← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 557

الدرة الثمينة في أخبار المدينة - ط بحوث المدينة

محب الدين ابن النجار

Полный текст (483 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المملكة العربية السعودية مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة (١٢) الدرة الثمينة في أخبار المدينة تأليف محمد بن محمود بن الحسن بن النجار ٥٧٨ - ٦٤٣ ه دراسة وتحقيق د. صلاح الدين بن عباس شكر

стр. 2

مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، ١٤٢٦ ه فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر البغدادي، محمد محمود الدرة الثمينة في أخبار المدينة/ محمد محمود البغدادي؛ صلاح الدين شكر - المدينة المنورة، ١٤٢٦ ه ٥٧٦ ص، ١٧ X ٢٤ سم ردمك: ٠ - ٧ - ٩٣٤٤ - ٩٩٦٠ أ- المدينة المنورة- تاريخ أ. شكر، صلاح الدين (محقق) ب- العنوان ج- السلسلة ديوي ٩٥٣.١٢٢ ... ١٥٧٣/ ١٤٢٦ رقم الإيداع: ١٥٧٣/ ١٤٢٦ ردمك: ٠ - ٧ - ٩٣٤٤ - ٩٩٦٠ حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٧ ه - ٢٠٠٦ م

стр. 3

بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 4

تقديم: هذا الكتاب واحد من عطاءات أسلافنا المتميزة في موضوعه ومنهجه؛ فموضوعه مدينة رسول الله ﷺ ، التي يطول الحديث عن قدسيتها ومكانتها في قلوب المسلمين، ومنهجه شمولي؛ يضم التاريخ، والجغرافيا، والخصائص، والتراجم، وشيئا من الحديث النبوي. فتراه في بعض الأبواب يتتبع التاريخ البعيد للمدينة في مرحلة تأسيسها، ويعرض الروايات التي تناقلها الرواة والأخباريون - وربما القصاصون - عن الأقوام الذين واكبوا طفولتها، ويقفز إلى عصرها الذهبي في عهد النبوة، وينقل قدرا من أخباره ولا يتجاوزه، وكأنه أراد أن تبقى تلك الصورة المتألقة للمدينة في نفوس من يقرأ الكتاب، ويؤكد ذلك بالوقوف عند ما يسميه أهل السير بالخصائص؛ فيسوق الأحاديث والأخبار عن فضائلها، وحدود حرمها، ويتخذ من موضوع الحرم معبرا إلى الحديث عن أهم مواقعها، ويركز على ما ارتبط بالقداسة، أو ما ذكرت الروايات له فضائل خاصة؛ كالمسجد النبوي، ومسجد قباء، ويعرج على الآبار والأودية، ويعرضها بالأسلوب نفسه، ثم يفسح للعنصر البشري مكانا واسعا؛ فيخصه بباب يتحدث فيه عن أشهر الأعلام الذين عاشوا وتوفوا فيها من الصحابة والتابعين وتابعيهم. ورغم أنه وقف في تاريخ الأحداث عند العهد النبوي؛ فإنه قد تجاوز في حديثه الجغرافي عن معالم المدينة إلى عصره، فوصف تلك المعالم رأي عين، وذرع معظمها بذراعه و شبره وقدمه؛ ليكون ما يكتبه عنها شاهدا موثقا، وساق معلوماته القديمة والجديدة عنها - وهي غير قليلة -، فاجتمعت في كتابته الصورة التراثية، وصورة عصره، وغلف ذلك كله بعاطفة إيمانية قوية، يحسها القارئ في باب وفصل.

стр. 5

ولكن كانت هذه العاطفة قد فتحت الباب لبعض الأحاديث الضعيفة، وبعض الروايات التي تنسب للقصاصين أكثر مما تنسب إلى المحدثين؛ فإن العذر الذي قدمه في مطلع كتابه لذلك هو بعده عن المصادر وقت كتابة مصنفه، واعتماده على الذاكرة، وهذا العذر بجمل من يتصدى لنشر الكتاب مسؤولية فرز الروايات والحكم على الأحاديث، وهذا ما حرص عليه المركز، ونهض به المحقق دون إفراط أو تفريط. ولا شك أن تراثنا العلمي بعطوره، وعوالق عصوره؛ هو جزء من شخصيتنا، والجذور التي ترتبط بها معارفنا، من حقه أن ندرسه وننشره، وتقدمه للأجيال الحاضرة والقادمة؛ بمنهجية علمية سوية؛ فإن الأمة التي تنقطع عن جذورها تفقد أهم معالم شخصيتها، وتتردى فيما قاله رسول الله: «إن المنبت الا أرضأ قطع، ولا ظهر أبقى» والمركز إذ يقدم هذا الكتاب - الذي طبع من قبل دون تحقيق منهجي - ليأمل أن تكون خطوته هذه رسالة إلى الناشرين والمهتمين بتراث المدينة المنورة؛ أن يحرصوا على خدمة هذا التراث بما يليق بمكانة المدينة وأهمية التراث، فيجتهدوا في خدمة النصوص وتدقيقا، وشرحا، وتعليقا، وفهرسة، فقدسية المدينة جديرة بهذه الخدمة، وتراثنا العلمي لا يجد التقدير الصحيح إلا بالعمل المنهجي الصادق، والله يحب «إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» وهو ولي التوفيق. د. عبد الباسط بدر مدير عام مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة

стр. 6

مقدمة: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى من والاه واتبع هداه وشرعه إلى يوم الدين. عن أبي هريرة ﵁، عن النبي الله ﷺ أنه قال: ((إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها)) (١). المدينة المنورة دار الإيمان، ومحضن المجتمع الإسلامي الأول، ومقر المسجد النبوي، الذي تشد إليه الرحال بعد المسجد الحرام، ومثوى رسول الله ﷺ ، يتطلع المسلمون في الآفاق لزيارتها والصلاة في مسجدها، والسلام على رسول الله ﷺ . ومنذ القديم اهتم بها علماء المسلمين، فكتبوا عنها المؤلفات الكثيرة (٢)، وتحدثوا فيها عن مكانتها وفضائلها، ووصفوا معالمها ومواقع أحداث السيرة _________ (١) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب فضائل المدينة، ح رقم ١٨٧٦، ص ٣٢٧، ومسلم في كتاب الإيمان ح ٢٣٣/ ١٤٧. (٢) من أقدم وأشهر من كتب وأرخ للمدينة المنورة؛ محمد بن الحسن بن زبالة، المتوفى عام تسع وتسعين ومئة، في كتابه أخبار المدينة، وقد تأثر به عدد كبير ممن جاؤوا بعده، وألفوا في تاريخ المدينة؛ فمنهم من تأثر بمنهجيته، ومن من تأثر بنتاجه العلمي. ويأتي في طليعة من تأثروا بابن زبالة؛ تلميذه وراوية كتابه، الزبير بن بكار، المتوفى سنة ست وخمسين ومئتين، في كتابه أخبار المدينة. وممن كتب وأرخ للمدينة النبوية؛ أبو زيد، عمرو بن شبة النميري البصري، المتوفى سنة اثنتين وستين ومئتين، في كتابه، تاريخ المدينة، متأثرًا بمنهجية ابن زبالة. ومنهم الشيخ يحيى بن الحسن العلوي، المتوفى سنة سبع وسبعين ومئتين، في كتابه: أخبار المدينة، وهو من أصحاب أصحاب ابن زبالة، وممن عاصر ابن شبة ............. =

стр. 7

النبوية فيها، ومساجدها، وأعلامها، وتوالت هذه المؤلفات منذ بداية عهد التدوين حتى يومنا هذا، وما زالت تظهر وتحمل دراسات جديدة متنوعة. _________ = والإمام أبو إسحاق إبراهيم الحربي، المتوفى سنة خمس وثمانين ومئتين، المنسوب له كتاب: المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة , ولعله لتلميذه القاضي وكيع، كما تعرض لذلك الشيخ حمد الجاسر. والعلامة المفضل بن محمد الجندي اليمني، المتوفى سنة ثمان وثلاث مئة، في كتابه: فضائل المدينة. والإمام الحافظ القاسم ابن عساكر، المتوفى سنة ست مئة، في كتابه: الأنباء المبينة، عن فضل المدينة. والإمام العلامة جمال الدين محمد بن أحمد المطري، المتوفى سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، في كتابه: التعريف بما آنست الهجرة من معالم دار الهجرة. ومنهم: عبد الله بن محمد المرجاني، المتوفى سنة تسع وستين وسبع مئة، في كتابه: بهجة النفوس والأسرار، في تاريخ هجرة النبي المختار ﷺ . والإمام زين الدين المراغي، المتوفى سنة ست عشرة وثمان مئة، في كتابه: تحقيق النصرة، بتلخيص معالم دار الهجرة، وقد أخذ واعتمد كثيرًا على كتاب ابن النجار: الدرة الثمينة في أخبار المدينة، وكتاب المطري: التعريف. والإمام العلامة نور الدين علي بن أحمد السمهودي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسع مئة، في كتابه: وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، وهو من أشهر المؤرخين في القرن العاشر الهجري، وهو من المؤرخين الذين تأثروا كثيرًا بمنهجية ابن زبالة. ومنهم في القرن العاشر الهجري أحمد بن عبد الحميد العباسي، في كتابه: عمدة الأخبار في مدينة المختار. والإمام قطب الدين النهرواني، المتوفى سنة ثمان وثمانين وتسع مئة، في كتابه: تاريخ المدينة. والشيخ محمد كبريت، المتوفى سنة سبعين وألف للهجرة، في كتابه: الجواهر الثمينة في محاسن المدينة. والإمام العلامة إسماعيل بن عبد الله النقشبندي الأسكداري، المتوفى سنة اثنتين وثمانين ومئة وألف للهجرة، في كتابه: ترغيب أهل المودة والوفا، في سكنى دار الحبيب المصطفى. ومن المؤرخين المعاصرين الذين ألفوا في تاريخ المدينة المنورة: إبراهيم بن علي العياشي، في كتابه: المدينة بين الماضي والحاضر. وعبد القدوس الأنصاري، في كتابه: آثار المدينة. وغالي محمد الأمين الشنقيطي، في كتابه: الدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين ﷺ . و د. صالح بن حامد الرفاعي، في كتابه: الأحاديث الواردة في فضائل المدينة. و د. خليل إبراهيم ملا خاطر في كتابه: فضائل المدينة المنورة. و د. عبد الباسط بدر في كتابه: التاريخ الشامل للمدينة المنورة.

стр. 8

ومن المؤلفات المتميزة التي ظهرت (كتاب الدرة الثمينة في أخبار المدينة) للإمام الحافظ المؤرخ محمد بن محمود النجار البغدادي، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة للهجرة، الذي نعرضه في هذا المبحث. وقبل الغوص في لجة هذا الكتاب النفيس، ألقي الضوء على العصر الذي ظهر فيه، والذي عاشه المؤلف، وأعرض بإيجاز أحواله السياسية، والاجتماعية، والعلمية. أ - الحالة السياسية في عصر ابن النجار: ضعفت الخلافة العباسية منذ أواسط القرن الخامس الهجري، وتسلط كبار الوزراء والعسكريين على مقاليد الأمور، وغدت الخلافة - بتعاظم نفوذ البويهيين ثم السلاجقة - عباءة دينية واسعة، لها مكانة دينية في النفوس، وسلطتها الفعلية محدودة جدًا، تزيد وتنقص بقدر قوة شخصية الخليفة واهتمامه بشؤون الحكم، وبراعته في تحجيم المتنفذين حوله. وكانت الولايات في الدولة العباسية الممتدة تحت سيطرة الأمراء الذين يحكمونها، ومعظمهم ممن سيطر عليها بالقوة، ولم يجد الخليفة بدًا من إقراره، وكانت علاقتهم بالخليفة تتحدد بثلاثة أمور، هي: الخطبة للخليفة وولي عهده، وضرب السكة باسمه، وإرسال بعض المال والهدايا السنوية إليه، ولكنهم بعد ذلك يتصرفون على هواهم، ويشعلون الحروب ويطفئونها، ويغزون إمارات ويوادعون أخرى بأهوائهم وتطلعاتهم. وفي القرن الأخير من عمر الدولة العباسية، كانت الأحداث الكبرى تعصف بها من كل جانب؛ الغزو الصليبي الذي اجتاح الشام وفلسطين

стр. 9

واقترب من الموصل، والغزو التتري الذي عصف بعدد من الولايات الإسلامية الشرقية والشمالية، ثم انداح إلى عاصمة الخلافة وأسقطها سنة ٦٥٦ هـ في أسوأ مذابح شهدها التاريخ آنئذ. وقد تولى الخلافة في هذه الفترة أربعة خلفاء عباسيون، هم: الناصر لدين الله، والظاهر بأمر الله، والمستنصر بالله، والمستعصم بالله. أما الناصر لدين الله؛ فقد تولى الخلافة من (٥٧٥ هـ إلى ٦٢٢ هـ)، وهو أطول الخلفاء العباسيين حكمًا، يذكر المؤرخون له صفات شخصية رفيعة، منها حسن الخلق، والظرف، والاهتمام بالعلم إلى درجة الاشتغال به (١)؛ حيث جمع عددًا من الأحاديث ورواها وأجاز بها عددًا من طلاب العلم، وأناب عنه من يجيز بها باسمه، وكان ابن النجار واحدًا ممن تلقى هذه الإجازة (٢). إلى جانب هذه الصفات؛ يذكر المؤرخون أنه كان سيئ السيرة، مائلاً إلى الظلم والعسف في الرعية، خربت في أيامه العراق؛ مما أحدثه من الرسوم وأخذ أموال الناس وأملاكهم، وكان يفعل الشيء وضده، وكان يرمي بالبندق، ويهوى الحمام، ويتشيع، بخلاف آبائه (٣). وأما الظاهر بأمر الله؛ فقد تولى الخلافة بعد أبيه الناصر (٦٢٢ - ٦٢٣ هـ)، ولكنه لم يعمر فيها سوى تسعة أشهر وبضعة أيام، حاول خلالها أن يصلح ما أفسده أبوه، فأوقف المكوس، وأعاد الأموال المصادرة، غير أن الأجل عاجله، _________ (١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٩٩، وتاريخ الخلفاء ٤٣٨ - ٤٤٩. (٢) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٩٨. (٣) الكامل ١/ ٤٥٢، وانظر أيضًا: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٢٠٠، وتاريخ الخلفاء، ٤٥١.

стр. 10

وتسلم الخلافة بعده ابنه المستنصر بالله (٦٢٣ - ٦٤٠ هـ)، وامتدت خلافته قرابة سبع عشرة سنة، وكان محمود السيرة. وبعد وفاته؛ بويع ابنه المستعصم بالله (٦٤٠ - ٦٥٦ هـ)، ولم تكن له قدرات الخليفتين السابقين في إدارة شؤون الحكم، فركن إلى وزيره مؤيد الدين العلقمي الرافضي، الذي كان له دور كبير في سقوط الدولة العباسية؛ حيث راسل التتار، وأطمعهم بالقدوم إلى العراق، وأخفى الحقائق عن الخليفة، حتى أوقعه ضحية يدوسونه بالأقدام حتى الموت، ويجتاحون بغداد، ويعملون فيها القتل والنهب. وقد عاصر ابن النجار ثلاث سنوات من حكم هذا الخليفة فقط، لذا فأَوْجَزُ ما نصف به الحياة السياسية في الفترة التي عاشها ابن النجار أنها تتسم بالقلق والاضطراب والحروب والتمزق. ب - الحالة الاجتماعية: بين الحياة السياسية والاجتماعية صلات قوية، وتأثير وتأثر؛ فالأوضاع السياسية المتردية تؤدي غالبًا إلى اضطراب الحياة الاجتماعية؛ حيث تظهر الأزمات الاقتصادية، وترتفع الأسعار، وتسوء العلاقات، وتشتد الفوارق بين فئات المجتمع، وينتشر الفقر والجوع في شرائح واسعة، وتظهر الأمراض والأوبئة، ويضطرب الأمن، وتكثر السرقات. وقد شهدت بغداد وعدد من المدن هذه الحالات في القرن الأخير من العصر العباسي؛ مثل الغلاء الذي حصل في الموصل سنة اثنتين وعشرين وستمائة.

стр. 11

وكانت هذه الحالات تظهر على فترات متقطعة، وتشتد لبعض الوقت، ثم تزول لتعاود الكرة بعد حين. ولا يخفى أن لمثل هذا الوضع الاجتماعي أثرًا بالغًا على الناس بعامة، وعلى العلماء بخاصة، لكن من العلماء من استسلم للأمر الواقع، ومنهم من شمر للدعوة والإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان ابن النجار واحدًا من هؤلاء؛ حيث ذكر في سيرته اهتمامه بأمور الناس، وتصديه للدعوة والإصلاح، رغم مشاغله العلمية. ج - الحالة العلمية: بالرغم من تفاقم الاضطربات السياسية، وكثرة الفتن والاختلافات، وتمزق الدولة العباسية، وما نتج عن ذلك من سوء الحالة الاجتماعية، وكثرة الجوع والأمراض والأوبئة، وعدم الأمن والاستقرار في كثير من الممالك والسلطنات الإسلامية كما تقدم، إلا أن الحالة العلمية كانت مزدهرة، يشجعها الخلفاء الذين عاصرهم ابن النجار؛ فقد اشتغل الناصر لدين الله أحمد أبو العباس في وسط خلافته برواية الحديث، واستناب عنه نوابًا في الإجازة والتسميع، وأجرى عليهم جرايات، وكتب للملوك والعلماء إجازات، وجمع كتابًا سبعين حديثًا، ووصل إلى حلب وسمعه الناس. وأجاز الناصر لجماعة من الأعيان، فحدثوا عنه، منهم ابن سُكَيْنة، وابن الأخضر، وابن النجار، وقاضي القضاة ابن الدامغاني، وولي العهد، والملك العادل وبنوه، والشيخ محمود الزنجاني، والشيخ المقداد القيسي (١). _________ (١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٩٧، تاريخ الخلفاء، ص ٤٥١.

стр. 12

يقول ابن النجار: شرفني الناصر بالإجازة، ورويت عنه بالحرمين، ودمشق، والقدس، وحلب، وبغداد، وأصبهان، ونيسابور، ومرو، وهمدان (١)، وفي سنة إحدى وعشرين وست مئة بنيت دار الحديث الكاملية بالقاهرة بين القصرين، وجعل شيخها أبو الخطاب ابن دحية (٢). وقد روى الخليفة الظاهر بأمر الله أبو نصر الحديث عن والده بالإجازة، وروى عنه أبو صالح؛ نصر بن عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجيلي (٣)، وهذا يدل على اهتمام الخلفاء في هذه الحقبة بالعلم والعلماء. وبنى الخليفة المستنصر بالله أبو جعفر المدرسة المستنصرية، ورتب فيها الرواتب الحسنة لأهل العلم، كما بنى على دجلة من الجانب الشرقي مدرسة، ما بني على وجه الأرض أحسن منها، ولا أكثر منها وقوفًا، وهي بأربعة مدرسين على المذاهب الأربعة، وعمل فيها مارستاناً، ورتب فيها مطبخًا للفقهاء، ومُزَمَّلة للماء البارد، ورتب لبيوت الفقهاء الحصر والبسط، والزيت، والورق، والحبر، وغير ذلك، وللفقيه بعد ذلك في الشهر دينارًا، ورتب لهم حمامًا، وهو أمر لم يسبق إلى مثله (٤). وقد بلغ ارتفاع وقوف المدرسة المستنصرية في العام نيفًا وسبعين ألف مثقال، وكان ابتداء عمارتها في سنة خمس عشرة وست مئة، وتمت في سنة إحدى _________ (١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٩٨. (٢) انظر: تاريخ الخلفاء، ص ٤٥٧. (٣) انظر: تاريخ الخلفاء، ص ٤٦٠. (٤) انظر: تاريخ الخلفاء، ص ٤٦١.

стр. 13

وثلاثين، ونقل إليها الكتب، وهي مئة وستون حملاً من الكتب النفيسة، وعدد فقهائها مئتان وثمان وأربعون فقيهًا من المذاهب الأربعة، وأربع مدرسين، وشيخ حديث، وشيخ نحو، وشيخ طب، وشيخ فرائض، ورتب فيها الخبز والطبيخ، والحلاوة والفاكهة، وجعل فيها ثلاثين يتيمًا، ووقف عليها ما لا يعبر عنه كثرة، وفتحت في رجب، يوم الخميس، وحضر القضاة والمدرسون والأعيان، وسائر الدولة، وكان يومًا مشهودًا (١). وقال ابن النجار: وبيعت كتب العلم في أيام الخليفة المستنصر بالله بأغلى الأثمان؛ لرغبته فيها، ولوقفها (٢). ولقد ختم القرآن آخر الخلفاء العباسيين المستعصم بالله على ابن النيَّار، فأكرمه يوم الختم ستة آلاف دينار، واستجاز له ابن النجار المؤيد الطوسي، وعبد المعز الهروي، وسمع منه بها شيخه أبو الحسن ابن النيار، وحدث عنه. وحدث عنه بهذه الإجازة في حياته الباذرائي، ومحيي الدين ابن الجوزي. وقد حدث عنه بمراغة ولده الأمير مبارك (٣). وهكذا نرى ازدهار العلم والحياة العلمية، وتشجيع الخلفاء للعلماء، ومشاركتهم في ازدهار العلم، وبنائهم للمدارس، والإغداق بالإنفاق عليها. _________ (١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٦٣، وتاريخ الخلفاء، ص ٤٦٢. (٢) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٥٧. (٣) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٧٤.

стр. 14

ترجمة ابن النجار: ١ - اسمه ونسبه: محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن بن هبة الله البغدادي، المعروف بابن النجار (١). ٢ - مولده: ولد ليلة الأحد، الثالث والعشرين من ذي القعدة عام ثمان وسبعين وخمس مئة ببغداد (٢)، وذكر ابن كثير أن ولادته كانت سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة (٣). ٣ - نشأته العلمية: نشأ ابن النجار بدار عرفت بالعلم والتقوى، ويتبين لنا ذلك من ترجمته لأخيه من أبيه علي بن محمود بن الحسن بن هبة الله النجار، أبو الحسن البزاز الأمين، أخي الأبوي: قرأ الفرائض والحساب حتى برع فيهما، وصار أعرف زمانه بقسمة التركات، وكان يعرف الجبر والمقابلة في الحساب، ويستخرج العويص من المسائل، من غير أن يكتب بيده شيئًا. ويقول: _________ (١) انظر: معجم الأدباء ١٩/ ٤٩ - ٥١، عقود الجمان في شعراء هذا الزمان، ٥٧١ - ٥٧٨، سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٣١، تاريخ الإسلام، ٢١٧، ترجمة ٢٦٠، الوافي بالوفيات ٥/ ٩، فوات الوفيات ٤/ ٣٦، طبقات الشافعي للسبكي ٨/ ٩٨، تاريخ الخلفاء، ص ٤٧٦، البداية والنهاية ١٣/ ١٩٩. (٢) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٣١، معجم الأدباء ١٩/ ٤٩، ترجمة ١٣، عقود الجمان في شعراء هذا الزمان، ص ٥٧١. (٣) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ١٩٩.

стр. 15

علقت عنه كثيرًا من الحكايات والأناشيد والتواريخ، وكان هو الذي رباني، فإن والدي ﵀ توفي ولي سبع سنين، وكان يحملني معه إلى الجامع في أيام الجمعة وأيام العيدين، ويعلمني كيف أقول. وحججت مع والدتي ولي تسع سنين، فكان أخي يأخذني على عنقه ويريني المناسك، ويطوف بي المشاهد، وكان يؤدبني، ويثقفني، وينبهني على معالي الأمور، جزاه الله عني خيرًا، فهو والدي وأخي. وكان ﵀ قد جمع كتابًا جليلاً في الفرائض، ذكر فيه كل فريضة تقع في الدنيا، وقسمتها، وفقدته بعد موته، وذهب في جملة ما ذهب من ماله (١). ولقد أبدى ابن النجار ذكاءه ومقدرته في حفظ الحديث وعلم الأصول في سنواته المبكرة، وأول سماعه وله عشر سنين، وأول عنايته بالطلب وله خمس عشرة سنة (٢). وشرع في كتابه التاريخ وعمره خمس عشرة سنة، والقراءات، وقرأ بنفسه على المشايخ كثيرًا، حتى حصل نحوًا من ثلاثة آلاف شيخ، من ذلك نحو من أربع مئة امرأة، وتغرب ثمانيًا وعشرين سنة، ثم جاء إلى بغداد وقد جمع أشياء كثيرة (٣). أخذ ابن النجار شيئًا من علم العربية عن جماعة من النحاة البغداديين، كأبي بكر (المبارك بن المبارك الواسطي النحوي الضرير) (٤)، ,وأبي الحسن علي بن _________ (١) انظر: ذيل تاريخ بغداد لابن النجار ١٩/ ٩٨ - ٩٩، ترجمة ٩١٥، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت. (٢) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١١، ترجمة ٩٨، ط ٩، مؤسسة الرسالة، بيروت، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٨/ ٩٩، ترجمة ١٠٩٣، طبعة دار إحياء الكتب العربية. (٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٣/ ١٩٩، ط ٢، دار المعرفة، بيروت. (٤) ولد سنة ٥٣٤ هـ، وتوفي ٦١٢ هـ، وكان ثقة، وتكلم بلغات كثيرة. الكامل لابن الأثير ١٠/ ٣٦٧، سير أعلام النبلاء للذهبي ٢٢/ ٨٦.

стр. 16

المبارك بن بانويه النحوي (١)، وأبي البقاء عبد الله بن الحسين النحوي العكبري (٢)، وأبي الخير مصدق بن شبيب بن الحسين الواسطي (٣). ثم اشتغل بالحديث وكتابته، وسمع ببغداد في سنة ثمان وثمانين وخمس مئة، وهو أول سماعه، ثم طلبه بنفسه في سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة، يقرؤه على أبي الفرج بن عبد الوهاب بن صدقة بن كليب الحراني (٤)، وأبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي (٥)، وأبي أحمد عبد الوهاب بن علي بن علي بن سُكَيْنة البغدادي (٦)، وأبي طاهر المبارك بن المبارك بن هبة الله بن المعطوش العطار (٧)، وأبي القاسم ذاكر بن كامل بن أبي غالب الخفاف (٨)، وعلى جماعة سواهم. _________ (١) ولد سنة ٥٤٣ هـ، قتل شهيدًا بأصبهان ٦٣٢ هـ، وهو واعظ، ومفتي شافعي المذهب. الكامل لابن الأثير ١٠/ ٦٤٨، سير أعلام النبلاء ١٩/ ٥٢١. (٢) ولد سنة ٥٣٨ هـ، وتوفي ٦١٦ هـ، وكان ثقة، صنف كتاب إعراب القرآن الكريم. مختصر تاريخ ابن الدبيثي، ص ٢١٤، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ٩١. (٣) ولد سنة ٥٣٥ هـ، وتوفي سنة ٦٠٥ هـ، قرأ النحو على ابن الخشاب وعلى ابن الأنباري وابن العطار. مختصر ابن الدبيثي، ص ٥٣١. (٤) ولد سنة ٥٠٠ هـ، وتوفي ٥٩٦ هـ، وكان سماعه صحيحًا. مختصر ابن الدبيثي، ص ٢٧٨، وسير أعلام النبلاء ٢١/ ٢٥٨. (٥) ولد سنة ٥٠٩ هـ، وتوفي سنة ٥٩٧ هـ، له مؤلفات كثيرة في شتى العلوم. مختصر تاريخ ابن الدبيثي، ص ٢٣٧ - ٢٣٨، ترجمة ٨٦٤، سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٦٥. (٦) ولد سنة ٥١٩ هـ، وتوفي سنة ٦٠٧ هـ، وكان ثقة. مختصر ابن الدبيثي، ص ٢٥٩، العبر ٣/ ١٤٥، شذرات الذهب ٥/ ٢٥. (٧) ولد سنة ٥٠٧ هـ، وتوفي سنة ٥٩٩ هـ، وكان يقظًا، فطنًا، صحيح السماع. مختصر ابن الدبيثي، ص ٣٣٣، سير أعلام النبلاء ٢١/ ٤٠٠. (٨) توفي سنة ٥٩١ هـ، كان صالحًا، خيرًا، يتقوت من عمله، وكان أميًا لا يكتب. مختصر ابن الدبيثي، ص ١٨٣، سير أعلام النبلاء ٢١/ ٢٥٠، شذرات الذهب ٢/ ٣٠٦.

стр. 17

٤ - رحلاته العلمية: لا تتوفر المعلومات الكاملة عن نطاق سماع ابن النجار خلال رحلاته، وتاريخ هذه الرحلات، إلا أننا نذكر ما توافر لنا من سماعه في بعض هذه الرحلات: رحلته إلى الحجاز: لقد حج ابن النجار حجته الأولى وهو صغير مع أخيه وأمه وعمره تسع سنوات، وذلك عام ٥٨٧ هـ كما تقدم. وحج حجته الثانية في سنة ست وست مئة، وأقام في مكة والمدينة سنة سبع وست مئة، وسمع من إمام الحنابلة بالحرم الشريف نصر بن محمد بن علي، المعروف بالحصري (١). ويقول ابن النجار: كنت سمعت منه شيئًا يسيرًا في بغداد، وقرأت عليه كثيرًا أثناء إقامتي بمكة المكرمة، واستفدت منه كثيرًا، وسألته سؤالات، وكان من العلم والدين بمكان (٢). ويقول: لما دخلت مدينة النبي ﷺ ، وأسعدت بزيارته، أقمت بها، فاجتمعت بجماعة من أهل الصلاح والعلم والفضل من المجاورين بها - وفقهم الله وإيانا لمرضاته -، فسألوني عن فضائل المدينة وأخبارها، فأخبرتهم بما تعلق في خاطري من ذلك، فسألوني إثباته في أوراق، فاعتذرت إليهم بأن الحفظ قد يزيد وينقص، _________ (١) ولد في رمضان سنة ست وثلاثين وخمس مئة، وتوفي باليمن في بلدة المهجم سنة تسع عشرة وست مئة، وكان من حفاظ الحديث العارفين بفنونه، متقنًا، ضابطًا، ثقة، حجة، نبيلاً. ذيل تاريخ بغداد ٢١/ ١٨٢، ترجمة ١٨٧. (٢) سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٦٣، ترجمة ١١١، العقد الثمين للفاسي ٧/ ٣٣٢، ترجمة ٢٥٩٠.

стр. 18

ولو كانت كتبي حاضرة؛ كنت أجمع كتابًا في ذلك شافيًا لما في النفس، فألحوا عليَّ، وقالوا: تحصيل اليسير خير من فوات الكثير، وهذه البلدة مع شرفها قد خلت ممن يعرف من أخبارها شيئًا، ونحن نحب أن يكون لك بها أثر صالح تذكر به. فأجبتهم لذلك؛ رجاء لبركتهم، واغتنامًا لامتثال أمرهم، وقضاء لحق جوارهم وصحبتهم، وطلبًا لما عند الله تعالى من الثواب بنشر فضائل دار الهجرة ومنبع الوحي، وذكر أخبارها، والترغيب في سكناها، والحث على زيارة المدفون بها صلوات الله عليه وسلامه، واستخرت الله ، وأثبت في هذا الكتاب ما تيسر من ذلك بعون الله وحسن توفيقه، ثم إني ذكرت أكثره بغير إسناد؛ لتعذر حضور أصولي (١). رحلته إلى الشام: دخل ابن النجار الشام من مكة المكرمة في سنة ثمان وست مئة، فقرأ بدمشق على أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي (٢)، وابي القاسم الحرستاني (٣)، وكتب بالإجازة عن أبي المواهب الحسن بن العدل أبي البركات هبة الله بن محفوظ بن صصرى (٤). _________ (١) مقدمة ابن النجار في كتابه الدرة الثمينة في أخبار المدينة. (٢) ولد في سنة خمس مئة وعشرين، وتوفي في دمشق سنة ست مئة وثلاث عشرة، وكان ثقة في الحديث والقراءات. معجم الأدباء ٤/ ٢٢٢، ومختصر تاريخ ابن الدبيثي، ص ١٨٥ - ١٨٦. (٣) هو عبد الصمد بن محمد الأنصاري الدمشقي الشافعي الحرستاني، من ذرية سعد بن عبادة ﵁، ولد سنة عشرين وخمس مئة، وتوفي سنة أربع عشرة وست مئة، مسند الشام، شيخ الإسلام، وكان إمامًا فقيهًا، ورعًا، صالحًا، محمود الأحكام. معجم البلدان ٢/ ٢٤١، سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٨٠. (٤) ولد سنة سبع وثلاثين وخمس مئة، وتوفي سنة ست وثمانين وخمس مئة، وثقه ابن الدبيثي في تاريخه، ص ١٦٧، سير أعلام النبلاء ٢١/ ٢٦٤، شذرات الذهب ٤/ ٢٨٥.

стр. 19

رحلته إلى حلب: وقدم إلى حلب بعد دمشق، فسمع بها أبا هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي (١)، وأبا محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي (٢). رحلته إلى الموصل: سمع في الموصل من الشيخ المقرئ أبي الفرج محمد بن عبد الرحمن بن أبي العز الواسطي السَّفَّار (٣). رحلته إلى تكريت: وسمع في تكريت من يحيى بن سعد الله بن حسين بن أبي تمام التكريتي، أبو الفتوح بن أبي السعادات (٤). رحلته إلى هراة وسمع في هراة من مسند خراسان حافظ الدين أبي روح عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل الساعدي الخراساني الهروي البزاز الصوفي (٥). _________ (١) توفي في حلب سنة ست عشرة وست مئة، وصفه الذهبي بالشيخ الإمام العلامة كبير الحنفية. سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٩٩، العبر ٣/ ١٧٠، شذرات الذهب ٥/ ٦٩. (٢) ولد سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، وتوفي سنة ثلاث وعشرين وست مئة، وكان له فهم ومعرفة وعناية تامة بالحديث. سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٣٠٣، شذرات الذهب ٥/ ١٠٨. (٣) مات في جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة وست مئة، وله مئة سنة وسنة. مختصر ابن الدبيثي، ص ٣٨، ترجمة ١٢٧، سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٥٩، ترجمة ١٠٦. (٤) ولد سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة، وتوفي في محرم سنة ثمان عشرة وست مئة بتكريت، عمل بتكريت دار حديث، أجمع أهل بلده على صلاحه والثناء عليه. مختصر ابن الدبيثي، ترجمة ١٤٥٥، ص ٣٨١، شذرات ٤/ ٢٥٥، النجوم الزاهرة ٦/ ٦٦. (٥) ولد في ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة بهراة، قال الضياء: قتله الترك في ربيع الأول سنة ثماني عشرة وست مئة، قال الذهبي عنه: الشيخ الجليل الصدوق. سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١١٤، العبر ٣/ ١٧٧، شذرات ٥/ ٨١.

стр. 20

رحلته إلى أصفهان: سمع في أصفهان من أصحاب أبي بكر محمد بن علي بن أبي الذر الصالحاني (١)، وإسماعيل بن الفضل بن أحمد بن الإخشيد السراج (٢)، وغانم بن خالد بن عبد الواحد بن أحمد، الشيخ أبو القاسم الأصبهاني التاجر (٣)، وزاهر بن طاهر بن محمد بن أحمد النيسابوري الشحامي المستملي الشروطي الشاهد (٤). رحلته إلى نيسابور: ثم رحل إلى نيسابور، فسمع بها من المؤيد بن محمد بن علي الطوسي (٥)، وأبي بكر القاسم بن عبد الله بن عمر بن أحمد الصفار (٦)، وزينب بنت عبد الرحمن _________ (١) ولد سنة ثمان وثلاثين وأربع مئة، وتوفي سنة ثلاثين وخمس مئة، قال الذهبي: الشيخ الصدوق، مسند وقته. سير أعلام النبلاء ١٩/ ٥٨٥، شذرات ٤/ ٩٦. (٢) ولد سنة ستة وثلاثين وأربع مئة، وتوفي سنة أربع وعشرين وخمس مئة، قال الذهبي: الشيخ لأمين، والمسند الكبير، وثقه أبو طاهر السلفي. سير أعلام النبلاء ١٩/ ٥٥٥، ترجمة ٣٢٢، تاريخ الإسلام ٤/ ٢٥٥، شذرات الذهب ٤/ ٦٨ - ٦٩. (٣) ولد سنة اثنتين وخميس وأربع مئة بأصفهان، وتوفي في رجب سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة، قال السمعاني: كان سديدًا، ثقة، مكثرًا. سير أعلام النبلاء ٢٠/ ١٠٠، ترجمة ٦٠، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٨٣. (٤) ولد سنة ست وأربعين وأربع مئة، مات في نيسابور في عاشر ربيع الآخر، سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة، قال الذهبي عنه: الشيخ العالم المحدث المفيد المعمر، مسند نيسابور. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي ١٧/ ٣٣٦ - ٣٣٧، ترجمة رقم ٤٠٤٨، وسير أعلام النبلاء ٢٠/ ٩، ترجمة ٥، البداية والنهاية لابن كثير ١٢/ ٧١٩. (٥) ولد سنة أربع وعشرين وخمس مئة، وتوفي سنة سع عشرة وست مئة، قال الذهبي عنه: الشيخ الإمام المقرئ المعمر. وفيات الأعيان ٥/ ٣٤٥، سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٠٤، ترجمة ٧٦. (٦) ولد سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة، واستشهد في سنة سبع عشرة وست مئة، قال الذهبي: الإمام الفقيه المسند الشافعي، مفتي خراسان. سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٠٩، ترجمة ٧٨، شذرات الذهب ٥/ ٨١.

стр. 21

ابن أحمد الشَّعري (١)، وغيرهم. رحلته إلى مرو: ثم رحل إلى مرو، فسمع بها من أبي المظفر عبد الرحيم بن عبدالكريم السمعاني (٢)، وغيره. رحلته إلى همدان: ثم عاد ابن النجار إلى بغداد، وخرج منها إلى بلاد الجبل، فسمع بهمدان من أصحاب أبي المحاسن نصر بن المظفر البرمكي الجرجاني ثم الهمداني (٣)، ثم عاد إلى بغداد، فسمع ببسطام، ودامغان، والري، وساوة، وهمدان، وأسداباذ، وغير ذلك من البلاد، ولم تذكر المصادر الشيوخ الذين سمع منهم في هذه الرحلات، ولا تحديد تاريخها (٤). ثم أقام ببغداد سنة، ثم عاد ودخل أصفهان، فسمع بطريقه بنهاوند، والكرج، وأقام بأصفهان إلى أن استولى الكفار على البلاد سنة عشرين وست _________ (١) توفيت في نيسابور سنة خمس عشرة وست مئة، قال الذهبي: الشيخة الجليلة، مسندة خراسان، أم المؤيد، حرة ناز الجرجانية الأصل، النيسابورية الشعرية. سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٨٥، ترجمة ٦٠، شذرات الذهب ٥/ ٦٣. (٢) ولد سنة سبع وثلاثين وخمس مئة، وتوفي سنة سبع عشرة وست مئة، أوفي التي بعدها، قال ابن النجار: حصل السمعاني من كل فن، وانتهت إليه رياسة الشافعية ببلده، وكان معظمًا محترمًا. سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٠٧، ترجمة ٧٧، لسان الميزان ٤/ ٦، شذرات الذهب ٤/ ٦. (٣) مولده ببغداد بعد الخمسين وأربع مئة، قال ابن النجار: أكثر الأسفار، ودخل خراسان، وبخارى، وسمرقند، وكاشغر، والسند، ودمشق، توفي ليلة القدر، سنة تسع وأربعين وخمس مئة. سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٦٣، ترجمة ١٧٨، النجوم الزاهرة ٥/ ٣١٩، شذرات ٤/ ١٥٤، تاريخ إربل ١/ ٣٣٣. (٤) انظر: قلائد الجمان، ص ٥٧٣، معجم الأدباء ١٩/ ٤٩، سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٣١.

стр. 22

مئة (١)، وهو بها يكتب ويسمع، إلى أن يسر الله له الخروج منها سالمًا مع كتبه وما جمعه وألفه إلى بغداد، فدخلها، وأقام بها ثلاثة أشهر، ثم رحل عنها إلى البلاد الشامية رحلته الثانية، فحدث بها، ثم توجه إلى الديار المصرية. رحلته إلى مصر: لعل رحلة ابن النجار إلى مصر كانت سنة عشرين وست مئة، أو في السنة التي بعدها، فسمع بها من الزاهد الكبير محمد بن إبراهيم بن أحمد بن طاهر الشيرازي الخبري الفيروزآبادي الشافعي الصوفي (٢)، وكتب عن الشيوخ في مصر، وعلق الفوائد، وأكرمه سلطانها الملك الكامل أبو المظفر محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب (٣)، وسأله المقام فلم يجب إلى ذلك. رحلته إلى الإسكندرية: سمع ابن النجار في الإسكندرية من الشيخ الإمام المقرئ المجود المحدث المسند الفقيه أبي الفضل جعفر بن علي بن هبة الله الهمداني الإسكندراني _________ (١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٢٣٩. (٢) ولد في حدود سنة ثلاثين وخمس مئة، وتوفي في سادس عشر ذي الحجة، سنة اثنتين وعشرين وست مئة، يقول الذهبي: له تصانيف في إشارات القوم، فيها انحراف بيِّن عن السنة. سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٧٩، ترجمة ١٢٠، النجوم الزاهرة ٦/ ٢٦٣، شذرات الذهب ٥/ ١٠١. (٣) السلطان الكبير، الملك الكامل، ناصر الدنيا والدين، أبو المعالي، صاحب مصر والشام، وميافارقين، وآمد، وخلاط، والحجاز، واليمن، وغير ذلك، تملك الديار المصرية أربعين سنة، وكان عاقلاً، مهيبًا، كبير القدر، ولد سنة ست وسبعين وخمس مئة، وتوفي في دمشق سنة خمس وثلاثين وست مئة. سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٢٧، ترجمة ٨٥، البداية والنهاية ١٣/ ١٤٩، النجوم الزاهرة ٦/ ٢٢٧، شذرات الذهب ٥/ ١٧١.

стр. 23

المالكي (١)، وسمع من عبد الوهاب بن ظافر بن علي بن فتوح بن الحسين بن إبراهيم، المحدث المسند الأزدي القرشي الإسكندراني المالكي (٢). ثم عاد ابن النجار من الديار المصرية قاصدًا مدينة السلام، فدخلها وأقام بها يسمع الحديث ويعلمه ويفيد الناس (٣). ٥ - شيوخه: اشتملت مشيخة ابن النجار على ثلاثة آلاف شيخ وأربع مئة امرأة (٤)، وقال ابن كثير: إن ابن النجار قرأ بنفسه على المشايخ كثيرًا، حتى حصل نحوًا من ثلاثة آلاف شيخ من ذلك نحو من أربع مئة امرأة (٥). ولكثرة شيوخه من الرجال والنساء، سأقتصر على ذكر من روى عنهم في كتابه الدرة الثمينة في أخبار المدينة: الشيخ أحمد بن أبي العلاء، الحسن بن أحمد بن الحسن بن سهل العطار الهمداني، أبو عبد الله (٦). _________ (١) ولد في عاشر صفر سنة ست وأربعين وخمس مئة، وتوفي ليلة السادس والعشرين من صفر سنة ست وثلاثين وست مئة. سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٣٦، ترجمة ٢٦، النجوم الزاهرة ٦/ ٣١٤، شذرات الذهب ٥/ ١٨٠. (٢) ولد سنة أربع وخمسين وخمس مئة، وتوفي سنة تسع وأربعين وست مئة، كان فقيهًا لبيبًا فاضلاً دينًا صحيح السماع. الوافي بالوفيات ١٩/ ٢٠٢، ترجمة ٧٤٠٨. (٣) انظر: عقود الجمان لابن الشعار الموصلي، ص ٥٧٤. (٤) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٣٣، تاريخ الإسلام، ترجمة ٢٦٠، ص ٢١٩، الحوادث الجامعة، ص ١٠٣. (٥) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ١٩٩، معجم الأدباء ١٩/ ٤٩ - ٥١. (٦) ولد سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة، وتوفي سنة أربع وست مئة، كان ثقة صحيح السماع. مختصر ابن الدبيثي، ص ١٠٣، التقييد لمعرفة رواة الأسانيد ١/ ١٣٥.

стр. 24

الشيخ حنبل بن عبد الله الرصافي، أبو عبد الله المكبر (١). الشيخ ذاكر بن كامل بن أبي غالب محمد بن حسين أبو القاسم الخفاف البغدادي (٢). الشيخ صالح بن الحسن الحريمي. عبد الرحمن بن أبي الحسن بن إبراهيم الكناني الداراني، أبو محمد (٣). عبد الرحمن بن علي الحافظ، أبو الفرج بن الجوزي (٤). عبد الرحمن بن علي بن أحمد بن علي بن محمد البغدادي الفقيه الواعظ، موفق الدين (٥). عبد العزيز بن أبي نصر محمود بن المبارك الجنابذي الأصل البغدادي التاجر البزاز ابن الأخضر (٦). _________ (١) ولد سنة عشر وخمس مئة، وتوفي سنة أربع وست مئة، كان دلالاً في الأملاك، حدث المسند، وكان صحيح السماع. مختصر ابن الدبيثي، ص ١٧٦، سير أعلام النبلاء ٢١/ ٤٣١، البداية والنهاية ١٣/ ٥٠، شذرات الذهب ٣/ ١٢. (٢) تقدمت ترجمته في نشأة ابن النجار العلمية. (٣) توفي سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، قال ابن عساكر: لم يكن الحديث من صنعته. تاريخ دمشق ٣٤/ ٣٠٧، سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٣٤٨. (٤) تقدمت ترجمته في نشأة ابن النجار العلمية. (٥) توفي سنة ست وعشرين وست مئة، كان حسن الأخلاق، فاضلاً واعظًا. شذرات الذهب ٣/ ١١٩، المقصد الأرشد في ذكر أصحاب أحمد ٢/ ٩٨. (٦) ولد سنة أربع وعشرين وخمس مئة، وتوفي سنة إحدى عشرة وست مئة، ثقة صالح عفيف كثير السماع، واسع المعرفة. التقييد لمعرفة رواة الأسانيد، ص ٣٦٤، سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٣١، شذرات الذهب ٥/ ٤٦.

стр. 25

الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن محمد الهمذاني الشافعي، أبو جعفر الواسطي (١). عبد الوهاب بن علي بن علي ابن سكينة) (٢). الشيخة عفيفة بنت أحمد بن عبد الله الواعظ الفارقاني، أم هانئ الأصفهانية (٣). القاسم بن علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الحافظ أبو محمد (٤). لاحق بن أبي الفضل بن علي بن قندرة الجريمي الخباز، أبو طاهر (٥). المبارك بن المبارك بن المعطوش، أبو طاهر (٦). محمد بن المبارك بن ميمون أبو غالب الكاتب (٧). _________ (١) ولد سنة خمس وأربعين وخمس مئة، وتوفي سنة اثنتين وعشرين وست مئة، قال ابن النجار: برع في المذهب، وأفتى، وكان متقشفًا على منهاج السلف. مختصر تاريخ ابن الدبيثي، ص ٢١٣، سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٢٩٣. (٢) تقدمت ترجمته في نشأة ابن النجار العلمية. (٣) ولدت سنة عشر وخمس مئة، وتوفيت بأصفهان سنة ست وست مئة، ولها إجازة من أبي علي الحداد وغيره من أهل أصفهان وبغداد. التقييد لمعرفة الأسانيد لابن نقطة، ص ٥٠٠، سير أعلام النبلاء ٢١/ ٤٨١. (٤) ولد سنة سبع وعشرين وخمس مئة، وتوفي سنة ست مئة، وكان محدثًا، فهمًا، حسن المعرفة، ولي مشيخة دار الحديث النورية بعد أبيه. ذيل التقييد ٢/ ٢٦٨، طبقات الشافعية ٢/ ٣٤. (٥) توفي سنة ست مئة، حدث بمسند أحمد عن أبي القاسم بن الحصين، وسماعه صحيح. التقييد لمعرفة الأسانيد، ص ٤٨٢، تكملة الإكمال ٤/ ٦٥٤. (٦) تقدمت ترجمته في نشأة ابن النجار العلمية. (٧) ولد سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة، وتوفي سنة سبع وتسعين وخمس مئة، قرأ الأدب والشعر، وحدث. مختصر تاريخ ابن الدبيثي للذهبي، ص ٧٨.

стр. 26

هبة الله بن الحسن بن المظفر بن الحسن الهمذاني، أبو القاسم (١). يحيى بن أسعد بن يحيى بن محمد، الشهير بابن بوش البغدادي الخباز (٢). يحيى بن الحسين بن أحمد، أبو زكريا الأواني الضرير المقرئ (٣). يحيى بن القاسم بن مفرج بن درع الثعلبي الفقيه، القاضي الشافعي التكريتي ابن الدبيثي (٤). يحيى بن أبي السعود نصر بن أبي القاسم التميمي اليربوعي الحنظلي البغدادي الأزجي التاجر السفار، أبو القاسم (٥). الشيخ يحيى بن أبي الفضل السعدي. وحدث عنه: الشيخ أبو حامد ابن الصابوني محمد بن علي بن محمود (٦). _________ (١) ولد سنة عشر وخمس مئة، وتوفي سنة ثمان وستين وخمس مئة، كان ذكيًا متأدبًا، صدوقًا، صحيح السماع، تغير آخر حياته. المستفاد من ذيل تاريخ بغداد لابن النجار، ص ١٨٣، مختصر تاريخ ابن الدبيثي للذهبي، ص ٣٦٤. (٢) ولد سنة ثمان وخمس مئة، وتوفي سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة، من أهل باب الأزج، وكان مكثرًا صحيح السماع. مختصر تاريخ ابن الدبيثي، ص ٣٧٨، التقييد لمعرفة رواة الأسانيد، ص ٤٨٦، سير أعلام النبلاء ٢١/ ٢٤٣. (٣) ولد سنة خمس عشرة وخمس مئة، وتوفي سنة ست وست مئة، قال ابن النجار: لم يكن ثقة ولا مرضيًا في دينه ولا روايته. مختصر ذيل ابن الدبيثي، ص ٣٧٩، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد، ص ١٩٤. (٤) ولد سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة، وتوفي سنة ست عشرة وست مئة، كان عارفًا بالفقه والخلاف والتفسير واللغة العربية. مختصر تاريخ ابن الدبيثي، ص ٣٨٤. (٥) ولد سنة خمس وستين وخمس مئة، ومات ببغداد سنة خمسين وست مئة، قال ابن النجار: شيخ حسن لا بأس به. سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٨٥، العبر في خبر من غبر ٣/ ٢٦٦، شذرات الذهب ٣/ ٢٥٣. (٦) ولد سنة أربع وست مئة، وتوفي سنة ثمانين وست مئة، كتب العالي والنازل، وحصل الأصول، وجمع وصنف، اختلط قبل موته بسنة أو أكثر. العبر ٣/ ٣٤٦، شذرات الذهب ٥/ ٣٦٩.

стр. 27

الشيخ أبو العباس الفاروثي، أحمد بن إبراهيم بن عمر الواسطي الشافعي المقرئ الصوفي شيخ العراق (١). الشيخ تاج الدين علي بن أحمد بن عبد المحسن الحسيني الغرافي (٢). الشيخ تقي الدين أبو الفضل سليمان بن حمزة المقدسي الصالحي (٣). وأجاز لأحمد بن أبي طالب بن الشحنة راوي الطحاوي. ٦ - ثناء العلماء عليه: قال ياقوت الحموي: صاحبنا الإمام محب الدين ابن النجار البغدادي الحافظ، المؤرخ، الأديب، العلامة، أحد أفراد العصر الأعلام، كان إمامًا، حجة، ثقة، حافظًا، مقرئًا، أديبًا، عارفًا بالتاريخ وعلوم الأدب، حسن الإلقاء والمحاضرات، وكان له شعر حسن، وله التصانيف الممتعة (٤). وقال ابن المستوفي: ابن النجار، من طلبة الحديث المشهورين، سمع الكثير وكتبه، وطلبه في صغره، وأدرك إسنادًا حسنًا، له حفظ ومعرفة وإتقان وفهم (٥). _________ (١) ولد بواسط سنة أربع عشرة وست مئة، وتوفي سنة أربع وتسعين وست مئة، كان مقرئًا، وإمامًا عالمًا متفننًا متضلعًا من العلوم والآداب. العبر ٣/ ٣٨١، شذرات الذهب ٥/ ٤٢٥، البداية والنهاية ١٣/ ٣٩٣. (٢) ولد سنة ثمان وعشرين وست مئة، مات سنة أربع وسبع مئة، كان عالمًا فاضلاً محدثًا مكثرًا مسندًا مفيدًا عابدًا. شذرات الذهب ٦/ ١٠. (٣) ولد سنة ثمان وعشرين وست مئة، وتوفي سنة خمس عشرة وسبع مئة، وكان شيخًا جليلاً فقيهًا كبيرًا. العبر ٤/ ٤٢، شذرات الذهب ٦/ ٣٦. (٤) معجم الأدباء ١٩/ ٥٠. (٥) تاريخ إربل ١/ ٣٦٠.

стр. 28

وقال ابن الساعي: كان ابن النجار ثقة من محاسن الدنيا، وأوصى إلي في أمر تركته، ووقف كتبه بالنظامية، فنفذ إلي الشرابي مئة دينار لتجهيز جنازته ورثاه جماعة من الشعراء (١). ويقول الإمام الذهبي: ابن النجار: الإمام، العالم، الحافظ، البارع، محدث العراق، مؤرخ العصر (٢). وقال محمد شاكر الكتبي: محب الدين ابن النجار البغدادي، الحافظ الكبير، صاحب التاريخ، وكان إمامًا، ثقة، حجة، مقرئًا، مجودًا، حسن المحاضرة، كيسًا، متواضعًا (٣). وقال ابن كثير: ابن النجار: الحافظ الكبير، سمع الكثير، ورحل شرقًا وغربًا، وشرع في كتاب التاريخ وعمره خمس عشرة سنة، وقرأ بنفسه على المشايخ كثيرًا (٤). وقال ابن قاضي شهبة: محب الدين ابن النجار البغدادي: سمع الكثير، وقرأ بالسبع على ابن سُكَيْنَة، أثنى عليه ابن نقطة، والدبيثي، والضياء المقدسي، وهما من صغار شيوخه من حيث السند (٥). وقال ابن العماد الحنبلي: ابن النجار: الحافظ الكبير، كتب ما لا يوصف، وكان ثقة متقنًا، واسع الحفظ، تام المعرفة بالفن، وكان شافعي المذهب، وأول _________ (١) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٣٣. وإقبال الترابي: القائد العسكري المشهور وصاحب المدارس الشرابية. (٢) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٣١. (٣) فوات الوفيات والذيل عليه ٤/ ٣٦. (٤) البداية والنهاية ١٣/ ١٩٩. (٥) طبقات الشافعية ٢/ ١٢٤.

стр. 29

سماعه وهو ابن عشر سنين، وطلب بنفسه، وهو ابن خمس عشرة سنة، وسمع الكثير، وقرأ بالسبع على ابن سكينة، ورحل في طلب العلم إلى بلاد كثيرة، واستمر في الرحلة سبعًا وعشرين سنة (١). ٧ - كتب ابن النجار وآثاره العلمية: لابن النجار شهرة علمية كبيرة وواسعة، فقد كتب عمن دب ودرج، من عال ونازل، ومرفوع وأثر، ونظم ونثر، وبرع وتقدم، فصار المشار إليه ببلده. ١ - وعمل تاريخًا حافلاً لبغداد، ذيل به واستدرك على الخطيب، وهو في مائتي جزء، ينبئ بحفظه ومعرفته (٢). وقد وصل إلينا بعض هذا الكتاب، حيث تبدأ مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق بترجمة (عبد المغيث بن زهير)، ولقد اختلفت الآراء حول عدد مجلدات هذا الكتاب، فذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٢٩، وابن العماد في شذرات الذهب ٥/ ٢٢٦ أنه خطط في ستة عشر جزءًا. وذكر السبكي في طبقات الشافعية ٨/ ٩٨، والصفدي في الوافي بالوفيات ٥/ ١٠، والكتبي في فوات الوفيات ٤/ ٣٦، أنه صنفه في ثلاثين مجلدًا. وقد طبع ما في مخطوطة المكتبة الظاهرية في بودلين بجامعة أكسفورد وبجامعة كمبردج، وقامت بطبعه دار الكتب العربية _________ (١) شذرات الذهب ٥/ ٢٢٦. (٢) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٣٢ - ١٣٣، وفوات الوفيات ٤/ ٣٦، وتاريخ الإسلام، ترجمة ٢٦٠، ص ٢١٩ - ٢٢٠، ومعجم الأدباء ١٩/ ٤٩ - ٥١، وقلائد الجمان، ص ٥٧٤ - ٥٧٦.

стр. 30

في بيروت في سبعة أجزاء، ط ١، ١٤١٧ هـ/١٩٩٧ م، دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا. ٢ - وألف كتاب (القمر المنير في المسند الكبير)، فذكر كل صحابي وماله من الحديث. ٣ - وكتاب (كنز الإمام في السنن والأحكام). ٤ - وكتاب (المؤتلف والمختلف) ذيل به على الأمير ابن ماكولا. ٥ - وكتاب (المتفق والمفترق). ٦ - وكتاب (انتساب المحدثين إلى الآباء والبلدان). ٧ - وكتاب (العوالي). ٨ - وكتاب (جنة الناظرين في معرفة التابعين). ٩ - وكتاب (العقد الفائق). ١٠ - وكتاب (الكمال في معرفة الرجال). ١١ - وكتاب (الدرة الثمينة في أخبار المدينة). ١٢ - وكتاب (روضة الأولياء في مسجد إيلياء). ١٣ - وكتاب (نزهة القِرى في ذكر أم القرى). ١٤ - وكتاب (الأزهار في أنواع الأشعار). ١٥ - وكتاب (عيون الفوائد) في ستة أسفار. ١٦ - وكتاب (مناقب الشافعي). ١٧ - وكتاب (أنواع الزهر في محاسن شعر شعراء العصر). ١٨ - وكتاب (سلوة الوحيد). ١٩ - وكتاب (غرر الفوائد) ست مجلدات.

стр. 31

٢٠ - وكتاب (نشوار المحاضرة) التقطه من أفواه الرجال. ٢١ - وكتاب (مجموع غرر الفوائد ومنثور درر القلائد). ٢٢ - وكتاب (نزهة الطرف في أخبار أهل الظرف). ٢٣ - وكتاب إخبار المشتاق إلى أخبار العشاق). ٢٤ - وكتاب (الشافي في الطب)، وغير ذلك. ٨ - شعر ابن النجار: قال ياقوت: وكان له شعر حسن، أنشد لنفسه قائلاً: وقائل قال يوم العيد لي ورأى مالي أراك حزينًا باكيًا أسفًا فقلت إني بعيد الدار عن وطن تململي ودموع العين تنهمر كأن قلبك فيه النار تستعر ومملق الكف والأحباب قد هجروا ونظر إلى غلام تركي حسن الصورة، فرمد من يومه فقال: وقائلٍ قد نظرتَ إلى فقلت إن الشمس المنيرة قد وجه مليح فاعتادك الرمد يعشى بها الناظر الذي يقِدُ وقال أيضًا: إذا لم تكن حافظًا واعيًا أتنطق بالجهل في مجلس فجمعك للكتب لا ينفع وعلمك في البيت مستودع (١) وأورد له ابن الشعار الموصلي الأبيات التالية في الغزل: إن الغزال الذي يتيمني ... منه بقد كالغصن معتدل ووجنة وردها الَجِنُّي جنا ... قتلي لمَّا أومأت للقبل حشاي مجروحة بأسهم عينيـ ... ـه وما فيهما من الكحل _________ (١) انظر معجم الأدباء ١٩/ ٤٩ - ٥١.

стр. 32

دواء دائي ريق يجود به ... من فيه أحلى ذوقًا من العسل إن اسمه مُلْغَزًا أوائل أبيـ ... ـاتي بلا خُفْية ولا خللِ (١) وأنشد ابن النجار من شعر أبي نصر محمد بن سعد الله بن نصر الأرتاجي من الرجز. نفس الفتى إن أصلحت أحوالها ... كان إلى نيل المنى أحوى لها وإن تراها سددت أقوالها ... كان على حمل العلى أقوى لها فإن تبدت حال من لها لها ... في قبره عند البلى لها لها (٢) وقال أيضًا من الكامل: إن الولاية لا تدوم لواحد ... إن كنت تنكرها فأين الأول فاغرس من الفعل الجميل غرائسًا ... فإذا عُزِلْتَ فإنها لا تعزل (٣) ٩ - وفاته: توفي ابن النجار رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء، الخامس من شعبان، سنة ثلاث وأربعين وست مئة، وصلي عليه بالمدرسة النظامية، وشهد جنازته خلق كثير، وكان ينادى حول جنازته: هذا حافظ حديث رسول الله ﷺ ، الذي كان ينفي الكذب عنه، ولم يترك وارثًا، وكانت تركته عشرين دينارًا، وثياب بدنه، وأوصى أن يتصدق بها، ووقف خزانتين من الكتب بالنظامية، تساوي ألف دينار، فأمضى ذلك الخليفة المستعصم. _________ (١) قلائد الجمان، ص ٥٧٨. (٢) البداية والنهاية ١٣/ ٥٠، قلائد الجمان، ص ٣٢٧، وقال ابن كثير: كان أبو نصر محمد بن سعد الله الأرتاجي سخيًا، بهيًا، واعظًا حنبليًا فاضلاً، شاعرًا، مجيدًا. (٣) قلائد الجمان، ص ٣٢٨.

стр. 33

وقد أثنى عليه الناس، ورثوه مرات كثيرة، سردها ابن الساعي في آخر ترجمته (١). التعريف بكتاب ابن النجار: لا خلاف فيما أعلم أن اسم الكتاب الذي نحن بصدد التعريف به كما سماه مصنفه رحمه الله تعالى هو (كتاب الدرة الثمينة في أخبار المدينة)، سوى ما جاء في المخطوطة المكتوبة في القرن الثامن الهجري، حيث كتب على غلافها بخط مختلف: (نزهة الزمان في أخبار المدينة)، وهو وهم وخطأ، والذي يؤكد ذلك: أولاً: اختلاف الخط، وقد رمزت لهذه النسخة بحرف (ب). ثانيًا: مما يؤكد خطأ ووهم هذه التسمية، أن جميع النسخ الخطية الأخرى (أ)، (ج)، (د) كتب على غلافها الاسم الحقيقي للكتاب: (الدرة الثمينة في أخبار المدينة). ثالثًا: أن جميع من ترجم للإمام الحافظ ابن النجار، وعدَّ كتبه، أو اعتنى بذكر المؤلفين ومؤلفاتهم قد عدَّ (كتاب الدرة الثمينة في أخبار المدينة) من كتب ابن النجار، ومن هؤلاء: ياقوت الحموي (٢)، والإمام الذهبي في كتبه (٣)، ومحمد شاكر الكتبي (٤)، _________ (١) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٣٣، البداية والنهاية ١٣/ ١٩٩ (٢) معجم الأدباء ١٩/ ٤٩. (٣) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٣٣، وتاريخ الإسلام، ترجمة (٢٦٠)، ص ٢١٩، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٢٨. (٤) فوات الوفيات والذيل عليه ٤/ ٣٦.

стр. 34

وابن قاضي شهبة (١)، وابن العماد الحنبلي (٢)، وحاجي خليفة (٣). وقال زين الدين المراغي (٤): ولما كان من أحسن الموضوعات وأجمعها، وأكثرها تحقيقًا، وأمتعها من الإعلام بمعالمها - أي المدينة المنورة -، وتحصيل دلائلها؛ تاريخ الإمام الحافظ محب الدين ابن النجار، الموسوم بـ (الدرة الثمينة في أخبار المدينة). وقال أبو اليمن ابن عساكر (٥): لقيت ابن النجار ببغداد في ٦٤١ هـ، وسمعت منه، وأجازني رواية (الدرة الثمينة في أخبار المدينة)، وكتب لي بخطه بعض ما سمعت منه. قال الإمام ابن حجر في مشيخته في المَجْمَع المؤَسِّس للمعجم المفهرس ١/ ٤٥٨، رقم مسلسل (٤٦٤): ومن تاريخ المدينة للحافظ محب الدين محمد ابن النجار من أوله إلى تقدير ثلثه بإجازته من الحجار (٦) بإجازته منه. _________ (١) طبقات الشافعية ٢/ ١٢٥. (٢) شذرات الذهب ٥/ ٢٢٧. (٣) كشف الظنون ٦/ ١٢٧. (٤) مقدمة تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة، ص ١٠، ولد زين الدين المراغي بالقاهرة سنة ٧٢٧ هـ، وتوفي سنة ٨١٦ هـ، الضوء اللامع ١١/ ٢٨، شذرات الذهب ٧/ ١٢٠. ووصف بالإمام العالم العامل، العلامة الحبر، البحر الفريد الحجة، المحقق القدوة. (٥) إتحاف الزائر وإطراف المقيم للسائر، ص ٥٤، ولد أبو اليمن ابن عساكر سنة ٦١٤ هـ، وتوفي سنة ٦٨٦ هـ، ملء العيبة لابن رشيد ص ١٤٥، العقد الثمين للفاسي ٥/ ٤٣٢، شذرات الذهب ٥/ ٣٩٥. قال الفاسي: كان ثقة فاضلاً عالمًا جيد المشاركة. (٦) الحجار: هو أحمد بن نعمة بن حسن، أبو العباس الحجار، ابن الشحنة، ولد سنة ٦٢٤ هـ، وتوفي سنة ٧٣٠ هـ. الدرر الكامنة ١/ ١٤٢ - ١٤٣، المعجم المفهرس ٩٤/أ.

стр. 35

موضوع الكتاب وسبب تأليفه: سبق وتقدم في رحلة ابن النجار إلى الحجاز ودخوله المدينة المنورة سنة سبع وست مئة أنه التقى بجماعة من أهل المدينة من أهل الفضل والعلم، فسألوه عن فضائل المدينة وأخبارها، وطلبوا منه إثبات ذلك في أوراق، فاعتذر إليهم بسبب بعده عن كتبه وأصوله، فلما ألحوا عليه استجاب لطلبهم، ونزل عند رغبتهم. فاتضح جليًا من مقدمة المؤلف ﵀ موضوع كتابه، وسبب تأليفه. وأبواب كتابه، حيث قَسَّمَه ثمانية عشر بابًا، افتتحه بأسماء المدينة وذكر أول من سكنها، ثم ذكر فتحها وهجرة النبي ﷺ ، ثم ذكر فضائلها، وبين حدود حرمها، وآثارها؛ من مسجد النبي ﷺ ، ومسجد قباء، وبقية المساجد، ثم ذكر آبارها، ووديانها، ثم ختم كتابه بذكر من توفي فيها من أكابر الصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم ﵏. ودلل في كل قسم من كتابه بالآيات الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، والأخبار والآثار المروية عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم. منهج ابن النجار في الحديث النبوي ١ - وابن النجار رحمه الله تعالى له عناية كبيرة بالأحاديث والآثار النبوية: فقد روى في كتابه الدرة الثمينة في أخبار المدينة تسعًا وأربعين ومائتي حديث، روى منها خمسًا وخمسين مسندة، والباقي بغير إسناد، بعضها رواها باللفظ، وغالبها رواها بالمعنى، حيث إنه ذكر في مقدمة كتابه أنه ألفه من حفظه، بعيدًا عن كتبه وأصوله.

стр. 36

٢ - نهج ابن النجار في توثيق كتابه بالإحالة إلى المصادر الحديثية في الصحيحين والسنن كثيرًا، وهذا لا يعني أنه وثق جميع أحاديث وآثار الكتاب، بل هناك أحاديث وآثار في كتابه لم يسندها ولم يوثقها، وبعضها من الضعيف الشديد الضعف. ٣ - وابن النجار له عناية ومعرفة بالأحاديث والآثار رواية ودراية، إلا أنه في جانب الرواية أرجح منه في جانب الدراية، فقد أسند حوالي خُمس أحاديث الكتاب من حفظه بعيدًا عن كتبه وأصوله ومصادره، فمع ذكره لعدد كبير من الأحاديث الصحيحة، إلا أنه ذكر أحاديث ضعيفة، وعامة أهل العلم بالحديث يذكرون في الباب الصحيح والحسن والضعيف. حكم العمل بالأحاديث الضعيفة: وقد ذهب إلى العمل بالحديث الضعيف بعض الأئمة الأجلاء؛ [كالإمام أحمد، وأبي داود وغيرهما، وهذا محمول على الضعيف غير شديد الضعف؛ لأن ما كان ضعفه شديدًا فهو متروك عند العلماء، وألا يكون ثمة ما يعارضه، ووجهتهم في ذلك أن الحديث الضعيف لما كان محتملاً للإصابة، ولم يعارضه شيء؛ فإن هذا يقوي جانب الإصابة في روايته، فيعمل به] (١). ويقول ابن الصلاح: [يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد، ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الحديث الضعيف، من غير اهتمام ببيان ضعفها (زاد النووي ﵀ ويجوز العمل بها) فيما سوى _________ (١) انظر: منهج النقد في علوم الحديث، ص ٢٩١، لنور الدين عتر.

стр. 37

صفات الله، وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما، كالمواعظ والقصص، وفضائل الأعمال، وسائر فنون الترغيب والترهيب، وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد] (١). [وإنما حصل ذكر الضعيف عند ابن النجار بسبب اعتماده على كتاب أخبار المدينة لمحمد بن الحسن ابن زبالة، فقد نقل اثنين وثلاثين نصًا حرفيًا كاملاً بالسند عن كتاب ابن زبالة، وكل المؤرخين الذين جاؤوا بعد ابن زبالة استقوا وأخذوا من كتابه [أخبار المدينة)] (٢). منهج ابن النجار في المعالم التاريخية: منهج ابن النجار في الحديث عن المعالم - وخاصة معالم المدينة - يتحدث عنها موردًا الأحاديث والآثار المروية فيها، ثم يصفها كما هي في عصره، حيث يتحدث مثلاً عن آبار المدينة ومساجدها، فيورد الأحاديث والآثار التي وردت في فضلها موجزًا وصفها في أيام النبي ﷺ استنادًا إلى الأحاديث والآثار في ذلك، ثم يصفها في زمانه، وبالتحديد سنة سبع وست مئة، وهي السنة التي أقامها في مكة والمدينة، يصف هذه المعالم وصف شاهد عيان، قائلاً: ذرعت طولها وعرضها وعمقها، واصفًا لها أتم وصف كما رآها بأم عينيه. الفقه عند ابن النجار: كان جل اهتمام ابن النجار بالقراءات والحديث والتاريخ والأدب، ولم يرد له اهتمام كبير بالفقه، ولما أورد في كتابه الدرة الثمينة تحريم النبي الله ﷺ المدينة، _________ (١) علوم الحديث لابن الصلاح، ص ٩٣. (٢) انظر: كتاب أخبار المدينة لابن زبالة، لصلاح عبد العزيز سلامة، ص ٢٦٦ - ٢٦٨، وانظر وفاء الوفا ١/ ٣٥٢.

стр. 38

وحدود حرمها، ذكر اختلاف العلماء في ذلك، وأقوال أئمة المذاهب الأربعة، وعند ذكره لمقابر البقيع والقباب المقامة على بعضها، فذكر قَبْرَي الباقر والصادق أنهما في أول البقيع، وأنهما في قبة كبيرة، وقبر إبراهيم ابن النبي الله ﷺ وعليه قبة وملبن ساج، وقبر فاطمة بنت أسد ﵂ في قبة في آخر البقيع، وقبر عثمان بن عفان ﵁ وعليه قبة عالية، ذكر هذه القبور وغيرها، وبناء القباب عليها، ولم يعلق ويبين حكم بناء وإقامة هذه القباب، وان أئمة الإسلام اتفقوا على أنه لا يشرع بناء المشاهد على القبور، ولا يشرع اتخاذها مساجد، ولا يشرع قصدها لأجل التعبد عندها بصلاة أو اعتكاف أو استغاثة أو ابتهال (١)، كذلك في ذكره فضل زيارة النبي ﷺ ، أو رد عددًا من الأحاديث الضعيفة والآثار المنكرة، والتي ضَعَّفَ وتكلم في أسانيدها علماء الحديث (٢). القيمة التاريخية لكتاب ابن النجار: وبعد؛ يعد كتاب الدرة الثمينة في أخبار المدينة لابن النجار من أجمل وأجود ما كتب قديمًا وحديثًا في أخبار المدينة وفضائلها، وقد تأثر بمن قبله من المؤرخين للمدينة، وخاصة محمد بن الحسن ابن زبالة، فقد نقل عن كتابه أخبار المدينة اثنين وثلاثين نصًا حرفيًا كاملاً بأسانيدها، ويبدو واضحًا أن ابن النجار تأثر بمنهجية ابن زبالة في أسلوبه وتبويب محتويات كتابه (٣). كما أن المؤرخين الذين جاؤوا بعد ابن النجار قد أخذوا واقتبسوا الكثير من كتابه، ويظهر هذا جليًا عند الإمام المطري في القرن الثامن الهجري في _________ (١) انظر: الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٢٧/ ٤٤، ١٤٠، ١٦٧، ٤٤٩. (٢) انظر: الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٢٧/ ٢١٦ وما بعدها. (٣) انظر: أخبار المدينة لابن زبالة، ٢٦٦ - ٢٦٧.

стр. 39

كتابه (التعريف بما آنست الهجرة من معالم دار الهجرة)، وعند الإمام المراغي في القرن التاسع الهجري في كتابه (تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة). كما أن نور الدين السمهودي من أشهر مؤرخي القرن العاشر قد نقل نقولاً كثيرة عن كتاب ابن النجار في كتابه (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى). التعريف بنسخ الكتاب الخطية: حقق هذا الكتاب من أربع نسخ خطية هي: النسخة الأولى: ورمزت لها بالحرف (أ) وفرغ من نسخها - كما ورد في آخرها - يوم الثلاثاء ٥ ربيع الآخر سنة ٧٣١ هـ، وهي كاملة ليس فيها سقط، ويبلغ عدد أوراقها ٦٣ ورقة نسخها عبد القاهر بن أحمد بن سليمان بن موهوب، وعلى صفحتها الأولى تملكان: الأول ليوسف بن عبد شوافي والثاني لزين العابدين بن خليل الطيب، وفيها أيضاً تحبيس على العلماء العاملين بمدينة قسطنطينة من شيخ زادة وختمه عام ١٠٦٣ هـ، وفي آخرها نظر في هذا الكتاب العبد عثمان المالكي سنة ٩٤١ هـ. أصل هذه النسخة موجود في استانبول، وتوجد صورة منها في مكتبة جامعة الملك سعود بالرياض تحت ١٢٦ النسخة الثانية: ورمزت لها بالحرف (ب): كتب على غلافها بخط مختلف: (نزهة الزمان في أخبار المدينة)، وهو وهم وخطأ. يبلغ عدد أوراقها ٩٩ ق. وعدد الأسطر: ١٥ سطرًا، ولم يذكر فيها اسم الناسخ ولا مكان النسخ، ونرجح أنها نسخت في

стр. 40

القرن الثامن الهجري، وهي حسنة الخط، مصححة، ضبطت بعض كلماتها بالشكل، وكتبت رؤوس الأبواب والفصول والمطالب بخط كبير، عليها هوامش قليلة. وهذه النسخة منقوصة من أولها، مبتورة من وسطها وآخرها على النحو التالي: من أولها إلى صفحة ١٤/أ، ومن ٢٠/ب إلى ٢١/أ، ومن ٤١/أ إلى ٤٣/ب، ومن ٥٠/ب إلى ٥١/أ، وكامل الورقة ٦٠، ومن ٧٠/ب إلى ٧١/أ، وصفحة ٨٤/أ في الأصل بياض، كتب فيها حديث شريف خارج عن الموضوع، وصفحة ٨٤/ب صورة للحجرة الشريفة، ومن ٩٠/ب إلى ٩٤/أ، ومن ٩٧/ب إلى ٩٩/أ وقد كتب فيها أدعية خارجة عن الموضوع. وأصل هذه المخطوطة في مكتبة تشستربتي، وتوجد نسخة مصورة لها في مركز خدمة السنة بالمدينة المنورة، برقم ٢٥٦ مصورات. النسخة الثالثة: ورمزت لها بالحرف (ج) نسخها أبو الفيض وأبو الإسعاد عبد الستار بن عبد الوهاب الصديقي الحنفي الكتبي المكي الدهلوي ليلة البدر من شوال، سنة ألف ومئتين وسبع عشرة، في مكة المكرمة، عدد أوراقها ١٢٣ ق، وعدد الأسطر ١٥ سطرًا، ونوع الخط: نسخ معتاد. وهي نسخة جيدة، مصححة، مقابلة، كُتبت رؤوس الفصول وبعض الكلمات بحبر أحمر، ضبطت بعض كلماتها بالشكل، في أولها فهرس بأبواب الكتاب.
следующие страницы →