Полный текст (2 051 стр.). Показаны 2031–2051 · переход к 2036.
стр. 2031
(٢٣٨) خنساء بنت خدام ﵂ .
حَدِيث وَاحِد:
٣٥٦١ - من رِوَايَة الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عبد الرَّحْمَن وَمجمع ابْني يزِيد بن جَارِيَة الْأنْصَارِيّ عَن خنساء بنت خدام الْأَنْصَارِيَّة: أَن أَبَاهَا زَوجهَا وَهِي ثيبٌ، فَكرِهت ذَلِك، فَأَتَت رَسُول الله ﷺ ، فَرد نِكَاحه.
وَفِي حَدِيث يحيى بن سعيد عَن الْقَاسِم:
أَن امْرَأَة من ولد جَعْفَر تخوفت أَن يُزَوّجهَا وَليهَا وَهِي كارهة، فَأرْسلت إِلَى شيخين من الْأَنْصَار: عبد الرَّحْمَن وَمجمع ابْني جَارِيَة، فَقَالَا: فَلَا تخشين؛ فَإِن خنساء بنت خدام أنْكحهَا أَبوهَا وَهِي كارهة، فَرد النَّبِي ﷺ ذَلِك. قَالَ سُفْيَان: وَأما عبد الرَّحْمَن - يَعْنِي ابْن الْقَاسِم - فَسَمعته يَقُول عَن أَبِيه: أَن خنساء.
стр. 2032
(٢٣٩) أم الْعَلَاء الْأَنْصَارِيَّة ﵂
حَدِيث وَاحِد:
٣٥٦٢ - من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن خَارِجَة بن زيد بن ثَابت: أَن أم الْعَلَاء - امْرَأَة من الْأَنْصَار، بَايَعت النَّبِي ﷺ أخْبرته: أَنه اقتسم الْمُهَاجِرُونَ قرعَة. قَالَت: فطار لنا عُثْمَان بن مَظْعُون فأنزلناه فِي أَبْيَاتنَا، فوجع وَجَعه الَّذِي توفّي فِيهِ، فَلَمَّا توفّي وَغسل وكفن فِي أثوابه دخل رَسُول الله ﷺ ، فَقلت: رَحْمَة الله عَلَيْك أَبَا السَّائِب، فشهادتي عَلَيْك، لقد أكرمك الله. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " وَمَا يدْريك أَن الله أكْرمه؟ " فَقلت: بِأبي أَنْت يَا رَسُول الله، فَمن يُكرمهُ الله؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " أما هُوَ فقد جَاءَهُ الْيَقِين، وَالله إِنِّي لأرجو لَهُ الْخَيْر، وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله، مَا يفعل بِي " قَالَت: فوَاللَّه لَا أزكي بعده أحدا يَا رَسُول الله.
قَالَ البُخَارِيّ:
وَقَالَ نَافِع بن يزِيد عَن عقيل: " مَا يفعل بِهِ ". قَالَ: وَتَابعه شُعَيْب وَعَمْرو بن دِينَار وَمعمر.
وَفِي حَدِيث اللَّيْث وَمعمر نَحوه، وَزَاد: قَالَت:
وأريت لعُثْمَان فِي النّوم عينا تجْرِي، فَجئْت لرَسُول الله ﷺ ، فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: " ذَاك عمله ".
وَفِي حَدِيث إِبْرَاهِيم بن سعد وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة:
فأحزنني ذَلِك، فَنمت، فَرَأَيْت لعُثْمَان عينا تجْرِي.
стр. 2033
(٢٤٠) خَوْلَة بنت ثامر الْأَنْصَارِيَّة ﵂
وَهِي امْرَأَة حَمْزَة بن عبد الْمطلب ﵁.
حَدِيث وَاحِد:
٣٥٦٣ - من رِوَايَة النُّعْمَان بن أبي عَيَّاش عَن خَوْلَة الْأَنْصَارِيَّة قَالَت: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: " إِن رجَالًا يتخوضون فِي مَال الله بِغَيْر حق، فَلهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة ".
стр. 2034
(٢٤١) حَدِيث لصفية بنت شيبَة بن عُثْمَان الْقرشِي [﵂]
٣٥٦٤ - من رِوَايَة ابْنهَا مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: أولم النَّبِي ﷺ على بعض نِسَائِهِ بمدين من شعير.
أغفله أَبُو مَسْعُود فَلم يذكرهُ، وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب " النِّكَاح " فِي بَاب " من أولم بِأَقَلّ من شَاة ".
قَالَ أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن غَالب الْخَوَارِزْمِيّ البرقاني الْحَافِظ - فِيمَا أخبرنَا بِهِ غير وَاحِد عَنهُ: وَهَذَا حديثٌ اخْتلف فِيهِ على الثَّوْريّ، فَقَالَ أَبُو أَحْمد الزبيرِي، ومؤمل بن إِسْمَاعِيل، وَيحيى بن يمَان عَن الثَّوْريّ عَن مَنْصُور بن صَفِيَّة عَن أمه عَن عَائِشَة. وَقَالَ ابْن مهْدي، ووكيع، وَالْفِرْيَابِي، وروح بن عبَادَة: عَن الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن أمه:
أَن النَّبِي ﷺ . . لَيْسَ فِيهِ: عَن عَائِشَة.
قَالَ أَبُو بكر البرقاني:
وَهَذَا القَوْل أصح؛ لِأَن البُخَارِيّ أخرجه من حَدِيث الْفرْيَابِيّ عَن الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن أمه عَن النَّبِي ﷺ ، وَلم يخرج خِلَافه. قَالَ: وَمن الروَاة أَيْضا من غلط فِيهِ فَقَالَ:
عَن مَنْصُور بن صَفِيَّة بنت حييّ عَن النَّبِي ﷺ ، وَإِنَّمَا هِيَ صَفِيَّة بنت شيبَة.
قَالَ أَبُو بكر البرقاني:
وَصفِيَّة بنت شيبَة لَيست بصحابية، وحديثها مُرْسل، وَإِن كَانَ البُخَارِيّ أخرجه. وَقد رَأَيْت فِي كتاب أبي عبد الرَّحْمَن أَحْمد بن شُعَيْب
стр. 2035
النَّسَائِيّ قد نصر قَول من لم يقل عَن عَائِشَة، وَأوردهُ من حَدِيث بنْدَار عَن ابْن مهْدي، وَقَالَ: // إِنَّه مُرْسل //.
وَلَعَلَّ أَبَا مَسْعُود لم يُخرجهُ فِي كِتَابه لإرساله، وَذَلِكَ لَازم لَهُ؛ لِأَنَّهُ قد أخرج الْمَرَاسِيل وَنبهَ عَلَيْهَا فِي غير مَوضِع من كِتَابه.
стр. 2036
أَفْرَاد مُسلم من الصحابيات ﵅
(٢٤٢) خَوْلَة بنت حَكِيم السلمِيَّة ﵂
حَدِيث وَاحِد:
٣٥٦٥ - من رِوَايَة سعد بن أبي وَقاص عَن خَوْلَة بنت حَكِيم قَالَت: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " من نزل منزلا ثمَّ قَالَ: أعوذ بِكَلِمَات الله التامات من شَرّ مَا خلق، لم يضرّهُ شيءٌ حَتَّى يرتحل من منزله ذَلِك ".
قَالَ يَعْقُوب بن عبد الله بن الْأَشَج:
وَقَالَ الْقَعْقَاع عَن ذكْوَان عَن أبي هُرَيْرَة: جَاءَ رجلٌ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، مَا لقِيت من عقربٍ لدغتني البارحة؟ قَالَ: " أما لَو قلت حِين أمسيت: أعوذ بِكَلِمَات الله التامات من شَرّ مَا خلق، لم يَضرك " كَذَا ذكره مُتَّصِلا بِحَدِيث خَوْلَة، لِأَن يَعْقُوب رَوَاهُمَا كَذَلِك متصلين.
стр. 2037
(٢٤٣) جدامة بنت وهب الأَسدِية ﵂
أُخْت عكاشة.
حَدِيث وَاحِد:
٣٥٦٦ - من رِوَايَة عُرْوَة. عَن عَائِشَة عَن جدامة أَنَّهَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " لقد هَمَمْت أَن أنهى عَن الغيلة، حَتَّى ذكرت أَن الرّوم وَفَارِس يصنعون ذَلِك فَلَا يضر أَوْلَادهم ".
وَفِي حَدِيث أبي الْأسود عَن عُرْوَة قَالَ:
حضرت رَسُول الله ﷺ فِي أنَاس وَهُوَ يَقُول: " لقد هَمَمْت أَن أنهى عَن الغيلة، فَنَظَرت فِي الرّوم وَفَارِس، فَإِذا هم يغيلون أَوْلَادهم، فَلَا يضر أَوْلَادهم ذَلِك شَيْئا ".
ثمَّ سَأَلُوهُ عَن الْعَزْل، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ :
ذَلِك الوأد الْخَفي، وَهِي: ﴿وَإِذا الموءودة سُئِلت﴾ [التكوير] .
قَالَ يحيى بن يحيى النَّيْسَابُورِي فِي رِوَايَة عَن مَالك:
جدامة بِالدَّال الْمُهْملَة.
وَأما خلف بِهِ هِشَام فَقَالَ:
جذامة بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. قَالَ مُسلم بن الْحجَّاج: وَالصَّحِيح مَا قَالَه يحيى بِالدَّال من حَدِيث مَالك. وَأما سعيد بن أبي أَيُّوب ويحيي بن أَيُّوب فَقَالَا بِالذَّالِ.
стр. 2038
(٢٤٤) أم مُبشر الْأَنْصَارِيَّة [﵂]
وَهِي امْرَأَة زيد بن حَارِثَة.
حديثان:
٣٥٦٧ - أَحدهمَا: من رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن أم مُبشر أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول عِنْد حَفْصَة: " لَا يدْخل النَّار - إِن شَاءَ الله - من أَصْحَاب الشَّجَرَة أحدٌ، الَّذين بَايعُوا تحتهَا ". قَالَت: بلَى يَا رَسُول الله، فانتهرها، فَقَالَت حَفْصَة: ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ [مَرْيَم] فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " قد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ثمَّ ننجي الَّذين اتَّقوا وَنذر الظَّالِمين فِيهَا جثيا﴾ . [مَرْيَم] .
٣٥٦٨ - الثَّانِي: من رِوَايَة أبي سُفْيَان عَن جَابر عَن أم مُبشر أدرجه مُسلم على مَا قبله وَقَالَ: بِنَحْوِ حَدِيث عَطاء وَأبي الزبير وَعَمْرو بن دِينَار، وَهَذَا حَدِيث عَطاء:
قَالَت:
قَالَ رَسُول الله ﷺ : " مَا من مُسلم يغْرس غرساً إِلَّا كَانَ مَا أكل مِنْهُ لَهُ صدقةٌ، وَمَا سرق مِنْهُ لَهُ صدقةٌ، وَمَا أكل السَّبع لَهُ صدقةٌ، وَمَا أكلت الطير فَهُوَ لَهُ صدقةٌ، وَلَا يرزؤه أحدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَة ".
وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَن ابْن الزبير عَن جَابر:
أَن النَّبِي ﷺ دخل على أم معبد أَو أم مُبشر الْأَنْصَارِيَّة فِي نخلٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " من غرس هَذَا النّخل؟ أمسلمٌ أم كَافِر؟ " فَقَالَت: مُسلم. فَقَالَ: " لَا يغْرس مسلمٌ غرساً، وَلَا يزرع زرعا فيأكل مِنْهُ إنسانٌ وَلَا دابةٌ وَلَا شيءٌ إِلَّا كَانَت لَهُ صَدَقَة ".
جعله فِي مُسْند جَابر، وَهُوَ مَذْكُور هُنَالك مَعَ سَائِر الرِّوَايَات فِي ذَلِك.
стр. 2039
(٢٤٥) أم هِشَام بنت حَارِثَة بن النُّعْمَان [﵂]
وَهِي أُخْت عمْرَة بنت حَارِثَة.
حَدِيث وَاحِد:
٣٥٦٩ - من رِوَايَة عمْرَة أُخْتهَا عَنْهَا قَالَت: أخذت: ﴿ق وَالْقُرْآن الْمجِيد﴾ من فِي رَسُول الله ﷺ يقْرَأ بهَا على الْمِنْبَر فِي كل جُمُعَة.
وَفِي رِوَايَة يحيى بن أَيُّوب عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن أُخْت لعمرة، قَالَت:
وَكَانَت أكبر مِنْهَا. وَفِي رِوَايَة عبد الله بن مُحَمَّد بن معن عَن ابْنه حَارِثَة بن النُّعْمَان نَحوه، وَزَاد: قَالَت: وَكَانَ تنورنا وتنور رَسُول الله ﷺ وَاحِدًا.
وَفِي رِوَايَة يحيى بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة عَن أم هِشَام بنت حَارِثَة بن النُّعْمَان قَالَت:
لقد كَانَ تنورنا وتنور رَسُول الله ﷺ وَاحِدًا سنتَيْن، أَو سنة وَبَعض سنة، مَا أخذت ﴿ق وَالْقُرْآن الْمجِيد﴾ إِلَّا عَن لِسَان رَسُول الله ﷺ ، يَقْرَأها كل جُمُعَة على الْمِنْبَر إِذا خطب النَّاس.
وَقع فِي بعض أَسَانِيد هَذَا الحَدِيث عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن، وَذَلِكَ وهم. وَلم يذكر أَبُو مَسْعُود، وَلَا أَبُو بكر البرقاني فِي كِتَابَيْهِمَا فِي شَيْء من أَسَانِيد هَذَا الحَدِيث عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن. وَقد أخبرنَا غير وَاحِد من مَشَايِخنَا عَن أبي بكر البرقاني أَنه أنكر هَذَا، وَقَالَ: من زعم أَن أم هِشَام هِيَ أُخْت عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن الراوية الَّتِي كَانَت زَوْجَة هِشَام بن عُرْوَة، فقد وهم وهما بَعيدا.
стр. 2040
(٢٤٦) أم الْحصين الأحمسية [﵂]
حديثان.
٣٥٧٠ - فرق مُسلم أَحدهمَا فِي موضِعين - وَهَذَا الأول - من رِوَايَة يحيى بن حُصَيْن عَن جدته أم الْحصين قَالَ: سَمعتهَا تَقول: حججْت مَعَ رَسُول الله ﷺ حجَّة الْوَدَاع، فرأيته حِين رمى جَمْرَة الْعقبَة وَانْصَرف وَهُوَ على رَاحِلَته وَمَعَهُ بِلَال وَأُسَامَة، أَحدهمَا يَقُود بِهِ رَاحِلَته، وَالْآخر رافعٌ ثَوْبه على رَأس رَسُول الله ﷺ يظله من الشَّمْس. قَالَت: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ قولا كثيرا، ثمَّ سمعته يَقُول: " إِن أَمر عَلَيْكُم عبدٌ مجدعٌ - حسبتها قَالَت: أسود، يقودكم بِكِتَاب الله فَاسْمَعُوا وَأَطيعُوا ".
وَفِي حَدِيث وَكِيع بن الْجراح عَن شُعْبَة نَحوه فِي " الْإِمَارَة " فَقَط، وَقَالَ: " عبدا حَبَشِيًّا مجدعاً ". وَلم يذكر بهزٌ عَن شُعْبَة " حَبَشِيًّا مجدعاً " وَقَالَ: إِنَّهَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ بمنى أَو بِعَرَفَات.
٣٥٧١ - الثَّانِي: من رِوَايَة يحيي بن الْحصين أَيْضا عَن جدته: أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع دَعَا للمحلقين ثَلَاثًا، وللمقصرين مرّة وَاحِدَة.
стр. 2041
(٢٤٧) حَدِيث صَفِيَّة بنت أبي عبيد [﵂] عَن بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ
٣٥٧٢ - " من أَتَى عرافاً فَصدقهُ لم تقبل لَهُ صلاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا " مَذْكُور فِي مُسْند حَفْصَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ لِأَن بَعضهم ذكر أَنَّهَا حَفْصَة.
٣٥٧٣ - من حَدِيث صَفِيَّة بنت أبي عبيد أَيْضا عَن بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ : " لَا يحل لامْرَأَة تحد على ميتٍ فَوق ثَلَاث " مَذْكُور فِي مُسْند حَفْصَة أَيْضا، للِاخْتِلَاف الْمَذْكُور هُنَالك فِيهَا.
стр. 2042
(٢٤٨) حَدِيث لأم الدَّرْدَاء [﵂]
٣٥٧٤ - من رِوَايَة صَفْوَان بن عبد الرَّحْمَن بن صَفْوَان قَالَ: قدمت الشَّام، فَأتيت أَبَا الدَّرْدَاء فِي منزله فَلم أَجِدهُ، وَوجدت أم الدَّرْدَاء، فَقَالَت: أَتُرِيدُ الْحَج الْعَام؟ فَقلت: نعم. قَالَت: فَادع لنا بِخَير، فَإِن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول: " دَعْوَة الْمَرْء الْمُسلم لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب مستجابةٌ، عِنْد رَأسه ملكٌ موكلٌ، كلما دَعَا لِأَخِيهِ بخيرٍ قَالَ الْملك الْمُوكل بِهِ: آمين، وَلَك بِمثل ".
قَالَ:
فَخرجت إِلَى السُّوق فَلَقِيت أَبَا الدَّرْدَاء، فَقَالَ لي مثل ذَلِك، يرويهِ عَن النَّبِي ﷺ .
ذكره خلف الوَاسِطِيّ فِي كِتَابه، وَجعله فِي مُسْند أم الدَّرْدَاء.
وَقد أخرجه مُسلم كَمَا ذكر من حَدِيث صَفْوَان فِي كتاب " الدُّعَاء " وَلَكِن فِي الحَدِيث نَفسه أَن أَبَا الدَّرْدَاء أخبرهُ بذلك عَن النَّبِي ﷺ .
وَأخرج مُسلم مُتَّصِلا بِهِ ليدل على أَن الحَدِيث من رِوَايَتهَا عَنهُ من حَدِيث طَلْحَة ابْن عبد الله بن كريز قَالَ:
حَدَّثتنِي أم الدَّرْدَاء قَالَت: حَدثنِي سَيِّدي - تَعْنِي أَبَا الدَّرْدَاء أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: " من دَعَا لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب قَالَ الْملك الْمُوكل بِهِ: وَلَك بِمثل ".
قَالَ الإِمَام أَبُو بكر البرقاني:
وَهَذِه أم الدَّرْدَاء الصُّغْرَى الَّتِي رَوَت هَذَا الحَدِيث، وَلَيْسَ لَهَا صحبةٌ وَلَا سماعٌ من النَّبِي ﷺ ، وَإِنَّمَا هُوَ من مُسْند أبي الدَّرْدَاء. وَأما أم الدَّرْدَاء الْكُبْرَى فلهَا صُحْبَة، وَلَيْسَ لَهَا فِي الْكِتَابَيْنِ حديثٌ، وَالله أعلم.
أخر الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ
стр. 2043
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو عبد الله. مُحَمَّد بن أبي نصر بن عبد الله الْحميدِي:
هَذَا آخر مَا قصدنا إِلَيْهِ من الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ، وتمييز مَا اتفقَا عَلَيْهِ من الْمُتُون المخرجة فيهمَا، وَمَا انْفَرد بِهِ أَحدهمَا مِنْهَا، مستقصى على مَا شرطناه، مُرَتبا على مَا بدأنا بِهِ وبيناه، مَعَ الِاخْتِصَار الْمعِين على سرعَة الْحِفْظ والتذكار. وَلم يبْق للباحث الْمُجْتَهد إِلَّا النّظر فِيهَا، والتفقه فِي مَعَانِيهَا، ومراعاة حفظهَا، وَإِقَامَة الْحجَّة بهَا. وَإِلَى هَذَا قصد المتقدمون من أَئِمَّة الدّين فِي حفظ إسنادها للمتأخرين، لتَكون حاكمة بَين الْمُخْتَلِفين، وشواهد صدقٍ للمتناظرين، ﵃ أَجْمَعِينَ، ووفق البَاقِينَ من التَّابِعين لَهُم بإحسانٍ إِلَى يَوْم الدّين.
فَأَما إسنادنا فِي هذَيْن الْكِتَابَيْنِ:
فقد روينَا كتاب الإِمَام أبي عبد الله البُخَارِيّ بالمغرب عَن غير وَاحِد من شُيُوخنَا بأسانيد مُخْتَلفَة تتصل بِأبي عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر الْفربرِي، عَن البُخَارِيّ. ثمَّ قرأته بِمَكَّة على الْمَرْأَة الصَّالِحَة كَرِيمَة بنت أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَاتِم الْمروزِي غير مرّة، لعلو إسنادها مِنْهُ. كأنا قرأناه عَليّ أبي عبد الله أَحْمد الْهَرَوِيّ، عَن أبي الْهَيْثَم مُحَمَّد بن الْمَكِّيّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن زراع الْكشميهني، عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر بن صَالح بن بشر بن
стр. 2044
إِبْرَاهِيم الْفربرِي، عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ، رَحْمَة الله عَلَيْهِ.
وَأما كتاب الإِمَام أبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج النَّيْسَابُورِي فسمعناه بالفسطاط قِرَاءَة على الشَّيْخ الصَّالح أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْفرج بن عبد الْوَلِيّ الْأنْصَارِيّ وَهِي رِوَايَته عَن أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن الْحسن الْحَافِظ الرَّازِيّ، سَمعه مِنْهُ بِمَكَّة سنة سِتّ وَأَرْبَعمِائَة. قَالَ: حَدثنَا أَبُو أَحْمد مُحَمَّد بن عِيسَى بن عمرويه بن مَنْصُور الجلودي، قَالَ: أخبرنَا الْفَقِيه أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ابْن سُفْيَان النَّيْسَابُورِي، قَالَ: سمعته من الإِمَام أبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج النَّيْسَابُورِي ﵁.
على أننا لم نغفل النّظر فِي كتاب كَرِيمَة، لروايتنا ذَلِك عَنْهَا، وَلَا فِي كتاب أبي ذَر الْهَرَوِيّ لسماعنا ذَلِك عَنهُ من أبي مَرْوَان عبد الْملك بن سُلَيْمَان الْخَولَانِيّ، وَأبي الْقَاسِم أصبغ بن رَاشد بن أصبغ اللَّخْمِيّ مِنْهُ، وَفِيمَا أخبرونا بِهِ عَن البرقاني، وَفِي نُسْخَة مُسلم المقروءة على شَيخنَا أبي عبد الله بن الْفرج الْأنْصَارِيّ، وأمعنا النّظر فِي كل نُسْخَة وجدناها من النّسخ فِي ذَلِك كُله، وأثبتنا مِنْهَا مَا رَأينَا أَنه ينْتَفع بِهِ النَّاظر فِيهِ، وَلَا توفيق إِلَّا بِاللَّه .
стр. 2045
فصل
وَقد استشرف بعض الطالبين إِلَى معرفَة الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للِاخْتِلَاف بَين الْأَئِمَّة الماضين ﵃ أَجْمَعِينَ، مَعَ إِجْمَاعهم على الأَصْل الْمُتَّفق عَلَيْهِ المستبين، حَتَّى احْتِيجَ إِلَى تكلّف التَّصْحِيح فِي طلب الصَّحِيح، وَقربت على هَذَا الطَّالِب معرفَة الْعذر فِي اخْتِلَاف الْمُتَأَخِّرين لبعدهم عَن الْمُشَاهدَة، وَإِنَّمَا تعذر عَلَيْهِ معرفَة الْوَجْه فِي اخْتِلَاف الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم مَعَ مشاهدتهم نزُول التَّنْزِيل، وَأَحْكَام الرَّسُول ﷺ ، وحرصهم على الْحُضُور لَدَيْهِ، والكون بَين يَدَيْهِ، وَالْأَخْذ عَنهُ، والاقتباس مِنْهُ، وَهَذَا الَّذِي وَقع لهَذَا الطَّالِب الباحث قد وَقع لبَعض من قبله الْخَوْض فِيهِ، والبحث عَنهُ.
وَخرج فِي هَذَا الْمَعْنى بعض الْأَئِمَّة من عُلَمَاء الْأَمْصَار فصلا رَأينَا إثْبَاته هَا هُنَا لإِزَالَة هَذِه الشُّبْهَة عَن هَذَا الطَّالِب الباحث وَعَن غَيره مِمَّن يخفى ذَلِك عَنهُ، ويتطلع إِلَى معرفَة الْوَجْه فِيهِ. وَبِهَذَا الْفَصْل يتَصَوَّر للْكُلّ صُورَة وُقُوع ذَلِك مِنْهُم، وَكَيْفِيَّة اتفاقه لَهُم، حَتَّى كَأَنَّهُ شَاهده مَعَهم. وَهَذَا أول الْفَصْل الْمخْرج فِي ذَلِك، أوردناه بِلَفْظ مُصَنفه رَحْمَة الله عَلَيْهِ:
قَالَ لنا الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن سعيد اليزيدي الْفَارِسِي ﵁ فِي بَيَان أصل الِاخْتِلَاف الشَّرْعِيّ وأسبابه.
تطلعت النَّفس بعد تيقنها أَن الأَصْل الْمُتَّفق عَلَيْهِ المرجوع إِلَيْهِ، أصلٌ وَاحِد لَا يخْتَلف، وَهُوَ مَا جَاءَ عَن صَاحب الشَّرْع ﷺ ، إِمَّا فِي الْقُرْآن، وَإِمَّا من فعله أَو قَوْله الَّذِي لَا ينْطق عَن الْهوى فِيهِ، لما رَأَتْ وشاهدت من اخْتِلَاف عُلَمَاء الْأمة فِيمَا سَبيله وَاحِدَة، وَأَصله غير مُخْتَلف، فبحثت عَن السَّبَب الْمُوجب للِاخْتِلَاف، ولترك من ترك كثيرا مِمَّا صَحَّ من السّنة، فوضح لَهَا بعد التفتيش والبحث أَن كل
стр. 2046
وَاحِد من الْعلمَاء بشرٌ يسنى كَمَا ينسى الْبشر. وَقد يحفظ الرجل الحَدِيث وَلَا يحضرهُ ذكره حَتَّى يُفْتِي بِخِلَافِهِ، وَقد يعرض هَذَا فِي آي الْقُرْآن، أَلا ترى أَن عمر ﵁ أَمر على الْمِنْبَر أَلا يُزَاد فِي مُهُور النِّسَاء على عدد ذكره، ميلًا إِلَى أَن النَّبِي ﷺ لم يزدْ على ذَلِك الْعدَد فِي مُهُور نِسَائِهِ، حَتَّى ذكرته امرأةٌ من جَانب الْمَسْجِد بقول الله تَعَالَى ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النِّسَاء] فَترك قَوْله وَقَالَ: كل أحدٍ أعلم مِنْك حَتَّى النِّسَاء. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: امرأةٌ أَصَابَت وَرجل أَخطَأ. علما مِنْهُ ﵁ بِأَن النَّبِي ﷺ وَإِن كَانَ لم يزدْ فِي مُهُور النِّسَاء على عددٍ مَا، فَإِنَّهُ لم يمْنَع مَا سواهُ، وَالْآيَة أَعم.
وَكَذَلِكَ أَمر ﵁ برجم امرأةٍ ولدت لسِتَّة أشهر، فَذكره عليٌّ ﵁ قَول الله تَعَالَى ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ [الْأَحْقَاف] مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين﴾ [الْبَقَرَة] فَرجع عَن الْأَمر برجمها.
وهم أَن يَسْطُو بعيينة بن حصن إِذْ جَفا عَلَيْهِ، حتي ذكره الْحر بن قيس بقول الله ﴿وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ [الْأَعْرَاف] فَأمْسك عمر.
وَقَالَ ﵁ يَوْم مَاتَ رَسُول الله ﷺ :
مَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ وَلَا يَمُوت حَتَّى يكون آخِرنَا، حَتَّى قُرِئت عَلَيْهِ ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ [الزمر] فَرجع عَن ذَلِك. وَقد كَانَ علم الْآيَة، وَلكنه نَسِيَهَا لعَظيم الْخطب الْوَارِد عَلَيْهِ فَهَذَا وجهٌ عمدته الْخلاف لِلْآيَةِ أَو للسّنة بنسيان لَا بِقصد. وَقد يذكر الْعَالم الْآيَة أَو السّنة، لَكِن يتَأَوَّل فِيهَا تَأْوِيلا من خُصُوص أَو نسخ أَو معنى مَا، وَإِن كَانَ ذَلِك يحْتَاج إِلَى دَلِيل.
وَلَا شكّ أَن الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ حوله ﵇ مُجْتَمعين، وَكَانُوا ذَوي معايش يطلبونها، وَفِي ضنكٍ من الْقُوت، وَمن متحرفٍ فِي الْأَسْوَاق، وَمن قَائِم على نخله، ويحضره ﵇ فِي كل وقتٍ مِنْهُم طَائِفَة إِذا وجدوا أدنى فراغٍ مِمَّا هم بسبيله. وَقد نَص على ذَلِك أَبُو هُرَيْرَة ﵁ فَقَالَ: إِن إخْوَانِي من الْمُهَاجِرين كَانَ يشغلهم الصفق بالأسواق، وَإِن
стр. 2047
إخْوَانِي من الْأَنْصَار كَانَ يشغلهم الْقيام على نَخْلهمْ، وَكنت أمرا مِسْكينا أصحب رَسُول الله ﷺ على ملْء بَطْني. وَقد قَالَ عمر ﵁: ألهاني الصفق بالأسواق فِي حَدِيث اسْتِئْذَان أبي مُوسَى.
فَكَانَ النَّبِي ﷺ يسْأَل عَن الْمَسْأَلَة، وَيحكم بالحكم، وَيَأْمُر بالشَّيْء، وَيفْعل الشَّيْء، فيحفظه من حَضَره، ويغيب عَمَّن غَابَ عَنهُ.
فَلَمَّا مَاتَ ﵇ وَولي أَبُو بكر ﵁ كَانَ إِذا جَاءَت الْقَضِيَّة لَيْسَ عِنْده فِيهَا نصٌّ سَأَلَ من بِحَضْرَتِهِ من الصَّحَابَة فِيهَا، فَإِن وجد عِنْدهم نصا رَجَعَ إِلَيْهِ، وَإِلَّا اجْتهد فِي الحكم فِيهَا. وَوجه اجْتِهَاده غَيره مِنْهُم رضوَان الله عَلَيْهِم رجوعٌ وَإِلَى نصٍّ عَام، أَو إِلَى أصل إِبَاحَة مُتَقَدّمَة، أَو إِلَى نوع من هَذَا يرجع إِلَى أصل. وَلَا يجوز أَن يظنّ أحدٌ أَن اجْتِهَاد أحدٍ مِنْهُم هُوَ أَن يشرع شَرِيعَة باجتهادٍ مَا، أَو يخترع حكما لَا أصل لَهُ - حاشاً لَهُم من ذَلِك.
فَلَمَّا ولي عمر ﵁ فتحت الْأَمْصَار، وتفرق الصَّحَابَة فِي الأقطار، فَكَانَت الْحُكُومَة تنزل بِمَكَّة أَو بغَيْرهَا من الْبِلَاد، فَإِن كَانَ عِنْد الصَّحَابَة الْحَاضِرين لَهَا نصٌّ حكم بِهِ، وَإِلَّا اجتهدوا فِي ذَلِك. وَقد يكون فِي تِلْكَ الْقَضِيَّة نصٌّ مَوْجُود عَن صَاحب آخر فِي بلد آخر، وَقد حضر الْمدنِي مَا لم يحضر الْمصْرِيّ، وَحضر الْمصْرِيّ مَا لم يحضر الشَّامي وَحضر الشَّامي مَا لم يحضر الْبَصْرِيّ، وَحضر الْبَصْرِيّ مَا لم يحضر الْكُوفِي، وَحضر الْكُوفِي مَا لم يحضر الْمدنِي. كل هَذَا مَوْجُود فِي الْآثَار، وتقتضيه الْحَالة الَّتِي ذكرنَا من مغيب بَعضهم عَن مَجْلِسه ﷺ فِي بعض الْأَوْقَات وَحُضُور غَيره، ثمَّ مغيب الَّذِي حضر وَحُضُور الَّذِي غَابَ، فيدري كل وَاحِد مِنْهُم مَا حَضَره، ويفوته مَا غَابَ عَنهُ. هَذَا أمرٌ مشَاهد.
стр. 2048
وَقد كَانَ علم التَّيَمُّم عِنْد عمارٍ وَغَيره، وَغَابَ عَن عمر وَابْن مَسْعُود حَتَّى قَالَا:
لَا يتَيَمَّم الْجنب وَلَو لم يجد المَاء شَهْرَيْن. وَكَانَ حكم الْمسْح على الْخُفَّيْنِ عِنْد عَليّ وَحُذَيْفَة وَلم تعلمه عَائِشَة وَلَا ابْن عمر وَلَا أَبُو هُرَيْرَة، على أَنهم مدنيون. وَكَانَ تَوْرِيث بنت الابْن مَعَ الْبِنْت عِنْد ابْن مَسْعُود وَغَابَ عَن أبي مُوسَى. وَكَانَ حكم الاسْتِئْذَان عِنْد أبي مُوسَى وَأبي سعيد وَأبي، وَغَابَ عَن عمر. وَكَانَ حكم الْإِذْن للحائض فِي أَن تنفر قبل أَن تَطوف عِنْد ابْن عَبَّاس وَأم سليم وَلم يُعلمهُ عمر وَزيد ابْن ثَابت. وَكَانَ حكم تَحْرِيم الْمُتْعَة والحمر الْأَهْلِيَّة عِنْد عليٍّ وَغَيره وَلم يُعلمهُ ابْن عَبَّاس. وَكَانَ حكم الصّرْف عِنْد عمر وَأبي سعيد وَغَيرهمَا، وَغَابَ ذَلِك عَن طَلْحَة وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر. وَكَذَلِكَ حكم إجلاء أهل الذِّمَّة من بِلَاد الْعَرَب، كَانَ عِنْد ابْن عَبَّاس وَعمر، فنسيه عمر سِنِين، فتركهم حَتَّى ذكر بذلك فَذكره، فأجلاهم.
وَمثل هَذَا كثير.
فَمضى الصَّحَابَة على هَذَا، ثمَّ خلف بعدهمْ التابعون الآخذون عَنْهُم، وكل طبقَة من التَّابِعين فِي الْبِلَاد الَّتِي ذكرنَا فَإِنَّمَا تفقهوا مَعَ من كَانَ عِنْدهم من الصَّحَابَة، فَكَانُوا لَا يتعدون فتاويهم، لَا تقليداً لَهُم، وَلَكِن لأَنهم أخذُوا وَرووا عَنْهُم الْيَسِير مِمَّا بَلغهُمْ عَن غير من كَانَ فِي بِلَادهمْ من الصَّحَابَة ﵃، كاتباع أهل الْمَدِينَة - فِي الْأَكْثَر - فَتَاوَى ابْن عمر، وَاتِّبَاع أهل مَكَّة - فِي الْأَكْثَر - فَتَاوَى ابْن عَبَّاس، وَاتِّبَاع أهل الْكُوفَة - فِي الْأَكْثَر - فَتَاوَى ابْن مَسْعُود.
ثمَّ أَتَى من بعد التَّابِعين فُقَهَاء الْأَمْصَار، كَأبي حنيفَة وسُفْيَان وَابْن أبي ليلى بِالْكُوفَةِ، وَابْن جريج بِمَكَّة، وَمَالك وَابْن الْمَاجشون بِالْمَدِينَةِ، وَعُثْمَان البتي وسوار بِالْبَصْرَةِ وَالْأَوْزَاعِيّ بِالشَّام، وَاللَّيْث بِمصْر، فجروا على تِلْكَ الطَّرِيقَة من أَخذ كل واحدٍ مِنْهُم عَن التَّابِعين من أهل بَلَده وتابعيهم عَن الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم.
وَرُبمَا كَانَ عِنْدهم وَفِي اجتهادهم فِيمَا لَيْسَ عِنْدهم وَهُوَ مَوْجُود عِنْد غَيرهم، وَلَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا، وكل من ذكرنَا مأجورٌ على مَا أصَاب فِيهِ أَجْرَيْنِ،
стр. 2049
ومأجورٌ فِيمَا خَفِي عَنهُ وَلم يبلغهُ أجرا وَاحِدًا. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لأنذركم بِهِ وَمن بلغ﴾ [الْأَنْعَام] .
وَقد يبلغ الرجل مِمَّن ذكرنَا نصان ظاهرهما التَّعَارُض، فيميل إِلَى أَحدهمَا بضربٍ من الترجيحات، ويميل غَيره إِلَى النَّص الَّذِي ترك الآخر بِضَرْب من الترجيحات أَيْضا، كَمَا رُوِيَ عَن عُثْمَان فِي الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ: أَحَلَّتْهُمَا آيةٌ وحرمتهما آيةٌ.
وكما مَال ابْن عمر إِلَى تَحْرِيم نسَاء أهل الْكتاب جملَة بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ [الْبَقَرَة] وَقَالَ: لَا أعلم شركا أَكثر من قَول الْمَرْأَة: إِن عِيسَى رَبهَا، وَغلب ذَلِك على الْإِبَاحَة المنصوصة فِي الْآيَة الْأُخْرَى. وَمثل هَذَا كثير.
فعلى هَذِه الْوُجُوه ترك بعض الْعلمَاء مَا تركُوا من الحَدِيث وَمن الْآيَات، وعَلى هَذِه الْوُجُوه خالفهم نظراؤهم، فَأخذ هَؤُلَاءِ مَا ترك أُولَئِكَ. وَأخذ أُولَئِكَ مَا ترك هَؤُلَاءِ، لَا قصدا إِلَى خلاف النُّصُوص، وَلَا تركا لطاعتها، وَلَكِن لأحد الْأَعْذَار الَّتِي ذَكرنَاهَا، إِمَّا من نِسْيَان وَإِمَّا أَنَّهَا لم تبلغهم، وَإِمَّا لتأويل مَا، وَإِمَّا لأخذ بِخَبَر ضَعِيف لم يعلم الْآخِذ بِهِ ضعف رُوَاته وَعلمه غَيره، فَأخذ بِخَبَر آخر أصح مِنْهُ، أَو بِظَاهِر آيَة. وَقد يتَنَبَّه بَعضهم فِي النُّصُوص الْوَارِدَة إِلَى معنى، ويلوح لَهُ مِنْهُ حكم بدليلٍ مَا، ويغيب عَن غَيره.
ثمَّ كثرت الرحل إِلَى الْآفَاق، وتداخل النَّاس، وانتدب أَقوام لجمع حَدِيث النَّبِي ﷺ وضمه وتقييده، وَوصل من الْبِلَاد الْبَعِيدَة إِلَى من لم يكن عِنْده، وَقَامَت الْحجَّة على من بلغه شيءٌ مِنْهُ، وجمعت الْأَحَادِيث المبينة لصِحَّة أحد التأويلات المتأولة فِي الحَدِيث. وَعرف الصَّحِيح من السقيم، وزلف الِاجْتِهَاد الْمُؤَدِّي إِلَى خلاف كَلَام رَسُول الله ﷺ ، وَإِلَى ترك عمله، وَسقط الْعذر عَمَّن خَالف مَا بلغه من السّنَن ببلوغها إِلَيْهِ، وَقيام الْحجَّة بهَا عَلَيْهِ، فَلم يبْق إِلَّا العناد والتقليد.
وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة كَانَ الصَّحَابَة ﵃ وكثيرٌ من التَّابِعين يرحلون فِي طلب الحَدِيث الْأَيَّام الْكَثِيرَة، طلبا للسنن، والتزاماً لَهَا، وَقد رَحل أَبُو أَيُّوب من الْمَدِينَة إِلَى مصر فِي حَدِيث وَاحِد إِلَى عقبَة بن عَامر، ورحل عَلْقَمَة وَالْأسود إِلَى
стр. 2050
عَائِشَة وَعمر، ورحل عَلْقَمَة إِلَى أبي الدَّرْدَاء بِالشَّام، وَكتب مُعَاوِيَة إِلَى الْمُغيرَة: أكتب إِلَيّ بِمَا سمعته من رَسُول الله ﷺ ، وَمثل هَذَا كثير.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد: فقد بَينا - وَالْحَمْد لله - وَجه ترك بعض الحَدِيث، وَالسَّبَب الْمُوجب للِاخْتِلَاف، وشفينا النَّفس مِمَّا اعْترض فِيهَا، ورفعنا الْإِشْكَال عَنْهَا، وَالله الْمعِين على الْبَحْث، وَالْهَادِي والمرشد بمنه.
وَبِهَذَا الْبَيَان الَّذِي كشف بِهِ هَذَا الإِمَام فِي هَذَا الْفَصْل صُورَة الْحَال فِي أَسبَاب الِاخْتِلَاف الْوَاقِع بَين الصَّحَابَة فَمن دونهم، صَحَّ للأئمة الْمُتَقَدِّمين ﵃ أَجْمَعِينَ - وجوب طلب التَّصْحِيح للنصوص الْوَارِدَة فِي شرائع الدّين، لتقوم الْحجَّة مِمَّا يَصح مِنْهَا على الْمُخْتَلِفين. وَقد قَامَ الْكل مِنْهُم فِي ذَلِك بِمَا قدر عَلَيْهِ، وانتهت استطاعته إِلَيْهِ، إِلَى أَن انْفَرد بالمزيد فِي الِاجْتِهَاد والرحلة إِلَى الْبِلَاد فِي جمع هَذَا النَّوْع من الْإِسْنَاد، بعد التتبع والانتقاد، الإمامان أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ، وَأَبُو الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج النَّيْسَابُورِي ﵄، فحازا قصب السَّبق فِيهِ فِي وقتهما. ولفرط عنايتهما بِهِ، وبلوغها غَايَة السَّعْي والتشمير فِيهِ، قويت هممها فِي الْإِقْدَام على تَسْمِيَة كِتَابَيْهِمَا بِالصَّحِيحِ. وَعلم الله صدق نيتهما فِيهِ، ومشقة قيامهما بِهِ، وَحسن انتقادهما لَهُ، فَبَارك لَهما فِيهِ، ورزقهما الْقبُول شرقاً وغرباً، وَصرف الْقُلُوب إِلَى التعويل عَلَيْهِمَا، والتفضيل لَهما، والاقتداء فِي شُرُوط الصَّحِيح بهما. وَتلك عَادَة الله فِيمَن أحب: أَن يضع لَهُ الْقبُول فِي الأَرْض، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر الصَّادِق عَن الْمَبْعُوث بِالْحَقِّ ﷺ ، فهنيئاً لَهما، وَلمن اهْتَدَى فِي ذَلِك بهداهما.
وَالْوَاجِب علينا وعَلى جَمِيع من فهم الْإِسْلَام، وَعرف قدر مَا حفظا من الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام، أَن يخلص الدُّعَاء لَهما ولسائر الْأَئِمَّة الناقلين إِلَيْهِمَا وإلينا قَوَاعِد هَذَا الدّين، وشواهد أَحْكَام الْمُسلمين.
стр. 2051
وَنحن نبتهل إِلَى الله تَعَالَى فِي تَعْجِيل الغفران لَهما وَلَهُم، وتجديد الرَّحْمَة والرضوان عَلَيْهِمَا، وَأَن يبوئ الْكل مِنْهُم فِي أَعلَى دَرَجَات الكرامات، من غرفات الجنات، وَأَن يوفقنا أَجْمَعِينَ للاقتداء بهم، والسلوك فِي سبيلهم من الدُّعَاء إِلَيْهِ وَإِلَى رَسُوله، والانقياد لمحكمات تَنْزِيله، والتفقه فِي دينه، وَالْإِخْلَاص فِي عِبَادَته، والانقطاع إِلَيْهِ، وَصدق التَّوَكُّل عَلَيْهِ، حَتَّى يتوفانا مُسلمين مُسلمين، غير مبدلين وَلَا مغيرين، وان يغْفر لنا ولآبائنا أَجْمَعِينَ، وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين.
وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
وَصلى الله على رَسُوله مُحَمَّد النَّبِي وَآله الأكرمين، وَسلم.