← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 558

بهجة المجالس وأنس المجالس

ابن عبد البر

Полный текст (256 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قلت: قد جاءنا فأحدث عذراً ... دية الذنب عندنا الآعتذار وقال الأحنف:إذا اعتذر إليك معتذر،فلتلقه بالبشر. اعتذر إلى قتيبة بن مسلم رجل فقبل منه،ثم قال:لا يدعونك أمرٌ قد تخلصت منه إلى الدخول فيما لعّلك لا تتخلص منه. قال صالح بن أبى النجم: ولربّما جاء الفتى بد نيّةٍ ... ووراءها عذرٌ له لم يفهم وكان يقال:اعتذار بمنع خير من وعد ممطول وقال صالح بن عبد القدوس: يلومني النّاس فيما لو أخبّرهم ... بالعذر منى فيه لم يلوموني قال البحتري: اقبل معاذير من يأتيك معتذراً ... إن برّ عندك فيما قال أو فجرا فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعضيك مستترا وله أيضاً: إذا محاسني اللاتي أدل بها ... عدّت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر؟ وقال محمود بن داود القياسي: العذر يلحقه التخويف والكذب ... وليس في غير ما برضيك لي أرب فإن أسأت فبالنعمى التي سلفت ... لمّا منيت بعفو ماله سبب وقال أبو على البصير: لم أجن ذنبا فإن زعمت بأن ... جنيت ذنباً فغير معتمد قد تطرف الكف عين صاحبها ... فلا يرى قطعها من الرّشد وقال عاىّ بن الجهم: إنّ ذلّ السّؤال والإعتذار ... خطّةٌ صعبةٌ على الأحرار ليس جهلاً بها تورّطها الحرّ ... ملكن سوابق الأقدار ارض للسّائل الخضوع وللقا ... رف ذنباً مذلّة الإعتذار وقال آخر: وما كنت أخشى أن ترى لي زلّةٌ ... ولكن قضاء الله ما عنه مهرب إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه ... وكلّ امرئ لا يقبل العذر مذنب كان يقال:من وفّق لحسن الاعتذار خرج من الذنب. اعتذر رجلٌ إلى أبى عبيد الله الوزير الكاتب،فأساء الاعتذار،فقال أبو عبيد الله: ما رأيت اعتذاراً أشبه باستئناف ذنب من هذا. وللشافعي رضى الله عنه، وقد قيل:أنما تمثّل بها: يالهف نفسي على مال أفرّقه ... على المقلّين من أهل المروءات إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي من إحدى المصيبات ومما ينشد للفراء من قوله: أردت لكيما لا ترى لي عثرةٌ ... ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل وقال محمود الوراق: أراني إذا ما زدت مالاً ورفعةً ... وخيراً إلى خيرٍ تزيّدت في الشّرّ فكيف بشكر الله إذ كنت إنما ... أقوم مقام الشكر لله بالكفر بآي اعتذار أم بأية حجةٍ ... يقول الذي يدرى من الأمر: ما أدرى إذا كان وجه العذر ليس بواضحٍ ... فإنّ اطّراح العذر خيرٌ من العذر قال أبو الصولى، أخبرنى أبو بكر بن عبد الله، قال: سألني أبو سليمان الشاشى حاجة فاعتذرت بشغل في تأخيرها، فكتب إلىّ: سكنت نفسي لمّا ال ... تف حبلى بحبالك إنما أطلب من جا ... هك نفعاً لا بمالك لا تصيّر شغلك اليو ... م اعتذاراً لطلابك لو تفرغت من الشغ ... ل استوينا في المسالك وهذا عندي مأخوذ من قول أبى العتاهية: ليس ذا الشغل عاذرٌ لك عندي ... إنّما ترتجى إذا كان شغل وقال آخر: ولا تعتذر بالشغل عنّا فإنّما ... تناط بك الآمال ما اتّصل الشّغل ولا ترتفع عنّا بشئ وليته ... كما لم يصغرّ عندنا شأنك العزل وقال آخر: وقد علمت لو انّ العلم ينفعني ... أنّ انطلاقي إلأى الحجاّج تغرير لئن رحلت إلى الحجّاج معتذراً ... إنّي لأحمق من تجرى به العير وقال آخر: لا ترج توبة مذنب ... خلط احتجاجاً باعتذار وقال ابن الدّمينة: بنفسي ومالي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب ولم يعتذر عذر البرئ ولم يزل ... به سكتةٌ حتّى يقال مريب وقال آخر:

стр. 107

فلا تعذراني في الإساءة إنّه ... شرار الرّجال من يسئ ويعذر وقال آخر: وما حسنٌ أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر النّاس عاذر وقال آخر: هي المقادير فلمنى أو فذر ... إن كنت أخطات فما أخطأ القدر وقال آخر: وعاجز الرأي مضياعٌ لفرصه ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا وقال آخر: إذا عيّروا قالوا مقادير قد جرت ... وما العار إلاّ ما تجرّ المقادر قال بعض الحكماء: إياك وما يسبق للقلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره. قال محمود الوراق: أراني مع الأحياء وأكثري ... على الدهر ميتٌ قد تخونّه الدّهر فما لم يمت منّى لما مات ميّتٌ ... وبعض لبعض قبل قبر البلى قبر فيا ربّ قد أحسنت بدءاً وعودةً ... إلىّ فلم ينهض بإحسانك الشّكر فمن كان ذا عذر لديك وحجةٍ ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر وفي الأشعار في الأعتذار من الفرار قال الأصمعي: أحسن ما قيل في الأعتذار من الفرار، قول الحارث بن هشام المخزومى: الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتّى علوا مهرى بأشقر مزبد وعلمت أنّى إن أقاتل واحداً ... أقتل ولا يحزن عدوّى مشهدي فصدرت عنهم والأحبّة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد وقال خلف الأحمر: أحسن ما قيل في الأعتذار في الفرار، قول هبيرة بن أبى وهب المخزومى: لعمرك ما وليت ظهري محمداً ... وأصحابه جبناً ولا خفية القتل ولكنني قّلبت آمري فلم أجد ... لسيفي غناء إن ضربت ولا نبلى وقفت فلما خفت ضيعة موقفي ... رجعت لعود كالهزبر أبى الشّبل فر ابن مطيع يوم الحرّة، وسار إلى ابن الزبير، فلما قوتل ابن الزبير، جعل يجتهد معه في القتال، ويقول: أنا الذي فررت يوم الحرّة ... والحرّ لا يفرّ إلا مرّة فاليوم أجزى فرّة بكرّه ... يا حبّذا الكرّة بعد الفرّه وقال أوس بن حجر: أتونا فردوا حافتينا بزاعقٍ ... من الضّرب ضرم النّار في الحطب اليبس وما بفرار اليوم عارٌ على الفتى ... إذا عرفت منه الشّجاعة بالأمس قال الأحنف بن قيس: أسرع النّاس إلى الفتنة، أقلّهم حياء من الفرار وقال آخر: العبد يذيب والمولى يقوّمه ... والعبد يجهل والمولى يعلّمه إنّي ندمت على ما كان من ذلل ... وزلّة المرء يمحوها تندّمه باب المواعيد أثنى الله على إسماعيل ﵇، فقال: " إنّه كان صادق الوعد "، وقال كعب: كان لا يعد أحداً إلا أنجزه، وقال: انتظر رجلا وعده سنة كاملة. ورى أن رسول الله ﷺ انتظر رجلاً وعده في موضع من طلوع الشمس إلى غروبها. وروى عنه ﵇: أنه انتظره ثلاثاً، والمنتظر عبد الله بن أبى الحمساء. وروى عن النبي ﷺ ، أنه قال: " من وعده الله على عمل ثواباً فهو منجز له ما وعده، ومن أوعده على عمل عقاباً فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له " "، وعن ابن عباس مثله. وقال المثنى بن حارثة لشيباني: لأن أموت عطشاً أحبّ إلى من أن أخلف موعداً. قال بعض الحكماء: وعد الكريم نقد، ووعد اللئيم تسويف كان يحيى بن خالد يقول: المواعيد شباك الكرام يصيدون بها محامد الإخوان، ألا تراهم يقولون: فلانٌ ينجز الوعد، ويفي بالضمان، ويصدق في المقال، ولولا ما تقدم من حسن موقع الوعد، لبطل حسن هذا المدح. وكان يحيى بن خالد، يقول: إنّ الحاجة إذا لم يتقدمها وعدٌ تنتظر نجحه، لم تتجاوب الأنفس سرورها، فدع الحاجة تختمر بالوعد، ليكون لها عند المصطنع حسن موقع ولطف محل. ومن كلام يحيى بن خالد بن برمك أيضاً: " لا " الكريم أنجح من " نعم " الئيم، لأنّ " لا " الكريم، ربما كانت في وقت غضب، وإبّان سآمة، " ونعم " الئيم تصدر عن تصنع وفساد نيّة وقبح مآل. أنشد أبو عمرو بن العلاء:

стр. 108

ولا يرهب ابن العمّ ما عشت صولتى ... ويأمن منّى صولة المتهّد وإنّي وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وقال آخر: لسانك أحلى من جنى النّحل وعده ... وكفّاك بالمعروف أضيق من نعل تمنّى الذي يأتيك حتّى إذا انتهى ... إلى أملٍ ناولته طرف الحبل وقال زياد الأعجم: لله درّك من فتى ... لو كنت تفعل ما تقول لا خير في كذب الجلوا ... دو حبّذا صدق البخيل وقال آخر: وإن جميع الآفات فالبخيل شرها ... وشر من البخل المواعيد والمطل قال ابن عيينة: وعد رجل ابن شبرمة عدة فمطله بها، فكتب إليه ابن شبرمة: الخير أنفعه للناس أعجله ... وليس ينفع خيرٌ فيه تطويل ومثل هذا قول سابق: وتأخير ما يرجى بلاء ٌمبرحٌ ... وأفضل ما يرجى من الخير عاجله وقال كعب بن زهير: كانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلاً ... وما مواعيدها إلا الأباطيل وقال الأشجعى: وعدت وكان الخلف منك سجيّة ... مواعيد عرقوبٍ أخاه بيتربٍ قال ابن منبّه: هكذا قرأته على البصريين بيترب بالتاء،وفتح الراء. قال ابن الكلبي، عن أبيه: كان عرقوبٌ رجلا من العماليق، فأتاه أخ له يسأله شيئاً،فقال له عرقوب: إذا طلع نخلى فلما طلع أتاه فقال له: إذا بلح، فلما بلح أتاه، فقال:إذا زهى،فلما زهى أتاه،فقال:إذا أرطب،فلما أرطب أتاه، فقال: إذا ثمر، فلمّا ثمر جذّه ليلا، ولم يعطيه شيئاً، فضربت به العرب المثل في خلف الوعد. وقال غيره: عرقوب جبل مكلّل بالسحاب أبداً، ولايمطر شيئاً. وقال الحكماء: من خاف الكذب، أقل المواعيد. وقالوا: أمران لا يسلمان من الكذب، كثرة المواعيد، وشدة الاعتذار. قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: أنا والله منه في مواعيد، تهيض العظم،وخلفٍ يذكر العدم، ولكنه إذا وعد الحريص علق نفسه لديه وأتعب رجليه، وأنشد: أمّلت منك نوالاً لست أدركه ... متى أقول الّذي أمّلت يأتينى أفي حياتي فأرجوه وينفعني ... أم في مماتي فإنّ الموت يغنيني وقال الشاعر: فلا تعد عدةً إلا وفيت بها ... ولا تكن مخلفاً يوماً تعد وأظن هذا من قول المثقب العبدي: لا تقولنّ إذا ما لم ترد ... أن يتمّ الوعد في شئٍ نعم وإذا قلت نعم فاصبر لها ... بنجاح الوعد إنّ الخلف ذم وروى لعمار الكلبي، وأظن من شعره هذا: قم لوجه الله وكن ... صادق الوعد فمن يخلف يلم وقال آخر: إذا قلت في شئٍ نعم فأتمّه ... فإنّ نعم دين على الحرّ واجب وإلا فقل لا واسترح وأرح بها ... لئلا يقول النّاس إنّك كاذب وقال آخر: إنّ الكريم إذا حباك بموعدٍ ... أطاكه سلساً بغير مطال وقال عمر بن أبى ربيعة المخزومى: ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد واستبدّت مرّةً واحدةً ... إنّما العاجز من لا يستبد وقال آخر: تمنيت ما أرجوه من حسن وعدكم ... فكنت كمن يرجو منال الفراقد هبونى لم أستأهل العرف منكم ... أما كنتم أهلاً لصدق المواعد وقال عباس بن الأحنف: ما ضرّ من قطع الرّجاء ببخله ... لو كان عللنى بوعد كاذب وقال آخر: إن لم يكن وصل لديك لما ... يشفي الصبّابة فليكن وعد وقال آخر: فإن تدعى نجداً أدعه ومن به ... وإن تسكني نجداً فيا حبّذا نجد وإن كان يوم الوعد يوم لقائنا ... فلا تعذليني أن أقول متى الوعد وقال محمد بن مناذر: أنل المال ولا تبخل به ... فإذا اعسرت بالمال فعد لا تعد شراً وعد خيراً ولا ... تخلف الوعد وأنجز ما باب عيونٍ من المدح

стр. 109

قال رسول الله ﷺ : " أرحم أمتي بأمّتي أبو بكر، وأقواهم على دين الله عمرُ، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علىّ بن أبي طالب، وأقرأهم أبىّ ابن كسب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وما أظلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجةٍ أصدق من أبى ذرّ ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح ". مدح رسول الله ﷺ الأنصار، فقال: " إنكم لتقلّون عند الطّمع، وتكثرون عند الفزع ". قال رسول الله ﷺ : " خير دور الأنصار دور بنى عبد الأشهل، وفي كل دور الأنصار خيرٌ ". وقال ﵇: " إن الله اختارني، واختار لي أصحاباً وأنصاراً، وجعل لي منهم مزراء وأصهاراً ". قال رسول الله ﷺ : " خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناهنّ على ولد في صغره، وأرعاهن لبعلٍ في ذات يده ". ذكر أبو بكر الصديق عند ابن عباس، فقال: كان والله بالمسلم حفيا، وعلى الكافر قسيا، وعن اللذة سليا، يتواضع حيث لا توهن نصرته، ويعلو حين لا تخاف سطوته، القرآن قائده، الموت إمامه، لأن الأمر بين عينيه، وعاقبته بين يديه، ﵀ وأحسن عنا مجازاته. ذكر ابن عباس أبا بكر رضى الله عنهما،فقال:كان ثاني اثنين إذهما فى الغار، وثاني اثنين في العريش،وثاني اثنين في القبر. قال الشّعبيّ: لما مات على بن أبي طالب رضى الله عنه، قام ابنه الحسن على قبره، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ، واستغفر الله لآيه، ثم قال: نعم أخو الإسلام كنت يا أبي، جواداً بالخلق، بخيلا بالباطل عن جميع الخلق، تغضب حين الغضب، وترضى حين الرّضا، عفيف النظر، غضيض الطّرف، لم تكن مداحاً ولا ستاماً، تجود بنفسك في المواطن التي تبخل بها الرجال، صبوراً على الضّراء، مشاركاً في النّعماء، ولذلك ثقلت على أكتاف قريش. ذكر على بن أبي طالب عند ابن عباس رضى الله عنهما، فقال: كان والله يسكنه الحلم، وينطقه العلم. ذكر علي بن أبي طالب عند صعصعة بن صوحان العبدىّ، فقال: هو بالله عليم، والله في عينيه عظيم. قال معاوية لضرار الصّدائي: صف لي علياً. قال: اعفني يا أمير المؤمنين. قال: لتصفنّه. قال: أما إذ لا بد من صفته، فكان والله بعيدة المدى، شديدة القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجرّ العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة عن نواحيه،يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان والله غزير العبرة،طويل الفكرة، يقلب كفه ويحاسب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوى في باطله، ولا ييأس اللضعيف من عدله، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا، وقربه منا لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد تمثل في محرابه قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكى بكاء الحزين، يقول: يا دينا! غرّى غيري، إلىّ تعرضت؟ أم إلىّ تشوقت؟ هيهات هيهات، فد باينتك ثلاثاً لا رجعة لى فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. فبكى معاوية، وقال: رحم الله أبا حسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال حزن من ذبح واحدها في حجرها. سئل عبد الله بن عباس عن علىّ بن أبى طالب، فقال: ما شئت من ضرس قاطع في العلم بكتاب الله، والفقه في سنة رسول الله ﷺ ، وكانت له مصاهرة النبي ﷺ ، والتبطن في العشيرة، والنجدة في الحرب، والبذل للماعون. نظر علىّ بن أبي طالب رضى الله عنه، إلى زيد بن صوخان مقتولا، فقال: والله لقد كنت ما علمت: عظيم المعونة، خفيف المؤونة. وقف علىّ على قبر طلحة بن عبيد الله رضى الله عنهما، فقال: وما تدرى إذا أزمعت أمراً ... بآي الأرض يدركك المقيل ثم قال: فتى كان يدنبه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر

стр. 110

وقال أبو خراش في الذي ألقى على أبيه رداءه ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... ولكنه قد سلّ عن ماجد محض ولأعرابي في يحيى بن خالد: سألت النّدى هل انت حمٌّ فقال لا ... ولكنني عبدٌ ليحيي بن خالد فقلت شراءً قال لا بل وراثةً ... توارثها عن والدٍ بعد والد وقال آخر: إنّ للنّاس غايةً في المعالي ... وقفوا عندها وأنت تزيد قد تناهيت في الكلام والمج ... د وحزت العلى فأين تريد ولحبيب ويروي لإسحاق الموصلى: إن يكن شئٌ جميلٌ حسنٌ ... فهو في دور عبد الملك عقدت ألسنتهم عن قول لا ... فهي لا تحسن إلاّ هو لك ومن عيون ما قيل في المدح نظماً، قول حسان بن ثابت في بني جفنة: يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل بيض الوجوه أغفةٌ أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطراز الأول قال جبلة بن الأيهم لحسان بن ثابت: أين أنا من النعمان؟ فقال: والله لشمالك أندى من يمينه، وقفاك أحسن من وجهه، ولأمك أكرم من أبيه. وقول الأعرابي في عمر بن عبد العزيز كأنه مأخوذ من قول حسان هذا، وذلك قوله حين دخل عليه، وهو خليفة، فقال: وأنت الذي كلتا يديك مفيدةٌ ... شمالك خيرٌ من يمين سواكبا بلغت مدى الجارين قبلك إذ جروا ... ولم يبلغ الجارون بعد مداكما فجدّاك لا جدّين أكرم منهما ... هناك تناهى المجد ثم هناكا وقال لقيط بن زرارة: وإني من القوم الذين عرفتهم ... إذا مات منهم سيّدٌ قام صاحبه نجوم سماء كلّما غار كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تأوى إليه كواكبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى اللّيل حتّى نظّم الجزع ثاقبه وقال ظفيل الغنوىّ: نجوم ظلام كلّما غاب كوكب ... بدا ساطعاً في حندس اللّيل كوكب وقال آخر: درارى نجومٍ كلّما انقضّ كوكبٌ ... بدا كوكبٌ ترفضّ عنه الكواكب وقال المريمي يمدح بنى خريم من آل شيبان بن حارثة: بقيّة أقوامٍ من العزّ لو خبت ... لظلّت معدٌّ في العلا تتسكّع إذا قمرٌ منها تغوّر أو كبا ... بدا قمرٌ في جانب الأفق يلمع ومدح بعض بنى عمرو إخوته فقال: خبّر ثناء بنى عمرٍو فإنّهم ... أولو فضول وأنفالٍ وأخطار إن يسألوا الخير يعطوه وإن جهدوا ... فالجهد يخرج منهم طيب أخبار هينون لينون أيسارٌ بنو يسرٍ ... سوّاس مكرمة أبناءٌ إيسار من تاق منهم فقد لاقيت سيّدهم ... مثل النجوم التي يهدى بها السّارى لا ينطقون عن العمياء إن نطقوا ... ولا يمارون إن ماروا بإكثار وقد قيل:إن هذا الشعر لبعض بنى كلاب يمدح بعض بنى غنىّ،وكان أبو عبيدة ينكر هذا،ويقول:محال يمدح كلابي غنوياً قالت الخنساء: أشمّ أبلج يأتمّ الهداة به ... كأنّه علمٌ في رأسه نار وقال آخر: إذا قيل أىّ فتًى تعلمون ... أهشّ إلى الطّعن بالذّابل وأضرب للقرن في مفرقٍ ... وأطعم في الزّمن الماحل أشارت إليك أكفّ الورى ... إشارة غرقى إلى ساحل ومن أحسن ما قيل في المدح أيضاً في النظم،قول أبى الجهم العدوى في معاوية رضى اللهّ عنه: تقلّبه لتخبر حالتيه ... فتخبر منهما كرماً ولينا نميل على جوانبه كأنّا ... نميل إذا نميل على أبينا وفى هذا الشأن قول زهير في هرم بن سنان: إن تلق يوماً على علاته هرماً ... تلق السّماحة منه والنّدى خلقا أغرّ أبيض فيّاض يفكّك عن ... أيدي العقاة وعن أعناقها الرّبعا وقوله أيضاً: أخو ثقة لا تذهب الخمر ماله ... ولكنّه قد يذهب المال نائله تراه إذا ما جئته متهلّلاً ... كأنّك تعطيه الذي أنت سائله وقوله أيضاً:

стр. 111

على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلّين السّماحة والبذل وقول جرير: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح وقول القاسم بن أمية بن أبى الصلت الثقفى: قومٌ إذا نزل الغريب بدارهم ... ردّوه ربّ صواهل وقيان وإذا دعوتهم ليوم كريهةٍ ... سدّوا شعاع الشّمس بالفرسان لا ينقرون الأرض عند سوالهم ... لنطلب العلاّت بالعيدان بل يبسطون وجوههم فترى لهم ... عند اللّقاء كأحسن الألوان والجيّد من النظم لا يحصى كثرة،وحسبنا أن نأتي منه بما يقرب حفظه للمذاكرة، ويقوم ببهاء مورده في المجالسة. قال عمر وبن أمية الضّمرىّ للنجاشى،حين وجهّه إليه رسول الله ﷺ :أيها الملك! كأنك في الرّأفة علينا منّا،لم نرجك قطّ لأمر إلا نلناه،ولم نخفك قطّ على أمر إلا أمنّاه. ووقف حيّان بن مالك بن جعفر على قبر عامر بن الطّفيل،فقال:كان والله لا يضل حتى يضل النّجم،ولا يعطش حتى يعطش البعير،ولا يهاب حتى يهاب السيل. مدح أعرابىٌّ رجلا فقال:كان يغنى في طلب المكارم غير ضال في مصالح طريقها ولا متشاغل عنها بغيرها. وذكر أعرابي جلد أخيه،فقال:ما بعثته في سوادٍ إلاّ جلاّه ومحاه،ولا في بياض إلا أزكاه وأضاءه. وصف أبو مهديةّ الأعرابي قوماً،فقال:أدبتهم الحكمة،وأحكمتهم التجربة،ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة،ورحل عنهم التسويف الذى قطع الناس به مسافة آجالهم،فذلت ألسنتهم بالوعد،وأنبسطت أيديهم بالإنجاز،فأحسنوا المقال وشفعوه بالفعال. ومدح أعرابي رجلا فقال:كالمسك إن تركته عبق،وإن خبّأته عبق. قال محمد بن زياد الحارثي: تخالهم للحلم صماً عن الخنا ... وخرساً عن الفحشاء عند التّفاخر ومرضى إذا لاقوا حياءً وعفّةً ... وعند الحفاظ كاللّيوث الكواسر لهم ذلّ إنصافٍ ولين تواضعٍ ... بهم ولهم ذلّت رقاب العشائر كأنّ بهم وصماً يخافون عاره ... وما وصمهم إلا اتقّاء المعاير وقال آخر: لو قيل لا بن محمّد: ياذا النّدى ... قل لا، وأنت مخلدٌ ما قالها إنّ المكارم لم تزل معقولة ... حتّى حللت براحتيك عقالها مدح أعرابي رجلاً، فقال: كان إذا خرست الألسن عن الرأي حذق بالصواب كما يحذق الأريب. أثنى عمرو بن زياد العتكىّ على الحجاج بن يوسف عند عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين! هو سيفك الذي لاينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم. وكان الحجاج يقصيه فلما قال ذلك أدناه. قال ابن شهاب: قال لي سعيد بن المسيب: ما مات من ترك مثلك. ومن أحسن ما قيل في المدح نظماً، وإن كان الحسن منه كثيراًَ جداً، ما ذكره أو لي البندادي رواية عن شيخوخه: أن علىّ بن الحسين بن على بن أبي طالب رآه هشام بن عبد الملك وهو خليفة في حجة حجها، وعلى يطوف بالبيت والناس يفرجون له عند الحجر تعظيما له، وينظرون إليه مبجلين له، فغاظ ذلك هشاماً، فقال: من هذا؟ كأنه لم يعرفه، فقال الفرزدق منكراً لقول هشام، ومادحاً لعلى بن حسين: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... بالبيت يعرفه والحلّ والحرم هذا ابن خير عباد الله كلّهم ... هذا التّقّى النّقّي الطّاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتمي الكرم ينمى إلى ذروة العزّ التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم يغضى حياءً ويغضى من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم بكفه خيزران ريحها عبقٌ ... من كف أروع في عرنينه شمم مشتقّةٌ من رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشيم ينجاب ثوب الدجى عن نور غرّته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها الظّلم

стр. 112

حمال أثقال أقوام إذا قرحوا ... حلو الشّمائل تحلو عنده نعم هذا ابن فاطمه إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا فليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم الله فضّله قدماً وشرّفه ... جرى بذاك له في لوحة القلم من جدّه دان فضل الأنبياءٍ له ... وفضل أمته دانت له الأمم سهل الخليفة لا تخشى بوادره ... تزينه خلتان الحلم والكرم مصدّق الوعد ميمون نقيبته ... رحب الفناء أريبٌ حين يعتزم أىّ القبائل ليست في رقابهم ... لأوّلية هذا أو له نعم من يعرف الله يعرف أولية ذا ... فالدّين من بيت هذا ناله الأمم وفيها أبيات لم أذكرها لأني أظنها مضافة مفتعلة،وقد أنشد بعض هذا الشعر حبيب في الحماسة للحر بن عبد الله الليثى في على بن الحسين بن على بن أبى طالب. هذا وذكر الفاكهى في أخبار مكة،وقال:حدثنى أبو سعيد عبد الله بن شبيب، قال حدثني ابن عائشة،قال:أخبرني أبى،قال:دخل الفرزدق مكة،فإذا هو بعلىّ بن عبيد الله بن جعفر يطوف بالكعبة في حلّةٍ وهو محرم،فقال:ويحكم يا معشر أهل مكة،من هذا الرجل الذي يطوف بالبيت،فو الله ما رأيت أحسن من وجهه، ولا من حلّته،فقالوا:هذا على بن عبيد الله بن جعفر بن أبى طالب،ولفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فأنشأ يقول هذه الأبيات التي ينشدها الناس. هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم فذكر هذه الأبيات ولم يتمهّا،قال الفاكهىّ:ويقال إن الرجل الذي قال فيه الفرزدق هذا هو محمد بن علىّ بن حسين،قال:وحدثني أبو سعيد،قال:حدثني الزبير،قال:قيل هذا الشعر فى قثم بن العباس،قاله: بعض شعراء أهل المدينة، وزاد في الشعر بيتين أو ثلاث منها قوله: ؟ كم صارخٍ بك مكروبٍ وصارخةٍ ... يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم وأما قوله في الخبر الأول: ولفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فإن علىّ بن عبد الله أمه زينب علىّ بن أبي طالب، وأمّها فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وقول من قال: إن هذا الشّعر قيل في علىّ بن عبيد الله بن جعفر، أو في محمد بن علي بن حسين أصح عندي من قول من قال: إنه في علىّ بن حسين، لأن على بن حسين توفي سنة ثلاث أو أربع وتسعين، وهشام بن عبد الملك إنما ولى الخلافة سنة خمس ومائة، وعاش خليفةً عشرين سنة، وجائز أن يكون الشعر للحر بن عبد الله في محمد بن علي بن حسين، وممكن أن يكون للفرزدق في محمد ابن علي بن حسين بن أبي جعفر - وإن كان له في أبيه علي بن حسين - فلم يكن هشام يومئذ خليفةً كما قال أبو علي في روايته، وأما قول الزبير: إنه قيل في قثم ابن عباس، فليس بشئ، وإنما ذاك شعر قيل في قثم على قافية هذا الشعر وعروضه ليس هو هذا. قال عبدة بن الطبيب في قيس بن عاصم المنقرى:؟؟ عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترّحما تحيّة من أوليته منك نعمةً ... إذا زار عن شحط مزارك سلماً فما كان قيسٌ هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قومٍ تهدّماً وقال آخر: كريمٌ يغضّ الطّرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرّماح دوان وكالسيف إن لاينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان وللخريمي: يلام أبو الفضل في جوده ... وهل يقدر البحر ألا يفيضا وقال أبو جعفر محمد بن مناذر: أتانا بنو الأملاك من آل برمك ... فيا طيب أخبار ويا حسن منظر لهم رحلةٌ في كلّ عام إلى العدى ... وأخرى إلى البيت الحرام المستّر إذا نزلوا بطحاء مكّة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر فتظلم بغدادٌ ويجلو لنا الدّجى ... بمكّة ما حجوا ثلاثة أقمر فما خلقت إلا لجود أكفهم ... وأقدامهم إلاّ لأعواد منير إذا راض يحيى الأمر ذات صعابه ... وناهيك من راع له ومدبّر

стр. 113

ترى النّاس إجلالاً لهم وكأنّهم ... غرانيق ماءٍ تحت باز مصرصر وقال آخر: إذا سألت الناس أين المكروه ... والعزّ والجرثومة المقدّمه وأين فاروق الأمور المحكمه ... تتابع النّاس على ابن شبرمه وقال آخر: ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... صيّر النّاس كلّهم شعراء أنشد الأصمعى:؟ كلّ يومٍ كأنّه يوم أضحى عند عبد العزيز أو يوم فطر وهذا عبد العزيز بن مروان بن الحكم، وله يقول نصيب: لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم نعمٌ غامره فبابك ألين أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره وكلبك آنس بالمعتفين ... من الأمّ بالأبنة الزّائره وكفك حين ترى السّائلي ... ن أندى من اللّيلة الماطره فمنك العطاء ومنّى الثناء ... بكلّ محبّرةٍ سائره وذكر رجل عند الحسن، فقال: كان له خشوع الصابرين وبهاء الملوك. ومن المدح: له خلقان لم يدعا ... له مالاً ولا نشبا سخاءٌ ليس يملكه ... وحلمٌ يملك الغضبا وقال آخر:؟ فل كنت يوماً كنت يوم سعادةٍ ترى شمسه والمزن تهضب بالقطر ولو كنت ليلاً صيّبٍ ... من المشرقات البيض في وسط الشهر وقال آخر: بديهته وفكرته سواءٌ ... إذا ما نابه الحدث الكبير وأحزم ما يكون الدّهر رأياً ... إذا عمى المشاور والمشير وصدرٌ فيه للهمّ اتساعٌ ... إذا ضاقت عن الهمّ الصدّور وقال حمزة بن بيض في مخلد بن يزيد بن المهلب: بلغت لعشرٍ مضت من سنيّ ... ك ما يبلغ السّيد الأشيب نهمّك فيها جسيم الأمور ... وهم لدارتك أن يلعبوا وقال ذو الرمة: عطاء فتى بنى وبنى أبوه ... فأعرض في المكارم واستطالا قال أبو اليقظان: ولىّ الحجاج محمد بن القاسم بن محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي، قتال الأكراد فأبادهم، ثم ولاه السند والهند، وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة، فقال فيه الشاعر: إن السّماحة والمروءة والنّدى ... لمحمد بن القاسم بن محمّد قاد الجيوش لسبع عشرة حجّةً ... يا قرب سورة سؤدد من مولد قال أبو اليقظان: وهو الذي جعل شيراز معسكرا ومنزلا لولاة فارس. قال الحطيئة: أولئك قومٌإن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم ... من اللّوم أوسدوا المكان الذي سدوا وقال أبو الغول الطّهوىّ يمدح قومه: فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدّقوا فيهم ظنوني معاشر لا يملوز المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون ولا يجزون من حسنٍ بشرّ ... ولا يجزون من غلظ بلين ولا تبلى بسالتهم وإن هم ... صلوا بالحرب حينا بعد حين هم منعوا حمى الوقبى بضربٍ ... يؤلف بين أشتات المنون فنكب عنهم ظلم الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون وقال آخر بديهته مثل تدبيره ... متى رمته فهو مستجمع وفي كفه للغنى مطلبٌ ... وللسّرّ في صدره موضع وباب المديح أوسع الأبواب، لا يحيط به كتاب، والاختصار أولى بنا فيه على ما شرطنا من الإكثار. قال عبد الله بن مسعود: لا تعجلن بمدح أحد ولا بذمه، فإنه رب من يسرك اليوم يسوءك غدا. قال النّجاشى الشاعر، واسمه قيس بن عمرو الحارثي، من بني الحارث ابن كعب. إنّي امرؤٌ ما أثنى على أحد ... حتّى أرى بعض ما يأتى وما يذر لا تحمدن امرءًا حتّى تجرّبه ... ولا تذمّنّ من لم تبله الخبر قال عليّ بن حسين: إذا قال فيك رجلٌ مالا يعلم من الخير، أوشك أن يقول فيك ما يعلم من الشّر. باب عيون من الذّمّ

стр. 114

قالت عائشة رضى الله عنها:استأذن رجلٌ على رسول الله ﷺ ،وأنا معه في البيت:فقال: " ائذنوا له فبئس ابن العشيرة،أو قال:بئس أخو العشيرة،ثم قال:إنّ من شرار النّاس من اتقّاه الناس لشرهّ،أو تركه الناس لشره ".هذا حديث ابن عيينة،عن المنكدر،عن عروة،عن عائشة،وليس بلفظ حديث مالك المرسل. قال الحسن:ذمّ الرجل نفسه في العلانيه مدحٌ لها في السرّ. كان يقال:من أظهر عيب نفسه فقد زكّاها. ذمّ بعض البلغاء رجلا،فقال:ما الحمام على الإصرار، والدّين على الإقتار، وشدة السّقم في الأسفار،بآلم من فلان. قيل لأعرابىّ:ما تنقم من أميرك؟ قال:يقضى بالعشوة،ويأكل الرّشوة،ويطيل النّشوة. قال ثعلب:النّشوة بالفتح:السّكر،والنّشوة بالكسر:الريح. ذمّ رجلٌ رجلا،فقال:كان والله سيىّ الرّوية، قليل التقية،شديد السعاية،ضعيف النكاية. ذم خالد بن صفوان شبيب بن شيبة،فقال:أنت والله ممن إذا سأل ألحف،إذا سئل سوّف، وإذا حدّث حلف،وإذا وعد أخلف،تنظر نظر حسود،وتعرض إعراض حقود. قال حسان بن ثابت:؟ أبوك أبوك وأنت ابنه فبئس البنىّ وبئس الأب وأمّك سوداء نوبيّةٌ ... كأنّ أناملها العنظب يبيت أبوك بها معرساً ... كما ساور المهرة الثعلب وقال أعرابىٌّ:؟ أكثر ما يأني على فيه الكذب وإنّما الشّاعر مجنون كلب حيّاكم الله فإنىّ منقلب مر سفيان الثّورىّ رضى الله عنه،بقوم في السوق،أو غيرها، فقال لمن معه أما ترون النعمة عند غير أهلها،كأنها مسخوط عليها،أخذه الشاعر فقال:؟ يا حجة اللذه في الأرزاق والنّعم يا محنة لذوى الأخطار والهمم ما نراك أصبحت في نعماء ظاهرةٍ ... إلاّ وربّك غضبانٌ على النّعم قال بعض البلغاء:كفانى سقوط فلان إسقاكه. ذم رجل رجلا فقال:ذلك أعيا ما يكون عند جلسائه،ابلغ ما يكون عند نفسه. لعمر بن سليمان البجلى،في إسماعيل بن عبد الله أخى خالد بن عبد الله القسرى:؟ لو كنت ماء كنت ماء آسناً أو كنت مرعى لم يردك الورّد أو كنت من شجرٍ لكنت إلاءةً ... أو كنت من ورقٍ نفاك النّاقد قال الحرمازىّ:؟ قبّحتم آل فقيمٍ عدداً لو كنتم قولاً لكنتم فندا أو كنتم ماء لكنتم زبداً ... أو كنتم شيئاً لكنتم نقدا أو كنتم لحماً لكنتم غدداً النّقد:المعز،وفى المثل:لهو أدل من النّقد. قال أبو عثمان العروضى: لو كان حرفاً كان لا معنى له ... أو كان ظرفاً لم يكن إلاّ متى وقال آخر:؟ لو كنت ماء كنت غير عذب أو كنت سيفاً كنت غير غضب أو كنت لحماً كنت لحم كلب ... أو كنت عيراً كنت غير ندب وقال آخر:؟ لو كنت برداً كنت زمهريرا أو كنت ريحاً كانت الدّبورا أو كنت غيما لم تكن مطيرا ... أو كنت ماءً لم تكن طهورا أو كنت مخّا كنت مخّاريرا ومما أنشده ثعلب:؟ لله درّك أيّما رجلٍ يبنى أبوك وشأنك الهدم لو كنت تصعد في السماء كما ... تنحط قصّر دونك النجم مر عمر بن الخطاب رضى الله عنه،بقوم يتبعون رجلا أخذ في ريبة،فقال:لا مرحباً بهذه الوجوه التي لا ترى إلا في الشر. قال القطامي: ألا إنما نيران قيس إذا اشتووا ... لطارق ليلٍ مثل نار الحباحب يقال: نار الحباحب، ونار أبي الحباحب، لكل نارٍ تراها العين ولا حقيقة لها قال دريد بن الصمّة: ياآل سفيان ما بالى وبالكم ... أنتم كثير وفي الأحلام عصفور وخير من هذا، قول حسان بن ثابت يذم قوماً: لاعيب في القوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير وقال آخر: قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المختبر وقال آخر: له صورة تعمى العيون سماجة ... وإن تختبر يوماً فأقبح مخبر وقال محمد بن مناذر،في خالد بن طليق قاضى البصرة: جعل الحاكم يا للناس من آل طليق حاكمٌ يحكم في النا ... س بحكم الجاثليق يدع الحقّ ويهوى ... في ثنّيات الطريق

стр. 115

أىّ قاضٍ أنت للنق ... ص وتعطيل الحقوق يا أبا الهيثم ما أن ... ت لهذا بخليق " لا ولا أنت بما حملت منه بمطيق حبله حبل غرورٍ ... عقده غير وثيق وله فيه أيضاً:؟ قل لأمير المؤمنين الذي في هاشم سرّها والّلباب إن كنت للسّخطة عاقبتنا ... بخالدٍ فهو أشدّ العقاب أصمّ أعمى عن طريق الهدى ... وقد ضرب النّوك عليه الحجاب كان قضاء الله فيما مضى ... من رحمة الله وهذا عذاب يا عجباً من خالدٍ كيف لا ... يخطئ فينا مرّةً بالصّواب قال أبو العتاهية:؟ وليس بحاكم من لا يبالى أأخطأ في الحكومة أم أصابا وقال آخر:؟؟؟؟؟؟؟؟ فإن تصبك من الأيّام داهيةٌ لم نبك منك على دنيا ولا دين وقال آخر:؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ إذا ما لقيت بنى عامر لقيت جفاءً ونوكاً كثيراً نعامٌ تجود بأعناقها ... ويمنعها نوكها أن تطيرا وقال آخر:؟ وإنّك إن حللت بدار قومٍ رحلت بخزيةٍ وتركت عارا وقال آخر: خنازير ناموا عن المكرمات ... فنبّههم قدر لم ينم فيا قبحكم في الّذي خوَّلوا ... ويا حسنهم في زوال النّعم وقال آخر: فخير منك مالا خير فيه ... وخير من زيارتك القعود وقال آخر:؟ وما ينفع الأصل من هاشمٍ إذا كانت النّفس من باهله وقال آخر: كأنَّ ريحهم من قبح فعلهم ... ريح الكلاب إذا ما مسّها المطر وقال خلف الأحمر: إذا انتسبوا ففرعٌ من قريشٍ ... ولكنّ الفعال فعال عكل وقال أبو على البصير: لعمر أبيك ما نسب المعلّى ... إلى كرم وفي الدّنيا كريم ولكنّ البلاد إذا اقشعرّت ... وصّح نبتها رعى الهشيم وللحطيئة في أمة، لا عفا الله عنه: تنحّى فاقعدى منّى بعيداً ... أراح الله منك العالمينا ألم أوضح لك البغضاء منّى ... ولكن لا إخالك تعقلينا أغربا لاً إذا استودعت سراً ... وكانوناً على المتحّدثينا جزاك الله شراً من عجوزٍ ... ولقّاك العقوق من البنينا وللفقيه أبى عمر بن عبد البر: واصلت في شرب الشّمول سفاهةً ... حتّى غدوت كأنّ أنفك دمّل قال أعرابيّ: أتيت بغداد فإذا ثياب أجواد على ألأم أجساد، إقبال حظّهم إدبار حظوظ الكرام، شجرٌ فروعه عند أصوله، شغلهم عن المعروف رغبتهم في المنكر. قال أبو العتاهية: أذمّ بغداد والمقام بها ... من بعد ما خبرةٍ وتجريب ما عند أملاكها لمر تغبٍ ... رفدٌ ولا فرجةٌ لمكروب خلّوا سبيل العلا لغيرهم ... ونازعوا في الفسوق والحوب يحتاج راجي النّوال عندهم ... إلى ثلاث من غير تكذيب كنوز قاروق أن تكون له ... وعمر نوحٍ وصبر أيوب وقال آخر: أما لو أنّ جهلك كان علماً ... إذا لنفذت في علم الغيوب ومالك في الغريب يدٌ ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب وقال الناشئ: لو كما تجهل تدري ... كنت لله رسولا وقال حماد بن الزبرقان في حمّاد عجرد: نعم الفتى لو كان يعرف ربّه ... ويقيم وقت صلاته حمّاد هدلت مشافره الشّمول فأنفه ... مثل القدوم يسنّها الحدّاد وابيض من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد وقال رافع بن إبراهيم اليربوعي: ألستم أقلّ النّاس تحت لوائهم ... وأكثرهم عند الذبيحة والقدر وأمساه بالشّئٍ المحقّر بينهم ... وأعجزهم عند الجسيم من الأمر وقال أعرابي: العبد يجتنب الهجاء لشينه ... ولك الهجاء إذا هجيت جمال لم يبق عارٌ في البريّة كلّها ... إلا وأخبث منه فيك يقال وقال أبو عيينة: خالدٌ لولا أبوه ... كان والكلب سواء لو كما ينقص يز ... داد إذا نال السّماء

стр. 116

أنا ما عشت عليه ... أسوأ النّاس ثناء إنّ من كان مسيئاً ... لحقيق أن يساء وله أيضاً: داود محمود وأنت مذمّمٌ ... عجباً لذاك وأنتما من عود ولرب عودٍ قد يشقّ لسجدٍ ... نفصاً وسائره لحشّ يهود وقال الفرزدق: أترجو كليباً أن تجئ صغارها ... بخير وقد أعيا عليك كبارها وقال أبو نواس: لأبي نوحٍ رغيفٌ ... أبداً في حجر دايه برّةٍ تمسحه الدّه ... ر بكم ووقاية وله كاتب سوءٍ ... خطّ فيه بعنايه فسيكفيكهم الل ... هـ إلى آخر آلايه وقال فيه أيضاً: أبو نوحٍ دخلت عليه يوماً ... فغدّائي برائحة الطّعام فكان كمن سقى الظمآن آلا ... وكنت كمن تغدى في المنام قال رجل خياط أعور لبعض الشعراء: والله لأخيطن لك قباء لا تدري أقباءٌ هو أم دوّاج، فقال: وأنا والله أقول فيك شعراً، لا تدري أمدح هو أم هجاء، فلما خاطه له قال فيه: خاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء قل لمن يسمع هذا ... أمديح أم هجاء فلم يدروا ما أراد: صحة عينيه أم عماه. ولرجل من بني تميم: أمن عوز الرّجال وهم كثيرٌ ... حبا نصرٌ بإمرته عقيلا فلو بكت المنابر من لئيم ... سمعت لعود منبره عويلا وقال آخر: من دون سيبك لون ليل مظلم ... وحفيف رائحةٍ وكلبٌ مرصد والضيف عندك مثل أسود سالخٍ ... لا بل أحبّهما إلأيك الأسود وقال آخر: ورثنا المجد عن آباء صدقٍ ... أسأنا في ديارهم الصّنيعاً إذا الحسب الرفيع تعاورته ... بناة السّوء أوشك أن يضيعا وأحسن من هذا: لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الأحساب نتّكل نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا وقال آخر: إن تلق ريب المنايا أو تردّفها ... لم نبك منك على دين ولا حسب وقال آخر: وإن تصبك من الأيام قارعةٌ ... لم أبك منك على دنيا ولا دين قيل لمسلمة: أجرير أشعر أم الفرزدق؟ قال الفرذدق يبني، وجرير يخرب، وليس بقوّم الخراب شئ. قال أعرابي في سعيد بن سلم: مدحت ابن سلمٍ والمديح مهزّةٌ ... فكان كصفوانٍ عليه تراب لكلّ أخي مدح ثوابٌ يعدّه ... وليس لمدح الباهلّي ثواب قال أبو بكر السّامرى: يا شاعراً يهتك من عقله ... أضعاف ما يهتك من عرضى إذا هجاني جاءني شعره ... وبعضه يضحك من بعض وهذا الباب أكثر من الحصى والتراب. باب العقل والحمق أما العقل فقد أوردت في معناه واشتقاقه والدّلالة عليه، وما جاء في ذلك من النثر والنّظم كتاباً كافياً، ونوردها هنا من صفات العاقل والأحمق ما تحسن به المذاكرة، ويجعل إيراده في المجالسة إن شاء الله تعالى. ومن حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ : لا يعجبنكم إيمان الرجل حتى تعلموا ما عقدة عقله " وروى عن النبي عليه وسلّم، أنه قال: " حقٌ على العاقل أن يكون له أربع ساعات، ساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يفضى فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحلّ ويجعل، فإن هذه الساعة عونٌ له على هذه الساعات، وإجمام للقلوب. وحقٌ على العاقل ألا يظعن إلا في إحدى ثلاث: زادٌ لمعاده، ومرمّة لمعاشه، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون عارفاً بزمانه، مالكاً للسانه، مقبلاً على شانه ". أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: أتدرى لم رزقت الأحمق؟ قال: لا قال: ليعلم العاقل أن الرزق ليس باحتيال. قال النبي ﷺ : " ثلاثٌ من حرمهنّ فقد حرم خير الدنيا والآخرة: عقلٌ يداري به الناس، وحلمٌ يردّ به السفيه، وورعٌ يحجزه عن المحارم ".

стр. 117

افتخر رجلان عند عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه، فقال: أتفتخران بأجساد بالية، وأرواح في النار؟! إن يكن لكما عقلٌ فلكما أصل، وإن لم يكن لكما خلق فلكما شرف، وإن يكن لكما تقوى فلكما كرم، وإلاّ فالحمار خير منكما، ولستما خيراً من أحد. وقال عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه: العاقل من لم يحرمه نصيبه من الدنيا حظّه من الآخرة. قال عليّ بن أبي طالب في وصيته لابنه: لا مال أعوذ من العقل، ولا قفر أشدّ من الجهل، ولا وحده أوحش من العجب، ولا مظاهرة كالمشاورة، ولا حسب كحسن الخلق. كان يقال:إذا كان علم الرجل أكثر من عقله،كان قميناً أن يضرّه علمه. قال عمرو بن العاص:ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر،ولكنه الذي يعرف خير الشرين. قال العتبيّ:العقل نوعان،فأحدهما ما تفرد الله بصنعته،والآخر ما يستفيده المرء بأدبه وتجربته،ولا سبيل إلى العقل المستفاد إلاّ بصحة العقل المركب،فإنهما إذا اجتمعنا قوّى كلٌّ منهما صاحبه،كما أن النار في الظلمة نور للبصر،وأنشد: إذا لم يكن للمرء عقلٌ يزينه ... مع النّاس لم يجعل له مشفقٌ عقلا وقال آخر: ولا خير في حسن الجسوم وطولها ... إذا لم يزن حسن الجسوم عقول وقال أردشير بن بابك:نموّ العقل بالعلم. وكتب عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه، إلى بعض عماله: أمّا بعد، فإنّ العقل المفرد لا يقوى به على أمر العامّة،ولا يكتفي به في أمر الخاصّة،فأحي عقلك بعلم العلماء والأشراف من أهل التّجارب والمروءات،والسّلام. قال أيوب بن القرّيّة:الناس ثلاثة:عاقلٌ،وأحمق،وفاجرٌ،فالعاقل:الدّين شريعته،والحلم طبيعته،والرأى الحسن سجيتّه،إن نطق أصاب،وإن سمع وعى،وإن كلّم أجاب. والأحمق:إن تكلّم مجل،وإن حدّث وهل،وإن استنزل عن رأيه نزل. وأما الفاجر:فإن ائتمنته خانك،وإن صحبنه شانك. قال مطرّف بن الشّخّير:عقول كلّ قوم على قدر زمانهم. كان يقال:ستّ خصال تعرف في الجاهل:الغضب في غير شئ،والكلام في غير نفع،والعطيّة في غير موضعها،وإفشاء السّر،والثقة بكلّ أحد،ولا يعرف صديقه من عدوه. قيل لابن شبرمة:ما حدّ الحمق؟ قال:لا جدّ له. سئل بعض الحكماء عن العقل،فقال:الإصابة بالظّنون،ومعرفة ما لم يكن بما قد كان. كان يحيى بن خالد،يقول:ثلاثة أشياء تدلّ على عقول أربالها:الكتاب على مقدار عقل كاتبه،والرسول على مقدار عقل مرسله،والهديّة على مقدار عقل مهديها. قال ابن الأعرابي:سمّى الرجل أحمق،لأنه لا يميز كلامه من رعونته قال:والحمق أيضاً الكساد،يقال:انحمقت السّوق إذا كسدت،ومنه الرجل الأحمق لأنه كاسد العقل لا ينتفع برأيه ولا بعزمه. والحمق أيضاً:الغرور،يقال:سرنا في ليالٍ محمّقات،إذا كان القمر فيهن يستتر بغيم أبيض رقيق،فيغتّر الناس بذلك يظنون أن قد أصبحوا فيسيرون حتّى يملوا. قال:ومنه أخذ اسم الأحمق لأنه يغرّك في أوّل مجلسه بتعاقله،فإذا انتهى إلى آخر كلامه تبيّن حمقه. وقيل للرّجلة البقلة الحمقاء، لأنّها تنبت في مسيل الماء،وفي طريق الإبل،فهي أبداً مدوسة. وفي الخبر المرفوع: " للعاقل خصال يعرف بها:يحلم عّمق ظلمه،ويتواضع لمن هو مثله،ويسابق بالبّر من هو فوقه،وإذا رأى باب فرصة انتهزها،لا يفارقه الخوف،ولا يصحبه العنف،يتدبرّ ثم يتكلم غنم،وإن سكت سلم، وإن عرضت له فتنة،اعتصم بالله ثم تنكّبها،وللجاهل خصالٌ يعرف بها:يظلم من خالطه، ويتكلم بغير تدبّر فيندم، فإن تكلّم أثم، وإن سكت سها، وإن عرضت له فتنةٌ أردته، وإن رأى باب فضيلةٍ أعرض عنها. ذكر المغيرة بن شعبة يوماً عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال: كان والله أفضل من أن يخدع، وأعقل من أن يخدع. في كتاب " كليلة ودمنة ": رأس العقل التمييز بين الكائن والممتنع. قال الحجاج يوماً: العاقل من يعرف عيب نفسه، قال عبد الملك: فما عيبك؟ قال: أنا حسودٌ حقود، قال عبد الملك: ما في إبليس شرٌ من هاتين. قال الحسن البصرى: صلة العاقل إقامةٌ لدين الله، وهجران الأحمق قربة إلى الله، وإكرام المؤمن خدمةٌ لله وتواضعٌ له.

стр. 118

قال عبد بن الحسن: حمق الرجل يفسد دينه، ولا دين لمن لا عقل له. وكان لا يجيز شهادة الأحمق العفيف، فكلّم في ذلك، فقال: سأريكم. ودعا بحاجبه فقال: يا ممدود، انظر لي ما الرّيح؟ فخرج ثم رجع، فقال: هي شمالٌ يشوبها شئٌ من الجنوب. فقال: أترون أن أجيز شهادة مثل هذا؟! فقال أردشير: رضاء المرء عن نفسه دليل على عقله. قال أنو شروان: ثقة الرجل برأيه، وإقراره بتوفير عقله، دليل على عقله، قيل: هل ينتهي من أول الزّجر أحمق كان يقال: إذا تمّ العقل نقص الكلام. قال على بن أبي طالب: لا تؤاخ الأحمق، ولا الفاجر، أمّا الأحمق فمدخله ومخرجه شين عليك، وأما الفاجر: فيزيّن لك فعله، ويود أنك مثله. قال سابق: المرء يجمع والزّمان يفرّق ... ويظلّ يرفع والخطوب تمزّق ولئن يعادى عاقلاً خيرٌ له ... من أن يكون له صديقٌ أحمق وقال آخر: عدوّك ذو العقل أبقى عليك ... من الصّاحب الجاهل الأحمق وذو العقل يأتى حسان الأمور ... ويعمد للأرشد الأوفق وقال دعبل بن على الخزاعى: عداوة العاقل خيرٌ إذا ... حصّلتها من خلةً الأحمق لأنّ ذا العقل إذا لم يرع ... عن ظلمك استحيا فلم يخرق ولن ترى الأحمق يبقى على ... دين ولا ودّ ولا يتّقى وقال آخر: عداوة العاقل خيرٌ لمن ... عاداه من ودّ امرئٍ جاهل بوائق الجاهل مبثوثةٌ ... وليس تخشاها من العاقل وقال صالح بن عبد القدوس: ألا إنّما الإنسان غمدٌ لعقله ... ولا خير في غمدٍ إذا لم يكن نصل فإن كان للإنسان عقلٌ فإنّه ... هو النّصل والإنسان من بعده فضل وقال أيضاً: وما المرء إلاّ اثنان عقلٌ ومنطقٌ ... فمن فاته هذا وذاك فقد دمر ولا سيمّا إن كان ممّن نصيبه ... من الدّين والدّنيا قليلٌ إذا حضر وقال ابن الرومى: وليس عتاب المرء للمرء نافعاً ... إذا لم يكن للمرء عقل يعاتبه وقال آخر: زعمت أبا سهلٍ بأنّك جامعٌ ... فنوناً من الآداب يجمعها الكهل فهبك تقول الحقّ أىّ فضيلةٍ ... تكون لذي علمٍ وليس له عقل وقال آخر: لكلّ امرئٍ شكلٌ من النّاس مثله ... فأكثرهم شكلاً أقلهم عقلاً لأنّ صحيح العقل ليس بواجدٍ ... له في طريقٍ حين يسلكها مثلا ولا خير في طول السّبال وعرضها ... إذا الله لم يجعل لصاحبها عقلا وقال آخر: قد عرفناك باختيارك إذ كان ... دليلاً على اللّبيب اختباره وقال بشار بن برد: وما أنا إلا كالزّمان إذا صحا ... صحوت وإن ماق الزّمان أموق وقال آخر: وأنزلني طول النّوى دار غربةٍ ... إذا شئت لاقيت امرءا لا أشاكله تحامقته حتّى يقال سجيّةٌ ... ولو كان ذا عقلٍ لكنت أعاقله وقال آخر: تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولا تلقهم بالعقل إن كنت ذا عقل فإنّى رأيت المرء يشقى بعقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل وقال أبو يزيد البسطامى ﵀: ياذا الذي ليس له والدٌ ... يسعى على الأرض ولا والده قد مات من قبلهم آدم ... فأىّ نفس بعده خالده إن جئت أرضاً أهلها كلّهم ... عورٌ فغمّض عينك الواحده سمع عمر بن العزيز رجلا يكنى أبا العمرين،فقال:لو كان لك عقل كفاك أحدهما. قال الحسن:هجرة الأحمق قربة إلى الله تعالى. قال منصور الفقيه: أجالس كلاّ وإن لم يكن ... على ما أحبّ سوى الأموق فإبّى أجالسه مرّةً ... وأنهض عنه فلا نلتقى فما نعمةٌ بعد تقوى الإله ... أفضل من هجرة الأحمق قال بعض الحكماء:ينبغي للعاقل أن يتمسك بستّ خصال:أن يحفظ دينه،ويصون عرضه،ويصل رحمه،ويحفظ جاره،ويرعى حقّ إخوانه،ويحزن عن البذاء لسانه.

стр. 119

كان الحسن البصرىّ إذا أخبر عن أحد بصلاح،قال:كيف عقله؟ ثم يقول:ما يتم دين أمرئٍ حتّى يتم علقه. روى أنه أهبط الله آدم إلى الأرض،أتاه جبريل،فقال:ياآدم! إن الله تعالى قد أحضرك ثلاث خصالٍ لتختار منهنّ واحدة،وتخلّى عن اثنتين. قال:وما هنّ؟ قال:الحياء والدين والعقل:قال آدم:إنى اخترت العقل. قال جبريل للحياء والدين:ارتفعا فقد اختار العقل،قالا:لا نرتفع،قال:ولم عصيتما؟ قالا:لا،ولكنا أمرنا ألاّ نفارق العقل حيث كان. كان يقال:لا تعتمدّ بمن ليس له عقدهٌ من عقل. قال بعض الحكماء:وكّل الحرمان بالعقل،والرزق بالجهل،ليعتبر العاقل فيعلم أنّ الرزق ليس عن حيلة. قيل لزرعة بن ضمرة:متى عقلت؟ قال:يوم ولدت. قيل:وكيف ذلك؟ قال:منعت الثّدى فبكيت،وأعطيتها فسكتّ. قال الحسن:لأنا للعاقل المدبر،أرجى منّى للأحمق المقبل. قال الأوزاعى:قيل لعيسى ﵇ يا روح الله! أنت تبرئ الأكمه والأبرص وتحيى الموتى بإذن الله،فما دواء الأحمق؟ قال:ذلك أعيانى. قال قيس بن الخطيم: وبعض الداء ملتمسٌ دواه ... وداء النوّك ليس له دواء وقال آخر: جنونك مجنون ولست بواجدٍ ... طبيباً يداوى من جنون جنون وقال آخر: قالوا جننت بمن تهرى فقلت لهم ... ما لذّة العيش إلاّ للمجانين الحبّ لا يستفيق الدّهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين كان يقال:الأحمق بشأنه أعلم من العاقل بشأن غيره. قال زيد بن أسلم، قال لقمان لا بنه: يا بنّي لئن يقصيك الحكيم خيرٌ من أن يدنيك الأحمق. قال عمر بن عبد العزيز: خصلتان لا تعدمك إحداهما من الأحمق، أو قال من الجاهل: كثرة الالتفاف، وسرعة الجواب. كانوا يعبّرون عن الأحمق بالجاهل، ومن ثم قالوا: غضب كسرى على عاقل فسجنه مع جاهل. يريدون سجنه مع أحمق، ويعبّرون أيضاً عن العاقل بالحلم، قال الشاعر: فلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإيّاه فكم من جاهلٍ أردى ... حليماً حين واخاه يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه قال سهل بن هارون: ثلاثة من المجانين وإن كانوا عقلاء: الغضبان: والغيران، والسّكران. قيل: فما تقول في المنعظ؟ قال: وما شرّ الثّلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذّي لا تصبحينا قال تمام بحيح: إذا قام ذكر الرجل، ذهب ثلثا عقله قال محمود الوراق، وقد نسب إلى ابن الزّيات: ليس شئٌ مما يدبرّه العا ... قل إلاّ وفيه شئٌ يريبه فأخو العقل ممسكٌ يتوقّى ... ويخاف الدّخول فيما يعيبه وأخو الجهل لا يقدر في الأم ... ر وإن أشكلت عليه ضروبه راكب ردعه كحاطب ليلٍ ... يخطئ الأمر كلّه أو يصيبه تتأتّى له الأمور على الجه ... ل إذا ما أرادها وتحبيبه وأخو العقل بعد ينتتج الرّأ ... ى فيرضى ومرّة يستريبه وإذا صيّر البعيد قريباً ... عاد فيه فازداد بعداً قريبه فهو الدّهر شاخص القلب فكراً ... ما تقضّى همومه وكروبه وقال آخر: ألا إنّ عقل المرء عينا فؤاده ... فإن لم يكن عقلٌ فلن يبصر القلب وقال آخر: أى زمناً نوكاه أسعد أهله ... ولكنّما يشقى به كلّ عاقل مشى فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكبّ الأعللى بارتفاع الأسافل وقال آخر: عذلوني على الحماقة جهلاً ... وهي من عقلهم ألذّ وأحلى لو لقوا ما لقيت من حرفة العق ... ل لساروا إلى الحماقة رسلا حمقى قائم بقوت عيالى ... ويموتون إن تعاقلت هزلا قال هشام بن عبد الملك: يعرف حمق الرجل بأربع: بطول لحيته، وشناعة كنيته ونقش خاتمه، وإفراط شهوته. فدخل عليه ذات رجل طويل العثنون، فقال هشام: أمّا هذا فقد جاء بواحدة، فانظروا أين الثلاث؟ قالوا: أنا أبو الياقوت الأحمر. قالوا: فما نقش خاتمك؟ قال: " وجاءوا على قميصه بدمٍ كذب ".

стр. 120

وفي خبر آخر: أن معاوية جرت له مثل هذه الحكاية، إلاّ أنّ في خبر معاوية، قيل له: فما كنيتك؟ قال: أنا أبو الكوكب الدرىّ. قيل له: فما نقش خاتمك؟ قال: " وتفقد الطير فقال مالى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين " قال يحيى بن الحكم الغزال: يعرف عقل المرء في أربع ... مشيته أوّلها والحرك ودورعينيه وألفاظه ... بعد عليهنّ يدور الفلك وقال آخر: طلبت الرّزق بالعقل ... من الغرب إلى الشّرق فلم يكسبنى العقل ... سوى البعد من الرّزق فأدبرت عن العقل ... وأقبلت على الحمق فلم أتعب ولم أنصب ... ولم أضرع إلى الخلق قال بعض الحكماء: من الحمق التماس الإخوان بغير وفاء، والتماس الآخرة بالرّياء. والتماس مودة النّساء بالغلظة، والتماس العلم والفضل بالدّعة والخفض. سمع الأنف رجلا يقول: ما أبالى أمدحت أم هجيت. فقال: استرحت من حيث تعب الكرام. وقالت العرب: استراح من لا عقل له. وقالت الفرس: مات من لا عقل له. أنشدني بعض شيوخي ﵏: كم كافرٍ بالله أمواله ... تزداد أضعافاً على كفره ومؤمنٍ ليس له درهم ... يزداد إيماناً على فقره لا خير فيمن لم يكن عاقلاً ... يمدّ رجليه على قدره وقال آخر: ما إن يزال يبغداد يزاحمنا ... على البراذين أشباه البراذين أعطاهم الله أموالاً منزّلةً ... من الملوك بلا عقلٍ ولا دين ما شئت من بغلةٍ شقراء ناجيةٍ ... أو من أتان وقول غير موزون باب من أجوبة الحمقى ومراجعة السّخفاء، وألفاظ النّوكى والجهلاء استعمل معاوية رجلاً من كلب، فذكر المجوس يوماً، فقال: لعن الله المجوس ينكحون أمهاتهم، والله لو أعطيت عشرة آلاف درهم، ما نكحت أميّ فبلغ ذلك معاوية، فقال: قبحه الله! أترونه لو زيد فعل؟!! قال أبو عبيدة: أجريت الخيل فطلع منها فرسٌ سابق، فإذا رجلٌ من النظّارة يكرّ ويثب من الفرح، فقال له رجل إلى جنبه: يا فتى! هذا الفرس فرسك؟ قال: لا،ولكنّ اللجام لجامي. أرسل رجلٌ من بنى عجل بن لجيم فرساً في الحلبة،فجاء سابقاً،فقال لابنه: يا بنىّ! بأىّ شئ أسميه؟ فقال:ياأبت افقأ عينه وسمه الأعور. قال الشاعر: رمتنى بنو عجل بداء أبيهم ... وأىّ عباد الله أنوك من عجل أليس أبوهم عار عين جواده ... فأضحت به الأمثال تضرب بالجهل قال أبو كعب القاصّ في قصصه:إن النبي ﷺ قال في كبد حمزة ما علمتم، فادعوا الله أن يطعمنا من كبد حمزة. وقال أيضاً في قصصه:إن اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا وكذا،قالوا له:فإن يوسف لم يأكله الذئب،قال:فهذا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف. وتلا في قصصه يوماً قول الله : " يتجرعه ولا يكاد يسيغه. فقال:اللهم اجعلنا ممن يتجرعه ويسيغه. قيل لبرذعة الموسوسر:أيّما أفضل غيلان أم معلّى؟ قال:معلّى، قالوا: ومن أين؟ قال: لأنه لما مات غيلان،ذهب معلّى إلى جنازته، فلما مات معلّى لم يذهب غيلان إلى جنازته. رفع رجلٌ من العامة ببغداد إلى بعض ولاتها على جار له أنّه يتزندق،فسأله الوالي عن قوله الذي نسبه به إلى الزندق،فقال:هو مرجى قدرىّ ناصبيّ رافضى،من الخوارج،يبغض معاوية بن الخطاّب الذي قتل علىّ بن العاص. فقال له ذلك الوالي:ما أدرى على أي شيء أحسدك؟ أعلى علمك بالمقالات،أم على بصرك بالأنساب. كان قوم من أهل العلم يتناظرون في أمر معاوية وعلّى،ويذكرون أبا بكر وعمر، وكان قريباً منهم رجل من العامة،ينسب إلى أنه من أعقلهم،وكان ذا سبلةٍ طويلة،فقال لهم:كم تطنبون في أمر علىّ ومعاوية وفلان وفلان!! فقال له أحد القوم:وتعرف أنت من على ومعاوية وفلان وفلان؟ قال:نعم! أو ليس هو أبو فاطمة؟ قال:ومن كانت فاطمة؟ قال:امرأة النبي ﷺ بنت عائشة أخت معاوية. قال:فما كان قصة علىّ؟ قال:قتل في غزاة حنين مع النبي ﷺ . دخل رجلٌ من العامة الجهلة الحمقاء على شيخ من شيوخ أهل العلم،فقال:أصلح الله الشيخ،لقد

стр. 121

سمعت في السوق الساعة شيئاً منكراً،ولا ينكره أحد قال:وما سمعت؟ قال:سمعتهم يشتمون الأنبياء! قال:ومن المشتوم من الأنبياء؟ قال:سمعتهم يشتمون معاوية. قال: يا أخي ليس معاوية بنبىّ. قال:فهبه نصف نبىّ لم يشتم. قال عمرو بن بحر:ذكر لي شيخٌ من الإباضية أنه جرى عنده ذكر الشيعة يوماً فغضب وشتمهم،وأنكر ذلك عليهم إنكاراً شديداً. قال فأتيته يوما فسألته عن سبب إنكاره على الشيعة ولعنه لهم فقال:لمكان الشين في أول الكلمة،لأني لم أجد ذلك قطّ إلا في مسخوط،مثل شومٍ وشرّ وشيطانٍ وشيصٍ وشحّ وشغبٍ وشعبٍ وشركٍ وشتمٍ وشقاقٍ وشطرنج وشينٍ وشانى وشحطٍ وشوصة وشوكٍ وشكوى وشنآن. فقلت له:إن هذا كثير،ما أظنّ أن القوم تقيم لهم علماً مع هذا أبداً كان عندنا رجل شاهدناه،وكان من جيراننا على غاية من الجهل والغباوة،وكان إذا سلّم من صلاته في جماعة أو وحده،يقول:السّلام على الملكين الكاتبين لأبي بكر وعمر،وكان ألثغ يجعل مكان الكاف تاء. اشترى باقل،وهو رجل من قيس بن ثعلبة عنزاً بأحد عشر درهما،فقالوا له:بكم اشتريت الغز؟ ففتح كفّيه وفرّق أصابعه،وأخرج لسانه،يريد أحد عشر درهماً،فلما عيروه،قال: يلومون في حمقه باقلاً ... كأنّ الحماقة لم تخلق فلا تكثروا العذل في عيّه ... فللعىّ أجمل بالأحمق خروج اللسان وفتح البنان ... أحب إلينا من المنطق ذكر الصّولى عن ابن الجوهريّ ضروباً من العىّ والحماقة والجهل،وكان له تسبيح ظريف يسبحه بإثر كل صلاة:سبحانك يا عالمين،والحمد لله الأكرمين،ولا إله إلا الله الطيبين،والصلاة على النبي المباركين،وأزواجه أمهات المؤمنين،ونسأل الله خير عوائق الأمور. رأى معاوية بن مروان بن الحكم حمار طاحونةٍ في عنقه جلجل في حانوت طحان،فقال له: ما بال هذا الحمار في عنقه جلجل؟ فقال:أنا مشتغل في علاجى وطلب معيشتى خارج الحانوت،وبحركة الجلجل أعرف وقوف الحمار فأحرّكه للمشى،فقال له معاوية له:أرأيت إن وقف الحمار وحرّك رأسه فتحرك الجلجل؟ قال الطحان:ومن لحمارى بمثل عقل الأمير؟! ومعاوية هذا هو الذي أمر بغلق باب المدينة إذ انفلت له البازى. قال طحطاح لابنه يوماً:ما الذي تشتهى؟ قال: رأسي كبشٍ. فقال له أبوه: لا يكون للكبش رأسان، قال: فرأس كبشين، فضحك منه. قيل لمخنث: مالكم تحلقون لحاكم؟ فقال: إن البرد لا تعرف إلا بحذف أذنابها. دخل راكب البريد يوماً على المأمون، فقال له: متى خرجت، أو متى قدمت؟ فقال له:بعد غد يا أمير المؤمنين. فقال له المأمون: فإذاً أتيتنا وبيننا وبينك مرحلتان. مرض رجلٌ من الأعراب، فعاده جاره، وقال له: ماتجد؟ قال: أشكو دمّلا أهلكني، وزكاماً أضربى. قال له: فقد بلغنا أن إبليس لا يحسد على شئ من الأمراض إلاّ على هاتين العلتين لما فيهما من الأجر والمنفعة. فأنشأ الأعرابي يقول: أيحسدني إبليس داءين أصبحا ... برأسي وإستى دملاً وزكاما فليتهما كانا به وأزيده ... رخاوة زبّ لا يطيق قياما وقال أبو نواس: قد أضرت بي دمامي ... ل على الظّهر ملحّه ليتها في عين من يح ... سبه مالاً وصحّه سلم فزارة صاحب المظالم بالبصرة على يساره في الصلاة، فقيل له في ذلك فقال: كان على يميني إنسان لا أكلمه. وقال فزارة يوماً في مجلسه: لو غسلت يدى مائة مرة ما تنظفت، أو أغسلها مرتين وفيه يقول ابن المعذّل: ومن المظالم أن تكو ... ن على المظالم يا فزارة تقديم رجل مع خصمه إلى قاض، فقال: أصلح الله القاضى، لي عند هذا الزاني ابن الزانية كذا وكذا. فقال القاضي لخصمه: ما تقول فيما سمعت من دعوى خصمك؟ فقال: لا أعرف شيئاً فيما يقول، وأنا منكر لما يدعيه. فقال للمدعى: هات بينه إن كان لك. فأتاه برجلين فجلسا بين يديه، فقال لهما: بم تشهدان؟ قالا: نشهد أن لهذا الرجل على هذا الزاني ابن الزانيه كذا وكذا لدعوى خصمه. فقال لهما:قد قبلتكما. قم يازاني ابن الزانية،فأد ما شهدا به. فقال المشهود عليه:

стр. 122

أيها القاضي! إن كان هؤلاء استحلوا قذفى وقذف أمي بجهلهم، فما الذي استحللت به أنت ذلك منى؟ فقال: والله يا ابن أخي ما حسبت إلا أنه اسمك واسم أمك، لأنك لم تنكر ذلك على خصمك ولا على شاهديه. مر قاض بواسط أو بحمص على السوق في يوم رمضان، فرأى رجلا قد صنع معزفاً، فوقف عليه وقال: أيها الفاسق في الشهر المبارك تعمل آلات اللهو وظروف الشرّ فقال: أصلح الله القاضي، إنما هي مقلاة قال: لعن الله الشيطان ما حسبتها إلا معزفا،فنهض شيئاً ثم عاد إليه، فقال له:يا فاسق؟؟؟؟؟؟؟؟ وكيف تكون مقلاة من خشب؟ هذا محال. فقال له:يا قاضي إني أطليها بالقار، فلا تؤثر فيها النار. قال:صدقت، ثم انصرف عنه. وُلّى رجلٌ مقلّ قضاء الأهواز، فأبطأ عليه رزقه، وحضر عيد الأضحى وليس عنده ما يضحى به ولا ما ينفق، فشكا ذلك إلى زوجته، فقالت له: لا تغتم، فإن عندي ديكاً جليلا قد سمنته، فإذا كان عيد الأضحى ذبحناه. فلما كان يوم الأضحى، وأرادوا الديك للذبح، طار على سقوف الجيران، فطلبوه وفشا الخبر في الجيران، وكانوا مياسير، فرقوا للقاضي، ورثوا لقلة ذات يده،فأهدى إليه كلّ واحد منهم كبشاً، فاجتمعت في داره أكبش كثيرة، وهو في المصلى لا يعلم، فلما صار إلى منزله، ورأى ما فيه من الأضاحي قال لامرأته:من أين هذا؟ قالت أهدى إلينا فلان وفلان - حتى سمَّت جماعتهم - ما ترى. قال: ويحك احتفظي بديكنا هذا فما فدى إسح اق بن إبراهيم إلا بكبش واحد،وقد فدى ديكنا بهذا العدد. باب الملح وما به النّفس ترتاح من مباح المزاح قال الأصمعىّ: وصلت بالعلم، وكسبت بالملح. قال عبد الرحمن بن أبي الزّناد: قلت لأشعب: أنت شيخ كبير، فهل رويت شيئاً من الحديث؟ قال: بلى! حدثني عكرمة عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: خصلتان من حافظ عليهما دخل الجنة. قلت: وما هما؟ قال: نسيت أنا واحدة، ونسى عكرمه الأخرى. كان أشعب الطّمع كثير الإلمام بسالم بن عبد الله بن عمر، فأتاه يوماً وهو في حائط مع أهله، فمنعه البواب من الدخول عليه من أجل عياله، وقال: إنّهم يأكلون. فمال عن الباب، وتسوّر عليهم الحائط، فلمّا رآه سالم، قال: سبحان الله يا أشعب! على عيالى وبناتي تتسوّر. فقال له " لقد علمت مالنا في بناتك من حقّ، وإنك لتعلم ما نريد ". فقال له: انزل يأتك من الطّعام ما تريد. أخذ قومٌ في قطع، فقدّموا لضرب أعناقهم، فقام منهم واحدٌ، وقال: الله الله فيّ، فو الله ما كنت في شئٍ مما كانوا فيه، وإنما كنت أشرب معهم وأغنّى لهم، فقالوا: هات فغنّ لنا، فارتجت عليه الأشعار إلاّ قول الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكلّ قرينٍ بالمقارن مقتدى فقالوا: صدق. اضربوا عنقه. كان بعض أمراء خراسان يتشاءم بالحول، فمتى رأى أحول ضربه بالسّياط، وربما ضرب بعضهم خمسائة سوط، وحدث أنه ركب في بعض الأيام، فرأى أحول فأمر بضربه، وكان الأحول جلداً، فلما فرغ من ضربه، قال له: أيها الأمير! أصلحك الله، لم ضربتني؟ قال: لأني أتشاءم بالحول. قال: فأينا أشدّ شؤماً على صاحبه، أنت رأيتني ولم يصبك إلاّ خير، وأنا رأيتك فضربتني خمسائة سوط، فأنت إذا أشد شؤماً. فاستحيا منه ولم يضرب بعده أحداً. كانت في سعيد بن فروخ بن القطان، والد يحيى سعيد الفقيه، غفلة شديدة مشهورة، فخرج يوم الجمعة وقد تهيأ للصلاة، فلقى رجلا من أهل البصرة كثير المزاح، فقال له: قد أخروا الجمعة إلى غد، فقال: حسن. ورجع إلى منزله. كان إسماعيل بن يسار الشاعر قد خفّ على عروة بن الزبير حتى زامله مرّةً بعض أسفاره، فقال ليلةً في سفره ذلك لغلامه: انظر هل اعتدل المحمل؟ فقال الغلام: ما هو إلاّ معتدل، فقال إسماعيل: والله ما اعتدل الحقّ والباطل قبل هذه الليلة، فمحك عروة. قال الأصمعىّ: قدم تاجرٌ من أهل الكوفوفة المدينة بأحمزة فباعها كلها إلاّ السّود منها، فلم تنفق، وكان صديقاً للدرامىّ الشاعر، فشكا ذلك إليه، وقد كان الدرامىّ تنسّك، وترك الشعر والغناء. فقال له: لا تهتمّ بذلك فإنّي سأنفقها لك حتى تبيع جميعها إن شاء الله تعالى، ثم قال:

стр. 123

قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا صنعت بزاهدٍ متعبّد قد كان شمر للصلاة ثيابه ... حتّى عرضت له بباب المسجد ردّى عليه صيامه وصلاته ... لا تقليه بحقّ دين محّمد فشاع قول الدرامىّ هذا في الناس: وقالوا: رجع الدرامىّ عن نسكه، وعاد إلى فتكه، فلم يبق في المدينة امرأة ظريفة إلا ابتاعت خماراً أسود حتى نفد ما كان منها مع العراقي، فلما علم الدراميّ ذلك، رجع إلى نسكه ولزم المسجد. والدراميّ هذا أصله مكىّ، ثم انتقل إلى المدينة زمن عمر بن عبد العزيز، وعاش إلى خلافة بني العباس، وانقطع إلى عبد الصمد بن على وكان شاعراً مطبوعاً، ترك ذلك وتنسك، وهو القائل: ولما رأيتك أوليتني ال ... قبيح وباعدت عنّي الجميلا تركت وصالك في جانب ... وصادفت في النّاس خلاّ بديلا طويسٌ الذي تضرب به العرب المثل في الشّؤم، هو رجلٌ من أهل المدينة مولى لبني مخزوم، واسمه عيسى بن عبد الله، وهو أول من أظهر الخنا والمجون بالمدينة، وكان مغنيا يضرب الدف، وسئل عن والده، فقال: ولده، فقال، ولدت يوم مات النبي ﷺ ، وفطمت يوم مات أبو بكر، وختنت يوم قتل عمر، وتزوجت يوم قتل عثمان، وولد لي يوم قتل على بن أبي طالب فيقولون في أمثالهم السّائرة. أشأم من طويس. كان الشّعبي يوماً جالساً في مجلسه، والناس يتناظرون في الفقه عنده، معه شيخ يطيل السكوت، فقيل له يوماً: لو سألت عن مسألة تنتفع بها، فقال: إني لأجد في قفاي حكّة، أفترى لي أن أحتجم؟ فقال الشعبي:الحمد لله الذي صرنا من الفقه إلى الحجامة. مر بالشعبي يوماً رجل يقود حماراً،فقال له:ما اسمك؟ قال:وردان. قال:وما اسم حمارك؟ قال:عمران. قال الشعبي:واخلافاه!! مر رجل معه كلب بابن أبي عتيق،فقال له:ما اسمك؟ قال:وثاّب. قال:وما اسم كلبك؟ قال:عمروزفقال ابن أبى عتيق:واخلافاه،وأنشد: ولو هيّا له الله ... من التّوفيق أسبابا لسمّى نفسه عمراً ... وسمّى الكلب وثاّبا أنشد رجل زبّان السّوّاق،قول إسماعيل بن يسار: ما ضرّ أهلك لو تطوّف عاشقٌ ... بفناء بيتك أو ألمّ فسلّها فبكى زبّان،وقال:لاشئ والله،إلا الضّجر وسوء الخلق وضيق الصدر،وجعل يبكي ويمسح عينيه. قيل لمدنّى:أما تتقى الله،تؤذي جيرانك؟! قال:فمن أوذى إذاً؟ أوذى من لا أعرفه؟! كان الفرزدق جالساً في حلقة الحسن ﵀،فقال رجل:يا أبا سعيد! ما تقول في الرجل يحكي عن غيره،يقول:قال فلانٌ طلقت امرأتى،وأعتقت عبدي،وفعلت وفعلت ولانّية له في ذلك. فقال الفرزدق:ياأبا سعيد:قد قلت أنا في ذلك. فقال:وما قلت يا أبا فراس؟ فليس كلّ قول يؤخذ به. قال:قلت: ولست بمأخوذٍ بشئ تقوله ... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم قال الحسن:صدق أبو فراس،القول ما قال. اعترض الإسكندر جيشه يوماً،فرأى فيهم رجلا أعرج،فأمر بإسقاطه،فضحك الأعرج. فقال له الإسكندر:مم ضحكك؟ وقد أسقطتك. فقال:تعجبا منك لحبك آلة الهروب،وكراهتك آلة الوقوف،لأن معى آلة الوقوف في الحرب وتسقطني،فأمر بإثباته في خاصته،وأسنى رزقه. سمع ابن أبي عتيق يوما نصيباً الشاعر،وكان أسود،ينشد لنفسه: وددت ولم أخلق من الطّير أنّني ... أعار جناحي طائر فأطي فقال له ابن أبي عتيق:يا ابن أخي! قل:غاق تطر. شبهه بالغراب لشدة سواده. هاج بأبي علقمة الأعرابيّ الدّم،فأتوه بحجّام،قال له:يا حجّام! اشدد قصبة الملزم،وأرهف ظبة المشرط، وأسرع الوضع، وأسرع الوضع، وعجل النّزع، وليكن شرطك وخزاً، ومصّك نهزاً. فقام الحجام ناهضاً، وقال: انتظر حتى يأتيك ابن القريّة فيحجمك.

стр. 124

قال الهيثم بن عدىّ: كنت يوماً بكناسة الكوفة إذ أنا برجل قد وقف على نخّاس الدّواب، فقال له: اطلب لي حماراً ليس بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفق، وإن كثر الزحام ترفق، لا يصادم في السّوارى، ولا يدخل تحت البواري، إن أقللت علفه صبر، وإن أكثرت له شكر، وإن ركبته هام، وإن ركبه غيري نام. فقال له النخاس: اصبر يا عبد الله، فإذا مسخ القاضي حماراً، أصبت حاجتك إن شاء الله تعالى. خطب أبو القطوف إلى قوم وليةً لهم، فأجابوه، وقالوا لها من الضياع والمال كذا وكذا، فما مالك أنت؟ قال: إن كنتم صادقين فإن مالها يكفيني وإياها ما عشنا، فما سؤالكم عن مالى؟! وقال عبد الملك بن عبد الحميد الحارثي: يا أخت كندة عافي شرب عثمان ... وأزمعى لبنى عوف بهجران يا أخت كنده سيرى سير ساخطةٍ ... كي تنتوي غضبي وغضبان يا أخت كنده ليس الرّزق في يده ... الرّزق قي يد من لو شاء أغناني الماء في دار عثمان له ثمن ... والخبز فيها له شانٌ من الشّان عثمان يعلم أنّ الحمد ذو ثمن ... لكنّه يشتهى حمداً بمجّان والناس أكيس من أن يمدحوا أحداً ... حتّى يروا عنده آثاره إحسان اغسل يديك بأشنانٍ وأنقهما ... غسل الجنانة من معروف عثمان واسلح على كلّ عثمان مررت به ... إلاّ الخليفة عثمان بن عفّاف وقال الليث الحجام: حلقت بموسي الهجر ناصية الصّدّ ... وأخريت مشط الصّدّ في طرّة الودّ قصصت بمقراض القلا حجّة الوفا ... فجبهة رأس الودّ مكشوفة الجلد وشعر سبال الوصل صرت منتفاً ... ظلوماً بمنقاش القطيعة والصَّدَّ وما زلت مصَّاصاً بغير إساءةٍ ... بمحجمة الخلف القبيح دم الوعد وذكروا أن إبليس قال:ماذا ألقى من أصحاب البلغم؟ ينسون ويلعنونني. قال حسين المعروف بالجمل الشاعر: كان أحمد بن المدبر بدمشق يقصده الشعراءفمن مدحه بشعر جيد أثابه، ومن مدحه بشعر رديء وكل به من يحمله إلى الجامع فلا يفارقه حتى يصلى مائة ركعة. قال فدخلت عليه، فقلت: أردنا في أبى حسن مديحاً ... كما بالمدح تنتجع الولاة فقالوا يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهن الصلاة فقلت لهم: وما يغنى عيالي ... صلاتى إنما الشأن الزكاة ليأمر لي بكسر الصاد منها ... فتضحى لي الصلاة هي الصلات قال،فقال لي: أخذت هذا من قول أبى تمام: هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام قال الرياشي: خرج الناس بالبصرة ينظرون هلال رمضان، فرآه رجل منهم،ولم يزل يومئ إليه حتى رآه غيره وعاينوه، فلما كان هلال الفطر، جاء الجار إلى ذلك الرجل، فدق عليه الباب، وقال له: تعال أخرجنا مما أدخلتنا فيه. باب المزاح إباحة وكراهة قال رسول الله ﷺ : إني لأمزح ولا أقول إلا حقَّا. قال ابن عباس: المزاح بما يحسن مباح، وقد مزح رسول الله ﷺ ، فلم يقل إلاّ حقا. قال غالب القطان: أتيت محمد بن سيرين، وكان مزاحاً فسألته عن هشام ابن حسان، فقال لي: توفى البارحة، أما شعرت؟ فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون. فضحك وقال:؟ " الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ". جاءت إمرأة إلى الحسن، فقالت: إني نذرت أن أهدي البصرة إلى مكة،فقال:ويحك إن أهل البصرة لا يدعونك تهدى بصرتهم، ولو تركوك ما قدرت، كفري عن يمينك. وفي الحديث المأثور: " أنّ عيسى ﵇ كان يبكي ويضحك، وكان يحيى ﵇ يبكي ولا يضحك، فكان خيرهما المسيح ﵇ ". قال خليفة بن زيد: كان خليفة الأقطع مزاحاً، وكان يقف على أيوب السختياني فيمازحه. قال حماد: وجاء خليفة الأقطع يوماً إلى أيوب، وأنا غلام بين يديه، فقال له:يا أبا بكر متى استحدث هذا؟ يعنى متى طلب هذا الحديث.

стр. 125

وروى هارون بن موسى الأعور عن سالم العلوى، قال: قال لي الحسن: خلّ بين الناس وبين هلالهم حتى يراه معك غيرك. وكان شعبة يقول: سالم العلوي يرى الهلال قبل الناس بليلتين. قال الخليل بن أحمد: الناس في سجن ما لم يمازحوا. مزح الشعبي يوماً، فقيل له: يا أبا عمرو أفتمزح؟ قال: إن لم يكن هذا متنا من الغم، داخل، وهواء خارج. كان محمد بن سيرين يداعب ويضحك حتى يسيل لعابه، فإذا أردته على شئ من دينه كانت الثريا أقرب إليك من ذلك. أتت ابن سيرين امرأة الفرزدق شاكية، فلما خرجت تمثل: لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاً ... ولو رضيت زب استه لاستقرت قيل لابن سيرين: إن قوماً يقولون من الشعر ما يوجب الوضوء، فعجب من جهلهم، وكان في المسجد، فتمثل: نبئت أن فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول ثم قام فاستقبل القبلة وكبر مفتتحا لصلاته. وقال شعبة: أقيمت الصلاة فأنشدنا عمرو بن مرة بيت شعر غزل، ثم افتتح الصلاة، وكان إمامهم. وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح لما فيه من ذميم العاقبة، ومن التوصل إلى الأعراض، واستجلاب الضغائن، وإفساد الإخاء. كان يقال: لكل شئ بدء، وبدء العداوة المزاح. كان يقال: لو كان المزاح فحلاً، ما ألقح إلا الشر. قال سعيد بن العاص: لا تمازح الشريف فيحقد، ولا الدنيء فيجترئ عليك. قال ميمون بن مهران: إذا كان المزاح أمام الكلام فآخره الشتم واللطام. قال جعفر بن محمد: إياكم والمزاح، فإنه يذهب بماء الوجه. كان خالد صفوان يكره المزاح، ويقول: يسعط أحدهم أخاه بأحر من الخردل ويضحكه بأصلب من الجندل، ويفرغ عليه أشد من إلى المرجل، ويقول: مازحته. قال إبراهيم ال نخعي: لا يكون المزاح إلا في سخف أو بطر. قال أبو هفان: مازح صديقك ما أحب مزاحاً ... وتوق منه في المزاح جماحاً فلربما مزح الصديق بمزحةٍ ... كانت لباب عداوةٍ مفتاحاً وقال ابن وكيع: لا تمزحنَّ فإن مزحت فلا يكن ... مزحاً تضاف به إلى سوء الأدب واحذر ممازحةً تعود عداوةً ... إن المزاح على مقدمة الغضب ولأبي جعفر محمد بن جرير الطبري: لي صاحب ليس يخلو ... لسانه عن جراح يجيد تمزيق عرضي ... على سبيل المزاح روى عن النبي ﷺ : " إياكم وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه ". قال عمر بن الخطاب ﵁: من كثر ضحكه استخف به وذهب بهاؤه. وقال غيره من الحكماء: إياك والمشي في غير أرب، والضحك من غير سبب. قال قتيبة بن مسلم لبنيه: لا تمازحوا فيستخف بكم، ولا تدخلوا الأسواق فترقَّ أخلافكم، ولا تبخلوا فيزدريكم أكفاؤكم. قال أبو موسى بن الحسن بن عبد الصمد بن علي بن المعتصم: الكبر ذل والتواضع رفعة ... والمزح والضحك الكثير سقوط والحرص ذل والقناعة عزة ... واليأس من صنع الإله قنوط وقال آخر: فإياك إياك المزاح فإنه ... يجرى عليك الطفل والدنس النذلا ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورثه من بعد عزته ذلاَّ وقال آخر: ما أقبح الكذب المذموم صاحبه ... وأحسن الصدق عند الله والناس وقال آخر: للجد ما خلق الإنسان فالتمسن ... بالجدّ حظك لا بالهزل واللعب لا يلبث الهزل أن يجنى لصاحبه ... ذما، ويذهب عنه بهجة الأدب لا خير في الهزل فاتركه لقائله ... واهرب بعرضك منهم أوشك الهرب وقال محمود الوراق: تلقى الفتى يلقى أخاه وخدنه ... في لحن منطقه بما لا يغفر ويقول كنت ممازحاً وملاعباً ... هيهات نارك في الحشا تتسعر ألهيتنا وطفقت تضحك لاهياً ... عما به وفؤاده يتفطر أو ما علمت ومثل جهلك غالب ... أن المزاح هو السباب الأكبر فهؤلاء كرهوا المزاح وذموه، ولم يستثنوا منه قليلا من كثير، وأما منصور الفقيه فنهى عن الإكثار منه، فقال:

стр. 126

لا تكثرن من الفكا ... هة في حديثك والدعابه ودع الغريب من الكلا ... م لأهله عند الخطابه وإذا أصبت فكل ما ... أغفلته دون الإصابه وقد أكثر أهل الأدب في المزاح من النظم،وختلق ابن وكيع أكثر ذلك، ورأيت الأقتصار فيه على الأختصار أولى من الإكثار. كان المأمون يعجبه القائل: أخو الجدي إن لاقاك أرضاك جده ... وذو باطل إن شئتألهاك باطله باب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانه قال رسول الله ﷺ : " المؤمن إذا حدث صدق،وإذ وعد انجز، وأذا اؤتمن وفى، والمنافق إذا حدث كذب،وإذا واعد أخلف،وإذا اؤتمن خان ". وقال ﷺ : " لاتزال أمتي بخير مااتخذو الأمانه مغناً والصدق مغرماً قالت عائشة رضى الله عنها،قالت: يارسول الله بم يعرف المؤمن؟ قال " بوقاره ولين كلامه، وصدق حديثه " وقال ﷺ : " أد الأمانه إلى من أئتمنك،ولاتخن من خانك " وقال سعد:كلا لخصال يطبع عليها المؤمن، إلا الخيانه والكذب. وقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه:من كانت له عند الناس ثلاثة وجبت له عليهم ثلاث: من إذا حدثهم صدقهم،وإذا ائتمنوه لم يخنهم،وإذا وعدهم وفى لهم، وجب له عليهم أن تحبه قلوبهم، وتنطق بالثناء عليهم ألسنتهم،وتظهر له معونتهم. قيل للقمان الحكيم: ألست عبد بن فلان؟ قال: بلى. قيل: فما بلغ بك ما نرى؟ قال:تقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانه وترك ما لا يعنينى. قال نافع: طاف ابن عمر سبعاً،وصلى ركعتين،فقال له رجل من قريش: ما أسرع ما طفت وصليت يا أبا عبد الرحمن وخرجت فقال أبن عمر:أنتم أكثر منا طوافاً وصياماً،نحن نلتزم صدق الحديث،وأداء الأمانة، وإنجاز الوعد. قتل محمود الوراق: اصدق حديثك إن في الصدق الخلاص من الدنس ودع الكذب لشأنه ... خير من الكذب، الخرس وقال منصور الفقيه: الصدق أولى ما به ... دان امرؤ فاجعله دينا ودع النفاق فما رأي ... ت منافقا إلا أهينا وله أيضاً: الحمد الله شكراً ... فالشكر أيسر حقه أمسى الصدوق كثير ال ... عدو من اجل صدقه وقال أبو العتاهية: الحمد لله كل ذو مكاذبهٍ ... أمسى التصادق لايسقى به الماء قال الحسن البصري:لا تستقيم أمانة رجل حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه. كان يقال:كفى بالمرء خيانه أن يكون أمينا للخونه قال الشاعر: إن الأميرإذا استعان بخائنٍ ... كان الأمير شريكه المأثم قال الفارابي:كنت على الأوزعى إذ جاءه رجل فقال:يا ابا عمرو هذا كتاب صديقك فلان من بلاد كذا،وهو يقرأ عليك السلام. فقال له: متى قدمت؟ قال أمس. قال:ضيعت أمانتك لا كثر الله في المسلمين أمثالك. قال الشاعر: إذا أنت حملت الخئون أمانة ... فإنك قد أسندتها شر مسند وقال محمود الورق: تصنّع كي يقال له أمينٌ ... وما معني التّصنّع للأمانه ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطّريق إلى الخيانة وقال آخر: هو الذّئب أو للذّئب أوفى أمانة ... وما منهما إلا أذلّ خئون أستراح رجل إلى جليس له في السلطان،فرفع ذلك عليه،فلما أوقف السلطان ذلك القائل على قوله،أنكر أن يكون أحد سمع ذلك منه، فقال: بل فلان سمع ذلك منك، فهل ترضى به؟ قال: نعم. فكشف الستر عن الرجل، فقال: بلى. أنت قلت ذلك لي، فسكت المرفوع عليه ساعة، ثم أنشأ يقول: أنت امرؤٌ إمّا ائمنتك خالياً ... فخنت وإمّا قلت قولاً بلا علم فأنت من الأمر الذّي قلت بيننا ... بمنزلةٍ بين الخيانة والإثم أنشدني على بن إسماعيل لنفسه: لا يرى إلا لدينا ... طالباً فيها ديانه وإذا قيل أمينٌ ... قد تحلّى بالأمانه وقع التحصيل منه ... بين غدر وخيانه وقال آخر: لايخون الأمين شيئاً ولكن ... ربّما تحسب الخؤون أمينا وقال آخر:

стр. 127

ألا ربّ من تعتده لك ناصحاً ... ومؤتمناً بالغيب غير أمين وقال أبو يعقوب الخريمي: يا للرجال لقومٍ قد بلوتهم ... أرى جوارهم إحدى البليّات ماذا تظنّ بقوم خبر كسبهم ... مصرّح السّحت سمّوه الامانات وفي الحديث المرفوع: " الصدق يهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنّة، والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النّار ". يقال: صدق وبرّ، وكذب وفجر. قال بعض الحكماء: من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه. وقال محمود الوراق: إذا عرف الكذاب بالكذب لم يكن ... لدي النّاس ذا صدقٍ وإن كان صادقا ومن آفة الكذّاب نسيان كذبه ... وتلقاه ذا حفظ إذا كان حاذقاً وقال آخر: لا يكذب المرء إلاّ من مهانته ... أو عادة السّوء او من قلّة الأدب قال بغضهم: ما أراني أوجر في ترك الكذب. قيل له: ولم؟ قال: لأني أدعه اتقاء. قالوا: الصدق عز، والكذب خضوع. قال الحسن: خرج عندنا رجل بالبصرة، فقال: لأ كذبن كذبه يتحدث بها الوليد، قال الرجل: فما رجعت إلى منزلي حتّى ظننت أنها حق لكثرة ما رأيت الناس يتحدثون بها. وقال كعب بن زهير: ومن دعا النّاس إلى دمّه ... ذموه بالحقّ وبالباطل مقالة السّوء إلى أهليها ... أسرع من منحدرٍ سائل قال لقمان لابنه: يا بني! احذر الكذب فإنه شهى كلحم العصفور، من أكل شيئا منه لم يصبر عنه. عوتب بعض الأعراب على الكذب، فقال للذي عاتبه: والله لو غرغرت به لهاتك ما صبرت عنه. وقال الأصمعي: قيل لكذّاب: ما يحملك على الكذب؟ فقال: أما إنك لو تغرغرت به مرة ما نسيت حلاوته. قيل لكذاب: هل صدقت قط؟ قال: أكره أن أقول لا فأصدق. قال جميل العذرى: لحا الله من لا ينفع الودّ عنده ... ومن حبله إن مد غير متين ومن هو ذو لو نين ليس بدائم ... على خلق خوّان كلّ أمين قال رسول الله ﷺ : " أد الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك ". باب الحقّ والباطل قال رسول الله ﷺ : " الحق ثقيلٌ، فمن قصّر عنه عجز، ومن جاوزه ظلم، ومن انتهى إليه فقد اكتفى ". ويروي هذا لمجاشع بن نهشل. قال رسول الله ﷺ : " لا يبطل حق امرئ وإن قدم ". وقال ﵇: " رحم الله عمر بن الخطّاب، تركه الحقّ ليس له صديق ". لما استخلف أبو بكر عمر، قال لمعيقيب الدّوسى: ما يقول النّاس في استخلافي عمر؟ قال: كرهه قومٌ، ورضيه آخرون. قال: فالذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه؟ قال: بل الذين كرهوه. قال: إن الحقّ يبدو كريها وله تكون العاقبة، والعاقبة للتقوى. قالوا: من قصد إلى الحقّ اتسمت له المذاهب حجة، ومن تعداه ضاق به أمره، وما هلك امرؤٌ عرف قدره. قالوا: الحكمة تدعو إلى الحقّ، والجهل يدعو إلى السّفه، كما أنّ الحجة تدعو إلى المذهب الصّحيح، والشبهة تدعو إلى المذهب الفاسد. قال بعض الحكماء: من جهلك بالحق والباطل، أن تريد إقامة الباطل بإبطال الحق. قال الأعرابي، وقد ذكر عنده الإصلاح والإفساد، فقال: لاتمنعن كثيراً من حقّ، ولا تضعنّ قليلاً في الباطل، فما حرّك حقّ وباطلّ إلا كان لهما شهود. قال بعض الحكماء: لها يعيد الرجل عاقلا، حتى يستكمل ثلاثاً: إعطاء الحق من نفسه في حال الرّضا والغضب، وأن يرضى للناس ما يرضى لنفسه، وألاّ ترى له زلّة عند ضجره. وقد تقدّم قول أبي العتاهية في باب الرّجاء والخوف: ومن ضاق عنه الحقّ ضاقت مذاهبه ولأبي العتاهية أيضاً: الباطل الدّهر يلفي لا ضياء له ... والحقّ أبلج فيه النور يأتلق

стр. 128

لما احتضر أبو بكر الصّدّيق، أرسل إلى عمر، فقال: ياعمر! إن ولّيت على النّاس فاتق الله، والزم الحق، فإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم، وحقّ لميزان إذا وضع فيه الحقّ غداً أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت يوم القيامة، باتباعهم الباطل في الدّنيا وخفّته عليهم، وحقّ لميزان وضع فيه الباطل أن يكون خفيفاً، واعلم أن الله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار لا يقبله بالليل، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، وأن الله ذكر أهل الجّنة بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا كوتهم قلت: إنّي الخائف ألا ألحق بهم، وأن الله ذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم، وردّ عليهم أحسنها، فإذا ذكرتهم، قلت: إني لخائف أن أكون مع هؤلاء، وأن الله ذكر آية الرّحمة مع آية العذاب، ليكون المؤمن راغباً راهباً لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمة الله فإن أنت حفظت وصيّتي، فلا يكوننّ غائبٌ أحب إليك من الموت وهو أيتك، وإن ضيعت وصيتي فلا يكوننّ غائبٌ أبغض إليك من الموت ولست بمعجزه. كتب عمر بن الخطاب إلى معاوية: أن الزم الحقّ، ينزلك الحقّ في منازل أهل الحقّ، يوم لا يقضى إلا بالحقّ، أول كتاب كتبه علىّ بن أبي طالب في خلافته: أمّا بعد، فإنّما هلك من كان قبلكم، أنّهم منعوا الحق حتى اشترى، وبسطوا الباطل حتى اقتدى. وقال علىّ بن أبي طالب لرجل من الخوارج: والله ما عرفت حتى ظهر الباطل قال وبرة المكىّ: سمعت عن ابن عباس كلمات لهى أحبّ إلى من الدّهم الموقفة، قال: لا تتكلمن فبما لا يعينك حتى ترى له موضعاً، فرب متكلم بالحقّ في غير موضعه قد غيب، لا تمارينّ سفيهاً ولا حليماً، فإنّ السّفسه يؤذيك، والحلم يقليك، ولا تذكرنّ أخاك إذا غاب عنك إلاّ بمثل ما تحبّ أن ذكرك به إذا غبت عنه، واعمل عمل رجل يعلم أنه مجزىٌّ بالإحسان، ومأخوذٌ بالأجرام، فقال: رجل عنده: يا ابن عباس! لهذه خير من عشرة آلاف. قال: كلمة منها خير من عشرة آلاف. قال ابن مسعود: من كان على الحقّ، فهو جماعةٌ وإن كان وحده. قال غيره: الحقّ ثقيل، وطلابه قليل. وقال غيره: الحق كثير، والقائلون به يسير. وقال غيره: الأحمق يغضب من الحق، والعاقل يغضب من الباطل وكان يقال: من هلك في دولة الباطل، أكثر ممن حيى بالباطل. قال أنو شروان: إذا اشتبهت الأمور فالحق بين التقصير والإفراط. قال عبد الله بن مسعود: تكلّموا بالحق تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله. قال أبو العتاهية: وللحقّ برهانٌ وللموت فكرةٌ ... ومعتبرٌ للعالمين قديم قال مالك ابن أنس: إذا ظهر الباطل على الحقّ ظهر الفساد في الأرض. وقال: إن لزوم الحق نجاة، وإن قليل الباطل وكثيره هلكة. قال سعد بن أبي وقاص لسلمان: أوصني. قال: أخلص الحقّ يخلّصك. وأظنّ هذا من قول القائل: أعزّ الحق يذلّ لك الباطل. كان يقال: من لم يعمل من الحق إلاّ بما وافق هواه، ولم يترك من الباطل إلا ما خف عليه لم يؤجر فيما أصاب، ولم يفلت من إثم الباطل. قال العتابي: وما كلّ موصوف له الحقّ يهتدي ... ولا كلّ من أمّ الصوى يستبينها الصّوى: جمع صوّة، وهي حجارة تجعل أعلاماً في الطريق. قال رجل لخصمه: لئن هملجت إلى الباطل إنك لقطوف على الحق وقال بعض الحكماء: المنعة نفور، ولقلما اقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالتوبة، واستدم والرّاهن منها بكرم الجوار، واستفتح باب المزيد بحسن التوكل، فقد أعرب لك الحقّ عن نفسه، وصدقك عن أمره. قال منصور الفقيه:؟ إن بين الحقّ والب - طل فرقاً لا يحيل وعلى نيّة ذي القو ... ل من القول دليل فقل الحقّ وإن قي ... ل لك الحقّ ثقيل فاتق الله إذا ... شوورت وانظر ما تقول لا يضرنّك إن قا ... ل من النّاس جهول إن قول المرء فيما ... لم يسل عنه فضول وقال الصّلتان العبدى:؟؟؟؟؟؟؟ وللحقّ بين النّاس راضٍ وجازع وللأذناب فيه للرّءوس توابع

стр. 129

وليس الذنابي كالقدامي وريشه ... وما تستوي في الرّاحتين الأصابع روى عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " أصدق كلمة قالها الشاعر، قول لبيد: ألا كلّ شئٍ ما خلا الله باطل " قالوا: أصدق بيت قالته العرب، قول القائل:؟؟ وما حملت من ناقةٍ فوق ظهرها أبرّ وأوفى ذمّةً من محمّد قال الحاتمي: أشعر بيت قالته العرب، قول امرئ القيس بن عانس لا ابن حجر. ؟ الله أنجح ما طلبت به والبرّ خير حقيبة الرّحل وأنشد ثعلب: وإنّ أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا قال جعفر بن محمد: ما ناصح الله عبدٌ مسلم في نفسه فأخذ الحق لها، وأعطى الحق منها، إلا أعطي خصلتان: رزق من الله يقنع به، ورضى من الله عنه. كان بعض الصالحين يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع. قال عبد الحميد بن يحيى الكاتب: ترحّل ما ليس بالقافل ... وأعقب ما ليس بالآفل فلهفي على السّلف الراحل ... ولهفي من الخلف النّازل أبكّى على ذا وأبكى لذا ... بكاء المولّهة الثّاكل تبكّى على ابن لها قاطع ... وتبكى على ابن لها واصل تقضّت غوايات سكر الصّبا ... وردّ التقى عنت الباطل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب الحياء والوقار قال رسول الله ﷺ : " لكلّ دين خلق، وخلق الإسلام الحياء ". وقال رسول الله ﷺ " الحياء خيرٌ كلّه ". وقال ﷺ : " المؤمن حيّى كريم، الفاجر خبّ لئيم ". وقال رسول الله ﷺ " إن الله يحب الحيّى الحليم المتعفّف، ويبغض الفاحش البذئ السائل الملحف ". قال سليمان ﵇: الحياء نظام الإيمان، فإذا نحل النظام ذهب ما فيه. وفي التفسير: " ولباس التقوى ". قالوا: الحياء. وقالوا: الوقار من الله، فمن رزقه الله الوقار فقد وسمه بسيماء الخير. وقالوا: من تكلّم بالحكمة لا حظته العيون بالوقار. قال الحسن: أربع من كنّ فيه كان كاملا، ومن تعلّق بواحدة منهن كان من صالحي قومه: دين يرشده، عقل يسدّده، وحسب يصونه، وحياء يقوده. قالت عائشة رضى الله عنها: رحم الله نساء الأمصار، لم يمنعهن الحياء أن يسألن عن أمر دينهن. وقالت عائشة أيضاً: رأس مكارم الأخلاق الحياء. قال الشاعر: ما إن دعاني الهوى تفاحشةٍ ... إلا نهاني الحياء والكرم ولا إلى محرم مددت يدى ... ولا مشت بي لريبةٍ قدم وروى عن النبيّ ﷺ أنه قال: " إنّ مما أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ". وقال حبيب بن أوس: إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء فلا والله ما في العيش خيرٌ ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقى اللحاء وقال أبو دلف العجلى: إذا لم تصن عرضاً ولم تخش خالقاً ... ولم ترع مخلوقاً فما شئت فاصنع وقال صالح بن جناح: إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قل ماؤه وقال آخر: إذا رزق الفتى وجها وقاحا ... تقلب في الأمور كما يشاء ورب دينّةٍ ما حال بيني ... وبين ركوبها إلاّ الحياء وقال الحزين بن عبد الله اللّيثي، وتنسب إلى الفرزدق: يغضى حياءً ويغضى من مهابته ... فلا يكلّم إلاّ حين يبتسم وقال آخر: كريمٌ يغضّ الطّرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرّماح دواني وكالسيف إن لا ينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان وقالت ليلى الأخيليّه: ومخزّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما وقال أمية بن أبي الصّلت في ابن جد عان التيمى:

стр. 130

أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء كريمٌ لا يغيّره صباحٌ ... عن الفعل الجميل ولا مساء إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: من كساه الحياء ثوبه، خفي عن الناس عبيه. أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، حدثنا أحمد بن سعيد، حدثنا ابن الأعرابي، حدثنا العباس بن محمد، حدثنا يحيى بن معين، قال ابن كناسة: فيّ اقباض وحشمةٌ فإذا ... لاقيت أهل الوفاء والكرم أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم باب حسن الخلق وسوئه قال رسول الله عليه وسلم: " أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا ". قال معاذ بن جبل: آخر ما أرضاني به رسول الله ﷺ حين وضعت رجلى في الغرز أن قال: " حسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل ". قال رسول الله ﷺ : " أثقل شئ في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن " قال رسول الله ﷺ : " حسن الخلق يمن، وسوء الخلق شؤم ". قال كعب الأحبار: إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل، الصائم بالنهار، الظامئ بالهواجر. وفي الخبر المرفوع أيضاً: " من سعادة المرء حسن خلقه، ومن شقائه سوء خلقه ". مكتوب في الحكمة، الرفيق خير قائد، وحسن الخلق خير رفيق، والوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح حير من الوحدة. كان يقال: من ساء خلقه قلّ صديقه. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: " يا بني عبد المطلب! إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فليسعهم منكم حسن الخلق، والقوهم بطلاقة الوجه وحسن البشر ". قال أبو الدراء: إنا لنكثر في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم. روى في قول الله ﵎: " " وثيابك فطهرّ "، قالوا: وخلقك فحسّن. قال سفيان بن عيينة: من حسن خلقه ساء خلق خادمه. كان يقال: حسن الخلق يكسب حسن الذكر. قال أبو العتاهية: عامل الناس بوجهٍ طليق ... والق من تلقى ببشر رفيق فإذا أنت جميل الثنا ... وإذا أنت كثير الصّديق وقال محمد بن حازم: وما اكتسب المحامد طالبوها ... بمثل البشر والوجه الطليق وقال آخر: خالق الناس بخلق حسن ... لاتكن كلباً على الناس يهرّ وقال أخر هو المغيرة بن حبناء: وما حسنٌ أن يمدح المرء نفسه ... ولكن أخلاقاً تذمّ وتمدح وقال ابن وكيع: لاق بالبشر من لقيت من النا ... س وعاشر بأحسن الإنصاف لا تخالف وإن أتوا بخلافٍ ... تستدم ودهم بترك الخلاف وإذا خفت فرط غيظك فانهض ... مسرعاً عنهم إلى الإنصراف إنما الناس إن تأملت داءٌ ... ماله غير أن تداويه شافي وقال آخر: قد يمكث الناس دهراً ليس بينهم ... ودٌ فيزرعه التسليم واللّطف وقال العتّابي يذم رجلا: فكم نعمةٍ آتاكها الله جزلة ... مترّأةً من كل خلق يذيمها فسلطت أخلاقاً عليها دميمةً ... تعاورنها حتى تفرّى أديمها وكنت امرءًا لو شئت أن تبلغ المدى ... بلغت بأدنى نعمةٍ تستديمها ولكن فطام النفس أثقل محملا ... من الصّخرة الصّماء حين ترومها باب مكارم الأخلاق والسّؤدد قال رسول الله ﷺ : " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ". ويروى " محاسن الأخلاق ". أخذه أبو العتاهية فقال ليس دينا بغير دين وليس الد ... ين إلاّ مكارم الأخلاق إنّما المكر والخديعة في النا ... س هما من فروع أهل النّفاق ولإبراهيم بن المهدىّ: لا خير في الدّنيا بلا دين ولا ... في المال إلاّ منه فيما يبذل فأصب وأتلف واستفد وأفد وعش ... فيما اشتهت ممّا يحلّ ويجمل وقال آخر: وما المرء إلاّ حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل وقال آخر:

стр. 131

تزين الفتى أخلاقه وتشينه ... وتذكر أفعال الفتى حيث لا يدري خطب ثلاثة إخوة من العرب إلى عمّهم ثلاث بنات له، فقال: مرحباً بكم، لا أذم عهدكم، ولا أستطيع ردّكم، خبّروني عن مكارم الأخلاق. فقال الأكبر: الصّون العرض، والجزاء بالقرض. قال الأوسط: النهوض بالثقل، والأخذ بالفضل. قال الأصغر: الوفاء بالعهد، والإنجاز للوعد. قال: أحسنتم في الجواب، ووفقتم إلى الصواب. وقال ﷺ : " إن الله يحبّ معالى الأخلاق وأشرفها، ويكره سفسافها " قال الحسن: مكارم الأخلاق للمؤمن: قوة في لين، وحزم في دين، وإيمانٌ في يقين، وحرصٌ على العالم، واقتصاد في النفقة، وبذلٌ في السّعة، وقناعة في الفاقة، ورحمةٌ للمجهود، وإعطاءٌ في حقّ، وبرّ في استقامة. قالت عائشة ﵂: خلال المكارم عشر، تكون في الرّجل ولا تكون في أبيه ولا في ابنه، وقد تكون في العبد ولا تكون في سيّده، يقسمها الله لمن أحبّ: صدق الحديث، ومداراة النّاس، وصلة الرحم، وحفظ الأمانة، والتذمّم للجار،وإعطاء السّئل،والمكافأة بالصنّائع، وقرى الضّيف،والوفاء بالعهد،ورأسهنّ كلهنّ الحياء. قيل لبزر جمهر:أي شئ أنت به أسرّ؟ قال:قدرتي على مكافأة من أحسن إلى. قال مصقلة بن هبيرة الشّبياني:سمعت صعصعة بن صوحان،وقد سأله ابن عباس ما السؤدد فيكم؟ قال:إطعام الطعام،ولين الكلام،وبذل النّوال،وكفّ المرء نفسه عن السؤال،والتودّد للصّغير والكبير،وأن يكون النّاس عندك في الحق شرعا. سئل عبد الله بن عمر عن السّؤدد،فقال:الحلم والجود. كان يقال:خير أيام المرء ما أغاث فيه المضطر،واكتسب فيه الأجر،وارتهن فيه الشكر،واسترقّ فيه الحّر. قال الأحنف بن قيس يوماً لقومه:إنّما أنا رجل منكم ليس لي فضل عليكم،ولكني أبسط لكم وجهي،وأبذل لكم مالي،وأفضى حقوقكم،وأحفظ حرمتكم،فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي، ومن زاد علىّ فهو خير مني،ومن زدت عليه فأنا خير منه. قيل له:يا أبا محمد! ما يدعوك إلى هذا الكلام؟ قال:أحضّنهم على مكارم الأخلاق. وقال عبد الله بن عمر:نحن معشر قريش نعدّ الحلم والجود الؤدد،ونعدّ العفاف وإصلاح المال المروءة. قال أسد بن عبد الله لرجل من بني شيبان:إن السؤدد فيكم لرخيص. فقال له:أمّا نحن فما نسّود إلا فتى يوطئنا رحله،ويفرشنا عرضه،وببذل لنا ماله. قال:أشهد أن السؤود فيكم لغالٍ. قيل لبعض العرب:من السيد فيكم؟ قال:الأحمق في ماله،الذليل في عرضه، المطّرح لحقده،المعتنى بأمر عامته. ورويت هذه القصة للأحنف،أنه سئل:من أسود الناس فيكم؟ فقال:الأخرق في ماله ثم ذكر مثله. قال أبو عمرو بن العلاء:كان أهل الجاهلية لا يسوّدون إلاّ من كانت فيه ست خصال وتمامها في الإسلام سابة:السّخاء والنجدة،والصّبر والحلم،البيان والحسب. وفي الإسلام زيادة العفاف. ذكر لعبد الله بن عمر أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ ومعاوية. فقال:كان معاوية أسود منهم،وكانوا خيراً منه. روى عن النّبي ﷺ أنه قال: " من رزقه الله مالاً فبذل معروفه وكفّ أذاه،فذلك السّيد ". قال رسول الله ﷺ للأنصار يوماً: " من سيّدكم؟ " فقالوا:الجدّ بن قيس على بخل فيه. فقال عليه الّلام: " أيّ داءٍ أدوأ من البخل؟! بل سيّدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح ".فقال شاعرهم في ذلك: وقال رسول الله والحقّ قوله ... لمن قال منا من تسمون سيّدا فقالوا له الجدّ بن قيس على التي ... نبخّله فيها وإن كان أسودا فتىً ما تخطّى خطوةً لدنّيةٍ ... ولا مدّ في يوم إلى سوءٍة يداً فسوّد عمر بن الجموح بجوده ... وحق لعمر بالندى أن يسوّدا قال بكر بن وائل:ما كان فينا أسود من ثعلبة بن أوس،كان يحلم عن جاهلنا ويعطى سائلنا. كان سالم بن نوفل سيد بني كنانة في زمانه، فوثب رجل على ابنه وابن أخيه فجرحهما، فأتى به سالم، فقال له: ما أمنك من انتقامي؟ قال: فلم سوّدناك إذاً؟ إلا لتكظم الغيظ وتحلم عن الجاهل، وتحتمل المكروه. وفي سالم هذا يقول الشاعر:

стр. 132

نسود أقواماً وليسوا بسارة ... بل السيّد المعلوم سلم بن نوفل أنشد ابن عائشة: لا يبلغ المجد أقوامٌ وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مسفرةً ... لا عفو ذلّ ولكن عفو أحلام وإن دعا الجار لبوا عند دعوته ... في النائبات بإسراج وإلجام مستلئمين، لهم عند الوغى زجلٌ ... كأن أسيافهم أغرين بالهام قال الأصمعي: كان يقال: لا يجتمع عشرة إلاّ وفيهم مقاتل أو أكثر، ويجتمع ألف ليس فيهم حليم. كان يقال: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة حليم من سفيه، وبر من فاجر، وشريف من دنئ. قال الأحنف بن قيس: ما نازعني أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال، إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه. أخذ هذا المعنى محمود الوراق فقال: سألزم نفسي الصفح عن كلّ مذنب ... وإن كثرت منه علىّ الجرائم وما الناس إلا واحد من ثلاثةٍ ... شريفٌ ومثلى مقاوم فأما الذي فوقي فأعرف فضله ... وألزم فيه الحقّ والحقّ لازم وأما الذي دوني فإن قال صنت عن ... مقالته نفسى وإن لام لائم وأما الذي مثلى فإن زلّ أو هفا ... تفضّلت إن الفضل للحرّ حاكم وقال آخر: لقد أسمع القول الذّي كاد كلّما ... تذكرّنيه النفس قلبي يصدّع فأبدي لمن أبداه منّي بشاشةً ... كأنّي مسرورٌ بما منه أسمع وما ذاك من عجبٍ به غير أنّني ... أرى أن ترك الشرّ للشرّ أقطع قال الحسن البصرّى: ما سمعت الله نحل عباده شيئاً أقل من الحلم، فقال : " إن إبراهيم لأوّاه حليمٌ "، قال: " فبشرناه بغلام حليم ". قال العتابيّ: إذا سرّني دهري قبلت وإن أبي ... أبيت عليه أن أضيق له صدراً فكم من مسئٍ قد لقيت ومحسن ... فأوسعت ذا حلماً وأوسعت ذا شكراً قال عمر بن أبي طالب رضى الله: إنّ السّفيه إذا أعرضت عنه اغتمّ، فزده إعراضاً. كان يقال: يحسن السّيرة يقهر المناوئ، وبالحلم عن السّفيه يكثر أنصارك عليه. قال الشاعر: سكت عن السّفيه فظن أبي ... عييت وما عييت عن الجواب متاركة السّفيه بلا جوابٍ ... أشدّ على السّفيه من العذاب ولا شئ أحبّ إلى سفيه ... إذا وقع الكريم من السّباب سبّ الشعبيّ رجل،فقال له:إن كنت كاذباً يغفر الله لك،وإن كنت صادقاً يغفر الله لي. قال الشعبيّ:الغضب غول الحلم. قال خالد بن صفوان:شهدت عمرو بن عبيد ورجل يشتمه،فقال:آجرك الله على ما ذكرت من صواب،وغفر لك على ما ذكرت من خطأ، قال:فما حسدت أحداً حسدي عمرو بن عبيد على هاتين الكلمتين. مرّ الشّعبي بقوم ينتقصونه،فأنشد: هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ ... لعزّة من أعراضنا ما استحلت قال النّابنة الجعديّ: ولا خير في حلمٍ إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليمٌ إذا ما أورد الأمر أصدرا وقال آخر: وفي الحلم والإسلام للمرء وازع ... وفي ترك أهواء الفؤاد المتيمّ بصائر يرشدن الفتى مستبينةٌ ... وأخلاق صدق علمها بالتعلم قيل للحصين بن المنذر:بم سدت قومك؟ قال:بحسب لا يطمع فيه،ورأى لا يستغنى عنه. وذكر السّؤدد عند معاوية بن أبي سفيان،فقال:إنّه لينتقل في اليّ كما ينتقل الظلّ. قال إياس بن قتادة: وإن من السّادات من لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها قال:كان سفيان بن عيينة يتمثل: خلت الديار فسدت غير مسوّد ... ومن الشّقاء تفرّدى بالسّؤدد قال:قال عمر بن عبد العزيز لرجل:من سيّد قومك؟ قال:أنا. قال:لو كنته لم تقله. قال الشاعر: وإنّ بقوم سوّدوك لفاقةً ... إلى سيدّ لو يظفرون بسيّد

стр. 133

قيل للملهب:ما السّؤدد؟ قال: أن يركب الرجل في منزله وحده،ويرجع إلى منزله في جماعة. قيل لبعض العرب:ما علامة السيّد قيكم؟ قال: هو الذّي إذا أقبل هبناه،وإذا أدبر عبناه،ويروى اغتبناه. قال عبيد بن الأبرص: إذا أنت لم تعمل برأىٍ ولم تطع ... أولى الرّأي لم تركن إلى أمر مرشد ولم تجتنب ذمّ العشيرة كلهّا ... وتدفع عنها باللسّان وباليد وتحلم عن جهّالها وتحوطها ... وتقمع عنها نخوة المتهدّد فلست ولو عللت نفسك بالمنى ... بذي سؤدد باد ولا قرب سؤدد قال أنس بن مدرك: عزمت على إقامة ذي صلاح ... لأمر ما يسوّد من يسود وقال أبو الحسن الموسوى: ما السّؤدد المكسوب إلاّ دون ما ... يومي إليه السّؤدد المولود فإذا هما اتفقا تكسّرت القنا ... إن غولبا وتضعضع الجلمود كان يقال:خصلتان لا يسود صاحبهما:الاستطالة في الأقرباء،والبطر في الأغنياء. قال المرّار بن سعيد: إذا شئت يوماً أن تسود قبيلة ... فبا لحلم سد لا بالسّفاهة والشّتم وقال بعض أهل العلم:لا سؤدد إلاّ بالبخت والجدّ والسعّد،وذلك أنا قد رأيناهم يقولون:الأفعال المحمودة والأخلاق الجميلة توجب السؤدد والرياسة،والأفعال المذمومة والأخلاق الدنّية تمنع من السّؤود،ثم رأينا قوماً سادوا بأخلاق لا تحمد،وبأفعال لا ترضى،فمن ذلك:أن الحمق يمنع من السّؤدد،وقد ساد عيينة ابن حصن،وكان محمّقاً،وساد أبو سفيان وكان بخيلا،والبخيل يمنع من السّؤدد،وساد عامر بن الطّفيل،وكان عاهراً،ولا سؤدد مع العهر،وساد أبو جهل وما طرّ شاربه،ودخل دار النّدوة وما استوت لحيته،والحداثة تمنع من السؤدد،وساد شبل بن معبد البجلى،وما بالبصرة بجلىّ غيره، وهم يقولون:لا سؤود إلاّ بالعدد،ولما قال قومٌ للأحنف:لولا أنا سوّدناك ما سدت. قال فمن سودّ شبل بن معبد البجلى،وليس بالبصرة بجليّان. وساد عتبة بن ربيعة وكان فقيراً إلى أن مات،حتى قيل:إنه لم يشبع قطّ،ولم يفضل عن قوت أهله قوت ضيفٍ واحد،وهم يقولون إنّ الفقر يمنع من السؤدد. هذا كلّه يدلّك على أن السّؤدد بالبخت. وقال غيره:أسباب السّؤدد سبعة:العقل والعلم والصيانة وأداء الأمانة والحذق والحلم والسخاء. أبو سلمى: لا بدّ للسّؤدد من أرماح ... ومن سفيهٍ دائم النّباح ومن عديد يتّقى بالرّاح أي لا يتقى بالدّعاء. وقال غيلان بن سلمة الثقفيّ: لا بدّ للسّؤدد من عديد قال النابغة الذبيانيّ: تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتّقى صولة المستنفر الحامي قال الحسن بن سهل يوماً: الشّرف في السّرف،فقيل له: لا خير في السّرف،فقال: لا سرف في الخير، فردّ اللّفظة واستوفى المعنى. قال إسماعيل بن جعفر بن سليمان الهاشمي: عجبت لمن لا يكتب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة. ابن بشّار: وإذا جزيت أخاً بذنب ... كان منه لم تسده ولقلّما طلب الفتى ... لأخيه عيبا لم يجده الهذلي: وإنّ سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل لما توفى عبد الله بن طاهر،صلىّ عليه ابنه طاهر بن عبد الله ودفنه،وأعتق عند كل زاوية من زوايا قبره رقبةً من غلمانه،وفعل ذلك إخوته،ودفع كل نجلٍ منهم إلى كلّ غلام خمس مائة درهم،وكان عبد الله بن طاهر قد خلف أربعين ولداً ذكراً،فقال أبو العميثل الشاعر لمصعب بن عبد الله وكان يختص بطاهر وينادمه:ألا أدلّك على شئ تفعله فتقدم به سائر إخوتك عند الأمير طاهر؟ قال: بلى. فأنشده هذه الأبيات وقال:اكتب بها إلى الأمير،وهي: يا من يحاول أن تكون خلاله ... كخلال عبد الله أنصت واسمع فلأقصدنّك بالنصيحة والذّي ... حجّ الحجيج إليه فاقبل أو دع إن كنت تطمع أن تحلّ محلّه ... في المجد والشّرف الأشم الأرفع فاصدق وعفّ وبرّ وارفق واتئّد ... واحلم ودار وكاف واصبر واشجع

стр. 134

والطف ولن وتأنّ وانصر واحتمل ... واحزم وجدّ وحام واحمل وادفع هذا الطريق إلى المكارم مهيعاً ... فاسلك فقد أبصرت قصد المهيع فاستحسن طاهرٌ الأبيات،وقال:والله لقد أفدتني ما يجب به شكرك،فقلده نيسابور وأعمالها ثلاث سنين،وأكسبه ألف ألف درهم. وقال آخر: إذ هلكت أسد العرين ولم يكن ... لها خلفٌ في الغيل ساد الثعالب كذا القمر السّاري إذا غاب لم يكن ... له خلفٌ في الجو إلاّ الكواكب قال بعض الحكماء:من ابتغى المكارم فليجتنب المحارم. باب حمد الحلم وذمّ السّفه قال رسول الله ﷺ لأشجّ عبد لقيس: " يا أشج عبد لقيس أو يا منذر! فيك خصلتان يرضاهما الله ورسوله:الحلم والأناة " فقال:يا رسول الله! أشئ جبلني الله أم شئ اخترعته من قبل نفسي؟. فقال: " بل شئ جبلك الله عليه ".فقال:الحمد لله الذي جبلني على خلق يرضاه الله ورسوله. قال الشّعبي:زين العلم حلم أهله. قال رجاء بن أبي سلمة:الحلم أرفع من العقل،لأن الله تسمّى به. قال معاوية:إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أرجح من حلمي. وقال معاوية لعمرو بن العاص:من أبلغ الناس؟ قال:من ترك الفضول،واقتصر على الإيجاز. قال:فمن أصبر الناس؟ قال:من بذل دنياه في صلاح دينه قال:فمن أشجع الناس؟ قال:من ردّ جهله بحلمه. قال محمد بن أبي شحاذ: إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروقٌ جمةٌ ورواعد سئل الأحنف عن الحلم،فقال:هو الذلّ والصبّر. كان الأحنف إذا عجبوا من حلمه،قال:إني لأجد ما تجدون،ولكنّي صبور. وقال أيضاً:وجدت الحلم أنصر لي من الرجال. قال عمر بن عبد العزيز:ما قرن شئ إلى شئ أحسن من حلم إلى علم،ومن عفو إلى قدرة. وقد روينا هذا الكلام لمن هو أسنّ من عمر وأكبر. وقال بلعاء بن قيس: أبيت لنفسي الخسف لما رضوا به ... وأوليتهم سمعي وما كنت مفحما وقال شريح:الحلم كنز موقر،والحليم مطية الجهول. قالوا:بالعقل استخرج غور الحكمة،وبالحلم استخرج غور العقل. قال أبو العتاهية: فياربّ هب لي منك حلماً فإنني ... أرى الحلم لم يندم عليه حليم ويارب هب لي منك عزماً على التقي ... أقيم به ما عشت حيث أقيم ألا إنّ تقوى الله أكرم نسبةٍ ... تسامى بها عند الفخار كريم قال الخريمي: أرى الحلم في بعض المواطن ذلّةً ... وفي بعضها عزّاً يسودّ فاعله قال عمارة بن عقيل: إذا أغضبت ذا كرمٍ تخطّى ... إليك ببعض أخلاق اللثيم وإن الله ذو حلمٍ ولكن ... بقدر الحلم منتصف الحليم وقال آخر: بني هلال ألا تنهوا سفيهكم ... إنّ السّفيه إذا لم ينه مأمور وقال حسان بن ثابت: رب حلمٍ أضاعه عدم المال ... وجهلٍ غطّى عليه النعيم وقال أوس بن حجر: إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليماً أو أصابك جاهل وقال صالح بن جناح،ويروي لغيره: لئن كنت محتاجاً إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج وما كنت أرضى الجهل خدناً ولا أخاً ... ولكنني أرضى به حين أحرج فإن قال بعض الناس فيّ سماجةٌ ... فقد صدقوا والذّلّ بالحرّ أسمج وقال أبو يعقوب الخريمي: وإنك تلقى صاحب الجهل نادماً ... عليه ولا يأسى على الحلم صاحبه وقال حبيب الطائي: إذا جاريت في خلق دنيّا ... فأنت ومن تجاريه سواء إذا ما رأس أهل البيت وليّ ... بدا لهم من الناس الجفاء ولآخر: أبا حسن ما أقبح الجهل بالفتى ... وللحلم أحيانا من الجهل أقبح إذا كان حلم المرء عون عدوّه ... عليه فإن الجهل أعفى وأروح وفي العفو ضعفٌ والعقوبة قوةٌ ... إذا كنت تخشى كيد من عنه تصفح وقال عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا قال آخر:

стр. 135

إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف كان عبد الله بن عمر إذا سافر سافر معه بسيفه،فقيل له في ذلك،فقال:إن جاءنا سفيهٌ ردّ عنا سفهه،لأنا لا ندري ما نقابل به السّفهاء. وقال ابن المعتز: ولكلّ عقلٍ غفوةٌ أو سهوةٌ ... والحرّ محتاجٌ إلى التّنبيه والعاقل النّحرير محتاجٌ إلى ... أن يستعين بجاهل معتوه وقال آخر: ولربما اعتضد الحليم بجاهلٍ ... لا خير في اليمنى بغير يسارٍ وقال آخر: وليس الحليم الذي كلّ ساعةٍ ... به غضبٌ في لأنفه بتوقّد إذا أمن الجهّال جهلك لم تزل ... عليك بوادي جهلهم تتورّد وإن عقاب الجاهلين لذاهب ... بحلمك فانظر أي هاتين تعمد كان يقال:ليس الحليم من قذف فكظم، ولكن من صدم فصبر. قال البحتري: أرى الحلم بؤساً في المعيشة للفتى ... ولا عيش إلاّ ما حباك به الجهل وقال آخر: قل ما بدا لك من زورٍ ومن كذبٍ ... حلمي أصمُّ وأذني غير صماَّء وقال آخر: ولا خير في عرض امرئٍ لا يصونه ... ولا خير في حلم امرئٍ ذلَّ جانبه وقال مروان بن الحكم: إذا أمن الجهال جهلك مرةً ... فعرضك للجهال غنم من الغنم وإن أنت باذيت السفيه إذا بذا ... فأنت سفيه مثله غير ذي حلم فلا تقرضن عرض السفيه وداره ... بحلم فإن أعيا عليك فبالصرم ومن عاتب الجهال لم يشف غيظه ... ولكنه يزداد سقماً إلى سقم فدع عنك في كل الأمور عتابه ... فإنك إن عاتبته صار كالخصم وغمَّ عليه الحلم والجهل والقه ... بمنزلةٍ بين العداوة والسلم فيرجوك أحياناً ويخشاك تارةً ... ويأخذ فيما بين ذلك بالحزم فإن لم تجد بداً من الجهل فاستعن ... عليه بجهالٍ فذاك من العزم وقال أبو دهبل الجمحي: وكانوا أناساً كنت آمن غيبهم ... فلم ينههم حلم ولم يتحرجوا قال منصور الفقيه: إذا رشوةٌ من باب قومٍ تقحمت ... لتدخل فيه والأمانة فيه سعت هرباً منه وولت كأنها ... حليمٌ تنحى عن جواب سفيه وقال آخر: العفو عند لبيب القوم مكرمةٌ ... وبعضه لسفيه الرأي تدريب باب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤم قال رسول الله ﷺ : " إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وبالفجور ففجروا " قال رسول الله ﷺ : " لولا ثلاث صلح الناس:شحٌ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه ". قال الزبير بن العوام في خطبة خطبها بالبصرة: أيها الناس إن النبي ﷺ أخذ يوماً بعمامتي من ورائي فقال: " يا زبير إن الله يقول: أنفق أنفق عليك، ولا توكئ فيوكأ عليك. أوسع يوسع عليك، ولا تضيق فيضيق عليك. واعلم أن الله يحبّ الإنفاق ولا يحب الإقتار، ويحب السماحة ولو على فلق تمرة، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية أو عقرب، واعلم يا زبير أن لله كنوز أموال سوى الأرزاق التي قسمها بين العباد، محتبسة عنده لا يعطى أحداً منها شيئاً إلا من سأله من فضله، فاسألوأ الله من فضله ". قال علي بن أبي طالب ﵁: البخل جلباب المسكنة، وربما دخل السخي بسخائه الجنة. قال: ومن البخل ترك حقّ قد وجب لخوف شيء لم يقع. روي عن النبي ﷺ أنه قال: " أقيلوا الكرام عثراتهم " ويروى. " أقيلوا ذوى الهبات زلاتهم ". وروي عنه ﵇ أنه قال: " المؤمن كريم، والفاجر لئيم ". قال جعفر بن محمد: قال الله : أنا جواد كريمٌ، لا يجاورني في جنتي لئيم. قيل للأحنف: ما الجود؟ قال: بذل القرى، وكف الأذى. قيل: فما البخل؟ قال طلب اليسير ومنع الحقير. وقد روى هذا من كلام أكثم بن صيفي والله أعلم. سئل الخليل بن أحمد عن الجود، فقال. بذل الموجود. قال بعض الحكماء: من أيقن بالخلف جاد بالعطية.

стр. 136

قال أحمد بن أبي دواد: من نال دنيا فلم يرفع وليا،ولا وضع عدوا فليس بكريم. قال شعيب بن حرب:ليس السخى من أخذ المال من غير حله فبذره، وإنما السخىّ من عرض عليه ذلك المال فتركه، أوجمع من حق ووضع في حق. كان زياد بن أبيه يقول:من منع ماله سبل الحمد أورثه من لا يحمده. قال إبراهيم بن أبي عبلة: سمعت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز،يقول: أف للبخل والله لو كان طريقاً ما سلكته، ولو كان ثوبا طريفا ما لبسته. قال معاوية بن أبي سفيان لأبي مسلم الخولاني: إنكم معشر العباد فيكم النكاح والحدة والسماح. قال: أما النكاح فإنا لا نعدل عن أهلينا، وأما الحدة فإن قلوبنا ملئت خيراً فلا موضع فيها للشر، وأما السماح فبحسن الظن منا بالخلف من الله تعالى. قال سفيان بن عيينة: ما استقصى كريمٌ قط، ألم تسمع إلى قوله الله تعالى: " عرف بعضه وأعرض عن بعض ". قال أسماء بن خارجة: لو لم يدخل على البخلاء في بخلهم إلا سوء ظنهم بربهم في الخلف لكان ذلك عظيماً. قال زهير: ومن يك ذا فضلٍ فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم وقال محمد بن يسير: كم مانع نفسه لذاتها حذراً ... للفقر ليس له من ماله ذخر إن كان إمساكه للفقر يحذره ... فقد تعجل فقراً قبل يفتقر وقال آخر: ما أعلم الناس أن الجود مدفعةٌ ... للبخل لكنه يأتي على النشب وقال ابن مطير الأسدي: وما الجود عن فقر الرجال ولا الغنى ... ولكنه خيم الرجال وخيرها وقال آخر: إني امرؤ أجزى الكريم بوده ... وأصد عن وصل اللئيم وأقطع وقال منصور الفقيه: جهلوا القياس للطفه فتوهموا ... أن البخيل وكلبه مثلان والكلب يحفظ أهله ويقيهم ... ويكف طارقهم عن العدوان والنذل يوحش أهله ويجيعهم ... ويحض ناصرهم على الحذلان فها ومن جعل الكلاب أعزة ... والباخلين أذلةً ضدان قال أردشير: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع، واعلموا أن الكرام أصبر نفوساً، واللئام أصبر أجساماً. قال الشاعر: إن ذا اللؤم إذا أكرمته ... حسب الإكرام حقا لزمك وأخا الفضل إذا أكرمته ... لم يصغرك ولكن عظمك قال أبو الطيب المتنبي: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا وقال آخر: أراك تؤمل حسن الثنا ... ء ولم يرزق الله ذاك البخيلا وقال آخر: تريدين أن أرضى وأنت بخيلة ... ومن ذا الذي يرضي الأخلاء بالبخل وقال آخر: ندبتكم لنفعي أن قدرتم ... فلم أر فيكم حراً كريما ومالي عندكم ذنب أراه ... سوى أني عرفتكم قديما وقال زيد بن عمرو النخعي: لقد كذب المعاشر حين قالوا ... عليٌ والمخارق سيدان هما حجران من جبل صلودٍ ... إذا قيل ارشحا لا يرشحان فلولا البخل إن البخل عارٌ ... أبا عمرو إذا أعجبتماني وقال ابن أبي فنن: وإن أحق الناس باللوم شاعرٌ ... يلوم على البخل الرجال ويبخل وقال الحطيئة: سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا ... فسيان لاذم عليك ولا حمد وقال منصور الفقيه: زاد البخيل إذا مضى لسبيله ... ذم العدا وقطيعة الوراث وأخو السماحة فحظه من أهله ... ومن الغريب مدائحٌ ومراث ولمنصور الفقيه أيضاً: أما رغيف بني السلي ... ل فمن حمامات الجرم ما إن يحس ولا يمس ... ولا يذاق ولا يشم فإذا نزلت بدارهم ... فانزل بشدقٍ ملتثم حتى تعيش مسلَّماً ... يا من يعيش بغير فم ولمنصور الفقيه أيضاً: إذا تغدوا ربطوا قطهم ... بخلاً بما تطرحه المائدة ما عرضت قطُّ لهم تخمةً ... ولا تشكوا معدة فاسدة قال الحسن بن هانئ: وباخل جئته فقدّم ... كسرة خبز وعينه عبرى

стр. 137

فقال ما تشتهي فقلت له ... قطعة جبنٍ وكسرةً أخرى وله أيضاً: على خبز إسماعيل واقية البخل ... فقد حل في دار الأمان من الأكل وما خبزه إلا كآوى يرى ابنه ... ولم ير آوى في الحزون ولا السهل وما خبزه إلا كعنقاء مغربٍ ... تصور في بسط الملوك وفي المثل يحدث عنها الناس من غير أن يروا ... سوى صورةٍ ما إن تمر ولا تحلى وما خبزه إلا كليب بن وائلٍ ... ليالى يحمى عزه منبت البقل وإذ هو لا يستب خصمان عنده ... ولا الصوت مرفوعٌ بجدٍّ ولا هزل فإن خبز إسماعيل حل به الذي ... أصاب كليباً لم يكن ذاك عن بذل ولكن قضاءٌ ليس يسطاع دفعه ... بحيلة ذي ذهنٍ ولا فكر ذي عقل قلت: أراد بقوله: وإذ هو لا يستب خصمان عنده قول مهلهل: أودى الخيار من المعاشر كلهم ... واستب بعدك يا كليب المجلس وتنازعوا في أمر كل عظيمةٍ ... لو قد تكون شهدتهم لم ينبسوا وكليب هذا هو الذي أراده النابغة الجعدي بقوله: كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم قال عُبيد الله بن عكراش، ويروى لأبي يعقوب الخريمي: وإني لأرثي للكريم إذا غدا ... على طمع عند اللئيم يطالبه وأرثي له من وقفةٍ عند بابه ... كمرثيتي للطرف والعلج راكبه وقال جرير: إن الكرية ينصر الكرم ابنها ... وابن اللئيمة للئام نصور وقال آخر: إن من عضت الكلاب عصاه ... ثم أثرى فمعجزٌ أن يجودا وقال منصور الفقيه: قل للكرام اعرفوا حقَّ للئام لكم ... إن اللئام لهم عند الكرام يد لولا اللئام لما عدوا الكرام ولا ... بانوا بفضلٍ إذا ما حصل العدد لكنهم جنحوا للنقص فانتقصوا ... وزاد غيرهم فضلاً بما اعتقدوا جادوا فسادوا وضنَّ الآخرون فما ... يغدو على والد من لؤمه ولد قد ساء ظني بما قد كنت أخمده ... لما رأيت جميع الناس قد فسدوا تدارسوا البخل حتى دقَّ مذهبهم ... فيه ودانوا بإخلاف الذي وعدوا فاستعقلوا كل من أصغى لبخلهم ... واستجهلوا كل من واسى بما يجد فصار للبخل حق الجود بينهم ... وألزموا الجود عار البخل لا رشدوا وقال آخر: فإن سمعت بهلكٍ للبخيل فقل ... بعداً وسحقاً له من هالكٍ مودى قال محمود الوراق: إذا أعطاك قترّ حين يعطى ... وإن لم يعط قال أبي القضاء يبخلّ ربّه سفهاً وظلما ... ويعذر نفسه فيما يشاء تنقّل عن فعال الخير جهلا ... مخافة أن يضرّ به العناء وقال الحسن بن هاني: رأيت الفضل متكئاً ... يناعي الخبر والسّمكا فقطّب حين أبصرني ... ونكس رأسه وبكى فلما أن حلفت له ... بأني صائمٌ ضحكا ولمنصور الفقيه أيضاً أتيت عمراً سحراً ... فقال: إبّي صائم فقلت: إني قاعدٌ ... فقال: إني قائم فقلت: آتيك غداً ... فقال: صومي دائم قال جحظة: دخلت على باخل بالطعام ... فمات من الخوف لمّا دخلت فقلت له: لا يرعك الدخول ... فما جئت بيتك حتى أكلت وقال أبو نواس: أبو نوح دخلت عليه يوماً ... فغدّاني برائحة الطعام فكان كمن سقى الظمآن آلاً ... وكنت كمن تغدى في المنام وقال منصور الفقيه: إن لم يصبك من الكر ... يم الحرّ وابله فطّله إن الكريم له على ... معرفة نفسٌ تدلّه يبدي مكارمه كما ... يبدي فرند السّيف صقله قال آخر: وإن جمع الآفات فالبخل شرّها ... وشرّ من البخل المواعيد والمطل وقال منصور الفقيه:

стр. 138

إذا كان في بخله محكماً ... وحلّ من المجد أعلى الدّرج وجاءك يخطب زنجيةً ... مشوّهة الخلق فيها هوج فلا تحفلنّ به خاطباً ... ولا تفرحنّ ولا تبتهج وإن كان سمحاً جميل الفعال ... كريماً جواداً فإنّ الحرج وإن القطيعة في صرفه ... ولو جاء يخطب إحدى المهج بغير صداق لإعساره ... وما عسر منتظر للفرج قال حمّاد عجرد، وتروى للعتّابي: إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيّاً وهو مجهود وللبخيل على امواله عللٌ ... رزق العيون عليها أوجهٌ سود إذا تكرهت أن تعطى القليل ولم ... تقدر على سعةٍ لم يظهر الجود أورق بخير ترجّى للنوال فما ... ترجى الثمار إذا لم يورق العود بثّ النوال ولا تمنعك قلته ... فكلّ ما سدّ فقراً فهو محمود وقال منصور الفقيه: ما بالبخيل انتفاعٌ ... ولكلب ينفع اهله فنزّه الكلب عن أن ... ترى أخا الكلب مثله أخبرنا عبد الوارث،قال:حدثنا أبو عيسى،قال:انشدني ابن المعلم لعلى بن الجهم: وإذا الكريم أتيته بخديعةٍ ... ألفيته فيما تروم يسارع ليس الكريم كما ظننت بجاهلٍ ... إن الكريم لفضله يتخادع قال آخر: لا تطلبن إلى لئيم حاجةً ... واقعد فإنّك قائماً كالقاعد يا خادع البخلاء عن أموالهم ... هيهات تضرب في حديدٍبارد قال آخر: طعامه النجم لمن رامه ... وخبره أبعد من أمسه كأنّه في جوف مرآته ... يرى ولا يطمع في لمسه قال آخر: إن كنت تطمع في كلامه ... فارفع يمينك عن طعامه سيّان كسر رغيفه ... أو كسر عظمٍ من عظامه وقال دعبل بن على الخزاعي: لئن كنت لا تولى يداً دون إمرةٍ ... فلست بمولٍ نائلاً آخر الدّهر وأىّ جواد لم يجد في ملمٍة ... وأي بخيل لم ينل ساعة الوفر وقال منصور الفقيه: راجى البخيل وضيعٌ ... كما البخيل وضيع وما يقول سوى ذا ... في ذين إلاّ رقيع للعرزمي ويروى لأبي الأسود الدؤلي: وإذا طلبت إلى كريم حاجةً ... فلقاؤه يكفيك والتسليم وإذا طلبت إلى لثيم حاجة ... فألحّ في رفق وأنت مديم وقال آخر: إذا سست قوماً فاجعل الودّ بينهم ... وبينك تأمن كلّ ما تتخوّف فإن خفت من أهواء قومٍ تشتّتاً ... فالبالجود فا جمع بينهم يتألفّوا فإن كشفت عنك الملمات عورةً ... كفاك غطاء الجود ما يتكشف قال ابن شهاب:الكريم لا تبخله التجارب. ويروى عنه أنه قال:إن الكريم لا تحكمه التجارب. وسئل الحسن بن علي رضى الله عنهما عن البخل،فقال:هو أن يرى الرجل ما ينفقه تلفاً،وما أمسكه شرفا. قال طاووس:البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه،والشّح أن يشح بما في أيدي الناس،ويحب أن يكون له ما في أيديهم بالحلّ والحرام ولا يقنع. وقال أبو العتاهية: وإن امرءا لم يربح الناس نفعه ... ولم يأمنوا منه الأذى للثيم وإن امرءًا لم يجعل البّر كنزه ... وإن كانت الدنيا له لعديم باب المروءة والفتوة قال رسول الله ﷺ : " حسب المؤمن دينه، وكرمه تقواه، ومروءته عقله ". ويروى نحو هذا من كلام عمر أيضاً. وروى عن النبي ﷺ ، أنه قال لرجل من ثقيف: " ما المروءة قال الصلاح في الدين، وإصلاح المعيشة، وسخاء النفس، وصلة الرحم. فقال ﵇: " هكذا هي عندنا في حكمة آل داود ". تذاكروا المروءة عند رسول الله ﷺ ، فأكثروا فيها، فقال: " أما مروءتنا فأن نعفو عمن ظلمنا، ونعطى من حرمنا، ونصل من قطعنا ". قال منصورالفقيه: أعلن وهبٌ كرمه ... في وصله من صرمه

стр. 139

وعفوه عن كل من ... أسخطه أو ظلمه وبرّه بنفسه ... وماله من حرمه فما يراه معظمٌ ... للحق إلاّ أعظمه أبقى عليه الله ما ... أبقاه فينا نعمه وزاد فيها عنده ... وحاطه وسلمه من حديث عطاء عن ابن عباس، قال: رفع إلى عمر بن الخطاب رجل في جرم، فأراد أن يعاقبه، فأخبر أن له مروءة، فقال: استوهبوه من صاحبه. سئل عبد الله بن عمر، عن المروءة والكرم والنجدة. فقال: أما المروءة: فحفظ الرجل نفسه، وإحرازه دينه، وحسن قيامه بصنعته، وحسن المنازعة، وإفشاء السلام، وأما الكرم: فالتبرع بالمعروف، والإعطاء قبل السؤال، والإطعام في المحل. وأما النجدة: فالذب عن الجار، والصبر في المواطن، والإقدام على الكريهة. وفي رواية أخرى، أن معاوية قال في مجلسه يوماً لمن حضره: من يخبرني عن المروءة والجود والنجدة؟ فقال عبد الله بن هاشم بن عتبة، وكان بعده عفوه عنه يحضر مجلسه: قال: يا أمير المؤمنين! أما المروءة فالصلاح في الدين، والإصلاح في المال، والمحاماة عن الجار. وأما النجدة فالجرأة على الإقدام، والصبر عند ازورار الأقدام. قال طلحة بن عبيد الله: جلوس الرجل ببابه من المروءة، وليس من المروءة حمل الكيس في الكم. سئل الأحنف عن المروءة، فقال: التفقه في الدين، وبرّ الوالدين، والصبر على النوائب. ويروى عن الأحنف أيضاً أنه قال: لا مروءة لكذوب، ولا أخ لملول، ولا سؤدد لسيئ الخلق. سئل ابن شهاب الزّهري عن المروءة، فقال: اجتناب الريب، وإصلاح المال، والقيام بحوائج الأهل. سئل إباس بن معاوية عن المروءة، فقال: أما حيث تعرف فالتقوى، وأما حيث لا تعرف فاللّباس. وقال الزهري أيضاً: الفصاحة من المروءة. قال إبراهيم النخعى: ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق. قال غيره: من كما المروءة أن تصون عرضك، وتكرم إخوانك، وتقيل في منزلك. قال منصور الفقيه: من فارق الصبرّ والمرو ... ءة أمكن من نفسه عدوّه قال ربيعة بن عبد الرحمن: للسفر مروءة، وللحضر مروءة. فالمروءة في السفر: بذل الزاد، وقلة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير مساخط الله. المروءة في الحضر: إدمان الاختلاف إلى المساجد، وتلاوة القرآن، وكثرة الإخوان في الله . وفي رواية أخرى عن ربيعة أنه قال: المروءة ست خصال: ثلاث في الحضر، وثلاث في السفر، فأما التي في السفر: فبذل الزاد، وحسن الخلق، ومداعبة الرفيق. وأما التي في الحضر، فتلاوة القرآن، ولزوم المساجد، وعفاف الفرج. قيل لبعض الحكماء: من يجب لذى المروءة إخفاء نفسه وإظهارها؟ قال: على قدر ما يرى من نفاق المروءة وكسادها. كان يقال: صن عقلك بالحلم، ومروءتك بالعفاف، وبجدتك بترك الحياء، وجهدك بالإجمال في الطب. أخبرنا عيسى بن سعيد، حدثنا مقسم، حدثنا أبو بكر محمد بن حمدان،حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله بن العباس بن عثمان بن شافع بن السّائب، عن عبد يزيد بن هشام بن عبد المطلب بن عبد مناف، قال: حدثني عمي عن إبراهيم بن محمد بن العباس، قال: سمعت سفيان بن عيينة، وقد سئل عن المروءة ماهي؟ فقال: الأنصاف من نفسك، والتفضل على غيرك، ألم تسمع قول الله تعالى " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " لاتتمّ المروءة إلاّ بهما، العدل هو الإنصاف، والإحسان التفضل. روى عن الفضيل بن عياض رحمة الله، أنه سئل عن الرجل الكامل التام المروءة فقال: الكامل من برّ والديه، ووصل رحمه، وأكرم إخوانه، وحسن خلقه، وأحرز دينه، وأصلح ماله، وأنفق من فضله، وحسن لسانه، ولزم بيته. قال الشاعر: إذا الفتى جمع المروءة والتقى ... وحوى مع الأدب الحياء فقد كمل قال رجل من بني قريع: إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً ... فمطلبها كهلا عليه شديد قال جعفر بن محمد: لا هين لمن لا مروءة له. قال أحمد بن العدل: زعموا أن الأحنف بن قيس لم يسمع له شعرٌ غير هذين البيتين، وهما: فلو مدّ سروى بمال كثير ... لجدت وكنت له باذلا

стр. 140

فإنّ المروءة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا وقال آخر: رزفت لباً ولم أرزق مروءته ... وما المروءة إلا كثرة المال إذا أردت مساماة تقعدّني ... عما ينوّه باسمى رفة الحال وقال منصور الفقيه: كلّ من فارق المروءة عاشا ... ونما وفره وزاد رياشا وأخو الفضل والمروءة والدّي ... ن مقلٌ أموره تتلاشى وقال سفيان الثورى: من لم يحسن يتقرّا. ذكرت الفتوة عند سفيان ﵀، فقال: ليست بالفسق ولا الفجور،ولكن الفتوة كما قال جعفر بن محمد: طعام موضوع، وحجابٌ مرفوع، ونائل مبذول، وبشر مقبول، وعفاف معروف، وأذى مكفوف. قال محمد بن داود: من كان ظريفاً فليكن عفيفاً، وأنشد لا بن هرمة: ولرب ليلة لذة قد نلتها ... وحرامها بحلالها مدفوع وقال صريع الغواني: وما ذمى الأيام أن ليست حامداً ... لعهد ليلليّ التي سلفت قبل ألا رب يومٍ صادق العيش نلته ... بها ونداماى العفافة والبذل وقال منصور الفقيه: فضل التقى أفضل من ... فضل اللّسان والحسب إذا هما لم يجمعا ... إلى العفاف والأدب وقال آخر: وليس فتى من راح واغتدى ... لشرب صبوح أو لشرب غبوق ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى ... لضرّ عدوّ أو لنفع صديق وقال جحظة: ألا يأهل بغداد جميعاً ... عصيتم في المروءة من براكم تذمون الزمان بغير جرمٍ ... وما بزمانكم عيبٌ سواكم باب امتحان أخلاق الرّجال قال رسول الله ﷺ : " الأرواح أجنادٌ مجنده، فما تعارف منها ائتلف: وما تناكر منها اختلف ". أخذه بعض الشعراء فقال: إن القلوب لأجناد مجندةٌ ... لله في الأرض بالأهواء تعترف فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف قال رسول الله ﷺ : " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة ". قال رسول الله ﷺ : " إن الأمير إذا تجسس على الناس أفسدهم ". قال رسول الله ﷺ : " وجدت الناس اخبر تقله ". وقد روى هذا مرفوعاً عن أبي الدراء. وفي خبر آخر: " إن الناس سواسيةٌ كأسنان المشط ". كان يقال: لا يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا قال الشاعر: سواءٌ كأسنان الحمار فلا ترى ... لذي شيبة منهم على ناشئ فضلاً قال عمر بن الخطاب ﵁:الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم قال على بن أبي طالب ﵁: خالط المؤمن بقلبك، وخالط الفاجر بخلقك. كان يقال: يمتحن الرجل في ثلاثة أشياء: عند هواه إذا هوى، وعند غضبه إذا غضب، وعند طمعه إذا طمع. قال أبو عمرو بن العلاء: إذا أردت أن تعرف مالك عند صديقك فاعرف ما كان لصديقه قبلك عنده. قال سفيان الثورى: إذا أردت أن تعرف مالك عند صديقك فأغضبه، فإن أنصفك في غضبه وإلا فاجتنبه. قال الفضل بن عباس بن عتبه بن أبي لهب إذا أردت وداد امرئٍ ... فسل كيف كان لإخوانه فإمّا رضيت فأحببته ... وإما ترغبت عن ثيانه قال الأحنف بن قيس: ما كشفت أحداً قط إلاّ وجدته دون ما كنت أظن قال تأبط شرّاً: لتقرعنّ على السّنّ من ندم ... إذا تذكرت يوماً بعض أخلاق وقال آخر: إنّ المودة بالتجارب ... قضتّ من النّاس المآرب لم تترّك لي صاحباً ... أصبو إليه ولا أعاتب متفرداً بتوحّدي ... دون الأباعد والأقارب ارغب إلى الله الذي ... يعطى الجزيل من المذاهب بالله تتسع الفجا ... ج إذا تضايقت المذاهب كان سفيان الثوري يتمثل بهذه الأبيات: ابل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمنّ أمورهم وتفقد وإذا ظفرت بذى الأمانة والتقى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد

стр. 141

ودع التذلل والتخشّع تبتغي ... قرب الذّي إن تدن منه يبعد وقال آخر: أهلكني بزيادٍ ثقتي ... وظنونٌ بزيادٍ حسنه ليس يستوجب شكرا رجلٌ ... نلت خيراً منه من قبل سنه وقال يزيد بن محمد المهلبي: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعدّ معايبه وقال آخر: إن الرجال إذا اختبرت طباعهم ... ألفيهم شتى على الأخبار لا تعجلنّ إلى شريعة موردٍ ... حتى تبين صفحة الإصدار وقال آخر: اترك مكاشفة الصديق إذا ... غطّى على هفواته ستر وتجاف عنه بلا مصارمةٍ ... فلنعم صائن عرضك الصبر وقال آخر: لا تحمدن امرءاً حتى تجربه ... ولا تذمنه من غير تجريب وقال محمود الوراق: لا يغلبنك غالب الحرص ... واعلم بأن النّاس نقص والبس أخاك على تصنعه ... فلرب مفتضحٍ على النّص ما كدت أفحص عن أخي ثقة ... إلا ذممت عواقب الفحص وقال آخر: إذا أنكرت أخلاق الصديق ... فلست من التحيز في مضيق طريقاً كنت تسلكه سليماً ... فأسبع فاجتنبه إلى طريق وقال آخر: لا تحمدن امرءاً حتى تجربه ... فربّما لم يوافق خبره خبره وقال آخر: إذا أنت لم تستقبل الأمر لم تجد ... لكفّك في إدباره متعلّقا إذا أنت لم تترك أخاك وزلةً ... إذا زلها أوشكتما أن تفرّقا قال آخر: قد كنت أحمد أمرى فيك مبتدئاً ... فقد ذممت الذي أحمدت في صدري فاذهب فأنت امرؤٌ لا شك أوّله ... حلوٌ وآخره مرٌّ على الخبر قال معاذ بن جبل: إذا أحببت أخاً في الله، فلا تماره ولا تشاره ولا تسل عنه أحداً، فلربما أخبرك بما ليس فيه، فحال بينك وبينه. قال الشاعر: أردت لكيما لا ترى لي زّلةٌ ... ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل أجمعوا على القول بأن الله تعالى تفرّد بالكمال، ولم يبرئ أحداً من النقصان. قال أبو بكر بن دريد: إذا تصفحت أمور النّاس لم ... تلف امرءا حاز الكمال فاكتفى من لك بالمهذب النّدب الذي ... لا يجد العيب إليه مختطا كم من أخ مسخوطةٍ أخلاقه ... أصفيته الودّ لخلق مرتضى وقال النابغة الذبياني: ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمّه ... على شعثٍ أيّ الرجال المهذّبوقال ابن وكيع: من لم يكن مؤاخياً إلاّ الذّي ... لا عيب فيه عاش فردا في الورى وقال آخر: ما بالمنازل من ضيقٍ ومن ضجر ... بل الطّبائع منها الضّيق والضّجر وقال آخر: كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه كلهم أروع من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه وقال آخر: كل امرئ صائرٌ يوماً لشيمته ... وإن تخلّق أخلاقاً إلى حين وقال عباس بن الأحنف: وما مرّ يومٌ أرتجى فيه راحةً ... فأخبره إلا بكيت على أمس وقال آخر: عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأبى دونه الخلق ولا يواتيك فيما ناب من حدث ... إلا أخو ثقةٍ فانظر بمن تثق وقال زهير بن أبي سلمى: ومهما تكن عند امرئ من خليفةٍ ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وقال نصيب الأصفر، مولى المهدى: إن البقاع إذا استسر بها الندى ... أنس النبات بها وطاب المربع وإذا جهلت من امرئ أخلاقه ... وقديمه فانظر إلى ما يصنع وقال محمود الوراق: ذممتك أولا حتّى إذا ما ... بلوت سواك عاد اللوم حمداً ولم أحمدك من خيرٍ ولكن ... رأيت سواك شرّاً منك جداً فعدت إليك محتملا خليلا ... لأني لم أجد من ذاك بدّا

стр. 142

كمجهودٍ تحامى أكل ميتٍ ... فلما اضطرّ عاد إليه شدّا وقال أيضاً: لم أبك من خبث خلّ ... إلا بكيت عليه ولم أمل عن صديقٍ ... للزّهد فيما لديه إلى سواه فأبلو ... إلاّ رجعت إليه كلّ امرئ مستبد ... بحفظ ما في يديه ذكرا بن مقسم، حدثنا محمد بن يحيى النديم، قال: حدثنا المبرد، قال: كان بين عمارة بن حمزة وبين إسماعيل بن علىّ مودة، ثم تنافرا. فكتب إليه عمارة: سأترك ما بيني وبينك ساكنا ... فإن عدت عدنا والوصال سليم ولو قد خبرت الناس حق اختبارهم ... رجعت إلى وصلى وأنت ذميم أخبرنا عبد الوراث، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: أنشدنا عيسى الأعمى، قال أنشدنا ابن المعلم لعلى بن الجهم: الناس إخوانك حتى إذا ... عرضت للخوان بالدّرهم ساءك ما سرك من خلقهم ... وصرت وسط الحلق كالعلقم وقال آخر: عتبت على سلم فلما فقدته ... وجربت أقواماً بكيت على سلم وقال آخر: لم أبك من زمن لم أرض خلته ... إلا بكيت عليه حين ينصرم وقال آخر: متى تحسب صديقك لم يقلوا ... وإن تخبر يقلّوا في الحساب وقال آخر: ونعتب أحياناً عليه ولو مضى ... لكنّا على الباقي من الناس أعتبا وقال آخر: سبكناه ونحسبه لجيناً ... فأبدى الكير عن خبث الحديد وقال آخر: ومن يبتدع ماليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه إلى النفس خيمها وقال آخر: إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فرش والتمس نفع الذّي بهم ترمى وقال محمود الوراق: أثمّ الناس أعرفهم بنقصه ... وأقمعهم لشهوته وحمصه فدان على السّلامة من تدانى ... ومن لم ترض صحبته فأقصه وخلّ الفحص ما استغنيت عنه ... فكم من جالب غيظا بفحصه ولا تستغل عافيةً بشئ ... ولا تستر خصنّ أذى لرخصه وقال آخر: ارض من المرء في مودته ... بما يؤدّي إليك ظاهره من يكشف الناس لم يجد أحداً ... تصح منهم له سرائره وقال آخر: يكفيك من قومٍ شواهد أمرهم ... فخذ عفوهم قبل امتحان السّرائر فإن امتحان القوم يوحش بينهم ... ومالك إلا ما ترى في الظواهر وإنك إن كشفت لم تر طائلا ... وأبدي لك التكشيف خبث الضمائر وقال آخر: ولا خير في ودّ إذا لم يكن له ... على طول مرّ الحادثات بقاء وقال منصور الفقيه: إذا جمع الفتى حسبا وديناً ... فلا تعدل به أبداً قريناً ولا تسمح بحظك منه بل كن ... بحظك من مودّته ضنينا وقال آخر: لعمرك ما مال الفتى بذخيرةٍ ... ولكنّ إخوان الثقاب الذخائر وقال ابن الرومى: إذا شئت تعرف أصل الفتى ... أجل لحظ طرفك في منظره فإن لم بين لك فانظر إلى ... أفاعيله فهي من جوهره فإن غاب عنك بهذا وذا ... فلا تطلبن سوى محضره فإن المحاضر سرّ الرجال ... بها يعرف النذل من خيّره بلوت الرجال وأفعالهم ... فكلٌّ يعود إلى عنصره وقال ربيعة الرّقى: إن اللئيم وإن خلته ... كريماً يذودك عن عرفه ويرجع محصول أخلاقه ... إلى أصله وإلى صنفه باب التودّد إلى الناس قال رسول الله ﷺ : " مداراة الناس صدقه ". وقال ﷺ : " أمرني ربي بمداراة الناس ونهاني عن ملاحاتهم ". روى عن النبي ﷺ أنه قال: " رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس ". وقد روى في خبر مرفوع: " التودّد إلى الناس نصف العقل، وحسن التدبير نصف المعيشة، وما عال من اقتصد ".

стр. 143

قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: إنّ مما يصفى لك ودّ أخيك أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحبّ الأسماء إليه، وأن توسّع له في المجلس. قال بعض الحكماء: رأس المداراة ترك المماراة. وفي الحديث المرفوع: " إذا أحب الله عبداً أحبّه الناس ". أخذه الشاعر فقال: إذا أحبّ الله يوماً عبده ... ألقى عليه محبةً في الناس قال رسول الله ﷺ : " ألا أنبئكم بشراركم "؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: " من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة. ألا أنبئكم بشر من ذلكم " قالوا: بلى. قال: " من يبغض الناس ويبغضونه ". روينا أن داود ﵇، جلس كئيباً خاليا، فأوحى الله إليه: مالى أراك خاليا؟ قال: هجرت الناس فيك. قال: أفلا أدلّك على شئ تبلغ رضاي؟ خالق الناس بأخلاقهم، واحتجز الإيمان فيما بيني وبينك. كان يقال: من رضى من الناس بالمسامحة طال استمتاعه بهم. قال أكثم بن صيفي: من تشدّد فرّق، ومن تراخى تألف، والسرور في التغافل. قال علي رضى الله عنه: شرط الصحبة إقاله العثرة، ومسامحة العشرة، والمواساة في العسرة. قيل للعتّابي: إنك تلقى الناس كلهم بالبشر! قال: دفع ضغينةٍ بأيسر مؤونة،واكتساب إخوان بأيسر مبذول. قال محمود الوراق: أخو البشر محمود على كلّ حالةٍ ... ولن يعدم البغضاء من كان عابساً ويسرع بخل المرء في هتك عرضه ... ولم أر مثل الجود للعرض حارساً قال أعرابي يمدح رجلا بساماً هو زياد الأعجم يمدح عبد الله بن عامر ابن كريز. أخ لك ما تراه الدّهر إلاّ ... على العلات بساماً جواداً سألناه الجزيل فما تلكا ... وأعطى فوق منيتنا وزادا وأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... فأحسن ثم عدت له فعادا مراراً ما أعود إليه إلاّ ... تبسم ضاحكاً وثنى الوسادا وقال آخر: ولي صاحبٌ كالموت يوم فراقه ... تغيّر والأيام جمّ عجيبها أريد له هجراً لبعض خلاله ... فتعطفي أخرى له فأجيبها وقال آخر: أخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلون ألواناً كثيراً خطوبها إذا عبت منه خلّةً فهجرته ... دعتني إليه خلّة لا أعيبها وقال ابن وكيع: من لم يدار الناس عن علم بهم ... انصرفوا وكلّهم له عدا وقال كثير: ومن لا يغمّض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ومن يتبع جاهداً كل عثرةٍ ... يجدها ولا يسلم الدّهر صاحب وقال آخر: وكم من أخٍ لم يحتمل منه خلّةً ... قطعت ولم يمكنك منه بديل ومن لم يرد إلا خليلاً مهذباً ... فليس له في العالمين خليل قال آخر: وأحبب إذا أحببت حبّاً مقارباً ... فإنك لا تدري متى أنت نازع وأبغض إذا أبغضت بغضاً مقارباً ... فإنك لا تدري متى أنت راجع هذا مأخوذ من الحديث المرفوع: " أحبب حبيبك هوناً ما فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما ". وأحسن ما نظم في هذا المعنى قول أبي العتاهية: قل لمن يعجب من ... حسن رجوعي ومقالي ربّ صدّ بعد ودّ ... وهوى بعد تقالى قد رأينا ذا كثيراً ... جارياً بين الرجال أنشد حبيبٌ للفند الزّمّاني وقال الجاحظ لا أظنها له: صفحنا عن بنى ذهل ... وقلنا: القوم إخوان عسى الأيام أن يرجع ... ن قوما كالذي كانوا قال آخر: وكنت إذا صبحت رجال قوم ... صحبتهم وشيمتي الوفاء فأحسن حين يحسن محسونهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا وأبصر ما ينقصني بعين ... عليها من عيونهم غطاء وقال آخر: ما نالت النفس على شهوة ... ألذ من ودّ صديقٍ أمين من فاته ودّ أخٍ صالحٍ ... فذلك المغبون حقّ اليقين قال آخر: استوحش الناس علىّ جدّا ... ولا أرى لي من أناس بدّأ

стр. 144

إن لم أعاشرهم بقيت فردا وقال آخر: أغمض للصديق عن المساوى ... مخافة أن أعيش بلا صديق قال آخر: أغمّض عيني عن صديقي تغافلا ... كأنّي بما يأتي من الأمر جاهل وما بي جهلٌ غير أن خليقتي ... تطيق احتمال الكره فيما يحاول متى ما يربني مفصل فقطعته ... بقيت ومالي في النهوض مفاصل وقال آخر: وكنت إذا الصديق أراد غيظي ... فأشرقني على حنق بريقي غفرت ذنوبه وصفحت عنه ... مخافة أن أعيش بلا صديق وقال آخر: إذا ما خليلي رابني بعض خلقه ... ولم يك عما ساءني بمفيق صبرت على أشياء منه تريبني ... مخافة أن أبقى بغير صديق وأنشد ابن الأنباري عن أبيه: إذا ما صديقي ساءني بفعاله ... ولم يك عما ساءني بمفيق صبرت على الضَّرَّاء من سوء فعله ... مخافة أن أبقى بغير صديق " قالوا:لا خير في الناس،ولابد من الناس " باب الاستيحاش من الناس والفرار منهم قال رسول الله ﷺ : " خير الناس منزلةً يوم القيامة، رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله يخيف العدو ويخيفونه ". وفي رواية أخرى: " حتى يموت أو يقتل، والذي يليه رجل معتزل في شعب من الشّعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور النّاس ". قال عمر بن الخطاب ﵁ الطمع فقرٌ واليأس غنيٌ، والعزلة راحةٌ من جليس السوء، وقرين الصدق خير من الوحدة. قال أبو الدردّاء: نعم صومعة الرجل المؤمن بيته، يصون دينه وعرضه، وأياكم والأسواق، فإنها تلغي وتلهي. قال مكحول:إن كان في الجماعة فضل، فإن في العزلة سلامه. قال عمر بن الخطاب: خالطوا الناس في معايشكم، وزايلوهم بأعمالكم. قال أبو الدّرداء: كان الناس ورقاً لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه. يقال: إن فيما أنزل الله في الإنجيل على عيسى ﵇. كن وسطاً وامشي جانباً. قال ابن المقفع: وحشة الانفراد أبقى على المرء من أنس التلاقي. قال بعض العلماء العزلة عن الناس توقي العرض، وتبقي الجلالة، وترفع مؤونة المكافأة في الحقوق اللازمة، وتستر الفاقة. قال أوس ابن حجر: وإنّي رأيت النّاس إلا أقلهم ... خفاف العهود يكثرون التّنقّلا بنى أمّ ذي المال الكثير يرونه ... وإن كان عبداً سيّد القوم جحفلا وهم لمقلّ الممال أولاد علّةٍ ... وإن كان محضاً في العمومة مخولا وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يسوءك إن ولّي ويرضيك مقبلا ولكن الأخ النّائي إذا كنت آمناً ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا وقال الحسن بن عبد الرحمن. توحشت ولكنّي ... أسرّ بالوحشة أحيانا وفي الوحشة ما يؤ ... نس من صحبة من خانا وقال أيضاً: يا حبّذا الوحشة من أنيس ... إذا خشيت من أذى الجليس وقال أبو العتاهية: برمت بالناس وأخلاقهم ... فسرت أستأنس بالوحده ما أكثر النّاس لعمري وما ... أقلّهم في حاصل العدّه كتب شيخ من أهل الرّى على باب داره: جزى الله عنا من لا نعرفه ولا يعرفنا خيراً، وأما أصدقاؤنا الخاصة فلا جزاهم الله خيراً، فإن لم نؤت إلا منهم. قال سفيان وما وجدت من يغفر لي ذنباً، ولا يستر لي عيباً، فرأيت في الهرب من الناس السّلامة. قال الفضيل بن عياض لسفيان الثوري: دلّني على رجل أجلس إليه، قال: تلك ضالّة لا توجد. قال أكثم ابن صيفي: الانقباض عن الناس مكسبه للعداوة، وإفراط الأنس مكسبة لقرناء السوء. وقال سهل الوراق: ألا ما لذا الناس قد بدّلوا ... فهم كذئاب عليها ثياب تواطئوا على كلّ مستقبحٍ ... فما لقبيح لديهم معاب وخانوا الأمانة ما بينهم ... وهل بالأمانة توفى الذئاب قال الأضبط بن قريع: أذود عن حوضه ويدفعني ... يا قوم من عاذري من الخدعه أنشد الخريري لنفسه:

стр. 145

مخالط الناس في الدّنيا على خطر ... وفي بلاءٍ وصفو شيب بالكدر كراكب البحر إن تسلم حشاشته ... فليس يسلم من خوف ومن حذر وقال قدامة بن إبراهيم الجمحى: العجز ضعف ومالجزم من ضررٍ ... وأحزم الحزم سوء الظنّ بالناس لا تترك الحزم في أمر تحاذره ... فإن أصبت فما بالحزم من باس أنشدني عبد الرّحمن بن أبان، عن عثمان، قال: أنشدني أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدى لنفسه: أشعرن قلبك ياسا ... ليس هذا الناس ناسا قد مضى الإبريز منهم ... وبقوا بعد بحاسا سامريين يقولو ... ن جميعاً مساسا لهلال بن العلاء: لما عفوت ولم أحقد على أحدٍ ... أرحت نفسي من هم العداوات إني أحيّى عدّوى عند رؤيته ... لأدفع الشرّ عنّى بالتحيات وأحسن البشر للإنسان أبغضه ... كأنه قد ملا قلبي محبّات ولست أسلم ممن لست أعرفه ... فكيف أسلم من أهل المودات وقال ابن الرومى: يا ذا الذي منه التغي ... ر والتّنكر والنبوّ إن كان أدر كك الملا ... ل فقد تداخلني السّلوّ وقال آخر: قد كنت عبداً والهوى مالكى ... فصرت حرّا والهوى خادمى وصرت بالوحدة مستأنساً ... من شرّ أولاد بني آدم ما في اختلاط الناس خير ولا ... ذو الجهل بالأشياء كالعالم يا عاذلى في تركهم جاهلا ... عذرى منقوش على خاتمي وكان في خاتمه منقوشاً: " وما وجدنا لأكثرهم من عهد " وقال منصور الفقيه: نفرت من كلّ من وثقت به ... إذ كلهم خانني ولم أخن من لان لي جانباه لنت له ... ومن أبي أن يلين لم ألن وقال آخر: هذا زمانٌ ليس إخوانه ... يامعشر الناس بإخوان إخوان سوءٍ كلّهم فاسقٌ ... له لسانان ووجهان يلقاك بالبشر وفي قلبه ... داءٌ يواريه بكتمان حتّى إذا ما غبت عن وجهه ... رماك في الغيب ببهتان يأيها المرء فكن واحداً ... فرداً ولا تأنس بإنسان منصور الفقيه: الناس بحرٌ عميقٌ ... والبعد منهم سفينه وقد نصحتك فانظر ... لنفسك المسكينه طرفة بن العبد: كلّ خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه كلهم أروع من ثعلب ... ماأشبه الليلة بالبارحه وقال منصور الفقيه: يا أخا الدّهر إن وفا ... وأخا الدهر إن غدر كن من الناس كيف شئ ... ت على غاية الحذر كان يقال: صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار وقال ابن وكيع: فسد الناس كلّهم وانقضى الودّ ... فما في الورى أخٌ ذو صفاء وأرى طالب الفرار من النا ... س ومرتاد مربهم في بلاء ذاك بالانقباض يكسب المق ... ت ويعزى به إلى الكبرياء وأخو الانبساط يخشى انقلاباً ... من صديق يضيع حق الإخاء وإذا ما الصديق عاد عدواً ... فهو مستفرهٌ من الأعداء وقال منصور الفقيه: في الناس خيرٌ كثيرٌ ... والشرفى الناس أكثر وقد نصحتك حهدى ... فانظر لنفسك واحذر فإن وثقت بقولي ... فيهم وإلا فغرر وله أيضاً: إنما الناس فزعةٌ ... ليس في الناس مفزع ذم من شئت منهم ... فهو للذمّ موضع ولما حضرته الوفاة، قال: أستغفر الله من هذين البيتين. قال سويد بن منجوف: قبلغّ مصبعاً عنّي رسولا ... وهل تجد النصيح بكل واد تعلّم أن كثر من تناجى ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي أنشد الزبير لأبي همهمة: إخوة ما حضرت سرّون برّو ... ن فإن غبت فالسّباع الجياع
следующие страницы →