Полный текст (2 051 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وأفرد البُخَارِيّ مِنْهُ فِي مَوضِع آخر من كِتَابه قَوْله ﵇: "
وَلَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى عِيسَى ابْن مَرْيَم ".
٢٧ - التَّاسِع: فِي اعتزال النَّبِي ﷺ نِسَاءَهُ، عَن ابْن عَبَّاس من رِوَايَة عبيد الله بن عبيد الله بن أبي ثَوْر، وَعبيد بن حنين عَنهُ، وَهُوَ فِي مُسلم من رِوَايَة سماك الْحَنَفِيّ عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي ألفاظهم اخْتِلَاف مُتَقَارب الْمَعْنى، وَزِيَادَة.
فَفِي رِوَايَة عبيد الله عَنهُ أَنه قَالَ: لم أزل حَرِيصًا على أَن أسأَل عمر بن الْخطاب عَن الْمَرْأَتَيْنِ من أَزوَاج النَّبِي ﷺ اللَّتَيْنِ قَالَ الله : ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى الله فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ [سُورَة التَّحْرِيم] حَتَّى حج عمر وَحَجَجْت مَعَه، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق عدل عمر وَعدلت مَعَه بِالْإِدَاوَةِ فَتبرز، ثمَّ أَتَانِي فَسَكَبت على يَدَيْهِ فَتَوَضَّأ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، من الْمَرْأَتَانِ من أَزوَاج النَّبِي ﷺ اللَّتَان قَالَ الله : ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى الله فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ فَقَالَ عمر: وَاعجَبا لَك يَا ابْن عَبَّاس، قَالَ الزُّهْرِيّ: كره - وَالله - مَا سَأَلَهُ عَنهُ، وَلم يَكْتُمهُ. قَالَ: هما عَائِشَة وَحَفْصَة، ثمَّ أَخذ يَسُوق الحَدِيث، قَالَ:
كُنَّا - معشر قُرَيْش - قوما نغلب النِّسَاء، فَلَمَّا قدمنَا الْمَدِينَة وجدنَا قوما تغلبهم نِسَاؤُهُم، فَطَفِقَ نساؤنا يتعلمن من نِسَائِهِم، قَالَ: وَكَانَ منزلي فِي بني أُميَّة من زيدٍ بالعوالي، فَغضِبت يَوْمًا على امْرَأَتي، فَإِذا هِيَ تراجعني، فأنكرت أَن تراجعني، فَقَالَت: مَا تنكر أَن أراجعك؟ فوَاللَّه إِن أَزوَاج النَّبِي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إِحْدَاهُنَّ الْيَوْم إِلَى اللَّيْل. فَانْطَلَقت فَدخلت على حَفْصَة، فَقلت: أتراجعن رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَت: نعم. فَقلت: أتهجره إحداكن الْيَوْم إِلَى اللَّيْل؟ قَالَت: نعم. قلت: قد خَابَ من فعل ذَلِك مِنْكُن وخسرت، أفتأمن إحداكن أَن يغْضب الله عَلَيْهَا لغضب رَسُول الله ﷺ ، فَإِذا هِيَ قد هَلَكت، لَا تراجعي رَسُول الله ﷺ ، وَلَا تسأليه شَيْئا، وسليني مَا بدا لَك، وَلَا يغرنك أَن كَانَت جارتك هِيَ أوسم وَأحب إِلَى رَسُول الله مِنْك - يُرِيد عَائِشَة -.
стр. 37
وَكَانَ لي جَار من الْأَنْصَار، فَكُنَّا نتناوب النُّزُول إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَينزل يَوْمًا، وَأنزل يَوْمًا، ويأتيني بِخَبَر الْوَحْي وَغَيره، وآتيه بِمثل ذَلِك. وَكُنَّا نتحدث أَن غَسَّان تنعل الْخَيل لتغزونا، فَنزل صَاحِبي ثمَّ أَتَانِي عشَاء، فَضرب بَابي ثمَّ ناداني، فَخرجت إِلَيْهِ، فَقَالَ: حدث أمرٌ عَظِيم، فَقلت: مَاذَا، أجاءت غَسَّان؟ قَالَ: لَا، بل أعظم من ذَلِك وأهول، طلق رَسُول الله ﷺ نِسَاءَهُ. قلت: قد خابت حَفْصَة وخسرت، قد كنت أَظن هَذَا يُوشك أَن يكون.
حَتَّى إِذا صليت الصُّبْح، شددت عَليّ ثِيَابِي، ثمَّ نزلت، فَدخلت على حَفْصَة وَهِي تبْكي، فَقلت: أطلقكن رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَت: لَا أَدْرِي، هُوَ هَذَا معتزلٌ فِي هَذِه الْمشْربَة فَأتيت غُلَاما لَهُ أسود فَقلت: أتستأذن لعمر؟ فَدخل. ثمَّ خرج إِلَيّ، قَالَ: قد ذكرتك لَهُ فَصمت. فَانْطَلَقت حَتَّى إِذا أتيت الْمِنْبَر، فَإِذا عِنْده رهطٌ جلوسٌ يبكي بَعضهم، فَجَلَست قَلِيلا، ثمَّ غلبني مَا أجد، فَأتيت الْغُلَام فَقلت: اسْتَأْذن لعمر، فَدخل ثمَّ خرج إِلَيّ فَقَالَ: قد ذكرتك لَهُ فَصمت، فَخرجت فَجَلَست إِلَى الْمِنْبَر ثمَّ غلبني مَا أجد، فَأتيت الْغُلَام فَقلت: اسْتَأْذن لعمر، فَدخل ثمَّ خرج فَقَالَ: قد ذكرتك لَهُ فَصمت، فوليت مُدبرا، فَإِذا الْغُلَام قَالَ: ادخل، قد أذن لَك. فَدخلت، فَسلمت على رَسُول الله ﷺ فَإِذا هُوَ متكئٌ على رمال حَصِير قد أثر فِي جنبه، فَقلت: أطلقت نِسَاءَك؟ فَرفع رَأسه إِلَيّ فَقَالَ: " لَا ". فَقلت: الله أكبر، لَو رَأَيْتنَا يَا رَسُول الله، وَكُنَّا - معشر قُرَيْش - نغلب النِّسَاء، فَلَمَّا قدمنَا الْمَدِينَة وجدنَا قوما تغلبهم نِسَاؤُهُم، فَطَفِقَ نساؤنا يتعلمن من نِسَائِهِم، فَغضِبت على امْرَأَتي يَوْمًا، فَإِذا هِيَ تراجعني، فأنكرت أَن تراجعني، فَقَالَت: مَا تنكر أَن أراجعك؟ فوَاللَّه إِن أَزوَاج النَّبِي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إِحْدَاهُنَّ الْيَوْم إِلَى اللَّيْل، فَقلت: قد خَابَ من فعل ذَلِك مِنْهُنَّ وخسر، أفتأمن إِحْدَاهُنَّ أَن يغْضب الله عَلَيْهَا لغضب رَسُول الله ﷺ ، فَإِذا هِيَ قد هَلَكت، فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ ، فَقلت: يَا رَسُول الله، قد دخلت على حَفْصَة فَقلت: لَا يغرنك أَن كَانَت جارتك هِيَ
стр. 38
أوسم وَأحب إِلَى رَسُول الله ﷺ مِنْك، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى. فَقلت: أستأنس يَا رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: " نعم ". فَجَلَست، فَرفعت رَأْسِي فِي الْبَيْت، فوَاللَّه مَا رَأَيْت فِيهِ شَيْئا يرد الْبَصَر إِلَّا أهباً ثَلَاثَة، فَقلت: ادْع الله أَن يُوسع على أمتك، فقد وسع على فَارس وَالروم وهم لَا يعْبدُونَ الله، فَاسْتَوَى جَالِسا ثمَّ قَالَ: " أَفِي شكّ أَنْت يَا ابْن الْخطاب؟ أُولَئِكَ قومٌ عجلت لَهُم طَيِّبَاتهمْ هم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا "، فَقلت: اسْتغْفر لي يَا رَسُول الله.
قَالَ: وَكَانَ أقسم أَلا يدْخل عَلَيْهِنَّ شهرا من أجل ذَلِك الحَدِيث حِين أفشته حَفْصَة إِلَى عَائِشَة، من شدَّة موجدته عَلَيْهِنَّ، حَتَّى عاتبه الله تَعَالَى.
قَالَ الزُّهْرِيّ:
فَأَخْبرنِي عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: لما مَضَت تسع وَعِشْرُونَ لَيْلَة دخل عَليّ رَسُول الله بداري فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنَّك أَقْسَمت أَلا تدخل علينا شهرا، وَإنَّك دخلت من تسعٍ وَعشْرين أعدهن. فَقَالَ: " إِن الشَّهْر تسعٌ وَعِشْرُونَ ". زَاد فِي رِوَايَة: وَكَانَ ذَلِك الشَّهْر تسعا وَعشْرين لَيْلَة، ثمَّ قَالَ: " يَا عَائِشَة، إِنِّي ذاكرٌ لَك أمراٌ، فَلَا عَلَيْك أَلا تعجلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك، ثمَّ قَرَأَ: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك إِن كنتن تردن الحيا ة الدُّنْيَا وَزينتهَا﴾ حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله: ﴿عَظِيما﴾ [سُورَة الْأَحْزَاب] قَالَت عَائِشَة: قد علمت وَالله أَن أَبَوي لم يَكُونَا ليأمراني بِفِرَاقِهِ، فَقلت: أَو فِي هَذَا أَستَأْمر أَبَوي؟ فَإِنِّي أُرِيد الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة.
وَفِيه. عَن معمر أَن أَيُّوب قَالَ لَهُ:
إِن عَائِشَة قَالَت: لَا تخبر نِسَاءَك أنني اخْتَرْتُك، فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : " إِن الله أَرْسلنِي مبلغا وَلم يُرْسِلنِي مُتَعَنتًا ".
قَالَ قَتَادَة: صغت قُلُوبكُمَا: مَالَتْ قُلُوبكُمَا.
стр. 39
وَفِي رِوَايَة سماك. وَذَلِكَ قبل أَن يؤمرن بالحجاب. وَفِيه دُخُول عمر على عَائِشَة وَحَفْصَة ولومه لَهما، وَقَوله لحفصة: وَالله لقد علمت أَن رَسُول الله لَا يحبك وَلَوْلَا أَنا لطلقك، وَفِيه قَول عمر عِنْد الاسْتِئْذَان فِي إِحْدَى المرات: يَا رَبَاح، اسْتَأْذن لي، فَإِنِّي أَظن أَن رَسُول الله ﷺ ظن أَنِّي جِئْت من أجل حَفْصَة، وَالله لَئِن أَمرنِي أَن أضْرب عُنُقهَا لَأَضرِبَن عُنُقهَا. قَالَ: وَرفعت صوتي، وَأَنه أذن لَهُ عِنْد ذَلِك، وَأَنه اسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ فِي أَن يخبر النَّاس أَنه لم يُطلق نِسَاءَهُ، فَأذن لَهُ، وَأَنه قَامَ على بَاب الْمَسْجِد فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته: لم يُطلق رَسُول الله ﷺ نِسَاءَهُ، وَإنَّهُ قَالَ وَهُوَ يرى الْغَضَب فِي وَجهه: يَا رَسُول الله، مَا يشق عَلَيْك فِي شَأْن النِّسَاء، فَإِن كنت طلقتهن فَإِن الله مَعَك وَمَلَائِكَته وَجِبْرِيل وَمِيكَائِيل، وَأَنا، وَأَبُو بكر، والمؤمنون مَعَك. قَالَ: وقلما تَكَلَّمت - وَأحمد الله - إِلَّا رَجَوْت أَن يكون الله يصدق قولي الَّذِي أَقُول، وَنزلت هَذِه الْآيَة: آيَة التَّخْيِير: ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا﴾ [سُورَة التَّحْرِيم] ، وَفِيه أَنه قَالَ: فَلم أزل أحدث حَتَّى تحسر الْغَضَب عَن وَجهه وَحَتَّى كشر فَضَحِك، وَكَانَ من أحسن النَّاس ثغراً وَقَالَ: وَنزلت أتشبث بالجذع، وَهُوَ جذع يرقى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ، وَنزل رَسُول الله ﷺ كَأَنَّمَا يمشي على الأَرْض مَا يمسهُ بِيَدِهِ فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا كنت فِي الغرفة تسعا وَعشْرين، فَقَالَ: " إِن الشَّهْر يكون تسعا وَعشْرين ". قَالَ: وَنزلت هَذِه الْآيَة: ﴿وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ [سُورَة النِّسَاء الْآيَة] قَالَ: فَكنت أَنا الَّذِي استنبطت ذَلِك الْأَمر، فَأنْزل الله آيَة التَّخْيِير.
стр. 40
وَفِي حَدِيث ابْن حنين أَن عمر دخل على أم سَلمَة لِقَرَابَتِهِ مِنْهَا، فكلمها، وَأَنَّهَا قَالَت لَهُ: عجبا لَك يَا ابْن الْخطاب، قد دخلت فِي كل شَيْء حَتَّى تبتغي أَن تدخل بَين رَسُول الله ﷺ وأزواجه، وَأَن ذَلِك كَسره عَن بعض مَا كَانَ يجد، وَأَنه لما قصّ على رَسُول الله ﷺ حَدِيث أم سَلمَة تَبَسم.
٢٨ - الْعَاشِر: عَن ابْن عَبَّاس من رِوَايَة أبي الْعَالِيَة الريَاحي عَنهُ: شهد عِنْدِي رجالٌ مرضيون أرضاهم عمر: أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن الصَّلَاة بعد الصُّبْح حَتَّى تشرق الشَّمْس، وَبعد الْعَصْر حَتَّى تغرب.
٢٩ - الْحَادِي عشر: عَن ابْن عَبَّاس من رِوَايَة طَاوس عَنهُ: بلغ عمر أَن فلَانا بَاعَ خمرًا، فَقَالَ: قَاتل الله فلَانا، ألم يعلم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " لعن الله الْيَهُود، حرمت عَلَيْهِم الشحوم فجملوها فَبَاعُوهَا ".
٣٠ - الثَّانِي عشر: عَن عبد الله بن الزبير من رِوَايَة أبي ذبيان خَليفَة بن كَعْب عَنهُ: أَنه سَمعه يخْطب وَيَقُول: لَا تلبسوا نساءكم الْحَرِير، فَإِنِّي سَمِعت عمر بن الْخطاب يَقُول: " لَا تلبسوا الْحَرِير، فَإِنَّهُ من لبسه فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة " وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ وَحده من رِوَايَة معَاذَة العدوية، عَن أم عَمْرو بنت عبد الله بن الزبير عَن أَبِيهَا، قَالَ فِيهِ: وَقَالَ أَبُو معمر
стр. 41
وَهُوَ فِي أَفْرَاد البُخَارِيّ بِمَعْنَاهُ من رِوَايَة عمرَان بن حطَّان عَن ابْن عمر عَن عمر مُسْندًا:
إِنَّمَا يلبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا من لَا خلاق لَهُ فِي الْآخِرَة ".
وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم من رِوَايَة عبد الله مولى أَسمَاء، عَن ابْن عمر، قَالَ: سَمِعت عمر يَقُول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول:
إِنَّمَا يلبس الْحَرِير من لَا خلاق لَهُ ".
٣١ - الثَّالِث عشر: عَن الْمسور بن مخرمَة، وَعَن الرَّحْمَن بن عبد الْقَارِي أَن عمر قَالَ: سَمِعت هِشَام بن حَكِيم بن حزَام يقْرَأ سُورَة " الْفرْقَان " فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ ، فَاسْتَمَعْت لقرَاءَته، فَإِذا هُوَ يقْرَأ على حُرُوف كَثِيرَة لم يقرئنيها رَسُول الله ﷺ ، فكدت أساوره فِي الصَّلَاة، فتربصت حَتَّى سلم، فلببته بردائه فَقلت: من أَقْرَأَك هَذِه السُّورَة الَّتِي سَمِعتك تقرأها؟ قَالَ: أَقْرَأَنيهَا رَسُول الله ﷺ . فَقلت: كذبت؛ فَإِن رَسُول الله ﷺ قد أَقْرَأَنيهَا على غير مَا قَرَأت. فَانْطَلَقت بِهِ أقوده إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقلت: يَا رَسُول الله،. إِنِّي سَمِعت هَذَا يقْرَأ سُورَة " الْفرْقَان " على حروفٍ كَثِيرَة لم تقرئنيها. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أرْسلهُ، اقْرَأ يَا هِشَام ".
فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَة الَّتِي سمعته يَقْرَأها، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " هَكَذَا أنزلت " ثمَّ قَالَ النَّبِي ﷺ : " اقْرَأ يَا عمر " فَقَرَأت الْقِرَاءَة الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " هَكَذَا أنزلت؛ إِن هَذَا الْقُرْآن أنزل على سَبْعَة أحرف، فاقرءوا مَا تيَسّر مِنْهُ ".
٣٢ - الرَّابِع عشر: فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من ترجمتين: أخرجه البُخَارِيّ من رِوَايَة حميد بن أنس عَن عمر، وَمُسلم من رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر عَن عمر، أَنه قَالَ:
стр. 42
وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث: قلت: يَا رَسُول الله لَو اتخذنا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى، فَنزلت: ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ [سُورَة الْبَقَرَة] .
وَقلت: يَا رَسُول الله، يدْخل على نِسَائِك الْبر والفاجر، فَلَو أمرتهن يحتجبن، فَنزل.
وَاجْتمعَ نسَاء النَّبِي ﷺ فِي الْغيرَة، فَقلت: ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن﴾ فَنزلت كَذَلِك.
فِي رِوَايَة نَافِع: فِي مقَام إِبْرَاهِيم، وَفِي الْحجاب، وَفِي أُسَارَى بدر.
٣٣ - الْخَامِس عشر: من رِوَايَة عَاصِم بن عمر عَن عمر، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : " إِذا أقبل اللَّيْل، وَأدبر النَّهَار، وَغَابَتْ الشَّمْس، فقد أفطر الصَّائِم ".
٣٤ - السَّادِس عشر: من رِوَايَة عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ " - وَفِي رِوَايَة: بِالنِّيَّاتِ -، وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى، فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله، وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امرأةٍ يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ ".
٣٥ - السَّابِع عشر: من رِوَايَة مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان النصري، عَن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " الذَّهَب بالورق رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء. وَالْبر بِالْبرِّ رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء، وَالشعِير بِالشَّعِيرِ رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء، وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء ".
стр. 43
فِي حَدِيث إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه من رِوَايَة أبي بكر البرقاني أَن عمر قَالَ:
قَالَ رَسُول الله ﷺ " الْوَرق بالورق رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء، وَالذَّهَب بِالذَّهَب رَبًّا إِلَّا هَاء وهاء ".
٣٦ - الثَّامِن عشر: من رِوَايَة مَالك بن أَوْس قَالَ: أرسل إِلَيّ عمر بن الْخطاب، فَجِئْته حِين تَعَالَى النَّهَار، قَالَ: فَوَجَدته فِي بَيته جَالِسا على سَرِير مفضياً إِلَى رماله، مُتكئا على وسَادَة من أَدَم، فَقَالَ لي: يَا مَال، إِنَّه قد دف أهل أَبْيَات من قَوْمك، وَقد أمرت فيهم برضخٍ، فَخذه فاقسمه بَينهم، قَالَ: قلت: لَو أمرت بِهَذَا غَيْرِي. قَالَ: خُذْهُ يَا مَال. قَالَ: فجَاء يرفا، فَقَالَ: هَل لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالزُّبَيْر وَسعد؟ فَقَالَ عمر: نعم، فَأذن لَهُم، فَدَخَلُوا، ثمَّ جَاءَ فَقَالَ: هَل لَك فِي عَبَّاس وَعلي؟ قَالَ: نعم، فَأذن لَهما.
فَقَالَ الْعَبَّاس: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اقْضِ بيني وَبَين هَذَا. فَقَالَ الْقَوْم: أجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَاقْض بَينهم وأرحهم. قَالَ مَالك بن أَوْس: يخيل إِلَيّ أَنهم قد كَانُوا قدموهم لذَلِك. فَقَالَ عمر: اتئدا، أنْشدكُمْ بِاللَّه الَّذِي بِإِذْنِهِ تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض، أتعلمون أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " لَا نورث، مَا تركنَا صَدَقَة "؟ قَالُوا: نعم، ثمَّ أقبل على الْعَبَّاس وَعلي فَقَالَ: أنشدكما بِاللَّه الَّذِي بِإِذْنِهِ تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض، أتعلمان أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " لَا نورث، مَا تركنَا صدقةٌ "؟ قَالَا: نعم.
قَالَ عمر: إِن الله تَعَالَى كَانَ خص نبيه ﷺ بِخَاصَّة لم يخصص بهَا أحدا غَيره،
стр. 44
فَقَالَ: ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ﴾ [سُورَة الْحَشْر] ، وَفِي رِوَايَة، وَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب﴾ [سُورَة الْحَشْر] قَالَ: فقسم رَسُول الله ﷺ بَيْنكُم أَمْوَال فَيْء النَّضِير، فوَاللَّه مَا اسْتَأْثر عَلَيْكُم، وَلَا أَخذهَا دونكم، حَتَّى بَقِي هَذَا المَال، فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْخُذ مِنْهُ نَفَقَة سنةٍ ثمَّ يَجْعَل مَا بَقِي أُسْوَة المَال. وَفِي رِوَايَة: ثمَّ يَجْعَل مَا بَقِي مجعل مَال الله.
ثمَّ قَالَ: أنْشدكُمْ بِاللَّه الَّذِي بِإِذْنِهِ تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض، أتعلمون ذَلِك؟ قَالُوا: نعم، ثمَّ نَشد عباساً وعلياً بِمثل مَا نَشد بِهِ الْقَوْم: أتعلمان ذَلِك؟ قَالَا: نعم. قَالَ: فَلَمَّا توفّي رَسُول الله ﷺ قَالَ أَبُو بكر: أَنا ولي رَسُول الله ﷺ . زَاد فِي رِوَايَة جوَيْرِية بن أَسمَاء عَن مَالك: فجئتما تطلب ميراثك من ابْن أَخِيك، وَيطْلب هَذَا مِيرَاث امْرَأَته من أَبِيهَا. فَقَالَ أَبُو بكر: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " لانورث، مَا تركنَا صَدَقَة " إِلَى هُنَا زَاد جوَيْرِية.
ثمَّ توفّي أَبُو بكر ﵁، وَأَنا ولي رَسُول الله ﷺ ، وَولي أبي بكر، فَوليتهَا، ثمَّ جئتني أَنْت وَهَذَا وأنتما جميعٌ، وأمركما وَاحِد، فقلتم: ادفعها إِلَيْنَا: فَقلت: إِن شِئْتُم دفعتها إِلَيْكُم على أَن عَلَيْكُمَا عهد الله، وان تعملا فِيهَا بِالَّذِي كَانَ يعْمل رَسُول الله ﷺ ، فأخذتماها بذلك، أَكَذَلِك؟ قَالَا: نعم. قَالَ: ثمَّ جئتما لأقضي بَيْنكُمَا، لَا وَالله لَا أَقْْضِي بَيْنكُمَا بِغَيْر ذَلِك حَتَّى تقوم السَّاعَة، فَإِن عجزتما عَنْهَا فرداها إِلَيّ.
وَقد تركنَا من قَول عمر فِي معاتبتهما، وَمن قَوْلهمَا ألفاظاً لَيست فِي الْمسند.
стр. 45
زَاد البرقاني فِي رِوَايَته من طَرِيق معمر قَالَ: فغلب عليٌّ عَلَيْهَا، فَكَانَت بيد عَليّ، ثمَّ كَانَت بيد حسن بن عَليّ، ثمَّ كَانَت بيد حُسَيْن، ثمَّ كَانَت بيد عَليّ بن الْحُسَيْن، ثمَّ كَانَت بيد الْحسن بن الْحسن، ثمَّ وَليهَا بَنو الْعَبَّاس.
فِي حَدِيث سُفْيَان عَن عَمْرو: أَن عمر قَالَ: كَانَت أَمْوَال بني النَّضِير مِمَّا أَفَاء الله على رَسُوله مِمَّا لم يوجف عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ بخيل وَلَا ركاب، فَكَانَت للنَّبِي ﷺ خَاصَّة، فَكَانَ ينْفق على أَهله نَفَقَة سنة. وَفِي رِوَايَة: وَيحبس لأَهله قوت سنتهمْ، وَمَا بَقِي جعله فِي الكراع أَو السِّلَاح عدَّة فِي سَبِيل الله.
وَيخرج مِنْهُ أَيْضا فِي مُسْند أبي بكر من رِوَايَة عمر عَنهُ قَوْله: فَقَالَ أَبُو بكر: قَالَ رَسُول الله ﷺ
: " لَا نورث، مَا تركنَا صدقةٌ " وَهُوَ من زِيَادَة جوَيْرِية عَن مَالك بِالْإِسْنَادِ.
٣٧ - التَّاسِع عشر: من رِوَايَة أبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، قَالَ: كتب إِلَيْنَا عمر بن الْخطاب وَنحن بِأَذربِيجَان مَعَ عتبَة بن فرقد: يَا عتبَة، إِنَّه لَيْسَ من كدك وَلَا كد أَبِيك وَلَا كد أمك، فأشبع الْمُسلمين فِي رحالهم مِمَّا تشبع مِنْهُ فِي رحلك، وَإِيَّاكُم والتنعم، وزي أهل الشّرك، ولبوس الْحَرِير، فَإِن رَسُول الله ﷺ نهى عَن لبوس الْحَرِير، قَالَ: " إِلَّا هَكَذَا " وَرفع لنا رَسُول الله ﷺ إصبعيه الْوُسْطَى والسبابة، وضمهما.
وَفِي حَدِيث سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن أبي عُثْمَان: كُنَّا مَعَ عتبَة، فجاءنا كتاب عمر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
: " لَا يلبس الْحَرِير إِلَّا من لَيْسَ لَهُ شَيْء فِي الْآخِرَة، إِلَّا هَكَذَا "، قَالَ أَبُو عُثْمَان بإصبعيه اللَّتَيْنِ تليان الْإِبْهَام.
стр. 46
وَفِي أَفْرَاد مُسلم من رِوَايَة سُوَيْد بن غَفلَة عَن عمر: أَن عمر خطب بالجابية فَقَالَ:
نهى رَسُول الله ﷺ عَن لبس الْحَرِير إِلَّا مَوضِع إِصْبَعَيْنِ أَو ثَلَاث أَو أَربع.
٣٨ - الْعشْرُونَ: من رِوَايَة أسلم مولى عمر، عَن عمر قَالَ: حملت على فرس فِي سَبِيل الله، فأضاعه الَّذِي كَانَ عِنْده، فَأَرَدْت أَن أشتريه وظننت أَنه يَبِيعهُ برخصٍ، فَسَأَلت النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: " لَا تشتره، وَلَا تعد فِي صدقتك وَإِن أعطاكه بدرهمٍ، فَإِن الْعَائِد فِي صدقته كالعائد فِي قيئه ".
وَفِي حَدِيث مَالك: " فَإِن الَّذِي يعود فِي صدقته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه ".
وَهُوَ فِي أَفْرَاد مُسلم عَن ابْن عمر، عَن عمر من رِوَايَة نَافِع عَنهُ بِنَحْوِهِ.
٣٩ - الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: من رِوَايَة أسلم أَيْضا عَن عمر قَالَ: قدم على رَسُول الله ﷺ بسبي، فَإِذا امْرَأَة من السَّبي تسْعَى، إِذا وجدت صَبيا فِي السَّبي أَخَذته فألزقته بِبَطْنِهَا فأرضعته، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " أَتَرَوْنَ هَذِه الْمَرْأَة طارحةٌ وَلَدهَا فِي النَّار "؟ قُلْنَا: لَا وَالله، قَالَ: " لله أرْحم بعباده من هَذِه الْمَرْأَة بِوَلَدِهَا ".
٤٠ - الثَّانِي وَالْعشْرُونَ: من رِوَايَة طَارق بن شهَاب قَالَ: جَاءَ رجلٌ من الْيَهُود إِلَى عمر بن الْخطاب فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، آيةٌ فِي كتابكُمْ تقرءونها، لَو علينا نزلت - معشر الْيَهُود - لاتخذنا ذَلِك الْيَوْم عيداً. قَالَ: فَأَي آيَة؟ قَالَ: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ [سُورَة الْمَائِدَة]
стр. 47
فَقَالَ عمر: إِنِّي لأعْلم الْيَوْم الَّذِي نزلت فِيهِ، وَالْمَكَان الَّذِي نزلت فِيهِ: نزلت على رَسُول الله ﷺ فِي يَوْم جُمُعَة.
٤١ - الثَّالِث وَالْعشْرُونَ: من رِوَايَة أبي عبيد سعد بن عبيد، مولى ابْن أَزْهَر عَن عمر وَعلي مُسْندًا، وَعَن عُثْمَان مَوْقُوفا: أَنه شهد الْعِيد مَعَ عمر بن الْخطاب، فصلى قبل الْخطْبَة، ثمَّ خطب النَّاس فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس، إِن رَسُول الله ﷺ نهاكم عَن صِيَام هذَيْن الْعِيدَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: الْيَوْمَيْنِ: الْفطر والأضحى، أما أَحدهمَا فَيوم فطركم من صِيَامكُمْ، وَأما الآخر فَيوم تَأْكُلُونَ فِيهِ من نسككم.
قَالَ أَبُو عبيد: ثمَّ شهدته مَعَ عُثْمَان بن عَفَّان فصلى قبل أَن يخْطب، وَكَانَ ذَلِك يَوْم جُمُعَة، فَقَالَ لأهل العوالي: من أحب أَن ينْتَظر الْجُمُعَة فَلْيفْعَل، وَمن أحب أَن يرجع إِلَى أَهله فقد أذنا لَهُ.
ثمَّ شهدته مَعَ عَليّ فصلى قبل الْخطْبَة، ثمَّ خطب فَقَالَ:
إِن رَسُول الله ﷺ قد نهاكم أَن تَأْكُلُوا من لُحُوم نسككم فَوق ثَلَاث. لَيْسَ فِي رِوَايَة مَالك أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن أكل لُحُوم النّسك فَوق ثَلَاث.
٤٢ - الرَّابِع وَالْعشْرُونَ: من رِوَايَة عَابس بن ربيعَة قَالَ: رَأَيْت عمر يقبل الْحجر وَيَقُول: إِنِّي أعلم أَنَّك حجرٌ مَا تَنْفَع وَلَا تضر، لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يقبلك مَا قبلتك.
وَقد أخرجه البُخَارِيّ من رِوَايَة أسلم مولى عمر عَن عمر، وَأخرجه مسلمٌ فِي أَفْرَاده من رِوَايَة سَالم عَن أَبِيه عَن عمر، وَمن رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر، وَمن رِوَايَة عبد الله بن سرجس عَن عَمْرو من رِوَايَة سُوَيْد بن غَفلَة عَن عمر، وَلم يذكر بعض الروَاة فِيهِ النَّفْع والضر.
стр. 48
زَاد سُوَيْد: وَلَكِن رَأَيْت رَسُول الله ﷺ بك حفياً، وَلم يقل: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يقبلك.
٤٣ - الْخَامِس وَالْعشْرُونَ: عَن عدي بن حاتمٍ - للْبُخَارِيّ من رِوَايَة عَمْرو بن حُرَيْث عَن عدي، وَهُوَ عِنْد مُسلم مُخْتَصر من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن عدي - قَالَ: أتيت عمر بن الْخطاب فِي أناسٍ من قومِي، فَجعل يفْرض للرجل من طَيئ فِي أَلفَيْنِ، ويعرض عني، قَالَ: فاستقبلته فَأَعْرض عني، ثمَّ أَتَيْته من حِيَال وَجهه، فَأَعْرض عني. قَالَ: فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أتعرفني؟ قَالَ: فَضَحِك ثمَّ قَالَ: نعم وَالله، إِنِّي لأعرفك، آمَنت إِذْ كفرُوا، وَأَقْبَلت إِذْ أدبروا، ووفيت إِذْ غدروا، وَإِن أول صَدَقَة بيضت وَجه رَسُول الله ﷺ ووجوه أَصْحَابه صَدَقَة طَيئ، جِئْت بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ . ثمَّ أَخذ يعْتَذر، ثمَّ قَالَ: إِنَّمَا فرضت لقومٍ أجحفت بهم الْفَاقَة وهم سادة عَشَائِرهمْ لما ينوبهم من الْحُقُوق. فَقَالَ عدي: فَلَا أُبَالِي إِذا.
٤٤ - السَّادِس وَالْعشْرُونَ: للْبُخَارِيّ عَن جوَيْرِية بن قدامَة عَن عمر مُخْتَصر، وَلمُسلم عَن معدان بن أبي طَلْحَة عَن عمر بِطُولِهِ: أَن عمر بن الْخطاب خطب يَوْم جُمُعَة، فَذكر نَبِي الله ﷺ ، وَذكر أَبَا بكر، ثمَّ قَالَ: إِنِّي رَأَيْت كَأَن ديكاً نقرني ثَلَاث نقرات، وَإِنِّي لَا أرَاهُ إِلَّا لحضور أَجلي. وَإِن أَقْوَامًا يأمرونني أَن أستخلف، وَإِن الله لم يكن لِيُضيع دينه وَلَا خِلَافَته، وَلَا الَّذِي بعث بِهِ رَسُوله ﷺ ، فَإِن عجل بِي أمرٌ فالخلافة شُورَى بَين هَؤُلَاءِ السِّتَّة الَّذين توفّي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَنْهُم راضٍ. وَإِنِّي قد علمت أَن أَقْوَامًا يطعنون فِي هَذَا الْأَمر، أَنا ضربتهم بيَدي هَذِه على الْإِسْلَام، فَإِن فعلوا ذَلِك فَأُولَئِك أَعدَاء الله، الْكَفَرَة الضلال.
ثمَّ إِنِّي لَا أدع بعدِي شَيْئا أهم عِنْدِي من الْكَلَالَة، مَا راجعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 49
فِي شَيْء مَا راجعته فِي الْكَلَالَة، وَمَا أغْلظ لي فِي شَيْء مَا أغْلظ فِيهِ، حَتَّى طعن بإصبعه فِي صَدْرِي وَقَالَ: " يَا عمر، أَلا تكفيك آيَة الصَّيف الَّتِي فِي آخر سُورَة النِّسَاء " وَإِنِّي إِن أعش أقض فِيهَا بقضية يقْضِي بهَا من يقْرَأ الْقُرْآن وَمن لَا يقْرَأ الْقُرْآن.
ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أشهدك على أُمَرَاء الْأَمْصَار، وَإِنِّي إِنَّمَا بعثتهم عَلَيْهِم ليعدلوا، وليعلموا النَّاس دينهم وَسنة نَبِيّهم ﷺ ، ويقسموا فيهم فيئهم، ويرفعوا إِلَيّ مَا أشكل عَلَيْهِم من أَمرهم.
ثمَّ إِنَّكُم أَيهَا النَّاس تَأْكُلُونَ شجرتين، لَا أراهما إِلَّا خبيثتين: هَذَا البصل والثوم.
وَلَقَد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ إِذا وجد ريحهما من الرجل فِي الْمَسْجِد أَمر بِهِ فَأخْرج إِلَى البقيع، فَمن أكلهما فليمتهما طبخاً.
فِي حَدِيث جوَيْرِية: فَمَا كَانَت إِلَّا الْجُمُعَة الْأُخْرَى حَتَّى طعن عمر، قَالَ: فَأذن للمهاجرين من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، وَأذن للْأَنْصَار، ثمَّ أذن لأهل الْمَدِينَة، ثمَّ أذن لأهل الشَّام، ثمَّ أذن لأهل الْعرَاق، فَكُنَّا آخر من دخل عَلَيْهِ. قَالَ: فَإِذا هُوَ قد عصب جرحه بِبرد أسود، وَالدَّم يسيل عَلَيْهِ، قَالَ: فَقُلْنَا: أوصنا، وَلم يسْأَله الْوَصِيَّة أحدٌ غَيرنَا. فَقَالَ: أوصيكم بِكِتَاب الله؛ فَإِنَّكُم لن تضلوا مَا اتبعتموه.
قَالَ: وأوصيكم بالمهاجرين؛ فَإِن النَّاس يكثرون ويقلون. وأوصيكم بالأنصار؛ فَإِنَّهُم شعب الْإِسْلَام الَّذِي لَجأ إِلَيْهِ. وأوصيكم بالأعراب؛ فَإِنَّهُم أصلكم ومادتكم. وَفِي رِوَايَة: فَإِنَّهُم إخْوَانكُمْ وعدو عَدوكُمْ. وأوصيكم بِأَهْل الذِّمَّة؛ فَإِنَّهُم ذمَّة نَبِيكُم، ورزق عيالكم. قومُوا عني.
وَنَصّ هَذَا الْمَعْنى فِي الْوَصِيَّة، فِي حَدِيث مقتل عمر والشورى من رِوَايَة عَمْرو ابْن مَيْمُون.
стр. 50
أَفْرَاد البُخَارِيّ
٤٥ - الأول: عَن ابْن عمر من رِوَايَة سَالم عَنهُ، وَمن رِوَايَة عمر بن مُحَمَّد بن زيد عَن عَم أَبِيه سَالم عَنهُ قَالَ: مَا سَمِعت عمر يَقُول لشيءٍ قطّ: أَنِّي لأظنه كَذَا إِلَّا كَانَ كَمَا يظنّ.
بَيْنَمَا عمر جالسٌ، إِذْ مر بِهِ رجلٌ جميل، فَقَالَ: لقد أَخطَأ ظَنِّي أَو إِن هَذَا على دينه فِي الْجَاهِلِيَّة، أَو لقد كَانَ كاهنهم. عَليّ الرجل. فدعي لَهُ، فَقَالَ لَهُ عمر: لقد أَخطَأ ظَنِّي أَو إِنَّك على دينك فِي الْجَاهِلِيَّة، أَو لقد كنت كاهنهم. فَقَالَ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ أستقبل بِهِ رجلٌ مسلمٌ. فَقَالَ: فَمَا إِنِّي أعزم عَلَيْك إِلَّا مَا أَخْبَرتنِي. قَالَ: كنت كاهنهم فِي الْجَاهِلِيَّة. قَالَ: أعجب مَا جاءتك بِهِ جنيتك؟ قَالَ: بَيْنَمَا أَنا يَوْمًا فِي السُّوق، جَاءَتْنِي أعرف مِنْهَا الْفَزع. قَالَت: ألم تَرَ الْجِنّ وإبلاسها، ويأسها بعد إيناسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها.
قَالَ عمر: صدق، بَيْنَمَا أَنا قائمٌ عِنْد آلِهَتهم، إِذْ جَاءَ رجلٌ بعجلٍ فذبحه، فَصَرَخَ بِهِ صارخٌ لم أسمع صَارِخًا قطّ أَشد صَوتا مِنْهُ، يَقُول: يَا جليح، أَمر نجيح، رجلٌ فصيح، يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، فَوَثَبَ الْقَوْم، فَقلت: لَا أَبْرَح حَتَّى أعلم مَا وَرَاء هَذَا. ثمَّ نَادَى: يَا جليح، أمرٌ نجيح، رجلٌ فصيح، يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله. فَقُمْت، فَمَا نشبت أَن قيل: هَذَا نَبِي.
٤٦ - الثَّانِي: عَن ابْن عمر من رِوَايَة نَافِع عَنهُ: أَنه لما فدع أهل خَيْبَر عبد الله ابْن عمر، قَامَ عمر خَطِيبًا فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ عَامل يهود خَيْبَر على أَمْوَالهم، وَقَالَ: نقركم مَا أقركم الله، وَإِن عبد الله بن عمر خرج إِلَى مَاله فعدي عَلَيْهِ من اللَّيْل، ففدعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ، وَلَيْسَ لنا هُنَاكَ عدوٌّ غَيرهم، هم
стр. 51
عدونا وتهمتنا، وَقد رَأَيْت إجلاءهم. فَلَمَّا أجمع عمر على ذَلِك أَتَاهُ أحد بني الْحقيق فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أتخرجنا وَقد أقرنا محمدٌ، وعاملنا على الْأَمْوَال، وَشرط ذَلِك لنا؟ فَقَالَ عمر: أظننت إِنِّي نسيت قَول رَسُول الله ﷺ لَك: " كَيفَ بك إِذا أخرجت من خَيْبَر تعدو بك قلوصك لَيْلَة بعد لَيْلَة؟ " فَقَالَ: كَانَت هَذِه هزيلة من أبي الْقَاسِم. قَالَ: كذبت يَا عَدو الله. قَالَ: فأجلاهم عمر، وَأَعْطَاهُمْ قيمَة مَا كَانَ لَهُم من الثَّمر مَالا وإبلاً وعروضاً من أقتاب وحبالٍ وَغير ذَلِك.
قَالَ البُخَارِيّ: رَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة عَن عبيد الله - هُوَ ابْن عمر - أَحْسبهُ عَن نَافِع، شكّ أَبُو سَلمَة فِي نَافِع عَن ابْن عمر. قَالَ:
أَتَى رَسُول الله ﷺ أهل خَيْبَر، فَقَاتلهُمْ حَتَّى ألجأهم إِلَى قصرهم، وغلبهم على الأَرْض وَالزَّرْع وَالنَّخْل، فَصَالَحُوهُ على أَن يجلوا مِنْهَا، وَلَهُم مَا حملت رِكَابهمْ، ولرسول الله ﷺ الصَّفْرَاء والبيضاء وَالْحَلقَة: وَهِي السِّلَاح، وَيخرجُونَ مِنْهَا، وَاشْترط عَلَيْهِم أَلا يكتموا وَلَا يغيبوا شَيْئا، فَإِن فعلوا فَلَا ذمَّة لَهُم وَلَا عهد، فغيبوا مسكاً فِيهِ مَال وحلي لحيي بن أَخطب كَانَ احتمله مَعَه إِلَى خَيْبَر حِين أجليت النَّضِير، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لعم حييّ، واسْمه سَعْيه: " مَا فعل مسك حييّ الَّذِي جَاءَ بِهِ من النَّضِير؟ " قَالَ: أذهبته النَّفَقَات والحروب. فَقَالَ: " الْعَهْد قريبٌ، وَالْمَال أَكثر من ذَلِك " وَقد كَانَ حييّ قتل قبل ذَلِك، فَدفع رَسُول الله ﷺ سَعْيه إِلَيّ الزبير، فمسه بعذابٍ، فَقَالَ: قد رَأَيْت حيياً يطوف فِي خربة هَا هُنَا، فَذَهَبُوا فطافوا فوجدوا
стр. 52
الْمسك فِي الخربة، فَقتل رَسُول الله ﷺ ابْني أبي الْحقيق، وَأَحَدهمَا زوج صَفِيَّة ابْنة حييّ بن أَخطب، وسبى رَسُول الله ﷺ نِسَاءَهُمْ وذراريهم، وَقسم أَمْوَالهم بالنكث الَّذِي نكثوا، وَأَرَادَ أَن يجليهم مِنْهَا، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّد، دَعْنَا نَكُون فِي هَذِه الأَرْض نُصْلِحهَا ونقوم عَلَيْهَا، وَلم يكن لرَسُول الله ﷺ وَلَا لأَصْحَابه غلْمَان يقومُونَ عَلَيْهَا، وَكَانُوا لَا يفرغون أَن يقومُوا عَلَيْهَا، فَأَعْطَاهُمْ خَيْبَر على أَن لَهُم الشّطْر من كل زرع وَشَيْء مَا بدا لرَسُول الله ﷺ .
وَكَانَ عبد الله بن رَوَاحَة يَأْتِيهم فِي كل عَام فيخرصها عَلَيْهِم، ثمَّ يضمنهم الشّطْر، فشكوا إِلَى رَسُول الله شدَّة خرصه، وَأَرَادُوا أَن يرشوه، فَقَالَ عبد الله: تطعموني السُّحت! وَالله لقد جِئتُكُمْ من عِنْد أحب النَّاس إِلَيّ، وَلَأَنْتُمْ أبْغض إِلَيّ من عدتكم من القردة والخنازير، لَا يحملني بغضي إيَّاكُمْ وحبي إِيَّاه على أَلا أعدل عَلَيْكُم. فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يُعْطي كل امْرَأَة من نِسَائِهِ ثَمَانِينَ وسْقا من تمر فِي كل عَام، وَعشْرين وسْقا من شعير.
فَلَمَّا كَانَ زمَان عمر غشوا الْمُسلمين وألقوا ابْن عمر من فَوق بيتٍ ففدعوا يَدَيْهِ، فَقَالَ عمر بن الْخطاب: من كَانَ لَهُم سهمٌ بِخَيْبَر فليحضر حَتَّى نقسمها بَينهم، فَقَسمهَا عمر بَينهم، فَقَالَ رئيسهم: لَا تخرجنا، دَعْنَا نَكُون فِيهَا كَمَا أقرنا رَسُول الله وَأَبُو بكر، فَقَالَ عمر لرئيسهم: أتراه سقط عَليّ قَول رَسُول الله ﷺ : " كَيفَ بك إِذا رقصت بك راحلتك نَحْو الشَّام يَوْمًا ثمَّ يَوْمًا " وَقسمهَا عمر بَين من كَانَ شهد خَيْبَر من أهل الْحُدَيْبِيَة.
٤٧ - الثَّالِث: عَن ابْن عمر من رِوَايَة نَافِع عَنهُ: أَن غُلَاما قتل غيلَة، فَقَالَ عمر: لَو اشْترك فِيهَا أهل صنعاء لقتلتهم. مَوْقُوف.
стр. 53
وَقَالَ البُخَارِيّ: وَقَالَ مُغيرَة بن حَكِيم عَن أَبِيه: إِن أَرْبَعَة قتلوا صَبيا، فَقَالَ عمر ... مثله.
٤٨ - الرَّابِع: من رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: لما فتح هَذَانِ المصران أَتَوا عمر بن الْخطاب فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رَسُول الله ﷺ حد لأهل نجدٍ قرنا، وَإنَّهُ جور عَن طريقنا، وَإِنَّا إِن أردنَا أَن نأتي قرنا شقّ علينا، قَالَ: فانظروا حذوها من طريقكم. قَالَ: فحد لَهُم ذَات عرق.
٤٩ - الْخَامِس: من حَدِيث ربيعَة بن عبد الله بن الهدير: أَنه حضر عمر قَرَأَ يَوْم الْجُمُعَة على الْمِنْبَر بِسُورَة " النَّحْل " حَتَّى جَاءَ السَّجْدَة، فَنزل فَسجدَ وَسجد النَّاس، حَتَّى إِذا كَانَت الْجُمُعَة الْقَابِلَة قَرَأَ بهَا، حَتَّى إِذا جَاءَ السَّجْدَة قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس، إِنَّمَا نمر بِالسُّجُود، فَمن سجد فقد أصَاب، وَمن لم يسْجد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ.
وَلم يسْجد عمر.
قَالَ البُخَارِيّ: زَاد نافعٌ عَن ابْن عمر: قَالَ - يَعْنِي عمر: إِن الله لم يفْرض علينا السُّجُود إِلَّا أَن نشَاء.
٥٠ - السَّادِس: عَن ابْن عمر من رِوَايَة زيد ابْنه عَنهُ، فِي إِسْلَام عمر قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ - يَعْنِي أَبَاهُ عمر - فِي الدَّار خَائفًا، إِذْ جَاءَهُ الْعَاصِ بن وَائِل السَّهْمِي أَبُو عَمْرو، وَعَلِيهِ حلَّة حبرَة، وقميصٌ مكفوفٌ بحرير، وَهُوَ من بني سهم، وهم حلفاؤنا فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ: مَا بالك؟ قَالَ: زعم قَوْمك أَنهم سيقتلوني أَن أسلمت.
قَالَ: لَا سَبِيل إِلَيْك، أمنت. فَخرج الْعَاصِ، فلقي النَّاس قد سَالَ بهم الْوَادي،
стр. 54
فَقَالَ: أَيْن تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيد هَذَا ابْن الْخطاب الَّذِي صَبأ. قَالَ: لَا سَبِيل إِلَيْهِ، فكر النَّاس.
٥١ - السَّابِع: من رِوَايَة أبي بردة عَامر بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ: قَالَ لي عبد الله بن عمر: هَل تَدْرِي مَا قَالَ أبي لأَبِيك؟ قَالَ: قلت: لَا. قَالَ: فَإِن أبي قَالَ لأَبِيك: يَا أَبَا مُوسَى هَل يَسُرك إِن إسْلَامنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ وهجرتنا مَعَه، وجهادنا مَعَه، وعملنا كُله مَعَه برد لنا، وَأَن كل عملٍ عَملنَا بعده نجونا مِنْهُ كفافاً رَأْسا بِرَأْس؟ فَقَالَ أَبوك لأبي: لَا وَالله، قد جاهدنا بعد رَسُول الله ﷺ ، وصلينا، وصمنا، وعملنا خيرا كثيرا، وَأسلم على أَيْدِينَا بشرٌ كثيرٌ، وَإِنَّا لنَرْجُو ذَاك. قَالَ أبي: لكني أَنا - وَالَّذِي نفس عمر بِيَدِهِ - لَوَدِدْت أَن ذَلِك برد لنا، وَأَن كل شَيْء عَمِلْنَاهُ بعده نجونا مِنْهُ كفافاً رَأْسا بِرَأْس. فَقلت: إِن أَبَاك - وَالله - كَانَ خيرا من أبي.
٥٢ - الثَّامِن: عَن عبد الله بن عَبَّاس، من رِوَايَة عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَنهُ، عَن عمر أَنه قَالَ: لما مَاتَ عبد الله بن أبي بن سلول دعِي لَهُ رَسُول الله ﷺ ليُصَلِّي عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُول الله ﷺ وَثَبت إِلَيْهِ فَقلت: يَا رَسُول الله، أَتُصَلِّي على ابْن أبي وَقد قَالَ يَوْم كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا، أعدد عَلَيْهِ قَوْله. فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ: " أخر عني يَا عمر "، فَلَمَّا أكثرت عَلَيْهِ، قَالَ: " إِنِّي خيرت فاخترت، لَو أَنِّي أعلم أَنِّي إِن زِدْت على السّبْعين يغْفر لَهُ لزدت عَلَيْهَا ". قَالَ: فصلى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ انْصَرف فَلم يمْكث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى نزلت الْآيَتَانِ من " بَرَاءَة ": ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره﴾ إِلَى قَوْله: (وهم
стр. 55
فَاسِقُونَ﴾ [سُورَة التَّوْبَة] قَالَ: فعجبت بعد من جرأتي على رَسُول الله ﷺ يومئذٍ وَالله وَرَسُوله أعلم.
٥٣ - التَّاسِع: من رِوَايَة ابْن عتبَة أَيْضا عَنهُ، قَالَ: لما قدم عُيَيْنَة بن حصن ابْن حُذَيْفَة بن بدر نزل على ابْن أَخِيه الحربن قيس بن حصن، وَكَانَ من النَّفر الَّذين يدنيهم عمر، وَكَانَ الْقُرَّاء أَصْحَاب مجْلِس عمر ومشاورته كهولاً كَانُوا أَو شباناً. فَقَالَ عُيَيْنَة: يَا ابْن أخي، هَل لَك وجهٌ عِنْد الْأَمِير، فَاسْتَأْذن لي عَلَيْهِ، قَالَ: سأستأذن لَك عَلَيْهِ. قَالَ ابْن عَبَّاس: فَاسْتَأْذن الْحر لعيينة، فَأذن لَهُ عمر، فَلَمَّا دخل قَالَ: هِيَ يَا ابْن الْخطاب، فوَاللَّه مَا تُعْطِينَا الجزل، وَلَا تحكم بَيْننَا بِالْعَدْلِ، فَغَضب عمر حَتَّى هم أَن يُوقع بِهِ، فَقَالَ الْحر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن الله قَالَ لنَبيه ﷺ . ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ [سُورَة الْأَعْرَاف] ، وَإِن هَذَا من الْجَاهِلين، فوَاللَّه مَا جاوزها عمر حِين تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وقافاً عِنْد كتاب الله.
٥٤ - الْعَاشِر: عَن ابْن عَبَّاس من رِوَايَة عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة عَنهُ، من حَدِيث أَخِيه أبي بكر بن أبي مليكَة عَن عبيد بن عُمَيْر، عَن عمر: قَالَ عمر يَوْمًا لأَصْحَاب النَّبِي ﷺ : فيمَ ترَوْنَ هَذِه الْآيَة نزلت: ﴿أيود أحدكُم أَن تكون لَهُ جنةٌ من نخيلٌ﴾ [سُورَة الْبَقَرَة] ، قَالُوا: الله أعلم، فَغَضب عمر وَقَالَ: قُولُوا نعلم أَو لَا نعلم. قَالَ ابْن عَبَّاس: فِي نَفسِي مِنْهَا شَيْء يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ عمر: يَا ابْن أخي، قل وَلَا تحقر نَفسك. قَالَ ابْن عَبَّاس: ضربت
стр. 56
مثلا لعملٍ. قَالَ عمر: أَي عمل؟ قَالَ ابْن عَبَّاس: لعمل رجلٍ غنيٍّ يعْمل بِطَاعَة الله، ثمَّ بعث الله عز جلّ لَهُ الشَّيْطَان فَعمل بِالْمَعَاصِي حَتَّى أغرق أَعماله. وَقد ذكر فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
٥٥ - الْحَادِي عشر: عَن ابْن عَبَّاس من رِوَايَة عِكْرِمَة مَوْلَاهُ عَنهُ: أَن عمر قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ وَهُوَ بوادي العقيق يَقُول: " أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي فَقَالَ: صل فِي هَذَا الْوَادي الْمُبَارك، وَقل: عمرةٌ فِي حجَّة ".
وَفِي رِوَايَة سعيد بن ربيع: " وَقل: عمرةٌ وَحجَّة ".
وَفِي رِوَايَة شُعَيْب بن إِسْحَاق: " وَقَالَ عمْرَة فِي حجَّة ".
٥٦ - الثَّانِي عشر: فِي مقتل عمر والشورى، من رِوَايَة الْمسور بن مخرمَة، مُخْتَصر فِي " الشورى " وَمن رِوَايَة عَمْرو بن مَيْمُون بِطُولِهِ، وَهَذَا حَدِيث عَمْرو، لِأَن حَدِيث الْمسور طرف مِنْهُ: قَالَ عَمْرو: رَأَيْت عمر بن الْخطاب قبل أَن يصاب بأيام بِالْمَدِينَةِ، وقف على حُذَيْفَة بن الْيَمَان، وَعُثْمَان بن حنيف، فَقَالَ: كَيفَ فعلتما؟ أتخافان أَن تَكُونَا حملتما الأَرْض مَا لَا تطِيق؟ قَالَا: حملناها أمرا هِيَ لَهُ مطيقة، وَمَا فِيهَا كَبِير فضل، فَقَالَ: انظرا أَن تَكُونَا حملتما الأَرْض مَا لَا تطِيق، فَقَالَا: لَا. فَقَالَ عمر: لَئِن سلمني الله لأدعن أرامل أهل الْعرَاق لَا يحتجن إِلَى أحدٍ بعدِي أبدا، فَمَا أَتَت عَلَيْهِ إِلَّا رابعةٌ حَتَّى أُصِيب رَحمَه الله
стр. 57
قَالَ عَمْرو بن مَيْمُون: وَإِنِّي لقائم، مَا بيني وبنيه إِلَّا عبد الله بن عَبَّاس غَدَاة أُصِيب، وَكَانَ إِذا مر بَين الصفين قَامَ بَينهمَا، فَإِذا رأى خللاً قَالَ: اسْتَووا، حَتَّى إِذا لم ير فيهم خللاً تقدم فَكبر، قَالَ: وَرُبمَا قَرَأَ سُورَة " يُوسُف " أَو " النَّحْل " أَو نَحْو ذَلِك فِي الرَّكْعَة الأولى حَتَّى يجْتَمع النَّاس، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كبر فَسَمعته يَقُول: قتلني - أَو أكلني - الْكَلْب، حِين طعنه، فطار العلج بسكين ذَات طرفين، لَا يمر على أحدٍ يَمِينا وَلَا شمالاً إِلَّا طعنه، حَتَّى طعن ثَلَاثَة عشر رجلا، فَمَاتَ مِنْهُم تِسْعَة، وَفِي رِوَايَة سَبْعَة، فَلَمَّا رأى ذَلِك رجلٌ من الْمُسلمين طرح عَلَيْهِ برنساً، فَلَمَّا ظن العلج أَنه مأخوذٌ نحر نَفسه.
وَتَنَاول عمر عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فقدمه، فَأَما من كَانَ يَلِي عمر فقد رأى الَّذِي رَأَيْت، وَأما نواحي الْمَسْجِد فَإِنَّهُم لَا يَدْرُونَ مَا الْأَمر، غير أَنهم فقدوا صَوت عمر، وهم يَقُولُونَ: سُبْحَانَ الله، سُبْحَانَ الله، فصلى بهم عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف صَلَاة خَفِيفَة، فَلَمَّا انصرفوا قَالَ: يَا ابْن عَبَّاس: انْظُر من قتلني، قَالَ:
فجال سَاعَة ثمَّ جَاءَ فَقَالَ: غُلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة. فَقَالَ: الصنع؟ قَالَ: نعم. قَالَ: قَاتله الله، لقد كنت أمرت بِهِ مَعْرُوفا، ثمَّ قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي لم يَجْعَل ميتتي بيد رجل مُسلم، قد كنت أَنْت وَأَبُوك تحبان أَن تكْثر العلوج بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ الْعَبَّاس أَكْثَرهم رَقِيقا. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِن شِئْت فعلت. أَي: إِن شِئْت قتلنَا.
قَالَ: بعد مَا تكلمُوا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حَجكُمْ.
فَاحْتمل إِلَى بَيته، فَانْطَلَقْنَا مَعَه، قَالَ: وَكَأن النَّاس لم تصبهم مُصِيبَة قبل يومئذٍ، قَالَ: فَقَائِل يَقُول: أَخَاف عَلَيْهِ، وَقَائِل يَقُول: لَا بَأْس، فَأتي بنبيذٍ،
стр. 58
فَشرب مِنْهُ، فَخرج من جَوْفه، ثمَّ أُتِي بِلَبن شربه فَخرج من جرحه فعرفوا أَنه ميت، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَجَاء النَّاس يثنون عَلَيْهِ، وَجَاء رجل شابٌّ فَقَالَ: أبشر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ببشرى الله ، قد كَانَ لَك من صُحْبَة رَسُول الله ﷺ وَقدم فِي الْإِسْلَام مَا قد علمت، ثمَّ وليت فعدلت، ثمَّ شَهَادَة. فَقَالَ: وددت أَن ذَلِك كَانَ كفافاً لَا عَليّ وَلَا لي، فَلَمَّا أدبر الرجل إِذا إزَاره يمس الأَرْض، فَقَالَ: ردوا عَليّ الْغُلَام، فَقَالَ: يَا ابْن أخي، ارْفَعْ ثَوْبك، فَإِنَّهُ أنقى لثوبك، وَاتَّقَى لِرَبِّك.
يَا عبد الله، انْظُر مَا عَليّ من الدّين، فحسبوه، فوجدوه سِتَّة وَثَمَانِينَ ألفا أَو نَحوه، فَقَالَ: إِن وفى بِهِ مَال آل عمر فأده من أَمْوَالهم، وَإِلَّا فسل فِي بني عدي ابْن كَعْب، فَإِذا لم تف أَمْوَالهم فسل فِي قريشٍ، وَلَا تعدهم إِلَى غَيرهم، وأد عني هَذَا المَال. انْطلق إِلَى أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة فَقل: يقْرَأ عَلَيْك عمر السَّلَام، وَلَا تقل: أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَإِنِّي لست الْيَوْم للْمُؤْمِنين أَمِيرا، وَقل: يسْتَأْذن عمر بن الْخطاب أَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ، قَالَ: فَسلم، وَاسْتَأْذَنَ، ثمَّ دخل عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَة تبْكي، فَقَالَ: يقْرَأ عَلَيْك عمر بن الْخطاب السَّلَام ويستأذن أَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ، فَقَالَت: كنت أريده لنَفْسي، ولأوثرنه الْيَوْم على نَفسِي، فَلَمَّا أقبل قيل: هَذَا عبد الله بن عمر قد جَاءَ، فَقَالَ: ارفعوني، فأسنده رجل إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا لديك؟ قَالَ: الَّذِي تحب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَذِنت، قَالَ: الْحَمد لله، مَا كَانَ شَيْء أهم إِلَيّ من ذَلِك، فَإِذا أَنا قبضت فاحملوني، ثمَّ سلم وَقل: يسْتَأْذن عمر، فَإِن أَذِنت لي فأدخلوني، وَإِن ردتني ردوني إِلَى مَقَابِر الْمُسلمين.
فَجَاءَت أم الْمُؤمنِينَ حَفْصَة وَالنِّسَاء يسترنها، فَلَمَّا رأيناها قمنا، فولجت عَلَيْهِ، فَبَكَتْ عِنْده سَاعَة، وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَال فولجت دَاخِلا، فسمعنا بكاءها من الدَّاخِل، فَقَالُوا: أوص يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اسْتخْلف، قَالَ: مَا أرى أحدا أَحَق بِهَذَا الْأَمر من هَؤُلَاءِ النَّفر - أَو الرَّهْط - الَّذين توفّي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَنْهُم راضٍ، فَسمى
стр. 59
عليا وَعُثْمَان وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وسعداً وَعبد الرَّحْمَن، وَقَالَ: يشهدكم عبد الله بن عمر، وَلَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء - كَهَيئَةِ التَّعْزِيَة لَهُ، فَإِن أَصَابَت الْإِمَارَة سَعْدا فَذَاك، وَإِلَّا فليستعن بِهِ أَيّكُم مَا أَمر، فَإِنِّي لم أعزله عَن عجزٍ وَلَا خِيَانَة.
وَقَالَ: أوصِي الْخَلِيفَة من بعدِي بالمهاجرين الْأَوَّلين أَن يعرف لَهُم حَقهم، ويحفظ لَهُم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، الَّذين تبوءوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم أَن يقبل من محسنهم، وَأَن يُعْفَى عَن مسيئهم، وأوصيه بِأَهْل الْأَمْصَار خيرا، فَإِنَّهُم ردء الْإِسْلَام، وجباة المَال، وغيظ الْعَدو، وَألا يُؤْخَذ مِنْهُم إِلَّا فَضلهمْ عَن رضَا مِنْهُم. وأوصيه بالأعراب خيرا، فَإِنَّهُم أصل الْعَرَب ومادة الْإِسْلَام، أَن يُؤْخَذ من حَوَاشِي أَمْوَالهم، وَيرد على فقرائهم، وأوصيه بِذِمَّة الله وَذمَّة رَسُول الله ﷺ ، أَن يُوفى لَهُم بعهدهم، وَأَن يُقَاتل من ورائهم، وَلَا يكلفوا إِلَّا طاقتهم.
قَالَ: فَلَمَّا قبض خرجنَا بِهِ، فَانْطَلَقْنَا نمشي، فَسلم عبد الله بن عمر وَقَالَ: يسْتَأْذن عمر بن الْخطاب، قَالَت: أدخلوه، فَأدْخل فَوضع هُنَالك مَعَ صَاحِبيهِ.
قَالَ: فَلَمَّا فرغ من دَفنه اجْتمع هَؤُلَاءِ الرَّهْط، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: اجعلوا أَمركُم إِلَى ثلاثةٍ مِنْكُم. فَقَالَ الزبير: قد جعلت أَمْرِي إِلَى عَليّ، وَقَالَ طَلْحَة: قد جعلت أَمْرِي إِلَى عُثْمَان، وَقَالَ سعد: قد جعلت أَمْرِي إِلَى عبد الرَّحْمَن. فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أيكما يبرأ من هَذَا الْأَمر فنجعله إِلَيْهِ. وَالله عَلَيْهِ وَالْإِسْلَام، لينظرن أفضلهم فِي نَفسه، فأسكت الشَّيْخَانِ، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أفتجعلونه إِلَيّ؟ وَالله عَليّ أَلا آلو عَن أفضلكم. قَالَا: نعم، فَأخذ بيد أَحدهمَا، فَقَالَ: لَك من قرَابَة رَسُول الله ﷺ ، والقدم فِي الْإِسْلَام، مَا قد علمت، فَالله عَلَيْك، إِن أَمرتك لتعدلن، وَلَئِن أمرت عُثْمَان لتسمعن، ثمَّ خلا بِالْآخرِ فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك. فَلَمَّا أَخذ الْمِيثَاق قَالَ: ارْفَعْ يدك يَا عُثْمَان، فَبَايعهُ، وَبَايع لَهُ
стр. 60
عَليّ، وولج أهل الدَّار فَبَايعُوهُ.
وَفِي حَدِيث الْمسور: أَن الرَّهْط الَّذين ولاّهم عمر اجْتَمعُوا، فتشاوروا، فَقَالَ لَهُم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: لست بِالَّذِي أنافسكم فِي هَذَا الْأَمر، وَلَكِنَّكُمْ إِن شِئْتُم اخْتَرْت لكم مِنْكُم، فَجعلُوا ذَلِك إِلَى عبد الرَّحْمَن. فَلَمَّا ولوه انثال النَّاس على عبد الرَّحْمَن ومالوا إِلَيْهِ، حَتَّى مَا أرى أحدا من النَّاس يتبع أحدا من أُولَئِكَ الرَّهْط وَلَا يطَأ عَقِبَيْهِ، وَمَال النَّاس على عبد الرَّحْمَن يشاورونه ويناجونه تِلْكَ اللَّيَالِي، حَتَّى إِذا كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي أَصْبَحْنَا فِيهَا، فَبَايعْنَا عُثْمَان.
قَالَ الْمسور: طرقني عبد الرَّحْمَن بعد هجعٍ من اللَّيْل، فَضرب الْبَاب حَتَّى استيقظت فَقَالَ: أَلا أَرَاك نَائِما. فوَاللَّه مَا اكتحلت هَذِه الثَّلَاث بِكَثِير نوم، فَادع لي الزبير وسعدا، فدعوتهما لَهُ، فشاورهما، ثمَّ دَعَاني، فَقَالَ: ادْع لي عليا، فدعوته، فناجاه حَتَّى ابهار اللَّيْل، ثمَّ قَامَ عليٌّ من عِنْده وَهُوَ على طمع، وَكَانَ عبد الرَّحْمَن يخْشَى من عَليّ شَيْئا. ثمَّ قَالَ: ادْع لي عُثْمَان، فناجاه، حَتَّى فرق بَينهمَا الْمُؤَذّن للصبح، فَلَمَّا صلى النَّاس الصُّبْح اجْتمع أُولَئِكَ الرَّهْط عِنْد الْمِنْبَر، فَأرْسل عبد الرَّحْمَن إِلَى من كَانَ خَارِجا من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَأرْسل إِلَى أُمَرَاء الأجناد، وَكَانُوا قد وافوا تِلْكَ الْحجَّة مَعَ عمر، فَلَمَّا اجْتَمعُوا تشهد عبد الرَّحْمَن وَقَالَ: أما بعد يَا عَليّ، فَإِنِّي نظرت فِي أَمر النَّاس، فَلم أرهم يعدلُونَ بعثمان، فَلَا تجعلن على نَفسك سَبِيلا، وَأخذ بيد عُثْمَان فَقَالَ: أُبَايِعك على سنة الله وَرَسُوله والخليفتين من بعده، فَبَايعهُ عبد الرَّحْمَن، وَبَايَعَهُ النَّاس والمهاجرون وَالْأَنْصَار وأفراد الأجناد والمسلمون.
стр. 61
٥٧ - الثَّالِث عشر: من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَارِي، قَالَ: خرجت مَعَ عمر لَيْلَة فِي رَمَضَان إِلَى الْمَسْجِد، فَإِذا النَّاس أوزاعٌ متفرقون، يُصَلِّي الرجل لنَفسِهِ، وَيُصلي الرجل فَيصَلي بِصَلَاتِهِ الرَّهْط، فَقَالَ عمر: إِنِّي أرى لَو جمعت هَؤُلَاءِ على قَارِئ وَاحِد لَكَانَ أمثل، ثمَّ عزم، فَجَمعهُمْ على أبي بن كَعْب. قَالَ: ثمَّ خرجت مَعَه لَيْلَة أُخْرَى وَالنَّاس يصلونَ بِصَلَاة قارئهم، فَقَالَ عمر بن الْخطاب: نعمت الْبِدْعَة هَذِه، وَالَّتِي تنامون عَنْهَا أفضل من الَّتِي تقومون. يُرِيد آخر اللَّيْل، وَكَانَ النَّاس يقومُونَ أَوله.
٥٨ - الرَّابِع عشر: عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: قَالَ عمر: كَانَ أَبُو بكر سيدنَا، وَأعْتق سيدنَا - يَعْنِي بِلَالًا. قَالَ لأبي بكر: إِن كنت إِنَّمَا اشتريتني لنَفسك فأمسكني، وَإِن كنت إِنَّمَا اشتريتني لله فَدَعْنِي وَعمل الله.
٥٩ - الْخَامِس عشر: عَن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ، من رِوَايَة ثُمَامَة بن عبد الله عَنهُ، أَن عمر بن الْخطاب كَانَ إِذا قحطوا استسقى بِالْعَبَّاسِ بن عبد الْمطلب، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نتوسل إِلَيْك بنبينا ﷺ فتسقينا، وَإِنَّا نتوسل إِلَيْك بعم نبيك، فاسقنا، قَالَ: فيسقون.
٦٠ - السَّادِس عشر: عَن أنس، رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنهُ: أَنه سمع خطْبَة عمر بن الْخطاب الْآخِرَة حِين جلس على مِنْبَر رَسُول الله ﷺ ، وَذَلِكَ الْغَد من يَوْم توفّي رَسُول الله ﷺ ، فَتشهد وَأَبُو بكر صامتٌ لَا يتَكَلَّم، ثمَّ قَالَ عمر: أما بعد، فَإِنِّي قلت لكم أمس مقَالَة، وَإِنَّهَا لم تكن كَمَا قلت، وَإِنِّي وَالله مَا وجدت الْمقَالة الَّتِي
стр. 62
قلت لكم فِي كتاب أنزلهُ الله، وَلَا فِي عهد عهد إِلَيّ رَسُول الله ﷺ ، وَلَكِن كنت أَرْجُو أَن يعِيش رَسُول الله ﷺ حَتَّى يدبرنا - يُرِيد: أَن يكون آخِرهم، فَإِن يكن رَسُول الله ﷺ قد مَاتَ، فَإِن الله قد جعل بَين أظْهركُم نورا تهتدون بِهِ، بِهِ هدى الله مُحَمَّدًا ﷺ ، فَاعْتَصمُوا بِهِ تهتدوا بِمَا هدى الله بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ وَإِن أَبَا بكرٍ صَاحب رَسُول الله ﷺ وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإنَّهُ أولى النَّاس بأموركم، فَقومُوا إِلَيْهِ فَبَايعُوهُ. وَكَانَت طَائِفَة مِنْهُم قد بَايعُوهُ قبل ذَلِك فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة، وَكَانَت بيعَة الْعَامَّة عِنْد الْمِنْبَر.
فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ أَيْضا، قَالَ الزُّهْرِيّ: قَالَ لي أنس بن مَالك: إِنَّه
رأى عمر يزعج أَبَا بكر إِلَيّ الْمِنْبَر إزعاجاً. قَالَ الزُّهْرِيّ: وَأَخْبرنِي سعيد بن الْمسيب: أَن عمر بن الْخطاب قَالَ: وَالله مَا هُوَ إِلَّا أَن تَلَاهَا أَبُو بكر - يَعْنِي قَوْله: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل﴾ [سُورَة آل عمرَان] عقرت وَأَنا قَائِم حَتَّى خَرَرْت إِلَى الأَرْض، وأيقنت أَن رَسُول الله ﷺ قد مَاتَ.
٦١ - السَّابِع عشر: عَن أنس من رِوَايَة ثَابت عَنهُ قَالَ: كُنَّا عِنْد عمر فَقَالَ: نهينَا عَن التَّكَلُّف، وَفِي رِوَايَة عَن ثابتٍ عَنهُ: أَن عمر قَرَأَ: ﴿وَفَاكِهَة وَأَبا﴾ [سُورَة عبس] قَالَ: فَمَا الْأَب؟ ثمَّ قَالَ: مَا كلفنا، أَو قَالَ: مَا أمرنَا بِهَذَا.
стр. 63
٦٢ - الثَّامِن عشر: عَن السَّائِب بن يزِيد قَالَ: كنت نَائِما فِي الْمَسْجِد، فحصبني رجلٌ، فَنَظَرت فَإِذا عمر بن الْخطاب، فَقَالَ: اذْهَبْ فأتني بِهَذَيْنِ، فَجِئْته بهما، فَقَالَ: من من أَنْتُمَا؟ أَو: من أَيْن أَنْتُمَا؟ قَالَا: من أهل الطَّائِف. قَالَ: لَو كنتما من أهل الْبَلَد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ .
٦٣ - التَّاسِع عشر: عَن حَفْصَة بنت عمر، وَعَن أسلم مولى عمر قَالَا: قَالَ عمر: اللَّهُمَّ ارزقني شَهَادَة فِي سَبِيلك، وَاجعَل موتِي فِي بلد رَسُولك.
وَفِي رِوَايَة عَن حَفْصَة: فَقلت: أَنى يكون هَذَا؟ فَقَالَ: يأتيني بِهِ الله إِن شَاءَ.
٦٤ - الْعشْرُونَ: عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة، وَكَانَ من أكبر بني عدي، وَكَانَ أَبوهُ شهد بَدْرًا مَعَ النَّبِي ﷺ ، قَالَ: اسْتعْمل عمر قدامَة بن مَظْعُون على الْبَحْرين، وَكَانَ شهد بَدْرًا مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ خَال ابْن عمر وَحَفْصَة زوج النَّبِي ﷺ . لم يزدْ. وَهُوَ طرف من حَدِيث طَوِيل فِي قصَّة لقدامة بن مَظْعُون.
اقْتصر البُخَارِيّ على هَذَا الْقدر لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ فِيمَن شهد بَدْرًا، وَقد وَقع لنا بِتَمَامِهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد مُتَّصِلا بقوله:
وَكَانَ خَال ابْن عمر وَحَفْصَة، قَالَ: فَقدم الْجَارُود من الْبَحْرين فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن قدامَة بن مَظْعُون قد شرب مُسكرا، وَإِنِّي إِذا رَأَيْت حدا من حُدُود الله حق عَليّ أَن أرفعه إِلَيْك. فَقَالَ لَهُ عمر: من يشْهد على مَا تَقول؟ فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَة. فَدَعَا عمر أَبَا هُرَيْرَة، فَقَالَ: علام تشهد يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ فَقَالَ: لم أره حِين شرب، وَقد رَأَيْته سَكرَان يقيء. فَقَالَ عمر: لقد تنطعت - أَبَا هُرَيْرَة - فِي
стр. 64
الشَّهَادَة. ثمَّ كتب عمر إِلَى قدامَة وَهُوَ بِالْبَحْرَيْنِ يَأْمُرهُ بالقدوم عَلَيْهِ، فَلَمَّا قدم قدامَة والجارود بِالْمَدِينَةِ، كلم الْجَارُود عمر فَقَالَ: أقِم على هَذَا كتاب الله. فَقَالَ عمر للجارود: أشهيدٌ أَنْت أم خصم؟ فَقَالَ الْجَارُود: أَنا شَهِيد. فَقَالَ: قد كنت أدّيت شهادتك. فَسكت الْجَارُود ثمَّ قَالَ: لتعلمن أَنِّي أنْشدك الله. فَقَالَ عمر: أما وَالله لتملكن لسَانك أَو لأسوءنك. فَقَالَ الْجَارُود: أما وَالله، مَا ذَاك بِالْحَقِّ، أَن يشرب ابْن عمك وتسوءني، فأوعده عمر. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَهُوَ جالسٌ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن كنت تشك فِي شهادتنا فسل بنت الْوَلِيد امْرَأَة ابْن مَظْعُون. فَأرْسل عمر إِلَى هِنْد ينشدها بِاللَّه، فأقامت هِنْد على زَوجهَا قدامَة الشَّهَادَة، فَقَالَ عمر: إِنِّي يَا قدامَة جالدك، فَقَالَ قدامَة: وَالله لَو شربت كَمَا يَقُولُونَ مَا كَانَ لَك أَن تجلدني يَا عمر، قَالَ: وَلم يَا قدامَة؟ قَالَ: إِن الله قَالَ: ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا إِذا مَا اتَّقوا وآمنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات ثمَّ اتَّقوا وآمنوا ثمَّ اتَّقوا وأحسنوا وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ [سُورَة الْمَائِدَة] فَقَالَ عمر: إِنَّك أَخْطَأت التَّأْوِيل يَا قدامَة، إِذا اتَّقَيْت اجْتنبت مَا حرم الله. ثمَّ أقبل عمر على الْقَوْم فَقَالَ: مَاذَا ترَوْنَ فِي جلد قدامَة؟ فَقَالَ الْقَوْم: لَا نرى أَن تجلده مَا دَامَ وجعاً. فَقَالَ عمر: إِنَّه وَالله لِأَن يلقِي الله تَحت السِّيَاط أحب إِلَيّ من أَن ألْقى الله وَهِي فِي عنقِي، إِي وَالله لأجلدنه، ايتوني بِالسَّوْطِ، فَجَاءَهُ مَوْلَاهُ أسلم بِسَوْط دقيقٍ صَغِير، فَأَخذه عمر، فمسحه بِيَدِهِ، ثمَّ قَالَ لأسلم: أخذتك دقرارة أهلك، ايتوني بِسَوْط غير هَذَا. قَالَ: فَجَاءَهُ أسلم بِسَوْط تَامّ، فَأمر عمر بِقُدَامَةَ فجلد. فغاضب قدامَة عمر وهجره، فحجا وَقُدَامَة مهَاجر لعمر، حَتَّى قَفَلُوا من حجهم، وَنزل عمر بالسقيا ونام بهَا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ: عجلوا عَليّ بِقُدَامَةَ، انْطَلقُوا فائتوني بِهِ، فوَاللَّه إِنِّي لأرى فِي النّوم أَنه جَاءَنِي آتٍ فَقَالَ لي: سَالم قدامَة، فَإِنَّهُ أَخُوك، فَلَمَّا جَاءُوا قدامَة أَبى أَن يَأْتِيهِ، فَأمر عمر بِقُدَامَةَ فجر إِلَيْهِ جراً، حَتَّى كَلمه عمر، فَاسْتَغْفر لَهُ، فَكَانَ أول صلحهما.
стр. 65
٦٥ - الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: عَن ثَعْلَبَة بن أبي مَالك الْقرظِيّ: أَن عمر قسم مروطاً. بَين نسَاء أهل الْمَدِينَة، فَبَقيَ مِنْهَا مرطٌ جيد، فَقَالَ لَهُ بعض من عِنْده: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أعْط هَذَا ابْنة رَسُول الله ﷺ الَّتِي عنْدك - يُرِيدُونَ أم كُلْثُوم بنت عَليّ -. فَقَالَ: أم سليط أَحَق بِهِ، فَإِنَّهَا مِمَّن بَايع رَسُول الله ﷺ ، كَانَت تزفر لنا الْقرب يَوْم أحد.
٦٦ - الثَّانِي وَالْعشْرُونَ: عَن أسلم مولى عمر - من التَّابِعين، قَالَ: قَالَ عمر: أما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَن أترك آخر النَّاس بَيَانا لَيْسَ لَهُم من شَيْء، مَا فتحت عَليّ قريةٌ إِلَّا قسمتهَا كَمَا قسم رَسُول الله ﷺ خَيْبَر، وَلَكِن أتركها خزانَة لَهُم يقتسمونها.
٦٧ - الثَّالِث وَالْعشْرُونَ: عَن أسلم أَيْضا: أَن عمر كَانَ يسير مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَسْفَاره لَيْلًا، فَسَأَلَهُ عمر عَن شيءٍ فَلم يجبهُ، ثمَّ سَأَلَهُ فَلم يجبهُ، ثمَّ سَأَلَهُ فَلم يجبهُ. فَقَالَ عمر: ثكلتك أمك عمر، نزرت رَسُول الله ﷺ ثَلَاث مَرَّات، كل ذَلِك لَا يجيبك. قَالَ عمر: فحركت بَعِيري حَتَّى تقدّمت أَمَام النَّاس، وخشيت أَن ينزل فِي قرآنٌ، فَمَا نشبت أَن سَمِعت صَارِخًا يصْرخ، فَقلت: لقد خشيت أَن يكون نزل فِي قرآنٌ، فَجئْت رَسُول الله ﷺ ، فَسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ: " لقد أنزلت عَليّ اللَّيْلَة سورةٌ، لهي أحب إِلَيّ مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس "، ثمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ . [سُورَة الْفَتْح] .
стр. 66
٦٨ - الرَّابِع وَالْعشْرُونَ: عَن أسلم مَوْلَاهُ قَالَ: خرجت مَعَ عمر بن الْخطاب إِلَى السُّوق فلحقت بِهِ امرأةٌ شَابة فَقَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هلك زَوجي وَترك صبية صغَارًا، وَالله مَا ينضجون كُرَاعًا، وَلَا لَهُم زرعٌ وَلَا ضرع، وخشيت أَن تأكلهم الضبع. وَأَنا ابْنة خفاف بن إِيمَاء الْغِفَارِيّ، وَقد شهد أبي الْحُدَيْبِيَة مَعَ النَّبِي ﷺ ، فَوقف مَعهَا عمر وَلم يمض، وَقَالَ مرْحَبًا بنسبٍ قريب، ثمَّ انْصَرف إِلَى بعير ظهيرٍ كَانَ مربوطاً فِي الدَّار، فَحمل عَلَيْهِ غرارتين ملأهما طَعَاما، وَجعل بَينهمَا نفقةٌ وثياباً، ثمَّ ناولها خطامه، فَقَالَ: اقتاديه، فَلَنْ يفنى هَذَا حَتَّى يأتيكم الله بِخَير. فَقَالَ رجل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أكثرت لَهَا، فَقَالَ عمر: ثكلتك أمك، وَالله إِنِّي لأرى أَبَا هَذِه وأخاها قد حاصرا حصنا زَمَانا فافتتحاه، وأصبحنا نستفيء سهماننا فِيهِ.
٦٩ - الْخَامِس وَالْعشْرُونَ: عَن أسلم: أَن عمر اسْتعْمل مولى لَهُ على الصَّدَقَة يدعى هنياً فَقَالَ: يَا هني، ضم جناحك عَن النَّاس، وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم فَإِنَّهَا مجابةٌ، وَأدْخل رب الصريمة وَرب الْغَنِيمَة. وإياي وَنعم ابْن عَفَّان وَابْن عَوْف، فَإِنَّهُمَا إِن تهْلك مواشيهما يرجعان إِلَى زرع ونخلٍ، وَإِن رب الصريمة وَالْغنيمَة إِن تهْلك ماشيتهما يأتني ببنيه فَيَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أفتاركه أَنا - لَا أَبَا لَك - فالماء والكلأ أيسر من الذَّهَب وَالْفِضَّة. وَايْم الله، إِنَّهُم لَيرَوْنَ أَنا ظلمناهم؛ إِنَّهَا لبلادهم ومياههم، قَاتلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَأَسْلمُوا عَلَيْهَا فِي
стр. 67
الْإِسْلَام، وَالله لَوْلَا المَال الَّذِي أحمل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله مَا حميت على النَّاس من بِلَادهمْ شبْرًا.
٧٠ - السَّادِس وَالْعشْرُونَ: عَنهُ عَن عمر: أَن رجلا على عهد النَّبِي ﷺ كَانَ اسْمه عبد الله وَكَانَ يلقب حمارا، وَكَانَ يضْحك رَسُول الله ﷺ ، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ قد جلده فِي الشَّرَاب، فَأتي بِهِ يَوْمًا، فجلد، فَقَالَ رجلٌ من الْقَوْم: اللَّهُمَّ العنه، مَا أَكثر مَا يُؤْتى بِهِ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " لَا تلعنه، فوَاللَّه مَا علمت، إِنَّه يحب الله وَرَسُوله ".
٧١ - السَّابِع وَالْعشْرُونَ: عَن طَارق بن شهَاب قَالَ: سَمِعت عمر يَقُول: قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ مقَاما فَأخْبرنَا عَن بَدْء الْخلق، حَتَّى دخل أهل الْجنَّة مَنَازِلهمْ، وَأهل النَّار مَنَازِلهمْ، حفظ ذَلِك من حفظه، ونسيه من نَسيَه.
٧٢ - الثَّامِن وَالْعشْرُونَ: عَن عَمْرو بن مَيْمُون الأودي قَالَ: قَالَ عمر: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَا يفيضون من جمع حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَيَقُولُونَ: أشرق ثبير، قَالَ: فخالفهم رَسُول الله ﷺ ، فَأَفَاضَ قبل طُلُوع الشَّمْس.
٧٣ - التَّاسِع وَالْعشْرُونَ: عَن أبي الْأسود، ظَالِم بن عَمْرو الدؤَلِي قَالَ: أتيت الْمَدِينَة وَقد وَقع بهَا مرضٌ، وَالنَّاس يموتون موتا ذريعاً، فَجَلَست إِلَى عمر بن الْخطاب، فَمروا بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا، فَقَالَ عمر ﵁: وَجَبت.
قَالَ: ومروا بِأُخْرَى فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا فَقَالَ وَجَبت، ثمَّ مر بثالثةٍ فأثني على صَاحبهَا شرٌّ، فَقَالَ: وَجَبت. فَقَالَ أَبُو الْأسود فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا وَجَبت؟ قَالَ: قلت كَمَا قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] " أَيّمَا مُسلم شهد لَهُ أَرْبَعَة نفر بِخَير
стр. 68
أدخلهُ الله الْجنَّة ". قَالَ: فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ. قَالَ: " وَاثْنَانِ " قَالَ: ثمَّ لم نَسْأَلهُ عَن الْوَاحِد.
٧٤ - الثَّلَاثُونَ: عَن قيس بن أبي حَازِم قَالَ: كَانَ عَطاء الْبَدْرِيِّينَ خَمْسَة آلَاف خَمْسَة آلَاف، وَقَالَ عمر: لأفضلنهم على من بعدهمْ.
٧٥ - الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: عَن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود الْهُذلِيّ قَالَ: سَمِعت عمر بن الْخطاب يَقُول: إِن نَاسا كَانُوا يؤخذون بِالْوَحْي فِي عهد رَسُول الله ﷺ : وَإِن الْوَحْي قد انْقَطع، وَإِنَّمَا نأخذكم الْآن بِمَا ظهر لنا من أَعمالكُم، فَمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وَلَيْسَ لنا من سَرِيرَته شَيْء، الله يحاسبه فِي سَرِيرَته، وَمن أظهر لنا سوءا لم نَأْمَنهُ وَلم نصدقه، وَإِن قَالَ: إِن سَرِيرَته حَسَنَة.
٧٦ - الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: عَن نَافِع مولى ابْن عمر: أَن عمر كَانَ فرض للمهاجرين الْأَوَّلين أَرْبَعَة آلَاف، وَفرض لِابْنِ عمر ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة، فَقيل لَهُ: هُوَ من الْمُهَاجِرين، فَلم نقصته من أَرْبَعَة آلَاف؟ قَالَ: إِنَّمَا هَاجر بِهِ أَبوهُ يَقُول: لَيْسَ هُوَ كمن هَاجر بِنَفسِهِ.
٧٧ - الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ: فِي كتاب البُخَارِيّ قَالَ: قَالَ لي أَحْمد بن مُحَمَّد: حَدثنَا إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن جده: أَن عمر أذن لِأَزْوَاج النَّبِي ﷺ فِي آخر حجَّة حَجهَا - يَعْنِي فِي الْحَج -، وَبعث مَعَهُنَّ عبد الرَّحْمَن - يَعْنِي ابْن عَوْف - وَعُثْمَان
стр. 69
ابْن عَفَّان.
قَالَ الشَّيْخ: قَالَ أَبُو بكر البرقاني: هُوَ إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَفِي هَذَا نظر، وَلم يذكرهُ أَبُو مَسْعُود فِي الْأَطْرَاف.
٧٨ - الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ: عَن صَفِيَّة بنت أبي عبيد. أَن عبدا من رَقِيق الْإِمَارَة وَقع على وليدة من الْخمس، فاستكرهها حَتَّى اقتضها، فجلده عمر ونفاه، وَلم يجلد الوليدة من أجل أَنه استكرهها
أَفْرَاد مُسلم
٧٩ - الأول: عَن ابْن عمر من رِوَايَة نَافِع عَنهُ عَن عمر: أَنه رأى حلَّة سيراء تبَاع عِنْد بَاب الْمَسْجِد. قَالَ: فَقلت: يَا رَسُول الله، لَو اشْتَرَيْتهَا ليَوْم الْجُمُعَة وللوفود إِذا قدمُوا عَلَيْك، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " إِنَّمَا يلبس هَذِه من لَا خلاق لَهُ فِي الْآخِرَة " قَالَ: فَأتي رَسُول الله ﷺ بعد مِنْهَا حللٌ، فكساني حلةٌ، فَقلت: يَا رَسُول الله، كسوتنيها وَقد قلت فِيهِ مَا قلت؟ قَالَ: " إِنِّي لم أكسكها لتلبسها، إِنَّمَا كسوتكها لتكسوها أَو لتبيعها ".
قَالَ بعض الروَاة فِيهِ: إِن عمر ... جعله من مُسْند ابْن عمر، وَهَكَذَا أخرجه البُخَارِيّ.
стр. 70
٨٠ - الثَّانِي: عَن ابْن عمر من رِوَايَة نَافِع عَنهُ عَن عمر: أَنه سَأَلَ النَّبِي ﷺ أَيَنَامُ أَحَدنَا وَهُوَ جنبٌ؟ قَالَ: " نعم، إِذا تَوَضَّأ " قَالَ فِيهِ بعض الروَاة: إِن عمر ... .
٨١ - الثَّالِث: عَن ابْن عمر من رِوَايَة نَافِع أَيْضا عَنهُ، عَن عمر أَنه قَالَ: أصبت أَرضًا من أَرض خَيْبَر، فَأتيت رَسُول الله ﷺ ، فَقلت: أصبت أَرضًا لم أصب مَالا أحب إِلَيّ وَلَا أنفس عِنْدِي مِنْهَا. فَقَالَ: " إِن شِئْت تَصَدَّقت بهَا " فَتصدق بهَا عمر على أَلا تبَاع، وَلَا توهب، فِي الْفُقَرَاء وَذَوي الْقُرْبَى وَفِي الرّقاب والضيف وَابْن السَّبِيل، وَلَا جنَاح على من وَليهَا أَن يَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ، غير مُتَمَوّل مَالا، وَيطْعم.
قَالَ فِيهِ بعض الروَاة: إِن عمر ... فَصَارَ من مُسْند ابْن عمر، وَقد أَخْرجَاهُ كَذَلِك.
٨٢ - الرَّابِع: حَدِيث الْإِيمَان: عَن ابْن عمر من رِوَايَة يحيى بن يعمر عَنهُ: قَالَ يحيى بن يعمر: كَانَ أول من قَالَ فِي الْقدر بِالْبَصْرَةِ معبدٌ الْجُهَنِيّ، فَانْطَلَقت أَنا وَحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي حاجين أَو معتمرين، فَقُلْنَا: لَو لَقينَا أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُول هَؤُلَاءِ فِي الْقدر، فوفق لنا عبد الله بن
стр. 71
عمر بن الْخطاب دَاخِلا الْمَسْجِد، فاكتنفته أَنا وصاحبي، أَحَدنَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله، فَظَنَنْت أَن صَاحِبي سيكل الْكَلَام إِلَيّ، فَقلت: أَبَا عبد الرَّحْمَن، إِنَّه قد ظهر قبلنَا أنَاس يقرءُون الْقُرْآن، ويتقفرون الْعلم - وَذكر من شَأْنهمْ - وَإِنَّهُم يَزْعمُونَ أَن لَا قدر، وَأَن الْأَمر أنفٌ. فَقَالَ: إِذا لقِيت أُولَئِكَ فَأخْبرهُم أَنِّي بريءٌ مِنْهُم، وَأَنَّهُمْ بُرَآء مني، وَالَّذِي يحلف بِهِ عبد الله بن عمر لَو أَن لأَحَدهم مثل أحدٍ ذَهَبا فأنفقه مَا قبل الله مِنْهُ حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ.
ثمَّ قَالَ: حَدثنِي أبي عمر بن الْخطاب، قَالَ: بَيْنَمَا نَحن جلوسٌ عِنْد رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم، إِذْ طلع علينا رجلٌ شديدٌ بَيَاض الثِّيَاب، شَدِيد سَواد الشّعْر، لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر، وَلَا يعرفهُ منا أحدٌ، حَتَّى جلس إِلَى النَّبِي ﷺ ، فأسند رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوضع كفيه على فَخذيهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّد، أَخْبرنِي عَن الْإِسْلَام. قَالَ رَسُول الله ﷺ :
الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وتقيم الصَّلَاة، وتؤتي الزَّكَاة، وتصوم رَمَضَان، وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا "، قَالَ: صدقت. فعجبنا لَهُ، يسْأَله ويصدقه.
قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن الْإِيمَان. قَالَ:
أَن تؤمن بِاللَّه، وَمَلَائِكَته، وَكتبه، وَرُسُله، وَالْيَوْم الآخر، وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره " قَالَ: صدقت.
قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن الْإِحْسَان. قَالَ: " أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ، فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك ".
قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن السَّاعَة. قَالَ: " مَا الْمَسْئُول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل ". قَالَ:
стр. 72
فَأَخْبرنِي عَن أماراتها. قَالَ:
أَن تَلد الْأمة ربتها، وَأَن ترى الحفاة العراة العالة، رعاء الشَّاء يتطاولون فِي الْبُنيان ".
قَالَ: ثمَّ انْطلق فَلبث مَلِيًّا، ثمَّ قَالَ: " يَا عمر، أَتَدْرِي من السَّائِل؟ " قلت: الله وَرَسُوله أعلم. قَالَ: " فَإِنَّهُ جِبْرِيل، أَتَاكُم يعلمكم أَمر دينكُمْ ".
جمع فِيهِ مُسلم الروَاة، وَذكر مَا أوردنا من الْمَتْن، وَأَن فِي بعض الرِّوَايَات زِيَادَة ونقصاناً.
وَزَاد أَبُو بكر البرقاني فِي حَدِيث أَحْمد بن عَبدة - وَهُوَ أحد الروَاة الَّذين روى عَنْهُم مُسلم هَذَا الحَدِيث - بِإِسْنَادِهِ: أَن ابْن عمر قَالَ: حَدثنِي عمر بن الْخطاب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " التقى آدم ومُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: أَنْت آدم الَّذِي أشقيت النَّاس، وأخرجتهم من الْجنَّة؟ فَقَالَ لَهُ آدم: أَنْت مُوسَى الَّذِي اصطفاك برسالته وَكَلَامه، وَأنزل عَلَيْك التَّوْرَاة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَوَجَدته قدره لي قبل أَن يخلقني.
قَالَ: نعم. قَالَ: فحج آدم مُوسَى، فحج آدم مُوسَى ".
٨٣ - الْخَامِس: عَن ابْن عَبَّاس، من رِوَايَة سماك بن الْوَلِيد الْحَنَفِيّ عَنهُ قَالَ: حَدثنِي عمر بن الْخطاب قَالَ: لما كَانَ يَوْم خَيْبَر، أقبل نفرٌ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فَقَالُوا: فلَان شَهِيد، وَفُلَان شَهِيد، حَتَّى مروا على رجلٍ فَقَالُوا: فلَان شَهِيد،
стр. 73
فَقَالَ النَّبِي ﷺ :
كلا، إِنِّي رَأَيْته فِي النَّار فِي بردة غلها. أَو عباءة " ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ : " اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاس: أَنه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ " قَالَ: فَخرجت وناديت: أَلا إِنَّه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ.
٨٤ - السَّادِس: عَن ابْن عَبَّاس، من رِوَايَة سماك عَنهُ، قَالَ: حَدثنِي عمر بن الْخطاب، قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدرٍ، نظر رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمُشْركين وهم ألفٌ وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَة وَتِسْعَة عشر رجلا، فَاسْتقْبل رَسُول الله الْقبْلَة، ثمَّ مد يَدَيْهِ، فَجعل يَهْتِف بربه، يَقُول: " اللَّهُمَّ أنْجز لي مَا وَعَدتنِي، اللَّهُمَّ آتٍ مَا وَعَدتنِي، اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة من أهل الْإِسْلَام لَا تعبد فِي الأَرْض ". فَمَا زَالَ يَهْتِف بربه مَادًّا يَدَيْهِ حَتَّى سقط رِدَاؤُهُ عَن مَنْكِبَيْه، فَأَتَاهُ أَبُو بكر فَأخذ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ على مَنْكِبَيْه، ثمَّ الْتَزمهُ من وَرَائه، وَقَالَ: يَا نَبِي الله، كَذَاك مُنَاشَدَتك رَبك، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَك مَا وَعدك، فَأنْزل الله :
(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم فَاسْتَجَاب لكم أَنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ﴾ [سُورَة الْأَنْفَال] فأمده الله بِالْمَلَائِكَةِ. قَالَ سماك: فَحَدثني ابْن عَبَّاس قَالَ: بَيْنَمَا رجلٌ من الْمُسلمين يومئذٍ يشْتَد فِي أثر رجلٍ من الْمُشْركين أَمَامه، إِذْ سمع ضَرْبَة بِالسَّوْطِ فَوْقه، وَصَوت الْفَارِس يَقُول: أقدم حيزوم، إِذْ نطر إِلَى الْمُشرك أَمَامه خر مُسْتَلْقِيا، فَنظر إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ قد خطم أَنفه، وشق وَجهه، كَضَرْبَة السَّوْط، فاخضر ذَلِك أجمع. فجَاء الْأنْصَارِيّ، فَحدث بِذَاكَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: " صدقت، ذَاك من مدد السَّمَاء الثَّالِثَة " فَقتلُوا يومئذٍ سبعين، وأسروا سبعين.
قَالَ ابْن عَبَّاس: فَلَمَّا أَسرُّوا الْأُسَارَى، قَالَ رَسُول الله ﷺ لأبي بكر وَعمر: " مَاذَا ترَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى "؟ فَقَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الله، هم بَنو الْعم
стр. 74
وَالْعشيرَة، أرى أَن تَأْخُذ مِنْهُم فديَة، فَتكون لنا قُوَّة على الْكفَّار، فَعَسَى الله أَن يهْدِيهم إِلَى الْإِسْلَام. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " مَا ترى يَا ابْن الْخطاب "؟ قَالَ: قلت: لَا وَالله يَا رَسُول الله، مَا أرى الَّذِي رأى أَبُو بكر، وَلَكِنِّي أرى أَن تمَكنا فَنَضْرِب أَعْنَاقهم، فَتمكن عليا من عقيلٍ، وَتُمَكِّنِّي من فلَان - نسيباً لعمر - فَأَضْرب عُنُقه؛ فَإِن هَؤُلَاءِ أَئِمَّة الْكفْر وَصَنَادِيدهَا، فَهَوِيَ رَسُول الله ﷺ مَا قَالَ أَبُو بكر وَلم يَهو مَا قلت.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد جِئْت، فَإِذا رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر قَاعِدين يَبْكِيَانِ، فَقلت: يَا رَسُول الله، أَخْبرنِي من أَي شيءٍ تبْكي أَنْت وَصَاحِبك، فَإِن وجدت بكاء بَكَيْت، وَإِن لم أجد بكاء تَبَاكَيْت لِبُكَائِكُمَا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " أبْكِي للَّذي عرض عَليّ أَصْحَابك من أَخذهم الْفِدَاء، لقد عرض عَليّ عَذَابهمْ أدنى من هَذِه الشَّجَرَة - لشَجَرَة قريبَة من رَسُول الله ﷺ . وَأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم﴾ [سُورَة الْأَنْفَال] فأحل الله الْغَنِيمَة لَهُم.
٨٥ - السَّابِع: عَن ابْن عَبَّاس، من رِوَايَة سماك عَنهُ قَالَ: قَالَ عمر: كتب حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى أهل مَكَّة، فَأطلع الله نبيه ﷺ على ذَلِك، فَبعث عليا وَالزُّبَيْر فِي أثر الْكتاب، فأدركا امْرَأَة على بعير، فاستخرجاه من قُرُونهَا، فَأتيَا بِهِ رَسُول الله ﷺ ، فَأرْسل إِلَى حاطبٍ، فَقَالَ: " يَا حَاطِب، أَنْت كتبت هَذَا الْكتاب؟ " قَالَ: نعم يَا رَسُول الله. قَالَ: " فَمَا حملك على ذَلِك؟ " قَالَ: يَا رَسُول الله، أما وَالله إِنِّي ناصحٌ لله وَلِرَسُولِهِ، وَلَكِنِّي كنت غَرِيبا فِي أهل مَكَّة، وَكَانَ أَهلِي بَين ظهرانيهم، وخشيت عَلَيْهِم، فَكتبت كتابا لَا يضر الله وَرَسُوله شَيْئا، وَعَسَى أَن يكون مَنْفَعَة لأهلي. قَالَ عمر: فاخترطت سَيفي، ثمَّ قلت: يَا رَسُول
стр. 75
الله، أمكني من حَاطِب، فَإِنَّهُ قد كفر، فَأَضْرب عُنُقه، فَقَالَ رَسُول الله: " يَا ابْن الْخطاب، مَا يدْريك لَعَلَّ الله اطلع على هَذِه الْعِصَابَة من أهل بدرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم، فقد غفرت لكم ".
أخرجه البرقاني، وَحكى أَنه أخرج، وَلَيْسَ لَهُ عِنْد أبي مَسْعُود فِي الْأَطْرَاف ذكر، وَلَا عِنْد خلف الوَاسِطِيّ.
٨٦ - الثَّامِن: عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَارِي، قَالَ: سَمِعت عمر بن الْخطاب يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " من نَام عَن حزبه من اللَّيْل، أَو عَن شيءٍ مِنْهُ، فقرأه مَا بَين صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الظّهْر كتب لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ من اللَّيْل ".
٨٧ - التَّاسِع: عَن جَابر بن عبد الله، من رِوَايَة أبي الزبير عَنهُ، أَنه سَمعه يَقُول: أَخْبرنِي عمر بن الْخطاب أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: " لأخْرجَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب، حَتَّى لَا أدع فِيهَا إِلَّا مُسلما "،
٨٨ - الْعَاشِر: من رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر قَالَ: أَخْبرنِي عمر بن الْخطاب أَن رجلا تَوَضَّأ، فَترك مَوضِع ظفرٍ على قدمه، فَأَبْصَرَهُ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: " ارْجع، فَأحْسن وضوءك " قَالَ: فَرجع، فَتَوَضَّأ ثمَّ صلى.
٨٩ - الْحَادِي عشر: عَن أبي الزبير، عَن جَابر أَن عمر بن الْخطاب قَالَ فِي الضَّب: إِن رَسُول الله ﷺ لم يحرمه، وَإِن عمر قَالَ: إِن الله ينفع بِهِ غير وَاحِد، وَإِنَّمَا طَعَام عَامَّة الرعاء مِنْهُ، وَلَو كَانَ عِنْدِي طعمته.
وَفِي رِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ: أَن عمر قَالَ: إِنَّمَا عافه رَسُول الله ﷺ . وَهَذَا أَيْضا من أَفْرَاد مُسلم، جمعناه من رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر هَا هُنَا، لاتِّفَاقهمَا فِي نفي التَّحْرِيم.
следующие страницы →