← Тафсир

Тафсир · id 555

تفسير العثيمين: الشعراء

ابن عثيمين

Полный текст (309 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَلَا﴾ الهمزة للإستفهامِ الإنكاريِّ ﴿يَتَّقُونَ﴾ اللهَ بِطَاعَتِهِ فيوحّدونه]. قوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ يَحتمل أَنَّهُ من المرسَل به، يعني: يقول لهم ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾، ويَحْتَمِل أَنَّهُ من كَلام اللهِ لِمُوسَى، لِيُبَيِّنَ له حالهم، وأنَّهم يَتَجَنَّبُون التَّقْوَى، وأن الأليقَ بهم أن يَتَّقُوا الله . وقوله: [﴿أَلَا﴾ الهمزة للإستفهامِ الإنكاريِّ]، مُقْتَضَى كَلامه أن يقولَ: الهمزةُ للإستفهامِ، و (لا) نافية، يعني: أهُم لا يَتَّقُون، وأنه لا يَصِحّ أنْ يَجْعَلَها للعرْض، نحو (ألا تَنْزِل عندنا فتُصِيبَ خيرًا)، ويكون المقصود بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ عرَض التَّقْوى عليهم. فعلى كَلام المُفسِّر تُعْرَب الهمزةُ وَحْدَها، و (لا) وحدها، فتكون الهمزةُ للإستفهامِ، و (لا) نافيةً. وعلى الإحتمال الَّذِي ذَكَرنا أن تكون للعرض، يعني: اعْرِضْ عليهم التَّقْوى مُلْزِمًا لهم بها، وسبقَ أن المُرادَ بالتَّقْوَى اتِّخاذ الوقايةِ مِن عذابِ اللهِ. فوائد الآيتينِ الكريمتينِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: إِثْبات النداء لله ؛ لقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ﴾، فيكون كَلامه بصوتٍ عَلَى هذا، وأنه بحرفٍ؛ قال تعالى: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ كلها حروف. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وفي هَذَا دليلٌ عَلَى فضلِ اللهِ عَلَى الخَلْق؛ لإرسالِهِ الرُّسُلَ، فإرسال الرُّسُلِ دليلٌ عَلَى فضلِ اللهِ عَلَى الخلقِ، وعنايته بهم؛ لِأَنَّ الخلقَ مَهما أُوتوا من ذَكاءٍ لا يُمْكِنُهُم أنْ يُدْرِكوا ما يجبُ للهِ عَلَى التفصيلِ.

стр. 37

والعاقلُ يُدْرِك ما يجبُ لله عَلَى وجهِ الإتمامِ، فإدراكه أن له الكمالَ المطلَق، وأنه المستحِقّ العبادةِ، لكن عَلَى وجهِ التفصيلِ، لا يمكن إلا عن طريق الرُّسُل، ولهذا قَالَ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وفي هَذَا دليلٌ عَلَى سُوء حالِ فِرْعَوْن وقومِه؛ لقوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وفيه دليلٌ عَلَى أَنَّهُ لا بأسَ فِي الإجمالِ فِي الكَلامِ، بشرطِ أن يأتيَ التفصيلُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾. وفائدةُ الإجمالِ ثم التفصيل بعده الإهتمامُ، فيكون مُتَشَوِّقًا ومُتَطَلِّعًا إذا كَانَ هَذَا المُجْمَل سيأتيهم وَهُوَ عَلَى شَفَقَةٍ. * * *

стр. 38

الآية (١٢) * * * * قالَ اللهُ : ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء: ١٢]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ مُوسَى ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾]، هَذَا جَوابُ مُوسَى ﵊ للهِ مُبَيِّنًا له حالَه حَتَّى يكون الأمرُ لَدَى مُوسَى واضحًا، فينشط ويقوَى، وليس المُراد بهذا معارضة أَمْرِ اللهِ؛ فإن مُوسَى لن يعارضَ أمرَ اللهِ ولكن يريدُ أنْ يَستبينَ الأمرَ؛ ماذا تكون حالُهُ مع فِرْعَوْن وقدِ اتَّصف بهذه الصِّفة، وهي الخوفُ، قَالَ: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، و (أن) هَذِهِ مصدريَّة، يعني: أخاف تَكْذِيبَهم إيَّايَ، والمُراد بالخوفِ هنا أَنَّهُ يَتَوَقَّع ذلك: ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾؛ لِأَنَّهُ ﵊ يَعْلَم منهم هَذَا الأمرَ، وعُتُوَّهُم، واستكبارَهم، والتزامَهُمْ بعبادةِ فِرْعَوْن. * * *

стр. 39

الآية (١٣) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ [الشعراء: ١٣]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ مِن تَكْذِيبِهِم لي]، قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ فيه إشكالٌ، حيث رُفع معَ أَنَّهُ يلي المنصوب: ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لِأَنَّ (أنْ) هَذِهِ مصدريَّة، و (يُكَذِّبُونِ) منصوبة بِهَا بحذفِ النونِ، والنونُ الموْجودةُ للوقايةِ، وأصلها: يكذبونني، ثم حُذِفت النون الأُولى للناصبِ، وحُذفت الياء للتخفيفِ، لكن قَالَ: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ ولم يقلْ: "ويضيقَ صدري". والجَواب أنّ (الواوَ) عاطفةٌ عَلَى قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، يقول: أنا أخاف أن يُكذِّبوني وأخافُ أن يضيقَ صدري ولا يَنطلِق لِساني بتكذيبهم. و﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لا تعدو أن تكونَ مفعولًا به، مثل: ضربتُ زيدًا وأكرمتُه. قال تعالى: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾، وضِيق الصَّدرِ: عدمُ انشِرَاحِهِ وانبساطِهِ، وهذا أمرٌ فِطريٌّ أن الْإِنْسَان إذا خُولِفَ فسوف يَضيق صدرُه، كما كَانَ الرسول ﵊ يَضيق صدرُه، ولكن الله تعالى يُسَلّي رُسُلَه، لِئلَّا تَضيقَ صُدُورُهم، ولا يَحْزَنُوا عَلَى هَؤُلَاءِ المكذِّبين؛ لِأَنَّ لهم يومًا يحاسبهم الله تعالى فيه والرُّسُل يُبَلِّغون فقطْ.

стр. 40

ويقولون: إنَّ ضِيق الصَّدرِ من أسْبابِ حدوثِ الضغطِ، ولهذا يَنصحون المصابينَ بالضغطِ بأن يَتَجَنَّبُوا الغضبَ، وما يحزنهم ويضيق صُدُورهم، فهذا فِي الحَقِيقَةِ هُوَ الواقعُ؛ لِأَنَّ الضغطَ يَستلزمُ ضِيقَ الصَّدرِ، وضيق التنفُّس، وضيق الأرض عَلَى الْإِنْسَانِ، فإذا عرّض نفسَه لِمَا يفعل بِهِ ذلك ازدادَ عليه الضغطُ، فإذا عوّد نفسَه الإنبساطَ والإنشراحَ وعدمَ الإكتراثِ فِي النوازلِ؛ فَإِنَّهُ يحصلُ خيرٌ كثيرٌ، ويبقى دائمًا فِي سرورٍ، لا سيَّما إذا كَانَ مُحْتَسِبًا ومؤمنًا بالقَدَرِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بأداء الرِّسالَةِ للعُقدةِ الَّتِي فيه]، وهذه العقدة معنويَّة وليستْ حِسِّيَّة. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ العقدة لِأَنَّهُ أخذَ الجمرةَ وَهُوَ صغيرٌ. قلنا: لا، قِصَّة أَخْذ الجَمرة باطلةٌ، فقصة إِسْرَائِيلَ ليستْ مقبولةً، لكن يَحتمِل أنَّ العُقْدَةَ معنويَّة، بمَعْنى أَنَّهُ لا يَستطيعُ التَّعبير بانطلاقٍ وفصاحةٍ. وقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧ - ٢٨]، وقول فِرْعَوْن فِي وصفه ﴿الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، يَحتمل - وهو الأقرب - أن تكونَ فيه لُثْغَة؛ إمَّا سُرعة القول بِنُطْق الحروفِ، بحيث تُتابع الحروف حَتَّى لا تَفْهَم؛ لِأَنَّ منَ النَّاس من يكونُ كذلك، لَيْسَ فِي لِسانِهِ عُقْدَة حِسِّيَّة، لكن تَتَرَادَف الحروفُ فِي كَلامِهِ بحيثُ لا تدري ما يقول. أو لِأَنَّهُ فيه لُثْغَة لا تَتَبَيَّن الحروف من كَلامِه، وكلُّ هَذَا مُحْتَمَل، وهذه العُقْدَة ليستْ كما ذكر من الجمرةِ، وأن لها أثرًا حِسِّيًّا يَمْنَعُه منَ الكَلامِ، بل هِيَ أثرٌ خَلْقِيّ، يعني بأصلِ الخِلقة.

стр. 41

ويَحتمِل أَنَّهَا جَهْلُ البَيَانِ، يعني: لَيْسَ فصيحًا فِي خِطابه وبيانِه وإقناعِه، لكن الأوَّل أَولى، وأنها عُقدة معنويَّة، وذلك بصفةِ الكَلامِ، بحيثُ لا تَتَبَيَّن الحروفُ فِي كَلامِهِ؛ إما لِعَجَلَتِهِ، وإما لِلُثْغَتِهِ، أو غير ذلك. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَرْسِلْ إِلَى﴾ أخي ﴿هَارُونَ﴾ معي]، أرسل إليه يعني: ابعثْ له بالرِّسالَةِ؛ حَتَّى يكونَ مُعِينًا ووزيرًا له، وقد قيلَ: إنه لا يوجدُ أحدٌ أشدّ مِنّةً عَلَى أخيه من مُوسَى عَلَى أخيه هارونَ؛ لِأَنَّهُ طلبَ أَن يكونَ أخوه فِي المقامِ الأعلى من مَقاماتِ بني آدمَ الَّذين أنعمَ اللهُ عليهم، وهي الرِّسالَةُ. فَوَائِدُ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: فِي الآيةِ دليلٌ عَلَى جوازِ بيانِ الْإِنْسَانِ حالَه إذا لم يَقْصِدْ بِهِ الشكوَى؛ لقولِهِ: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾، فإنَّ هَذَا وصفٌ له فِي الضعفِ، وعدم التحمُّل نفسيًّا بضِيق الصَّدرِ، وعدم الكَلام المتقَن؛ لكونِهِ لا يَنطلِق لِسانُه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الآيةِ دليلٌ عَلَى جوازِ ذِكْر الوسائلِ الَّتِي تَسْتَوْجِب القَبولَ فِي الدُّعاء؛ حيث ذكر معلوماتٍ كثيرةً بكونِه يَضيق صدرُه ولا يَنطلِق لسانُه، وهذا من باب التوسُّل الزائد، فذِكر حالِه من الوسائلِ الَّتِي تَستوجِب قَبُولَ دُعائِهِ. * * *

стр. 42

الآية (١٤) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]. * * * ذكر الرِّسالَة حيث قَالَ: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ ثمّ بَيَّن مانعًا آخرَ غيرَ التَّكذيبِ، فقال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾، قال المُفسِّر ﵀: [بقتلِ القِبْطِيّ منهم ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، هَذَا خوفٌ آخرُ ناتجٌ عن معاملتِه معهم، والأوَّل خوفٌ يَتَعَلَّق بالرِّسالَةِ، فهذا خوفٌ متعلِّق بالمعاملةِ معهم، ولهذا فِي الأول قَالَ: ﴿أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، ما قَالَ: أن يقتلونِ، ولا كَانَ يتصوَّر أن يُقتل إذا جاء بالرِّسالَة، ولهذا قال فِي الثَّاني: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بأيِّ شيْءٍ؟ مثلما قال المُفسِّر: [بقتل القِبطيّ منهم]، وقصتُه مشهورةٌ فِي سُورَة القَصَص. حيث إنه ﵊ كَانَ رجلًا قويًّا وشديدًا، فخرج باكرًا فوجدَ فِي المدينة رجلينِ يَقتتلانِ؛ أحدهما من شِيعته من بني إِسْرَائِيلَ، والثَّاني من عدوّه: الأقباط، فاستنجدَ بِهِ الإِسْرَائِيليُّ، فوكَزَ مُوسَى القبطيَّ حَتَّى ماتَ، وفي اليوم الثَّاني خرج فوجد صاحبَه الإِسْرَائِيليّ معَ رجلٍ آخرَ، وقال له مُوسَى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨]، وأراد أن يَبْطِشَ بالعدوِّ، فظنَّ الإِسْرَائِيليُّ أَنَّهُ يريدُ أنْ يَبْطِشَ به؛ لِأَنَّهُ وَبَّخَهُ وقال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، فلمَّا تَهَيّأَ للبَطْشِ ظنَّ أَنَّهُ سَيَبْطِش به، فقال الإِسْرَائِيليُّ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القَصَص: ١٨ - ١٩]، - اللهُ يَكْفِيكَ شرَّ مَن تُحْسِن

стр. 43

إليه! - فلمّا قال هكذا انتبهَ له القِبْطِيُّ، فدلّ عَلَى مُوسَى بهذا السَّبَبِ، فخرج مُوسَى ﵊ خائفًا يَتَرَقَّب ولَجَأَ إِلَى الله ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القَصَص: ٢١]، فنجّاه الله ومَنَّ عليه بالرِّسالَةِ. قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلوني به، وحُذِفت الياء للتخفيفِ، والنون من الفعلِ حُذفت للنصبِ. وفي الآيةِ دليلٌ عَلَى جوازِ الخوفِ الطبيعيّ، وأنه لَيْسَ بشِرْكٍ، وقد ذكر الخوف مرتينِ؛ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، وقال: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، والمقصود الخوفُ الثَّاني، والمُراد بالأوَّل مُلازِمُه وَهُوَ التوقُّع، يعني يتوقع هذا، فقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لَيْسَ معناه أَنَّهُ يخافُ خوفَ الذُّعْر الَّذِي يقع فِي النَّفسِ، بل المَعْنى التوقُّع. * * *

стр. 44

الآية (١٥) * * * * قالَ اللهُ : ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ تعالى: ﴿كَلَّا﴾ لا يَقْتُلُونَكَ ﴿فَاذْهَبَا﴾ أي: أنت وأخوك، ففيه تغليبُ الحاضرِ عَلَى الغائبِ]، وفيه أيضًا أن الله تعالى أجابَ دعاءَ مُوسَى، كما قال فِي سُورة طه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦]، أجابه وأرسلَ إِلَى هارونَ بالرِّسالَةِ. قال: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبةِ، أي مصاحبيْن بآياتِ اللهِ، أي: العلامات الخاصَّة به، الَّتِي تدل عليه وحدَه دون غيره، والآيَات الَّتِي ذهب بِهَا هِيَ الوحيُ، والثَّانيةُ قَلْبُ العصا، والثالثة اليَدُ. هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي كانتْ عندَ الوحيِ إليه ثم تلاها بعدَ ذلكَ تسعُ آياتٍ كما هُوَ واضحٌ. وهذه الآيَات ثلاثٌ: منها آيةٌ مَعنويَّة، وآيتانِ حِسِّيَّتَانِ مناسبتانِ للسحرةِ؛ لِأَنَّ انقلابَ العصا حَيَّةً يُشْبِه السِّحرَ وليسَ بسِحر، لِأَنَّ هَذَا حقيقة، والسِّحر خيالٌ، وأيضًا كون اليد إذا أَدخلها فِي جَيْبِهِ تَخْرُج بيضاءَ من غير سُوء، يعني: من غير ضررٍ ونقصٍ، هَذَا أيضًا يشبه السِّحرَ، ولكنه لَيْسَ بسحرٍ، ففيه آيةٌ من آياتِ اللهِ المعجِزة لهَؤُلَاءِ أنْ يأتوا بِمِثْلِها. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ما تقولونَ وما يُقال لكم، أُجْرِيَ

стр. 45

مجرَى الجماعةِ]. قَالَ: إنّ الضَّمير لله بلفظ الغلبةِ، مع أَنَّهُ فِي سُورَة طه قَالَ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، لكن هنا ذكر ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾، وكانت المُبالَغة حصلتْ بانضمامِ الأمرينِ: السمع والرُّؤية، وهنا ما ذكر إلا الإستماع فقطْ، ولهذا جاء فِي صورةِ العَظَمَةِ بالنِّسبةِ للمبتدأِ، فقال: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ ولم يقلْ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ كما قال فِي سُورَة طه، يقول المُفسِّر: [أجري مجرى الجماعة]. فالجَواب عن هَذَا ما قال المُفسِّر: [أجري الإثنان مجرى الجماعة]، وإذا قلنا: إن أقلَّ الجمعِ اثنانِ نقول: هَذَا وإن كَانَ بلفظِ الجمعِ لكنَّه دالٌّ عَلَى الإثنينِ باعتبارِ الوضعِ اللُّغويّ، فلا حاجةَ إِلَى التعيينِ. وقيل: الجمعُ باعتبارِ ما مع مُوسَى وهارونَ من الآيَاتِ؛ كأنَّهم ثلاثٌ، وإن كانت الآيَات ليست آدميّة، ولكنها مؤيِّدة؛ لِأَنَّ التأييدَ يكون بالأدلَّة وبقوَّة الداعي والمستدلّ. ويحتمل أيضًا أَنَّهُ جمع باعتبار أن مُوسَى وهارونَ سيكون لهما قومٌ وسيكونُ اجتماع مُوسَى وهارون بِقَوْمِهما. فَوَائِدُ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: إِثْبات المَعِيَّة للهِ ، والمعيَّة فِي الحَقِيقَة معناها: المصاحَبَةُ المُطْلَقَة، ولكنها فِي كلِّ شيْءٍ بِحَسَبِهِ، فنقول مثلًا: سَقَاني لبنًا معَه ماءٌ، فهذه تَقتضي الإمتزاج والإختلاطَ. فتفسيرُ مَعِيَّة الله بالإحاطةِ عِلمًا وقدرةً وسلطانًا وبصرًا وسمعًا، وغير ذلك من معاني الربوبيَّة، لَيْسَ تفسيرها بذلك من بابِ التأويلِ، بل من بابِ ذِكر الحَقِيقَةِ؛ لأنها حَسَب ما تُضاف إليه.

стр. 46

إذن إذا كانت من بابِ ذكر الحَقِيقَةِ فيَمتنِع أنْ تكونَ مَعِيَّة الله مشاركةً فِي المكانِ؛ لِأَنَّهُ لو أَثبتنا أَنَّهَا مشاركة فِي المكانِ، لَأَبْطَلْنَا أَنَّهُ عالٍ فِي السَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لا يمكنُ أن يشاركَ فِي المكان فِي الأرضِ وَهُوَ عالٍ فِي السَّمَاءِ، لهذا مَن زَعَمَ أن الإمامَ أحمدَ تأوّل وأثبت عنه رواية بجوازِ التأويلِ فِي الصِّفاتِ استنادًا إِلَى تفسيره المعيَّة بالعلم، فقد أخطأ خطأً بيّنًا؛ لِأَنَّ تفسيرَ الإمامِ أحمدَ للمعيَّة فِي العلمِ أراد بِهِ الردَّ عَلَى الجَهْمِيَّة، الَّذين يقولون: إنه معنا بذاك، فيقول: إن دخلت الحُشّ فالله فِي الحُشّ - وَالْعِيَاذُ بِاللهِ - وإن دخلت المسجدَ فالله فِي المسجدِ، وإن دخلت البيتَ فاللهُ فِي البيتِ. وهكذا يَصِفون الله تعالى بما لا يَلِيق أن يُوصَف بِهِ بناءً عَلَى ظاهرِ الآيةِ الَّتِي لم يَفْهَمُوا حقيقةَ معناها، فهو ﵀ فسَّرها بالعلمِ؛ ردًّا عَلَى هَؤُلَاءِ، وتفسيرُه لها بالعلمِ لَيْسَ إخراجًا لها عن معناها، لكنَّه تفسيرٌ لها ببعضِ لَوَازِمِها؛ لِأَنَّ من لازِمِ المعيَّة أن يكون عالمًا بالأمرِ. ولا تَقْتَرِنُ المعيَّة بالمشاركةِ بالمكانِ؛ لِأَنَّ اللهَ محُيطٌ بكلِّ شيْءٍ سمعًا وبصرًا، ولهذا سَمِعَ قولَ المُجَادِلَة الَّتِي تُجادِلُ الرسولَ ﵊ فِي زوجها، وتقول عائشة: "لقد جاءت المجادلة إِلَى النبي ﷺ ، وأنا فِي ناحيةِ البيتِ، تشكو زوجها، وما أسمعُ ما تقولُ" (١). وفرقٌ بينَ قولنا: إنَّ المعيَّة (تَقتضي) المشاركة فِي المكانِ أو (تَستلزِم)، فإذا قلنا: تقتضي، فمعناه أن هَذَا من معانيها، وإذا قلنا: تَستلزم، فمعناه أَنَّهُ لازِم، فهذا هُوَ الفرق.

стр. 47

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وفي هَذِهِ الآيةِ دليلٌ عَلَى مبدأ تشجيعِ الْإِنْسَانِ فِي مهمتِه؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ فهنا التشجيعُ من دون ثلاثةٍ: إبطال الخوف بقوله: ﴿كَلَّا﴾، واستصحاب الدَّليلِ بقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، والعلم بالمدافع وَهُوَ قوله: ﴿مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾، فكلُّ شيْءٍ يحتاج إِلَى تشجيعٍ، فينبغي للإِنْسانِ أن يظهرَ تشجيعَ صاحبِه؛ حَتَّى يَنْشَطَ، ويؤديَ الرِّسالَةَ عَلَى الوجهِ الأكملِ. * * *

стр. 48

الآية (١٦) * * * * قالَ اللهُ : ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]. * * * قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾، وقال قبلها: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١٠ - ١١]، فدلَّ ذلك عَلَى أنَّ القومَ والآلَ إذا أُضيفت إِلَى الشخصِ فَإِنَّهُ يدخلُ معَ مَن أُضِيفَ لهم، فقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، لا يدلُّ عَلَى نجاةِ فِرْعَوْن؛ لقولِه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]، فهو أَوَّلهُم، وهنا أيضًا ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ثم قَالَ: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ ممَّا يدلُّ عَلَى أن القومَ إذا أُضيفت فأوَّل ما يدخل فيها مَن أُضيفت له، ما لم يَمْنَعْ مِن ذلك مانعٌ حِسّيّ كمَوْتِهِ مثلًا، فإذا مات لم تَعُدْ توجد فائدة، لكن إذا كَانَ موْجودًا فهو أوَّل مَن يدخل فِي قومه. قال تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يُبَيِّن اللهُ تعالى صفةَ القولِ، بل بَيَّنَ هنا المَقُولَ، لكنَّه بيَّن فِي آية فِي سُورَة طه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، فأمر مُوسى وهارون بأنْ يقولا: إنهما رسول من اللهِ، وذلك بلهجةٍ ليِّنةٍ لا بِلهجةٍ قاسيةٍ؛ لِأَنَّ القاسيَ إذا قُوبِلَ بلهجةٍ قاسيةٍ قَسَا أكثرَ، فإذا قُوبلَ بلهجةٍ ليِّنةٍ اجتمع ليّن وقاسٍ، فلا يحصل الصدامُ والإصطدامُ بينهما، وهذا منَ الحكمةِ فِي الدعوةِ، أمَّا الْإِنْسَان إذا كَانَ عاتيًا جبارًا فلا ينبغي أن يُقابَلَ

стр. 49

بالعُتُوِّ والجَبروتِ؛ وذلك لِأَنَّهُ لا يزيد الأمر إلا شدَّة، فيقابل باللين حَتَّى تقوم عليه الحُجَّة. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا﴾ كُلًّا مِنَّا ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾]، قدّر المُفسِّرُ (كلًّا مِنّا) لأجل التناسُبِ مع المبتدأِ الَّذِي هُوَ اسْم (إن)، والخبر الَّذِي هُوَ رسول: ﴿إِنَّا رَسُولُ﴾، وفي آيةٍ أُخرى: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، هكذا بالتثنيةِ، وهنا بالإفرادِ، فخرّج المُفسِّرُ الآيةَ عَلَى أنّ المَعْنى: كلّ واحد منّا، كما فِي قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، أي: اجعل كلَّ واحدٍ منهم. هَذَا أحدُ الوجوهِ. وجهٌ آخرُ أنَّ ﴿رَسُولُ﴾ بمَعْنى الرِّسالَةِ، أي بمَعْنى اسْم المصدرِ، والمصدرُ إذا وُصِفَ بِهِ يَستوي فيه المفردُ وغيرُه. ووجه ثالثٌ أن يُقالَ: إنّ الأَصْل فِي الرِّسالَةِ مُوسَى، وَهُوَ واحدٌ، وهارون مُعِين ووَزير، وإلَّا فالأَصْل أن مُوسَى هُوَ الرسول، كما يوجد فِي آياتٍ كثيرةٍ ذِكْر مُوسَى بدونِ ذِكر هارونَ. وقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقلْ: "إنا رسول الله"؛ لأنَّهما سيقابلان شخصًا يدّعي الربوبيَّة وأنه الربّ، فيتبين له من أولِ الأمرِ أنَّ الربوبيَّة ليستْ له وإنَّما هِيَ للهِ. والعالمَون: كل مَن سِوى الله فهو عالم، وكلُّ المخلوقاتِ عالمٌ، ومع ذلك رُبّما تُضاف إِلَى أنواعِها، ويُقال: عالم البشر، عالم الجنّ، عالم الإبل، عالم كَذَا وعالم كذا، لكن إذا جمعتَ هكذا شملتْ جميع أنواعها، فكل مَن سوى الله فَإِنَّهُ عالمٌ، قالوا: وسُمُّوا عالمًا لأنَّهم علَم عَلَى خالقهم.

стр. 50

قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك]، قدّر المُفسِّرُ (إليك) للإيضاحِ، وإلَّا فلا حاجةَ؛ لأنَّهما يخاطبانِه، فهما ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليه. فَوَائِدُ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: فِي الآية دَليل عَلَى أن القَوْم والأَهْل، وما أشبه ذلك، إذا أُضيفتْ دخل فيها مَن أضيفت له، ونأخذه من قوله: ﴿قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ ثم قال هنا: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ دلّ ذلك عَلَى أن فِرْعَوْن منهم. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وفي الآية أيضًا دَليل عَلَى أَنَّهُ يَنبغي أن يخاطَب الْإِنْسَان بما تَقتضيه حالُه، فمنكِر الربوبيَّة نخاطبه بإِثْباتِ الربوبيَّة، ومنكِر الألوهيَّة نخاطبه بإِثْبات الألوهيّة؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فَإِنْ قِيلَ: ما الَّذِي دلَّنا أن فِرْعَوْن كَانَ يَعتقد بربوبيّة الله؟ فالإجابة: من قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. فَإِنْ قِيلَ: هَؤُلَاءِ قوم فِرْعَوْن؟ فالإجابة: فِرْعَوْن معهم، وقال له أيضًا مُوسَى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]. * * *

стр. 51

الآية (١٧) * * * * قالَ اللهُ : ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]. * * * قال المُفسِّر ﵀: [﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿أَرْسِلْ مَعَنَا﴾ إِلَى الشامِ ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾]. قوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الإرسال بمَعْنى الإطلاقِ، يعني: أطلقهم؛ لِأَنَّهُ كَانَ قد ضيّق عليهم الخِناقَ وعَذَّبَهم بكونِه يقتلُ أبناءَهُم وَيستحيي نِساءَهم، فاضطرَّ مُوسَى ﵊ أن يطلبَ منه أن يرسلَ معه بني إِسْرَائِيل، ويُطْلِقهم. وستأتي المناقشةُ بينه وبين مُوسَى فيما بعد إن شاء الله. * * *

стр. 52

الآية (١٨) * * * * قالَ اللهُ : ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨]. * * * قال الله ﵎ فِي ذكر جَوابِ فِرْعَوْن لِمُوسَى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ فِرْعَوْن لمُوسَى ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾]، فِي الآيةِ إيجازٌ، والإيجازُ عندَ البلاغِيِّين مُنْقَسِمٌ إِلَى قسمينِ: إيجاز حَذْف، وإيجاز اختصارٍ، والموْجود هنا إيجازُ الحذفِ، ولهذا قَالَ: [فأَتَيَاهُ فقالَا لَهُ ما ذُكر ﴿قَالَ﴾ فِرْعَوْن لمُوسَى ... ]، إِلَى آخره. ومُوسَى لَمّا أدّى الرِّسالَةَ هُوَ وأخوه، قال فِرْعَوْن مجُيبًا لهذه الدعوة: [﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ فِي مَنازِلِنا ﴿وَلِيدًا﴾ صغيرًا قريبًا من الولادة بعد فِطامه]، هَذِهِ واحدة، ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: أفبعد هَذَا الأمر تأتي وتدّعي أنك رسول رب العالمين؟ ! ومَعْنى ذلك أَنَّهُ ينكر ربوبيَّة فِرْعَوْن، فكأنه يقول بعد هَذهِ الأمور الثلاثة: كَانَ الأليق بك أن تأتيَ معتذِرًا، وأن تأتيَ خاضعًا؛ لأنّنا مَنَنّا عليك، ولأنك أخطأتَ علينا. والمنّة قَالَ: [﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ فِي منازلنا ﴿وَلِيدًا﴾ صغيرًا قريبًا من الولادة بعد فِطامه]، والقصة معروفة فِي سُورَة القَصَص، أن الله تعالى أوحى إِلَى أُمِّه إذا خافتْ عليه أن تجعله فِي تابوت، وتُلْقِيَه فِي اليَمِّ، وفعلتْ؛ إيمانًا منها بوعدِ اللهِ، ثم قدّر الله

стр. 53

تعالى أنْ وقعَ هَذَا التابوتُ فِي قبضةِ آل فِرْعَوْن فالتقطوه؛ لحكمةٍ يريدها الله وهم لا يشعرونَ، فلمّا التقطوه أرسلتْ أمُّ مُوسَى أختَه لتقصَّ الخبرَ ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]، عن بُعد، ثم رأتهم يطلبون له مرضعةً، فعرضتْ عليهم ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢]، فرُد إِلَى أُمِّه، ولم يَرْتَضِعْ ثديَ أُنثى غيرها، وهذا من تمامِ قُدرة اللهِ ووفائه بوعدِهِ، أَنَّهُ ردّه إِلَى أُمه قبلَ أنْ يَتَغَذَّى بشيْءٍ سِوى لَبنها، وبقِي معها حَتَّى فَطَمَتْهُ. وبحسب الحال سوف يرجع إِلَى آل فِرْعَوْن الَّذين التقطوهُ، فرجع إليهم فنشأ فيهم، وهذا من تمامِ قُدْرَة اللهِ أن يَنْشَأ هَذَا الصبيُّ الَّذِي كَانَ هلاك فِرْعَوْن بسببه فِي حجْرِهِ. وقد قيل: إن فِرْعَوْن كَانَ يُقتّل أبناءَ بني إِسْرَائِيل خوفًا من هَذَا الولدِ؛ لِأَنَّ الكَهَنَة قالوا له: إنه سيظهرُ رجلٌ فِي بني إِسْرَائِيل يكون زوالُ مُلْكِكَ عَلَى يدِه، فصار يقتل أبناءَهم. هَذِهِ عَلَى كلِّ حالٍ مِن الإسْرَائِيليات الَّتِي لا نَدري هل تُصَدَّق أم لا؟ إنَّما كونه يقتل الأبناء وَيسْتَحْيي النِّساء هَذَا فِي القُرآن، لكن هل هُوَ إذلال للشَّعب واستعبادٌ لهم، أم خَوْفًا مِن هَذَا الوَلَدِ؟ اللهُ أعلمُ. على كلِّ حالٍ، تَرَبَّى عندهم فكان يَمُنّ عليه فِرْعَوْن بهذه المِنَّة ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ يعني: فكيف تأتي ضِدَّ ما نريدُ، وتدّعي أنَّ لك ربًّا أَرْسَلَكَ، ثانيا: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ - وليسَ سِنينًا؛ لِأَنَّهُ ملحَق بجمعِ المذكَّر السالمِ -. وقوله: ﴿مِنْ عُمُرِكَ﴾ فِي الأَصْل صِفة للسِّنين، أصلها: لَبِثْتَ فينا سِنينَ مِن عُمُرِكَ، ولكن القاعدة فِي النحوِ أن الصِّفَةَ إذا قُدّمت أُعْرِبَتْ حالًا؛ لِأَنَّ الحالَ

стр. 54

صفةٌ فِي المَعْنى، والصِّفَة للمَعْنى - الذي هُوَ النَّعْت - لا يمكن أن تَتَقَدَّم عَلَى المنعوتِ، لهذا قالوا: إنّ الصِّفَةَ - صفة النكرة - إذا قُدّمت عليها أُعْرِبَتْ حالًا منها، هَذِهِ قاعدةٌ عندَ النحْوِيِّينَ. قال: ﴿مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ هَذِهِ السنونَ ثلاثونَ سنةً، حَسَبَ ما قال المُفسِّر وأكثرُ المُفَسِّرِينَ، ولكن الأَولى أنْ تُبهَم كما أبهمَ اللهُ، لكن هم قَدّروا هَذِهِ الثلاثينَ لِأَنَّ مُوسَى ﵊ نُبِّئَ عَلَى رأسِ الأربعينَ عَلَى ما هِيَ عادةُ اللهِ فِي إرسالِ الرُّسُلِ، فقالوا: إن الثلاثينَ كانتْ عند فِرْعَوْن، ثم إنَّه ذهبَ إِلَى مَدْيَنَ وبَقِيَ فيهم عشْرَ سنواتٍ، ثم أرسلهُ الله. فمِن هنا صارتِ السنونَ ثلاثينَ، ولكن هَذَا لَيْسَ بلازمٍ؛ لِأَنَّهُ قد يكون تَرَبَّى عند فِرْعَوْن أقلَّ مِن هذا، ثم انضمَّ إِلَى بني إِسْرَائِيل، فلهذا لا يَنبغي أنْ نَجْزِمَ بأنها ثلاثونَ سنةً، فلنقلْ كما قال الله: ﴿سِنِينَ﴾ وهي جمعٌ، وأقلُّ الجمعِ ثلاثُ سنواتٍ، ولكن يبدو أَنَّهَا أكثر؛ لِأَنَّ الثلاثَ سنواتٍ قد لا تكون بِهَا تلك المِنّة الَّتِي يَمُنّ بِهَا فِرْعَوْن. يقول المُفسِّر ﵀: [يَلْبَسُ من ملابس فِرْعَوْن، ويَرْكَب من مَرَاكِبِهِ، وكان يُسَمَّى ابنه]، ولذلك قالتِ امرأة فِرْعَوْن: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص: ٩]. فهذا دَليل عَلَى أَنَّهُم اتَّخذوه ولدًا، يعني: عسى أن يَنْفَعَنا مُطْلَقًا وإنْ لم يَتْبَنَّهْ أو نَتَّخِذه ولدًا، ومن المعلومِ أن الولدَ سوف يَنْفَع، ولكن الله يقول: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩] لم يكنِ الأمرُ كما تَوَقَّعُوه، بل كَانَ بالعكسِ. * * *

стр. 55

الآية (١٩) * * * * قالَ الله : ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ وهي قَتْلُهُ القِبْطِيَّ]، ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ أبهمها تعظيمًا لها، والإبهامُ يأتي للتَّعْظيمِ أحيانًا، كما فِي قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٢]، وقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، هَذَا إبهامٌ يُراد بِهِ التعظيمُ، وهنا قَالَ: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ ولم يَقُلْ: قَتَلْتَ القِبْطِيَّ؛ إشارةً إِلَى تعظيمها، وأضافها إليه من بابِ التقريرِ، يعني: إنك فعلتَ تلك الفعلةَ الَّتِي لم يَفْعَلْهَا سِواك، وهي قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، الَّذِي كَانَ فِي مشاجرةٍ معَ الإِسْرَائِيليّ. قال تعالى: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، الجُملة حالٌ من الضَّميرِ فِي ﴿فَعَلْتَ﴾. قال: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الكافرين: لَيْسَ بالله؛ لِأَنَّهُ لا يؤمنُ باللهِ، ولكن من الكافرينَ بفِرْعَوْن؛ لِأَنَّ مُوسَى لم يَتَّخِذْهُ إلهًا كما اتَّخَذَهُ الأقباطُ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الجاحدينَ لِنِعْمَتِي عليك بالتربيَة وعدمِ الإستعبادِ]، فهذا ما ذهبَ إليه المُفسِّر؛ أنَّ المُرادَ بالكفرِ هنا كفرُ النعمةِ، وذلك جحده لما مَنَّ بِهِ فِرْعَوْن عليه من التربيةِ، وعدم الإستعباد، كما استعبد بني إِسْرَائِيل، ولكن الَّذِي ينبغي أن نقولَ: هِيَ أعمُّ ممَّا قال المُفسِّر، بل كذلك - وهي الأهم عند فِرْعون - أَنَّهُ كفرَ بِعُبُودِيَّتِهِ، فلم يَتَعَبّد له.

стр. 56

الآية (٢٠) * * * * قالَ اللهُ : ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ مُوسَى ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ أي: حينئذٍ ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ عمَّا آتاني اللهُ بَعْدَها مِنَ العِلْم والرِّسالة]. قوله: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ كلمة (إِذًا) للمستقبَل؛ لِأَنَّ أصلَها: (إذَا)، فَنُوِّنَتْ، و (حينئذٍ) تكون للماضي، فتفسير المُفسِّر (إِذًا) بـ (حِينَئذٍ) من باب التفسير بالمعنَى، لا التفسير باللفْظ؛ إذْ لا يُفسَّر حرف بحرفٍ يقابله فِي المَعْنى، ولكن من باب التفسيرِ بالمَعْنى، يعني: فعلتُها حينئذٍ فعلتُها فيما مَضَى ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾. وذهب بعضُ المفسِّرين إِلَى أنَّ (إذًا) عَلَى ما هِيَ عليه جَواب لفِرْعَوْن كالمتهكِّم به، كأنه يقول (إذن أفعلها) يعني: ولا أُبالي بك، ولكنّي مِنَ الضَّالِّينَ الجاهلين لحُكْم القتلِ. ولعلَّ هَذَا أقرب أن تكونَ: (إذًا) عَلَى بابها ليستْ بمَعْنى الماضي، وكأنَّ ذلك جَوابٌ لفِرْعَوْنَ عَلَى سبيلِ الإستهانةِ بِهِ وعدمِ الإكتراثِ، وأنَّه لا يُبالي به. وقوله: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ جَوابٌ لقولِ فِرْعَوْنَ له: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩]. وقوله: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ يقولُ الشارح - أو المفسِّر-: [عمَّا آتاني الله بعدها من العلمِ والرِّسالَةِ]، فيكون المُراد بالضَّلالِ هنا الجَهْل. وعلى هَذَا فيكونُ الضَّلالُ يَنْقَسِم إِلَى قِسمينِ:

стр. 57

* ضلال يُذَمّ عليه الفاعلُ أو الضالُّ. * وضلال لا يُذمّ عليه. والضَّلالُ الَّذِي حَصَلَ أو الَّذِي اتَّصَفَ بِهِ مُوسَى حينَ قَتْلِه القِبْطِيَّ ضَلالٌ لا يُلام عليه؛ لِأَنَّهُ لم يأتِهِ وحيٌ ولا رسالة حينئذٍ، فهو معذورٌ، ومن هنا نعرِف أَنَّهُ يَصِحّ أنْ نصِفَ المخالفينَ للصوابِ من أهلِ العلمِ بالضَّلالةِ، لكن لا الضَّلال المُطْلَق الَّذِي يُذمّون عليه إذا عُرف أَنَّهُم أهلُ نُصحٍ فِي الإسلامِ، لكن أَخْطَئُوا بعدَ الإجتهادِ. مثال ذلك: أنَّ كثيرًا من أهلِ العلمِ أَشَاعِرَة منَ الَّذين عُرفوا بالإخلاصِ للإسلامِ، وبمَقام الصِّدق فيه، ومعَ ذلك نَصِفُهم بأنَّهم ضَالّون، لكن لا الضَّلال المطلَق الَّذِي يُشمّ منه، أو يُشْعِر بالذمِّ والقَدْح، لكن المُراد مخالفة الصَّوابِ، وإلا سَنَجِدُ مَنْ يُشنِّع إذا قلنا مثلًا: ابنُ حَجَرٍ ضالٌّ، والنَّوَوِيُّ ضالٌّ، وكثير من أكابرِ العلماءِ مُخْطِئُون للصواب، أو مُخْطِئُون فيما يقولون، مجانِبُون للصوابِ، لكن لا نقول: لَيْسَ الضَّلال المطلَق الَّذِي يُذمُّ عليه الفاعلُ؛ لِأَنَّ الضَّلالَ مع الإجتهاد وتَحَرّي الحَقّ لا يُذَمّ عليه المرءُ وإنْ وُصِفَ به. فائدة: قوله: ﴿إِذًا﴾ فِي جَواب للحالِ باعتبارِ جَوابِه لفِرْعَوْن. وقوله: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ الجُملةُ الحاليَّة حالٌ منَ الفاعلِ ﴿فَعَلْتُهَا﴾، فـ ﴿إِذًا﴾ لا تكونُ متعلِّقة بـ (فعلتُ)، وتكون متعلقة بجَواب: أُجِيبك إذن، ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ يعني: باعتبار جَوابِهِ لفِرْعَوْن، لا باعتبارِ أَنَّهُ فَعَلَها. فكأنه يُشعر بعدمِ الإكتراثِ وبالتحدِّي لفِرْعَوْن، وأنه لم يبالِ به. يقول ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ والمُراد بالضَّلال: الجهلُ الَّذِي لَيْسَ عن عمْدٍ.

стр. 58

الآية (٢١) * * * * قالَ اللهُ : ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ٢١]. * * * قال: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾. وسببُ فِرارِه منهم أن رجلًا جاءه يسعى وقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠]، وهذا الرَّجُلُ مجهولٌ، لكن قَبِلَ مُوسَى خَبَرَهُ لوُجودِ القَرينة؛ وهي قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، وإلَّا فَإِنَّهُ ما يُقْبَل خبرُ رجلٍ مجهولٍ. ثم إن هَذَا الرَّجُل أكَّد خبره بقوله: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فخرجَ وفرّ منه خائفًا. قال: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، (لَمّا) ظرفٌ بمَعْنى: (حينَ)، وتُستعمَل عدَّةَ استعمالاتٍ، فتُسْتَعْمَل ظرفًا بمَعْنى: (حين)، وتُسْتعمل بمَعْنى أداةِ استثناءٍ، بمَعْنى: (إلَّا)، وتُستعمَل شرطيَّةً، وتُستعمَل نافيةً، أمَّا استعمالها نافيةً ففي مثل قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، يعني: لم يدخلْ. وأمَّا استعمالها شرطيَّة ففي مثلِ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١]، فهذه الشَّرطيَّة، وأمَّا استعمالها بمَعْنى

стр. 59

(إلَّا) ففي مثلِ قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، يعني: ما كلّ نفس إلَّا عليها حافظ. وهنا ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ اسْم بمَعْنى: (حين)، فهي ظرفٌ يعني: حين خِفْتُكُمْ. وهذا ممَّا يؤيِّد ما سبقَ أنْ أشرنا إليه بأن الكَلِمات تعتبر حقيقةً بِحَسَبِ السياقِ، وأنَّ هَذَا هُوَ مأخَذُ شيخِ الإسلامِ ابن تيميَّة ﵀ فِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغة العربيَّة ما يُسَمَّى بالمَجازِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَيْسَ أمرًا ذاتيًّا للكلمةِ، بل الكلمة لها مَعْنى بحسَب قِياسها وقرائن أحوالهِا. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ عِلمًا ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾]. ﴿فَوَهَبَ لِي﴾: أعطاني، قَالَ: [﴿حُكْمًا﴾ عِلمًا]، ولكن تفسير الحُكْم بالعلمِ قد يقول قائلٌ: إنَّ فيه نظرًا؛ لِأَنَّ الله تعالى يَعْطِف بَعْضَهما عَلَى بعضٍ؛ كما فِي قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢]، والعطفُ يَقْتَضِي المُغَايَرَة، وإذا كَانَ كذلك، فَإِنَّهُ لا يمكن أن يفسَّر أحدهما بالآخرِ. ولننظرْ: هل هَذَا الإعتراضُ صحيحٌ، أم يُقال: إنهما من الألفاظِ الَّتِي إذا اجتمعتِ افترقتْ، وإذا افترقتِ اجتمعتْ، فإذا اجتمعتا تَغَايَرَتَا، وإذا انفردتْ إحداهما صارَ مَعْنى كلِّ واحدةٍ مَعْنى الأخرى. قال تعالى: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الحُكم: القضاءُ بالشَّيْءِ، ويُسمَّى حُكمًا، ولا حكم إلا بعلمٍ، فتفسير الحكمِ بلازِمِهِ، وإذا جمع معَ العلمِ صار العلمُ ضدَّ الجهلِ، والحكم تطبيق ذلك العلمِ، فالذي يَظْهَر أن المُرادَ بالحكمِ هنا أخفّ منَ العلمِ، يعني: الحكم: القضاء، أو ما بِهِ يَقضي الْإِنْسَان بينَ النَّاسِ،

стр. 60

ولا يكون ذلك إلَّا بعلمٍ، فتفسير المُفسِّر له تفسير بلازِمِهِ؛ لِأَنَّ مِن لازِمِ الحكمِ العلم، وليس من لازمِ العلمِ الحُكْم؛ لِأَنَّهُ قد يَعْلَم ولكنْ لا يَحْكُمُ. وقوله: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هَذَا بعدَ أنْ أَوحى اللهُ إليه وآتاه منَ العلمِ والحُكم جعله أيضًا مُرْسَلًا وكُلِّفَ بالرِّسالَةِ. وفي قوله: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ولم يقلْ: وجَعَلَني رسولًا، كالتنبيه لفِرْعَوْن أَنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنَ الرسُل، وأنه لم يأتِ بأمرٍ جديدٍ، بل إن أمامَه رُسُلًا، وقد ذكر الله تعالى فِي سُورَةِ غَافِرٍ أن الرَّجُل المؤمنَ يقولُ لهم: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر: ٣٤]، فكأنَّه يقول له: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الَّذين عندَكَ خَبَرُهُمْ، فلستُ بِبِدْعٍ مِنَ الرُّسُلِ. * * *

стр. 61

الآية (٢٢) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ أَصْلُها: تَمُنّ بِهَا عَلَيَّ]، أي: تَجْعَل بِهَا مِنّة عليّ، ولكن حُذف حرفُ الجرِّ وعُدِّي الفعلُ إليها. قَالَ: ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ أي: تجعلها مِنّة ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يقول: [بيان لـ (تلك)، أي: اتَّخَذْتَهُمْ عَبيدًا]، وإذا كانتْ بيانًا لـ (تلك) فتكون (أنْ) تفسيريَّة، تفسير لاسْم الإشارة فِي قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ أي: حين عبَّدتَ بني إِسْرَائِيل جعلتَ تَربيتي عندكَ وليدَ النعمةِ، وفي الحَقِيقَة هَذَا لَيْسَ بنعمةٍ؛ لِأَنَّ كَوْن الْإِنْسَان لا يقتلُ هَذَا الرَّجُل وَهُوَ يقتلُ غيرَه عُدوانًا لَيْسَ بنعمةٍ؛ لِأَنَّ أصلَ قتلِ أولئكَ ظُلْمٌ وجَوْرٌ، فكونه لا يقتلُ هَذَا الرَّجُلَ لَيْسَ نعمةً. وغايةُ ما هنالكَ أَنَّهُ لم يَظْلِمْهُ، فهو لنْ يدفعَ عنه ضررًا نازلًا بِهِ من غيرِهِ، ولم يَجْلِبْ إليه نفعًا. فمُوسَى يقول: كيف تَمُنُّ عليّ بهذه النعمةِ أنْ عَبَّدْتَ بني إِسْرَائِيل، يعني: ولم تَسْتَعْبِدْنِي، فهذه ليستْ نعمةً؛ لِأَنَّ كون الْإِنْسَان لا يظلمُ هَذَا الرَّجُلَ ويظلمُ ذاك، فهذا لَيْسَ نعمةً عَلَى مَن لم يُظْلَمْ؛ إذ لم يُسْدِ إليه نفعًا، ولم يَدْفَعْ عنه ضررًا، غايةُ ما هنالك أَنَّهُ امتنعَ عن ظُلْمِهِ. وفي الواقع امتناعُه عن ظُلمِهِ نعمةٌ عَلَى نفسِ الظالمِ؛ أن الله تعالى أنعمَ عليه

стр. 62

فمَنَعَهُ مِن ظُلْم هَذَا الرَّجُلِ، ولهذا يقول المُفسِّر: [﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ولم تَسْتَعْبِدْنِي، لا نعمةَ لك بذلكَ لِظُلْمِكَ باستعبادهم]، فأنت ما أعطيتني منّةً جديدة ونعمةً جديدةً حَتَّى تمُنّ بها، فهو يُنكر عليه، ولهذا يقول المُفسِّر: [وقدَّرَ بعضُهم أوَّل الكَلام همزةَ استفهامٍ للإنكارِ]، يقول: كيف تمنُّ عليّ بهذا الشَّيْء؛ بأنك عبَّدتَ بني إِسْرَائِيل، هَذَا لَيْسَ بنعمةٍ. ففِرْعَوْن يراها نعمةً، قَالَ: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ فهو جعل هَذِهِ مِنَ النِّعم. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ كونك عَبَّدْتَهُم، أي: جَعَلْتَهم عبيدًا لكَ، ووجهُ الإستعبادِ أَنَّهُ - وَالْعِيَاذُ بِاللهِ - كَانَ يقتّل الرِّجالَ، فتبقى النِّساء بدون قيِّمٍ، والمرأةُ إذا بَقِيَتْ بدون قيِّم تضطرُّ إِلَى أن تَخْدُمَ، ولهذا قال العلماءُ: إنه كَانَ يستخدِم النِّساء فيُبْقِيهِنَّ بالضرورة، وإذا لم يكن لهنّ قيِّم سوف يَلْجَأْنَ إِلَى الأقباطِ لاستخدامهنَّ. وسبقَ أن قال مُوسَى: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]، ثم قَالَ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ٢١]، فكأنه يقول: أنتم لم تألوا جُهْدًا فِي معاقبتي، ولكنَّني فَرَرْتُ منكم فلم تُدْرِكُوني فنجوتُ، فالعُقوبة نجوتُ منها بالفرارِ، والجهلُ تَنَزَّهْتُ منه بالرِّسالَةِ. فكأنه يقول: تَرْك الظلمِ بالنِّسبةِ إليّ لا يُعَدُّ نعمةً؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان لَيْسَ مُسْتَحِقًّا له حَتَّى نقول: إنه عَفَا عنه وتركه، فهذا ما صار عليه المُفسِّرُ، لكن هناك احتمالٌ آخرُ، فالإساءة إِلَى قومه إساءةٌ له، فكأنَّه يؤكِّد نفيَ النعمةِ، يعني: أين النعمة وأنت قد

стр. 63

عبّدت بني إِسْرَائِيل وهم قومي، فإذا قُدّر أنِّي سلِمتُ منَ التَّعبيد والظُّلم، فأنا فَرْدٌ من قبيلةِ وقومي قد عبَّدتَهم، فأين النعمة؟ ! وقوله: [قدَّر بعضهم أوَّل الكَلام همزةً]، لَيْسَ ببعيدٍ أَنَّهُ قَالَ: أوَتلك نعمةٌ تَمُنّها عليَّ أنْ عَبَّدْتَ بني إِسْرَائِيل. يعني: فليس لك عليّ نعمة. و(أنْ) تبين المبهَم فِي قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ فكأنه يقول: تَمُنّ عليّ بهذه النعمةِ حينَ عبَّدتَ بني إِسْرَائِيل، يعني: ولم تَسْتَعْبِدْهُمْ، هَذَا هُوَ المَعْنى. ولولا أنَّ هَذَا المَعْنى ظاهرٌ لَقُلنا: إن مُوسَى ﵊ صَرف نعمتَه عليه كالمتهكِّم به، يعني: يقول: أين النعمة الَّتِي أنعمتَ بِهَا عليّ وأنتَ تُعَبِّد بني إِسْرَائِيل؛ لِأَنَّ تعبيدَ بني إِسْرَائِيل خلافُ النعمةِ فِي الواقعِ، ومنَ المعلومِ أن مُوسَى مِن بني إِسْرَائِيل، فتعبيدُ بني إِسْرَائِيل - وهم قومُه - إذلالٌ له، وهذا مَعْنى جيِّد فِي الحَقِيقَةِ، نقول: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ يعني: كيف تمنّ عليّ بهذه النعمةِ وأنت تعبِّد بني إِسْرَائِيل، ويكون هَذَا من بابِ ما يُسَمُّونه بـ (تأكيد الذمّ بما يُشْبِه المَدْحَ)، وحينئذٍ تكون ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ تفسيرًا لـ (تِلْكَ)، يعني: أهذه النعمة الَّتِي تَمُنُّها عليّ أنْ تُعَبِّد بني إِسْرَائِيل، فأين النعمة؟ ! فهذا مَعْنى جيِّد. * * *

стр. 64

الآيتان (٢٣، ٢٤) * * * * قالَ اللهُ : ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لمُوسَى ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الَّذِي قلتَ: إنَّك رسوله؟ أي: أيُّ شيْءٍ هو؟ ولَمَّا لم يكنْ سَبيل للخَلْقِ إِلَى مَعْرِفَةِ حَقيقتِهِ تعالى، وإنَّما يَعْرِفُونه بصفاتِهِ، أجابه مُوسَى ببعضِها ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾]. هذا الكَلام الَّذِي قاله المُفسِّر فِي تفسيرِ الجُملةِ بعيدٌ منَ الصَّوابِ كلَّ البُعْدِ؛ قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ من المعروف أن (مَا) يُستفهَم بِهَا عن الحَقِيقَةِ، فتقول: ما الذهَب؟ يُقال مثلًا: هُوَ مَعْدِنٌ نَفيس .. إِلَى آخره، تقول مثلًا: ما العِلم؟ تقول: إدراكُ الشَّيْءِ عَلَى ما هُوَ عليه إدراكًا جازمًا، فـ (ما) يُسْتَفْهَم بِهَا فِي الأَصْلِ عنِ الحَقِيقَةِ. ويدّعي المُفسِّر أنَّ فِرْعَوْن استفهمَ عن ذلك - عن الحَقِيقَة - ولكنَّه لَيْسَ كذلكَ، ففِرْعَوْن استفهمَ عن هَذهِ الربوبيَّة؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فما هَذِهِ الربوبيَّة الَّتِي زعمتَ أنَّ الله تعالى أرسلكَ وَهُوَ ربُّ العالمين؟ ! لأننا لو قلنا: إنَّه يَسْتَفْهِم عن حقيقةِ اللهِ لَلَزِمَ منْ ذلك أن يكونَ قد أقرَّ به، وَهُوَ لم يُقِرَّ بِهِ حَتَّى يسأل عن حقيقةِ هَذَا الربِّ، وإنَّما يُنْكِر الربَّ أصلًا،

стр. 65

فالإسْتِفهام للإنكارِ: أيّ شيْءٍ هُوَ ربُّ العالمينَ الَّذِي زَعَمْتَ أنَّهُ أرسلكَ؟ ! يعني: لَيْسَ هناك ربٌّ، فالتفسيرُ الَّذِي ذهبَ إليه المُفسِّرُ بِناءً عَلَى ما هُوَ معروفٌ مِن أنَّ (ما) - وهو عندَ المناطِقِ أيضًا، لَيْسَ معروفًا فِي اللُّغةِ العربيَّة، بل عند أهل المنطِق - يُسْتَفْهَم بِهَا عن كُنْهِ الشَّيْءِ وحَقِيقَتِه، فقال: إن فِرْعَوْن يَستفهِم عن كُنه الخالقِ وحقيقته، ولكن مُوسَى لَمَّا لم يمكنْ أن يجيبَ عن ذلك، عَدَلَ إِلَى بيانِ صفةٍ من صفاتِهِ، فيكون الجَواب من مُوسَى غيرَ مُطابِقٍ للسُّؤالِ، ويُسَمَّى هَذَا بأسلوبِ الحكيمِ، أن يُجابَ السائلُ بغيرِ ما يَتوقَّع. ولكن ما قاله وما ذهبَ إليه لَيْسَ بصحيحٍ، كما أنكره ابنُ كَثيرٍ ﵀ فِي تفسيره (١)، وقال: إن هَذَا معناه إقرار فِرْعَوْنَ باللهِ، لكن يسأل عن حقيقةِ هَذَا الإلهِ، فالصَّوابُ أنَّ مُوسَى ﵊ أجابَهُ بجَوابٍ مطابِقٍ للسُّؤالِ، وأنَّ فِرْعَوْن يسألُ عن هَذِهِ الربوبيَّة الَّتِي زعمَ مُوسَى أَنَّهُ مُرسَل من ربِّ العالمينَ فقال ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ ! أيّ شيْءٍ ربُّ العالمينَ الَّذِي أرسلكَ؟ ! وليس معناه: أي شيْء هُوَ مادتُه. والجَواب: [﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: خالِق ذلك]، ولا يكفي أن يفسَّر بالخالق، بل خالق ذلك ومدبِّره، والمتصرِّف فيه؛ لِأَنَّ الربَّ لا يَكفي أن يكونَ خالقًا، بل لا بدَّ مِن خَلْقٍ وتدبيرٍ وتصرُّفٍ. قال: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وليست ربوبية فِرْعَوْن كهذه الربوبيَّة؟ وفِرْعَوْن يدخل فِي ذلك؛ لِأَنَّ الله ربُّه، لِأَنَّهُ لا يخرجُ عنِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، فهو فِي الأرضِ، وكأنه أيضًا أجاب بهذا إشارةً إِلَى إبطالِ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْن؛

стр. 66

لِأَنَّ فِرْعَوْنَ لا خَلَق سماواتٍ ولا أرضًا، ولا ما بينهما، فالذي يَسْتَحِقّ الربوبيَّة هُوَ الله. ويَنبغي الوقوف: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، ثم يُقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فالأمرُ بيِّنٌ. ولهذا المُفسِّر قدّر الجَواب، وقال: [﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ بأنه تعالى خالِقُه فآمِنوا بِهِ وحدَه]. وإنَّما قلنا: إنها لا تَعلّق لها بما قبلُ؛ لِأَنَّهُ لو تَعَلَّقَتْ بما قبلها لكانَ مَعْنى أَنَّهُ ربُّ السماواتِ والأرضِ إنْ أَيْقَنُوا بذلك وإلَّا فليس ربَّ السماواتِ والأرضِ، وهذا الكَلامُ لا يَستقيمُ. والتَّقدير: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ - أي: من ذوي الإيقانِ - فأَيْقِنُوا بذلك؛ لِأَنَّهُ لا أحدَ يَقْدِر عَلَى خَلْق السماواتِ والأرضِ، فـ (إنْ) هنا شرطيَّة، وجَوابُ الشَّرطِ محذوفٌ، وقدَّرَ المُفسِّر: (فآمنوا بِهِ وحدَه). و (آمنوا) و (أيقنوا) معناهما واحد. * * *

стр. 67

الآية (٢٥) * * * * قالَ اللهُ : ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ فِرْعَوْن ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ مِن أشرافِ قومِه: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ جَوابَه الَّذِي لم يُطابِقِ السُّؤالَ]، وهذا غريب! فالإسْتِفهامُ هنا للتهكُّم بلا شكّ، يعني: ألَا تَستمعونَ إِلَى هَذَا الَّذِي زَعَمَ أنّ ربَّ العالمَينَ ربُّ السماواتِ والأرضِ، والواقع - على حَسَب زَعْمِه - أنّ ربّ العالمينَ هُوَ فِرْعَوْن، فهو يَتَهَكَّم به، يقول: استمعوا إِلَى هَذَا يقول: إن ربَّ العالمينَ ربُّ السماواتِ والأرضِ وما بَينَهما. فيكون عَلَى هَذَا خاطئًا فِي تَهَكُّمِهِ، وقصدُه بهذا حقيقةً التهويلُ، وتحطيمُ مُوسَى ﵊، وبيانُ أنَّ ما جاء بِهِ لَيْسَ بصوابٍ، أمَّا عَلَى رأيِ المُفسِّر فجَوابُه لم يُطابِقِ السُّؤالَ، ولو كَانَ الأمرُ كذلك لكانَ فِرْعَوْن مُحِقًّا فِي اعتراضِهِ؛ لِأَنَّ كلَّ أحدٍ إذا عرفَ أن الْإِنْسَان أجابَ بغيرِ ما سُئل عنه فمَعْنى ذلك أَنَّهُ مُنْقَطِع عن الحُجَّة، وعاجزٌ عن دَفعها، فهذا من أبعد ما يكون. ونحن نقولُ للمؤلِّف ولغيرِ المُفسِّر ممَّن نَشَأَ عَلَى طريقته: إنّ جَوابَ مُوسَى ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ مطابِقٌ للسُّؤالِ، وإن فِرْعَوْنَ لم يسألْ عن حقيقةِ وكُنْهِ الخالِقِ أبدًا، ولا دارَ فِي فِكْرِهِ هذا، ولا يبالي بِهِ مِن أيِّ شيْءٍ هو. فلهذا نقول: إن الجَوابَ مطابِق للسُّؤالِ، و ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ الإسْتِفهامُ للتهكُّمِ؛

стр. 68

لِأَنَّ مُوسَى أتَى بأمرٍ بعيدٍ عمَّا يريده فِرْعَوْن، ففِرْعَوْن الَّذِي يقول: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ يريدُ مِن مُوسَى أن يقول: ربُّ العالمينَ فِرْعَوْن، ولكنه قَالَ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، ثم أيضًا اسْتَبْلَهَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ يعني: إن كنتُم من ذوي الإيقانِ والعلمِ فأيقِنوا بذلك. والإسْتِفهامُ هنا فِي ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ فِي هَذَا المقام لا شكَّ أَنَّهُ سَيَصْدُرُ مِن مثلِ فِرْعَوْن، حيث يَتَهَكَّم بمُوسَى الَّذِي جاء بالحَقِيقَةِ ولا يستطيعُ فِرْعَوْن أنْ يَدْفَعَها. * * *

стр. 69

الآية (٢٦) * * * * قال الله : ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ مُوسَى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهذا وإنْ كَانَ داخلًا فيما قبلَه يَغِيظُ فِرْعَوْن]. مُوسَى ﵇ أسلوبه أسلوبٌ حكيمٌ: أتى أوَّلًا بالربوبيَّة العامَّة للسماوات والأرضِ وما بينهما، ثم أتى للربوبيَّة الخاصَّة لِفِرْعَوْنَ الَّذِي يَدَّعي أَنَّهُ ربُّه، وقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾، إشارة إِلَى أنكم أنتم أتيتم مِن آبائكُم، ومَن أتَى مِن أبٍ فكيفَ يُمْكِن أنْ يكونَ رَبًّا؟ ! هُوَ مخلوقٌ مِن نُطْفَةٍ. فكأنه يقول: ارْجِعُوا إِلَى أَصْلِكُم، فالله تعالى ربُّكم أنتم الَّذين تَدَّعُونَ أنَّكم أربابٌ وربُّ آبائكم الأوَّلين الَّذين أتيتم منهم، فيذكّرهم بأصلِهم؛ لِيَذْكُروا أَنَّهُم كانوا محدَثين، وأنَّهم لا يَصْلُحُونَ لِأَنْ يكونوا أربابًا، وهذا مِن حُسن الجَوابِ، وفي الحَقِيقَةِ كلُّ جَوابٍ يقوله مُوسَى فهو حُجَّةٌ قاطعةٌ تَدْمَغُهم، ولكن - وَالْعِيَاذُ بِاللهِ - مَن لم يُوَفَّقْ بالحقِّ فَإِنَّهُ لا يَنْتَفِع بِهِ ويَسْتَكْبِر عنه. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهذا وإنْ كَانَ داخلًا فيما قبلَه يَغيظ فِرْعَوْن]، وفي الحَقِيقَة هَذَا كَلامٌ لَيِّن من المُفسِّر، ولو قَالَ: هَذَا أيضًا إقامة حُجَّة أُخرى عَلَى فِرْعَوْن أَنَّهُم مَرْبُوبُونَ، وأنَّهم مخلوقونَ من أصلابِ آبائهم

стр. 70

الأوَّلين، ومَن كَانَ كذلك مولودًا فلا يَسْتَحِقّ أنْ يكونَ ربًّا وإلهًا - اللهُ أكبرُ - لو قال ذلك لكان أَولى، فالرُّسُلُ يعانون من أقوامهم شَيئًا كثيرًا. * * *

стр. 71

الآية (٢٧) * * * * قالَ اللهُ : ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]. * * * (إنّ) للتَّوكيد، و (لمَجْنُونٌ) اللام أيضًا للتَّوكيدِ، فأكّد جنون مُوسَى بأمرينِ؛ بـ (إنّ) واللام، وفي قوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾ منَ التهكُّم ما هُوَ غيرُ خفيٍّ، يَتَهَكَّم بِهِ لِأَنَّهُ يُنْكِر رسالتَه وينكر ربوبيَّة ما أرسله، فهذا من بابِ التهكُّم به، ثم إنه لم يُضِفْهُ إِلَى نفسِهِ تكبُّرًا، فما قَالَ: إن الرسول الَّذِي أرسلَ إلينا أو إن رسولنا، قَالَ: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾، وهذا عُلُوٌّ منه وتكبُّر وتهكُّم بمُوسَى. فالعلوُّ والتكبُّرُ والترفُّعُ حيث أضافه إليهم، فكأنَّه هُوَ فِي شأنٍ أعلَى مِن أنْ يُرسَل إليه ولا عَلَى سبيلِ التهكُّم، ثم إنَّ إضافةَ الرِّسالَةِ إليهم وَهُوَ ينكِر ذلك تهكُّمٌ بمُوسَى ظاهرٌ، فقوله: ﴿الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ولم يقلْ: أرسله ربُّ العالمينَ، مع أن مُوسَى قَالَ: إنِّي رسول ربِّ العالمينَ؛ لِأَنَّهُ ما سَمَحَ لنفسِه أن يصفَ اللهَ تعالى بالربوبيَّة ولا عَلَى سبيلِ التهكُّم. وقوله: ﴿لَمَجْنُونٌ﴾ المجنونُ: فاقدُ العقلِ، وهذا دَأْبُ جَميعِ الَّذين كذّبوا الرُّسُلَ، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]، يقولون: ساحر أو مجنون، و (أو) هَذهِ مانعةُ خُلُوّ وليستْ مانعةَ جمعٍ؛ لأنَّهم قد يقولون: ساحرٌ فقط، أو مجنونٌ فقطْ، أو ساحرٌ ومجنونٌ، وهذا ما وَقَعَ لِمُوسَى ﵊ كما سيأتي قريبًا إن شاء الله.

стр. 72

الآية (٢٨) * * * * قالَ اللهُ : ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ مُوسَى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾]، يعني: هُوَ ربُّ المشرِق والمغربِ، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ﴾ لَيْسَ المُراد منْه الجِهة فقط، ولكن المُراد الجِهَة وما يَحْدُثُ فيها مِن شُروقِ الشَّمْسِ والقمرِ والنجومِ، وما إليها. قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وهذا كقولِ إِبْرَاهِيم للذي حَاجّه، قال إِبْرَاهِيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فكأنَّ مُوسَى ﵊ عَدَلَ إِلَى أمرٍ ظاهرٍ بيِّن لا يُمْكِن المماراةُ فيه أبدًا؟ قَالَ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ والذي بينهما وما يحدُث مِنَ السَّحاب والرِّياح وغيرِ ذلك، فهذا أمرٌ لا أحدَ يُنْكِره، ولهذا قال لهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ لِأَنَّ هَذَا الأمرَ ظاهرٌ للعقلاءِ. ثم فِي قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تَعريضٌ لهم كَرَدٍّ عَلَى قولهم: إنَّ رَسولَكم لمجنونٌ، كأنه يقول: المجنونُ مَن يُنْكِر هَذهِ الأشياءَ. ولهذا قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وفي قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ من ظهورِ القوَّة مِن مُوسَى ﵇ وأنه لم يَكْتَرِثْ بهم، فهو رجلٌ وحدَه أمامَ جَبّار عَنيد، وهذا

стр. 73

كَلامٌ مُزْعِج فِي الواقعِ أنْ يقوله الْإِنْسَانُ لِمَن كَانَ نِدًّا له، ولكن مُوسَى ﵇ لَمّا قالَ اللهُ له فِي الأوَّل: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]، كَانَ واثقًا بالله وموقنًا بأنَّه لن يَضُرَّهُ فِرْعَوْن، والأمرُ كذلك. الشَّاهدُ أن المشرقَ والمغربَ وما بينهما لظهورِ الآيَاتِ فيهما؛ قال لهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فهذا من وجهٍ. ثانيًا: أراد أن يقابل قول فِرْعَوْن: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، فكأنه يقول: المجنون مَن لم يستدلَّ بهذه الآيَات عَلَى الربِّ . قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إن كُنتُم تَعقِلُونَ﴾ أَنَّهُ كذلك فآمنوا بِهِ وحده]، مثلما قال المُفسِّر فيما سبق: [﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤]، بِأَنَّهُ تَعَالَى خَالِقه فَآمِنُوا بِهِ وَحْده]. * * *

стр. 74

الآية (٢٩) * * * * قالَ اللهُ : ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ فِرْعَوْنُ لمُوسَى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾]، بعد أنِ انقطعَ بِهِ سُلطانُ الحُجَّة والبُرهان عدَلَ إِلَى سلطانِ القوَّةِ والتهديدِ؛ فهكذا العاجزُ عن ردِّ الحجةِ بالحجةِ يَعْمِد إِلَى القوةِ إذا كَانَ له سلطانٌ، وهذا له سلطانٌ عَلَى مُوسَى، ولهذا هَدَّدَهُ بقولِهِ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ لم يقلْ: لَئِنْ دَعَوْتَ إِلَى اللهِ فقطْ، يعني: يريد منه أن يَمْتَنِع عنِ الدعوةِ إِلَى اللهِ بالأولى، وأن لا يَتَّخِذَ إلهًا سواه، وفي هَذَا دليلٌ عَلَى أنَّ فِرْعَوْن كَانَ ينكرُ أن يكون هناك ربّ سواه، وأن قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، صفة كاشفةٌ وليستْ صفةً مُقَيِّدَةً؛ لِأَنَّهُ لا يَعْتَقِد أن هناك ربًّا سِواهُ. وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ﴾ فيه شيئانِ يَحتاجانِ إِلَى جَوابٍ: الشَّرطُ والقَسَم، والموْجودُ هنا جَوابُ القسمِ وليسَ جَوابَ الشَّرطِ؛ فكلمة ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ﴾ ليستْ جَوابَ شرطٍ، بل جَواب قَسَمٍ، ولهذا أُكِّدَتْ بالنونِ واللامِ، فهي جَوابُ قَسَمٍ، وهذه هِيَ القاعدة؛ يقول مالك (١):

стр. 75

وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ وهنا اجتمعَ شرطٌ وقسمٌ: الشَّرط (إنْ)، والقسم (والله) المحذوف، يقول: "احذِف لَدَى اجتماعِ شرطٍ وقسمٍ جَوابَ ما أخرت" والمؤخَّر هُوَ الشَّرط، فيكون الجواب الموْجود للقسمِ، وَهُوَ كذلك. وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ (إِلَهًا) بمَعْنى: مألوهٍ، أي: معبود، والمُراد بالمعبودِ هنا المعبودُ الَّذِي يَستحِقّ أن يُعْبَد، وذلك لربوبيَّتِهِ، فهو يعتقد أَنَّهُ الرب، فيجب أن يكون هُوَ الإله الَّذِي يُعْبَد. قال: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ انظر: ﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ولم يقلْ: لَأَسجنَّنك، كما قال الله تعالى فِي قصة يُوسُف: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥]، بل قَالَ: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ زيادة فِي تهديدِ مُوسَى، كأنه يقول: إن هناك سُجَنَاء، وأنا قادرٌ عَلَى سجنِ النَّاسِ، فإذا لم تَتَّخِذْنِي إلهًا واتخذتَ إلهًا غَيري، جعلتُكَ فِي جملةِ هَؤُلَاءِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ كَانَ سِجْنُه شديدًا؛ يَحْبِسُ الشخصَ فِي مكانٍ تحتَ الأرضِ وحدَه، لا يُبْصِر ولا يَسْمَع فيه أحدًا]. وهذا لَيْسَ شديدًا بما نَعْرِفُ من السجونِ، فهي أشدُّ من هَذَا بكثيرٍ، وفِرْعَوْن إنَّما قَالَ: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ أما كيف يَسْجُنُهُ فالآيةُ لم تَتَعَرَّضْ له، وأيضًا إذا كَانَ معروفًا أنَّ سَجْنَهُ بهذه الكيفيَّة فهذا السِّجْنُ لَيْسَ شديدًا، بل فِي السُّجُون مِنَ التعذيبِ ما هُوَ أشدُّ، فنسمع أَنَّهُ - وَالْعِيَاذُ بِاللهِ - يُؤْتَى بالشخصِ ويُجْعَل فِي مِثل برميل، وفيه مساميرُ وتحته نارٌ، فهذا الرَّجُلُ لا يستطيع أنْ يَجْلِس؛ إن جلسَ خَرَقَتْهُ المساميرُ، وإنِ اتَّكَأَ عَلَى أحدِ الجُدران كذلك، فهذا - وَالْعِيَاذُ بِاللهِ - من الأساليب الَّتِي يَفْعَلُونها.
следующие страницы →