قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢/ ٣٨٩): وحملنا على قبول رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وإن كان لم يلقه لأنها في الحقيقة عنه عن مجاهد وعكرمة عن ابن عباس.
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ١١٠): "وعلي يقال لم يسمع من ابن عباس لكنه إنما أخذ التفسير عن ثقات أصحابه مجاهد وغيره وقد اعتمده البخاري وأبو حاتم وغيرهما في التفسير". وقال في الأمالي المطلقة (١/ ٦٢): " قالوا لم يسمع علي بن أبي طلحة من ابن عباس وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وسعيد بن جبير عنه. قلت بعد أن عرفت الواسطة وهي معروفة بالثقة حصل الوثوق به".اهـ.
فهذه شهادة باتصال تفسيره إلى ابن عباس.
أما قول الشيخ الألباني أن علي بن أبي طلحة " قد تكلم فيه" فهذه إشارة إلى أنه ليس بالضعيف الذي يرد حديثه؛ فقد روى عنه الثقات وخرج له مسلم، ووثقه العجلي وذكره ابن حبان في ثقاته، وعدّه الدارقطني في كتابه (ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عن الثقات عند البخاري ومسلم). وقال الحافظ ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٥٤١): علي بن أبي طلحة ثقة. وقال الحافظ ابن حجر في الأمالي المطلقة (١/ ٦٢): وقد اعتمد البخاري في أكثر ما يجزم به معلقا عن ابن عباس في التفسير على نسخة معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة هذا.
стр. 177
قال السيوطي في الإتقان (٢/ ٣ - ٥): عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. اهـ
العلّة الثانية: وهي قوله عن عبد الله بن صالح "فيه ضعف" وهذه إشارة إلى أنه ليس بالضعيف الذي يرد حديثه، إذ أن حديثه لا ينزل عن رتبة الحسن:
- قال عمر الوادياشي الأندلسي في تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج (٢/ ٢٥٣) منكرا على ابن حزم تضعيفه له فقال: وقد روى عنه ابن معين والبخاري وقال أبو زرعة حسن الحديث.
- قال الحافظ ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٦٧٨): والحديث من أجله حسن (١)، والرجل من أهل الصدق، ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه، لكنه مختلف فيه.
قال النووي في التقريب (ص/ ٣٠): إذا كان راوي الحديث متأخراً عن درجة الحافظ الضابط، مشهوراً بالصدق والستر فروي حديثه من غير وجه قوي وارتفع من الحسن إلى الصحيح. اهـ
стр. 178
وحديث ابن عباس هذا له من الشواهد الصحيحة ما يتقوى بها، ولذلك فإن هذه الرواية تعد من الروايات الثابتة والمعتبرة عند المفسرين والمحدثين:
- قال الإمام جلال الدين السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٥): وأولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخذين عنه فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الثابتة الصحيحة. وها أنا أسوق هنا ما ورد من ذلك عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه.
- قال الحافظ ابن حجر في كتابه العجاب في بيان الأسباب (١/ ٢٠٣) بعد أن عدَّ الذين اعتنوا بجمع التفسير: والذين اشتهر عنهم القول في ذلك من التابعين أصحاب ابن عباس وفيهم ثقات وضعفاء؛ فمن الثقات:
١ - مجاهد بن جبر ... ٢ - عكرمة ... ٣ - ومن طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعلي صدوق لم يلق ابن عباس لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة. اهـ
- قال إدريس الصمدي في تحقيقه لأحكام النظر (ص/١٧٦): ورجال هذه الرواية كلهم ثقات ... وقد احتج برواية علي بن أبي طلحة هذه عن ابن عباس البخاري في "الجامع الصحيح" وجمال الدين القاسمي في تفسيره، والإمام
стр. 179
القرطبي في تفسيره، وكذلك ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، فكانت هذه الرواية قوية عندهم. اهـ
ثالثا: استشهد الشيخ الألباني بأثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشدُّ على جبينها) مع تصريحه بضعفه؛ على أنه يناقض أثر العين الواحدة لابن عباس، وأنكر على مخالفيه استشهادهم لتقوية أثر العين الواحدة بما صح عن قتادة أنه قال" أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب" (١)؛ لأنه يرى أنه يناقضه!! والصحيح أن أثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشد على جبينها) وأثر قتادة (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) كلها توافق أثر ابن عباس (يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة)؛ ولا تناقضه، فكلها تحمل معنى تغطية الوجه وإن اختلفت كيفية التغطية، ومما يشهد لصحة ذلك ما يأتي:
١) أن هذا ما حملها عليه أهل التفسير: كالقرطبي والشوكاني وغيرهما فقد حملوا قول ابن عباس وقتادة على تغطية الوجه برد طرف الجلباب وعطفه على الأنف بعد شدّه على الجبين ـ وهذا هوالتقنع ـ ولم يقل أحد منهم أن المراد أن تقنع الشعر وتشد الجلباب على الجبين دون تغطية للوجه!!
стр. 180
- قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣) والثعالبي في تفسيره (٣/ ٢٣٦): والجلباب هو الثوب الذي يستر جميع البدن، واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.
- قال العلامة محمد بن جزي الكلبي في التسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ١٤٤): والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل: هو الرداء، وصورة إدنائه عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقيل: أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها.
- قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط (٧/ ٢٤٠) والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٤): وقال ابن عباس وقتادة وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.
- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): قال ابن عباس وقتادة تلوى الجلباب فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكن تستر الصدر ومعظم الوجه وفي رواية أخرى عن الحبر رواها ابن جرير؛ تغطى وجهها من فوق رأسها بالجلباب وتبدي عينا واحدة.
стр. 181
- قال الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠): "ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة ".
- وقال الألوسي في تفسيره (روح المعاني) (٢٢/ ٨٩): وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن.
- وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٧٤) والعيني في عمدة القاري (٢١/ ٣٠٨) والعظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ٩٢) كلهم اتفقت عبارتهم في تعريف التقنع بقولهم: التقنع؛ هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.
وبذلك تبين أن أثر ابن عباس وأثر قتادة؛ توافق أثر العين الواحدة لابن عباس وتعد من الشواهد التي يتقوى بها.
رابعا: احتج الشيخ الألباني بإدراج الطبري لقول ابن عباس "وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" تحت قوله: "وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن" مستشهدا بذلك على أن الطبري يريد أن الفريق الآخر يرى أن الإدناء يكون بوضع الجلباب على الرأس وشده على الجبين دون تغطية الوجه!! وهذا تأويل مخالف لمراد الطبري من تقسيمه؛
стр. 182
قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا واحدة ... وقال آخرون بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن ذكر من قال ذلك ... عن
ابن عباس قال "كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها"حدثنا ابن حميد عن أبي صالح " يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة". (١) اهـ
ويتبين خطأ الشيخ الألباني في فهمه لمراد الطبري بالآتي:
١ - قول الطبري: (ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء) يدل على أنهم لم يختلفوا على ما ذكره قبل ذلك، وهو قوله: (قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن) أي أنهم متفقون على أن مراد الله من هذا الأمر هو أن تغطي نساء المؤمنين وجوههن بإدناء الجلابيب عليها، ولكن اختلفوا في صفة
стр. 183
الإدناء كيف تكون لتحقيق هذه التغطية، ولذلك نجد أن من نقل من أهل العلم عن الطبري تفسير هذه الآية لا يذكر هذا الخلاف:
كما في عون المعبود (١١/ ١٠٦): وقوله ﴿جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة كذا في الجلالين، وقال الطبري في جامع البيان الجلباب رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل يعني يرخينها عليهن ويغطين وجوههن وأبدانهن انتهى.
٢ - اسقط الشيخ الألباني من قول ابن عباس ما يبين الضابط في تقسيم الطبري وهو قوله (يغطين وجوههن "من فوق رؤوسهن بالجلابيب" ويبدين) فأسقط قوله (من فوق رؤوسهن بالجلابيب) ولذلك لم يتبين الضابط في تقسيم الطبري، وهو أن هناك فريقا قال إن تغطية الوجهتكون بسدل الجلباب على الوجه من فوق الرأس دون شدّ للجلباب حتى لا يظهر منها إلا عينا واحدة، واستشهد بقول ابن عباس وعبيدة، والفريق الآخر قال أن تغطية الوجه تكون من أسفل؛ بشد الجلباب على الجبين ثم رد طرفه من أسفل وعطفه على الأنف فيغطي بذلك الوجه عدا العينين وهو التقنع. واستشهد بقول ابن عباس " أن تقنع وتشد على جبينها" وبقول قتادة " يقنعن على الحواجب " وقول أبو صالح "يقنعن بالجلباب".
هذا مفاد تقسيم الطبري؛ وهو ما فهمه أهل التفسير من قول ابن عباس وقتادة؛ قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣) والمفسر النحوي أبو حيان في
стр. 184
البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): "واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه".
وهو الموافق لمعنى التقنع كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٧٤): التقنع؛ هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.
* وبذلك يتبين صحة الاحتجاج بأثر ابن عباس" أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن ويبدين عيناً واحدة" للأمور الآتية:
(١) أنه أصح إسنادا: كما أسلفنا عن السيوطي في الإتقان (٢/ ٣ - ٥) قال: عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. اهـ
وكما قال إدريس الصمدي في تحقيقه لأحكام النظر (ص/١٧٦): ورجال هذه الرواية كلهم ثقات ... وقد احتج برواية علي بن أبي طلحة هذه عن ابن عباس البخاري في "الجامع الصحيح" وجمال الدين القاسمي في تفسيره، والإمام القرطبي في تفسيره، وكذلك ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، فكانت هذه الرواية قوية عندهم. اهـ
стр. 185
كما أن ظاهر القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين تؤيدها، فهي ثابتة عمل بها الأئمة واحتجوا بها.
(٢) أنه الموافقة لفعل النبي ﷺ فإنه عندما اصطفى لنفسه صفية بنت حيي من سبي خيبر ( ... فلما ارتحل وطَّى لها خلفه ومدَّ الحجاب بينها وبين الناس وفي رواية (وجعل رداءه على ظهرها ووجهها) (١). وكما في حديث عائشة ﵂ قالت (رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد). (٢)(٣) أنه الأقرب لمعنى الإدناء لغة كما بيّناه في مناقشة البحث الأول؛ كما فسّرها بذلك أئمة التفسير ممن هم أئمة في اللغة العربية:
- قال إمام العربية أبو جعفر النحاس النحوي اللغوي المفسّر في كتابه إعراب القرآن (٣/ ٣٢٥): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين على وجوههن منه.
- وقال الإمام البارع العلامة أبو القاسم الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٢٧٤): "يدنين عليهن" يرخين عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك.
стр. 186
(٤) لكثرة شواهده:
١ - صح عن عبيدة السلماني لما سئل عن قوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فتقنع بردائه فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. (١)
٢ - صح عن ابن عباس في صفة تغطية المحرمة وجهها (تدني الجلباب على وجهها ولا تضرب به، قلت وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال: لاتعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه). (٢)
٣ - عن ابن عباس " كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها". (٣)
стр. 187
٤ - صح عن قتادة (أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) (١)
٥ - عن سعيد بن جبير (يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) (٢)(٥) جريان العمل به من نساء سلف هذه الأمة امتثالا لهذه الآية:
١ - عن أم سلمة ﵂ قالت (لما نزل ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها). (٣)
٢ - عن عائشة ﵂ قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله ﷺ كأنما على رؤوسهن الغربان) (٤) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن الاعتجار يعني تغطية الوجه.
стр. 188
٣ - عن عائشة ﵂ قالت (إن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي ﷺ ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد) (١) وسبق أن بينا في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه.
٤ - عن عائشة ﵂ أنها قالت في حادثة الإفك (فخمرت وجهي عنه بجلبابي). (٢) وصح عنها أنها قالت لما خرج رسول الله ﷺ ليلا ليستغفر لأهل البقيع) اختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره). (٣) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه.
٥ - عن عائشة ﵂ قالت (فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها) (٤) وقالت (تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها) (٥).
٦ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت (كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام). (٦)
стр. 189
٧ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت (خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فسمعت رجة الناس وهم يقولون آية ... فخرجت متلفعة بقطيفة للزبير حتى دخلت على عائشة) (١)
٨ - عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات) (٢).
٩ - وجاءت امرأة إلى سمرة بن جندب ﵁ فذكرت أن زوجها لا يصل إليها ... قال وجاءت المرأة متقنعة) (٣)
١٠ - عن زينب امرأة عبد الله قالت كانت عجوز تدخل علينا ... وكان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوت فدخل يوما فلما سمعت صوته احتجبت منه. (٤)(٦) احتجاج أهل العلم بهذه الرواية؛ فقهاء ومحدثين ومفسرين فكان ذلك إجماعا منهم على حجيتها ووجوب العمل بها.
وبذلك ثبتت صحة حديث ابن عباس، وتبين خطأ الشيخ الألباني في تضعيفه لأثر ابن عباس، فإن أقل ما يقال في إسناده لو خلا مما ذكرنا مما يقويه ويعضده إنه حسن؛ والحديث الحسن يعمل به ويحتج به؛
стр. 190
كما جاء في قواعد التحديث لمحمد جمال الدين القاسمي (١/ ١٠٦): بيان كون الحسن حجة في الأحكام: قال الأئمة: الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه في القوة، ولهذا أدرجه طائفة من نوع الصحيح ...
وقال السخاوى في الفتح: منهم من يدرج الحسن في الصحيح لاشتراكهما في الاحتجاج، بل نقل ابن تيمية إجماعهم إلا الترمذي خاصة عليه، قال الخطابي: على الحسن مدار أكثر الحديث، لأن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح، وعمل به عامة الفقهاء، وقبله أكثر العلماء. اهـ وقال السخاوي في فتح المغيث (١/ ٩٣): ونحوه قول البغوي: أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن. اهـ
فكيف وقد ثبت لحديث ابن عباس ما يقويه؛ من الشواهد، وجريان العمل عليه وقبول أهل العلم واحتجاجهم به مما يرتقي به من الحسن إلى الصحيح!
* وبعد أن تبين صحة الاحتجاج بقول ابن عباس في تفسير آية إدناء الجلابيب؛ فلنا أن نذكر بقول أهل العلم أن "تفسير الصحابي حجة بل هو في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ "
كما قال الحافظ ابن حجر في النكت (٢/ ٥٣١): والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي ﵁ إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع.
وبذلك ثبت أن تغطية المرأة الحرة لوجهها واجب وفرض بناء على تفسير الحبر (ابن عباس) لآية إدناء الجلابيب.
стр. 191
ــ:: تتمة البحث السابع (١):: ــ
قال الشيخ الألباني: الحديث الثاني: من الضعيف الذي استدلوا به: "سؤال ابن سيرين عبيدة السلماني عن آية (الإدناء)؟ فتقنَّع عبيدة بِملحفة وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطّى وجهه وأخرج عينه اليسرى". أخرجه السيوطي في "الدر". وبيان ضعفه من وجوه:
١ - أنه مقطوع موقوف فلا حجة فيه لأن عبيدة السلماني تابعي اتفاقاً فلو أنه رفع حديثاً إلى النبي ﷺ لكان مرسلاً لا حجة فيه فكيف إذا كان موقوفاً عليه كهذا؟!
٢ - أنهم اضطربوا في ضبط العين المكشوفة فيه فقيل: "اليسرى" وقيل: "اليمنى" وهو رواية الطبري وقيل: "إحدى عينيه" وهي رواية أخرى له. وإذا عرفت هذا فاعلم أن الاضطراب عند علماء الحديث علة في الرواية تسقطها عن مرتبة الاحتجاج بها حتى ولو كان شكلياً كهذا لأنه يدل على أن الراوي لم يضبطها ولم يحفظها.
٣ - مخالفته لتفسير ابن عباس للآية كما تقدم بيانه.
стр. 192
ــ:: مناقشة تتمة البحث السابع (١):: ــ
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال سألت عبيدة عن قوله ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... قال فقال بثوبه فغطى رأسه ووجهه وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه.
وفي رواية أخرى لابن جرير: فتقنع به فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. (١)
وهذا الأثر مما اعتمد عليه جل أهل التفسير في تفسير آية إدناء الجلابيب، ولكن الشيخ الألباني حكم عليه بالضعف ولم يكن محقا في ذلك لما يأتي:
أولا: قال إنه مقطوع موقوف، والموقوف هو ما أسند إلى صحابي، والمقطوع هو ما أسند إلى تابعي، فكيف يجتمعان في الحكم على أثر واحد! وقد احتج الشيخ الألباني بأثر قتادة المقطوع "أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب" قائلا: أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح إليه، ورمى هنا أثر عبيدة بالضعف وقد أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح إليه!!
بل إن إسناده من أصح الأسانيد، رجاله كلهم جبال في الثقة والضبط؛ ولا أظن أن هذا مما خفي على الشيخ فهو عند ابن جرير في الموضع الذي أخذ منه
стр. 193
الشيخ الألباني أثر قتادة وابن عباس ولكنه غفر الله له عزا هذا الأثر إلى السيوطي في الدر، ولم يعزه إلى ابن جرير الطبري!!
علاوة على أن قتادة من صغار التابعين لم يرَ إلا عددا من الصحابة فجُلّ رواياته عن التابعين. (١) أما عبيدة السلماني فهو من كبار التابعين وأعلامهم (٢)، ومخضرم ثقة ثبت، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين ولم يره، نزل المدينة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وعاصر الصحابة ولم يزل بها حتى مات؛ وبذلك فهو إنما يفسر ما كان سائداً في المجتمع الذي كان يمثله أجلة الصحابة ﵃ وأكابر الأمة الذين نزل بينهم القرآن وعليهم مدار هذا الدين.
قال عنه ابن عبد البر: هو من كبار أصحاب ابن مسعود الفقهاء. (٣) وقال الذهبي: عبيدة السلماني الكوفي الفقيه العلم، كاد أن يكون صحابياً، أسلم زمن الفتح باليمن وأخذ العلم عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وبرع في الفقه، وكان ثبتا في الحديث، وقال العجلي؛ عبيدة أحد أصحاب عبد الله بن مسعود الذين يقرؤون ويفتون الناس، وقال ابن سيرين: ما رأيت رجلاً أشد توقياً من عبيدة (٤).
стр. 194
وقد قال الإمام الذهبي في الموقظة في علم مصطلح الحديث (ص: ٣٩): فإن المرسل إذا صح إلى تابعي كبير، فهو حجة عند خلق من الفقهاء.
قال أبو العباس أحمد بن فرح الإشبيلي (ت ٦٢٤ هـ) في الغرامية في مصطلح الحديث (ص: ١٠٦): وليعلم أن المقطوع يقع عليه الوصفان، الصحة والضعف تبعا لحال إسناده ومتنه، ولا يلزم من صحته وجوب العمل به، إذا كان مجردا عن قرينة تدل على أن له حكم الرفع.
ولما كان أثر عبيدة هذا تفسيرا للآية بما كان سائدا ومعمولا به في مجتمع أكابر الصحابة الذين نزل عليهم القرآن الكريم؛ كانت تلك قرينة توجب العمل به وتدل على أن له حكم الرفع.
هذا علاوة على ما ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (٧/ ٧٨) قال: قال علي بن المديني وعمرو بن علي الفلاس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي وقال العجلي: كل شيء روى محمد عن عبيدة سوى رأيه فهو عن علي بن أبي طالب وكل شيء روي عن إبراهيم عن عبيدة سوى رأيه فإنه عن عبد الله بن مسعود. (١) اهـ
فهذه شهادة باتصال سند هذه الرواية حيث إنها تفسير منه للآية بما كان سائدا في مجتمع الصحابة وليست مما يقال بالرأي، وعليه فإن إسنادها يعتبر أصح الأسانيد كما قال ابن المديني وعمرو الفلاس، كما ثبت أن تفسير عبيدة
стр. 195
للآية أخذه عن علي بن أبي طالب ﵁ وإن لم يكن عن علي فهو عن عبد الله بن مسعود وهو أعلم وأفقه هذه الأمة بالقرآن.
ثانيا: قال الشيخ الألباني (أنهم اضطربوا في ضبط العين المكشوفة وأن الاضطراب عند علماء الحديث علة في الرواية تسقطها عن مرتبة الاحتجاج بها) فيقال؛ إن الاضطراب الذي يسقط الاحتجاج بالأثر: هو ما روي على أوجه متعارضة متدافعة بحيث لا يمكن التوفيق بينها، وتكون متساوية في القوة بحيث لا يمكن ترجيح إحداها على الأخرى. (١)
والروايات الواردة لأثر عبيدة ليس فيها تعارض ولا تدافع! وتفسيره للآية كان بفعل منه وليس بقول؛ ولذلك اختلف تعبير الرواة لهذا الفعل، فلا وجه للطعن فيه بالاضطراب!! فإن كشف أي العينين لا يضر، فالأمر راجع للمرأة تكشف أيهما تشاء دون توسع في إظهار ما عداهما لأن الرخصة في إبداء العين إنما شرع لرؤية الطريق فقط.
كما قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٨): والإدناء التقريب يقال أدناني أي قربني وضمن معنى الإرخاء أو السدل ولذا عدي بعلى، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل.
стр. 196
ثالثا: قال الشيخ الألباني أنه مخالف لتفسير ابن عباس! وهذا قول غير صحيح؛ فإن أثر عبيدة موافق لما صح عن ابن عباس في تفسير هذه الآية (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) وقول سعيد بن جبير (يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) بل وموافق لأثر قتادة الذي احتج به الشيخ الألباني (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) فأين المخالفة التي ذكر الشيخ الألباني غفر الله له؟!
قال حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٤): أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة) فقد صح مثله عن عبيدة السلماني. اهـ
إذن فلا وجه للطعن في هذه الرواية وقد احتج بها أهل العلم واعتمد عليها أهل التفسير وعمل بها الأئمة.
стр. 197
ــ:: تتمة البحث السابع للألباني (٢):: ــ
قال الشيخ الألباني: عن أم سلمة ﵂ قالت: كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة، فأقبل ابن مكتوم ـ وذلك بعد أن أُمرنا بالحجاب ـ فقال النبي ﷺ : " احتجبا منه" فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟! فقال النبي ﷺ : "أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه؟! " أخرجه أصحاب السنن من طريق الزهري: حدثني نبهان مولى أم سلمة عنها. وهو مخرج في "الإرواء" و "الضعيفة" وخلاصة التحقيق الوارد فيهما:
١ - أن الحديث تفرّد به نبهان وعنه الزهري، وأن نبهان مجهول العين.
٢ - قال الإمام أبو محمد بن قدامة المقدسي في "المغني" وأبو الفرج بن قدامة المقدسي في "الشرح الكبير" .. وكلهم من كبار علماء الحنابلة قالوا: (ويباح لامرأة نظرٌ من رجل إلى غير عورة) لقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: "اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فلا يراك" وقالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد" ولأنهن لو مُنِعنَ النظر لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم. فأما حديث نبهان عن أم سلمة؛ قال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين: هذا الحديث، والآخر: "إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه"، كأنه أشار إلى ضعف حديثه.
стр. 198
ــ:: مناقشة تتمة البحث السابع للألباني (٢):: ــ
أولا: ثبوت هذا الحديث أو عدمه لا يعد حجة على جواز الكشف أو عدمه! لأنه مما يستشهد به في حكم نظر المرأة للرجل، ولكنا سنجيب عليه إتماما للبحث والفائدة:
ثانيا: ضعَف الشيخ الألباني هذا الحديث وأعلَه بتفرد نبهان وجهالته؛ مع أن التفرد ليس بعلة قادحة تمنع من الاحتجاج به إذا كان المتفرد ممن يحتمل تفرده، فإن في الصحيحين أحاديث عن الوحدان من الصحابة. أما جهالة نبهان فغير متفق عليها فهناك من عدله ووثقه، فليس من الإنصاف أن يرد حديثه، وقد استشهد الشيخ الألباني بآثار في أسانيدها من هو أشد جهالة من نبهان!
كما أن الشيخ الألباني ذكر ما قيل في نبهان من الجرح دون ما ذكر فيه من التعديل فإن هناك من قبل حديثه ووثقه غير ابن حبان؛
- كالترمذي حيث قال بعد أن ساق حديثه؛ حديث حسن صحيح.
- والذهبي حيث قال في الكاشف: ثقة. (١)
- وابن الملقن حيث قال بعد أن ساق حديثه: هذا الحديث صحيح. (٢)
стр. 199
- والنووي حيث قال في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٩٦): وهذا الحديث حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قال الترمذي هو حديث حسن، ولا يلتفت إلى قدح من قدح فيه بغير حجة معتمدة.
- والحافظ ابن حجر حيث قال فتح الباري (٩/ ٣٣٧): حديث أم سلمة الحديث المشهور أفعمياوان أنتما ... وإسناده قوي وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان وليست بعلة قادحة فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته.
- والشوكاني حيث قال في نيل الأوطار (٦/ ٢٤٧): حديث أم سلمة أخرجه أيضا النسائي وابن حبان وفي إسناده نبهان مولى أم سلمة شيخ الزهري وقد وثق، وفي الباب عن عائشة عند مالك في الموطأ أنها احتجبت من أعمى فقيل لها إنه لا ينظر إليك قالت لكني أنظر إليه. اهـ وهذا الأثر عن عائشة يعد شاهد لحديث نبهان يتقوى به، وقد ذكره ابن حجر في التلخيص الحبير أيضا كما سيأتي، ولعله مما خفي على الشيخ الألباني!
ولذلك اعتمد أهل العلم على حديث نبهان في القول بمنع نظر النساء للرجال الأجانب:
قال الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٢٤٨): وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قول الشافعي وأحمد قال النووي وهو الأصح،
стр. 200
وقال ابن عبد البر المالكي في التمهيد (١٩/ ١٥٤) والاستذكار (٦/ ١٦٩): ففي هذا الحديث دليل على أنه واجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى ويشهد له ظاهر قول الله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ كما قال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ويشهد لذلك من طريق الغيرة أن نظرها إليه كنظره إليها.
وقال الجاوي الحنفي في نهاية الزين (١/ ٤٧): الرجل له ثلاث عورات ... ثالثتها جميع بدنه وشعره حتى قلامة ظفره وهي عورته عند النساء الأجانب فيحرم على المرأة الأجنبية النظر إلى شيء من ذلك ... فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط فإن لم تكن فتنة فلا إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقيب أو منعوا من الخروج إلا لضرورة.
ثالثا: أما ما استشهد به عن فقهاء الحنابلة؛ فإن القول بأنه لا يباح نظر المرأة للرجل؛ هو أحد قولي الإمام أحمد:
كما جاء في عون المعبود (١١/ ١١٤): وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قول الشافعي وأحمد، قال النووي وهو الأصح.
стр. 201
قال ابن قدامة الحنبلي في المغني (٧/ ٨١): فأما نظر المرأة إلى الرجل ففيه روايتان إحداهما لها النظر إلى ما ليس بعورة؛ والأخرى لا يجوز لها النظر من الرجل إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها، اختاره أبو بكر وهذا أحد قولي الشافعي لما روى الزهري عن نبهان عن أم سلمة، ولقوله تعالى (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن).
وفي المبدع لابن مفلح الحنبلي (٧/ ١١): ويباح للمرأة النظر من الرجل إلى غير العورة نصره في الشرح وغيره لقول النبي ﷺ لفاطمة اعتدي في بيت أم مكتوم ... ولأنه لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب لئلا ينظرن إليهم كما تؤمر النساء به، وعنه لا يباح لها النظر إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها قدمه السامري وابن حمدان واختاره أبو بكر لحديث نبهان.
رابعا: أما ما ذكره الشيخ الألباني من رد بعضهم لحديث نبهان لمخالفته لحديث فاطمة بنت قيس؛ حيث أذن لها رسول الله ﷺ أن تعتد عند ابن أم مكتوم الأعمى فالجواب عنه من عدة وجوه:
١) ليس فيه أن النبي ﷺ أذن لفاطمة أن تنظر للرجل الأعمى كما نص على ذلك بعض أهل العلم كالنووي في شرح صحيح مسلم (١٠/ ٩٧): وأما حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أم مكتوم فليس فيه إذن لها في النظر إليه بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيرها وهي مأمورة بغض بصرها فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة.
стр. 202
٢) أن من احتج بمخالفة حديث نبهان لحديث فاطمة بنت قيس؛ قد غفل عن موافقة حديث نبهان لكتاب الله في موضعين:
الأول: قوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ فإذا كانت النساء مأمورات في هذه الآية بأن يغضضن من أبصارهن عمن يحل لهم الدخول عليهن في البيوت دون حجاب عنهم - وسيأتي بيان ذلك في مناقشة البحث التاسع - فكيف يقال بإطلاق جواز نظرهن لمن لا يحل له رؤيتهن إلا وهن محتجبات!
الثاني: قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٣ ففرض وجود الحجاب (الساتر) بين الرجل والمرأة عند المحادثة من قرب في البيوت ونحوها؛ يدل على عدم إطلاق جواز نظر المرأة للرجل، بقرينة في الآية وهي قوله ﴿وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فالحجاب المضروب بينهما؛ هو لمنع كلا الجنسين من النظر للآخر، فزوال هذا الساتر ينفي كمال الطهارة لقلب العين الناظرة - كمن تنظر للرجال وتخالطهم بنقابها - ولذلك ينبغي أن تحذر النساء من التهاون بهتك الستار والاختلاط المباشر بالرجال في البيوت وأماكن العمل لأنه يعد تجاوزا لما حدّه الشرع ومخالفة صريحة لكتاب الله.
قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٢٢/ ٣٩): ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا
стр. 203
عليهن بيوتهن ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يقول تعالى ذكره سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء وفي صدور النساء من أمر الرجال وأحرى من ألا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل.
خامسا: أما من احتج بمخالفة حديث نبهان لحديث عائشة ﵂ قالت (رأيت رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون) (١)
فالجواب عليه بعد أن يقال أن هذا الحديث يعد من أدلة وجوب تغطية الوجه، أن الاحتجاج به على إطلاق جواز نظر المرأة للرجال الأجانب لا يصح لما يأتي:
١) أن من أذن رسول الله ﷺ لعائشة أن تنظر إليهم كانوا من العبيد الذين لا يحتجب منهم، يشهد لذلك قول الرسول ﷺ لهم "يا بني أرفدة" قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٤٤): (قيل هو لقب للحبشة. . . وقيل المعنى يا بني الإماء) وبوّب البخاري لهذا الحديث بقوله (باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة) فقيّد جواز النظر بالحبشة ومن نحوهم من العبيد ولم يطلق بناء عليه جواز نظرها للرجال الأحرار الأجانب.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٥٧): وأما الفرق بين ميمونة وأم سلمة، وبين عائشة إذ اباح لها النظر إلى الحبشة؛ فإن عائشة كانت ذلك الوقت والله أعلم غير بالغة ... مع ما في النظر إلى السودان مما تقتحمه العيون.
стр. 204
كما قال العيني في عمدة القاري (٢٠/ ٢١٧): وأما المعارضة فلا نقول بها؛ بل نقول إن عائشة إذ ذاك كانت صغيرة فلا حرج عليها في النظر إليهم ... أو نقول إن الحبشة كانوا صبيانا ليسوا بالغين.
٢) أن هناك فرق بين النظر لرجل من قرب وتأمله، وبين النظر من بُعد لسودان يلعبون بحرابهم كما في الحديث (وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب) (١) ولذلك بوّب النسائي للحديث في سننه الكبرى (١/ ٥٥٣) بقوله (نظر النساء إلى اللعب) ولم يقل إلى الرجال!
- وقال القاضي عياض: وفيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال، مثل هذا، لأنه إنما يكره لهن من النظر إلى الرجال ما يكره للرجال فيهن من تحديق النظر لتأمل المحاسن، والالتذاذ بذلك، والتمتع به (٢).
- قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٦/ ١٨٤): وفيه جواز نظر النساء إلى لعب الرجال من غير نظر إلى نفس البدن وأما نظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي فإن كان بشهوة فحرام بالاتفاق وان كان بغير شهوة ولا مخافة فتنة ففي جوازه وجهان لأصحابنا أصحهما تحريمه لقوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ولقوله ﷺ لأم سلمة وأم حبيبة احتجبا عنه أي عن ابن أم مكتوم.
стр. 205
- قال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ١٣١): وقد استدل لجواز نظر النساء إلى الرجال بما ثبت في الصحيح من أنه ﷺ أذن لعائشة أن تنظر إلى لعب الحبشة في المسجد ويجاب عنه بأنه لا تلازم بين النظر إلى وجوههم والنظر إلى لعبهم فإن اللعب هو الحركات الصادرة منهم من تقليب حرابهم بأيديهم وحركة أبدانهم.
فالذي يتحقق من مجموع الأدلة أن نظر المرأة للرجل الأجنبي على قسمين:
١) النظر العابر أو من بُعد، كرؤية المرأة للرجال في الطريق، ومنه حديث عائشة ونظرها إلى الحبش وهم يلعبون، وهذا هو الذي يظهر فيه الفرق بين الرجال والنساء في جواز النظر.
٢) إدامة النظر للرجل من قُرب وتأمله فهذا الذي يمنع منه لأنه مظنة الفتنة، وهو الذي جاء النهي عنه في صريح القرآن ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ومنع منه النبي ﷺ كما في حديث نبهان، وهو المراد من قول من منع المرأة من النظر للرجل من الفقهاء.
стр. 206
ــ:: الأدلة التي تشهد أن الحجاب المفروض على النساء الحرائر يقتضي تغطية الوجه:: ــ
(١) قول الرسول ﷺ "المرأة عورة" دون استثناء للوجه ولا لغيره، ولا خلاف في أن ستر العورة واجب. وهذا الحديث مما لم يتطرق له الشيخ الألباني بذكر في أي من كتابيه - الجلباب والرد المفحم- مع صحة إسناده!
-عن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال" المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان" (١) وصح عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - وهو من التابعين ومن الفقهاء السبعة الذين انتهى إليهم العلم في المدينة أنه قال: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. (٢)
وعن عبد الله بن مسعود قال" إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس، فيستشرفها الشيطان فيقول إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتيه، وأن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال أين تريدين؟ فتقول أعود مريضا أو أشهد جنازة أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها" (٣) اهـ
- قال المباركفوري في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (٤/ ٢٨٣): قوله (المرأة عورة) قال في مجمع البحار: جعل المرأة نفسها عورة لأنها إذا ظهرت
стр. 207
يُستحى منها كما يُستحى من العورة إذا ظهرت. (فإذا خرجت استشرفها الشيطان) أي زينها في نظر الرجال ... والمعنى؛ أن المرأة يستقبح بروزها وظهورها فإذا خرجت أمعن النظر إليها ليغويها بغيرها ويغوي غيرها بها ليوقعهما أو أحدهما في الفتنة.
(٢) أمر النساء بالقرار في البيوت وعدم الإذن لهن بالخروج إلا لحاجة:
قال تعالى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الأحزاب: ٣٣
- قال أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ) في أحكام القرآن (٥/ ٢٢٩): وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت منهيات عن الخروج.
- قال القرطبي في تفسيره (١٤/ ١٧٩): والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة.
- قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٨٣): أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة.
* فلم يؤذن للنساء في الخروج على عهد رسول الله ﷺ إلا لقضاء الحاجة -من البراز - أو للصلاة. ثم إنه كما قال ابن حجر في الفتح (١/ ٢٥٠): خروج النساء للبراز (١) لم يستمر، بل اتخذت الأخلية في البيوت فاستغنين عن الخروج إلا للضرورة.
стр. 208
* وما أوجب الله نفقتها على وليّها وأعفاها من الجمع والجماعات إلا قطعا لأسباب الخروج. بل إنه لم يرخص لهن الخروج للصلاة في المساجد إلا ليلا؛ وقتي العشاء والفجر (١):
- قال النبي ﷺ "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن" (٢) وقال "لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل" (٣) وقال "ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد". (٤)
- قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٣٩٥): إنما أذن لهن مشاهدة الصلوات بالليل لا بالنهار، وقال مع ذلك وبيوتهن خير لهن.
- قال ابن حجر (٢/ ٣٤٧): كان اختصاص الليل بذلك لكونه أستر وأخفى.
* ومع ذلك لم يطلق لهن الإذن بالخروج ولكن قُيّد بضوابط وشروط:
(٣) أمرهن بإدناء الجلباب على وجوههن عند الخروج وهو الأصل الذي يستند عليه في وجوب تغطية الوجه: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وقد أجمع المفسرون
стр. 209
وفيهم أئمة في الفقه واللغة - كما أسلفنا في مناقشة البحث الأول- على أن المراد بهذا الأمر: وجوب تغطية الوجه على الحرائر من نساء المسلمين، وعليه جرى العمل من نساء هذه الأمة كما أسلفنا.
ومن الضوابط والشروط التي قُيّد بها جواز خروج المرأة:
(٤) أمرهن بأن يبالغن في تسترهن بإرخاء ذيول جلابيبهن لستر أقدامهن:
- قال النبي ﷺ (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) فقالت أم سلمة فكيف يصنعن النساء بذيولهن قال" يرخين شبرا" فقالت إذا تنكشف أقدامهن قال" فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه" (١) وفي رواية عن أم سلمة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ كم تجر المرأة من ذيلها؟ قال شبرا. قالت: إذا ينكشف عنها. قال: ذراع لا تزيد عليها. (٢) قال البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٣٣): وفي هذا دليل على وجوب ستر قدميها" (٣)
قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٥٩): فهمت أم سلمة الزجر عن الإسبال فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر العورة لأن جميع قدمها عورة".
стр. 210
ينبني على ذلك أنه من المستبعد أن يأمر الشارع الحكيم أن تبالغ المرأة في ستر قدميها أمام الرجال الأجانب ويبيح لها أن تكشف وجهها وهو أعظم فتنة من الأقدام!!
(٥) منع اختلاطهن بالرجال في الطرقات، فمنع الاختلاط في غيرها من باب أولى:
- عن أبي أسيد الأنصاري أنه سمع سول الله ﷺ وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء - من الإماء - في الطريق فقال رسول الله ﷺ " استأخرن فليس لكن أن تحققن الطريق (١)، عليكن بحافَّات الطريق" فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به" (٢)
- عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " ليس للنساء وسط الطريق" (٣)
- عن أم سلمة ﵂ " أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سلَّمن من المكتوبة قُمْنَ وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال" (٤) قال الزهري نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي
стр. 211
ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال. (١) وفي رواية قالت" كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ " (٢)
قال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٣٣٦): وفيه اجتناب مواضع التهم وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلا عن البيوت.
* ومع تلك القيود كلها جعلت صلاتهن في بيوتهن خير لهن كما قال الرسول ﷺ " لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن" (٣).
* ولعدم تقيّد النساء بعد ذلك بما سبق اشتراطه لهن عند الخروج على عهد رسول الله ﷺ ؛ كُره لهن بعد ذلك الصلاة في المساجد كما قالت عائشة ﵂: " لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل" (٤) قال الشوكاني في نيل الأوطار (٣/ ١٦٢): تريد ما اتخذن من حسن الملابس والطيب والزينة. كماصح عن ابن مسعود كان يحصب النساء يخرجهن من المسجد يوم الجمعة ويقول "صلين في بيوتكن" وفي رواية " أخرجن إلى بيوتكن خير لكن". (٥)
стр. 212
ولذلك كره جماعة من السلف خروج المرأة إلى العيدين:
- قال الثوري: أكره اليوم للنساء الخروج إلى العيدين، وقال ليس للمرأة خير من بيتها وإن كانت عجوزا. (١)
- قال ابن المبارك: أكره اليوم للنساء الخروج في العيدين، فإن أبت المرأة إلا أن تخرج فليأذن لها زوجها أن تخرج في أطمارها ولا تتزين، فإن أبت أن تخرج كذلك فللزوج أن يمنعها من ذلك. (٢)
- قال ابن رجب الحنبلي في فتح الباري في شرح صحيح البخاري (٥/ ٣٠٩): قال الإمام أحمد: " أكره خروجهن في الزمان لأنهن فتنة " وعن أبي حنيفة رواية " لا يخرجن إلا للعيدين خاصة " ... ومنهم من رخص فيه للعجائز دون الشواب، وهو قول مالك والشافعي. اهـ
فانظر رحمك الله أقوال الأئمة لوجود بعض الفتنة بها وهي خارجة تتعبد الله في المسجد فكيف يقال بجواز خروجها مطلقا لغير المساجد؟!
* قال ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٢٠٢ - ٢٠٤): ويتضح الأمر بذكر تلك المحرمات المقترنة بالخروج: فمنها أن خروجها متبرجة أي مظهرة لزينتها منهيٌّ عنه؛ روى ابن حبان والحاكم أن رسول الله ﷺ قال (يكون في أمتي رجال يركبون على سرج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد
стр. 213
نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف العنوهن فإنهن ملعونات) ... ومنها تحريم نظر الأجانب إليها ونظرها إليهم كما صححه النووي. ومنها مزاحمة الرجل في المسجد أو الطريق عند خوف الفتنة فإن ذلك حرام ... ينبغي القطع في زماننا بتحريم خروج الشابات وذوات الهيئات لكثرة الفساد. والمعنى المجوز للخروج في خير القرون قد زال وأيضا فكن لا يبدين زينتهن ويغضضن أبصارهن وكذا الرجال ومفاسد خروجهن الآن محققة ... ولا يتوقف في منعهن إلا غبي جاهل قليل البضاعة في معرفة أسرار الشريعة قد تمسك بظاهر دليل حملا على ظاهره دون فهم معناه مع إهمالهم فهم عائشة ومن نحا نحوها ومع إهمال الآيات الدالة على تحريم إظهار الزينة وعلى وجوب غض البصر فالصواب الجزم بالتحريم والفتوى به. اهـ
(٦) نهي الرجال الأحرار عن الدخول على النساء الحرائر في البيوت؛ عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال" إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال" الحمو الموت" (١)(٧) تحريم الاختلاط بهن في البيوت ورؤية أشخاصهن ولو كن مسترات بالجلابيب، وهذا هو الأصل في حجاب البيوت؛ بنهي المرأة من مخالطة الرجال الأجانب والبروز لهم وإن كانت مستترة بالجلباب إذا اقتضت الحاجة دخولهم لسؤال حاجة قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ
стр. 214
حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ وهذا كما أسلفنا أمر يقتضي وجود الحجاب (الساتر) بين الرجل والمرأة عند سؤال الحاجة من قرب في البيوت ونحوها، مما يدل على عدم جواز المخالطة للمرأة وإن كانت متجلببة، وذلك يبين دقة التشريع وحكمته، إذ أوجب الساتر بين الجنسين عند سؤال الحاجة من قرب، وشرع الخروج بالجلابيب عند الاضطرار للخروج، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الرائي من بُعد لشخوص نساء مستترات إذا خرجن لحاجة، ليس كمن يجالس امرأة يحادثها وتحادثه من قُرب وإن كانت مستترة بالجلباب!!
كما قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٧٢): وسؤال المتاع من وراء حجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ... فإن الرؤية سبب التعلق والفتنة.
(٨) تحريم الخلوة بهن؛ ممن يحل له الدخول عليهن ممن لا يعد محرما لهن من العبيد ونحوهم، فتحريم ذلك على من لا يحل له مخاطبتهن إلا من وراء حجاب من باب أولى: عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم" وقال ﷺ : "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم". (١)
стр. 215
(٩) نهي المرأة عن أن تصف امرأة أجنبية لزوجها؛ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ " لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها". (١)
وهو صريح الدلالة على وجوب تغطية الوجه، إذ لو كانت النساء كاشفات الوجوه يراهن الرجال لما كان لنهي رسول الله ﷺ فائدة؟!
(١٠) الأذن للخاطب بالنظر؛ مما يدل على عدم تمكنه من النظر قبل الخطبة: عن أنس ﵁ أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة فقال له النبي ﷺ (اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) قال: فأتيت امرأة من الأنصار
فخطبتها إلى أبويها وأخبرتهما بقول النبي ﷺ فكأنهما كرها ذلك، قال فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها، فقالت: إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر فانظر وإلا فأنشدك، كأنها أعظمت ذلك، قال فنظرت إليها فتزوجتها. (٢)
ويؤيد ذلك كله جريان العمل بتغطية النساء الحرائر وجوههن كما أسلفنا من أحاديث وآثار، وعليه أئمة المسلمين وعلمائهم. فثبت بذلك أن تغطية الوجه فرض افترضه الله على الحرائر من النساء.