ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال. (١) وفي رواية قالت" كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ " (٢)
قال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٣٣٦): وفيه اجتناب مواضع التهم وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلا عن البيوت.
* ومع تلك القيود كلها جعلت صلاتهن في بيوتهن خير لهن كما قال الرسول ﷺ " لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن" (٣).
* ولعدم تقيّد النساء بعد ذلك بما سبق اشتراطه لهن عند الخروج على عهد رسول الله ﷺ ؛ كُره لهن بعد ذلك الصلاة في المساجد كما قالت عائشة ﵂: " لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل" (٤) قال الشوكاني في نيل الأوطار (٣/ ١٦٢): تريد ما اتخذن من حسن الملابس والطيب والزينة. كماصح عن ابن مسعود كان يحصب النساء يخرجهن من المسجد يوم الجمعة ويقول "صلين في بيوتكن" وفي رواية " أخرجن إلى بيوتكن خير لكن". (٥)
стр. 212
ولذلك كره جماعة من السلف خروج المرأة إلى العيدين:
- قال الثوري: أكره اليوم للنساء الخروج إلى العيدين، وقال ليس للمرأة خير من بيتها وإن كانت عجوزا. (١)
- قال ابن المبارك: أكره اليوم للنساء الخروج في العيدين، فإن أبت المرأة إلا أن تخرج فليأذن لها زوجها أن تخرج في أطمارها ولا تتزين، فإن أبت أن تخرج كذلك فللزوج أن يمنعها من ذلك. (٢)
- قال ابن رجب الحنبلي في فتح الباري في شرح صحيح البخاري (٥/ ٣٠٩): قال الإمام أحمد: " أكره خروجهن في الزمان لأنهن فتنة " وعن أبي حنيفة رواية " لا يخرجن إلا للعيدين خاصة " ... ومنهم من رخص فيه للعجائز دون الشواب، وهو قول مالك والشافعي. اهـ
فانظر رحمك الله أقوال الأئمة لوجود بعض الفتنة بها وهي خارجة تتعبد الله في المسجد فكيف يقال بجواز خروجها مطلقا لغير المساجد؟!
* قال ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٢٠٢ - ٢٠٤): ويتضح الأمر بذكر تلك المحرمات المقترنة بالخروج: فمنها أن خروجها متبرجة أي مظهرة لزينتها منهيٌّ عنه؛ روى ابن حبان والحاكم أن رسول الله ﷺ قال (يكون في أمتي رجال يركبون على سرج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد
стр. 213
نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف العنوهن فإنهن ملعونات) ... ومنها تحريم نظر الأجانب إليها ونظرها إليهم كما صححه النووي. ومنها مزاحمة الرجل في المسجد أو الطريق عند خوف الفتنة فإن ذلك حرام ... ينبغي القطع في زماننا بتحريم خروج الشابات وذوات الهيئات لكثرة الفساد. والمعنى المجوز للخروج في خير القرون قد زال وأيضا فكن لا يبدين زينتهن ويغضضن أبصارهن وكذا الرجال ومفاسد خروجهن الآن محققة ... ولا يتوقف في منعهن إلا غبي جاهل قليل البضاعة في معرفة أسرار الشريعة قد تمسك بظاهر دليل حملا على ظاهره دون فهم معناه مع إهمالهم فهم عائشة ومن نحا نحوها ومع إهمال الآيات الدالة على تحريم إظهار الزينة وعلى وجوب غض البصر فالصواب الجزم بالتحريم والفتوى به. اهـ
(٦) نهي الرجال الأحرار عن الدخول على النساء الحرائر في البيوت؛ عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال" إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال" الحمو الموت" (١)(٧) تحريم الاختلاط بهن في البيوت ورؤية أشخاصهن ولو كن مسترات بالجلابيب، وهذا هو الأصل في حجاب البيوت؛ بنهي المرأة من مخالطة الرجال الأجانب والبروز لهم وإن كانت مستترة بالجلباب إذا اقتضت الحاجة دخولهم لسؤال حاجة قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ
стр. 214
حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ وهذا كما أسلفنا أمر يقتضي وجود الحجاب (الساتر) بين الرجل والمرأة عند سؤال الحاجة من قرب في البيوت ونحوها، مما يدل على عدم جواز المخالطة للمرأة وإن كانت متجلببة، وذلك يبين دقة التشريع وحكمته، إذ أوجب الساتر بين الجنسين عند سؤال الحاجة من قرب، وشرع الخروج بالجلابيب عند الاضطرار للخروج، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الرائي من بُعد لشخوص نساء مستترات إذا خرجن لحاجة، ليس كمن يجالس امرأة يحادثها وتحادثه من قُرب وإن كانت مستترة بالجلباب!!
كما قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٧٢): وسؤال المتاع من وراء حجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ... فإن الرؤية سبب التعلق والفتنة.
(٨) تحريم الخلوة بهن؛ ممن يحل له الدخول عليهن ممن لا يعد محرما لهن من العبيد ونحوهم، فتحريم ذلك على من لا يحل له مخاطبتهن إلا من وراء حجاب من باب أولى: عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم" وقال ﷺ : "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم". (١)
стр. 215
(٩) نهي المرأة عن أن تصف امرأة أجنبية لزوجها؛ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ " لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها". (١)
وهو صريح الدلالة على وجوب تغطية الوجه، إذ لو كانت النساء كاشفات الوجوه يراهن الرجال لما كان لنهي رسول الله ﷺ فائدة؟!
(١٠) الأذن للخاطب بالنظر؛ مما يدل على عدم تمكنه من النظر قبل الخطبة: عن أنس ﵁ أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة فقال له النبي ﷺ (اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) قال: فأتيت امرأة من الأنصار
فخطبتها إلى أبويها وأخبرتهما بقول النبي ﷺ فكأنهما كرها ذلك، قال فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها، فقالت: إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر فانظر وإلا فأنشدك، كأنها أعظمت ذلك، قال فنظرت إليها فتزوجتها. (٢)
ويؤيد ذلك كله جريان العمل بتغطية النساء الحرائر وجوههن كما أسلفنا من أحاديث وآثار، وعليه أئمة المسلمين وعلمائهم. فثبت بذلك أن تغطية الوجه فرض افترضه الله على الحرائر من النساء.
стр. 216
ــ:: البحث الثامن:: ــ
(إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها)
قال الشيخ الألباني: لقد تهافت القوم على نقد هذا الحديث وتضعيفه، مخالفين في ذلك من قوّاه من حفاظ الحديث ونقاده ... كما اتفقوا جميعاً على مخالفته قاعدة العلماء في تقوية الحديث بالطرق والآثار السلفية - إلى أن قال بعد أن ذكر بعض عبارات التعديل لأحد رواة الحديث وهو سعيد بن بشير- فهذه النصوص من هؤلاء الأئمة لا تدل على أن سعيداً هذا ضعيف جدّا لا يصلح للاستشهاد به ... وتابعه عليه ثقة حافظ عند أبي داود في "المراسيل" بسنده الصحيح عن هشام عن قتادة: (أن رسول الله ﷺ قال: فذكره نحوه) وحينئذ يجرى فيه حكم الحديث المرسل إذا كان له شواهد ... ويشهد لهما الحديث الثالث عن أسماء بنت عميس ... وتقوية المرسل بالشواهد أمر معروف لدى العلماء ولو كان النوع الذي لا يحتج به، ومرسل قتادة، فإنه قد عمل به أكثر العلماء. ولقد أبان ابن تيمية عن تقوية الحديث الضعيف بالطرق، فقال (١٣/ ٣٤٧): "والمراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن المواطأة قصداً، كانت صحيحة قطعاً وهذا الأصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي ".
стр. 217
ــ:: مناقشة البحث الثامن:: ــ
استشهد الشيخ الألباني في هذا المبحث بما أخرجه أبو داود عن خالد بن دريك عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ دخلت عليها وعندها النبي ﷺ في ثياب شامية رقاق فضرب رسول الله ﷺ إلى الأرض ببصره قال: (ما هذا يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى كفه ووجهه). (١) وذكر شاهدا له أخرجه البيهقي عن أسماء بنت عميس أنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على عائشة بنت أبي بكر ﵂ وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر، وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام، فلما نظر إليها رسول الله ﷺ قام فخرج، فقالت لها عائشة تنحي فقد رأى رسول الله ﷺ أمرا كرهه، فتنحت فدخل رسول الله ﷺ فسألته عائشة ﵂ لم قام؟ قال: " أولم تري إلى هيئتها إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا ". (٢) وشاهد آخر عن قتادة أن النبي ﷺ قال: "إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل" ثم قال: وهو مرسل صحيح يتقوى بما بعده!!
стр. 218
أولا: لابد أن نشير إلى ما تجلى في هذا المبحث من عدم إنصاف الشيخ الألباني غفر الله له بتضعيفه لحديث ابن عباس الذي فيه العين الواحدة وأثر عبيدة السلماني، حيث استشهد بحديث عائشة؛ رغم ضعفه لأربع علل في إسناده:
قال ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٦٧٥): وهو معلول من أوجه:
أحدها: الطعن في سعيد بن بشير لا سيما في روايته عن قتادة.
ثانيها: أن خالد بن دريك مجهول الحال. كذا قال ابن القطان.
ثالثها: أنه مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة ... وأراد به الانقطاع.
رابعها: أنه مضطرب قال ابن عدي: لا أعلم يرويه عن قتادة غير سعيد بن بشير وقال فيه مرَّةً: عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عن عائشة. قال ابن القطان في كتابه (أحكام النظر): فهذه زيادة علة الاضطراب. (١)
ورغم هذه العلل إلا أن الشيخ الألباني لم يمتنع من الاحتجاج به وتقويته بالشواهد، في حين أنه أنكر على مخالفيه احتجاجهم بحديث ابن عباس مع أن علتي حديث ابن عباس كما بينّاها هي خفّة في ضبط راويين لا تخرجه من دائرة الحديث الحسن وله شواهد منها شاهد صحيح عن عبيدة!!
стр. 219
ثانياً: جاء في متن حديث عائشة ﵂ إشكال يحتاج إلى توضيح؛ كدخول أسماء بنت أبي بكر ﵂ على النبي ﷺ دون حجاب! ودخولها عليه بثياب رقاق!
(١) أما دخول أسماء على النبي ﷺ دون حجاب؛ فهو يستوجب أن يكون هذا الحديث قبل نزول الحجاب، إذ لو كان بعد الحجاب لسترها الجلباب الذي ستلبسه وجوبا للآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ والذي صورت أم سلمة ﵂ امتثال النساء لهذا الأمر بقولها (لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها) (١) وأكدت ذلك أسماء بنت أبي بكر ﵂ فقالت " كنا نغطي وجوهنا من الرجال " (٢) وقالت (خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ... فخرجت متلفعة (٣) بقطيفة للزبير حتى دخلت على عائشة). (٤)
стр. 220
ولهذا حمل بعض أهل العلم هذا الحديث على فرض صحته على ما قبل الحجاب؛ كابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ) في المغني (٧/ ١٠٢) حيث قال" وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب، فنحمله عليه".
ولكن هذا يشكل عليه أن قول الرسول ﷺ في هذا الحديث يوافق ما أمرت به النساء بعد أمرهن بإدناء الجلابيب لتغطية وجوههن من الرجال الأجانب؛ وهو أمرن بضرب الخُمر على جيوبهن في البيوت وألّا يبدين من زينتهن إلا ما في الوجه والكفين من الزينة أمام من يحل له الدخول عليهن والنظر إليهن دون حجاب من الرقيق ونحوهم، فدل ذلك على أن هناك خطأ أو وهم من رواة هذا الحديث بأن أسماء بنت أبي بكر هي التي دخلت على عائشة بهذه الثياب الرقاق؛ والصحيح: أن عائشة هي التي كانت لابسة لهذه الثياب الرقاق - كما سيأتي في رواية ابن جريج - يؤيد ذلك أن النبي ﷺ قيد حديثه بمن بلغت سن المحيض كما في رواية ابن دريك (إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها) وفي رواية ابن جريج كما سيأتي (إذا عركت لم يحل لها) فدل ذلك على أن اللابسة للثياب الرقاق كانت قريبة من سن بدء المحيض، وهذا يبعد أن تكون أسماء؛ لأن أسماء ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وعائشة كان لها عند الهجرة تسع سنوات تقريبا؛ فهي الأقرب لسن المحيض، وهي الأقرب أن يقع منها ذلك لصغر سنّها.
(٢) الأمر الثاني المشكل في الحديث هو لبس الثياب الرقاق؛ فإما أن يكون وهم من الرواة فقد جاء في رواية أسماء بنت عميس (وعليها ثياب واسعة الأكمام)، أو
стр. 221
يكون صحيحا وعليه فإنه من المستبعد أن يكون المراد بالثياب الرقاق في هذا الحديث؛ الثياب الباطنة التي تشف عن البدن؛ للأمور الآتية:
١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات) (١) قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٤/ ١١٠): "وقيل معناه تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها". اهـ وهذا يدل على أن الرقة في الثياب (الباطنة) الملاصقة للبدن لم تلبسها النساء على عهده ﷺ .
٢ - أن إطلاق لفظ (الثياب) في القرآن والحديث؛ قد يراد به الثياب الظاهرة من الخمار أو الجلباب: ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ قال ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٥): (فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن؛ يعني جلابيبهن).اهـ فسمى الله تعالى الجلابيب في هذه الآية؛ ثياب.
- ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله ﷺ (أُريتك في المنام يجئ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت). (٢) فعبر رسول الله ﷺ بالثوب عمّا يغطى به الوجه من خمار أوجلباب.
стр. 222
- وورد أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها. (١)
- وورد أن رسول الله ﷺ لما اختلط رجال بالنساء في الطريق قال (استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق) فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. (٢)
- وورد عن عائشة ﵂ أنها قالت "المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مسه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها". (٣)
٣ - لو كان المراد بالثياب الرقاق الثوب الملاصق للبدن؛ لجاء التعبير عنه بقوله (وعليها درع رقيق) لأن المتعارف عليه في زمن النبي ﷺ تسمية الثوب الذي تلبسه المرأة (درع) كما هو ثابت في بعض الأحاديث والآثار:
- كما ثبت عن عطاء قال: وكنت آتي عائشة ﵂ ... قال ورأيت عليها درعا مورَّدا. (٤)
- وثبت عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه أنه قال: "دخلت على عائشة ﵂ وعليها درع قطر ثمنه خمسة دراهم". (٥)
стр. 223
- ورد عن شميسة أنها قالت (دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق (١) ودرع وخمار) (٢)
- ورد عن عبيد الله الخولاني وكان في حجر ميمونة زوج النبي ﷺ أن ميمونة " كانت تصلي في الدرع والخمار ليس عليها إزار". (٣)
- وورد عن أم الحسن قالت: "رأيت أم سلمة تصلي في درع وخمار". (٤)
وعلى ذلك قد يكون المراد بالثياب الرقاق في هذا الحديث؛ هي الخمار، ولم نقل الجلباب لأن الجلباب لا يشف عن شيء من البدن لكونه يلبس فوق الثياب. ومما يشهد أن الرقيق الذي وقعت النساء في لبسه هو الخمار؛
ماورد " أن حفصة بنت عبد الرحمن دخلت على عائشة أم المؤمنين وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا". (٥)
стр. 224
٤ - إشارة النبي ﷺ بيده لبيان حدود ما يباح كشفه من الوجه والكفين؛ يدل على أن ما أنكره كان للتوسع بكشف ما لا يباح كشفه في أحدهما:
١ - فإما أن يكون التوسع بإظهار ما لا يحل إظهاره مما جاور الوجه؛ كالنحر أو الشعر، بلبس خمار رقيق يشف عن ذلك، كما في رواية خالد بن دريك (وعليها ثياب شامية رقاق).
٢ - أو أن يكون التوسع بإظهار ما لا يحل إظهاره من الذراعين، بلبس ثياب واسعة الأكمام، كما في رواية أسماء بنت عميس (وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام).
(٣) ومما يشهد أن عائشة ﵂ هي التي كانت لابسة لهذه الثياب الرقاق؛ مارواه ابن جرير بإسناد صحيح إلى ابن جريج عن عائشة ﵂ قالت: (دخلت علي ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخل النبي ﷺ فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية، فقال: "إذا عركت (١) المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا" وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى). (٢)
стр. 225
ففيه شاهد على أن التي دخلت على عائشة ليست أسماء بنت أبي بكر، وقد تكون ابنة أخيها عبد الله بن الطفيل اسمها أسماء مما أحدث اللبس عند الرواة، كما أن فيه أن عائشة هي التي كانت مظهرة من زينتها ما أنكره عليها النبي ﷺ ، فقولها (دخلت علي ابنة أخي مزينة) أي دخلت علي حال كوني متزينة، فلما دخل النبي ﷺ أعرض منكرا عليها ما رأى من إظهارها لما لا يحل إظهاره، فقالت معللة ما أنكره عليها (إنها ابنة أخي وجارية).
ولما كان حديث ابن جريج هذا يوافق حديث خالد بن دريك وحديث أسماء بنت عميس في معناه وفيما كان من كلامه ﷺ فقال في حديث خالد بن دريك "لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى كفه ووجهه" وقال في حديث أسماء بنت عميس " ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا " وقال في حديث ابن جريج "لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا " فكلها وإن اختلفت ألفاظها إلا أنها متوافقة في المعنى؛ فيصلح حينئذ أن يعتضد كل منها بالآخر، ورواية ابن جريج والتي فيها إباحة إظهار جزء من الذراع (وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى) هي الأرجح؛ لأنها أصح إسنادا.
ولها شاهد أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٨) بإسناد صحيح إلى قتادة أن النبي ﷺ قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج من يدها إلا ها هنا وقبض على نصف الذراع"
стр. 226
ولأنها الموافقة للقرآن؛ فقد صح عن عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، والمسور بن مخرمة، وقتادة؛ في تأويل قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أنها الخاتم والسوار كما سيأتي قريبا في البحث التاسع. فهذا يشهد لصحة حديث ابن جريج وأن موضع السوار من الذراع مما يلي الكف يعد من الزينة الظاهرة، وهذا مما لم يقل بجواز كشفه للرجال الأجانب الشيخ الألباني ولا غيره من أهل العلم! فهذا يؤكد أن المراد بالحديث بيان ما يحل للمرأة إظهاره لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم، وليس المراد جواز إظهار ذلك لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب.
قال دروزة محمد عزت (ت ١٤٠٤ هـ) في التفسير الحديث (٢/ ٣٨٨) بعد أن ساق أثر ابن جريج وقتادة: والحديثان لم يردا في كتب الأحاديث الخمسة ولكنهما متفقان مع ما ورد فيها، ومع ما ذكره المؤولون في تأويل جملة آية سورة النور.
فنخرج من هذا المبحث بأن حديث عائشة " إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا" وأشار إلى وجهه وكفيه" ليس فيه حجة على جواز كشف وجه المرأة؛ لأن المراد به هو ما يحل للمرأة إظهاره لمن يباح لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ وليس ما تظهره للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها أن تحتجب منهم.
стр. 227
ــ:: البحث التاسع:: ــ
تفسير آية الزينة ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الشيخ الألباني: بعد أن أثبتنا صحة هذا الحديث أريد أن أبين أنه يصلح حينئذٍ أن يكون مبيناً لقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فالمنهي في الآية هو المنهي في الحديث، والمستثنى فيها هو المستثنى في الحديث ... ولا بد لي من سرد أسماء الصحابة المشار إليهم، مع ذكر بعض مخرجيها ومن صحح بعضها:
١ - عائشة ﵂. عبد الرزاق، وابن أبي حاتم "الدر المنثور"، وابن أبي شيبة، والبيهقي، وصححه ابن حزم.
٢ - عبد الله بن عباس ﵁. ابن أبي شيبة، والطحاوي، والبيهقي، وصححه ابن حزم أيضاً، وله عنه سبعة طرق.
٣ - عبد الله بن عمر ﵁. ابن أبي شيبة، وصححه ابن حزم.
٤ - أنس بن مالك ﵁. وصله ابن المنذر، وعلقه البيهقي.
٥ - أبو هريرة ﵁. ابن عبد البر في "التمهيد".
٦ - المسور بن مخرمة ﵁. ابن جرير الطبري.
стр. 228
ــ:: مناقشة البحث التاسع:: ــ
قال تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ النور: ٣٠ - ٣١
نوافق الشيخ الألباني فيما ذكر من أن الحديث "إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه" أنه يصلح حينئذٍ أن يكون مبيناً لقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... أي: وجهها وكفيها، فالمنهي في الآية هو المنهي في الحديث، والمستثنى فيها هو المستثنى في الحديث"
стр. 229
ولكن!!! هل حُملت هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على ما أراد الله ؛ أم حيد عن مراد الله منها وحُملت أقوال المفسرين لها من الصحابة والتابعين وأئمة المفسرين على غير محملها؟ وهل المراد من قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو ما يجوز للمرأة الحرة إظهاره أمام الرجال الأحرار الأجانب؛ حتى يكون فيه حجة على جواز كشف وجه المرأة الحرة لهم؟!! فإنه كما قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١/ ٢٤٦): والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ودلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله. فقد حمل المتأخرين هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على أنها تبين ما يجوز للمرأة الحرة إبداؤه أمام الرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم، فحملوا ما نقل عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهم في تأويلها على ذلك، ولذلك انقسموا إلى فريقين؛ الفريق الذي يرى وجوب ستر وجه المرأة أخذ بقول ابن مسعود وتجاهل قول ابن عباس!! والفريق الذي يرى جواز كشفه أخذ بقول ابن عباس ولم يلتفت إلى قول ابن مسعود!! ولو حُملت هذه الآية ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على أنها تبين ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممّن لم يستثنَ في الآية؛ وأن هذا مراد ابن مسعود وابن عباس في تأويلهما لزال ما يعد خلافا بين ابن مسعود وابن عباس في تفسير هذه الآية.
стр. 230
فإن هناك فئات من الناس يحل لهم الدخول على المرأة ورؤيتها دون حجاب لم يستثنوا في الآية وهم: العم والخال، والمحرم بالمصاهرة (زوج البنت، وزوج الأم، وابن الزوج، وأبو الزوج) (١) والمحرم بالرضاع، والعبيد المملوكون للغير، والعبد المملوك إذا كان من أولي الإربة، والصبية المميزون الذين لم يبلغوا الحلم، والنساء غير المسلمات؛ فهؤلاء هم المعنيون بنهي المرأة الحرة عن إبداء زينتها لهم ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... فإن الذي تحقق؛ أنه بعد أن ضُرب الحجاب في البيوت ومُنع الرجال الأحرار الأجانب من الدخول على النساء الأجنبيات الحرائر، وبقي الأِذن بالدخول عليهن ورؤيتهن للمحارم وللعبيد المملوكين من الأجانب؛ نزلت هذه الآيات من سورة النور لتبين حدود ما تظهره المرأة من الزينة أمامهم: فأمرت بالتحرز والتحفظ باتخاذ الثياب الظاهرة (من رداء أو ملحفة وهو ما يسميه العامة الآن الجلال) وبضرب الخمار على الجيب فلا تبدي إلا الوجه والكفين بما فيهما من الزينة؛ وهذا تظهره المرأة الحرة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لم يستثن في الآية، وهو أيضا ما يحل أن تظهره الأمة المملوكة لجميع الرجال الأجانب، أما من استثناهم الله في الآية ممن أبيح لهم النظر للمرأة بقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ النور ٣١٠ ... فقد أباح الله لها أن تضع الرداء ولا تضرب الخمار على جيبها أمامهم.
стр. 231
وسنذكر من الشواهد والقرائن في الآية ومما أُثر عن الصحابة والتابعين ومن أقوال المفسرين وغيرهم من أهل العلم ما يؤكد ما ذكرنا؛ من أن هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ تُبين ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممّن لم يستثن في الآية؛ وليس المراد ما تظهره المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم:
- أولا: ما أثر عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية يؤكد هذا المعنى ويشهد له:
وقد أشار الشيخ الألباني إلى من فسّر الزينة الظاهرة بالوجه والكفين؛ مكتفيا بسرد أسمائهم ومخرجي أقوالهم! وبالرجوع إلى أقوالهم في المواضع المشار إليها يتبين أنهم لم يقتصروا في تفسير الزينة الظاهرة على (الوجه والكفين) فقط بل زاد بعضهم (الخاتم والسوار) مما يشهد لما ذكرنا لأنه لم يقل أحد من أهل العلم بجواز إبدائها للرجال الأجانب ولا الشيخ الألباني نفسه! وهذه أقوالهم في تفسير قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾:
١ - عائشة ﵂:
стр. 232
- عند الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٩): قالت: (القلب والفتخة) والقلب: هو السوار، والفتخة: وهي خواتيم كبار. (١) إسناده صحيح.
- عند ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي؛ قالت: (القلب والفتخة). (٢) إسناده صحيح.
- عند البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٦) قالت: (الوجه والكفان) إسناده ضعيف. (٣)
٢ - عبد الله بن عباس ﵁
- عند ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤٦): قال (الكف ورقعة الوجه) وفي إسناده مقال.
- عند الطحاوي قال: (الكحل والخاتم) (٤) اسناده صحيح
- عند البيهقي من عدة طرق قال (الكحل والخاتم) (٥) اسناده صحيح
стр. 233
- عند ابن جرير الطبري (١٨/ ١١٨) قال (الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها). اسناده حسن.
- عند ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٧٤) قال (وجهها وكفاها والخاتم) (١).اسناده صحيح
- عند ابن جرير الطبري (١٨/ ١١٩) قال (الخاتم والمسكة). المسكة: السوار. اسناده صحيح
- عند ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤٧) قال: (وجهها وكفها) وعند البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٥): قال (ما في الكف والوجه) وإسنادهما ضعيف. (٢)
٣ - عبد الله بن عمر ﵁:
- عند ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤٦) قال: (الوجه والكفان). (٣) وما أشبه إسناده بإسناد أثر ابن عباس في تفسير آية الإدناء الذي رماه الشيخ بالضعف!! ولذلك عزا تصحيحه لابن حزم!!
стр. 234
٤ - أنس بن مالك ﵁:
- عند ابن المنذر كما في الدر المنثور (٦/ ١٧٩) والبيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٥) قال: (الكحل والخاتم) إسناده صحيح
٥ - أبو هريرة ﵁:
- عند ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٨) قال: (القلب والفتخة) إسناده صحيح.
٦ - المسور بن مخرمة ﵁:
- عند ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٩) قال (القلبين والخاتم والكحل).
وبعد أن عرضنا هذه الأقوال التي أشار إليها الشيخ الألباني دون أن ينقلها؛ ننقل أيضا ما أشار إليه من تصحيح ابن حزم لبعض هذه الأقوال دون أن ينقل قول ابن حزم أو يشير إلى الموضع الذي صححها فيه!!
قال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٢١): وقد روينا عن ابن عباس في ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال (الكف والخاتم والوجه)، وعن ابن عمر (الوجه والكفان)، وعن أنس (الكف والخاتم) وكل هذا عنهم في غاية الصحة، وكذلك أيضا عن عائشة وغيرها من التابعين. اهـ
стр. 235
فالأثر الذي صححه ابن حزم عن ابن عباس وأنس؛ فيه أن الخاتم من الزينة الظاهرة، كما أن ابن حزم أشار إلى صحة ما أثر عن عائشة؛ ولم يصح عنها إلا قولها (القلب والفتخة) وغيرها من التابعين من تلامذة ابن عباس:
- قتادة عند الطبري (١٨/ ١١٨) قال (المسكتان والخاتم والكحل).
- سعيد بن جبير عند الطبري (١٨/ ١١٧) قال: (الكحل والخاتم).
- مجاهد عند الطبري (١٨/ ١١٧) قال: (الكحل والخضاب والخاتم).
فخلاصة ما صح عن الصحابة؛ عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، والمسور بن مخرمة والتابعين؛ سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة؛ أن الزينة الظاهرة هي: الكحل والخاتم والسوار. فإذا ثبت عن كبار الصحابة والتابعين أن الخاتم والسوار من الزينة الظاهرة؛ دل ذلك على أن الذين تبدى لهم الزينة الظاهرة هم ممن يباح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب، لأنه من الثابت شرعا النهى عن إبداء هذه الزينة للرجال الأجانب. (١)
стр. 236
قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ١٥٨):
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: عنى بذلك: الوجه والكفان، يدخل في ذلك: الكحل، والخاتم، والسوار، والخضاب. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل؛ لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلا ما روي عن النبي ﷺ أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف. اهـ
وقال ابن عطية (ت ٥٤٢ هـ) في المحرر الوجيز (٤/ ١٧٨) والقرطبي (ت ٦٧١ هـ) في الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٢٨) والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٢٧): أمر الله النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارا من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، واختلف الناس في قدر ذلك ... وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ، ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. قال القرطبي: فهذا أقوى من جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها. اهـ
فلما ثبت أن المراد بالزينة الظاهرة؛ ما تبديه المرأة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ ثبت بذلك براءة ابن عباس مما نسب إليه من القول بجواز كشف الوجه.
стр. 237
قال أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣): أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال: " والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها" هكذا تمام كلام ابن عباس ولكن كثيراً من العلماء ينقلون عنه الشق الأول! فما نسب إلى ابن عباس بأن المراد من قوله تعالى (إلا ما ظهر منها) الوجه والكفان، ليس مطلقاً وإنما هو مقيد في بيتها لمن دخل من الناس عليها. ومما يؤكد هذا تفسيره لقوله تعالى (يدنين عليهن من جلابيبهن) فقد أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس قال: " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة" فقد صح مثله عن عبيدة السلماني. وانظر الرواية التالية لابن عباس: أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس، قال ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ إلى قوله: ﴿عورات النساء﴾ قال: الزينة التي يبدينها لهؤلاء: قرطاها وقلادتها وسوارها، فأما خلخالاها ومعضداها، ونحرها، وشعرها فإنه لا تبديه إلا لزوجها " وفيها أن الزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها وقلادتها وسواراها، وأما الخلخال والنحر والشعر فلا تبديه إلا لزوجها. ومع الأسف الشديد أن مسألة جواز كشف الوجه واليدين ينسبه العلماء لابن عباس على إطلاقه، فليحرر.
стр. 238
- ثانيا: توافق المعنى الذي يحمله تأويل ابن عباس وابن مسعود ﵃ لهذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فإن الآية تضمنت معنيين مترادفين أشار ابن عباس إلى أحدهما وأشار ابن مسعود إلى الآخر، فإن الله تعالى نهى المرأة في هذه الآية عن إبداء زينتها؛ وهي كما صح عن ابن مسعود " القرط والدملج (١) والخلخال والقلادة" (٢) وذلك بلبس ما يخفي هذه الزينة من رداء أو ملحفة مما تتخذه المرأة في بيتها - وهو ما يسميه العامة الآن الجلال - وهو ما عبر عنه ابن مسعود بقوله (الثياب) فإذا أخفت المرأة هذه الزينة بلبس هذه الثياب وضربت الخمار على جيبها فلن يظهر من الزينة إلا مافي (الوجه والكفين) من الكحل والخضاب والخاتم والسوار، وإلى هذا المعنى أشار ابن عباس. فالخلاف خلاف تنوع وليس خلاف تضاد؛ فإن ابن مسعود لم يعُدّ مما سيَخفَى من الزينة تحت الثياب ما أظهره ابن عباس من الوجه والكفين، وابن عباس لم يُظهر ما أخفاه ابن مسعود تحت الثياب من القرط والدملج والخلخال والقلادة!! (٣) وبذلك اتضح اتفاقهما في المراد من الآية وأمكن الجمع بين كل ما ورد في تأويل قوله تعالى (إلا ما ظهر منها).
стр. 239
مما يشهد لصحة تأويل ابن مسعود:
١ - أن الرخصة بوضع الثياب للنساء القواعد في آخر سورة النور هي استثناء من هذه الآية، كما جاء ذلك عن ابن عباس قال ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فنسخ واستثنى من ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور ٦٠. (١) فإذا كانت الآية الناسخة فيها استثناء النساء القواعد بالإذن لهن بوضع الثياب؛ دل ذلك على أن الآية الأولى فيها عدم الإذن بوضع الثياب، وهذا يوافق ما قال ابن مسعود.
٢ - أخرج الطبري (٨/ ١٦٠) عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الأعراف: ٣١ ... ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ قال (الثياب). وهذه موافقة من ابن عباس لابن مسعود في تفسير الزينة بالثياب.
٣ - أن تفسير الزينة بالوجه والكفين هو خلاف ظاهر القرآن ولغة العرب، إلا أن يكون المراد مافي الوجه والكفين من الزينة:
قال الشنقيطي في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٥/ ٥١٦): الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: كالحلي ... كما أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادا به الزينة الخارجة عن أصل
стр. 240
المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى (يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) الأعراف ٣١ وقوله تعالى (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) الكهف ٤٦، وقوله تعالى (فخرج على قومه في زينته) القصص ٧٩، وقوله تعالى عن قوم موسى: (ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم) طه ٨٧، فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته، كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن، يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر. اهـ
- ثالثا: ومما يشهد أن المراد بالنهي في قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ هو نهي المرأة عن وضع الثياب الظاهرة (من رداء أو ملحفة) في البيوت إلا لمن سماهم الله في الآية الأمور الآتية:
١) ما أسلفناه من أن الرخصة بوضع الجلباب والرداء للنساء القواعد في آخر سورة النور هي استثناء م ن هذه الآية؛ فقد صح عن ابن مسعود وابن عباس أن المراد بقوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ الجلباب والرداء. (١)
стр. 241
- وفي رواية قال ابن عباس: هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب. (١)
- وقال مجاهد قال: تضع الجلباب في الدار والحجرة. (٢)
- وقال عطاء: هذا في بيوتهن، فإذا خرجت فلا يحل لها وضع الجلباب. (٣)
- وجاء في التسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ٧٢): قال ابن مسعود إنما أبيح لهن وضع الجلباب الذي فوق الخمار والرداء، وقال بعضهم إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها.
٢) الآثار التي تدل على لبسهن لهذه الثياب - الأردية - في البيوت:
- ما ورد عن إبراهيم النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي ﷺ فيراهن في اللحف الحمر. وما روي عن ابن أبي مليكة قال: رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر. (٤)
- وما ورد عن شميسة أنها قالت (دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق ودرع وخمار) (٥)
стр. 242
* وهذا مما أشكل على الشيخ الألباني فظن أن هذه الأردية التي تتخذها النساء في البيوت هي الجلابيب التي أُمرت بإدناءها عند الخروج ولذلك قال في كتابه جلباب المرأة (ص ١٢١): واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا واستشهد بما أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) (٨/ ٣٧١ - ٣٧٢):
١ - عن إبراهيم وهو النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي ﷺ فيراهن في اللحف الحمر.
٢ - قال ابن أبي مليكة: رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر.
٣ - عن القاسم أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة.
٤ - عن فاطمة بنت المنذر أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة.
٥ - عن سعيد بن جبير: أنه رأى بعض أزواج النبي ﷺ تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة.
والجواب عليه بالآتي:
أولا: أن قوله هذا مناقض لقوله في الصفحة التي تسبقها (ص ١٢٠): والمقصود من الأمر بالجلباب إنما هو ستر زينة المرأة فلا يعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة وهذا كما ترى بين لا يخفى ولذلك قال الإمام الذهبي في (كتاب
стр. 243
الكبائر) (ص ١٣١): (ومن الأفعال التي تلعن عليها المرأة إظهار الزينة والذهب واللؤلؤ تحت النقاب وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت ولبسها الصباغات والأزر الحريرية والأقبية القصار مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة).
ثانيا: أن ذلك مخالف لما جاء مصرحا به في صحيح السنة من لبس النساء للجلابيب السود امتثالا لآية الأمر بإدناء الجلابيب كما صح عن أم سلمة ﵂ أنها قالت" لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان" "من أكسية سود يلبسنها" (١) قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة (ص ٨٣): شبهت الأكسية في سوادها بالغربان.
فالثابت أن الأكسية التي سارعت إلى لبسها النساء عند الخروج امتثالا لآية إدناء الجلابيب هي المرط السود:
أخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله ﷺ فكأنما على رؤوسهن الغربان) وفي رواية (ما منهن امراة إلا قامت إلى مرطها المرحل
стр. 244
فاعتجزت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فاصبحن يصلين وراء رسول الله ﷺ الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان). (١)
قال ابن قتيبة في غريب الحديث (٢/ ٤٥٤): قولها: فأصبحن على رؤوسهن الغربان. تريد: أن المروط كانت من شعر أسود فصار على الرؤوس منها مثل الغربان، ومما يوضح هذا حديث عن عائشة أن رسول الله ﷺ (خرج ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود) (٢)
يشهد لذلك أيضا ما جاء في مسند أحمد (٤٢/ ٤٢٢) (٢٥٦٢٨): (عن عائشة " أن رسول الله ﷺ كان يصلي وعليه مرط من هذه المرحلات، وكان رسول الله ﷺ يصلي وعليه بعضه، وعلي بعضه" والمرط من أكسية سود) (٣)
قال العيني في عمدة القاري (٤/ ٨٩): وفي (مجمع الغرائب) المروط: أكسية من شعر أسود. (٤)
стр. 245
ومما يشهد لذلك أيضا ما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي ﷺ ثم يرجعن متلفعات بمروطهن) (١)
وفي تاج العروس (٢٢/ ١٥٥): اللفاع وهو الكساء الأسود. وفي معجم متن اللغة (٥/ ١٩٤): اللفاع: الملحفة أو الكساء الغليظ تتلفع به المرأة، وزاد بعضهم الأسود.
ثالثا: أن الآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني علاوة على ما في أسانيدها من العلل؛ فإن المراد بها الملاحف والأردية التي تتخذها النساء في البيوت كما أسلفنا؛ وليست الجلابيب التي تدنيها النساء عليهن عند الخروج، وبيان ذلك بالآتي:
١ - عن إبراهيم وهو النخعي (أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي ﷺ فيراهن في اللحف الحمر) (٢) فقوله (كان يدخل .. فيراهن) دليل على أن رؤيته لهن كان بدخوله عليهن، كما أن دخوله عليهن ورؤيته لهن كان بسبب
стр. 246
صغر سنه كما في جامع التحصيل (١/ ١٤١): (قال يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم؛ إبراهيم النخعي دخل على عائشة ﵂ وهو صغير، زاد الرازيان؛ ولم يسمع منها شيئا)، وفي التاريخ الكبير (١/ ٣٣٣) والثقات لابن حبان (٤/ ٩): عن أبي معشر أن النخعي حدثهم أنه دخل على عائشة فرأى عليها ثوبا أحمر، فقال له أيوب وكيف دخل عليها، قال كان يحج مع عمه وخاله فدخل عليها وهو غلام. اهـ
فسؤاله عن كيفية دخوله عليها يؤكد أنه لم يكن لأحد أن يدخل عليهن ويكلمهن إلا من وراء حجاب (١)؛ فكان دخول إبراهيم مع علقمة والأسود للسماع من عائشة ﵂ من وراء الحجاب، وإبراهيم اخترق الحجاب لصغر سنه ونظر إليها.
٢ - عن ابن أبي مليكة قال: (رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر). أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ١٥٩) وفي إسناده علّه فإن ابن أبي مليكة لم يدرك أم سلمة كما قال القاري في مرقاة المفاتيح (٥/ ٨٤) وعلى فرض أنه أدركها؛ فسيكون دخوله عليها في صغره. ومع ذلك فليس فيه حجة،
стр. 247
لأن رؤيته لدرعها - ثوبها- المعصفر يؤكد أن ذلك كان بدخوله عليها لأنها لو كانت خارجة لما استطاع رؤية درعها لأن الجلباب سيستره.
٣ - عن القاسم (أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة) وهذا ليس فيه حجة أيضا إذ ليس في الأثر ما يثبت خروج عائشة بهذه الثياب المعصفرة، والقاسم هو ابن أخيها محمد بن أبي بكر، فهو ممن يدخل عليها ويراها دون حجاب فلا حجة في رؤيته لثيابها.
٤ - عن فاطمة بنت المنذر (أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة). وهذا أيضا ليس فيه حجة، فإن الذي رأى هذه الثياب المعصفرة هي امرأة.
٥ - عن سعيد بن جبير: (أنه رأى بعض أزواج النبي ﷺ تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة). وإسناده لا يصح (١)، ولعل الشيخ الألباني وهل عن أن أزواج النبي ﷺ لم يكن يخرجن بالنهار ينظر إليهن الرجال حتى وإن كن مستترات بالجلابيب، بل وحتى في الحج أو العمرة لم يكن يخالطن الرجال ومن ذلك ما استشهد به في كتابه الجلباب ص ١٠٩: (أن عمر بن الخطاب أذن لأزواج النبي ﷺ في الحج في آخر حجة حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف قال كان عثمان ينادي ألا لا يدنو إليهن أحد ولا ينظر إليهن أحد وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب وكان عثمان وعبد الرحمن
стр. 248
بذنب الشعب فلم يصعد إليهن أحد) (١) بل ولم يكنَّ يخاطن الرجال حتى في الطواف؛ فإما أن يطفن وهن راكبات في الهوادج من وراء الناس كما صح عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة "وفي رواية" فقال لها رسول الله ﷺ إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون" (٢)
وإما أن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن معتزلات عن الرجال كما صح عن عطاء قال (كانت عائشة ﵂ تطوف حجرة (٣) من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت عنك وأبت، وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال). (٤)
وبذلك فلا يصح قول الشيخ الألباني (ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا بلون غير السواد) إذ ليس لقوله هذا مستند شرعي يصح الاستناد عليه، بل هو مخالف لما جاء مصرحا به في صحيح السنة من لبس النساء للجلابيب السود امتثالا لآية إدناء الجلابيب، فهذا هو الأصل والمعمول به في هذه المسألة.
стр. 249
- رابعا: أن إبداء الزينة لمن سمى الله في الآية يكون بوضع هذه الثياب (الأردية) لا بوضع الخمار؛ يشهد لذلك الآتي:
١) الآثار الواردة في تفسير هذه الآية:
- أخرج الطبري عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ قال: والزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها. (١) قال البيهقي في سننه الكبرى (٧/ ٩٤): وهذا هو الأفضل ألا تبدي من زينتها الباطنة شيئا لغير زوجها إلا ما يظهر منها في مهنتها.
- وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة لأن الله تعالى يقول ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فليست من نسائهن. (٢)
- عن سعيد بن جبير في قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني عبد المرأة، لا يحل لها أن تضع جلبابها عند عبد زوجها. (٣) وقال مجاهد: تضع المرأة الجلباب عند المملوك. (٤)
стр. 250
- عن الزهري في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ قال: يرى الشيء من دون الخمار فأما أن تسلخه فلا. (١)
فخلاصة هذه الآثار أن المستثنين في الآية إنما يوضع عندهم الرداء دون الخمار؛ إذ لو كان المقصود وضع الخمار وإظهار الشعر لجاء مصرحا به ولو في بعض الروايات!! قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٨٤): ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية؛ كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير تبرج.
٢) الآثار التي تدل على كون الخمار من عامة لباسهن في البيوت أمام من يحل له الدخول عليهن:
- كما ثبت عن عائشة ﵂ أنها نذرت على نفسها ألا تكلم عبد الله بن الزبير أبداً، ثم استشفع ابن الزبير بمن يكلمها حتى كلمته وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها. (٢)
وذلك يقتضي ملازمة الخمار لها، كما يقال في الرجل كان يذكر الشيء فيبكي حتى تبل دموعه لحيته!!