بأيدي الملائكة، وكُتِبَ فِي الأرض بين النَّاس، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦].
وقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الآيَات جمع آيةٍ، وهي فِي اللُّغة: العَلامَة، والمُراد بِهَا هنا العَلامَةُ الدالَّةُ عَلَى منزِّل هَذَا القُرآنِ، وَهُوَ الله .
إذن كلُّ آيةٍ منْ هَذِهِ الآيَاتِ فيها إعجازٌ؛ لِأَنَّهُ لو لم يكنْ فيها إعجازٌ لم تكنْ آيةً؛ لِأَنَّ الآيةَ العَلامَةُ الفارقةُ، ولا يكون القُرآن عَلامَةً فارقةً بينه وبين كَلامِ الآدميِّين إلا إذا كَانَ مُعْجِزًا.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الْمُبِينِ﴾ المُظْهِر الحَقّ من الباطِل]، وأحيانًا يفسِّرون المُبِينَ بالبَيِّن، قال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، يعني: البيِّن الواضِح؛ وذلك لِأَنَّ أبَانَ تُستعمل قاصرةً ومُتَعَدِّيَةً، يعني: فتستعمل قاصرةً: بَانَ الشَّيْءُ وأبانَ الشَّيْءُ، وتُسْتَعْمَل مُتَعَدِّيَةً، فيُقال: أبنتُ الحقَّ، يعني: أظهرته، فالمبين إذا فُسِّرَتْ بالبَيِّن فمعناه أن السِّياق لا يَقتضي سوى ذلك، فتكون منَ اللازم، فإذا كَانَ المعنَى يَحتمِل أن تكونَ من المتعدِّي - يعني: بمَعْنى مُظْهِر - وجبَ أنْ تُفَسَّرَ به؛ لِأَنَّ تفسيرها بالمُظْهِر يَشْمَل أو يَتَضَمَّن تَفسيرها بالبَيِّن؛ إذِ المُبِين معناه: بيِّنٌ بنفسِهِ، مُبِينٌ لِغَيْرِهِ، خلاف البيِّن بنفسه فقد لا يُبين غيرَه.
إذن كلَّما جاءتْ (مُبين) فِي القُرآنِ إنْ أمكنَ أنْ تُفَسَّرَ بالإبانةِ، الَّتِي هِيَ الإظهارُ وَجَبَ؛ لِأَنَّ ذلكَ أشملُ، وإذا لم يمكنْ فُسِّرت بالبيِّن الَّذِي هُوَ اللازمُ دونَ المتعدِّي؛ كقولِهِ: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]، فهِي بمَعْنى (بيّن)
стр. 11
منَ اللازمِ، ويمكن عَلَى بُعدٍ أن تكونَ بمَعْنى (المُبِين)، يعني: المُظهر لِضَلَالهِم، ولكن المعْنَى الأوَّل أَبينُ.
على كلِّ حالٍ نقول: ﴿الْمُبِينِ﴾ هنا بمَعْنى: المظهِر للحقِّ، ولا يكون مُظهرًا للحقِّ إلَّا وَهُوَ بيّن بنفسه.
وترك المفعول فِي قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ لإِفادة الْعُموم والشُّمولِ، فهو مُبينٌ لكلِّ شيْءٍ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وهذا يدلُّ عَلَى أنَّ القُرآن شاملٌ لكلِّ شيْءٍ، وأمّا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فليسَ المُراد بِهِ القُرآن، وإنْ كَانَ كثيرٌ منَ النَّاس تَسمعهم يَستدِلّون بهذه الآيةِ عَلَى أن القُرآن شاملٌ لكلِّ شيْءٍ، ولكن المُراد ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾: اللوح المحفوظ.
و﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أبلغ، فهو مذكور فيه بيانُ كلِّ شيْءٍ، فالقُرآن تِبيان لكل شيْءٍ، ولا يَخفَى عَلَى أحدٍ تبيان القُرآنِ إلا لعلَّةٍ فيه ليستْ فِي القُرآن، لعلة فِي نفس الَّذِي خفِيَ عليه؛ لأنّا نَجزِم بصِدْقِ هَذِهِ القضيّة ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وما خفي عَلَى أحدٍ منَ النَّاسِ ما خفِيَ من الأحكامِ، إلا لِقُصُورٍ فِي فَهمهم، أو فِي عِلمهم، أو فِي إرادتهم، فهو إمّا قاصرٌ فِي الفهم لا يفهم، وهذا لا يَتَبَيَّن له الشَّيْء، وإما قاصِر فِي العلم لَيْسَ لديه معلوماتٌ، وإما قاصر فِي قصده، أي نِيَّته.
ولهذا قال شيخ الإسلامِ: "مَن تَدَبَّرَ القُرآنَ طالبًا الهُدَى منه تَبَيَّنَ له طريقُ الحقِّ". ذَكَرَه فِي (العقيدة الواسطية) (١)، حينما تكلَّم عن الآيَاتِ القُرآنيَّة الدالَّة عَلَى
стр. 12
الصِّفات، وهي كلمة لها معناها.
إذن فقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أي: المُبين لكلِّ شيْءٍ، وخَفاء بعضِ الأمورِ عَلَى النَّاس منَ القُرآن لَيْسَ من قصورِ القُرآنِ، ولكن من قصورهم؛ إما لقصور فِي الفهم، أو العلم، أو القصد.
قد يقول قائل: إننا لا نجد كل شيْء فِي القُرآن؟ وأوّل ما يُعترض علينا أنَّنا لا نجد كمّ عددِ الرَّكَعَات فِي الصلاةِ، فأينَ البيانُ؟
فيُرَدُّ عليه بأنَّ القُرآنَ أتَى بتِبيانِ كلِّ شيْءٍ عَلَى الْعُمومِ، والسنَّة أنزلها اللهُ عليه ﷺ لِتُبَيِّنَ للناس موضوعَه، والرسول ﷺ قد فسَّر القُرآن، ولكن عَلَى الصِّيَغ العامَّةِ والإشارات العامَّة بالقُرآن، وأمَّا التفريعات فبينها رسول الله ﷺ .
فنقول: بيان القُرآنِ نوعانِ:
أحدهما: أنْ يُبَيِّنَ الشَّيْءَ بِعَيْنِه.
والثَّاني: أن يُبَيِّنَه بِوَسِيلَتِهِ وطَريقته. يعني: يقول: الطَّريق إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا كذا.
فتَارَةً يُبَيِّن الشَّيْء بعينِه، والغالب أن ذلك فيما لا يُمْكِن إدراكُه، وتارَةً يبيِّن الشَّيْءَ بطريقته ووسيلتِهِ، يعني: يقول الطَّريقة إِلَى كَذَا هِيَ كذا، فمثلًا: بيَّنَ لنا الطَّريق إِلَى معرفةِ عددِ الصلاةِ بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وبقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، وبقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وبقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وغير ذلك.
وقد نُقلت قصةٌ عن الشيخِ مُحَمَّد عَبْدُه معَ رجلٍ نَصرانيّ اعترضَ عليه،
стр. 13
حيث قَالَ النصرانيّ: إنَّنا لا نجد فِي القُرآنِ كيف نصنعُ هَذَا الطعام؟ فدعا الشيخُ محمَّد عبده بصاحبِ المطعمِ وقال له: كيف صنعتَ هَذَا الطعامَ؟ فقال صاحبُ المطعم: فعلت كَذَا وكذا. فقال الشيخ محمد عبده: هكذا علَّمَنا القُرآن. فقال النصرانيُّ: كيف عَلَّمَكُم القُرآن؟ قَالَ: لِأَنَّةُ قَالَ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
فالتِّبيان فِي القُرآنِ تارَةً يُبيِّن الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ، وتارَةً يُبين وسيلتَه الَّتِي تُظْهِرُه وتُبَيِّنه.
ومن فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
بيانُ عُلُوّ شأنِ القُرآنِ؛ للإشارةِ بقوله: ﴿تِلْكَ﴾، وأنه آياتٌ، والآيةُ هِيَ العَلامَةُ الخاصَّة أو المُعْجِزَة مثلًا؛ لِأَنَّ عَلامَة الشَّيْء معناها: ما يَخْتَصّ به، ولو كَانَ هَذَا الشَّيْءُ لا يختصُّ باللهِ ما صارَ آيةً له، فالآية هِيَ العَلامَةُ الخاصَّةُ الَّتِي لا تكونُ لغيرِ مَن كانتْ له، فالشَّمْسُ والقمرُ لا يمكِن لأحدٍ أنْ يأتيَ بِمِثْلِهِمَا، والقُرآن لا يمكن لأحدٍ أنْ يأتيَ بمثلِه.
فالعَلامَة الخاصَّة لمن كانتْ له، بحيثُ لا يستطيعُ أحدٌ أن يأتيَ بمثلِه، سواء كانت كونيَّة أو شرعيَّة، وفي هَذِهِ الآيةِ أن جميعَ آياتِ القُرآنِ معجِزات، ولو كانتْ آيةً واحدةً فإنها مُعْجِزةٌ، وقد تكون معجزةً بذاتها وقد تكون معجزةً بسياقِها؛ لِأَنَّ مثلًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١]، قد لا يستطيع أحدٌ أن يقولَ: إنها معجزةٌ, وإن كل إِنْسان ممكِن أن يأتيَ بكلمة (ثُمَّ نَظَرَ)، لكنها مُعجزةٌ فِي سياقها وفي مَوْضِعها، فالآيَات حَقيقةً قلنا: إنها حروفٌ، ومن كلماتِ النَّاسِ، وهذه الحروفُ ليستْ معجزةً؛ لأنها من كَلامهم ويستطيعونها، لكن مكانها وسياقها وما تدلُّ عليه هَذَا هُوَ المعجز.
стр. 14
ومنَ المذاهب الباطلةِ: (مَذْهَب أهل الصرفة) وَهُوَ مذهب لَيْسَ بصحيحٍ؛ ومعناه أن باستطاعةِ الْإِنْسَان أن يفعلَ لولا المانعُ، يقولون: إن النَّاس مَصْرُوفون عن معارضةِ القُرآنِ، لا عاجزون، وفَرْق بين مَن يكون باستطاعته أن يفعلَ لولا المانعُ، ومن يقول: لَيْسَ باستطاعته أن يفعله، فالأخير أبلغ. ولهذا (مذهب أهل الصرفة) يقولُ العلماء: مذهبٌ باطلٌ، وإنه لَيْسَ باستطاعةِ أحدٍ أن يفعلَ أبدًا.
فَإِنْ قِيلَ: يأتي بكَلامٍ رَكيكٍ.
قلنا: بل أتى بكَلامٍ يَضْحَك منه النَّاسُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَلام بعضِ البشرِ، هل يُنقَل فِي القُرآنِ عَلَى حقيقتهِ أم حكايةً؟
فالجَواب: لَيْسَ هُوَ لفظه الحقيقيّ، ولهذا مثلًا: كَلام مُوسَى باللُّغة العِبْرِيَّة، وكَلام فِرْعَوْن باللُّغة القِبْطِيَّة، وما أشبهَ ذلك، ثم إن الكَلِمات أيضًا تختلف، يعني: نفس الآيَات تُنْقَل مرةً كَذَا ومرةً كذا، فالله يعبّر، ويكون السياق هُوَ الَّذِي يقتضي هَذَا التعبيرَ دون ذاك.
* * *
стр. 15
الآية (٣)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَعَلَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قاتِلُها غَمًّا من أجلِ ﴿أَلَّا يَكُونُوا﴾ أي: أهل مكة ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ (ولعلَّ) هنا للإشفاقِ، أي: أَشْفِقْ عليها بتخفيفِ هَذَا الغَمِّ].
(لعل) للإشفاق، وتكون للتعليلِ وتكون للتَّرجِّي. فإذا تعلقتْ بمكروهٍ فهي للإشفاقِ، وإذا تعلَّقت بمحبوبٍ تكونُ للترجِّي، وإذا تعلقتْ بعلَّةٍ مِنَ العِلَلِ فهي للتعليلِ، وهي هنا للإشفاقِ، مثل أن تقول: (لعلَّ الحبيبَ هالِكٌ) فلا يمكن أن يكون قَصْدُك ترجِّيَ أنْ يَهْلَكَ حَبِيبُك، لكنَّك تُشفِق.
والله تعالى أشفقَ عَلَى نبيِّه ﷺ من أن يُهلِك نفسَه - يَقْتُلها منَ الغمِّ - بسببِ عدمِ إيمانهم، والرسول ﵊ يعاني من عدمِ إيمانهم، ومنَ المشقَّة الشديدةِ، ويحزن، ويضيق صدرُه ولكن الله تعالى يُسَلِّيهِ بمثل هَذِهِ الآية: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]، وهنا يقول: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ مهلكها ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ففي هَذَا دَليل عَلَى أن الْإِنْسَان الداعيَة لا يَنبغي أنْ يُهْلِكَ نفسَه فِي الهَمِّ والغَمِّ لعدم قَبُولِ النَّاسِ للحقِّ؛ لأَنَّهُ إذا أتَى بما يَجِبُ عليه انشرحَ صدرُه، وكفى. فأنت أتيت بما يجب عليك من الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ، ثم إنِ
стр. 16
امتثلَ النَّاس فهو نِعمةٌ عَلَى الجميعِ، وإنْ لم يَمتثِلوا فلا تَغْتَمَّ؛ لأنك إذا اغتممتَ اشتغلتَ بغيرِكَ عن نفسِكَ، وصار هَمُّكَ وَلاء النَّاس، وهذا يُفسِد عليك أنت عباداتِكَ الخاصَّةَ، فاشتغِلْ بنفسِكَ، وغيرك أدِّ ما أوجبَ اللهُ عليك لهم، ثم إنِ اهتدوا، وإلَّا لستَ عليهم بِمُسَيْطِر. وبهذا يَستريح الْإِنْسَان راحةً عظيمةً ويكون مُقْبِلًا عَلَى عبادتِهِ، مُحْسِنًا لها.
فإن قالَ قائلٌ: بعض النَّاس الَّذين لا يَدْعون النَّاس لهم حُجَّةٌ فِي ذلك، ويقولون حديثًا عن الرسول ﷺ : "إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدعِ العَوَامَّ" (١).
فالجَواب: قال "عَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ" فمِن خاصَّةِ نفسِكَ أن تأمرَ بالمعروفِ وتَنهَى عنِ المنكَر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. فلا تَدَعْ نفسَكَ فِي ملاحقةِ النَّاسِ والإشتغال بهم عن دِينك.
ويُستفاد من الآية الكريمة: تَسلِيَة الرسول ﷺ لعدم إيمان قومه.
* * *
стр. 17
الآية (٤)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ﴾ بمَعْنى المضارعِ، أي: تَظَلّ، أي: تَدُوم ﴿أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ فيؤمنون].
قوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾ جملة شَرطيَّة، فِعل الشَّرط: (نَشَأْ) وجَوابه: (نُنَزِّلْ)، وفي الإتيانِ بهذه الصيغةِ: ﴿نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾ من تعظيمِ اللهِ لِنَفْسِهِ ما لا يَخْفَى؛ لِأَنَّهُ جعلَ الأمرَ هنا يَسيرًا عليه إذا شاءه، وأنه بإرادته لم يفعلْ، ثم الإتيان بنونِ العظمةِ هُوَ تَعظيمٌ آخرُ أيضًا، فالله تعالى ما قَالَ: إذا شِئنا نَزَّلْنَا، قَالَ: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾.
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ﴾ أي: عَلامَة، وهذه العَلامَة لا شكَّ أَنَّهُ لا يمكنُ لأحدٍ أنْ يأتيَ بمثلها - كما أشرنا إليه قريبًا - ثم إنها عَلامَة أيضًا ليستْ عَلَى قُدرة مَن هِيَ له، أو عَلَى انفرادِهِ بالخلقِ، ولكنها آيةٌ أيضًا عَلَى أَنَّهُم لم يُؤمِنوا، وعلى تهديدهم بالوعيدِ، ولهذا قَالَ: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ فلا تستطيع أن تمثّل هَذِهِ الآية لِأَنَّ الله نكّرها، فهي آيةٌ ليستْ معلومةً لنا؛ لِأَنَّ الله لم يُنْزِلْها، لكنها آيةٌ تُخْضِعُهم، ولهذا قَالَ: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.
стр. 18
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هل المُراد بِهَا السَّقْف أم المُراد بِهَا العُلُوّ؟ مُحْتَمَلٌ هَذَا وهذا، يَحتمِل أَنَّهَا بمَعْنى العلوِّ، ويَحتمِل أن المُرادَ بِها السَّقف الَّذِي هُوَ عَلَى الأرضِ. وأيًّا كَانَ فإن إتيانَ الشَّيْءِ من فوق أبلغُ فِي التهديدِ؛ لِأَنَّ مَن فوقَكَ فقد علاكَ، ومَن علاك فلا طاقةَ لك به، بخِلاف مَن كَانَ بحذائِكَ فقد تفرّ وقد تناضِل، ولكن المشكِل إذا جاء الأمر من فوق.
وقوله: ﴿فَظَلَّتْ﴾ يقول المُفسِّر ﵀: (بمَعْنى المضارع، أي: تَظَلّ)، وإنَّما قال المُفسِّر: (بمَعْنى المضارع) لِأَنَّ قوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾ مضارع، فناسبَ أن يكون ﴿فَظَلَّتْ﴾ مضارعًا، لكنه عدلَ عنه لبيانِ أَنَّهُ كالأمرِ الواقعِ، مثل قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، مع أَنَّهُ سيأتي، فالمَعْنى: فإذا نزلتْ بهم ظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ.
وقوله: ﴿أَعْنَاقُهُمْ لَهَا﴾ أي: لهذه الآية، فيَحتمِل أن تكونَ اللامُ هنا للتعدِّيَةِ، أي: خاضعينَ لها، أو للتعريف، أي: من أجلها. وقوله: ﴿خَاضِعِينَ﴾: أي ذَلِيلِينَ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ولَمّا وُصِفَتِ الأعناقُ بالخضوعِ الَّذِي هُوَ لأربابها، جُمعتِ الصِّفَةُ منه جمعَ العُقَلَاء]، المُراد بـ (الصِّفَة منه) هنا الخبر ﴿خَاضِعِينَ﴾، والخبر صفة فِي المَعْنى، وإن كَانَ فِي الإعرابِ لا يُسَمَّى صفةً، لكنَّه فِي المَعْنى صفةٌ. وهنا ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾ المعروف الكثير فِي اللُّغة العربيَّة أن تكون (خاضعة): (أعناقهم لها خاضعة)، مثل: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القلم: ٤٣]، لكنَّه لما كَانَ الخُضُوع من أوصافِ العُقَلاء لا من أوصافِ غيرِ العاقلِ جُمع جَمعَ عاقلٍ؛ لِأَنَّ جمع المذكر السالم يَختَصّ بالعقلاء، فجمعت جمع العاقلِ لهذا السَّبَبِ.
ولا يُمْكِن أن نقولَ: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا﴾ (لَهَا) هِيَ الخبر، وتكون (خَاضِعِينَ)
стр. 19
حالًا من الضَّميرِ المُسْتَتِر فِي الخبر، نقول: هَذَا بعيد، لِأَنَّهُ لا مَعْنى لـ ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا﴾، فإذا قال إِنْسان: ربما يكون التَّقديرُ: ناظرةً لها؛ أي: ظلتْ أعناقهم ناظرةً لها، فرَدُّ هَذَا بأنْ يُقالَ: إن المتعلّق إذا كَانَ خاصًّا فَإِنَّهُ لا يُحذَف، وإنَّما يُحذَف إذا كَانَ عامًّا، يعني: تقديره كائن أو مستقِرّ، هَذَا الَّذِي يُحذَف، أمّا إذا كَانَ خاصًّا كراكبٍ وجالسٍ، وما أشبهَ ذلك؛ فَإِنَّهُ لا يُحذَف.
فَوَائِدُ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: إِثْباتُ المشيئةِ للهِ ؛ لقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثْباتُ القُدْرَة؛ لِقوله: ﴿نُنَزِّلْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التهديد لهَؤُلَاءِ المكذَّبين؛ لقوله: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فيها دليلٌ عَلَى أن الأسْبابَ مؤثِّرة؛ لأَنَّهُ إذا نزلتِ الآيةُ خَضَعوا، وهذا دليلٌ عَلَى ثُبُوت الأسْباب، وأنها مؤثِّرةٌ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فيها دَليل عَلَى إِثْبات الحكمةِ؛ لِأَنَّ الله لم ينزلْ هَذِهِ الآيةَ؛ لِأَنَّهُ لو أَنزَلَها لكانَ الإيمان اضطراريًّا، والإيمانُ الإضطراريُّ لا مَدْحَ فيه ولا ثناء، بل لا يَنفَع صاحبَه، فلهذا إذا آمنَ الْإِنْسَان عند ملاقاةِ الموتِ ما نَفَعَهُ، وبعد طلوعِ الشَّمْسِ من مَغْرِبها ما نَفَعَه، نعم، لا ينفع إلا إذا كَانَ الإيمانُ اختياريًّا، ولمّا نَتَقَ اللهُ الجبلَ فوق بني إِسْرَائِيل آمنوا، ولكن هَذَا الإيمان لا شك أَنَّهُ ضعيفٌ؛ لِأَنَّهُ إيمان اضطراريٌّ، فمِن حِكمة الله أَنَّهُ لم يُنَزِّل هَذِهِ الآية ليكونَ الإيمانُ عنِ اختيارٍ، لا عن اضطرارٍ.
стр. 20
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هل تَدُلُّ الآيةُ عَلَى أنَّ الله فِي السَّمَاءِ؟
فالجَواب: لا، فنزول الآيةِ منَ السَّمَاءِ لا يُستدَلّ بِهِ عَلَى أن الله فوقُ.
وإن قيل: هل يدل تنكيرُ الآيةِ عَلَى عَظَمَتِها؟
قلنا: نعم، يدلُّ عَلَى عظمةِ مَن هِيَ له، وعلى تعظيمِ الآيةِ نفسِها، ولهذا تظلُّ أعناقهم لها خاضعينَ.
* * *
стр. 21
الآية (٥)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥].
* * *
يقول المُفسِّر ﵀: [﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ قرآنٍ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ صِفَة كاشِفَة ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾]، (ما): نافية؛ بدليل قوله: ﴿إِلَّا كَانُوا﴾، وهذا الإستثناء مفرّق من عُمومِ الأحوالِ، يعني: لا يكونُ لهم من أيِّ حالةٍ منَ الأحوالِ سِوَى الإِعْراضِ.
وقوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾، (مِنْ) زائدةٌ إعرابًا للتَّوكيدِ، والتَّقدير: ذِكرٌ، وقوله ﵎: ﴿مِنْ ذِكْرٍ﴾ قال المُفسِّر: (قرآن)، وسُمِّيَ القُرآنُ ذِكرًا لِأَنَّ بِهِ التذكُّرَ والتَّذكير أيضًا، فهو تذكيرٌ منَ اللهِ وتذكُّر من سامِعِهِ، ولهذا سُمِّي ذِكرًا، ووُصِف القُرآنُ مرَّةً ثانيةً بأنه ذو الذِّكْر، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]، والقُرآن للذكرِ؛ فمرةً جعله ذِكرًا، ومرةً جعله ذا ذَكرٍ، ولا فرقَ بينهما فِي الواقع؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ بِنَفْسِهِ وتذكيرٌ، ولأنه ذو ذِكرٍ، أي: ذو تذكُّر، فمَن قرأهُ وحفِظه وتدبَّره تذكّر به، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: ألا يكون كذلك القُرآنُ مُشْتَمِلًا عَلَى الذِّكر؟ أي فيه آياتٌ فيها أذكارٌ.
стр. 22
فالإجابة: لا، فحتى الأذكارُ المقصودُ بِهَا تذكيرُ النَّاسِ. فالمقصود بكونه ذِكرًا أَنَّهُ مُذكِّر، ويتذكر بِهِ مَن تَذَكَّرَ.
قال تعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾، وفي آية أخرى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأَنْبياء: ٢]، فذِكْر الرَّحْمن هنا إشارة إِلَى أن نزولَ هَذَا القُرآنِ وإتيانه من مقتضى رحمةِ اللهِ، وأن الله تعالى رَحِمَ العبادَ بهذا القُرآنِ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [لأَنْبياء: ١٠٧]، أي ﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ مِنَّا ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾، وليس المَعْنى - كما يَفهم كثيرٌ منَ العوامّ - ﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ يعني: أنك أنت الرحمة، لا، يعني: وما أرسلناك إلا لِنَرْحَمَ العِبَادَ، هَذَا هُوَ المَعْنى، وليس هُوَ نفسه رحمةً كما يقول أهل الغُلُوِّ فِي النبي ﷺ والجاهلون أيضًا.
يقول المُفسِّر ﵀: [صفة كاشفة]، والصِّفَة الكاشفةُ هِيَ الَّتِي تُبَيِّن الواقِعَ، ولا تُقَيِّد الموصولَ؛ لِأَنَّ الصِّفات منها صفةٌ مقيِّدة تُخرِج ما سواه، ومنها صفة كاشفة تبيِّن حقيقةَ أمرِهِ.
فهنا يقول المُفسِّر: إن كلمة (مُحْدَث) صفة كاشفة؛ فكلمة: (مَا يَأْتِيهِمْ) تدل عَلَى (مُحْدَثٍ)، فلا مفهوم لها؛ لِأَنَّهُ إذا كَانَ يأتيهم وجبَ أن يكونَ محدَثًا؛ لِأَنَّ بإتيانِهِ إيَّاه صار مُحْدَثًا، ووجه ذلك ظاهرٌ أَنَّهَا صفةٌ كاشفة؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ غيرَ مُحْدَثٍ ما صحَّ أن يقول: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾، إذ هُوَ آتٍ من الأَصْل.
وقوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾ وظاهرُ الآيةِ الكريمةِ أن المحدَثَ هُوَ الذِّكر نفسُه، فيكون فِي الآيةِ دَلالة عَلَى أنَّ الله تعالى يَتَكَلَّم بالقُرآنِ حينَ إنزالِهِ، وأنه لَيْسَ - كما رُوي عنِ ابنِ عبَّاس - أَنَّهُ نزل إِلَى بيتِ العِزَّة منَ اللَّوْح المحفوظ (١)، وإنَّما يَتكلَّمُ
стр. 23
الله ﵎ بِهِ حينَ إنزالِه.
وقيل: ﴿مُحْدَثٍ﴾ إنزالُه، ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ إنزالُه، فلا تكون الصِّفَة هنا حقيقيةً، وإنَّما هِيَ صفةٌ سببيَّة؛ لِأَنَّ الموصوفَ فيها حقيقةً لَيْسَ الذِّكر، بل هُوَ الإنزالُ، هَذَا إذا قلنا: ﴿مُحْدَثٍ﴾ إنزالُه، كما إذا قلتَ: مَرَرْتُ برجلٍ قائمٌ أبوه، فـ (قائم) هَذِهِ الصِّفَة من حيثُ الإعرابُ لـ (رجل)، لكن من حيثُ المَعْنى صفةٌ لـ (أبوه)، وهذا الوصف عَلَى هَذَا الوجه يُسمّى بالنَّعْت السَّبَبِيّ.
فعلى هَذَا عَلَى القول بأن المُراد: ﴿مُحْدَثٍ﴾ إنزالُه يكون النَّعْت هنا سَبَبيًّا لا حقيقيًّا، ولكن إذا دار الأمرُ بين أن يكون النَّعْتُ صفةً حقيقيَّة أو صفة سببيَّة؛ فالواجب أن يكون صفة حقيقيةً؛ لِأَنَّ الصِّفَة السَّبَبيَّة تحتاج إِلَى تقديرٍ، وكلُّ ما يحتاج إِلَى تقديرٍ يَحتاج إِلَى دليلٍ، فهنا نقول: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ ظاهر اللفظ أن القُرآنَ نفسَه مُحْدَث، ثم إن ﴿مُحْدَثٍ﴾ إنزالُه لا مَعْنى لها فِي الواقعِ بعد قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾؛ لِأَنَّهُ لا يمكن أن يَأْتِيَهُمْ إلا وإنزالُه مُحْدَث؛ لِأَنَّ (أتَى) معناه (حدث). فعلى هَذَا نقول: الصَّوابُ أنّ المُرادَ بالمُحْدَث نفسُ الذِّكر، وليس إنزاله.
قالَ تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾، (عَنْهُ) جارٌّ ومجرورٌ متعلِّق بـ (مُعْرِضِينَ)، و (مُعْرِضِينَ) خبر (كان)، وفائدة تقديمه عليه هنا لفظيَّة ومعنويَّة؛ أمَّا اللفظيَّة فمراعاة الفواصلِ - فواصل الآيَات - وأمَّا المعنويَّة فلإِفادة الحَصر، كأنه يقول: ما تكون حالهم إلا الإِعْراض عنه دون غيرِه، يعني: عنه فقط وحدَهُ مُعْرِضِينَ، وهذا
стр. 24
أبلغُ فِي الذمِّ ممَّا لو قَالَ: إلا كانوا مُعرِضين عنه؛ لِأَنَّهُ يَحتمِل أن يُعْرِضوا عنه وغيره، ولكنه لما قَالَ: ﴿عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ كأنَّهم لا يَتَّصِفُون بالإِعْراض إلا عنْ هَذَا الذِّكر.
وهذا الإِعْراضُ معنويٌّ وحِسِّيٌّ، يَشمَل الأمرين؛ فهم مُعْرِضون وإنْ حَضَروا بأبدانهم، ومُعْرِضون أيضًا بأبدانهم يقومون عنه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، فهم مُعْرِضون - وَالْعِيَاذُ بِاللهِ - فِي قُلُوبِهِم وأبدانهم.
* * *
стр. 25
الآية (٦)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: ٦].
* * *
يقول المُفسِّر ﵀: [﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ به]، أي: بهذا الذكرِ، والجُملة مُحَقَّقَة بـ (قد)، والمَعْنى أَنَّهُ معَ وُضُوح كون هَذَا الذِّكر منَ الرَّحْمنِ ما انتَفَعوا به، بل كَذَّبُوا به، والتَّكذيبُ بِهِ يَعُمُّ التَّكذيبَ بِهِ رأسًا، بأنْ يقولوا: إن هَذَا القُرآنَ لَيْسَ منَ اللهِ، كما قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، أو التَّكذيب ببعض الآيَاتِ منه، كما لو كذّبوا بقصَّة أَحَد الرُّسُل، أو بقصةٍ قَصَّها الله تعالى عَن أحدٍ؛ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ، أو ما أشبه ذلك.
فهو إما أن يكون التَّكذيب بِهِ رأسًا فيُقال: أنت لا يُوحى إليك، وهذا القُرآن لَيْسَ بوحيٍ، أو التَّكذيب ببعضِ الآيَات الَّتِي جاءتْ بهذا، فكله تكذيبٌ، والتَّكذيبُ أبلغُ منَ الإِعْراضِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان قد يُعْرِض تهاونًا وتكاسلًا ولسببٍ منَ الأسْبابِ ولا يكذِّب، لكن المكذِّب أشدُّ؛ لِأَنَّ المكذِّبَ لا يُمْكِن أن يُقبِل، وكيف يُقبل عَلَى أمرٍ يَعْتَقِده كَذِبًا؟ ! ولهذا قَالَ: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ ما قَالَ: فقد أعرضوا، قَالَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ وهذا شاملٌ للإعراض والتَّكذيب.
يقول المُفسِّر ﵀: [﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بِهِ ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ﴾ عواقب ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، الفاء عاطفةٌ، وتفيد الترتيبَ، والسين تفيدُ التقريبَ أيضًا، والمَعْنى:
стр. 26
فبسببِ تَكذِيبِهِم فَسَيَأْتِيهِمْ عن قُرْبٍ، و ﴿أَنْبَاءُ﴾ بمَعْنى: أخبار، والأنباء: جمعُ نَبَأٍ، وَهُوَ الخبرُ مِنَ الأمورِ الهامَّة، والمُراد بالخبرِ هنا العواقبُ، كما قال المُفسِّر؛ لِأَنَّ العواقبَ أخبارٌ فِي الحَقِيقَةِ، فمثلًا: فِي القُرآنِ أنَّ الله تعالى يَنْصُر رسوله ويُهْلِك المكذِّبين، هَذِهِ أنباء هِيَ فِي الحَقِيقَة ستكونُ عواقبَ: سَينتصِر النبي ﵊ وسيُهزَم أعداؤُه، وهذه هِيَ الحَقِيقَة، وهي العاقبة.
وقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي يَسْخَرون، وتقديمُ المعمولِ فِي قوله: ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ للفائدتينِ السابقتينِ: اللفظيَّةِ والمعنويَّةِ. وقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ﴾ يَحتمل أن تكون مجرَّدة عنِ الزَّمان، أي: ما يستَهْزِئُون به، ويحتمل أن تكونَ للزَّمانِ، أي: ما كانوا فِي الماضي يستَهْزِئُون بِهِ عند وقوعِ العاقبةِ، فإنَّ استهزاءَهم بِهِ سابقٌ لهذه العاقبةِ، ولكن الظَّاهر أَنَّهَا مجرَّدة عن الزَّمانِ، وَهُوَ غالبُ ما تأتي (كان)، قال تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر: ١١]، أي: يَسْخَرون ويضْحَكون منه.
والتَّكذيب بالشَّيْءِ الحَقّ نوعٌ منْ الإستهزاء به؛ لِأَنَّهُ مثلًا إذا كَانَ مع الرسول وعدٌ ووعيد، وأمرٌ ونهيٌ، وخبر واستخبار، وإرشاد وتوبيخ، ثم كُذِّب بِهِ فمعناه أَنَّه يُستهزأ به، وبأحكامِه، وبأخباره، وبما تَضَمَّنَهُ مِن هَذِهِ الأمور.
فائدة: يقولون: إن زيادةَ المَبْنَى تدلُّ عَلَى زيادةِ المَعْنى، فإذا وجدتَ بالكلمةِ حروفًا زائدةً فمَعْنى ذلكَ أن هناك معانيَ زائدةً، والزيادةُ هنا للْمُبالَغةِ، مثل: (استكبَرَ وتكبّر)، (استكبر) أبلغ من (تكبّر)، وهنا: (استهزأ به) أبلغ من (هزئ به)، فلذلك نقول: السين والتاء هنا للْمُبالَغة.
* * *
стр. 27
الآية (٧)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧].
* * *
قال اللهُ تعالَى مُبِّينًا دليلًا واضحًا عَلَى آياتِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، يقول المُفسِّر ﵀: [﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ينظروا ﴿إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: كثيرًا ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ نَوْعٍ حَسَنٍ]. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني: هَؤُلَاءِ المكذِّبُون. و ﴿يَرَوْا﴾ يقول المُفسَّر: (ينظروا)، فجعلها من الرُّؤْيَة الحِسِّيَّة، لا من الرؤية العِلمية، ولكن نقول: إنها تَحتمِل المعنيينِ؛ الرؤية الحِسِّيَّة: إذا نظر بعينه هو، والعلميَّة: إذا علِم بذلك من غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هناك أشياءَ لا نَعْلَمُها ممَّا يَنْبُتُ فِي الأرضِ، يعني: لا نراها ولكنَّنا نُخبَر بها، فالأَوْلَى أن يُقالَ: إنه شاملٌ للنظرِ بالعَيْنِ، والنظرِ بالقلبِ الَّذِي هُوَ العِلْمُ.
قال تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا﴾ يقول المُفسِّر: (أي كثيرًا)، و (كثيرًا) هَذِهِ تفسيرٌ لـ (كم)، يعني أن (كم) هنا تكثيريَّة، المَعْنى: كثيرًا أَنبتنا فيها، مثل قوله تعالَى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، أي: كثيرًا تَغْلِب الفئةُ القليلةُ الفئةَ الكثيرةَ.
وقوله: ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أضافَ الإنباتَ إليه ﵎ لِأَنَّهُ هُوَ الفاعل حقيقةً، وإذا أُضيفَ الإنباتُ إِلَى المطرِ فإنَّما ذلك لِأَنَّهُ سببٌ.
стр. 28
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي: صِنف، والكريمُ فِي الأَصْلِ: كثيرُ البَذْل، ولكنَّه يُطلَق أحيانًا عَلَى الحسنِ، ومنه قوله ﷺ لِمُعَاذٍ: "إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" (١) أي: حَسَنَها، وليسَ مَعْنى كرائمها الَّتِي تُعْطي كثيرًا؛ لأنها لا تعطي البهائم، ولكن المُراد بِهَا الحسنة. فهنا الكريم نقول: الحَسَن، والزوج بمَعْنى: الصنف والنوع.
وهذه الأصنافُ والأنواعُ الحسنةُ البهيجةُ تدلُّ عَلَى قُدْرَةِ خالقها ﵎ وعلى فَضْلِهِ وإحسانه، وعلى حِكْمَته، فانظرْ إِلَى الأرضِ وفيها هَذَا النباتُ تجده مختلفًا فِي حَجْمِه، ومختلفًا فِي لونه، ومختلفًا فِي نفعِه، ومختلفًا من جميعِ الوُجُوهِ، والأرضُ واحدةٌ والماءُ واحدٌ، بل أحيانًا تجد النوعَ الواحدَ من هَذَا النباتِ يَختلِفُ، كما إذا نظرنا إِلَى البُرِّ، فالبُرُّ نوعٌ واحدٌ بالنِّسبة للحُبُوبِ، ومعَ ذلكَ يَختلِف، وإذا نظرنا أيضًا إِلَى النخلِ وَجدناه يَختلفُ، وإذا نظرنا إِلَى البِطِّيخِ وغيرِه نجدُه مختلِفًا، ممَّا يدلُّ عَلَى كمالِ قُدرةِ اللهِ ﵎، كما قال الله تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]، فالماء واحدٌ، والأرضُ واحدةٌ، فتأخذ من هَذَا شيئًا تَذُوقه وإذا هُوَ مُرّ، وتأخذُ من هَذَا تَذُوقه وإذا هُوَ حُلوٌ، معَ أن الأرضَ واحدةٌ والماءَ واحدٌ، ولكن هَذِهِ هِيَ قُدرة الله الَّتِي يَسْتَدِلُّ بِهَا الموفَّقون عَلَى كمال قدرته.
* * *
стр. 29
الآية (٨)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨].
* * *
قالَ المُفسِّر ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ دلالةً عَلَى كمالِ قُدرته تعالى ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾].
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أي: فِي ذلك المَذْكُور منَ الإنباتِ، ومنَ الأنواعِ، ومن الحُسن، فتكون (آية) هنا بمَعْنى (آيات)، و (آية) يقول المُفسِّر: (دلالة عَلَى كمال قُدْرَتِهِ تعالى)، هَذَا صحيحٌ، فأبرزُ ما فيها القُدرة، لكن فِي الآيَات أيضًا الدَّلَالَةُ عَلَى الحِكْمَةِ البالغةِ فِي تَنويعِ هَذِهِ الأشياءِ واختلافها؛ فَإِنَّها لحكمةٍ أرادها الله ﵎، فالقُدرة - مِثلما قال المُفسِّر- هِيَ أبينُ ما يكونُ فِي هَذَا النباتِ من آياتِ اللهِ ، لكنَّها أيضًا آية عَلَى أُمور أُخْرَى.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال المُفسِّر: [في عِلْمِ الله]، يَقصِد (كان)، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّهم إِلَى الآن ما آمَنُوا، وليسَ معناه أَنَّهُم لم يَكُونوا مُؤمِنينَ فيما سبقَ والآن هم مؤمنونَ. فيقول المُفسِّر: [في علم الله]، ما كانوا فِي علمِ اللهِ [و (كان) قال سِيبَوَيْهِ: زائدةٌ].
وهذا إدخالٌ مِنَ المُفسِّرِ لقولٍ فِي قولٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي يقول فِي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: إنَّ (كان) زائدةٌ لا يقولُ: (في علمِ اللهِ)، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
стр. 30
يعني: حَسَبَ الواقعِ والحالِ، أمّا الَّذِي يقولُ: (فِي علمِ اللهِ) فلا يحتاج إِلَى كونها زائدةً، ومن يقول: إن (كان) فعل ماضٍ عَلَى حقيقتها، يَحتاجُ إِلَى أنْ يقولَ: "في علم الله".
ولكنَّنا نَتَخَلَّص من هَذَا كلِّه بأن نقولَ: إن المُراد بـ (كان) هنا مجرَّد الحَدَث، أي الدلالة عَلَى الحدثِ فقطْ، فهي مجرَّدة عنِ الزَّمانِ، وإذا كانت مجردةً عن الزَّمانِ فلا نَحْتاج إلى أنْ نقولَ: إنها زائدةٌ، ولا نَحْتاج إلى أنْ نقولَ: فِي علمِ اللهِ، نقول: إن الواقعَ أَكْثَرُهم لَيْسَ بمؤمنٍ ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ لا يَتَوَجَّه عَلَى كَلامِ الشارحِ، إلَّا أن يكون قولًا آخرَ؛ لأنك إذا قلتَ: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فِي علمِ اللهِ، لا يصلح أنْ تقولَ: (كان) زائدةٌ.
ومَعْنى قوله: [و (كان) قال سِيبَوَيْهِ: زائدةٌ]، أنَّ سِيبويهِ يَرى أَنَّهَا زائدةٌ، والمُفسِّر يرى أَنَّهَا أصليَّة لكنْ باعتبارِ علمِ اللهِ، ونحن نقول: إنها أصليَّة مجرَّدة عنِ الزَّمانِ، بل للدلالةِ عَلَى الحدثِ فقطْ.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فيه دليلٌ عَلَى أنَّ بعضَهم مؤمنٌ، وَهُوَ كذلكَ؛ فإن بعضهم مؤمنٌ وآمَنَ بالفعلِ.
قال: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فلا يَنتفعُ بالآيةِ إلَّا المؤمنُ، فإذا لم ينتفعْ بِهَا أحدٌ ما صارتْ بالنِّسبةِ إليه آيةً، ولهذا قيَّدها بقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا يَنتفعون بها.
* * *
стр. 31
الآية (٩)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩].
* * *
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ الربوبيَّة هنا خاصَّة؛ لِأَنَّ الله تعالى ربُّ النبيِّ ﷺ وغيرِهِ، لكنَّه للعناية بِهِ ﷺ وبيان أَنَّهُ لن يَخْذُلَهُ معَ هَذَا التَّكَذيبِ، بل لا بدَّ أنْ يَتَوَلَّاه بربوبيَّتِه وعنايته الخاصَّة.
وقوله: ﴿لَهُوَ﴾ اللام للتَّوكيدِ، قَالَ المُفَسِّر ﵀ [﴿الْعَزِيزُ﴾: ذو العِزَّةِ يَنْتَقِمُ مِنَ الكافرينَ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ يَرْحَم المُؤمِنينَ]، والعِزَّة: بمَعْنى الغَلَبَةِ، ويُقال: عزّ بِمَعْنَى: غَلَبَ وقَهَرَ، وقد قالوا: إنَّ العِزَّةَ تَنْقَسِم إِلَى ثلاثةِ أقسامٍ: عِزة القَدْر، وعِزة القَهْر، وعِزَّة الإمتناعِ.
فمَعْنى عِزَّة القَدْر: أَنَّهُ عزيزٌ لا يَبْلُغُ أحدٌ قَدْرَهُ.
وعزَّة القهر: عزيزٌ لا يُقهَر، بل هُوَ الغالبُ.
وعزَّة الإمتناع أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ عليه النقصُ فِي أيِّ وجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، يعني: عبارة عن القوَّة، ومنه: الأرض العَزَاز، يعني الصُّلبة القويَّة.
على كلِّ حالٍ، العِزَّة بجميعِ أنواعها هَذِهِ الثلاثة كاملةٌ للهِ ﵎، ومن عِزَّتِهِ أَخْذُ المكذبينَ، ولهذا قال المُفسِّر: [يَنتقم من الكافرينَ]، وهذا يعود - من الأنواع الثلاثة - إِلَى عِزَّة القَهر.
стр. 32
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الرَّحِيمُ﴾ يَرْحَم المُؤمِنينَ]، ولو أنّ المُفسِّرَ أَبقاها عَلَى عُمُومِها لكان أَولى، لكنه لما قالَ الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، أخذ المُفسِّر يُقيِّد كلمةَ الرَّحيمِ بالمُؤمِنينَ، ولكنَّه يَنبغي أنْ يكونَ عامًّا؛ لِأَنَّ عِزَّته لا تَقتضي انتقامَه، بل قدْ يَمنع الإنتقامُ هَذِهِ الرحمةَ الَّتِي تخصّص بها.
فالجمعُ هنا بين هاتينِ الصفتينِ العِزَّة والرحمةِ للتناسُب البالغِ؛ لِأَنَّ مِنِ اجتماعهما يحصُل الكمالُ، فهو بعِزَّتِهِ ذو رحمةٍ؛ فلو قارنّا بين العزّةِ والرحمةِ فِي صفاتِ المخلوقينَ، لوجدنا أنَّهما لا يجتمعانِ فِي الغالبِ، وأن العزيزَ الَّذِي يَرَى نفسَه قاهرًا فِي الغالبِ لا تكونُ فيه رحمةٌ، فاجتماعُ الصفتينِ يَحْصُلُ بهما كمالٌ عَلَى الكمالِ: عِزَّة ورحمة، ثم اجتماعهما كمالٌ، فيكون معَ العِزَّة رحيمًا لا يؤاخِذ ولا يَنتقم، ولهذا لم يُعَجِّلِ اللهُ العُقوبةَ للظالمِ، ولكنَّه بحِكْمَتِه يُمْلِي له حَتَّى إذا أخذَه لم يُفْلِتْهُ.
وفي هَذِهِ الآيةِ خَتَمَ اللهُ تعالى بِعِزَّتِهِ ورحمته؛ لِيَجْمَعَ بينَ الترغيبِ والترهيبِ؛ الترهيب بالعِزَّة، والترغيب بالرحمةِ.
* * *
стр. 33
الآيتان (١٠، ١١)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٠ - ١١].
* * *
يُكْثِرُ اللهُ ﵎ فِي القُرآنِ الكريمِ مِن ذِكْرِ قِصَّة مُوسَى، وما جَرَى له معَ فِرْعَوْن ومعَ بني إِسْرَائِيلَ؛ وذلك ليستعدَّ النبيُّ ﷺ لليَهُودِ الَّذين فِي المدينةِ؛ حَتَّى يَعرِفَ مِن أَمْرِهِم ما لم يكنْ معروفًا عندَه، ولهذا كَانَ الرسول ﵊ إذا بَعَثَ أحدًا أَخبره بكَلامِ اليَهودِ له، ثم قال لمعاذٍ: "إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ" (١)؛ لِيَسْتَعِدَّ لهم، وقد كرَّر الله تعالى قِصّة مُوسَى مختصرةً ومبسوطةً لهذا الغرضِ؛ لِيُبَيِّنَ حالَ هَؤُلَاءِ اليَهودِ الَّذين هم من سكَّان دار الهِجرة.
وقد بدأ الله تعالى بذِكر قصصِ الأَنْبياءِ مقدِّمًا ذِكْرَ قصة مُوسَى؛ لِطُولها ولأهميتها بالنِّسبةِ لنبيِّه ﷺ فقال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ (إذ) هَذِهِ ظرفٌ، عاملُها محذوفٌ تقديرُه ما قَدَّرَهُ المُفسِّر: [﴿وَ﴾ اذْكُرْ يا محمدُ لقومِكَ ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ليلةَ رَأَى النارَ والشَّجرةَ ... ]، إِلَى آخِرِهِ.
قال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ناداه: أي: دعاهُ بصوتٍ مرتفِعٍ؛ لِأَنَّ النداءَ
стр. 34
لا يكونُ إلّا بصوتٍ عالٍ، قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، فالنداءُ يكونُ للبعيدِ، ويَلْزَم أن يكونَ بصوتٍ عالٍ، وأمّا المناجاةُ فهي للقريبِ.
قال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ هُوَ ابنُ عِمران ﵊، وقوله: ﴿رَبُّكَ﴾ الإضافةُ هنا للتخصيصِ، فهي ربوبيَّة خاصَّة؛ لِأَنَّ ربوبيَّةَ اللهِ نوعانِ، كما أنَّ عُبُودِيَّته نوعانِ.
قال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، (أن) تفسيريَّة؛ لأنها سُبقت بمَعْنى القولِ دونَ حُروفه، و (أنْ) إذا سُبقت بمَعْنى القولِ دونَ حروفِه تُسَمَّى تفسيريَّة، ومثلها ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]؛ لِأَنَّ الوحيَ فيه مَعْنى القولِ دونَ حروفِه، فيُعْرِبُونَ مثلَ هَذِهِ بأنها تفسيريَّة. ولهذا قال المفسِّر: [أي بأنِ ﴿ائْتِ﴾].
وقول المُفسِّر: [ليلة رأى النارَ والشَّجرةَ]، فكونه (ليلة رأى النارَ) صحيحٌ، قال تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠]، وكذلك الشَّجرةُ، ولكن التزام أَنَّهُ رآها فيه نظرٌ؛ لِأَنَّ سُورَة القَصَص لا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رآها، قال تعالى: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القَصَص: ٢٩ - ٣٠]، فلا يَتَبَيَّن منَ القُرآن أَنَّهُ رأى الشَّجرةَ، إنَّما يَتبيَّن أن الصوتَ سَمِعَهُ مِن قِبَل الشَّجرةِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ رسولًا]؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ المُراد أَنَّهُ يأتيهم فقطْ، بل يأتيهم بالرِّسالَة، و (الْقَوْم): الجماعة، و (الظَّالمِينَ) سيأتي ذِكر المُفسِّر لمَعْنى الظُّلم.
стр. 35
قَالَ ﵀: [﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ معه، ظَلَمُوا أنفسهم بالكفرِ باللهِ وبني إِسْرَائِيل باستعبادهم]، فهم منَ الظالمينَ المعتدِين الناقصينَ حق الله وحق العباد، أما حقُّ الله فإنهم كَفَروا بِهِ وأَشركوا به، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وأمَّا حَقُّ الْإِنْسَان فقدِ استعبدوا بني إِسْرَائِيلَ، وصاروا يذبّحون أبناءَهُمْ، وَيسْتَحْيُونَ نِساءَهم.
وفي قوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ تخصيص بعد تعميمٍ، أو بيانٌ بعد إجمالٍ؛ لِأَنَّ ﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ مُبْهَم، لكن: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ مُبَيَّن.
وفائدة الإبهام ثم البيان بعده التَّأكيدُ من وجهٍ، وبيانُ الإهتمامِ بِهِ من وجهٍ آخَرَ، وتلقّي السمعِ له بالقَبولِ من وجهٍ ثالثٍ.
أما التَّأكيد فلأنه كُرر مرتينِ: مرَّةً مُجْمَلًا، ومرَّةً مُبَيَّنًا، وهذا التَّأكيد، وأما الإهتمام بِهِ فلأنَّ ذِكْرَه مؤكدًا دليلٌ عَلَى أَنَّهُ مهتمٌّ به، وأمَّا تلقِّي السمع له بالقبولِ فلأنه إذا جاء اللفظُ له مُجْمَلًا بَقِيَ الذهنُ يدورُ: ما هذا؟ ومَن هَؤُلَاءِ مثلًا؟ فإذا أتى البيانُ إليه بعد ذلك أتَى إِلَى ذِهْن مُتَشَوِّق حَريص عَلَى معرفةِ هَذَا المبهَم، فيَتَلَقَّاه بالقَبول أكثر؛ لِأَنَّهُ مُتَشَوِّقٌ إليه، ومُتَطَلِّعٌ إليه، فهذه فوائدُ البيانِ بعدَ الإجمالِ.
وفي وَصْفِهِمْ بالظُّلمِ قبلَ بيانهم - أي فِي هَذِهِ الآية - إشارة إِلَى عِظَم أَمْرِهم، حيث قدّم الوصفَ عَلَى الموصوفِ فِي الحَقِيقَة؛ لِأَنَّهُ عِندَما يُقال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يَتَصَوَّر الْإِنْسَان وَيعْرِف أَنَّهُم ظَلَمَةٌ، فإذا جاء بيانُهم جاء بعدَ الحُكْمِ عليهم بهذا الوصفِ، ممَّا يدلُّ عَلَى قُبح ما هم عليه من هَذَا الأمرِ.
стр. 36
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَلَا﴾ الهمزة للإستفهامِ الإنكاريِّ ﴿يَتَّقُونَ﴾ اللهَ بِطَاعَتِهِ فيوحّدونه]. قوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ يَحتمل أَنَّهُ من المرسَل به، يعني: يقول لهم ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾، ويَحْتَمِل أَنَّهُ من كَلام اللهِ لِمُوسَى، لِيُبَيِّنَ له حالهم، وأنَّهم يَتَجَنَّبُون التَّقْوَى، وأن الأليقَ بهم أن يَتَّقُوا الله .
وقوله: [﴿أَلَا﴾ الهمزة للإستفهامِ الإنكاريِّ]، مُقْتَضَى كَلامه أن يقولَ: الهمزةُ للإستفهامِ، و (لا) نافية، يعني: أهُم لا يَتَّقُون، وأنه لا يَصِحّ أنْ يَجْعَلَها للعرْض، نحو (ألا تَنْزِل عندنا فتُصِيبَ خيرًا)، ويكون المقصود بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ عرَض التَّقْوى عليهم.
فعلى كَلام المُفسِّر تُعْرَب الهمزةُ وَحْدَها، و (لا) وحدها، فتكون الهمزةُ للإستفهامِ، و (لا) نافيةً.
وعلى الإحتمال الَّذِي ذَكَرنا أن تكون للعرض، يعني: اعْرِضْ عليهم التَّقْوى مُلْزِمًا لهم بها، وسبقَ أن المُرادَ بالتَّقْوَى اتِّخاذ الوقايةِ مِن عذابِ اللهِ.
فوائد الآيتينِ الكريمتينِ:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: إِثْبات النداء لله ؛ لقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ﴾، فيكون كَلامه بصوتٍ عَلَى هذا، وأنه بحرفٍ؛ قال تعالى: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ كلها حروف.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وفي هَذَا دليلٌ عَلَى فضلِ اللهِ عَلَى الخَلْق؛ لإرسالِهِ الرُّسُلَ، فإرسال الرُّسُلِ دليلٌ عَلَى فضلِ اللهِ عَلَى الخلقِ، وعنايته بهم؛ لِأَنَّ الخلقَ مَهما أُوتوا من ذَكاءٍ لا يُمْكِنُهُم أنْ يُدْرِكوا ما يجبُ للهِ عَلَى التفصيلِ.
стр. 37
والعاقلُ يُدْرِك ما يجبُ لله عَلَى وجهِ الإتمامِ، فإدراكه أن له الكمالَ المطلَق، وأنه المستحِقّ العبادةِ، لكن عَلَى وجهِ التفصيلِ، لا يمكن إلا عن طريق الرُّسُل، ولهذا قَالَ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وفي هَذَا دليلٌ عَلَى سُوء حالِ فِرْعَوْن وقومِه؛ لقوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وفيه دليلٌ عَلَى أَنَّهُ لا بأسَ فِي الإجمالِ فِي الكَلامِ، بشرطِ أن يأتيَ التفصيلُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾. وفائدةُ الإجمالِ ثم التفصيل بعده الإهتمامُ، فيكون مُتَشَوِّقًا ومُتَطَلِّعًا إذا كَانَ هَذَا المُجْمَل سيأتيهم وَهُوَ عَلَى شَفَقَةٍ.
* * *
стр. 38
الآية (١٢)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء: ١٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ مُوسَى ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾]، هَذَا جَوابُ مُوسَى ﵊ للهِ مُبَيِّنًا له حالَه حَتَّى يكون الأمرُ لَدَى مُوسَى واضحًا، فينشط ويقوَى، وليس المُراد بهذا معارضة أَمْرِ اللهِ؛ فإن مُوسَى لن يعارضَ أمرَ اللهِ ولكن يريدُ أنْ يَستبينَ الأمرَ؛ ماذا تكون حالُهُ مع فِرْعَوْن وقدِ اتَّصف بهذه الصِّفة، وهي الخوفُ، قَالَ: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، و (أن) هَذِهِ مصدريَّة، يعني: أخاف تَكْذِيبَهم إيَّايَ، والمُراد بالخوفِ هنا أَنَّهُ يَتَوَقَّع ذلك: ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾؛ لِأَنَّهُ ﵊ يَعْلَم منهم هَذَا الأمرَ، وعُتُوَّهُم، واستكبارَهم، والتزامَهُمْ بعبادةِ فِرْعَوْن.
* * *
стр. 39
الآية (١٣)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ [الشعراء: ١٣].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ مِن تَكْذِيبِهِم لي]، قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ فيه إشكالٌ، حيث رُفع معَ أَنَّهُ يلي المنصوب: ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لِأَنَّ (أنْ) هَذِهِ مصدريَّة، و (يُكَذِّبُونِ) منصوبة بِهَا بحذفِ النونِ، والنونُ الموْجودةُ للوقايةِ، وأصلها: يكذبونني، ثم حُذِفت النون الأُولى للناصبِ، وحُذفت الياء للتخفيفِ، لكن قَالَ: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ ولم يقلْ: "ويضيقَ صدري".
والجَواب أنّ (الواوَ) عاطفةٌ عَلَى قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، يقول: أنا أخاف أن يُكذِّبوني وأخافُ أن يضيقَ صدري ولا يَنطلِق لِساني بتكذيبهم.
و﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لا تعدو أن تكونَ مفعولًا به، مثل: ضربتُ زيدًا وأكرمتُه.
قال تعالى: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾، وضِيق الصَّدرِ: عدمُ انشِرَاحِهِ وانبساطِهِ، وهذا أمرٌ فِطريٌّ أن الْإِنْسَان إذا خُولِفَ فسوف يَضيق صدرُه، كما كَانَ الرسول ﵊ يَضيق صدرُه، ولكن الله تعالى يُسَلّي رُسُلَه، لِئلَّا تَضيقَ صُدُورُهم، ولا يَحْزَنُوا عَلَى هَؤُلَاءِ المكذِّبين؛ لِأَنَّ لهم يومًا يحاسبهم الله تعالى فيه والرُّسُل يُبَلِّغون فقطْ.
стр. 40
ويقولون: إنَّ ضِيق الصَّدرِ من أسْبابِ حدوثِ الضغطِ، ولهذا يَنصحون المصابينَ بالضغطِ بأن يَتَجَنَّبُوا الغضبَ، وما يحزنهم ويضيق صُدُورهم، فهذا فِي الحَقِيقَةِ هُوَ الواقعُ؛ لِأَنَّ الضغطَ يَستلزمُ ضِيقَ الصَّدرِ، وضيق التنفُّس، وضيق الأرض عَلَى الْإِنْسَانِ، فإذا عرّض نفسَه لِمَا يفعل بِهِ ذلك ازدادَ عليه الضغطُ، فإذا عوّد نفسَه الإنبساطَ والإنشراحَ وعدمَ الإكتراثِ فِي النوازلِ؛ فَإِنَّهُ يحصلُ خيرٌ كثيرٌ، ويبقى دائمًا فِي سرورٍ، لا سيَّما إذا كَانَ مُحْتَسِبًا ومؤمنًا بالقَدَرِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بأداء الرِّسالَةِ للعُقدةِ الَّتِي فيه]، وهذه العقدة معنويَّة وليستْ حِسِّيَّة.
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ العقدة لِأَنَّهُ أخذَ الجمرةَ وَهُوَ صغيرٌ.
قلنا: لا، قِصَّة أَخْذ الجَمرة باطلةٌ، فقصة إِسْرَائِيلَ ليستْ مقبولةً، لكن يَحتمِل أنَّ العُقْدَةَ معنويَّة، بمَعْنى أَنَّهُ لا يَستطيعُ التَّعبير بانطلاقٍ وفصاحةٍ. وقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧ - ٢٨]، وقول فِرْعَوْن فِي وصفه ﴿الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، يَحتمل - وهو الأقرب - أن تكونَ فيه لُثْغَة؛ إمَّا سُرعة القول بِنُطْق الحروفِ، بحيث تُتابع الحروف حَتَّى لا تَفْهَم؛ لِأَنَّ منَ النَّاس من يكونُ كذلك، لَيْسَ فِي لِسانِهِ عُقْدَة حِسِّيَّة، لكن تَتَرَادَف الحروفُ فِي كَلامِهِ بحيثُ لا تدري ما يقول.
أو لِأَنَّهُ فيه لُثْغَة لا تَتَبَيَّن الحروف من كَلامِه، وكلُّ هَذَا مُحْتَمَل، وهذه العُقْدَة ليستْ كما ذكر من الجمرةِ، وأن لها أثرًا حِسِّيًّا يَمْنَعُه منَ الكَلامِ، بل هِيَ أثرٌ خَلْقِيّ، يعني بأصلِ الخِلقة.