← Книги сунны

Книги сунны · id 5567

الجمع بين الصحيحين للحميدي

أبو عبد الله الحميدي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الَّذِي لَا تحصى نعمه، وَلَا يتناهى كرمه، وَصلى الله على مُحَمَّد نبيه، الَّذِي أنارت آيَاته، ووضحت بيناته، وعَلى آله الَّذين اهتدوا بمناره، وَاقْتَدوا بآثاره، وَسلم عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، وعَلى التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين، تَسْلِيمًا دَائِما أَبَد الآبدين. أما بعد: فَإِن الله تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه الْمنزل على نبيه الْمُرْسل ﷺ : ﴿كَانَ النَّاس أمة وَاحِدَة فَبعث الله النَّبِيين مبشرين ومنذرين وَأنزل مَعَهم الْكتاب بِالْحَقِّ ليحكم بَين النَّاس فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ وَمَا اخْتلف فِيهِ إِلَّا الَّذين أوتوه من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات بغياً بَينهم فهدى الله الَّذين آمنُوا لما اخْتلفُوا فِيهِ من الْحق بِإِذْنِهِ وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (٢١٣) ﴾ [سُورَة الْبَقَرَة] فَكَانَ كل من الْأَنْبِيَاء قبل نَبينَا ﷺ يبْعَث إِلَى قومه، أَو إِلَى طَائِفَة من النَّاس خَاصَّة، والنصوص شاهدةٌ بذلك، وَخص الله نَبينَا مُحَمَّدًا ﷺ بِعُمُوم الرسَالَة إِلَى النَّاس كَافَّة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس بشيرا وَنَذِيرا﴾ [سُورَة سبأ: ٢٨] ، وَأوجب عَلَيْهِ التَّبْلِيغ إِلَيْهِم، وَإِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِم، وأكرمه بالعصمة مِنْهُم. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته وَالله يَعْصِمك من النَّاس (٦٧) ﴾ [سُورَة الْمَائِدَة] ، وَأوجب عَلَيْهِم طَاعَته فِي غير مَوضِع من كِتَابه، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله (٨٠) ﴾ [سُورَة النِّسَاء] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجاً مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا (٦٥) ﴾ [سُورَة النِّسَاء] ثمَّ قَالَ تَعَالَى - وَقَوله الْحق، ووعده الصدْق: ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ [سُورَة

стр. 2

الْحجر: ٩] وَقَالَ تَعَالَى فِي وصف نبيه ﷺ : ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ [سُورَة النَّجْم: ٣ - ٤] فأمننا بذلك من وُقُوع التبديل فِي التَّبْلِيغ، وَزَاد ذَلِك توكيداً بقوله: ﴿وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم صِرَاط الله﴾ [سُورَة الشورى: ٥٢، ٥٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّه لحق مثل مَا أَنكُمْ تنطقون﴾ [سُورَة الذاريات ٢٣] وَسَائِر النُّصُوص فِي هَذَا الْمَعْنى، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف: ٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ [سُورَة النَّحْل: ٤٤] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي مثله: ﴿وَمَا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب إِلَّا لتبين لَهُم الَّذِي اخْتلفُوا فِيهِ﴾ [سُورَة النَّحْل: ٦٤] . فامتثل ﵇ مَا أَمر بِهِ، وَبلغ إِلَيْهِم مَا أوحى إِلَيْهِ، وَبَين لكل مِنْهُم مَا أشكل عَلَيْهِ، ثمَّ امتن تَعَالَى على الْمُؤمنِينَ بِهِ حِين عرف أَدَاء رَسُوله إِلَيْهِم مَا أوجبه عَلَيْهِم، فَقَالَ : ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ [سُورَة الْمَائِدَة: ٣] . ثمَّ قرر ﷺ الْحَاضِرين لَدَيْهِ على تبليغه إِلَيْهِم مَا أُوحِي إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُم فِي مشَاهد الْعُمُوم: " أَلا هَل بلغت " فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نعم. فَلَمَّا أقرُّوا بذلك أَمرهم بالتبليغ عَنهُ، فَقَالَ: " ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب " تَنْبِيها على أَنه لَا تقوم الْحجَّة إِلَّا بالبلاغ، وَلذَلِك أَمر أَن يَقُول: ﴿لأنذركم بِهِ وَمن بلغ (١٩) ﴾ [سُورَة الْأَنْعَام] ، فَتعين عَلَيْهِم النَّقْل والتبيلغ، والتزموه، وَتعين على من بعدهمْ السّمع وَالطَّاعَة للصحيح الَّذِي نقلوه. وَلم يزل الصَّحَابَة والتابعون وأئمة الْأَعْصَار المقدمون دائبين فِي نشر مَا علمُوا من شرائع الْإِسْلَام، وَتَعْلِيم مَا علمُوا من وَاجِبَات الْعِبَادَات وَالْأَحْكَام، حرصاً على إِيصَال ذَلِك إِلَى الْغَائِب وَالشَّاهِد، وتسوية فِيمَا بَين الْقَرِيب والمتباعد، وَهَكَذَا جيلاً بعد جيل. وَلما امْتَدَّ الزَّمَان، وَخيف اخْتِلَاط الصَّحِيح بالسقيم، واشتباه المرتاب بالسليم

стр. 3

انتدب جماعةٌ من الْأَئِمَّة السالفين ﵃ أَجْمَعِينَ إِلَى تَقْيِيد ذَلِك بالتأليف، وَحفظه بِالْجمعِ والتصنيف، كمالك بن أنس، وَابْن جريج، وسُفْيَان، وَمن بعدهمْ، فَبلغ كل من ذَلِك إِلَى حَيْثُ انْتهى وَسعه، وَأمكنهُ اسْتِيفَاؤهُ وَجمعه، واتصل ذَلِك إِلَى زمَان الْإِمَامَيْنِ أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ، وَأبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج النَّيْسَابُورِي ﵄ وعنهم، فخصا من الِاجْتِهَاد فِي ذَلِك، وإنفاد الوسع فِيهِ، واعتباره فِي الْأَمْصَار والرحلة عَنهُ إِلَى متباعدات الأقطار، من وَرَاء النَّهر إِلَى فسطاط مصر، وانتقاده حرفا حرفا، واختياره سنداً سنداً، بِمَا وَقع اتِّفَاق النقاد من جهابذة الْإِسْنَاد عَلَيْهِ، وَالتَّسْلِيم مِنْهُم لَهُ، وَذَلِكَ نتيجة مَا رزقا من نِهَايَة الدِّرَايَة، وإحكام الْمعرفَة بالصناعة، وجودة التَّمْيِيز لانتقاد الرِّوَايَة، وَالْبُلُوغ إِلَى أَعلَى الْمَرَاتِب فِي الِاجْتِهَاد وَالْأَمَانَة فِي وقتهما، والتجرد لحفظ دين الله الَّذِي ضمن حفظه، وقيض لَهُ الحافظين لَهُ بالإخلاص لله فِيهِ. وَشَاهد ذَلِك مَا وضع الله لَهما وَلَهُم من الْقبُول فِي الأَرْض، على مَا ورد بِهِ النَّص فِيمَن أحبه الله تَعَالَى، وَأمر أهل السَّمَوَات العلى بحبه. وَلما انتهيا من ذَلِك إِلَى مَا قصداه، وقررا مِنْهُ مَا انتقداه، على تنائيهما فِي الِاسْتِقْرَار حِين الْجمع وَالِاعْتِبَار، أخرجَا ذَلِك فِي هذَيْن الْكِتَابَيْنِ المنسوبين إِلَيْهِمَا، ووسم كل واحدٍ مِنْهُمَا كِتَابه بِالصَّحِيحِ، وَلم يتقدمهما إِلَى ذَلِك أحدٌ قبلهمَا، وَلَا

стр. 4

أفْصح بِهَذِهِ التَّسْمِيَة فِي جَمِيع مَا جمعه أحدٌ سواهُمَا فِيمَا علمناه، إِذْ لم يسْتَمر لغَيْرِهِمَا فِي كل مَا أوردهُ، فتبادرت النيات الموفقة على تباعدها من الطوائف المحققة على اختلافها إِلَى الاستفادة مِنْهُمَا، وَالتَّسْلِيم لَهما فِي علمهما، وتمييزهما، وَقبُول مَا شَهدا بِتَصْحِيحِهِ فيهمَا، يَقِينا بصدقهما فِي النِّيَّة، وبراءتهما من الإقبال على جِهَة بحمية، أَو الِالْتِفَات إِلَى فِئَة بعصبية، سوى مَا صَحَّ عَمَّن أمرنَا بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، والتعويل فِي كل مَا أخبرنَا بِهِ عَلَيْهِ ﷺ . وَحين اسْتَقر ذَلِك وانتشر، وَسَار مسير الشَّمْس وَالْقَمَر، أردْت تَعْجِيل الْفَائِدَة لنَفْسي، وتسهيل سرعَة الْمَطْلُوب ذخيرة لمطالعتي وحفظي، وَالْأَخْذ بحظ من التَّقْرِيب فِي التَّبْلِيغ، ينْتَفع بِهِ من سواي، وأحظى بِهِ عِنْد مولَايَ، فاستخرته تَعَالَى وَجل، وَسَأَلته العون والتأييد على تَجْرِيد مَا فِي هذَيْن الْكِتَابَيْنِ من متون الْأَخْبَار ونصوص الْآثَار، إِذْ قد صَحَّ الانقياد للإسناد من جُمْهُور الْأَئِمَّة النقاد، وتلخيص ذَلِك فِي كتاب وَاحِد، مَعَ جمع مفترقها، وَحفظ تراجمها. وَلم أذكر من الْإِسْنَاد فِي الْأَكْثَر إِلَّا التَّابِع عَن الصاحب، أَو من روى عَنهُ مِمَّا يتَعَلَّق بالتراجم للمعرفة بِهِ، وَلَا من الْمعَاد إِلَّا مَا تَدْعُو الضَّرُورَة إِلَيْهِ لزِيَادَة بَيَان، أَو لِمَعْنى يتَّصل بِمَا لَا يَقع الْفَهم إِلَّا بإيراده، وَرُبمَا أضفنا إِلَى ذَلِك نبذاً مِمَّا تنبهنا عَلَيْهِ من كتب أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ، وَأبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَأبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ وَأبي مَسْعُود الدِّمَشْقِي، وَغَيرهم من الْحفاظ الَّذين عنوا بِالصَّحِيحِ مِمَّا يتَعَلَّق بالكتابين، من تَنْبِيه على غرضٍ، أَو تتميم لمَحْذُوف، أَو زيادةٍ فِي شرحٍ، أَو بَيَان لاسمٍ أَو نسبٍ، أَو كلامٍ على إِسْنَاد، أَو تتبعٍ لوهم بعض

стр. 5

أَصْحَاب التَّعَالِيق فِي الْحِكَايَة عَنْهُمَا، وَنَحْو ذَلِك من الغوامض الَّتِي يقف عَلَيْهَا من يَنْفَعهُ الله بمعرفتها إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وجمعنا حَدِيث كل صَاحب على حِدة، ورتبناهم على خمس مَرَاتِب: فبدأنا بِمُسْنَد الْعشْرَة، ثمَّ بالمقدمين بعد الْعشْرَة، ثمَّ بالمكثرين، ثمَّ بالمقلين، ثمَّ بِالنسَاء. وميزنا الْمُتَّفق من كل مُسْند على حِدة، وَمَا انْفَرد بِهِ كل وَاحِد مِنْهُمَا على حدةٍ، وَلم نراع الِانْفِرَاد بالرواة، وَإِنَّمَا قصدنا إِلَى الِانْفِرَاد بالمتون، وَإِن كَانَ الحَدِيث من رواةٍ مُخْتَلفين عَن ذَلِك الصاحب، أَو عَن الروَاة عَنهُ، لِأَن الْغَرَض معرفَة اتِّفَاق هذَيْن الْإِمَامَيْنِ على إِخْرَاج الْمَتْن الْمَقْصُود إِلَيْهِ فِي الصَّحِيح، أَو معرفَة من أخرجه مِنْهُمَا وَشهد بِتَصْحِيحِهِ، لتقوم الْحجَّة بِهِ. وتتبعنا مَعَ ذَلِك زِيَادَة كل راوٍ فِي كل متنٍ، وَلم نخل بِكَلِمَة فَمَا فَوْقهَا، تَقْتَضِي حكما أَو تفِيد فَائِدَة، ونسبناها إِلَى من رَوَاهَا، إِلَّا أَن يكون فِيمَا أوردنا مَعْنَاهَا أَو دلَالَة عَلَيْهَا، وجمعنا كل معني مَقْصُود من ذَلِك وَمن التراجم فِيهِ فِي مَكَان وَاحِد فِي كل مُسْند، وَرُبمَا أوردنا الْمَتْن من ذَلِك بِلَفْظ أَحدهمَا، فَإِن اخْتلفَا فِي اللَّفْظ واتفقا فِي المعني أوردناه بِاللَّفْظِ الأتم، وَإِن كَانَت عِنْد أَحدهمَا فِيهِ زِيَادَة وَإِن قلت - نبهنا عَلَيْهَا، وتوخينا الِاجْتِهَاد فِي ذَلِك، والمعصوم من عصم الله . وَهَذَا الَّذِي أحكمناه فِي الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ لَهما، والترجمة عَنْهُمَا يستبين للنَّاظِر المتيقظ، والعارف الْمنصف الَّذِي نور الله بالمعرفة قلبه، وهدي إِلَى الْإِقْرَار بهَا لِسَانه، تقدمهما فِي الِاحْتِيَاط وَالِاجْتِهَاد، واحتفالهما فِي الْجمع والإيراد، واقتصارهما على المهم الْمُسْتَفَاد. وَإِن جَمِيع مَا جمعاه من ذَلِك وانتقداه دَلِيل على أَن أَكْثَره عَن جمَاعَة لَا عَن وَاحِد.

стр. 6

وَهَذَانِ الكتابان يشتملان على فصولٍ من أصُول الدّين، لاغنى لمن أَرَادَ الِاخْتِصَاص بِعلم الشَّرِيعَة عَن مَعْرفَتهَا، وَهِي مَا فيهمَا من الِاعْتِبَار بأخبار الِابْتِدَاء، والأنبياء، وَمَا كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل من الأنباء، وَأَيَّام الْجَاهِلِيَّة الجهلاء، وَأَيَّام النُّبُوَّة وَمَا تَلَاهَا من السّير والمعجزات، وجمل الاعتقادات، ولوازم الطَّاعَات، وَالنَّهْي عَن الْمُنْكَرَات، وَذكر الْغَزَوَات، ونزول الْآيَات وثوابها، وأبواب الْفِقْه وَالتَّفْسِير وَالتَّعْبِير وبيانها، وفضائل الصَّحَابَة وخصائصها، ورغائب الزّهْد فِي الدُّنْيَا وَالْعَمَل لِلْأُخْرَى ومراتبها، وَمَا فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض من قدرَة الله تَعَالَى وشواهدها، وَمَا يتَّصل بذلك من المواعظ ورقائقها، وَمَا يكون من الْفِتَن والأشراط إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وأنواعها، ثمَّ مَا يكون من الْبَعْث والنشور، وَبعد الْحساب من الثَّوَاب وَالْعِقَاب، والاستقرار فِي الْجنَّة أَو النَّار وصفاتهما، وحظوظ أهليهما مِنْهُمَا، وَمَا يتَعَلَّق بذلك. وتتمة ذَلِك تعديلهما لرواة هَذِه الْأُصُول المخرجة فِي الْكِتَابَيْنِ، وحكمهما بذلك فِيمَا أفصحا بِهِ فِي الترجمتين، لِأَن الصِّحَّة لَا يَسْتَحِقهَا الْمَتْن إِلَّا بعدالة الرَّاوِي، وَشَهَادَة هذَيْن الْإِمَامَيْنِ أَو أَحدهمَا بذلك، وتصحيحهما إِيَّاه حكمٌ يلْزم قبُوله، وتبليغٌ يتَعَيَّن الانقياد لَهُ، ونذارةٌ يخَاف عَاقِبَة عصيانها، قَالَ تَعَالَى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ [سُورَة التَّوْبَة: ١٢٢] . وَهَذِه مناهج الباحث المتدين قد قربناها لَهُ، وسهلناها عَلَيْهِ، ونقلنا نصوصها مُقَيّدَة إِلَيْهِ، ووضعنا مَجْمُوع أشتاتها وتراجمها منتظمة بَين يَدَيْهِ، وزدنا عَلَيْهَا مَعَ جمع المتفرق وَحذف مَا يصعب حفظه من الطّرق تَمْيِيز مَا اتفقَا عَلَيْهِ، أَو انْفَرد بِهِ أَحدهمَا، والاقتصار من التّكْرَار على مَا لابد من الِاقْتِصَار عَلَيْهِ، وَعدد مَا لكل صَاحب من الْأَحَادِيث المخرجة فيهمَا، وقمنا لَهُ مقَام التَّرْجَمَة عَنْهُمَا فِي ذَلِك كُله.

стр. 7

واقتفينا فِي تَرْتِيب هذَيْن الْكِتَابَيْنِ على أَسمَاء الصَّحَابَة ﵃ آثَار من تقدم قبلنَا من الْأَئِمَّة المخرجين على الصَّحِيح، وَأَصْحَاب التَّعَالِيق، كَأبي بكر البرقاني وَأبي مَسْعُود الدِّمَشْقِي، وَخلف الوَاسِطِيّ، وَغَيرهم من الْأَئِمَّة، وَإِنَّمَا فعلوا ذَلِك ليتعجل النَّاظر فِي الْأَحَادِيث معرفَة من رَوَاهَا من الصَّحَابَة، وَمن رَوَاهَا عَنْهُم، وَمَعْرِفَة مَا يلْحق بهَا مِمَّا هُوَ على شَرط إسنادها، أَو مَا يَقع إِلَى الباحث عَنْهَا مِمَّا يُرِيد اعْتِبَاره من الصَّحِيح، فيقصد بِمَا يَقع لَهُ إِلَى الْمَجْمُوع من حَدِيث ذَلِك الصاحب، فَيقرب عَلَيْهِ الْمطلب الَّذِي قَصده، وَالْمذهب الَّذِي ذهب إِلَيْهِ، وَيكون أخف عَلَيْهِ من طلبه لذَلِك فِي أبوابٍ، رُبمَا أخرجه أَحدهمَا فِي غَيره. وَبِمَا صدرنا بِهِ أَولا من النُّصُوص وبأمثالها، أيقنا أَن الْعلم الْمُقْتَدِي بِهِ فِي الدّين، والظهير المحتج بِهِ بَين المختصمين، هُوَ مَا صَحَّ عَمَّن صحت قَوَاعِد أَعْلَامه، وأنارت شَوَاهِد صدقه فِي إِعْلَامه، مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ . وَلم نجد من الْأَئِمَّة الماضين ﵃ أَجْمَعِينَ - من أفْصح لنا فِي جَمِيع مَا جمعه بِالصِّحَّةِ إِلَّا هذَيْن الْإِمَامَيْنِ، وَإِن كَانَ من سواهُمَا من الْأَئِمَّة قد أفْصح بالتصحيح فِي بعض، فقد علل فِي بعض، فَوَجَبَ البدار إِلَى الِاشْتِغَال بالمجموع الْمَشْهُور على صِحَة جَمِيعه. فَإِن اتَّسع لباحث محسنٍ زمانٌ، تتبع مَا لم يخرجَاهُ من الْمُتُون اللاحقة بِشَرْط الصَّحِيح فِي سَائِر المجموعات والمنثورات، وميز ذَلِك إِن وجده فِيهَا، وَكَانَت لَهُ منةٌ فِي انتقاد ذَلِك مِنْهَا. وَنَرْجُو أَن يكون مَا أتعبنا الخاطر فِيهِ، وأنفقنا الْعُمر عَلَيْهِ، وجمعنا أشتاته، وقربنا متباعده من ذَلِك، أخصر فِي المطالعة، وَأعجل للْحِفْظ وأسرع للتبيلغ،

стр. 8

وَأمكن للفهم والاستنباط، وأزيد فِي الاستبصار، وأنفع فِي الْعلم وَالْعَمَل، وأدعي إِلَى دعوةٍ نستفيدها من مستفيدٍ حصل على غنيمةٍ قصرت عَلَيْهِ الْمسَافَة فيهمَا، وَلم يتعب فِي تَحْصِيلهَا وتأتيها. وَبِاللَّهِ تَعَالَى نعتصم، وإياه نسْأَل نفعنا وَالِانْتِفَاع بِنَا، والزلفي لَدَيْهِ بِكُل مَا نتقرب بِهِ إِلَيْهِ، جعلنَا الله وَإِيَّاكُم من المعتصمين بكتابه، وَسنة نبيه ﷺ ، الداعين إِلَيْهِمَا، الموفقين لفهمهما واستعمالهما، ورزقنا وَإِيَّاكُم الْإِخْلَاص وَالْيَقِين، وَصَلَاح الدُّنْيَا وَالدّين، وَالْقَبُول المعلي إِلَى عليين، بمنه، آمين. وَغفر لنا وللأئمة السالفين، ولآبائنا أَجْمَعِينَ، وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين، وَالْحَمْد لله أَولا وآخراً، وعوداً وبدءاً، حمداً يَدُوم وَلَا يبيد، وَصلى الله على الْمُصْطَفى محمدٍ، وعَلى آله المقتدين بِهِ، وَسلم تَسْلِيمًا دَائِما أبدا، يتَكَرَّر وَيزِيد، وحسبنا الله وَحده وَنعم الْوَكِيل. وَهَذَا حِين نبدأ فِيمَا قصدنا لَهُ من الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ، على الرتب الْمَذْكُورَة فَأول ذَلِك مَا فيهمَا من مُسْند أبي بكر الصّديق رضوَان الله عَلَيْهِ.

стр. 9

الْقسم الأول مسانيد الْعشْرَة

стр. 10

صفحة فارغة

стр. 11

مُسْند أبي بكر الصّديق ﵁ الْمخْرج فِي الصَّحِيحَيْنِ البُخَارِيّ وَمُسلم أَو فِي أَحدهمَا الْمُتَّفق عَلَيْهِ من ذَلِك سِتَّة أَحَادِيث: ١ - الأول: عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَنهُ أَنه قَالَ لرَسُول الله ﷺ : " عَلمنِي دُعَاء أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتي ". قَالَ: " قل: اللَّهُمَّ إِنِّي ظلمت نَفسِي ظلما كثيرا، وَلَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت، فَاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك، وارحمني، إِنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم ". جعله بعض الروَاة من مُسْند عبد الله بن عَمْرو، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ عَنهُ: إِن أَبَا بكر قَالَ لرَسُول الله ﷺ . وَقد أَخْرجَاهُ أَيْضا كَذَلِك من طَرِيق عَمْرو بن الْحَارِث، عَن يزِيد بن أبي حبيب، وَهُوَ مَذْكُور فِي مُسْند ابْن عَمْرو. ٢ - الثَّانِي: عَن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ، عَنهُ، قَالَ: " نظرت إِلَى أَقْدَام الْمُشْركين وَنحن فِي الْغَار وهم على رؤوسنا، فَقلت: يَا رَسُول الله لَو أَن أحدهم نظر إِلَى قَدَمَيْهِ أبصرنا تَحت قَدَمَيْهِ. فَقَالَ: " يَا أَبَا بكر، مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما ".

стр. 12

٣ - الثَّالِث: حَدِيث الرحل: عَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ: جَاءَ أَبُو بكر إِلَى أبي فِي منزله فَاشْترى مِنْهُ رحلاً، فَقَالَ لعازبٍ: ابْعَثْ معي ابْنك يحملهُ معي إِلَى منزلي، فَقَالَ لي أبي: احمله، فَحَملته، وَخرج أبي مَعَه ينْتَقد ثمنه، فَقَالَ لَهُ أبي: يَا أَبَا بكر، كَيفَ صنعتما لَيْلَة سريت مَعَ رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: نعم، أسرينا ليلتنا كلهَا حَتَّى قَامَ قَائِم الظهيرة، وخلا الطَّرِيق فَلَا يمر فِيهِ أحد، حَتَّى رفعت لنا صخرةٌ طويلةٌ لَهَا ظلٌّ لم تأت عَلَيْهِ الشَّمْس بعد، فنزلنا عِنْدهَا، فَأتيت الصَّخْرَة، فسويت بيَدي مَكَانا ينَام فِيهِ رَسُول الله ﷺ فِي ظلها، ثمَّ بسطت عَلَيْهِ فَرْوَة، ثمَّ قلت: نم يَا رَسُول الله وَأَنا أنفض لَك مَا حولك، فَنَامَ، وَخرجت أنفض مَا حوله، فَإِذا أَنا براعٍ مقبلٍ بغنمه إِلَى الصَّخْرَة يُرِيد مِنْهَا الَّذِي أردنَا، فَلَقِيته فَقلت: لمن أَنْت يَا غُلَام؟ فَقَالَ: لرجل من أهل الْمَدِينَة. فَقلت: أَفِي غنمك لبن؟ قَالَ: نعم. قلت: أفتحلب لي؟ قَالَ: نعم، فَأخذ شَاة، فَقلت: انفض الضَّرع من الشّعْر وَالتُّرَاب والقذى - قَالَ: فَرَأَيْت الْبَراء يضْرب بِيَدِهِ على الْأُخْرَى ينفض - فَحلبَ لي فِي قعبٍ مَعَه كثبةً من لبن، قَالَ: وَمَعِي إداوةٌ أرتوي فِيهَا للنَّبِي ﷺ ليشْرب مِنْهَا وَيتَوَضَّأ. قَالَ: فَأتيت النَّبِي ﷺ وكرهت أَن أوقظه من نَومه، فوقفت حَتَّى اسْتَيْقَظَ، وَفِي أُخْرَى: فوافقته حِين اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْت على اللَّبن من المَاء حَتَّى برد أَسْفَله، فَقلت: يَا رَسُول الله، اشرب من هَذَا اللَّبن، قَالَ: فَشرب حَتَّى رضيت، ثمَّ قَالَ: " ألم يَأن للرحيل؟ " قلت: بلَى. قَالَ: فارتحلنا بعد مَا زَالَت الشَّمْس، وَاتَّبَعنَا سراقَة بن مَالك وَنحن فِي جلدٍ من الأَرْض، فَقلت: يَا رَسُول الله أَتَيْنَا، فَقَالَ: " لَا تحزن، إِن الله مَعنا ". فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ، فارتطمت فرسه إِلَى بَطنهَا - أرى - فَقَالَ: إِنِّي قد علمت أنكما قد دعوتما عَليّ، فَادعوا

стр. 13

لي، فَالله لَكمَا أَن أرد عنكما الطّلب. فَدَعَا رَسُول الله ﷺ ، فنجا، لَا يلقى أحدا إِلَّا قَالَ: كفيتم مَا هَا هُنَا، وَلَا يلقى أحدا إِلَّا رده، ووفى لنا. زَاد فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل: أَن سراقَة قَالَ: وَهَذِه كِنَانَتِي، فَخذ سَهْما مِنْهَا، فَإنَّك ستمر على إبلي وغلماني بمَكَان كَذَا وَكَذَا، فَخذ مِنْهَا حَاجَتك. قَالَ: " لَا حَاجَة لي فِي إبلك ". فقدمنا الْمَدِينَة لَيْلًا، فتنازعوا أَيهمْ ينزل عَلَيْهِ، فَقَالَ: " أنزل على بني النجار أخوال عبد الْمطلب، أكْرمهم بذلك " فَصَعدَ الرِّجَال وَالنِّسَاء فَوق الْبيُوت، وتفرق الغلمان والخدم فِي الطّرق ينادون: يَا مُحَمَّد، يَا رَسُول الله، يَا مُحَمَّد، يَا رَسُول الله. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: جَاءَ مُحَمَّد، جَاءَ رَسُول الله. زَاد فِي أُخْرَى من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن يُوسُف: وَقَالَ الْبَراء: فَدخلت مَعَ أبي بكر على أَهله، فَإِذا عَائِشَة ابْنَته مُضْطَجِعَة قد أصابتها حمى، فَرَأَيْت أَبَاهَا يقبل خدها، وَقَالَ: كَيفَ أَنْت يَا بنية. فِي حَدِيث شُعْبَة زِيَادَة لَفْظَة: أَن الْبَراء قَالَ: قَالَ أَبُو بكر - يَعْنِي لما خرج رَسُول الله ﷺ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة -: مَرَرْنَا براعٍ وَقد عَطش رَسُول الله ﷺ ، قَالَ أَبُو بكر الصّديق: فَأخذت قدحاً، فحلبت فِيهِ لرَسُول الله ﷺ كثبة من لبنٍ، فَأَتَيْته بهَا، فَشرب حَتَّى رضيت. وَقع مَفْصُولًا من حَدِيث الرحل، وَكَذَا أَخْرجَاهُ. ٤ - الرَّابِع: عَن أبي هُرَيْرَة من رِوَايَة حميد بن عبد الرَّحْمَن عَنهُ: أَن أَبَا بكر الصّديق بَعثه فِي الْحجَّة الَّتِي أمره عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ قبل

стр. 14

حجَّة الْوَدَاع فِي رهطٍ يُؤذن فِي النَّاس يَوْم النَّحْر: أَلا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك، وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان. وَفِي رِوَايَة عقيل: قَالَ حميد: ثمَّ أرْدف النَّبِي ﷺ بعلي بن أبي طَالب، فَأمره أَن يُؤذن ب " بَرَاءَة " قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَأذن مَعنا فِي أهل منى ب " بَرَاءَة ": أَلا يحجّ بعد الْعَام مشركٌ وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان. وَفِي رِوَايَة أبي الْيَمَان: وَيَوْم الْحَج الْأَكْبَر: يَوْم النَّحْر. وَالْحج الْأَكْبَر: الْحَج، وَإِنَّمَا قيل الْحَج الْأَكْبَر من أجل قَول النَّاس: الْحَج الْأَصْغَر. قَالَ: فنبذ أَبُو بكر إِلَى النَّاس فِي ذَلِك الْعَام، فَلم يحجّ فِي الْعَام الْقَابِل الَّذِي حج فِيهِ النَّبِي ﷺ حجَّة الْوَدَاع - مشركٌ، وَأنزل الله تَعَالَى فِي الْعَام الَّذِي نبذ فِيهِ أَبُو بكر إِلَى الْمُشْركين: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله﴾ [سُورَة التَّوْبَة: ٢٨] وَكَانَ الْمُشْركُونَ يوافون بِالتِّجَارَة، فينتفع بهَا الْمُسلمُونَ، فَلَمَّا حرم الله على الْمُشْركين أَن يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام وجد الْمُسلمُونَ فِي أنفسهم مِمَّا قطع عَلَيْهِم من التِّجَارَة الَّتِي كَانَ الْمُشْركُونَ يوافون بهَا، فَقَالَ الله : ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ﴾ ثمَّ أحل فِي الْآيَة الَّتِي فِيهَا تتبعها الْجِزْيَة، وَلم تُؤْخَذ قبل ذَلِك، فَجَعلهَا عوضا مِمَّا مَنعهم من موافاة الْمُشْركين بتجاراتهم، فَقَالَ : ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر﴾ [سُورَة التَّوْبَة: ٢٩] ، فَلَمَّا أحل الله عز وَجل

стр. 15

ذَلِك للْمُسلمين عرفُوا أَنه قد عاضهم بِأَفْضَل مِمَّا خافوه ووجدوا عَلَيْهِ مِمَّا كَانَ الْمُشْركُونَ يوافون بِهِ فِي التِّجَارَة. وَفِي رِوَايَة ابْن وهب: وَكَانَ حميد يَقُول: يَوْم النَّحْر: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، من أجل حَدِيث أبي هُرَيْرَة. ٥ - الْخَامِس: عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا قَالَ: لما توفّي رَسُول الله ﷺ ، واستخلف أَبُو بكر بعده، وَكفر من كفر من الْعَرَب. قَالَ عمر بن الْخطاب لأبي بكر: كَيفَ تقَاتل النَّاس وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ : " أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله، فَمن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله عصم مني مَاله وَنَفسه إِلَّا بِحقِّهِ، وحسابه على الله " فَقَالَ أَبُو بكر: وَالله لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة، فَإِن الزَّكَاة حق المَال، وَالله لَو مَنَعُونِي عنَاقًا كَانُوا يؤدونها إِلَى رَسُول الله ﷺ لقاتلتهم على منعهَا، فَقَالَ عمر: فوَاللَّه مَا هُوَ إِلَّا أَن رَأَيْت أَن الله شرح صدر أبي بكر لِلْقِتَالِ، فَعرفت أَنه الْحق. وَفِي رِوَايَة: عقَالًا كَانُوا يؤدونه. وَيدخل أَيْضا هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند عمر، بقوله فِيهِ: إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " أمرت أَن أقَاتل النَّاس. . ". ٦ - السَّادِس عَن عمر عَن أبي بكر، الْمسند مِنْهُ فَقَط وَهُوَ: " لَا نورث، مَا تركنَا صَدَقَة ".

стр. 16

لمُسلم من رِوَايَة جوَيْرِية بن أَسمَاء، عَن مَالك، وَعَن عَائِشَة بِطُولِهِ: أَن فَاطِمَة سَأَلت أَبَا بكر أَن يقسم لَهَا مِيرَاثهَا. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: أَن فَاطِمَة وَالْعَبَّاس أَتَيَا أَبَا بكر يلتمسان ميراثهما من رَسُول الله ﷺ وهم حينئذٍ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خَيْبَر، فَقَالَ أَبُو بكر إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ قَالَ: " لَا نورث، مَا تركنَا صدقةٌ، إِنَّمَا يَأْكُل آل مُحَمَّد فِي هَذَا المَال " وَإِنِّي وَالله لَا أدع أمرا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصنعه فِيهِ إِلَّا صَنعته. زَاد فِي رِوَايَة صَالح بن كيسَان: إِنِّي أخْشَى إِن تركت شَيْئا من أمره أَن أزيغ. قَالَ: وَأما صدقته بِالْمَدِينَةِ فَدَفعهَا عمر إِلَى عَليّ وعباس، فغلبه عَلَيْهَا عَليّ. وَأما خَيْبَر وفدك فَأَمْسَكَهُمَا عمر وَقَالَ: هما صَدَقَة رَسُول الله ﷺ ، كَانَتَا لحقوقه الَّتِي تعروه ونوائبه، وَأَمرهمَا إِلَى من ولي الْأَمر. قَالَ: فهما على ذَلِك إِلَى الْيَوْم. قَالَ غير صَالح فِي رِوَايَته فِي حَدِيث أبي بكر: فَهجرَته فَاطِمَة، فَلم تكَلمه فِي ذَلِك حَتَّى مَاتَت، فدفنها عَليّ لَيْلًا، وَلم يُؤذن بهَا أَبَا بكر، قَالَ: فَكَانَ لعَلي وجهٌ من النَّاس حَيَاة فَاطِمَة، فَلَمَّا توفيت فَاطِمَة انصرفت وُجُوه النَّاس عَن عَليّ، وَمَكَثت فَاطِمَة بعد رَسُول الله ﷺ سِتَّة أشهر ثمَّ توفيت. فَقَالَ رجلٌ لِلزهْرِيِّ: فَلم يبايعه على سِتَّة أشهر. فَقَالَ: لَا وَالله، وَلَا أحدٌ من بني هَاشم حَتَّى بَايعه عَليّ وَفِي حَدِيث عُرْوَة: فَلَمَّا رأى عَليّ انصراف وُجُوه النَّاس عَنهُ فزع إِلَى مصالحة أبي بكر، فَأرْسل إِلَى أبي بكر: ائتنا، وَلَا يأتنا مَعَك أحدٌ، وَكره أَن يَأْتِيهِ عمر، لما علم من شدَّة عمر، فَقَالَ عمر: لَا تأتهم وَحدك. فَقَالَ أَبُو بكر: وَالله لآتينهم وحدي، مَا عَسى أَن يصنعوا بِي. فَانْطَلق أَبُو بكر، فَدخل على عَليّ وَقد جمع بني هَاشم عِنْده، وَقَامَ عَليّ، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله، ثمَّ قَالَ: أما بعد، فَلم يمنعنا أَن نُبَايِعك يَا أَبَا بكر إنكاراً لفضلك، وَلَا نفاسة عَلَيْك لخيرٍ سَاقه

стр. 17

الله إِلَيْك، وَلَكنَّا كُنَّا نرى أَنه لنا فِي هَذَا الْأَمر حَقًا فاستبددتم علينا، ثمَّ ذكر قرابتهم من رَسُول الله ﷺ وحقهم، فَلم يزل عَليّ يذكر حَتَّى بَكَى أَبُو بكر، وَصمت عَليّ. فَتشهد أَبُو بكر، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله، ثمَّ قَالَ: فوَاللَّه لقرابة رَسُول الله ﷺ أحب إِلَيّ أَن أصل من قَرَابَتي، وَالله مَا ألوت فِي هَذِه الْأَمْوَال الَّتِي كَانَت بيني وَبَيْنكُم عَن الْخَيْر، وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " لَا نورث، مَا تركنَا صَدَقَة، إِنَّمَا يَأْكُل آل محمدٍ فِي هَذَا المَال " وَإِنِّي وَالله لَا أدع أمرا صنعه رَسُول الله ﷺ إِلَّا صَنعته إِن شَاءَ الله. وَقَالَ عَليّ: موعدك العشية لِلْبيعَةِ. فَلَمَّا صلى أَبُو بكر الظّهْر، أقبل على النَّاس يعْذر عليا بِبَعْض مَا اعتذر بِهِ، ثمَّ قَامَ عليٌّ فَعظم من حق أبي بكر وَذكر فضيلته وسابقته، ثمَّ قَامَ إِلَى أبي بكر فَبَايعهُ، فَأقبل النَّاس على عَليّ، فَقَالُوا: أصبت وأحسنت، وَكَانَ الْمُسلمُونَ إِلَى عَليّ قَرِيبا حِين رَاجع الْأَمر الْمَعْرُوف ﵃ أَجْمَعِينَ.

стр. 18

مَا انْفَرد البُخَارِيّ بِإِخْرَاجِهِ من ذَلِك ٧ - الأول: عَن عمر، من رِوَايَة عبد الله بن عمر: أَن عمر حِين تأيمت حَفْصَة بنت عمر من خُنَيْس بن حذافة السَّهْمِي - وَكَانَ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، قد شهد بَدْرًا وَتُوفِّي بِالْمَدِينَةِ - قَالَ عمر: فَلَقِيت عُثْمَان بن عَفَّان فعرضت عَلَيْهِ حَفْصَة فَقلت: إِن شِئْت أنكحتك حَفْصَة ابْنة عمر، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي. فَلَبثت ليَالِي، ثمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ: قد بدا لي أَلا أَتزوّج يومي هَذَا. قَالَ عمر: فَلَقِيت أَبَا بكر الصّديق فَقلت: إِن شِئْت أنكحتك حَفْصَة ابْنة عمر، فَصمت أَبُو بكر فَلم يرجع إِلَيّ شَيْئا، فَكنت مِنْهُ أوجد مني على عُثْمَان، فَلَبثت ليَالِي، ثمَّ خطبهَا النَّبِي ﷺ فأنكحتها إِيَّاه، فلقيني أَبُو بكر فَقَالَ: لَعَلَّك وجدت عَليّ حِين عرضت عَليّ حَفْصَة فَلم أرجع إِلَيْك شَيْئا؟ فَقلت: نعم. قَالَ: فَإِنَّهُ لم يَمْنعنِي أَن أرجع إِلَيْك فِيمَا عرضت عَليّ إِلَّا أَنِّي قد كنت علمت أَن النَّبِي ﷺ قد ذكرهَا، فَلم أكن لأفشي سر النَّبِي ﷺ ، وَلَو تَركهَا النَّبِي ﷺ لقبلتها. يُقَال: انْفَرد معمر بقوله فِيهِ: إِلَّا أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يذكرهَا، وَسَائِر الروَاة يَقُولُونَ: علمت. قَالَ فِيهِ الرَّاوِي عَن معمر: حُبَيْش بِالْحَاء الْمُهْملَة والشين الْمُعْجَمَة وَالْبَاء، وَهُوَ تَصْحِيف، لِأَنَّهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالنُّون وَالسِّين الْمُهْملَة.

стр. 19

اختصر البُخَارِيّ حَدِيث معمر احْتِرَازًا مِمَّا وَقع للراوي فِيهِ، فَقَالَ: إِن عمر حِين تأيمت حَفْصَة من ابْن حذافة السَّهْمِي، وَلم يسمه، وقطعه عِنْد قَوْله: قَالَ عمر: فَلَقِيت أَبَا بكر فَقلت: إِن شِئْت أنكحتك حَفْصَة، لم يزدْ. وَهَذَا الحَدِيث أَيْضا يذكر فِي مُسْند عمر لقَوْله فِيهِ: ثمَّ خطبهَا رَسُول الله ﷺ ، فأنكحتها إِيَّاه. ٨ - الثَّانِي: عَن عبد الله بن عمر. عَن أبي بكر مَوْقُوفا أَنه قَالَ: ارقبوا مُحَمَّدًا ﷺ ، فِي أهل بَيته. ٩ - الثَّالِث: فِي جمع الْقُرْآن: عَن زيد بن ثَابت قَالَ: أرسل إِلَيّ أَبُو بكر مقتل أهل الْيَمَامَة، فَإِذا عمر جالسٌ عِنْده، فَقَالَ أَبُو بكر: إِن عمر جَاءَنِي فَقَالَ: إِن الْقَتْل قد استحر يَوْم الْيَمَامَة بقراء الْقُرْآن، وَإِنِّي أخْشَى أَن يستحر الْقَتْل بالقراء فِي كل المواطن، فَيذْهب من الْقُرْآن كثير، وَإِنِّي أرى أَن تَأمر بِجمع الْقُرْآن. قَالَ: قلت لعمر: وَكَيف أفعل شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله ﷺ ؟ فَقَالَ عمر: هُوَ وَالله خيرٌ. فَلم يزل يراجعني فِي ذَلِك حَتَّى شرح الله صَدْرِي للَّذي شرح لَهُ صدر عمر، وَرَأَيْت فِي ذَلِك الَّذِي رأى عمر. قَالَ زيد - وَفِي رِوَايَة فَقَالَ لي أَبُو بكر: إِنَّك رجلٌ شابٌّ عاقلٌ لَا نتهمك، قد كنت تكْتب الْوَحْي لرَسُول الله ﷺ ، فتتبع الْقُرْآن فاجمعه. قَالَ زيدٌ: فوَاللَّه لَو كلفني نقل جبلٍ من الْجبَال مَا كَانَ أثقل عَليّ مِمَّا أَمرنِي بِهِ من جمع الْقُرْآن. قَالَ:

стр. 20

كَيفَ تفعلان شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله ﷺ ؟ فَقَالَ أَبُو بكر: هُوَ - وَالله - خيرٌ، قَالَ: فَلم يزل أَبُو بكر يراجعني. وَفِي أُخْرَى: فَلم يزل عمر يراجعني حَتَّى شرح الله صَدْرِي للَّذي شرح لَهُ صدر أبي بكر وَعمر. قَالَ: فتتبعت الْقُرْآن أجمعه من الرّقاع والعسب واللخاف وصدور الرِّجَال، حَتَّى وجدت آخر سُورَة التَّوْبَة مَعَ خُزَيْمَة، أَو مَعَ أبي خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ، لم أَجدهَا مَعَ أحد غَيره. ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم (١٢٨) ﴾ [سُورَة التَّوْبَة] خَاتِمَة " بَرَاءَة ". قَالَ: فَكَانَت الصُّحُف عِنْد أبي بكر حَتَّى توفاه الله، ثمَّ عِنْد عمر حَتَّى توفاه الله، ثمَّ عِنْد حَفْصَة بنت عمر. قَالَ بعض الروَاة فِيهِ: اللخاف يَعْنِي الخزف. زَاد ابْن شهَاب عَن أنس: أَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قدم على عُثْمَان وَكَانَ يغازي أهل الشَّام فِي فتح أرمينية وأذربيجان مَعَ أهل الْعرَاق، فأفزع حُذَيْفَة اخْتلَافهمْ فِي الْقِرَاءَة، فَقَالَ حُذَيْفَة لعُثْمَان: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أدْرك هَذِه الْأمة قبل أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْكتاب اخْتِلَاف الْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَأرْسل عُثْمَان إِلَى حَفْصَة: أَن أرسلي إِلَيْنَا بالصحف ننسخها فِي الْمَصَاحِف ثمَّ نردها إِلَيْك، فَأرْسلت بهَا إِلَيْهِ، فَأمر زيد بن ثَابت وَعبد الله بن الزبير وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَعبد الله بن الْحَارِث بن هِشَام، فنسخوها فِي الْمَصَاحِف، وَقَالَ عُثْمَان للرهط القرشيين: إِذا اختلفتم أَنْتُم وَزيد بن ثَابت فِي شَيْء من الْقُرْآن فاكتبوه بِلِسَان قُرَيْش، فَإِنَّمَا نزل بلسانهم، فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذا نسخوا الصُّحُف فِي الْمَصَاحِف رد عُثْمَان الصُّحُف إِلَى حَفْصَة، فَأرْسل إِلَى كل أفق بمصحف مِمَّا نسخوا، وامر بِمَا سوى ذَلِك من الْقُرْآن فِي كل صحيفَة أَو مصحفٍ أَن يحرق.

стр. 21

قَالَ ابْن شهَاب: وَأَخْبرنِي خَارِجَة بن زيد بن ثَابت أَنه سمع زيد بن ثَابت يَقُول: فقدت آيَة من سُورَة الْأَحْزَاب - حَتَّى نسخت الصُّحُف - قد كنت أسمع رَسُول الله ﷺ يَقْرَأها، فالتمسناها، فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت الْأنْصَارِيّ: ﴿من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله (٢٣) ﴾ [سُورَة الْأَحْزَاب] فألحقناها فِي سورتها من الْمُصحف. قَالَ: وَفِي رِوَايَة أبي الْيَمَان: مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت الَّذِي جعل رَسُول الله ﷺ شَهَادَته شَهَادَة رجلَيْنِ. زَاد فِي رِوَايَة أُخْرَى: قَالَ ابْن شهَاب: اخْتلفُوا يومئذٍ فِي " التابوت " فَقَالَ زيدٌ: " التابوه "، وَقَالَ ابْن الزبير وَسَعِيد بن الْعَاصِ " التابوت "، فَرفع اخْتلَافهمْ إِلَى عُثْمَان فَقَالَ: أكتبوه " التابوت " فَإِنَّهُ بِلِسَان قُرَيْش. الْمسند من هَذَا الحَدِيث قَول أبي بكر لزيد بن ثَابت: قد كنت تكْتب الْوَحْي لرَسُول الله ﷺ . وَقَول عُثْمَان: فَإِنَّمَا نزل بِلِسَان قُرَيْش. وَقَول زيد: قد كنت أسمع رَسُول الله ﷺ يقْرَأ بهَا. وَقَوله عَن خُزَيْمَة: الَّذِي جعل رَسُول الله ﷺ شَهَادَته شَهَادَة رجلَيْنِ. ١٠ - الرَّابِع: حَدِيث الصَّدقَات: ذكره البُخَارِيّ فِي عشرَة مَوَاضِع من كِتَابه بِإِسْنَاد وَاحِد مقطعاً من رِوَايَة ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس، عَن أنس بن مَالك: أَن أَبَا بكر الصّديق لما اسْتخْلف كتب لَهُ حِين وَجهه إِلَى الْبَحْرين هَذَا الْكتاب، وَكَانَ نقش الْخَاتم ثَلَاثَة أسطر: مُحَمَّد سطر، وَرَسُول سطر، وَالله سطر.

стр. 22

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة الَّتِي فَرضهَا رَسُول الله ﷺ على الْمُسلمين، وَالَّتِي أَمر الله بهَا رَسُوله ﷺ فَمن سئلها من الْمُسلمين على وَجههَا فليعطها، وَمن سُئِلَ فَوْقهَا فَلَا يُعْط. فِي أَربع وَعشْرين من الْإِبِل فَمَا دونهَا، من الْغنم فِي كل خمس شَاة، فَإِذا بلغت خمْسا وَعشْرين إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بنت مَخَاض أُنْثَى، فَإِن لم تكن ابْنة مَخَاض فَابْن لبونٍ ذكر. فَإِذا بلغت سِتا وَثَلَاثِينَ إِلَى خمس وَأَرْبَعين فَفِيهَا بنت لبون أُنْثَى، فَإِذا بلغت سِتا وَأَرْبَعين إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حقةٌ طروقة الْجمل. فَإِذا بلغت وَاحِدَة وَسِتِّينَ إِلَى خمسٍ وَسبعين فَفِيهَا جَذَعَة، فَإِذا بلغت سِتا وَسبعين إِلَى تسعين فَفِيهَا بِنْتا لبونٍ. فَإِذا بلغت إِحْدَى وَتِسْعين إِلَى عشْرين وَمِائَة فَفِيهَا حقتان طروقتا الْجمل. فَإِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة فَفِي كل أَرْبَعِينَ ابْنة لبون، وَفِي كل خمسين حقة. وَمن لم يكن مَعَه إِلَّا أَربع من الْإِبِل فَلَيْسَتْ فِيهَا صدقةٌ إِلَّا أَن يَشَاء رَبهَا، فَإِذا بلغت خمْسا من الْإِبِل فَفِيهَا شَاة. وَصدقَة الْغنم فِي سائمتها إِذا كَانَت أَرْبَعِينَ إِلَى عشْرين وَمِائَة شاةٍ شاةٌ، فَإِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة إِلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَان. فَإِذا زَادَت على مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثمِائَة فَفِيهَا ثَلَاث شِيَاه. فَإِذا زَادَت على ثَلَاثمِائَة فَفِي كل مائةٍ شاةٌ. فَإِذا كَانَت سَائِمَة الرجل نَاقِصَة من أَرْبَعِينَ شاةٍ شَاة وَاحِدَة فَلَيْسَ فِيهَا صدقةٌ إِلَّا أَن يَشَاء رَبهَا.

стр. 23

وَلَا يجمع بَين متفرقٍ، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع خشيَة الصَّدَقَة. وَمَا كَانَ من خليطين فَإِنَّهُمَا يتراجعان بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ. وَلَا يخرج فِي الصَّدَقَة هرمةٌ وَلَا ذَات عوار وَلَا تَيْس إِلَّا أَن يَشَاء الْمُصدق. وَفِي الرقة ربع الْعشْر. فَإِن لم يكن إِلَّا تسعين وَمِائَة فَلَيْسَ فِيهَا صدقةٌ إِلَّا أَن يَشَاء رَبهَا. وَمن بلغت عِنْده من الْإِبِل صَدَقَة الْجَذعَة وَلَيْسَت عِنْده جذعةٌ وَعِنْده حقةٌ فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ الحقة وَيجْعَل مَعهَا شَاتين إِن استيسرتا لَهُ أَو عشْرين درهما. وَمن بلغت عِنْده صَدَقَة الحقة وَلَيْسَت عِنْده الحقة وَعِنْده الْجَذعَة فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ الْجَذعَة وَيُعْطِيه الْمُصدق عشْرين درهما أَو شَاتين. وَمن بلغت عِنْده صَدَقَة الحقة وَلَيْسَت عِنْده إِلَّا بنت لبون فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ بنت لبون وَيُعْطِي شَاتين أَو عشْرين درهما. وَمن بلغت صدقته بنت لبون وَعِنْده حقة فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ الحقة وَيُعْطِيه الْمُصدق عشْرين درهما أَو شَاتين. وَمن بلغت صدقته بنت لبون وَلَيْسَت عِنْده بنت لبونٍ وَعِنْده بنت مخاضٍ فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ بنت مخاضٍ وَيُعْطِي مَعهَا عشْرين درهما أَو شَاتين. وَمن بلغت صدقته بنت مخاضٍ وَلَيْسَت عِنْده وَعِنْده بنت لبون فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ، وَيُعْطِيه الْمُصدق عشْرين درهما أَو شَاتين. فَمن لم يكن عِنْده بنت مَخَاض على وَجههَا وَعِنْده ابْن لبون فَإِنَّهُ يقبل مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَه شَيْء. قَالَ البُخَارِيّ: وزادتا أَحْمد - يَعْنِي ابْن حَنْبَل - عَن الْأنْصَارِيّ، وَذكر الْإِسْنَاد عَن أنس، قَالَ: كَانَ خَاتم النَّبِي ﷺ فِي يَده وَفِي يَد أبي بكر، وَفِي يَد عمر بعد أبي بكر، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَان، جلس على بِئْر أريس، وَأخرج الْخَاتم فَجعل

стр. 24

يعبث بِهِ، فَسقط. قَالَ: فاختلفنا ثَلَاثَة أَيَّام مَعَ عُثْمَان ننزح الْبِئْر، فَلم نجده. وَهَذِه الزِّيَادَة الَّتِي زَادهَا أَحْمد يَنْبَغِي أَن تكون فِي مُسْند أنس. ١١ - الْخَامِس: عَن عقبَة بن الْحَارِث بن عَامر بن نَوْفَل بن عبد منَاف، يكنى أَبَا سروعة، لَهُ صُحْبَة، قَالَ: صلى أَبُو بكر الْعَصْر ثمَّ خرج يمشي - يَعْنِي وَمَعَهُ عليٌّ - فَرَأى الْحسن يلْعَب مَعَ الصّبيان، فَحَمله على عَاتِقه وَقَالَ: بِأبي، شَبيه بِالنَّبِيِّ، لَيْسَ شَبِيها بعلي، وَعلي يضْحك. ١٢ - السَّادِس: عَن عَائِشَة قَالَت: لما اسْتخْلف أَبُو بكر قَالَ: لقد علم قومِي أَن حرفتي لم تكن تعجز عَن مُؤنَة أَهلِي، وشغلت بِأَمْر الْمُسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هَذَا المَال، ويحترف للْمُسلمين فِيهِ. ١٣ - السَّابِع: عَن عَائِشَة - مَوْقُوف - قَالَت: كَانَ لأبي بكر الصّديق غلامٌ يخرج لَهُ الْخراج، وَكَانَ أَبُو بكر يَأْكُل من خراجه، فجَاء يَوْمًا بِشَيْء فَأكل مِنْهُ أَبُو بكر، فَقَالَ لَهُ الْغُلَام: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بكر: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كنت تكهنت لإِنْسَان فِي الْجَاهِلِيَّة، وَمَا أحسن الكهانة، إِلَّا أَنِّي خدعته، فلقيني فَأَعْطَانِي بذلك، فَهَذَا الَّذِي أكلت مِنْهُ. فَأدْخل أَبُو بكرٍ يَده، فقاء كل شَيْء فِي بَطْنه. ١٤ - الثَّامِن: فِي ذكر وَفَاة النَّبِي ﷺ : عَن عَائِشَة، وَعَن ابْن عَبَّاس من رِوَايَة أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَنْهُمَا، قَالَت عَائِشَة فِي حَدِيثهَا: أقبل أَبُو بكر على فرسٍ من مَسْكَنه بالسنح حَتَّى نزل، فَدخل الْمَسْجِد، فَلم يكلم النَّاس حَتَّى دخل

стр. 25

على عَائِشَة، فَبَصر برَسُول الله ﷺ وَهُوَ مسجى بِبُرْدَةٍ، فكشف عَن وَجهه وأكب عَلَيْهِ، فَقبله ثمَّ بَكَى فَقَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي يَا نَبِي الله، لَا يجمع الله عَلَيْك موتتين، أما الموتة الَّتِي كتبت عَلَيْك فقد متها. قَالَ أَبُو سَلمَة: فَأَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَن أَبَا بكر خرج وَعمر يكلم النَّاس، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأبى، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأبى. فَتشهد أَبُو بكر، فَمَال إِلَيْهِ النَّاس وَتركُوا عمر، فَقَالَ: أما بعد، فَمن كَانَ مِنْكُم يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا ﷺ قد مَاتَ، وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت، قَالَ الله: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل﴾ إِلَى ... ﴿الشَّاكِرِينَ (١٥٤) ﴾ [سُورَة آل عمرَان] قَالَ: وَالله لكأن النَّاس لم يَكُونُوا يعلمُونَ أَن الله أنزل هَذِه الْآيَة حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بكر، فتلقاها مِنْهُ النَّاس، فَمَا يسمع بشرٌ إِلَّا يتلوها. ١٥ - التَّاسِع: أوردهُ أَبُو بكر البرقاني هَا هُنَا، وَأخرجه غَيره فِي مُسْند عَائِشَة من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَنْهَا: أَن أَبَا بكر لم يكن يَحْنَث قطّ فِي يَمِين حَتَّى أنزل الله كَفَّارَة الْيَمين، فَقَالَ: لَا أَحْلف على يَمِين فَرَأَيْت غَيرهَا خيرا مِنْهَا إِلَّا أتيت الَّذِي هُوَ خيرٌ وكفرت عَن يَمِيني. ١٦ - الْعَاشِر: عَن قيس بن أبي حَازِم قَالَ: دخل أَبُو بكر الصّديق على امْرَأَة من أحمس يُقَال لَهَا زَيْنَب، فرآها لَا تَتَكَلَّم، فَقَالَ: مَا لَهَا لَا تكلم، قَالُوا: حجت مصمتةً فَقَالَ لَهَا: تكلمي، فَإِن هَذَا لَا يحل، هَذَا من عمل الْجَاهِلِيَّة، فتكلمت، فَقَالَت: من أَنْت؟ قَالَ: امْرُؤ من الْمُهَاجِرين. قَالَت: أَي الْمُهَاجِرين؟ قَالَ: من قُرَيْش. قَالَت: من أَي قُرَيْش؟ قَالَ: إِنَّك لسؤول، أَنا أَبُو بكر. قَالَت: مَا بقاؤنا على هَذَا الْأَمر الصَّالح الَّذِي جَاءَ الله بِهِ بعد الْجَاهِلِيَّة؟ قَالَ: بقاؤكم عَلَيْهِ

стр. 26

مَا استقامت بِهِ أئمتكم. قَالَت: وَمَا الْأَئِمَّة؟ قَالَ: أما كَانَ لقَوْمك رؤوسٌ وأشرافٌ يأمرونهم فيطيعونهم؟ قَالَت: بلَى، قَالَ: فهم أُولَئِكَ على النَّاس. ١٧ - الْحَادِي عشر: عَن طَارق بن شهَاب قَالَ: جَاءَ وَفد بزاخة من أسدٍ وغَطَفَان إِلَى أبي بكر يسألونه الصُّلْح، فَخَيرهمْ بَين الْحَرْب المجلية وَالسّلم المخزية، فَقَالُوا هَذِه المجلية قد عرفناها، فَمَا المخزية؟ قَالَ: ننزع مِنْكُم الْحلقَة والكراع، ونغنم مَا أصبْنَا مِنْكُم، وتردون علينا مَا أصبْتُم منا، وتدون لنا قَتْلَانَا، وَتَكون قَتْلَاكُمْ فِي النَّار، وتتركون أَقْوَامًا يتبعُون أَذْنَاب الْإِبِل حَتَّى يري الله خَليفَة رَسُول الله ﷺ والمهاجرين أمرا يعذرونكم بِهِ. فَعرض أَبُو بكرٍ مَا قَالَ على الْقَوْم. فَقَامَ عمر بن الْخطاب فَقَالَ: قد رَأَيْت رَأيا وسنشير عَلَيْك. فَأَما مَا ذكرت من الْحَرْب المجلية وَالسّلم المخزية فَنعم مَا ذكرت، وَمَا ذكرت أَن نغنم مَا أصبْنَا مِنْكُم وتردون مَا أصبْتُم منا فَنعم مَا ذكرت. وَأما مَا ذكرت: تدون قَتْلَانَا وَتَكون قَتْلَاكُمْ فِي النَّار، فَإِن قَتْلَانَا قَاتَلت فقتلت على أَمر الله، أجورها على الله، لَيْسَ لَهَا دياتٌ، فتتابع الْقَوْم على مَا قَالَ عمر. اخْتَصَرَهُ البُخَارِيّ، وَأخرج طرفا مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله لَهُم: تتبعون أَذْنَاب الْإِبِل حَتَّى يري الله خَليفَة نبيه ﷺ والمهاجرين أمرا يعذرونكم بِهِ. وَأخرجه بِطُولِهِ أَبُو بكر البرقاني فِي كِتَابه الْمخْرج على الصَّحِيحَيْنِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أخرج البُخَارِيّ ذَلِك الْقدر الَّذِي اخْتَصَرَهُ مِنْهُ كَمَا أوردناه، وَالله أعلم.

стр. 27

١٨ - وَلمُسلم وَحده حَدِيث وَاحِد: عَن أنس قَالَ: قَالَ أَبُو بكر لعمر ﵄ بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ : انْطلق بِنَا إِلَى أم أَيمن نزورها كَمَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يزورها. فَلَمَّا انتهينا إِلَيْهَا بَكت، فَقَالَا: مَا يبكيك؟ أما تعلمين أَن مَا عِنْد الله خير لرَسُول الله ﷺ . قَالَت: إِنِّي لَا أبْكِي، إِنِّي لأعْلم أَن مَا عِنْد الله خير لرَسُول الله ﷺ ، وَلَكِن أبْكِي لِأَن الْوَحْي قد انْقَطع من السَّمَاء. فهيجتهما على الْبكاء، فَجعلَا يَبْكِيَانِ مَعهَا.

стр. 28

(٢) الْمُتَّفق عَلَيْهِ من مُسْند عمر بن الْخطاب ﵁ ١٩ - الأول: عَن عبد الله بن عَمْرو، وَعَن أبي هُرَيْرَة بِمَعْنَاهُ أَن عمر بَيْنَمَا هُوَ يخْطب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة، إِذْ دخل رجلٌ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين. وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: إِذْ دخل عُثْمَان بن عَفَّان، فناداه عمر: أَيَّة ساعةٍ هَذِه؟ قَالَ: إِنِّي شغلت الْيَوْم فَلم أنقلب إِلَى أَهلِي حَتَّى سَمِعت التأذين، فَلم أَزْد على أَن تَوَضَّأت. فَقَالَ عمر: وَالْوُضُوء أَيْضا؟ وَقد علمت أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَأْمر بِالْغسْلِ. وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ أَنه قَالَ: ألم تسمعوا رَسُول الله ﷺ يَقُول: إِذا جَاءَ أحدكُم إِلَى الْجُمُعَة فليغتسل ". ٢٠ - الثَّانِي: عَن عبد الله بن عمر - لمُسلم: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُعْطي عمر الْعَطاء. وَعَن عبد الله بن السَّعْدِيّ لَهما: أَن عمر قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يعطيني الْعَطاء فَأَقُول: أعْطه من هُوَ أفقر إِلَيْهِ مني: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " خُذْهُ، وَمَا جَاءَك من هَذَا المَال وَأَنت غير مشرفٍ وَلَا سائلٍ فَخذه، وَمَا لَا، فَلَا تتبعه نَفسك ".

стр. 29

وَفِي رِوَايَة شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن السَّائِب: " خُذْهُ فتموله وَتصدق بِهِ ". وَفِي رِوَايَة عَمْرو، عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم: " أَو تصدق بِهِ "، زَاد فِي رِوَايَة عَمْرو: من أجل ذَلِك كَانَ ابْن عمر لَا يسْأَل أحدا شَيْئا، وَلَا يرد شَيْئا أعْطِيه. وَفِي حَدِيث بكير عَن بسر بن سعيد أَن ابْن السَّاعِدِيّ الْمَالِكِي قَالَ: استعملني عمر على الصَّدَقَة، فَلَمَّا فرغت مِنْهَا وأديتها إِلَيْهِ، أَمر لي بعمالة، فَقلت: إِنَّمَا عملت لله وَأجْرِي على الله. فَقَالَ: خُذ مَا أَعْطَيْت، فَإِنِّي عملت على عهد رَسُول الله ﷺ ، فعملني، فَقلت مثل قَوْلك، فَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ : " إِذا أَعْطَيْت شَيْئا من غير أَن تسْأَل فَكل وَتصدق ". ٢١ - الثَّالِث: عَن عبد الله بن عمر، من رِوَايَة سَالم عَنهُ، قَالَ: سَمِعت عمر يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ ". وَهُوَ فِي أَفْرَاد مُسلم عَن ابْن عمر من رِوَايَة نَافِع عَنهُ. وَفِي رِوَايَة سَالم عَنهُ زِيَادَة، قَالَ: قَالَ عمر: فوَاللَّه مَا حَلَفت بهَا مُنْذُ سَمِعت رَسُول الله ﷺ ينْهَى عَنْهَا، ذَاكِرًا وَلَا آثراً. ٢٢ - الرَّابِع: عَن ابْن عمر، من رِوَايَة سَالم عَنهُ: دخلت على حَفْصَة ونوساتها تنطف فَقَالَت: أعلمت أَن أَبَاك غير مستخلفٍ؟ قلت: مَا كَانَ ليفعل. قَالَت: إِنَّه فَاعل. قَالَ: فَحَلَفت أَن ُأكَلِّمهُ فِي ذَلِك، فَسكت حَتَّى غَدَوْت، وَلم

стр. 30

ُأكَلِّمهُ، فَكنت كَأَنَّمَا احْمِلْ بيميني جبلا، حَتَّى رجعت، فَدخلت عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَن حَال النَّاس وَأَنا أخبرهُ، قَالَ: ثمَّ قلت: إِنِّي سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ مقَالَة، فآليت أَن أقولها لَك: زَعَمُوا أَنَّك غير مستخلف، وَإنَّهُ لَو كَانَ لَك راعي إبلٍ أَو راعي غنمٍ ثمَّ جَاءَك وَتركهَا لرأيت أَن قد ضيع، فرعاية النَّاس أَشد. قَالَ: فوافقه قولي، فَوضع رَأسه سَاعَة ثمَّ رَفعه إِلَيّ فَقَالَ: إِن الله يحفظ دينه، وَإِنِّي لَا أستخلف فَإِن رَسُول الله [ ﷺ ] لم يسْتَخْلف، فَإِن أستخلف فَإِن أَبَا بكر قد اسْتخْلف. قَالَ: فوَاللَّه مَا هُوَ إِلَّا ذكر رَسُول الله ﷺ وَأَبا بكر، فَعلمت أَنه لم يكن ليعدل برَسُول الله ﷺ أحدا، وَأَنه غير مستخلف. وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من رِوَايَة عُرْوَة بن الزبير عَن ابْن عمر بِمَعْنَاهُ فِي " الِاسْتِخْلَاف ". وَأَنه لما طعن عمر قيل لَهُ: لَو اسْتخْلفت. قَالَ: أتحمل أَمركُم حَيا وَمَيتًا، إِن أستخلف فقد اسْتخْلف من هُوَ خيرٌ مني: أَبُو بكر، وَإِن أترك فقد ترك من هُوَ خيرٌ مني: رَسُول الله ﷺ ، وددت أَن حظي مِنْهَا الكفاف، لَا عَليّ وَلَا لي. قَالَ عبد الله: فَعلمت أَنه غير مستخلفٍ. فَقَالُوا: جَزَاك الله خيرا. فَقَالَ: راغبٌ، وراهب. ٢٣ - الْخَامِس: عَن ابْن عمر من رِوَايَة نَافِع عَنهُ، عَن عمر قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله، إِنِّي كنت نذرت فِي الْجَاهِلِيَّة أَن أعتكف لَيْلَة. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: يَوْمًا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام. قَالَ: " فأوف بِنَذْرِك " وَلم يذكر بعض الروَاة يَوْمًا وَلَا لَيْلَة وَجعله فِي مُسْند ابْن عمر. قَالُوا فِيهِ إِن عمر قَالَ: يَا رَسُول الله ... . ٢٤ - السَّادِس: عَن ابْن عمر من رِوَايَة سعيد بن الْمسيب عَنهُ عَن عمر قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : " يعذب الْمَيِّت بِمَا نيح عَلَيْهِ "، وَفِي رِوَايَة: " مَا نيح عَلَيْهِ " قَالَ آدم عَن شُعْبَة فِيهِ: " يعذب الْمَيِّت ببكاء الْحَيّ عَلَيْهِ ".

стр. 31

وَرَوَاهُ عَن عمر أَيْضا ابْن عَبَّاس وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأنس بِأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة الْمَعْنى. وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن عَائِشَة قَالَت: لَا وَالله، مَا قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن الْمَيِّت يعذب ببكاء أحدٍ، وَلكنه قَالَ: " إِن الْكَافِر يزِيدهُ الله ببكاء أَهله عذَابا، وَإِن الله (هُوَ أضْحك وأبكى) ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ . وَلَكِن السّمع يُخطئ. وَفِي أَفْرَاد مُسلم عَن اابن عمر من رِوَايَة نَافِع عَنهُ: أَن حَفْصَة بَكت على عمر فَقَالَ - تَعْنِي مَا تقدم. وَفِي رِوَايَة ثَابت عَن أنس - من أَفْرَاد مُسلم أَيْضا - أَن عمر قَالَ نَحْو ذَلِك لما عولت حَفْصَة وصهيب عَلَيْهِ. فِي رِوَايَة ثَابت أبي صَالح ذكْوَان عَن ابْن عمر - من أَفْرَاد مُسلم -: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِن الْمَيِّت ليعذب ببكاء الْحَيّ ". ٢٥ - السَّابِع: عَن ابْن عمر من رِوَايَة الشّعبِيّ أَن عمر قَالَ على مِنْبَر النَّبِي ﷺ أما بعد، أَيهَا النَّاس، إِنَّه نزل تَحْرِيم الْخمر، وَهِي من خَمْسَة: من الْعِنَب، وَالتَّمْر، وَالْعَسَل، وَالْحِنْطَة، وَالشعِير. وَالْخمر مَا خامر الْعقل. ثلاثٌ وددت أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ عهد إِلَيْنَا عهدا انْتهى إِلَيْهِ: الْجد والكلالة وأبواب من أَبْوَاب الرِّبَا. ٢٦ - الثَّامِن: حَدِيث السَّقِيفَة: عَن ابْن عَبَّاس من رِوَايَة عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود قَالَ: كنت أَقْْرِئ رجَالًا من الْمُهَاجِرين، مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن

стр. 32

عَوْف، فَبينا أَنا فِي منزلي بمنى، وَهُوَ عِنْد عمر بن الْخطاب فِي آخر حجَّة حَجهَا، إِذْ رَجَعَ إِلَيّ عبد الرَّحْمَن فَقَالَ: لَو رَأَيْت رجلا أَتَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْيَوْم فَقَالَ: هَل لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي فلَان، يَقُول: لَو قد مَاتَ عمر لقد بَايَعت فلَانا، فوَاللَّه مَا كَانَت بيعَة أبي بكر إِلَّا فلتة، فَغَضب عمر ثمَّ قَالَ: إِنِّي إِن شَاءَ الله لقائم العشية فِي النَّاس فمحذرهم هَؤُلَاءِ الَّذين يُرِيدُونَ أَن يغصبوهم أَمرهم، قَالَ عبد الرَّحْمَن: فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَا تفعل؛ فَإِن الْمَوْسِم يجمع رعاع النَّاس وغوغائهم، وَإِنَّهُم هم الَّذين يغلبُونَ على قربك حِين تقوم فِي النَّاس، وَأَنا أخْشَى أَن تقوم فَتَقول مقَالَة يطيرها أُولَئِكَ عِنْد كل مطير، وَألا يعوها، وَألا يضعوها موَاضعهَا، فأمهل حَتَّى تقدم الْمَدِينَة، فَإِنَّهَا دَار الْهِجْرَة وَالسّنة، فتخلص بِأَهْل الْفِقْه وأشراف النَّاس فَتَقول مَا قلت مُتَمَكنًا، فيعي أهل الْعلم مَقَالَتك، ويضعوها على موَاضعهَا. قَالَ: فَقَالَ عمر: أما وَالله إِن شَاءَ الله لأقومن بذلك أول مقَام أقومه بِالْمَدِينَةِ. قَالَ ابْن عَبَّاس: فقدمنا الْمَدِينَة فِي عقب ذِي الْحجَّة، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة عجلت بالرواح حَتَّى زاغت الشَّمْس، حَتَّى أجد سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل جَالِسا إِلَى ركن الْمِنْبَر، فَجَلَست حذوه تمس ركبتي رُكْبَتَيْهِ، فَلم أنشب أَن خرج عمر بن الْخطاب، فَلَمَّا رَأَيْته مُقبلا قلت لسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل: ليَقُولن العشية على هَذَا الْمِنْبَر مقَالَة لم يقلها مُنْذُ اسْتخْلف. فَأنْكر عَليّ وَقَالَ: مَا عَسى أَن يَقُول مَا لم يقل قبله ﴿ فَجَلَسَ عمر على الْمِنْبَر، فَلَمَّا سكت الْمُؤَذّن قَامَ، فَأثْنى على الله بِمَا هُوَ أَهله، ثمَّ قَالَ: أما بعد، إِنِّي قَائِل لكم مقَالَة قد قدر أَن أقولها، لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَين يَدي أَجلي، فَمن عقلهَا ووعاها فليحدث بهَا حَيْثُ انْتَهَت بِهِ رَاحِلَته، وَمن خشِي أَلا يَعْقِلهَا فَلَا أحل لأحدٍ أَن يكذب عَليّ﴾

стр. 33

إِن الله بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، وَأنزل عَلَيْهِ الْكتاب، فَكَانَ مِمَّا أنزل الله آيَة الرَّجْم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، ورجم رَسُول الله ﷺ ، ورجمنا بعده، فأخشى إِن طَال بِالنَّاسِ زمانٌ أَن يَقُول قائلٌ: وَالله مَا نجد آيَة الرَّجْم فِي كتاب الله فيضلوا بترك فَرِيضَة أنزلهَا الله، فَالرَّجْم فِي كتاب الله حق على من زنى إِذا أحصن من الرِّجَال وَالنِّسَاء، إِذا قَامَت الْبَيِّنَة أَو كَانَ الْحَبل أَو الِاعْتِرَاف. ثمَّ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأ فِيمَا نَقْرَأ فِي كتاب الله أَن لَا ترغبوا عَن آبائكم، فَإِنَّهُ كفر بكم أَن ترغبوا عَن آبائكم، أَلا وَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " لَا تطروني كَمَا أطري عِيسَى ابْن مَرْيَم، وَقُولُوا: عبد الله وَرَسُوله ". ثمَّ إِنَّه بَلغنِي أَن قَائِلا مِنْكُم يَقُول: وَالله لَو مَاتَ عمر بَايَعت فلَانا، فَلَا يغتر امْرُؤ أَن يَقُول: إِنَّمَا كَانَت بيعَة أبي بكر فلتةً وتمت، أَلا وَإِنَّهَا قد كَانَت كَذَلِك وَلَكِن الله وقى شَرها، وَلَيْسَ فِيكُم من تقطع فِيهِ الْأَعْنَاق مثل أبي بكر، وَإنَّهُ كَانَ من خيرنا حِين توفّي نَبِي الله ﷺ . إِن الْأَنْصَار خالفونا واجتمعوا بأسرهم فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة، وَخَالف عَنَّا عليٌّ وَالزُّبَيْر وَمن مَعَهُمَا، وَاجْتمعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أبي بكر، فَقلت لأبي بكر: يَا أَبَا بكر، انْطلق بِنَا إِلَى إِخْوَاننَا هَؤُلَاءِ من الْأَنْصَار، فَانْطَلَقْنَا نريدهم، فَلَمَّا دنونا مِنْهُم لَقينَا مِنْهُم رجلَانِ صالحان، فذكرا مَا تمالأ عَلَيْهِ الْقَوْم، فَقَالَا: أَيْن تُرِيدُونَ يَا معشر الْمُهَاجِرين؟ فَقُلْنَا: نُرِيد إِخْوَاننَا هَؤُلَاءِ من الْأَنْصَار، فَقَالَا: لَا عَلَيْكُم، لَا تقربوهم اقضوا أَمركُم. فَقلت: وَالله لنأتينهم، وانطلقنا حَتَّى أتيناهم فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة، فَإِذا رجلٌ مزملٌ بَين ظهرانيهم،

стр. 34

فَقلت: من هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا سعد بن عبَادَة. فَقلت: مَا لَهُ؟ قَالُوا: يوعك. فَلَمَّا جلسنا قَلِيلا، تشهد خطيبهم، فَأثْنى على الله بِمَا هُوَ أَهله، ثمَّ قَالَ: أما بعد، فَنحْن أنصار الله، وكتيبة الْإِسْلَام، وَأَنْتُم معشر الْمُهَاجِرين، رهطٌ منا، وَقد دفت دافة من قومكم، فَإِذا هم أَرَادوا أَن يختزلونا من أهلنا، وَأَن يحضنونا من الْأَمر. فَلَمَّا سكت، أردْت أَن أَتكَلّم، وَكنت زورت مقَالَة أعجبتني أُرِيد أَن أقدمها بَين يَدي أبي بكر، وَكنت أواري مِنْهُ بعض الْجد، فَلَمَّا أردْت أَن أَتكَلّم قَالَ أَبُو بكر: على رسلك، فَكرِهت أَن أغضبهُ، فَتكلم أَبُو بكر، وَكَانَ أحلم مني وأوقر، وَالله مَا ترك من كلمةٍ أعجبتني فِي تزويري إِلَّا قَالَ فِي بديهته مثلهَا أَو أفضل مِنْهَا، حَتَّى سكت، فَقَالَ: مَا ذكرْتُمْ فِيكُم من خير فَأنْتم لَهُ أهل، وَلنْ تعرف الْعَرَب هَذَا الْأَمر إِلَّا لهَذَا الْحَيّ من قُرَيْش، هم أَوسط الْعَرَب نسبا وداراً، وَقد رضيت لكم أحد هذَيْن الرجلَيْن، فَبَايعُوا أَيهمَا شِئْتُم - فَأخذ بيَدي وبيد أبي عُبَيْدَة بن الْجراح - وَهُوَ جَالس بَيْننَا، فَلم أكره مِمَّا قَالَ غَيرهَا. كَانَ - وَالله - أَن أقدم فَتضْرب عنقِي، لَا يقربنِي ذَلِك من إِثْم أحب إِلَيّ من أَن أتأمر على قوم فيهم أَبُو بكر، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تسول لي نَفسِي عِنْد الْمَوْت شَيْئا لَا أَجِدهُ الْآن. فَقَالَ قَائِل من الْأَنْصَار: أَنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أميرٌ ومنكم أَمِير يَا معشر قُرَيْش. فَكثر اللَّغط، وَارْتَفَعت الْأَصْوَات، حَتَّى فرقت من الِاخْتِلَاف، فَقلت: أبسط يدك يَا أَبَا بكر، فَبَايَعته، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثمَّ بايعته الْأَنْصَار.

стр. 35

ونزونا على سعد بن عبَادَة، فَقَالَ قائلٌ مِنْهُم: قتلتم سعد بن عبَادَة. فَقلت: قتل الله سعد بن عبَادَة. قَالَ عمر: وَإِنَّا وَالله مَا وجدنَا فِيمَا حَضَرنَا من أمرنَا أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إِن فارقنا الْقَوْم وَلم تكن بيعةٌ أَن يبايعوا رجلا مِنْهُم بَعدنَا، فإمَّا تابعناهم على مَا لَا نرضى، وَإِمَّا أَن نخالفهم فَيكون فسادٌ، فَمن بَايع رجلا على غير مشورةٍ من الْمُسلمين فَلَا يُتَابع هُوَ وَلَا الَّذِي بَايعه تغرة أَن يقتلا. وَزَاد فِي رِوَايَة البرقاني بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أخرجه بِهِ البُخَارِيّ: قَالَ ابْن شهَاب: فَأَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَن الرجلَيْن اللَّذين لقوهما عويم بن سَاعِدَة، ومعن بن عدي، فَأَما عويم بن سَاعِدَة. فَهُوَ الَّذِي بلغنَا أَنه قيل لرَسُول الله ﷺ : من الَّذين قَالَ الله فيهم: ﴿فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين﴾ [سُورَة التَّوْبَة] فَقَالَ رَسُول الله ﷺ " نعم الْمَرْء عويم بن سَاعِدَة "، وَلم يبلغنَا أَنه ذكر غير عويم بن سَاعِدَة. واما معن بن عدي فَبَلغنَا أَن النَّاس بكوا على رَسُول الله ﷺ حِين توفاه الله، وَقَالُوا: لَوَدِدْنَا أَنا متْنا قبله، نخشى أَن نفتن بعده، فَقَالَ معن بن عدي: لكني وَالله مَا أحب أَنِّي مت قبله حَتَّى أصدقه مَيتا كَمَا صدقته حياًّ، فَقتل معن بن عدي بِالْيَمَامَةِ يَوْم مُسَيْلمَة الْكذَّاب. هُوَ عِنْد مُسلم مُخْتَصر حَدِيث الرَّجْم.

стр. 36

وأفرد البُخَارِيّ مِنْهُ فِي مَوضِع آخر من كِتَابه قَوْله ﵇: " وَلَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى عِيسَى ابْن مَرْيَم ". ٢٧ - التَّاسِع: فِي اعتزال النَّبِي ﷺ نِسَاءَهُ، عَن ابْن عَبَّاس من رِوَايَة عبيد الله بن عبيد الله بن أبي ثَوْر، وَعبيد بن حنين عَنهُ، وَهُوَ فِي مُسلم من رِوَايَة سماك الْحَنَفِيّ عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي ألفاظهم اخْتِلَاف مُتَقَارب الْمَعْنى، وَزِيَادَة. فَفِي رِوَايَة عبيد الله عَنهُ أَنه قَالَ: لم أزل حَرِيصًا على أَن أسأَل عمر بن الْخطاب عَن الْمَرْأَتَيْنِ من أَزوَاج النَّبِي ﷺ اللَّتَيْنِ قَالَ الله : ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى الله فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ [سُورَة التَّحْرِيم] حَتَّى حج عمر وَحَجَجْت مَعَه، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق عدل عمر وَعدلت مَعَه بِالْإِدَاوَةِ فَتبرز، ثمَّ أَتَانِي فَسَكَبت على يَدَيْهِ فَتَوَضَّأ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، من الْمَرْأَتَانِ من أَزوَاج النَّبِي ﷺ اللَّتَان قَالَ الله : ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى الله فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ فَقَالَ عمر: وَاعجَبا لَك يَا ابْن عَبَّاس، قَالَ الزُّهْرِيّ: كره - وَالله - مَا سَأَلَهُ عَنهُ، وَلم يَكْتُمهُ. قَالَ: هما عَائِشَة وَحَفْصَة، ثمَّ أَخذ يَسُوق الحَدِيث، قَالَ: كُنَّا - معشر قُرَيْش - قوما نغلب النِّسَاء، فَلَمَّا قدمنَا الْمَدِينَة وجدنَا قوما تغلبهم نِسَاؤُهُم، فَطَفِقَ نساؤنا يتعلمن من نِسَائِهِم، قَالَ: وَكَانَ منزلي فِي بني أُميَّة من زيدٍ بالعوالي، فَغضِبت يَوْمًا على امْرَأَتي، فَإِذا هِيَ تراجعني، فأنكرت أَن تراجعني، فَقَالَت: مَا تنكر أَن أراجعك؟ فوَاللَّه إِن أَزوَاج النَّبِي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إِحْدَاهُنَّ الْيَوْم إِلَى اللَّيْل. فَانْطَلَقت فَدخلت على حَفْصَة، فَقلت: أتراجعن رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَت: نعم. فَقلت: أتهجره إحداكن الْيَوْم إِلَى اللَّيْل؟ قَالَت: نعم. قلت: قد خَابَ من فعل ذَلِك مِنْكُن وخسرت، أفتأمن إحداكن أَن يغْضب الله عَلَيْهَا لغضب رَسُول الله ﷺ ، فَإِذا هِيَ قد هَلَكت، لَا تراجعي رَسُول الله ﷺ ، وَلَا تسأليه شَيْئا، وسليني مَا بدا لَك، وَلَا يغرنك أَن كَانَت جارتك هِيَ أوسم وَأحب إِلَى رَسُول الله مِنْك - يُرِيد عَائِشَة -.

стр. 37

وَكَانَ لي جَار من الْأَنْصَار، فَكُنَّا نتناوب النُّزُول إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَينزل يَوْمًا، وَأنزل يَوْمًا، ويأتيني بِخَبَر الْوَحْي وَغَيره، وآتيه بِمثل ذَلِك. وَكُنَّا نتحدث أَن غَسَّان تنعل الْخَيل لتغزونا، فَنزل صَاحِبي ثمَّ أَتَانِي عشَاء، فَضرب بَابي ثمَّ ناداني، فَخرجت إِلَيْهِ، فَقَالَ: حدث أمرٌ عَظِيم، فَقلت: مَاذَا، أجاءت غَسَّان؟ قَالَ: لَا، بل أعظم من ذَلِك وأهول، طلق رَسُول الله ﷺ نِسَاءَهُ. قلت: قد خابت حَفْصَة وخسرت، قد كنت أَظن هَذَا يُوشك أَن يكون. حَتَّى إِذا صليت الصُّبْح، شددت عَليّ ثِيَابِي، ثمَّ نزلت، فَدخلت على حَفْصَة وَهِي تبْكي، فَقلت: أطلقكن رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَت: لَا أَدْرِي، هُوَ هَذَا معتزلٌ فِي هَذِه الْمشْربَة فَأتيت غُلَاما لَهُ أسود فَقلت: أتستأذن لعمر؟ فَدخل. ثمَّ خرج إِلَيّ، قَالَ: قد ذكرتك لَهُ فَصمت. فَانْطَلَقت حَتَّى إِذا أتيت الْمِنْبَر، فَإِذا عِنْده رهطٌ جلوسٌ يبكي بَعضهم، فَجَلَست قَلِيلا، ثمَّ غلبني مَا أجد، فَأتيت الْغُلَام فَقلت: اسْتَأْذن لعمر، فَدخل ثمَّ خرج إِلَيّ فَقَالَ: قد ذكرتك لَهُ فَصمت، فَخرجت فَجَلَست إِلَى الْمِنْبَر ثمَّ غلبني مَا أجد، فَأتيت الْغُلَام فَقلت: اسْتَأْذن لعمر، فَدخل ثمَّ خرج فَقَالَ: قد ذكرتك لَهُ فَصمت، فوليت مُدبرا، فَإِذا الْغُلَام قَالَ: ادخل، قد أذن لَك. فَدخلت، فَسلمت على رَسُول الله ﷺ فَإِذا هُوَ متكئٌ على رمال حَصِير قد أثر فِي جنبه، فَقلت: أطلقت نِسَاءَك؟ فَرفع رَأسه إِلَيّ فَقَالَ: " لَا ". فَقلت: الله أكبر، لَو رَأَيْتنَا يَا رَسُول الله، وَكُنَّا - معشر قُرَيْش - نغلب النِّسَاء، فَلَمَّا قدمنَا الْمَدِينَة وجدنَا قوما تغلبهم نِسَاؤُهُم، فَطَفِقَ نساؤنا يتعلمن من نِسَائِهِم، فَغضِبت على امْرَأَتي يَوْمًا، فَإِذا هِيَ تراجعني، فأنكرت أَن تراجعني، فَقَالَت: مَا تنكر أَن أراجعك؟ فوَاللَّه إِن أَزوَاج النَّبِي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إِحْدَاهُنَّ الْيَوْم إِلَى اللَّيْل، فَقلت: قد خَابَ من فعل ذَلِك مِنْهُنَّ وخسر، أفتأمن إِحْدَاهُنَّ أَن يغْضب الله عَلَيْهَا لغضب رَسُول الله ﷺ ، فَإِذا هِيَ قد هَلَكت، فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ ، فَقلت: يَا رَسُول الله، قد دخلت على حَفْصَة فَقلت: لَا يغرنك أَن كَانَت جارتك هِيَ

стр. 38

أوسم وَأحب إِلَى رَسُول الله ﷺ مِنْك، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى. فَقلت: أستأنس يَا رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: " نعم ". فَجَلَست، فَرفعت رَأْسِي فِي الْبَيْت، فوَاللَّه مَا رَأَيْت فِيهِ شَيْئا يرد الْبَصَر إِلَّا أهباً ثَلَاثَة، فَقلت: ادْع الله أَن يُوسع على أمتك، فقد وسع على فَارس وَالروم وهم لَا يعْبدُونَ الله، فَاسْتَوَى جَالِسا ثمَّ قَالَ: " أَفِي شكّ أَنْت يَا ابْن الْخطاب؟ أُولَئِكَ قومٌ عجلت لَهُم طَيِّبَاتهمْ هم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا "، فَقلت: اسْتغْفر لي يَا رَسُول الله. قَالَ: وَكَانَ أقسم أَلا يدْخل عَلَيْهِنَّ شهرا من أجل ذَلِك الحَدِيث حِين أفشته حَفْصَة إِلَى عَائِشَة، من شدَّة موجدته عَلَيْهِنَّ، حَتَّى عاتبه الله تَعَالَى. قَالَ الزُّهْرِيّ: فَأَخْبرنِي عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: لما مَضَت تسع وَعِشْرُونَ لَيْلَة دخل عَليّ رَسُول الله بداري فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنَّك أَقْسَمت أَلا تدخل علينا شهرا، وَإنَّك دخلت من تسعٍ وَعشْرين أعدهن. فَقَالَ: " إِن الشَّهْر تسعٌ وَعِشْرُونَ ". زَاد فِي رِوَايَة: وَكَانَ ذَلِك الشَّهْر تسعا وَعشْرين لَيْلَة، ثمَّ قَالَ: " يَا عَائِشَة، إِنِّي ذاكرٌ لَك أمراٌ، فَلَا عَلَيْك أَلا تعجلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك، ثمَّ قَرَأَ: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك إِن كنتن تردن الحيا ة الدُّنْيَا وَزينتهَا﴾ حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله: ﴿عَظِيما﴾ [سُورَة الْأَحْزَاب] قَالَت عَائِشَة: قد علمت وَالله أَن أَبَوي لم يَكُونَا ليأمراني بِفِرَاقِهِ، فَقلت: أَو فِي هَذَا أَستَأْمر أَبَوي؟ فَإِنِّي أُرِيد الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة. وَفِيه. عَن معمر أَن أَيُّوب قَالَ لَهُ: إِن عَائِشَة قَالَت: لَا تخبر نِسَاءَك أنني اخْتَرْتُك، فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : " إِن الله أَرْسلنِي مبلغا وَلم يُرْسِلنِي مُتَعَنتًا ". قَالَ قَتَادَة: صغت قُلُوبكُمَا: مَالَتْ قُلُوبكُمَا.

стр. 39

وَفِي رِوَايَة سماك. وَذَلِكَ قبل أَن يؤمرن بالحجاب. وَفِيه دُخُول عمر على عَائِشَة وَحَفْصَة ولومه لَهما، وَقَوله لحفصة: وَالله لقد علمت أَن رَسُول الله لَا يحبك وَلَوْلَا أَنا لطلقك، وَفِيه قَول عمر عِنْد الاسْتِئْذَان فِي إِحْدَى المرات: يَا رَبَاح، اسْتَأْذن لي، فَإِنِّي أَظن أَن رَسُول الله ﷺ ظن أَنِّي جِئْت من أجل حَفْصَة، وَالله لَئِن أَمرنِي أَن أضْرب عُنُقهَا لَأَضرِبَن عُنُقهَا. قَالَ: وَرفعت صوتي، وَأَنه أذن لَهُ عِنْد ذَلِك، وَأَنه اسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ فِي أَن يخبر النَّاس أَنه لم يُطلق نِسَاءَهُ، فَأذن لَهُ، وَأَنه قَامَ على بَاب الْمَسْجِد فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته: لم يُطلق رَسُول الله ﷺ نِسَاءَهُ، وَإنَّهُ قَالَ وَهُوَ يرى الْغَضَب فِي وَجهه: يَا رَسُول الله، مَا يشق عَلَيْك فِي شَأْن النِّسَاء، فَإِن كنت طلقتهن فَإِن الله مَعَك وَمَلَائِكَته وَجِبْرِيل وَمِيكَائِيل، وَأَنا، وَأَبُو بكر، والمؤمنون مَعَك. قَالَ: وقلما تَكَلَّمت - وَأحمد الله - إِلَّا رَجَوْت أَن يكون الله يصدق قولي الَّذِي أَقُول، وَنزلت هَذِه الْآيَة: آيَة التَّخْيِير: ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا﴾ [سُورَة التَّحْرِيم] ، وَفِيه أَنه قَالَ: فَلم أزل أحدث حَتَّى تحسر الْغَضَب عَن وَجهه وَحَتَّى كشر فَضَحِك، وَكَانَ من أحسن النَّاس ثغراً وَقَالَ: وَنزلت أتشبث بالجذع، وَهُوَ جذع يرقى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ، وَنزل رَسُول الله ﷺ كَأَنَّمَا يمشي على الأَرْض مَا يمسهُ بِيَدِهِ فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا كنت فِي الغرفة تسعا وَعشْرين، فَقَالَ: " إِن الشَّهْر يكون تسعا وَعشْرين ". قَالَ: وَنزلت هَذِه الْآيَة: ﴿وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ [سُورَة النِّسَاء الْآيَة] قَالَ: فَكنت أَنا الَّذِي استنبطت ذَلِك الْأَمر، فَأنْزل الله آيَة التَّخْيِير.

стр. 40

وَفِي حَدِيث ابْن حنين أَن عمر دخل على أم سَلمَة لِقَرَابَتِهِ مِنْهَا، فكلمها، وَأَنَّهَا قَالَت لَهُ: عجبا لَك يَا ابْن الْخطاب، قد دخلت فِي كل شَيْء حَتَّى تبتغي أَن تدخل بَين رَسُول الله ﷺ وأزواجه، وَأَن ذَلِك كَسره عَن بعض مَا كَانَ يجد، وَأَنه لما قصّ على رَسُول الله ﷺ حَدِيث أم سَلمَة تَبَسم. ٢٨ - الْعَاشِر: عَن ابْن عَبَّاس من رِوَايَة أبي الْعَالِيَة الريَاحي عَنهُ: شهد عِنْدِي رجالٌ مرضيون أرضاهم عمر: أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن الصَّلَاة بعد الصُّبْح حَتَّى تشرق الشَّمْس، وَبعد الْعَصْر حَتَّى تغرب. ٢٩ - الْحَادِي عشر: عَن ابْن عَبَّاس من رِوَايَة طَاوس عَنهُ: بلغ عمر أَن فلَانا بَاعَ خمرًا، فَقَالَ: قَاتل الله فلَانا، ألم يعلم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " لعن الله الْيَهُود، حرمت عَلَيْهِم الشحوم فجملوها فَبَاعُوهَا ". ٣٠ - الثَّانِي عشر: عَن عبد الله بن الزبير من رِوَايَة أبي ذبيان خَليفَة بن كَعْب عَنهُ: أَنه سَمعه يخْطب وَيَقُول: لَا تلبسوا نساءكم الْحَرِير، فَإِنِّي سَمِعت عمر بن الْخطاب يَقُول: " لَا تلبسوا الْحَرِير، فَإِنَّهُ من لبسه فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة " وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ وَحده من رِوَايَة معَاذَة العدوية، عَن أم عَمْرو بنت عبد الله بن الزبير عَن أَبِيهَا، قَالَ فِيهِ: وَقَالَ أَبُو معمر
следующие страницы →