← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 558

بهجة المجالس وأنس المجالس

ابن عبد البر

Полный текст (256 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ودع التذلل والتخشّع تبتغي ... قرب الذّي إن تدن منه يبعد وقال آخر: أهلكني بزيادٍ ثقتي ... وظنونٌ بزيادٍ حسنه ليس يستوجب شكرا رجلٌ ... نلت خيراً منه من قبل سنه وقال يزيد بن محمد المهلبي: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعدّ معايبه وقال آخر: إن الرجال إذا اختبرت طباعهم ... ألفيهم شتى على الأخبار لا تعجلنّ إلى شريعة موردٍ ... حتى تبين صفحة الإصدار وقال آخر: اترك مكاشفة الصديق إذا ... غطّى على هفواته ستر وتجاف عنه بلا مصارمةٍ ... فلنعم صائن عرضك الصبر وقال آخر: لا تحمدن امرءاً حتى تجربه ... ولا تذمنه من غير تجريب وقال محمود الوراق: لا يغلبنك غالب الحرص ... واعلم بأن النّاس نقص والبس أخاك على تصنعه ... فلرب مفتضحٍ على النّص ما كدت أفحص عن أخي ثقة ... إلا ذممت عواقب الفحص وقال آخر: إذا أنكرت أخلاق الصديق ... فلست من التحيز في مضيق طريقاً كنت تسلكه سليماً ... فأسبع فاجتنبه إلى طريق وقال آخر: لا تحمدن امرءاً حتى تجربه ... فربّما لم يوافق خبره خبره وقال آخر: إذا أنت لم تستقبل الأمر لم تجد ... لكفّك في إدباره متعلّقا إذا أنت لم تترك أخاك وزلةً ... إذا زلها أوشكتما أن تفرّقا قال آخر: قد كنت أحمد أمرى فيك مبتدئاً ... فقد ذممت الذي أحمدت في صدري فاذهب فأنت امرؤٌ لا شك أوّله ... حلوٌ وآخره مرٌّ على الخبر قال معاذ بن جبل: إذا أحببت أخاً في الله، فلا تماره ولا تشاره ولا تسل عنه أحداً، فلربما أخبرك بما ليس فيه، فحال بينك وبينه. قال الشاعر: أردت لكيما لا ترى لي زّلةٌ ... ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل أجمعوا على القول بأن الله تعالى تفرّد بالكمال، ولم يبرئ أحداً من النقصان. قال أبو بكر بن دريد: إذا تصفحت أمور النّاس لم ... تلف امرءا حاز الكمال فاكتفى من لك بالمهذب النّدب الذي ... لا يجد العيب إليه مختطا كم من أخ مسخوطةٍ أخلاقه ... أصفيته الودّ لخلق مرتضى وقال النابغة الذبياني: ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمّه ... على شعثٍ أيّ الرجال المهذّبوقال ابن وكيع: من لم يكن مؤاخياً إلاّ الذّي ... لا عيب فيه عاش فردا في الورى وقال آخر: ما بالمنازل من ضيقٍ ومن ضجر ... بل الطّبائع منها الضّيق والضّجر وقال آخر: كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه كلهم أروع من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه وقال آخر: كل امرئ صائرٌ يوماً لشيمته ... وإن تخلّق أخلاقاً إلى حين وقال عباس بن الأحنف: وما مرّ يومٌ أرتجى فيه راحةً ... فأخبره إلا بكيت على أمس وقال آخر: عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأبى دونه الخلق ولا يواتيك فيما ناب من حدث ... إلا أخو ثقةٍ فانظر بمن تثق وقال زهير بن أبي سلمى: ومهما تكن عند امرئ من خليفةٍ ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وقال نصيب الأصفر، مولى المهدى: إن البقاع إذا استسر بها الندى ... أنس النبات بها وطاب المربع وإذا جهلت من امرئ أخلاقه ... وقديمه فانظر إلى ما يصنع وقال محمود الوراق: ذممتك أولا حتّى إذا ما ... بلوت سواك عاد اللوم حمداً ولم أحمدك من خيرٍ ولكن ... رأيت سواك شرّاً منك جداً فعدت إليك محتملا خليلا ... لأني لم أجد من ذاك بدّا

стр. 142

كمجهودٍ تحامى أكل ميتٍ ... فلما اضطرّ عاد إليه شدّا وقال أيضاً: لم أبك من خبث خلّ ... إلا بكيت عليه ولم أمل عن صديقٍ ... للزّهد فيما لديه إلى سواه فأبلو ... إلاّ رجعت إليه كلّ امرئ مستبد ... بحفظ ما في يديه ذكرا بن مقسم، حدثنا محمد بن يحيى النديم، قال: حدثنا المبرد، قال: كان بين عمارة بن حمزة وبين إسماعيل بن علىّ مودة، ثم تنافرا. فكتب إليه عمارة: سأترك ما بيني وبينك ساكنا ... فإن عدت عدنا والوصال سليم ولو قد خبرت الناس حق اختبارهم ... رجعت إلى وصلى وأنت ذميم أخبرنا عبد الوراث، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: أنشدنا عيسى الأعمى، قال أنشدنا ابن المعلم لعلى بن الجهم: الناس إخوانك حتى إذا ... عرضت للخوان بالدّرهم ساءك ما سرك من خلقهم ... وصرت وسط الحلق كالعلقم وقال آخر: عتبت على سلم فلما فقدته ... وجربت أقواماً بكيت على سلم وقال آخر: لم أبك من زمن لم أرض خلته ... إلا بكيت عليه حين ينصرم وقال آخر: متى تحسب صديقك لم يقلوا ... وإن تخبر يقلّوا في الحساب وقال آخر: ونعتب أحياناً عليه ولو مضى ... لكنّا على الباقي من الناس أعتبا وقال آخر: سبكناه ونحسبه لجيناً ... فأبدى الكير عن خبث الحديد وقال آخر: ومن يبتدع ماليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه إلى النفس خيمها وقال آخر: إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فرش والتمس نفع الذّي بهم ترمى وقال محمود الوراق: أثمّ الناس أعرفهم بنقصه ... وأقمعهم لشهوته وحمصه فدان على السّلامة من تدانى ... ومن لم ترض صحبته فأقصه وخلّ الفحص ما استغنيت عنه ... فكم من جالب غيظا بفحصه ولا تستغل عافيةً بشئ ... ولا تستر خصنّ أذى لرخصه وقال آخر: ارض من المرء في مودته ... بما يؤدّي إليك ظاهره من يكشف الناس لم يجد أحداً ... تصح منهم له سرائره وقال آخر: يكفيك من قومٍ شواهد أمرهم ... فخذ عفوهم قبل امتحان السّرائر فإن امتحان القوم يوحش بينهم ... ومالك إلا ما ترى في الظواهر وإنك إن كشفت لم تر طائلا ... وأبدي لك التكشيف خبث الضمائر وقال آخر: ولا خير في ودّ إذا لم يكن له ... على طول مرّ الحادثات بقاء وقال منصور الفقيه: إذا جمع الفتى حسبا وديناً ... فلا تعدل به أبداً قريناً ولا تسمح بحظك منه بل كن ... بحظك من مودّته ضنينا وقال آخر: لعمرك ما مال الفتى بذخيرةٍ ... ولكنّ إخوان الثقاب الذخائر وقال ابن الرومى: إذا شئت تعرف أصل الفتى ... أجل لحظ طرفك في منظره فإن لم بين لك فانظر إلى ... أفاعيله فهي من جوهره فإن غاب عنك بهذا وذا ... فلا تطلبن سوى محضره فإن المحاضر سرّ الرجال ... بها يعرف النذل من خيّره بلوت الرجال وأفعالهم ... فكلٌّ يعود إلى عنصره وقال ربيعة الرّقى: إن اللئيم وإن خلته ... كريماً يذودك عن عرفه ويرجع محصول أخلاقه ... إلى أصله وإلى صنفه باب التودّد إلى الناس قال رسول الله ﷺ : " مداراة الناس صدقه ". وقال ﷺ : " أمرني ربي بمداراة الناس ونهاني عن ملاحاتهم ". روى عن النبي ﷺ أنه قال: " رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس ". وقد روى في خبر مرفوع: " التودّد إلى الناس نصف العقل، وحسن التدبير نصف المعيشة، وما عال من اقتصد ".

стр. 143

قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: إنّ مما يصفى لك ودّ أخيك أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحبّ الأسماء إليه، وأن توسّع له في المجلس. قال بعض الحكماء: رأس المداراة ترك المماراة. وفي الحديث المرفوع: " إذا أحب الله عبداً أحبّه الناس ". أخذه الشاعر فقال: إذا أحبّ الله يوماً عبده ... ألقى عليه محبةً في الناس قال رسول الله ﷺ : " ألا أنبئكم بشراركم "؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: " من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة. ألا أنبئكم بشر من ذلكم " قالوا: بلى. قال: " من يبغض الناس ويبغضونه ". روينا أن داود ﵇، جلس كئيباً خاليا، فأوحى الله إليه: مالى أراك خاليا؟ قال: هجرت الناس فيك. قال: أفلا أدلّك على شئ تبلغ رضاي؟ خالق الناس بأخلاقهم، واحتجز الإيمان فيما بيني وبينك. كان يقال: من رضى من الناس بالمسامحة طال استمتاعه بهم. قال أكثم بن صيفي: من تشدّد فرّق، ومن تراخى تألف، والسرور في التغافل. قال علي رضى الله عنه: شرط الصحبة إقاله العثرة، ومسامحة العشرة، والمواساة في العسرة. قيل للعتّابي: إنك تلقى الناس كلهم بالبشر! قال: دفع ضغينةٍ بأيسر مؤونة،واكتساب إخوان بأيسر مبذول. قال محمود الوراق: أخو البشر محمود على كلّ حالةٍ ... ولن يعدم البغضاء من كان عابساً ويسرع بخل المرء في هتك عرضه ... ولم أر مثل الجود للعرض حارساً قال أعرابي يمدح رجلا بساماً هو زياد الأعجم يمدح عبد الله بن عامر ابن كريز. أخ لك ما تراه الدّهر إلاّ ... على العلات بساماً جواداً سألناه الجزيل فما تلكا ... وأعطى فوق منيتنا وزادا وأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... فأحسن ثم عدت له فعادا مراراً ما أعود إليه إلاّ ... تبسم ضاحكاً وثنى الوسادا وقال آخر: ولي صاحبٌ كالموت يوم فراقه ... تغيّر والأيام جمّ عجيبها أريد له هجراً لبعض خلاله ... فتعطفي أخرى له فأجيبها وقال آخر: أخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلون ألواناً كثيراً خطوبها إذا عبت منه خلّةً فهجرته ... دعتني إليه خلّة لا أعيبها وقال ابن وكيع: من لم يدار الناس عن علم بهم ... انصرفوا وكلّهم له عدا وقال كثير: ومن لا يغمّض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ومن يتبع جاهداً كل عثرةٍ ... يجدها ولا يسلم الدّهر صاحب وقال آخر: وكم من أخٍ لم يحتمل منه خلّةً ... قطعت ولم يمكنك منه بديل ومن لم يرد إلا خليلاً مهذباً ... فليس له في العالمين خليل قال آخر: وأحبب إذا أحببت حبّاً مقارباً ... فإنك لا تدري متى أنت نازع وأبغض إذا أبغضت بغضاً مقارباً ... فإنك لا تدري متى أنت راجع هذا مأخوذ من الحديث المرفوع: " أحبب حبيبك هوناً ما فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما ". وأحسن ما نظم في هذا المعنى قول أبي العتاهية: قل لمن يعجب من ... حسن رجوعي ومقالي ربّ صدّ بعد ودّ ... وهوى بعد تقالى قد رأينا ذا كثيراً ... جارياً بين الرجال أنشد حبيبٌ للفند الزّمّاني وقال الجاحظ لا أظنها له: صفحنا عن بنى ذهل ... وقلنا: القوم إخوان عسى الأيام أن يرجع ... ن قوما كالذي كانوا قال آخر: وكنت إذا صبحت رجال قوم ... صحبتهم وشيمتي الوفاء فأحسن حين يحسن محسونهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا وأبصر ما ينقصني بعين ... عليها من عيونهم غطاء وقال آخر: ما نالت النفس على شهوة ... ألذ من ودّ صديقٍ أمين من فاته ودّ أخٍ صالحٍ ... فذلك المغبون حقّ اليقين قال آخر: استوحش الناس علىّ جدّا ... ولا أرى لي من أناس بدّأ

стр. 144

إن لم أعاشرهم بقيت فردا وقال آخر: أغمض للصديق عن المساوى ... مخافة أن أعيش بلا صديق قال آخر: أغمّض عيني عن صديقي تغافلا ... كأنّي بما يأتي من الأمر جاهل وما بي جهلٌ غير أن خليقتي ... تطيق احتمال الكره فيما يحاول متى ما يربني مفصل فقطعته ... بقيت ومالي في النهوض مفاصل وقال آخر: وكنت إذا الصديق أراد غيظي ... فأشرقني على حنق بريقي غفرت ذنوبه وصفحت عنه ... مخافة أن أعيش بلا صديق وقال آخر: إذا ما خليلي رابني بعض خلقه ... ولم يك عما ساءني بمفيق صبرت على أشياء منه تريبني ... مخافة أن أبقى بغير صديق وأنشد ابن الأنباري عن أبيه: إذا ما صديقي ساءني بفعاله ... ولم يك عما ساءني بمفيق صبرت على الضَّرَّاء من سوء فعله ... مخافة أن أبقى بغير صديق " قالوا:لا خير في الناس،ولابد من الناس " باب الاستيحاش من الناس والفرار منهم قال رسول الله ﷺ : " خير الناس منزلةً يوم القيامة، رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله يخيف العدو ويخيفونه ". وفي رواية أخرى: " حتى يموت أو يقتل، والذي يليه رجل معتزل في شعب من الشّعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور النّاس ". قال عمر بن الخطاب ﵁ الطمع فقرٌ واليأس غنيٌ، والعزلة راحةٌ من جليس السوء، وقرين الصدق خير من الوحدة. قال أبو الدردّاء: نعم صومعة الرجل المؤمن بيته، يصون دينه وعرضه، وأياكم والأسواق، فإنها تلغي وتلهي. قال مكحول:إن كان في الجماعة فضل، فإن في العزلة سلامه. قال عمر بن الخطاب: خالطوا الناس في معايشكم، وزايلوهم بأعمالكم. قال أبو الدّرداء: كان الناس ورقاً لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه. يقال: إن فيما أنزل الله في الإنجيل على عيسى ﵇. كن وسطاً وامشي جانباً. قال ابن المقفع: وحشة الانفراد أبقى على المرء من أنس التلاقي. قال بعض العلماء العزلة عن الناس توقي العرض، وتبقي الجلالة، وترفع مؤونة المكافأة في الحقوق اللازمة، وتستر الفاقة. قال أوس ابن حجر: وإنّي رأيت النّاس إلا أقلهم ... خفاف العهود يكثرون التّنقّلا بنى أمّ ذي المال الكثير يرونه ... وإن كان عبداً سيّد القوم جحفلا وهم لمقلّ الممال أولاد علّةٍ ... وإن كان محضاً في العمومة مخولا وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يسوءك إن ولّي ويرضيك مقبلا ولكن الأخ النّائي إذا كنت آمناً ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا وقال الحسن بن عبد الرحمن. توحشت ولكنّي ... أسرّ بالوحشة أحيانا وفي الوحشة ما يؤ ... نس من صحبة من خانا وقال أيضاً: يا حبّذا الوحشة من أنيس ... إذا خشيت من أذى الجليس وقال أبو العتاهية: برمت بالناس وأخلاقهم ... فسرت أستأنس بالوحده ما أكثر النّاس لعمري وما ... أقلّهم في حاصل العدّه كتب شيخ من أهل الرّى على باب داره: جزى الله عنا من لا نعرفه ولا يعرفنا خيراً، وأما أصدقاؤنا الخاصة فلا جزاهم الله خيراً، فإن لم نؤت إلا منهم. قال سفيان وما وجدت من يغفر لي ذنباً، ولا يستر لي عيباً، فرأيت في الهرب من الناس السّلامة. قال الفضيل بن عياض لسفيان الثوري: دلّني على رجل أجلس إليه، قال: تلك ضالّة لا توجد. قال أكثم ابن صيفي: الانقباض عن الناس مكسبه للعداوة، وإفراط الأنس مكسبة لقرناء السوء. وقال سهل الوراق: ألا ما لذا الناس قد بدّلوا ... فهم كذئاب عليها ثياب تواطئوا على كلّ مستقبحٍ ... فما لقبيح لديهم معاب وخانوا الأمانة ما بينهم ... وهل بالأمانة توفى الذئاب قال الأضبط بن قريع: أذود عن حوضه ويدفعني ... يا قوم من عاذري من الخدعه أنشد الخريري لنفسه:

стр. 145

مخالط الناس في الدّنيا على خطر ... وفي بلاءٍ وصفو شيب بالكدر كراكب البحر إن تسلم حشاشته ... فليس يسلم من خوف ومن حذر وقال قدامة بن إبراهيم الجمحى: العجز ضعف ومالجزم من ضررٍ ... وأحزم الحزم سوء الظنّ بالناس لا تترك الحزم في أمر تحاذره ... فإن أصبت فما بالحزم من باس أنشدني عبد الرّحمن بن أبان، عن عثمان، قال: أنشدني أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدى لنفسه: أشعرن قلبك ياسا ... ليس هذا الناس ناسا قد مضى الإبريز منهم ... وبقوا بعد بحاسا سامريين يقولو ... ن جميعاً مساسا لهلال بن العلاء: لما عفوت ولم أحقد على أحدٍ ... أرحت نفسي من هم العداوات إني أحيّى عدّوى عند رؤيته ... لأدفع الشرّ عنّى بالتحيات وأحسن البشر للإنسان أبغضه ... كأنه قد ملا قلبي محبّات ولست أسلم ممن لست أعرفه ... فكيف أسلم من أهل المودات وقال ابن الرومى: يا ذا الذي منه التغي ... ر والتّنكر والنبوّ إن كان أدر كك الملا ... ل فقد تداخلني السّلوّ وقال آخر: قد كنت عبداً والهوى مالكى ... فصرت حرّا والهوى خادمى وصرت بالوحدة مستأنساً ... من شرّ أولاد بني آدم ما في اختلاط الناس خير ولا ... ذو الجهل بالأشياء كالعالم يا عاذلى في تركهم جاهلا ... عذرى منقوش على خاتمي وكان في خاتمه منقوشاً: " وما وجدنا لأكثرهم من عهد " وقال منصور الفقيه: نفرت من كلّ من وثقت به ... إذ كلهم خانني ولم أخن من لان لي جانباه لنت له ... ومن أبي أن يلين لم ألن وقال آخر: هذا زمانٌ ليس إخوانه ... يامعشر الناس بإخوان إخوان سوءٍ كلّهم فاسقٌ ... له لسانان ووجهان يلقاك بالبشر وفي قلبه ... داءٌ يواريه بكتمان حتّى إذا ما غبت عن وجهه ... رماك في الغيب ببهتان يأيها المرء فكن واحداً ... فرداً ولا تأنس بإنسان منصور الفقيه: الناس بحرٌ عميقٌ ... والبعد منهم سفينه وقد نصحتك فانظر ... لنفسك المسكينه طرفة بن العبد: كلّ خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه كلهم أروع من ثعلب ... ماأشبه الليلة بالبارحه وقال منصور الفقيه: يا أخا الدّهر إن وفا ... وأخا الدهر إن غدر كن من الناس كيف شئ ... ت على غاية الحذر كان يقال: صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار وقال ابن وكيع: فسد الناس كلّهم وانقضى الودّ ... فما في الورى أخٌ ذو صفاء وأرى طالب الفرار من النا ... س ومرتاد مربهم في بلاء ذاك بالانقباض يكسب المق ... ت ويعزى به إلى الكبرياء وأخو الانبساط يخشى انقلاباً ... من صديق يضيع حق الإخاء وإذا ما الصديق عاد عدواً ... فهو مستفرهٌ من الأعداء وقال منصور الفقيه: في الناس خيرٌ كثيرٌ ... والشرفى الناس أكثر وقد نصحتك حهدى ... فانظر لنفسك واحذر فإن وثقت بقولي ... فيهم وإلا فغرر وله أيضاً: إنما الناس فزعةٌ ... ليس في الناس مفزع ذم من شئت منهم ... فهو للذمّ موضع ولما حضرته الوفاة، قال: أستغفر الله من هذين البيتين. قال سويد بن منجوف: قبلغّ مصبعاً عنّي رسولا ... وهل تجد النصيح بكل واد تعلّم أن كثر من تناجى ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي أنشد الزبير لأبي همهمة: إخوة ما حضرت سرّون برّو ... ن فإن غبت فالسّباع الجياع

стр. 146

با ينوي حتى إذا عانيوني ... بان منهم تضاؤلٌ واجتشاع فهم يغمزون مني قناةً ... ليس يألون عمزها ما استطاعوا ما كذا يفعل الكرام ولكن ... هكذا يفعل اللثام الوضاع قال أبو غسان مالك بن الله غلام أبي العتاهية:كنت عند أبي العتاهية قبل موته بثلاثة أيام،وإنه لشديد العلّة لما به،فرفع رأسه إلى وقال:يا أبا غسان! لله درّ أبيك أيّ زمان ... أصبحت فيه وأيّ أهل زمان كلٌّ يوازنك المودة دائباً ... يعطى ويأخذ منك بالميزان لإغذا رأى رجحان حبة خردلٍ ... مالت مودته مع الرّجحان في كلّ يومٍ منه تبدو قصّةً ... تنعي إليك مودّة الإخوان وقال منصور الفقيه: أيّ زمان نشأت فيه ... كذي ضلالٍ بأرض تيه ما شئت من عالم خبيثٍ ... فيه ومن جاهلٍ سفيه وقال أبو العتاهية: إن الزمان يغرّني بأمانه ... ويذيقني المكروه من حدثانه فأنا النذير من الزمان لكلّ من ... أمسي وأصبح وائقاً بزمانه ما الناس إلا للكثير المال أو ... لمسلّط ما دام في سلطانه فإذا الزمان رماهما بملمّةٍ ... كان الثّقات هناك من أعوانه قال إبراهيم بن العباس الصولى: بلوت الزمان وأهل الزمان ... فكلّ بذم ولوم حقيق وأوحشني من صديقي الزمان ... وآنسني بالعدوّ الصديق وله أيضاً وربّ أخ ناديته في ملمةٍ ... فألفيته منها أجلّ وأعظما أنشدني محمد بن نصير الكاتب لنفسه: تطلّب سبيل الهدى جاهداً ... ودع عنك مشتبهات السّبل وأصبح من الناس مستوفزاً ... فأكثرهم راصدٌ للزّلل وأجبن من قد ترى منهم ... لعمرك يردى الشجاع البطل وتصمى المقاتل أقوالهم ... بألسنةٍ وقعها كالأسل ومن حكّم الناس في عرضه ... فمن جار أكثر ممن عدل وقال آخر: وإذا دعوت أخا إخائك ... عند نائبةٍ تنوب ألفيته أحد الخطوب ... إذا تتابعت الخطوب وهذا كله عندي والله أعلم مأخوذ من قول القائل: كنت من كربتي أفر إليهم ... فهم كربتي فأين الفرار منصور الفقيه: تبارك من لو شاء ملكني نفسي ... وصيّر في الإيحاش من خلقه أنسي وباعد داري عاجلاً عن ديارهم ... كعبد مغيب الشمس عن مطلع الشمس لعلّى أن أمسي من الشر آمنا ... وأصبح مسروراً بذاك كما أمسي فما نكّد الدنيا على طيب ظلها ... وقرب جناها العذب شئ سوى الإنس قال أعرابي،وهو جابر بن ثابت،ويعرف بتأبط شرا: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوّت أنسان فكدت أطير درى الله أني للأنيس لشانئٌ ... وتبغضهم لي مقلةٌ وضمير وقال آخر: قد بلوت النّاس طرّا ... لم أجد في الأرض حراً صار أحلى الناس في عيني ... إذا ما ذيق مرّا ووجدت الحلو منهم ... عندما جرّبت صبرا وقال منصور الفقيه: إن بني دهرنا أفاع ... ليس لمن ساورت طبيب فلا يكن فيك بعد هذا ... لواحدٍ منهم نصيب وقال آخر: قد لزمت السّكوت من غير عىّ ... ولزمت الفراش من غير علّه وهجرت الإخوان لما أتتني ... عنهم كلّ خصلة مضمحلّه فعلى أهل ذا الزمان جميعاً ... ضعف قطر السّماء من لعنة الله وقال آخر: لا تعرفن أحداً فلست بواجدٍ ... أحداً أضرّ عليك ممن تعرف أما نظيرك فهو حاسد نعمةٍ ... أو دون ذاك فذو سؤال ملحف أو فوق ذلك حال دون لقائه ... بواب سوءٍ واليفاع المشرف وللشافعي الفقيه ﵀،وقيل إنه تمثل بها،وهي:

стр. 147

ليت الباع لنا كانت مجاورةً ... وليتنا لا نرى مما نرى أحدا إن السباع لتهدا في مرابضها ... والناس ليس بهاءٍ شرّهم أبدا فاهرب بنفسك واستأنس بوحدتها ... تعش سليماً إذا ما كنت منفرداً وقال منصور الفقيه: أحذّرك الناس إلاّ قليلا ... فلا تبغين إليهم سبيلا وفارقهم عن قليّ واتخذ ... إذا ما خشيت انفراداً خليلا من الجنّ والجنّ إن تلقهم ... تجدهم أبرّ فعالا وقليلا من الإنس،لا كان مستأنساً ... بهم طالبٌ من سواهم بديلاً وقال أبو العتاهية: أياربّ إنّ الناس لا ينصفونني ... وإن أنا لم أنصفهم ظلموني وإن كان لي شيْ تصدّوا لأخذه ... وإن جئت أبغي شيئهم منعوني وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم ... وإن أنا لم أبذل لهم شتموني وإن طرقتني نكبةٌ فرحوا بها ... وإن صحبتني نعمةٌ حسدوني سأمنع قلبي أن يحنّ إليهم ... وأحجب عنهم ناظري وجفوني أنشدني حكم بن المنذر لنفسه: وكنتم أخلائي الذين أعدّهم ... لصرف زمان إن ألمّ بداهيه فأخلفتم ظني بكم فقليتكم ... فنفسي عنكم أخر الدهر ساليه وقال آخر: ولما رأيت الناس لا عهد عندهمصدفتوبيت اللهعن صحبة الناس وصرت جليس الكتب ما عشت فيهم ... وأعلمت حسن الصبّر عنهم مع الياس رأيت لهم كاساً من الغذر بينهم ... تدار وما بالقوم صبرٌ عن الكاس وهذا الباب وما جانسه من معاني صحبة الناس والفرار منهم،واتخاذ الإخوان والزهد فيهم،قد أكثر الناس فيه جدا،وقد جمع فيه ابن وكيع فتقصىّ وكثّر وجوّد وغزر،وغرضنا في الكتاب أن نورد فيه ما تصلح المذاكرة به من غير تطويل،لأن الحفظ أكثر ما يكون مع التقليل،وبالله العون والتأييد والحول والقوة. باب الصّديق والعدو قال جعفر بن محمد: لقد عظمت منزلة الصّديق حتى عند أهل النار، ألم تسمع إلى قوله الله تعالى حاكيا عنهم: " فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم ". قال علىّ بن أبي طالب ﵁: لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ صديقه في غيبته وبعد وفاته. قال سويد بن الصّامت: ألا ربّ من تدعو صديقاً ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري مقالته كالشّهد ما كان شاهداً ... وبالغيب مأثورٌ على ثغره النّحر تبين لك العينان ما هو كاتمٌ ... من الشرّ بالبغضاء والنظر الشّزر يسرّك باديه وتحت أديمه ... تميمة غشّ تبترى عقب الظهر فرشني بخير طالما قد بريتني ... وخير الموالى من يريش ولا يبرى كان أبو العباس السّفاح إذا تعادى اثنان من أهل بطانته لا يسمع من أحد منهما في صاحبه شيئاً،وإن كان عدلا،ويقول:العداوة تزيل العدالة. كان يقال:لا تجالس عدوّك فإنه يحفظ عليك عيوبك،ويماريك في صوابك. قال علي بن أبي طالب ﵁:ابذل لصديقك كلّ المودة،ولا تبذل له كلّ الطمأنينة،وأعطه من نفسك كلّ المواساة،ولا تفضي إليه بكلّ الأسرار. روى عن علىّ بن الحسين ﵀،أنه قال:لا يكون الصديق صديقاً حتى بقطع لأخيه المؤمن قطعةًمن دينه يرقّعها بالاستغفار. قال غيره:من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقاً،ولعدوّ صديقه عدوا. قال يزيد بن الحكم الثّقفي: تصافح من لا قيت لي ذا عداوه ... وأنت صديقي ليس ذاك بمستوى في أبيات قد ذكرتها في باب البغي والحسد وغيره،وفي رواية أخرى: عدوّك يخشى صولتي إن لقيته ... وأنت صديقي ليس ذاك بمستوى وقال آخر: عدوّ صديقي داخلّ في عداوتي ... وإنّي لمن ودّ الصديق ودود فلا تقترب مني وأنت عدوّ من ... أصادقه فالخير منك بعيد وقد أنشد المبرد هذين البيتين على قافية القاف على ما رواه شيخنا عيسى عن ابن مقسم،قال:أنشدني أبو على إسماعيل بن محمد الصّفّار،قال:أنشدني أبو العباس المبردّ:

стр. 148

صديق عدوى داخل في عداوتي ... وإنيّ على ودّ الصديق صديق أعادي الذي عادى وأهوى له الهوى ... كأنّي منه في هواه شقيق وقال العتّابي: تودّ عدوّى ثم تزعم أنّني ... صديقك إنّ الرأي عنك لعازب وليس أخي من ودّني رأى عينه ... ولكن أخي من ودّني وهو غائب قال آخر: إذا والى صديقك من تعادى ... فقد عاداك وانقطع الكلام قال معاوية: النبل مؤاخاة الأكفاء، ومداجاة الأعداء. قيل لعبد الحميد الكاتب: أيّما أحب إليك أخوك أو صديقك؟ قال: إنما أحب أخي إذا كان صديقي. قال بعض العلماء أهل المدينة: من ثقل على صديقه خفّ على عدوه، ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه مالا يعلمون. عذل رجل رجلا، فقال: أراك رطب اللسان من عيوب أصدقائك، فلا تزدهم في أعداءك، فإن الصديق يحوّل بالجفاء عدوا، وكذلك العدو يحول بالصلة صديقا. كان يقال: لا تجترئ على عداوة رجل بصداقة ألف. قال الشاعر: تكثّر من الإخوان ما استطعت أنّهم ... بطونٌ إذا استنجدتهم وظهور وليس كثيراً ألف خلًّ وصاحبٍ ... وإن عدواً واحداً لكثير ومما أنشده المبرد: ترفّع عن مخاشنة الصّديق ... ولا تلج العدوّ إلى مضيق وإن يسنح من المعروف شئٌ ... فبادر خوف إمكان الطريق وأحسن من مجاهدة الأعادي ... مجاهدة النفوس على الحقوق كان المغيرة بن شعبة يقول: إن أنكأ لعدوك ألاّ تعلمه أنك أتخذته عدوّا. سئل أعرابي عن ابن العمّ، فقال: عدوّك وعدوّ عدوّك. كان يقال: من سعادة المرء أن يرى عدوّه خلفه في حياته، ويقدمه أمامه في وفاته. كان يقال: لا تلتمس معاونة ذي عداوة بإعطائه فضل قوة يستكثر بها عليك في مخالفتك. جمع كسرى يوما مرازبته وعيون أصحابه، فقال لهم: من أي شئ أنتم أشد حزراً؟ قالوا من العدوّ الفاجر، والصديق الغادر. قال موسى بن جعفر: أتّق العدوّ، وكن من الصديق على حذر فإن القلوب إنما سميت قلوباً لتقلّبها. منصور الفقيه: احذر مودة ماذقٍ ... مزج المرارة بالحلاوه يحصى الذنوب عليك أيّام الصداقة للعداوه وقال جحظة البرامكي: لا تعدّنّ للزمان صديقاً ... وأعدّ الزمان لللأصدقاء قال آخر: دار الصديق إذا أستشاط تغضباً ... فالغيظ يخرج كامن الأحقاد ولربما كان التغيظ باحثاً ... لمعايب الأباء والأجداد استعدى أعرابي على بلاد ابن جرير بن الخطفي إلى قثم بن العبّاس فقال: أعوذ بالعبّاس وحقوى محمّد ... وحقويك من طول الأذى والغوائل فإنّ بلالاً يابن عمّ محمدٍ ... عدوٌ إذا جاملته لم يجامل إذا نال يوماً رشوة من مخاصمٍ ... رمى كلّ حقٍّ أدعيه بباطل قال ابن وكيع: ليس بالمنكر انقلاب صديقٍ ... ربما غصّ شاربٌ بالشراب وتلاقى الأخوان بعد فسادٍ كتلاقي ... كتلاقي الأرواح بعد الذهاب لا تضيعّ مودةً من صديقٍ ... فانقلاب الصديق شرّ انقلاب قال آخر: وروّعت حتّى ما أراع من النّوى ... وإن بان جيرانٌ علىّ كرام فقد جعلت نفسي على النأى تنطوي ... وعيني على هجر الصديق تنام وقال صالح بن عبد القدوس: إذا وتر امرءًا فاحذر عداوته ... من أن يزرع الشوك لا يحصد به عنبا إن العدوّ وإن أبدي بشاشته ... إذا رأى منك يوماً فرصة وثبا قال الصاحب بن عبّاد: لقد صدقوا والراقصات إلى مني ... بأنّ مداراة العدى ليس تنفع ولو أنني دارأت عمري حيةً ... إذا استمكنت يوما من اللسع تلسع وقال آخر: ليس الصديق الذي إن زالّ صاحبه ... يوماً رأى ذنباً غير مغفور إن الصديق الذي تلقاه يعز في ... ما ليس صاحبه فيه بمعذور وقال آخر:

стр. 149

كان صديقي وكان خالصتي ... أيام نجري مجاري السّوق قال أبو تمام الطائي: وحسبك حسرةً لك من صديقٍ ... رأيت زمامه بيدي عدوّ قال العطوي: إذا أنكرت أخلاق الصديق ... فلست من التحيّر في مضيق طريقاً كنت تسلكه سليماً ... فأسبع فاجتنبه إلى طريق فإن قابلت يسرى منه عسرى ... فراجع من قطعت من الصّديق وقال عبد بني الحسحاس: رأيت الحبيب لا يملّ حديثه ... ولا ينفع المشنوء أن يتودّدا وقال زياد اللأعجم: عدوّك مسرور وذو الودّ بالذي ... أتى منك من غيظ علىّ كظيظ تلين لأعل الغلّ والغمز منهم ... وأنت على أهل الصفاء غليظ نسىّ لما أوليت من صالحٍ مضى ... وأنت لتأنيب علىّ حفيظ وسميت غيّاظاً ولست بغائظ ... عدوّا ولكنّ الصديق يغيظ وقال أبو الطيب: وأرحم أقواماً من العىّ والغبا ... وأعذر في بغضي لأنهم ضدّ ومن نكد الدّنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له من صداقته بدّ وقال آخر: شر البلاد مكانٌ لا صديق به ... وشرّ ما يكسب الإنسان ما يصم وقال منصور الفقيه: إذا تخلفت عن صديق ... فلم يعاتبك في التخلف فلا تعد بعدها إليه ... فإنما وده تكلف وإن تعد بعدها إليه ... فلا تلمه على التصلف وقال آخر: إذا كتم الصديق أخاه سرّا ... فما فضل الصّديق على العدوّ وقال ابن الروّمى: عدوّك من صديقك مستفادٌ ... فأقلل ما استطعت من الصّحاب فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطّعام أو الشراب وإنّك قلّما استكثرت إلاّ ... وقعت على ذئابٍ في ثياب فدع عنك الكثير فكم كثيرٍ ... يعاب وكم قليلٍ مستطاب وما اللّجج الملاح بمروياتٍ ... وتلقى الرّىّ في النطف العذاب إذا انقلب الصديق غدا عدوّا ... مبيناً والأمور إلى انقلاب وقال منصور الفقيه: احذر عدوّك مرة ... واحذر صديقك ألف مرّة فلربمّا انقلب الصديق ... فكان أعلم بالمضرّة قال آخر: كن من صديقك خائفاً ... فلربّما حال الصديق وقال أخر: أحذر صديقك لا عدوّك إنما ... مستور سرّك عند كلّ صديق قال أبو بكر الخالدى: ما في زمانك ما يعزّ وجوده ... إن رمته إلاّ صديقٌ مخلص وقال الكميت يخاطب بني العباس: إذا نحن خفنا في زمان عدوّ كم ... وخفنا كم إنّ البلاء لراكد وقال آخر: وبغضك للتقّى أقل ضراً ... وأسلم من مودة ذي الفسوق ولن تنفك تحسد أو تعادى ... فأكثر ما استطعت من الصديق خالفه ابن الرومي فقال: عدوك من صديقك مستفادٌ ... فأقلل ما استطعت من الصديق فإن الداء أكثر ما تراه ... من الأشياء تحلو في الحلوق أكثر رجل على رجل بالسّلام وقال له: أنا صديقك. قال: وكيف؟ قال: لأني أسلم عليك. فأنشأ يقول: لئن كان من قال السّلام عليكم ... يعد صديقاً فالصديق كثير وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: لا تهن للصديق تكرمه ... نفسك حتى تعدّ من خوله يحمل أثقاله عليك كما ... يحمل أثقاله على جمله ليس الفتى بالذي يحول عن ال ... عهد ويؤتي الصّديق من قبله ولست مستبقاً أخاً لك لا ... تصفح عن جهله رعن زلله وقال آخر: إن الصّديق فلا تأمن بوائقه ... أسواء العدوّ إذا ما سؤته أثرا وقال رجل من بنى سليم: لعمرك إنني وأبا رباحٍ ... على حال التّكاثر شر منذحين فأبغضه ويبغضنى وأيضاً ... يراني دونه وأراه دوني فلو أنّا على حجرٍذبحنا ... جرى الدّميان بالخبر اليقين

стр. 150

وقال المتلمّس: أحارث أنا لو تشاط دماؤنا ... تزايلن حتى لا يمسّ دمٌ دما وقال آخر: إذا كنت مما لا ترى نافعاً ... صديق ولا بالعدوّ تضرّ فسيان إن متّ أو إن حييت ... فلا ذا يسوء ولا ذا يسرّ لأبي عيينة المهلب، أو علي بن جبلة: ولما رأيتك لا فاجراً ... قوياً ولا أنت بالزاهد وليس عدوّك بالمتقي ... وليس صديقك بالحامد دخلت بك السّوق سوق الرقيق ... وناديت هل فيك من زائد؟ فما جائني رجلٌ واحدٌ ... يزيد على درهم واحد سوى رجل حان منه الشقا ... ء وحلت به دعوة الوالد محاط به معه درهمٌ ... ردئ فأقبل كالراصد فبعتك منه بلا شاهدٍ ... مخافة ردّك بالشاهد وأبت إلى منزلي غانماً ... وحلّ البلاء على الناقد وقال آخر: سأصبر من صديقي إن جفاني ... على كلّ الأذى إلاّ الهوانا قال العطوى: إذا ما الحرّ فاز بحسن حالٍ ... أجاز صديقه من سوء حال إذا أثرى رأى حقّا عليه ... له الإفضال من قبل السؤال لعمرك ما رأيت فتى كريماً ... يحب المال إلا للنوال أبا حسن ثكلت الحزم فيما ... أحاول من مقالي أو فعالى لقد كذبت ظنوني فيك أن لم ... أتب من حسن ظنّي بالرجال وقال آخر: إذا ما المرء كان له صديقٌ ... فبرّ صديقه فرضٌ عليه فإن عنه الصّديق أقام يوماً ... فوجه البرّ أن يسعى إليه وإن كان الصديق قليل مالٍ ... يضيق بذرعه ما في يديه فمن أسنى فعال المرء ألا ... يضنّ على الصديق بما لديه وقال آخر: ما ضاقت النفس على شهوةٍ ... ألذّ من ودّ صديق أمين من فاته ودّ أخ صالح ... فذلك المغبون حق اليقين عبد الله طاهر،ويروى لعلى بن الجهم،وهي له لا غيره،حدثنا عبد الوارث،حدثنا قاسم بن أصبغ،حدثنا أبو عيسى الأعمى الخباز ببغداد،قال:أخبرني يحيى بن المعلم،قال:مررت بعليّ بن الجهم،وقد أذّن لصلاة الظهر،وقد دخل المسجد يريد أن يركع،فسلمت عليه وقلت له:لا يمكنني أن أقيم حتى تصلى لأني مبادر،قال:فيم ذا؟ فقلت:أبيع قميصي هذا وأكافئ به صديقا له قبلى يدٌ. قال:فلم أمش إلاّ قليلا حتى ردني،فقال لي:اكتب وأنشدني: أميل مع الصديق على ابن أميّ ... وأحمل للصّديق على الشقيق وإن ألفيتني ملكاً مطاعاً ... فإنّك واجدي عبد الصديق أفرّق بين معروفي ومنّي ... وأجمع بين مالي والحقوق قالوا:أحذر من وترته وإن أحسنت إليه،ومن أوحشته فلا تثق به. قال الشاعر: إذا وترت امرءا فاحذر عداوته ... من يزرع الشّوك لا يحصد به عبنا إن العدوّ وإن أبدي بشاشته ... إذا رأى منك يوماً فرصةً وثبا وقد تقدم في باب التودد إلى الناس أبياتٌ تصلح في هذا الباب،فلم أروجهاً لتكرارها. بابٌ جامعٌ متخيّرٌ في الإخوان قال رسول الله ﷺ : " المرء على دين خليله،فلينظر امرؤٌ من يخالل ". قال الأوزاعىّ: الصاحب للصاحب كالرقعة للثوب،إن لم تكن مثله شانته. قال الشاعر: وما صاحب الإنسان إلا كرقعةٍ ... على ثوبه فليتخذه مشاكلا وقال ﷺ : " لا خير في صحبة من لا يرى لك كالذي يرى لنفسه ". وفي الخبر المرفوع أيضا " شيئان لا يزدادان إلاّ قلة:درهمٌ حلال،وأخٌ في الله تسكن إليه " وقد روى مرفوعاً: " المرء كثيرٌ بأخيه ". قال علىّ بن أبي طالب،﵁:لا خير في صحبة من تجتمع فيه هذه الخلال:من إذا حدّثك كذبك، وإذا ائتمنته خانك،وإذا ائتمنك اتهمك،وإذا أنمت عليه كفرك،وإذا أنعم عليك منّ عليك.

стр. 151

وعن ابن عباس أنه قال:أحبب في الله،وأبغض في الله،وعاد في الله،فإنه لا تنال موالاة الله إلا بذلك،ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان ولو كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك. قال:ولقد صارت عامة مؤاخاه الناس على أمر الدنيا،وذلك لا يجدي علىأهله،ثم قرأ ابن عباس: " الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدوٌ إلا المتقين "،وقرأ: " لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادٌ الله ورسوله " ألآية. قال المغيرة بن شعبة:النّازل للإخوان منزول. قال اامنصور لإسحق بن مسلم العقيلي:ما بقي من لذّتك؟ قال:أخٌ أشتهي معه طول السهر،ودابةٌ أستهي معها طول السّفر. قال جعفر بن محمد:حفظ الرجل أخاه بعد وفاته في تركته كرم. كان يقال:أنصح الناس لك من خاف الله فيك. قال موسى بن جعفر:من لك بأخيك كلّه،لا تستقص عليه فتبقى بلا أخ. كان يقال:الأخوّة قرابةٌ مستفاده. كان يقال:ما شئٌ أسرع في فساد رجل وصلاحه من صاحبه. ذكر الرياشي،عن الأصمعى،قال:ما رأيت شعراً أشبه بالسنة من قول عديّ بن زيد: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكلّ قرين بالمقارن مقتدى وصاحب أولى التّقوى تنل من تقاهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الرّدى وقال أبو العتاهية: من ذا الذي يخفي عليك ... إذا نظرت إلى قرينه قال الخوارزمي: لا تصحب الكسلان في حاجاته ... كم صالحٍ بفساد آخر يفسد عدوي البليد إلى الجليد سريعةٌ ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد كان سفيان بن عيينة يتمثل: لكلّ امرئٍ شكلٌ يقرّ بعينه ... وقرة عين الفسل أن يصحب الفسلا وقال صالح بن جناح: وصاحب إذا صاحبت حراً مبرّزا ... يزين ويزرى بالفتى قرناؤه وقال سهل الوراق: تخيّر قريناً لا يعيب فإنّه ... يقاس لعمري بالقرين قرينه وشرّ خدين قاطعٌ لخدينه ... إذا حاد يوماً عن هواه خدينه وقال آخر: إن النّديم وإن الكأس صيّرني ... كما تراني سليب العقل والدين قالوا: من أراد أن يدوم له ودّ أخيه،فلا يمازحه، ولا يعده موعداً فيخلفه. أوصى رجلٌ ابنه فقال: يابنىّ! اصحب من إذا غبت عنه خلفك، وإن حضرت كنفك، وإن لقي صديقك استزاده لك، وإن لقي عدوّك كفّه عنك. وقال بعضهم: لا تؤاخ شاعراً، فإنه يمدحك بثمن، ويهجوك مجاناً. لابن أخي زرّ بن حبيش: وما استخبأت في رجل خبيئاً ... كدين الصّدق أو حسب عتيق كان من كلام خالد بن صفوان: اصحب من إن صحبته زانك، وإن خدمته صانك، وإن أصابتك فاقة مانك، وإن رأى حسنة عدها، وإن رأىسيئة كتمها وسترها، لا تخاف بوائقه، ولاتختلف طرائقه. قال أبو العتاهية: لك الخير إنّي ناصحٌ لك فاسمع ... طمعت من الإنسان في غير مطمع طمعت من الإنسان في صفو ودّه ... ألا ليس يصفو ذو طبائع أربع خذ العفو من كلّ امرىءٍ سمت ودّه ... وإن ضاق عما سمته فتوسع ولأبي العتاهية أيضاً: ياربّ خدن كنت آمن غيبه ... أصبحت تنطف في يديه جراحي سلحته ليردّ بأس عدوّه ... فعدا علىّ فبزّني بسلاحي وقال العاقولي: من يكرم الناس يكرموه ... ومن يهنهم يجد هوانا ومن يقل عثرة يقلها ... ومن يعن لم يزل معانا كان أخا صاحباً زمانا ... فمال عن وصلنا وخانا تاه علينا،وصدّ عنّا ... فما نراه ولا يرانا وقيل لخالد بن صفوان:أيّ إخوانك أحب إليك؟ قال:الذّي يغفر زللي،ويقبل عللي،ويسدّ خللي. قال المأمون:الإخوان على ثلاث طبقات:فإخوان كالغذاء لا يستغنى عنهم أبدا،وهم إخوان الصّفاء، وإخوان كالدواء يحتاج إليهم في بعض الأوقات،وهم الفقهاء،وإخوان كالدّاء لا يحتاج إليهم أبدا، وهم أهل الملق والنفاق لا خير فيهم. قال علي بن أبي طالب ﵁: اصحب من ينسى معروفه عندك،ويذكر حقوقك عليه.

стр. 152

كان ابن عيينه ماشياً بمكة مع بعض إخوانه، فنظر فإذا أحداث يتبعونه،فقال له: انظر من صار جلاّسى اليوم بعد ثمانين سنة ... لقد كنت ابن عشرين سنة وما كنت أجالس أبناء العشرين،وإنما كنت أجالس الشيوخ والكهول، ألم تسمع إلى قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة؟ قلت: لا. قال: قال عبيد الله: ألا أبلغا عني عراك بن مالك ... فإن أنتما لم تفعلا فأبا بكر ويروى: ولا تدعا أن تثنيا بأبي بكر فكيف تلومان ابن سبعين حجةً ... على ما أتى وهو ابن عشرين أو عشر وقال آخر: ابن لي فكن مثلي، أو ابتغ صاحباً ... كمثلك إني مبتغ صاحباً مثلي ولا يلبث الإخوان أن يتفرقوا ... إذا لم يؤلف روح شكل إلى شكل قيل لبعض المدنين:أي الهى أغلب؟ قال: هوى متشاكلين. ولعبد الصمد بن المعذل: الناس أشكال فكل امرئ ... يعرفه الناس بمنتابه لا تسألن المرء عن حاله ... ما أشبه المرء بأصحابه وقال أبو الأسود الدؤلي: لكل امرىءٍ شكل من الناس مثله ... وكل امرىء يهوى إلى من يشاكله ومالك بدٌ من نزيل فلا تكن ... نزيلاً لمن يسعى به من ينازله وإن أنت نازلت الكريم فلاقه ... بما أنت من أهل المروءة قائله وإن أنت نازلت اللئيم فكن فتىً ... تزايله في فعله وتحامله إذا لم تداخل عزَّ من كان ذا حجاً ... وعزمٍ وحزم لم تجد من تداخله وما الناس إلا بالأصول فإنما ... يثبت أعلى كل بيتٍ أسفله وقال جرير: وإني لأستحي أخي أن أرى له ... على من الحق الذي لا يرى ليا وفي هذا الشعر يقول جرير: ألا تخافا نبوتي في ملمة ... وخاف المنايا أن تفوتكما بيا تعرضت فاستمررت من دون حاجتي ... فحالك إني مستمرٌ لحاليا وإني مغرور أعلل بالمنى ... ليالي أرجو أن مالك ماليا فأنت أخي ما لم تكن لي حاجةٌ ... فإن عرصت أيقنت ألا أخا ليا وهذا البيت من شعر جرير هذا قد أدخله عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فيأبياته التي يقول فيها، فلا أدرى من تقدم صاحبه إليه: رأيت فضلاً كان شيئاً ملففاً ... فكشفه التمحيص حتى بدا ليا فأنت أخي ما لم تكن لي حاجةٌ ... فإن عرضت أيقنت ألا أخا ليا فلا زاد ما بيني وبينك بعدما ... بلوتك في الحاجات إلا تنائيا ولست براء عيب ذي الود كله ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا فعين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ ... ولكن عين السخط تبدي الساويا كلانا غنى عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا وقد أدخل بعضهم في هذه الأبيات بيتين، وهما: ولست بهياب لمن لايهابني ... ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا متى تدن مني تدن منك مودتي ... وإن تنأ عني تلفني عنك نائيا وقال روح أبو همام: فعين السخط تظهر كل عيبٍ ... وعين أخو الرضا عن ذاك تعمى وقال معن بن أوس: إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كفٍ تبدِّل كتب ابن عمار إلى برجوان كتاباً فيه قول الشاعر: ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدل فدعا برجوان شاعراً كان قد استخصه يعرف بابن أعين، وقال له:أجب عن هذا البيت، فقال: وما زلت أهدى النصح حتى اطَّرحته ... وأقبلت عن سبل الهداية تعدل فهبك يميني استخبثت فقطعتها ... لتسلم لي نفسي أم الهلك أجمل وهذا المعنى مأخوذ من قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: ألم تر أن المرء تدوى يمينه ... فيقطعها عمداً ليسلم سائره فكيف تراه بعد يمناه فاعلاً ... بما ليس منه حين تدوى سرائره

стр. 153

أنشدني أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان، قال: أنشدنا أبو محمد قاسم ابن أصبغ، قال: أنشدنا أبو بكر بن أبي خيئمة لأبي الشيص محمد بن عبد الله ابن رزين: صاحبً كان لي وكنت له ... أشفق من والدٍ على ولدٍ كنا كساق تسعى بها قدمٌ ... أو كذراع نيطت إلى عضد وكان لي مؤنساً وكنت له ... ليست بنا حاجةٌ إلى أحد حتى إذا حلت الحوادث من ... ساحتي وحل الزمان من عقدي احول عني وكان ينظر منعيني ويرمي بساعدي ويدي حتى إذا استرفدت يدي يدهكنت كمسترفدٍ يد الأسد وقال آخر: واني لأستحي أخي أن أبره ... قريباً وأن أجفوه وهو بعيد وقال آخر: قلت للفرقدين إذ طال ليلي ... وهما في السماء مقترنان ابقيا كيف شئتما عن قليل ... سوف تطوى السما وتفترقان قيل لأعرابي: لم قطعت أخاك من أبيك؟ فقال: إني لأقطع الفاسد من جسدي الذي هو أقرب إلي من أبي وأمي وأعز فقدا. وقال آخر: لا تهني بعد أن أكرمتني ... فشديدٌ عادةٌ منتزعته وقال آخر: وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان وقال آخر: لن يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليلٌ يكر عليهم ونهار وقال محمد بن أبي حازم الباهلي: لم يكن من شكلي ففارقته ... والناس أشكالٌ وألاف وقال ابن الرومي: " وبعض السجايا ينتمين إلى بعض " قال حبيب: ولن تنظم العقد الكعاب لزينةٍ ... كما ينظم الشّمل الشتيت الشمائل وقال المساحقي: تزهّدني في ودّك ابن مسافع ... مودتك الأرذل دون ذوي الفضل وأن شرار الناس سادوا خيالاهم ... زمانك إن الرّذل للزمن الرّذل قال أكثم بن صيفي: أحقّ من يشر كك في شر كاؤك في المكاره. أخذه دعبل فقال، ويروي لحبيب: وإن أولى البرايا أن تواسيه ... عند السّرور لمن واساك في الحزن إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن وقال آخر: إذا ماخليلي أسا مرّةً ... وقد كان من قبلها مجملا شكرت المقدّم من فعله ... ولم يفسد الآخر الأوّلا وقال امرؤ القيس بن عانس الكندي: إني بحبلك واصلٌ حبلي ... وبريش نبلك رائشٌ نبلي وشمائلي ما قد علمت وما ... نبحت كلا بك طارقاً مثلي قال عبيد: لا ألقينّك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زوّدتني زادي الخير أبقي وإن طال الزمان به ... والشّرّ أخبث ما أوعيت من زاد قال آخر: وإذا تكون عظيمةٌ أدعي لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب وقال آخر: إذا كنت تأتي المرء تعرف حقّه ... ويحمل منك الحقّ فالتّرك أجمل وفي البعد منجاة وفي الصرم راحةٌ ... وفي الأرض عمن لا يواتيك مرحل وقال آخر: له حقٌ وليس عليه حقٌ ... ومهما قال فالحسن الجميل وقد كان الرسول يرى حقوقاً ... عليه لأهلها وهو الرسول قال آخر: وددتك لما كان ودّك خالصاً ... وأعرضت لما صار نهباً مقسّماً ولن يلبث الحوض الجديد بناؤه ... على كره الورّاد أن يتهدّما وقال إبراهيم بن العباس الصولى: نعم الزمان زماني ... والشّان في إخواني ممن رماني لمّا ... رأى الزمان رماني لو قيل لي خذ أماناً ... من أعظم الحدثان لما أخذت أماناً ... إلا من الإخوان وقال أيضاً: وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عوانا وكنت أذمّ إليك الزمان ... فأصبحت فيك أذم الزمانا وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا وقال آخر وهو كثيّر عزّة: خير إخوانك المشالاك في المرّ ... وأين الشريك في المرّ أينا

стр. 154

الذي إن حضرت زانك في الحيّ ... وإن غبت كان أذناً وعينا أنت في معشر إذا غبت عنهم ... بدّلوا كل ما يزينك شينا وإذا ما حضرت قالوا جميعاً: ... أنت من أكرم العباد علينا وقال آخر: لحا الله وصلا إن تغيبت ساعة ... فأنت وأقصى الناس فيه سواء وخلاّ إذا لم تأته بهديةٍ ... بدت لك منه غفلةٌ وجفاء وقال المثقب العبدي: تواعدني مواعد كاذبات ... تمرّ بها رياح الصيف دوني فإما أن تكون أخي بحقّ ... فيعرف منك غثّى من سميني وإلا فاطّرحني واتخذني ... عدوّا أتقيك وتتقيني فإني لو تعاندني شمالي ... عنادك ما وصلت بها يميني إذا لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك أجتوى من يجتويني وقال آخر: أفّا وتفّا لمن مودّته ... إن زلت عنه سويعةً زالت إن مالت الريح هكذا وكذا ... مال مع الريح حيثما مالت وقال صالح بن عبد القدّوس: قل الذي لست أدري من تلوّنه ... أناصحٌ أم على غشّ يداجيني إني لأكثر مما سميتني عجباً ... يد تشجّ وأخرى منك تأسوني تغتابني عند أقوامٍ وتمدحني ... في آخرين،وكلّ عنك يأتيني هذان أمران شتّى البون بينهما ... فاكفف لسانك عن ذمي وتزييني لو كنت أعلم منك الودّ هان إذاً ... عليّ بعض الذي أصبحت توليني لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني أرضي عن المرء ما أصفى مودّته ... وليس شئ من البغضاء يرضيني والله لو كرهت كفّى مصاحبتي ... لقلت إذ كرهت قربي لها بيني ثم انثنيت على الأخرى فقلت لها: ... إن تسنديني وإلا مثلها كمني لا أبتغي ودّ من يبغي مقاطعتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني إنّي كذاك إذا أمر تعرّض لي ... خشيت منه على دنياي أو ديني خرجت منه وعرضني ما أدنّسه ... ولم أقم غرضاً للنّذل يرميني ربّ امرئ أجنبيّ عن ملاطفتي ... محض المودّة في البلوى يواسيني وملطفٍ بي مدارٍ ذي مكاشرة ... مغض على وغرٍ في الصدر مكنون ليس الصّديق الذي تخشى بوادره ... ولا العدو على حال بمأمون وقال آخر: لسانك معسولٌ ونفسك شحّةٌ ... ودون الثريا من صديقك مالكا وقال آخر: بنو عبسٍ أشدّ الناس بغضاً ... لنا وأشدهم بغضا إلينا فلا تقبل شهادتنا عليهم ... ولا تقبل شهادتهم علينا قال لقمان لابنه:ثلاثةٌ لا يعرفون إلاّ في ثلاثة مواطن:لا يعرف الحليم إلا عند الغضب،ولا الشجاع إلاّ عند الحرب،ولا الأخ إلا عند الحاجة. قال بعض الحكماء:الإخوان بمنزلة النار،قليلها متاع،وكثيرها بوار،فلا تسرّنّ بكثرة الإخوان إذا لم يكونوا أخياراً. قال أسماء بن خارجة:إذا قدمت المودة سمج الثناء. قال أبو العتاهية: انت ما استغنيت عن صاحبك ... الدهر أخوه فإذا أحتجت إليه ... ساعةً مجك فوه لو رأى الناس نبياً ... سائلاً ما رحموه وقال سويد منجوف: فأبلغ مصعبا عني رسولا ... وهل تجد النصيح بكل واد تعلّم أن أكثر من تناجي ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي وقال آخر: لعمرك ما ودّ اللّسان بنافع ... إذا لم يكن أصل المودّة في القلب كان يقال:تناس مساوئ الإخوان،يدم لك ودّهم. وقال آخر: يا غارساً الكروم ... بجهله وسط السبّاخ ومحضناً بيض القطا ... تحت الحد الرجا الفراخ إن الذين تودّهم ... هم ناصبو شبك الفخاخ ذهب الزّمان بأهله ... فانظر لنفسك من تؤاخ وقال عبدة بن الطّيب:

стр. 155

إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفش صداع رءوسهم أن تصرعوا فضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضباب صدورهم ما تنزع لا تأمنوا قوماً يشبّ صبيهم ... بين الوابل بالعداوة يرضع قال لقمان لابنه:يا بني! إياك وصاحب السوء،فإنه كالسيف المسلول،يعجبك منظره،ويقبح أثره. قال المثقّب العبدي: وصاحب السّوء كالدّاء العياء إذا ... ما ارفض في الجوف يجري هاهنا وهنا ينبي ويخبر عن عورات صاحبه ... وما رأى عنده من صالحٍ دفنا كمهر سوءٍ إذا رفعّت سيرته ... رام الجماح وان أخفضته حرنا إن يحي ذاك فكن منه بمعزلةٍ ... أو مات ذاك فلا تقرب له جننا ولقعنب بن أم صاحب،وهو قعنب بن حمزه،أحد بني عبد الله بن غطفان، يهجو بني ضبة حيّ من غطفان: صمّ إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا فطانة فطنوها لو تكون لهم ... مروءةٌ أو تقًى لله ما فطنوا إن يسمعوا سيئاً طاروا به فرحاً ... منّي،وما سمعوا من صالحٍ دفنوا جهلا علينا وجبناً عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن فلن يراجع ودّى ودهم أبنا ... وكنت من بغضهم مثل الذي زكنوا روى عن معاذ بن جبل، وقد رفعه بعضهم، قال: إذا أحببت أخاً في الله فلا تماره ولا تساره عنه أحداً، فربما صادفت له عدوّا فأخبرك بما ليس فيه، فحال بينك وبينه. قال أبو الأسود الدؤلى: وصله ما استقام الوصل منه ... ولا تسمع به قيلاً وقالا قال محمود الوراق: لست ممن يماذق الصاحب ال ... ود إذا أظهر الجفاء الصريحا أنا أنهاه ما استطعت فإن لجّ ... أعرت الفؤاد يأسا مريحا غير أني على القطيعة لا أظ ... هر هجراً ولا أقول قبيحا باب العتاب قال عمر بن الخطاب ﵁: أعقل الناس أعذرهم لهم. قال الأحنف: العتاب مفتاح التّقالى، والعتاب قرين الحقد. وعن الأصمعيّ قال: قال أعرابي: عاتب من ترجو رجوعه. قال بعض الحكماء: العتاب علامة الوفاء، وسلاح الأكفاء، وحاصد الجفاء. قال العتابي: ظاهر العتاب خير من مكنون الحق، وضربة الناصح خير من محبة الشّاني. قال بعض الحكماء: من كثر حقده قلّ عتابه. قال محمد بن داود: من لم يعاتب على الزلة، فليس بحافظٍ للخلّه. قال أسماء بن خارجة الإكثار من العتاب، داعية إلى الملال. قيل لبعض الأعراب: من الأديب العاقل؟ قال: الفطن المتغافل. قال بعض الأدباء: من أحب أن يسلم له صديقه، فليقبل عذره، وليقل عتابه، فإن العتاب يجرّ الملال. قال غيره: العتاب مفتاح القطيعة. قال عمرو بن بحر العتاب رائد الإنصاف وشفيع المودة، ويد للمحافظة. أنشدنا الرّياشي،وهي لهشام الرقاشي:؟ أبلغ أبا مسمع عني مغلغلةً وفي العتاب حياةٌ بين أقوام قدّمت فبلي رجالا لم يكن لهم ... في الحق أن يلجوا الأبواب قدّامي لو عدّ قبرٌ كنت أمرمهم ... قبراً وأبعدهم من منزل الذّام وقال عبيد الله بن طاهر:؟ أعاتب من يحلو بقلبي عتابه وأترك من لا أشتهينلا أعاتبه وقال آخر:؟ وليس عتاب المرء للمرء نافعاً إذا لم يكن للمرء لبّ يعاتبه وقال آخر:؟ أعلتب من أحببت في كلّ زلّةٍ ليحتمى الأمر الذي معه العتب فإني أرى التأديب عند وجوبه ... بمنزلة الغيث الذي قبله الجدب وقال على بن الجهم:؟ أعاتب ذا المودّة من صديق إذا ما رابني منه اجتناب إذا ذهب العتاب فليس ودٌّ ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب وقال آخر: لولا محبتكم لما عاتبتكم ... ولكنّم عندي كبعض الناس وقال نصر بن أحمد:؟ وتعاتب الإخوان فيما بينهم بعثٌ على الإجلال والإكرام لولا اعترافي باعترافك في الذي ... تأتي وتترك ما أتاك ملاميوهذا يشبه قول البحتري: ؟ أبا حسن ما كان عتبيك دونهم لواحدةٍ إلاّ لأنك تفهم وقال نصر بن أحمد:

стр. 156

؟ إن كان لفظي كريها فاصطبر فعلى كره العلاج يصحّ الله أبدانا لولا العوارض ما طاب العتاب لنا ... لولا قصارتنا للثوب ما زانا إني أعاتب إخواني وهم ثقتي ... طوراً وقد تصقل الأسياف أحيانا هي الذنوب إذا ما كشفت درست ... من القلوب وإلا صرن أضغانا وقال ابن وكيع:؟ عتابي أخي في كل ذنب أتى به مخوفٌ على حال الأخوة في الودّ ولست أرى وجهاً لترك عتابه ... على ما جني إذ كان خيراً من الحقد وقال ابن بسّام:؟ عاتب أخاك إذا هفا واعطف بودّك واستعده وإذا أتاك بغيبه ... واشٍ فقل لم يعتمده من ناقش الإخوان لم ... يبد العتاب ولم يعده وقال محمد بن أبي حازم:؟ خلّ عنك العتاب إن خان ذو الودّ أو هفا عين من لا يحب وص ... لك تبدي لك الجفا وقال بشار العقلي:؟ إذا كنت في كلّ الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه إذا أنت لم تسرب مراراً على القذى ... ظمئت وأى الناس تصفو مشاربه وقال آخر:؟ البس الناس ما استطعت على النّقص وإلاّ لم تستقم لك خلّه عش وحيداً إن كنت لا تقبل العذ ... ر وإن كنت لا تجاوز زلّة وقال آخر: خذ من صديقك ما صفا ... لك لا تكن جمّ المعايب إن الكثير عتابه ال ... إخوان ليس لهم بصاحب وقال أحمد بن يوسف: رأيتك لا تميل إلى صوابٍ ... ولا ترضى الصواب من الجواب وتركك ما يريبك في كثيرٍ ... أحفّ عليك من طول العتاب ولعبيد الله بن عبد الله بن طاهر: خليليّ لو كان الزمان مساعدي ... وعاتبتماني لم يضق عنكما صدري فأمّا إذا كان الزمان معاندي ... فما لكما أن تؤذياني مع الدهر وقال آخر: إن الظّنين من الإخوان يبرمه ... طول العتاب وتغنيه المعاذير وذو الصفاء إذا مسته معتبةٌ ... كانت له عظةٌ منها وتذكير وهذا قول مميّز منصف، حكم فعدل وشرح فأوضح. أنشد نفطويه: وكم من ملين لم يصب بملامةٍ ... ومتّبع بالذّنب ليس له ذنب وكم من محبّ صد من غير بغضة ... وان لم يكن في ودّ خلته عتب وقال أبو العباس الناشئ: وليست معاتبا خلاّ لأبي ... رأيت العتب يغري بالعقوق ولو أني أوقف لي صديقاً ... على ذنبٍ بقيت بلا صديق وله: إني ليهجرني الصديق تجنّباً ... فأريه أن لهجره أسبابا وأخاف إن عاتبته اغريته ... فأرى له ترك العتاب عتابا وقال آخر: عتبت علىّ ولا ذنب لي ... بما الذنب فيه بلا شك لك وحاذرت لومي فبادرتني ... إلى اللّوم من قبل أن أدّرك فكنّا كما قيل فيما مضى ... خذ اللّص من قبل أن يأخذك باب الثّقلاء والطفيليين سئل جعفر بن محمد عن المؤمن،هل يكون بغيضاً؟ قال:لا يكون بغيضاً،ولكن يكون ثقيلا. قال سفيان بن عيينة:قلت لأيوب السّختياني:لم لم تكتب عن طاووس؟ قال:أتيته فوجدته بين ثقلين،عبد الكريم بن أبي الخارق،وليث بن أبي سليم. قال الحسن البصري،في قوله : " فإذا طعمتم فانتشروا " نقال:نزلت في الثقلاء. وقال السّري:ذكر الله تعالى الثقلاء في القرآن،في قوله: " فإذا طعمتم فانتشروا ". وقال أبو أسامة:كنا عند الأعمش،فجاء زائدة بن قدامة،فقال الأعمش حين رآه: وما الفيل تحمله ميتّاً ... بأثقل من بعض جلاّسنا كان أبو هريرة إذا استثقل رجلا،قال اللهم اغفر لنا وله،وأرحنا منه. رواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه،عن أبي هريرة. كان حمّاد بن سلمة إذا رأى من يستثلقه،قال: " ربنّا اكشف عناّ العذاب إنّا مؤمنون ". وعن حمّاد بن سلمة أيضاً،أنه قال:الصوم في البستان من الثقل. كان يقال. مجالسة الثقيل حمّى الروح.

стр. 157

قيل لأبي عمرو الشيباني:لأيّ شئ يكون الثقيل أثقل على الإنسان من الحمل الثقيل؟ فقال: لأن الثقيل يقعد على القلب، والقلب لا يحتمل ما يحتمل الرأس والبدن من الثقل. كان فلاسفة الهند يقولون: النظر إلى الثقيل يورث موت الفجأة. قال ثقيل لمريض: ما تشتهي؟ قال: أشتهي ألا أراك. مرض الأعمش فعاده أبو حنيفة، فقال: يا أبا محمد! لولا أنه يثقل عليك،لعدتك كل يوم. فقال الأعمش: والله إنك على لّثقيل وأنت في بيتك، فكيف إذا عدتني؟ قال معمر: ما بقي من لذّات إلاّ ثلاثة: محادثة الإخوان، وحكّ الجرب،والوقعة في الثقلاء، وهي أفضل الثلاث. وقال عبد الرزّاق عن معمر، قال: ما بقي من لذّات الدنيا إلاّ ثلاثة:محادثة الإخوان، وأكل القديد، وحكّ الجرب. وأزيدكم واحدة: الوقيعة في الثقلاء، وأنشد: ليتني كنت ساعةً ملك المو ... ت فأفني الثّقال حتى يبيدوا قال: وسمعت معمرا يقول: رحم الله عبد الكريم أبا أمية، إن كان لثقيلا غير ثقة. قيل لأبي النضر: لم تكثر عن شعبة؟ قال: كان يستثقلني، وكنت أهلا لذالك. قال أبو هفان: مشتمل بالبغض لا تنشني ... إليه طوعاً مقلة الرّمق يظل في مجلسنا قاعداً ... أثقل من واشٍ على عاشق كان الأعمش إذا قام من مجلسه ثقيل يتمثل: إن غاب عنك ثقيل كلّ قبيلةٍ ... ممن يشوب حديثه بمراء فهناك طاب لك الحديث وإنما ... طيب الحديث بخفة الجلساء وقال آخر: إني أجالس معشراً ... نوكى أخفّهم ثقيل قوم إذا جالستم ... صدئت بقربهم العقول لا يفقهون مقالتي ... ويدقّ عنهم ما أقول وقال آخر: إذا جلس الثقيل إليك يوماً ... أتتك عقوبة من كل باب فهل لك يا ثقيل إلى خصالٍ ... تنال ببعضها كرم المآب إلى مالي فتأخذه جميعاً ... أحلّ لديك من ماء السّحاب وتنتف لحيتي وتدقّ أنفي ... وما في فيّ من ضرس وناب على ألاّ أراك ولا تراني ... مقاطعةً إلى يوم الحساب كان يقال:مجالسة الثقيل عذابٌ وبيل. قال عبد الأعلى بن مسهر: كان نقش خاتم أبي: " أبرمت فقم " فكان إذا استثقل جليسه ناوله خاتمه ليقرأنقشه. وهذا الخبر رواه أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر، قال: قال لي هشام بن يحيى:كان نقش خاتم أبيك ... فذكر الخبر. سلم ثقيل على إبراهيم بن عبد الله القارئ صاحب هارون، فقال له: يا هذا! قد والله بلغت منى غاية الأذى، أسلفنى سلام شهر وأرحنى منك. قال معمر: كنت جالساً مع سماك بن الفضل في مجلس بصنعاء، فدخل علينا صاحبٌ له ثقيل فلمّا جلس قال لي سماك: يا معمر! تعال حتى ندعو على كل ثقيل بصنعاء. قال الشاعر: أنت يا هذا ثقيل ... وثقيلٌ وثقيل أنت في المنظر إنسا ... نٌ وفي الميزان فيل وقال ابن أبي أمية: شهدت الرقاشى في مجلس ... وكان إلى بغيضاً مقيتا قال: اقترح بعض ما تشتهي ... فقلت: اقترحت عليك السكوتا فقال أبو حازم: عود نفسك الصبر الجليس والسوء، فإنه لا يكاد يخطئك. قال الهيثم بن عدّى: كنت يوماً عند مسعر بن كدام، فأتاه رقبة بن مصقلة العبدى، فقال له معسر: مالك يا ابن مصقلة؟ قال: صريع فالوذج. قال: وأين؟ قال: عند من قضى أبوه في الجماعة، وحكمّ في الفرقة. دعانا الوليد بن الحارث بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، فأتينا بخوان كجوبة من الأرض، وأتينا برقاق كأذان الفيلة، وجرجبرٍ كآذان المعزي، ثم أتينا بساكبة الماء كأن ظهرها ظهر طائرٍ قيراطيّ، ثم أتينا بفالوذج عديد، كأنّ الزئبق والجادى ينبعان من خلاله، يرى نقش الدرهم من تحته، فوضع على رأس حبّ فنحن على لذة من هذا وعلى يقين من ذلك. فقال له مسعر: أراك طفيفاً. فقال: يا أبا محمد! كل من ترى طفيلي إلا أنهم يتكاتمون، فو الله ما برحنا حتى طلع علينا الحارث من بعض أبواب المسجد يخطر بيديه، فقال رقبة: انظروا إلى هذا وكيف يمشى؟! لو كان أبوه جدع أنف عمرو بن العاص مازاد على هذا

стр. 158

قال له مسعر: أجل، قد مضى إلى لعنة الله وسقره. وقال حبيب بن أوس: يا من تبرمت الدّنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالسهد يمشى على الأرض مختالاً فأحسبه ... لبعض طلعته يمشى على كبدى وقال آخر: لخرط قتادة ولحمل فيل ... وماء البحر يغرف في زبيل وفك الماضغين وقلع ضرسٍ ... لأهون من مجالسة الثقيل ولأبي الحسن على بن العبّاس الرّومى: ولى أصدقاءٌ كثيرو السّلام ... علىّ وما فيهم نافع إذا أنا أدلجت في حاجة ... لها مطلبٌ نازخٌ شاسعٌ فلى أبداً معهمٌ وقفةٌ ... وتسليمةٌ وقتها ضائعٌ وفي موقف المرء عن حاجة ... يتممها شاغلٌ قاطع ترى كلّ غثٍّ كثير الفضول ... ومصحفه مصحفٌ جامع يقول الضمير إذا ما بدا: ... ألا قبّح الرجل الطالع يحدثنى من أحاديثه ... بمالا يلد به السامع أحاديث هن ّمثال الضريع ... فآكله أداً جائع غدوت وفي الوقت لى فسحةٌ ... فضاق بي المنهل الواسع تقدمت فاعتاقنى أسرة ... إلى أن تقدمنى التابع وقالت بلقيانه حاجتي: ... ألاهكذا النكد البارع أولئك لاحيهّم مؤنسٌ ... صديقاً ولا ميتهم فاجع دق طفيليٌّ دار قوم فيها طعامٌ،فقيل:من هذا؟ فقال:أنا الذي كفاكم مؤونة الرّسول. لطفيليّ: نحن قومٌ إذا دعينا أحببنا ... ومتى ننس يدعنا التطفيل فنقل:علّنا دعينا فغبنا ... أو أتانافلم يجدنا الرّسول دخل طفيليٌّ دار قوم بغير إذن،فاشتد عليه صاحب الدار في القول،فأغلظ له الطفيلي في الجواب،وقال:والله لئن قمت لأدخلنّك من حيث خرجت. فقال له صاحب المنزل:أما أنا فأخرجك من حيث دخلت. وأخذ بيده فأخرجه. قيل لبعض الطفيليين:كم اثنين في اثنين؟ قالكأربعة أرغفة. قال مطرّف بن مازن،قاضي اليمن: قال لي الرشيد يوماً: من عبد الرزاق ابن همام الصنعاني؟ فقلت: رجل من أهل الحديث، سليم الحديث ثقة. فقال: إن صاحب خبرنا في اليمن كتب يذكر أنه كتب ثقلاء اليمن. فقلت: صدق يا أمير المؤمنين فكتبني فيهم. قال: ولم كتبك فيهم؟ إنك لحسن الحديث خفيف المجلس، فما أستثقل منك؟ قلت: عظم قلنسوتي، وطول عنقي بغلتي. فضحك هرون، فما خرجت من عنده حتى أمر لي بكسوة وحملان. ولطفيلي: كل يومٍ أدور في عرصة الحي ... أشم القتار شم الذباب فإذا ما رأيت نار عروسٍ ... أو ختاناً أو دعوةً لصحاب لم أعرج دون التقحم لا أره ... ب شتماً ووكزة البواب مستخفا بمن دخلت عليهم ... غير مستأذنٍ ولا هياب فتراني ألف بالرغم منهم ... كلَّ ما قدموا كلفِّ العقاب ذاك أهنا من الغر ... م وغيظ البقال والقصاب كان يقال: ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم: الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها، والمتآمر على ربّ البيت ... وقد ذكرنا الحكاية بتمامها في جامع النوادرمن هذا الكتاب. باب الشماتة قال الله حاكيا عن موسى ﵇: " فلا تشمت بي الأعداء،ولا تجعلني مع القوم الظالمين ". وقيل لأيوب ﵇: أي شيء من بلائك كان أشد عليك؟ شماتة الأعداء. قال ابن الكلبي: لما مات رسول الله ﷺ ، شمتت به نساء كندة وحضرموت، وخضبن أيديهن، وأظهرن السرور لموته، وضربن بالدفوف، فقال شاعر منهم: أبلغ أبا بكر إذا ما جئته ... أن البغايا رمن شرَّ مرام أظهرن من موت النبي شماتة ... وخضبن أيديهن بالعنام فاقطع هديت أكفهن بصارمٍ ... كالبرق أو مض في متون غمام قال النبي ﵇: " لا تظهر الشماتة لأخيك، فيعافيه الله ويبتليك " من منتقى الدعاء: اللهم اجعل رزقي رغدا، ولا تشمت بي أحداً.

стр. 159

ومن دعائه ﷺ : " اللهم إني أعوذ بك من درك الشقاء، ومن جهد البلاء، ومن شماتة الأعداء ". قال عدي بن زيد العبادي: أيها الشامت المعير بالده ... ر أأنت المرأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأيام ... بل أنت جاهلٌ مغرور من رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من ألاَّ يضام خفير وقال أبو ذؤيب: وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت أشهب بن عبد العزيز يدعو على محمد ابن إدريس الشافعي بالموت، أظنه قال في سجوده، فذكرت ذلك للشافعي ﵀، فتثمل: تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيلٌ لست فيها بأوحد فقل للذي يبغى خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد قال محمد: فمات الشافعي ﵀، واشترى أشهب من تركته مملوكاً، ثم مات أشهب بعده بنحو من شهر، أو قال: خمسة عشر يوماً أو ثمانية عشريوماً، واشتريت أنا ذلك المملوك من تركة أشهب، والبيتان الذي تمثل بهماالشافعي لطرفة. قال مهلهل: كأن الشامتين بقبر جدي ... على ملك الخورنق والسدير كأن رماحنا فينا وفيهم ... إذا ما أشرعت أشطان بير وقال العلاء بن قرظة، خال الفرزدق: إذا ما الدهر جرَّ على أناسٍ ... حوادثه أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا وقال نصيب: أتصر منى عند الألى هم لنا العدا ... فتشمتهم بي أم تدوم على العهد وقال عدىّ بن زيد، وتمثل به معاوية عند موته: فهل من خالدإما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس عار عبد الله بن أبي عيينة: كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الحساد وقال منصور الفقيه: يا من يسر بموتي ... إذا أتاه البشير إن البشير بموتي ... فلا تسر نذير واسمع فما أنت ممن ... تخفى عليه الأمور أليس من كان مثلي ... إلى مصيري يصير وله: أيها المظهر الشما ... تة إن مت قبله عن قليلٍ يصير مث ... لي من كنت مثله وله: يا شامتين بمصرعي ... اليوم لي ولكم غد وله: يا شامتاً بي إن هلكت ... لكل حيٍ مدى ووقت وللمنايا وإن تراخت ... في السير يا ذا الشمات بغت وأنت في قبضة الليالي ... تخاف منها الذي أمنت والكأس ملأى فعن قريبٍ ... تشرب منها كما شربت وقال أيضاً: ما بين يوم المهنيات ... وبين يوم المعزيات وإن توهمته طويلا ... إلا كما بين ها وهات ومما ينسب لابن المبارك وليست له وإنما هي للمبارك الطبري: لولا شماتة أعداء ذوي حسدٍ ... أو اغتمام صديق كان يرجوني لما طلبت من الدنيا مراتبها ... ولا بذلت لها عرضي ولا ديني وقال آخر: فمن يك عني سائلا لشماتةٍ ... بما نالني أو شامتاً غير سائل فقد أبرزت مني الخطوب ابن حرةٍ ... صبوراً على ضراء تلك الزلازل إذا سرّ لم يفرح وليس لنكبةٍ ... إذا نزلت بالخاشع المتضائل لأعرابي وقد أغير على إبله: الا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعداء ذوي إحن ما سرني أن إبلي في مباركها ... وأن شيئاً قضاه الله لم يكن باب مؤاخاة من ليس على دينك قال رسول الله ﷺ : " المرء على دين خليله، فلينظر امرؤ من يخالل ". وهذا معناه والله أعلم أن المرء يعتاد ما يراه من أفعال من صحبه، والدين العادة، فلهذا أمر ألا يصحب إلا من يرى منه ما يحلّ ويجمل، فإن الخير عادة. وفي معنى هذا الحديث قول عديّ بن زيد: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتدي

стр. 160

وقول أبي العتاهية: من ذا الذي يخفى علي ... ك إذا نظرت إلى خدينه وهذا كثير جداً، والمعنى في ذلك: ألا يخالط الإنسان من يحمله على غير ما يحمد من الأفعال والمذاهب، وأما من يومن منه ذلك فلا حرج في صحبته. قال ابن عباس: لو قال لي فرعون خيراً لرددت عليه مقاله. قال الله : " وإذا حييتم بتحيةٍ فحيوا بأحسن منها أو ردوها " وجاء في التفسير: أحسن منها لأهل الإسلام، أو ردوها لأهل الذمة. وقيل لسعيد بن جبير: المجوسي يوليني خيراً فأشكره؟ قال: نعم. قيل: فإن سلم علي أفأرد عليه؟ قال: نعم. وأما ما روي عن النبي ﷺ ، أنه قال في أهل الذمة: " لا تبدءوهم بالسلام،وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه " فقد قال بذلك طائفة من أهل العلم منهم مالك بن أنس ﵀. روى بشير بن عمر الزهراني، عن مالك، أنه كان يكره السلام على أهل الذمة كلهم. قال بشير: فقلت: أترى أن يبدءوا بالسلام؟ قال: معاذ الله أما سمعت قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوَّي وعدوكم أولياء ". وقال مالك: أكره مؤاكلة أهل الذمة، لأن المؤاملة توجب المودة. وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، أنهم كانوا يبدءون بالسلام كل من لقوه من مسلم أو ذمى. فالمعنى في ذلك، والله أعلم، أنه ليس بواجب أن يبدأ المسلم المار القاعد الذمىَّ، والراكب المسلم الذمى الماشي، كما يجب ذلك بالسنة على من كان على دينه، فإن فعل فلا حرج عليه. فكأنه قال ﷺ : " ليس عليكم أن تبدءوهم بالسلام " بديل ما روى الوليد بن مسلم عن عروة بن رويم، قال: رأيت أبا أمامة الباهلي يسلم على كل من لقي من مسلم وذمىّ، ويقول: هي تحيةٌ لأهل ملتنا، وأمان لأهل ذمتنا، واسم من أسماء الله نفشيه بيننا. ومحال أن يخالف أبو أمامة السنة، لو صحت في ذلك. بل المعنى على تأويلنا والله أعلم، وعلى هذا يصح تخريج هذه الأخبار ووجوهها. ذكر ابن أبي شبيب، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد الألهاني، وشرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة، أنه كان لا يمر بمسلمٍ ولا يهودي ولا بصراني إلا بدأه بالسلام. وروي عن ابن مسعود وأبي الدراء، وفضاله بن عبيد، أنهم كانوا يبدءون أهل الذمة بالسلام. وقال ابن مسعود: إن من التواضع أن تبدأ بالسلام كلَّ من لقيت. وعن ابن عباس، أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: السلام عليك. وسئل عبد الله بن وهب، صاحب مالك، عن غيبة النصراني، فقال: أو ليس من الناس؟ قالوا: بلى. قال: فإن الله يقول: " وقولوا للناس حسناً ". وقيل لمحمد بن كعب القرظي: إن عمر بن عبد العزيز سئل عن ابتداء أهل الذمة بالسلام فقال ترد عليهم ولا تبدؤهم. فقال محمد بن كعب: أما أنا فلا أرى بأساً أن تبدأهم بالسلام، قيل له: لم؟ فقال: لقوله : " فاصفح عنهم وقل سلام ". ومن حجة من ذهب إلى هذا قوله : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ". وذهب جماعة من العلماء إلى مثل ما ذهب إليه عمر بن عبد العزيز في ذلك. وروى ابن المبارك عن شريك عن أبي إسحاق، قال: كان يقال: من الحمق أن تؤاكل غير أهل دينك. قال أبو الطمحان الأسدي: كأن لم يكن بالقصر قصر مقاتل ... وزورة ظلٌ ناعمٌ وصديق وإني وإن كانوا نصارى أحبهم ... ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق ولبعضهم في مجوسي ساق عنه صداق امرأته، وهو الأقيشر الأسدي: شهدت عليك بطيب المشاش ... وأنك حرٌ جوادٌ خضم وأنك سيِّد أهل الجحيم ... إذا ما ترديت فيمن ظلم كفاني المجوسي مهر الرباب ... فدى للمجوسي خالٌ وعم روى إسماعيل بن إسحاق، قال: سمعت ابن أبي أويس، يقول: سئل مالك، أترى بأساً إذا أهدى اليهودي أو النصراني للمسلم أن يكافئه، فقال: معاذ الله وما للمسلم أن يقبل هديته حتى يكافئه. وقال آخر: وجدنا في اليهود رجال صدقٍ ... على ما كان من دينٍ يريب خليلان اكتسبتهما وإني ... لخلة ماجدٍ أبداً كسوب

стр. 161

للمريمي الشاعر، وهو القاسم بن يحيى، من ولد أبي مريم السلمى صاحب النبي ﵇، يخاطب أبا يعقوب إسحاق بن نصر الكاتب العبادي عند إسلام الوليد ابن أخيه، وكان إسحاق هذا كاتب أبي الجيش بن طولون صاحب مصر: تعزَّ فإنَّ الحرَّ لا بدَّ يخلق ... وكل امرئ للخير والشرِّ يخلق وما فرج الأيام إلا مواهبٌ ... فمن بين محرومٍ وآخر يرزق وما الحزم إلا أن ينزه نفسه ... فتىً كاد في بحرٍ من الهمِّ يغرق إذا لم يكن في ردِّ ما فات حيلة ... فإن الفتى بالصبر أحرى وأخلق أتاني غمٌ من سرورٍ سمعته ... فلا أنا مأسورٌ ولا أنا مطلق سررت بإسلام الوليد ديانةً ... وأقلقني علمي بأنك مقلق فقلبي به شطران جذلان واحدٌ ... وآخر محزونٌ من أجلك محرق أنار لكم فينا وأشرق كوكبٌ ... لنا مثله فيكم ينير ويشرق فكم راعنا من مسلمٍ متنصرٍ ... فهذا بهذا والسعيد الموفق لزيبا النصراني وكان يتشيع: عدىٌّ وتيم لا أحاول ذكركم ... بسوءٍ ولكني محبٌ لهاشم وما تعتريني في عليٍّ ورهطه ... إذا ذكروا في الله لومة لائم يقولون ما بال النصارى تحبهم ... وأهل النهى من أعرب وأعاجم فقلت لهم: إني لأحسب حبهم ... سرى في قلوب الخلق حتى البهائم وله أيضاً: على أمير المؤمنين خليفةٌ ... وما لسواه في الخلافة مطمع فلو كنت أبغى ملة غير ملتي ... لماكنت إلا مسلما أشيع باب الولد والوالد قال رجل لرسول الله ﷺ : من أب يا رسول الله؟ قال: " أمك قال: ثم من يا رسول الله؟ قال: أمك: ثم من؟ قال: أباك ثم أدناك " ومنهم من يرويه: أمك ثلاث مرات، والأول أثبت. وسئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ فقال: " الصلاة لوقتها وبر الوالدين ". وقال ﷺ : " البر والصلة وحسن الجوار، عمارة الديار وزيادة في الأعمار ". وقال الحسن: البر أن تطيعهما في كل ما أمراك به، ما لم تكن معصية الله،والعقوق هجرانهما،وأن تحرمهما خيرك. قال عروة في قوله تعالى: " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ". هو ألا يمنعهما من شيء أراده قال يزيد بن أبي حبيب: كان العلماء يقولون: حق الأم أعظم من حق الأب،ولكل حق. رأى ابن عمر رجلا يطوف بالبيت حاملا أمه، وهو يقول لها: أتريني جزيتك يا أمه؟ فقال ابن عمر: ولا طلقة واحدة، أو قال: ولا زفرة واحدة. وروى في الخبر المرفوع: " ما بر أباه من سدّد النظر إليه ". قال رسول الله ﷺ : " من أراد أن يصل أباه بعد موته، فليصل إخوان أبيه ". وقال ﷺ : " الود يتوارث، والبغض يتوارث ". وقال ﵇: " ثلاثٌ يطفئن نور العبد: أن يقطع ودّ أهل بيته، ويبدّل سنّة صالحة، ويرمي بصره في الحجرات ". قال رسول الله ﷺ : " لا يدخل الجنة عاقّ، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا مدمن سحر، ولا قتات ". للربيع بن ضبع: ألا أبلغ بنيِّ بني ربيع ... فأشرار البنين لكم فداء بأني قد كبرت ورقَّ جلدي ... فلا تشغلكم عنيِّ النِّساء إذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهرمه الشتاء وأما حين يذهب كل قُرٍ ... فسربالٌ خفيف أو رداء إذا بلغ الفتى مائتين عاماً ... فقد ذهب البشاشة والفتاء وسئل ابن عباس، عن رجل قتل امرأته وما توبته؟ قال: إن كان له أبوان فليبرهما ماداما حيين، فلعل الله أن يتجاوز عنه. وقد جاء عنه مثل ذلك في المرأة التي تعلمت السحر ثم جاءته تطلب التوبة. قال مكحول: بر الوالدين كفارة للكبائر. قال محمد بن المنكدر: بت أغمز رجل أمّي، وبات عمي يصلي ليلته، فما تسرني ليلته بليلتي. قال الشاعر في ابنه: يود الردى لي من سفاهة رأيه ... ولو متّ بانت للعدوّ مقاتله

стр. 162

إذا ما رآني مقبلاً غضّ طرفه ... كأن شعاع الشمس دوني يقابله ومثله: إذا أبصرتني أعرضت عنّي ... كأن الشمس من قبلي تدور ولعبد الله بن بكر السهمي: خالل خليل أخيك وارع إخاءه ... وعلم بأن أخا أخيك أخوكا وبنيك ثم بني بنيك فكن لهم ... براً فإنّ بني بنيك بنوكا والطف بجدك رحمةً وتعطفاً ... واعلم بأن أبا أبيك أبوكا روي عن ابن عباس أنه قال: إنما ردَّ الله عقوبة سليمان بن داود عن الهدهد لبره كان بأمه. رأى أبو هريرة رجلا يمشي خلف رجل، فقال: من هذا؟ فقال: أبي. قال: لا تدعه باسمه ولا تجلس قبله، ولا تمش أمامه. مكتوب في كتب الله : لا تقطع ما كان أبوك يصله فيطفأ نورك قال كعب: مكتوبٌ في التوراة، اتق ربك، وبرّ والديك، وصل رحمك، يمدّ لك في عمرك، وييسِّر لك يسرك، ويصرف عنك عسرك. والآثار في بر الوالدين كثيرة جداً، وقد نص الله في كتابه من خفض الجناح لهما، والحضّ على برهما ما يكفي. قال رسول الله ﷺ : " الولد الصالح من ريحان الجنة ". ونظر يوماً إلى الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، فقال: " إنكم لتجبنون وتبخلون، وإنكم لمن ريحان الجنة ". دخل عمرو بن العاص على معاوية، وعنده بنت له، فقال: ابعدها عنك ياأمير المؤمنين، فوالله ما علمت إلا أنهن يلدن الأعداء، ويقربن البعداء، ويورئن الضغائن. قال معاوية: لا تقل هذا ياعمر، فو الله ما مرض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعولّ على الأحزان مثلهن، ولربّ ابن أخت قد نفع خاله. قال محمد بن سليمان: البنون نعمٌ، والبنات حسنات، والله يحاسب على النعم، ويجازي على الحسنات. قال منصور الفقيه: لولا بناتي وسيّآتي ... لذبت شوقاً إلى الملمات لأنني في جوار قومٍ ... نغّصني قربهم حياتي وله أيضاً: أحبّ البنات،فحبّ البنات ... فرضٌ على كلّ نفسٍ كريمه لأن شعيباً لأجل البنات ... أخدمه الله موسى كليمه وقال آخر: لقد زاد الحياة إلىّ حبّاً ... بناتي إنّهن من الضعاف مخافة أن ين البؤس بعدي ... وأن يشربن رنقاً بعد صاف ولأبي محمد الحسن بن عبيدة الريحاني: حبذا من نعمة الل ... هـ البنات الصالحات هن للنسل وللأ ... نس وهن الشجرات وبإحسانٍ إليهنّ تكون البركات إنّما الأهلون أرضو ... ن لنا محترثات ٍفعلينا الزرع فيها ... وعلى الله النّبات كان لأبي حمزة الأعرابيّ زوجتان فولدت إحداهما ابنة،فعزّ عليه،واجتنبها وصار في بيت ضرتها إلى جنبها فأحست به يوماً في بيت صاحبتها،فجعلت ترقّص ابنتها الطفلة وتقول: ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظلّ في البيت الذي يلينا غضبان ألاّ نلد البنينا ... تا الله ما ذلك في أيدينا بل نحن كالأرض لزارعينا ... يلبث ما قد زرعوه فينا وإنما نأخذ ما أعطينا فعرف أبو حمزة قبح ما فعل، وراجع امراته. قال منصور الفقيه: لولا البنات والذنوب لم أكن ... يروعني ذكر الحنوط والكفن وقال آخر: لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظّلم وزادني رغبةً في العيش معرفتي ... ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرّحم أحاذر الفقر أن يلمم بساحتها ... فيهتك الستر من لحمٍ على وضم أخشى إضاعة عمٍ أو جفاء أخٍ ... وكنت أحنو عليها من أذى الكلم ما أنس لا أنس منها إذ تودّعني ... والدمع يجري على الخدّين ذا سجم لا تبرحن فإن متنا فإنّ لنا ... ربّاً تكفل بالأرزاق والقسم تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً ... والموت أكرم نزال على الحرم وقال آخر: أحب بنيّتي ووددت أنّي ... سترت بنّيتي في قعر لحد وما إن ذاك من بغض ولكن ... مخافة أن تذوق البؤس بعدي

стр. 163

رأى ابن عباس رجلا ومعه ابنٌ له، فقال: أما إنّه لو عاش فتنك، ولو مات أحزنك. قال محمد بن علىٌّ بن حسن لابنه جعفر: يابنيّ! إن الله رضيني لك وحذّرني منك، ولم يرضك لي فأوصاك بي، يا بنيّ! إن خير الأبناء من لم يدعه البر إلى الإفراط،ولم يدعه التقصير إلى العقوق. كان يقال: الولد ريحانتك سبعاً، وخادمك سبعاً، وهو بعد ذلك صديقك أو عدوّك أو شريكك. سأل معاوية بن أبي سفيان الأحنف بن قيس عن الولد،فقال: يا أميرالمؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، وبهم نصول عند كل جليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمنحوك ودهم، ويحبّوك جهدهم، ولا تكن عليهم قفلا فيتمنّوا موتك ويكرهوا قربك ويملوا حياتك. فقال له معاوية: لله أنت! لقد دخلت علىّ وإني لمملوء غيظا على يزيد ولقد أصلحت من قلبي له ما كان فسد. فلما خرج الأحنف من عند معاوية بعث معاوية إلى يزيد بمائتي ألف درهم، فبعث يزيد إلى الأحنف بنصفها. قال علىّ بن أبي طالب:ينبغي لأحدكم أن يتخيّر لولده إذا ولد الاسم الحسن. وفي الخبر المرفوع: من نعمة الله على الرجل أن يشبهه ولده. قال عمر بن الخطاب: عجّلوا بكني أولادكم لا تسرع إليهم الألقاب السّود. قال أبو جعفر محمد بن علي: بادروا بالكني قبل الألقاب. قال: وإنا لنكني أولادنا في الصغر مخافة اللقب أن يلحق بهم. قال قتادة: رب جاريةً خير من غلام، ورب غلام قد هلك أهله على يديه. روى عن النبي صلى عليه وسلم،أنه قال: " ما نحل والد ولده خيراً من أدب حسن ". وروى عنه ﷺ ،أنه قال: " من عال ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات أو ابنتين أو أختين كنّ له حجاباً من النار، فإن صبر عليهن حتى يزوّجهن دخل الجنة. كان يقال: من بلغت ابنته النكاح فلم يزوجها فزنت فعليه مثل إثمها، وإثمها عليه وكما لا يصبحّ الجسد بلا رأس ... لا تصلح المرأة بغير زوج. كان عقيل بن علّفة غيوراً،فحمل يوماً ابنةً له وأنشأ يقول: إنّي وإن سيق إلىّ المهر ... ألفٌ وعبدان وذودٌ عشر أحبّ أصهاري إلىّ القبر قال عبد العزيز بن مروان لسعيد بن العاص:كيف حبّك لبناتك؟ قال:إني لأحبهن،على أنهن يلدن الأعداء ويقربن البعداء،وهن عددٌ ولسن بولد. كتب عمر بن الخطاب إلى أهل الأمصار:علّموا أولادكم العوم والفروسيّة،ورووهم ما سار،من المثل، وما حسن من الشعر. كان يقال: من تمام ما يجب للأبناء على الآباء، تعليم الكتابة والسباحة. قال الحجّاج لمعلّم ولده:علّم ولدي السباحة قبل أن تعلمهم الكتابة، فإنهم يجدون من يكتب عنهم، ولا يجدون من يسبح عنهم. قال الشاعر: خير ما ورّث الرجال بنيهم ... أدبٌ صالح وحسن الثناء ذاك خيرٌ من الدنانير والأو ... راق يوم شدةٍ أو رخاء وهي أبيات كثيرة قد ذكرناها وذكرنا الاختلاف في قائلها في باب التعليم في الصغر،من كتاب العلم. وفي ذلك الباب كثير من معاني هذا الباب،والله الموفق للصواب. قال أعرابي،وهو حطّان بن المعلي: أبكاني الدهر ويا ربّما ... أضحكني الدّهر بما يرضي أنزلني الدّهر على حكمه ... من شاهق عالٍ إلى خفض وابتزّني الدهر ثياب الغني ... فليس لي ثوبٌ سوى عرضي لولا بنيّات كزغب القطا ... ينهضن من بعض إلى بعض إن هبّت الريح على بعضهم ... لم تطعم العين من الغمض لكان لي مضطربٌ واسعٌ ... في الأرض ذات الطول والعرض وإنّما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشى على الأرض كان الزبير بن العوام يرقص ابنه عروة ويقول: أبيض من آل أبي عتيق ... مباركٌ من ولد الصّديق ألذّه كما ألذّ ريقي قالوا:من كان له صبّي فليستصب له. كانت أعرابية ترقّص ابنها،أو بعض الأعراب يرقص ابنه ويقول: أحبّه حبّ شحيحٍ ماله ... قد ذاق طعم الفقر ثم ناله إذا أراد بذله بداله

стр. 164

قال محمد بن يحيى النديم:أول شعر قاله عليّ بن الجهم وهو غلام في المكتب،وذلك أن أباه أمر المؤدّب أن يجلسه يوم الخميس عنده في المكتب حتى يحفظ حزبه،فحبسه فكتب إلى أمه: أمّي جعلت فداك من أمّ ... أشكو إليك فظاظة الجهم قد سرّح الصبيان كلّهم ... وحسبت بالعدوان والظّلم قال الزيادي:كنت رجلا مئناثاً،فقيل لي:أكثر من الاستغفار وقت الجماع،واستغفر الله عند الجماع،فف علت فولد لي بضعة عشر ولداً ذكراً. قال الشاعر: وما كل مئناث سيشقى ببنته ... وما كلّ مذكار بنوه سرور ومن هذا المعنى ذكرٌ في باب النساء. قال أبو العلاء محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعي:ما سمعت بكار بن قتيبة القلضي قط ينشد بيت شعر إلاّ مرة،كنت عنده وأختصم إليه رجل وابنه،فكان من كل واحد منهما إلى صاحبه ما لم يحمد بكار،فالتفت إليهما وأنا أسمع. فقال: تعاطتيما ثوب العقوق كلا كما ... أب غير بر وابنه غير واصل كان لعبد الملك بن مروان بيت ملٍ كان قد حجزه من خالص غلاته وضياعه،لا يدخله شئ من الغلول،يعدّه للتزويج وشراء الجواري اللواتي يطلب أولادهن،وكان يقول:إنّ الغلول يبقى في الولد. قال أعرابي لأبيه وهو عمر بن ذّر الهمداني يعاتبه:يا أبت! إن عظيم حقك علىّ لا يذهب صغير حقيّ عليك،والذي تمتّ به إلىّ أمت بمثله إليك،ولست أزعم أنا سواء ولكني أقول لا يحل الاعتداء. قيل لأعرابي،وكان له ابن عاقّ:كيف ابنك؟ قال:عذابٌ أزغف علىّ به الدهر،فليتني قد أودعته القبر،فإنه بلاء لا يقاومه الصبر،وفائدة لا يلزم عليها الشكر. دخل إلى جعفر بن القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشمي أعرابي،فسأله جعفر عن بنيه فقال: إنّ بنّي خيرهم كالكلب ... أبرّهم أولعهم بسبّي لم يغن عنهم أدبي وضربي ... فليتني كنت عقيم الصّلب ولبعض العقلاء البررة الأدباء: بنفسي أنت لا بأبي فإني ... رأيت الجود بالآباء لؤما كان يقال:من فوائد الدهر موت الابن العاقّ. قال أمية بن أبي الصلت،وهو قد عتب على ابنه: غذوتك مولوداً وغلتك يافعا ... تعلّ بما أسعى عليك وتنهل إذا ليلةٌ جاءتك بالشكو لم أكن ... بشكواك إلاّ ساهراً أتملتل كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني عيني تهمل تخاف الرّدى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقتٌ مؤجل فلما بلغت السنّ والغاية التي ... إليها مدى ما كنت قبل أؤمل جعلت جزائي غلظةً وفظاظةً ... كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حقّ أبوّتي ... كما يفعل الجار المجاور تفعل ورضى أبو الشغب العبسي عن أبنه فقال: رأيت رباطا حين تمّ شبابه ... وولىّ شبابي ليس في برّه عتب إذا كان أولاد الرجال حزازةً ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب لنا جانبٌ منه دميثٌ وجانب ... إذا رامه الأعداء ممتنعٌ صعب يخبرني عما سألت بهيّنٍ ... من القول لا جافي الكلام ولا لغب وقال آخر: فلو كنتم لكيّسة أكاست ... وكيس الأمّ أكيس البنينا باب الأقارب والموالى قال رجلٌ لرسو ل الله ﷺ . " يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ. فقال رسول الله ﷺ : " لا يزال معك من الله ظهيرٌ ما كنت على ذالك ". قال رسول الله ﷺ : " ما من ذنبٍ أجدر بأن تجّعل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم ". ويروي عنه ﷺ : " حقّ كبير الإخوة على صغيرهم كحقّ الوالد على ولده ". وقال أبو الدرداء:مكتوب في التوراة: إن أحسد الناس لعالمٍ وأبغاهم عليه، قرابته وجيرانه ". قال رسول الله ﷺ : " مولى القوم منهم ".

стр. 165

قال ابن عباس: قد تقطع الرحمّ، وقد تكفر النعمى، ولا شئ كتقارب القلوب. وفي رواية أخرى عنه، تكفر النعمة، والرحم تقطع، والله يؤلف بين القلوب، وإذا قارب بين القلوب لم يزحزها شئٌ أبداً، ثم تلا: " لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بينهم ". كان يقال: لا تؤدى حقّ الرحم إلا بأن تصل من أدلى بها إذا قطعك، وتعطيه إذا حرمك. قال الشاعر: وجدت قريب الودّ خيراً وإن نأى ... من الأبعد بعدّ الود القريب المناسب ورب أخ لم يدنه منك ولدٌ ... أبرٌ من ابن الأم عن النوائب ورب بعيد حاضرٍ لك نفعه ... وربّ قريبٍ شاهدٍ مثل غائب ولمنصور الفقيه: مناسبك الأدنى أشدّ عداوةً ... وكفراً لما أوليته من عداتكا يقول الذي بيني وبينك موجبٌ ... عليك لعمري أثرتي بحياتكا وما خير من يمسي ويصبح ساخطا ... على الله في تأخيره لمماتكا وقال آخر: أشدّ عداوةً وأفلّ نفعاً ... من الرجل البعيد الأقربونا وقال آخر: ولا خير في قربي لغيرك نفعها ... ولا في صديق لا تزال تعاتبه يخونك ذو القربى مراراً وربمّا ... وفي لك عند الجهد من لا تناسبه قالت الأعرابي:ابن عمك عدوك وعدو عدوك. قال الفضل بن العباس اللهبي في بني امية: مهلا بني عمنا عن نحت أثلتنا ... سيروا قليلاً كما كنتم تسيرونا لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا مهلا بني عمنا مهلاً موالينا ... لاتنشروا بيننا ما كان مدفونا الله يعلم أنّا لا نحبكم ... ولا نلومكم ألا تحبونا كل يداجى على البغضاء صاحبه ... بنعمة الله نقليكم وتقلونا قال مضرّس بن لقيط الفقعسى: فقدت موالى الذين كأنهم ... دماميل في وجهى على تنخس ولما قتل الحسين بن علىّ، قالت بنت عقيل بن أبي طالب: ماذا تقول إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي وبأهلى عند منطلقى ... منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمى لسويد الحارثي أو غيره: بني عمنا لا تذكروا الشّعر بعدما ... دفنتم بصحراء الغميم القوافيا فلسنا كما كنتم تصيبون مثله ... فيقبل عقلاً أو يحكم قاضيا ولكن حكم السيف فيكم مسلطٌ ... فنرضى إذا ما السيف أصبح راضيا فإن قلتم إنا ظلمنا فإنكم ... بدائم ولكنا أسأنا التّقاضيا وقال الأضبط بن قريع: فصل حبال البعيد إن وصل ال ... حبل وأوقص لبقريب إن قطعه قال قيس بن زهير: شفيت النفس من حمل بن بدرٍ ... وسيفي من حذيفة قد شفاني قتلت إخوتي سادات قومي ... وقد كانوا لنا حلى الزمان فإن أك قد شفيت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناتي قال ذو الإصبع العدواني: ولى ابن عمّ على ما كان من خلقٍ ... مخالف لى أقليه ويقلني أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني الله يعلمني والله يعلمكم ... والله يجزيكم عني ويجزيني ماذا علىّ وإن كنتم ذوي رحمٍ ... ألا أحبكم إذ لم تحبؤني قال الأعشى: وإنّ القريب من يقرّب نفسه ... لعمر أبيك الخير لا من تنسّبا وقال آخر: وإنّي للبّاس على المقت والقلى ... بني العمّ منهم كاشحٌ وحسود أذبّ وأرمي بالحصى من ورائهم ... وأبدأ بالنعمى لهم وأعود قال ابن العميد: آخ الرجال من الأبا ... عد والأقارب لا تقارب إن الأقارب كالعقا ... رب أو أشدّ من العقارب

стр. 166

كان عبد الله بن العباس صديقاً لعمر بن عبد الرحمن بن عوف فليقه يوماً مغتاظاً. فقال له: مالك؟ قال: لقيني فلان - لرجل من أهله - فشتمني وآذاني. فقال له: هوّن عليك فما من ضارٍ على طريدةٍ بأسرع إليها من ابن عم دنٍّي إلىابن عمسرىّ، فهوّن عليك. من شعر طرفة، ويروي في شعر عدي بن زيد: وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً ... على المرء من وقع الحسام المهنّد وقال أبو فراس الحمداني: وهل أنا مسرور بقرب أقاربي ... إذا كان لي منهم قلوب الأباعد قال العتابي: عشيرتك من أحسن عشرتك، وابن عمك من عمك خيره،وقرابتك من قرب منك نفعه، وأحب الناس إليك أخفّهم ثقلا عليك. وقال: إني بلوت الناس في أحوالهم ... وخبرت ما وصفوا من الأسباب فإذا القرابة لا تقرب قاطعاً ... وإذا المودة أقرب الأنساب وقال آخر: كم من أخ لك لم يلده أبوكا ... وأخٍ أبوه أبوك قد يجفوكا وهذا مأخوذ والله أعلم من قول أكثم بن صيفي: رب أخ لم تجمعه معك ولادة. قال آخر: قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت أصابني سهمي فلئن عفوت لأعفون جللاً ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي وقال أبو الأسود الدؤلي: إذا المرء ذو القربى وذو الود أجحفت ... به سنةٌ حلت مصيبته حقدي قال آخر: سآخذ منكم آل حزن لحوشبٍ ... وإن كان مولائي وكنتمبني أبي فإن كنت لا أرمى وترمى عشيرتي ... نصب جائحات النبل كشجى ومنكبي وقال آخر: فلم أر عز المرء إلا عشيرة ... ولم أر ذلاَّ مثل نأيٍ عن الأهل وقال آخر: أخاف كلاب الأبعدين ونبحها ... إذا لم تجاوبها كلاب الأقارب وقال المقنع الكندي، واسمه محمد بن عمير بن أبي شمر الكندي، وكان من أجمل أهل زمانه وأحسنهم وجها،وأتمهم قامة، فكان إذا كشف وجهه يؤذى،فكان يتقنع دهره، فسمي لذلك: المقنع. وشعره هذا من أحسن ما قيل في معناه جزالة ونقاوة وسباطة وحلاوة: يعاتني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا أسد به ما قد أخلوا وضيعوا ... حقوق ثغورٍ ما أطاقوا لها سداّ ولي جفنةٌ لا يغلق الباب دونها ... مكللةٌ لحماً مدفقةٌ ثردا ولي فرسٌ نهدٌ عتيقٌ جعلته ... حجاباً لبيتي ثم أحدمته عبدا وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلفٌ جداً إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيَّي هويت لهم رشداً وليسوا إلى نصري سراعاً وإن هم ... دعوني إلى نصرٍ أتيتهم شدا وإن زجروا طيري بنحس يمر بي ... زجرت لهم طيراً يمر بهم سعدا ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا لهم جل مالي أن تتابع لي غنى ... وإن قلت مالي لم أكلفهم رفدا وإني لعبد الضيف مادام نازلا ... وما شيمةٌ لي غيرها تشبه العبدا وقال طرفة: وأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل وقال عوف التميمي: ولست لقومي بعيابةٍ ... وشر العشيرة من عابها أعف وابذل مالي لها ... ولا أتعلم ألقابها وقال أبو الطمحان القيني: إذا كان في صدر ابن عمك إحنةٌ ... فلا تستثرها سوف يبدو دفينها قال آخر: أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح وان ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح قال الثقفي: من كان ذا عضد يدركظلامته ... إن الذليل الذي ليست له عضد تنبو يداه إذا ما قلَّ ناصره ... ويأنف الضيم إن أثرى له عدد وقال أشجع السلمى: نسيبك من أمسى يناجيك طرفه ... وليس لمن تحت التراب نسيب

стр. 167

وقال محمد بن أبي حازم الباهلي: رب غريبٍ ناصح الجيب ... وابن أبٍ متهم الغيب ورب عيابٍ له منظرٌ ... مشتمل الثوب على العيب قال محمد بن أبان اللاحقي يخاطب أخاه إسماعيل: تلوم على القطيعة من أتاها ... وأنت سننتها للناس قبلي واللاحقي هو القائل: إخفض الصوت إن نطقت بليلٍ ... والتفت بالنهار قبل الكلام وفي معنى قول اللاحقي في البيت الأول قول الهذلي: فلا تفزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راضٍ سنةً من يسيرها باب المملوك والمالك روي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يدخل الجنة سيء المملكة ". كان يقال: التسلط على المملوك دناءة. وقال بعض الحكماء: اذكر عند قدرتك وغضبك قدرة الله عليك، وعند حكمك حكم الله فيك. كان يقال: أنعم الناس عيشاً من حسن عيش غيره في عيشه. كان يقال: اللإحسان إلى الخادم يشجي العدو، ويذهب البؤس، والكسوة تظهر الغنى. قال عمر بن الخطاب: أكثروا شراء الرقيق، فرب عبد يكون أكثر رزقاً من سيده. اشترى عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي عبد بني الحسحاس واسمه سحيمٌ، وكان حبشياً سمحاً شاعراً، وكتب إلى عثمان بن عفان: إني قد اشتريت لك غلاماً حبشياً شاعراً فكتب إليه عثمان: لا حاجة لي به، فإنما حظ أهل العبد الشاعر إذا شبع أن يشبِب بنسائهم، وإذا جاع أن يهجوهم. قال لقمان لابنه: يا بني إياك وخدمة العين. قال: وما خدمة العين؟ قال: ألا يكون لك عبد لا يخدمك إلا حيث يراك. باع أعرابي غلاماً له من قومٍ من أهل البصرة، فجعلوه سقاءً على ظهر بعير لهم،فلبث الأعرابي حيناً ثم لقيه فسأله عن حاله؟ فقال: أنا في سفر لا ينقضي، وغديرٍ لا ينزح، وقوم لا يروون. قال بعض الحكماء: أفضل المماليك الصغار، لأنهم أحسن طاعة، وأقل خلافاً،وأسرع قبولا. كان يقال: استخدم الصغير حتى يكبر، والأعجمي حتى يفصح. روى سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن ابن معبد، عن ابن عباس،قال: من حلف على ملك يمينه أن يضربه فكفارته تركه، ومع الكفارة حسنة. قال أبو الفتح: بطرتم فطرتم والعصا زجر من عصا ... وتقويم عبد الهون بالهون رادع وقالآخر: إذا لم يكن في منزل المرء حرةٌ ... رأى خللاً فيما تدير الولائد فلا يتخذ منهن حرٌ قعيدةً ... فهن لعمر الله بئس القعائد قال آخر: العبد يزجر بالعصا ... والحر تكفيه الملامة وقال آخر: العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الإشارة أخده من قول مالك بن الريب: العبد يقرع بالعصا ... والحر يكفيه الوعيد وقال بشار: الحر يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الردِّ كان يقال الحر حرٌ وإن مسه الضر، والعبد عبد ولو مشى على الدر أخذه الشاعر فقال: وإن الحر في الحالات حرٌ ... وإن الذل يقرن بالعبيد وقال يزيد المهلبي: إن العبيد إذا أذللتهم صلحوا ... على الهوان عن أكرمتهم فسدوا قال المتنبي: لا تشتري العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأنجاسٌ مناكيد وقال آخر: إذا برم المولى بخدمة عبده ... تجنى له ذنباً وإن لم يكن ذنب باب الذكر والثناء قال رسول الله ﷺ : " يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم "؟ قالوا:بم ذا يا رسول الله؟ قال: " بالثناء الحسن والثناء السيء، أنتم شهداء الله في الأرض، بعضكم على بعض ". قال عبد الله بن مسعود: عنوانصحيفة الميت ثناء الناس عليه. وروى ذلك عن ابن عمر أيضاً. قال كعب الأحبار: إذا أحببتم أن تعملوا ما للعبد عند ربه فانظروا ما يتبعه من حسن ثناء. قال مطرف بن الشخير: عنوان كرامة الله لعبده حسن الثناء عليه، وعنوان هوانه سوء الثناء عليه. قال بعض الحكماء: الناس أحاديث، فإن استطعت أن تكون أحسنهم حديثاً فافعل. ومن ها هنا والله أعلم أخذ ابن دريد قوله: وإنما المرء حديثٌ بعده ... فكن حديثاً حسناً لمن وعى قال آخر:

стр. 168

أرى الناس أحدوثةً ... فكوني حديثاً حسن قال آخر: وكل جديد يا أميم إلى البلى ... وكل امرئٍ يوماً يصير إلى كان وقد مضى قوله حاتم الطائي: أخاف مذمات الأحاديث من بعدي مات ابن لحبيب بن الملهب، فقدم أخاه يزيد ليصلي عليه، فقيل له: أتقدمه وأنت أسن منه؟ قال: إن أخي قد شرفه الناس وشاع له فيهم الصيت، ورمته العرب بأبصارها، فكرهت أن أضع منه ما رفع الله. قال رجل من غنىّ: فإذا بلغتم أهلكم فتحدثوا ... ومن الحديث مهالكٌ وخلود قال آخر: فأثنوا علينا لا أباً لأبيكم ... بإحساننا إن الثناء هو الخلد قال الأسدي: فإني أحب الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندي أن أموت ولم ألم كان أبو عمرو بن العلاء يتمثل: وسيبقى الحديث بعدك فانظر ... خير أحدوثة تكون فكنها قال داود بن جهور، وتنسب إلى منصور، وليست له وقد رويناها لداود،والله أعلم: إذا أعجبتك طباع امرئٍ ... فكنه يكن منك ما يعجبك فليس على الجود المكرمات ... حجابٌ إذا جئته يحجبك قال آخر: ذكر الفتى عمره الباقي وحاجته ... ما قاته وفضول العيش أشغال قال التهامي: بينا يرى الإنسان فيها مخبراً ... حتى يرى خبراً من الأخبار باب البكاء على ما مضى من الأزمان والتلهف على صالح الإخوان، والحنين إلى الأوطان قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمر: " فكيف بك يا عبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وخفت أمانتهم "؟ قيل لبعض الحكماء: بأي شيء يعرف وفاء الرجل دون تجربة واختبار؟ قال: بحنينه إلى أوطانه، وتلهفه على ما مضى من زمانه. روى أبو العلاء زكريا بن يحيى بن خلاد، عن الأصمعي، قال: قال أعرابي: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ودوام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من أزمانه. روى عروة عن عائشة: أنها تمثلت بقول لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلفٍ كجلد الأجرب يتحدثون ملالة وخيانةً ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب ثم قالت: كيف لو أدرك لبيد زماننا هذا؟ قال عروة: كيف لو أدركت عائشة زماننا هذا؟. بلغ ابن عباس قول عائشة: رحم الله لبيداً، لو أدرك زماننا هذا؟ فقال ابن عباس: رحم الله لبيداً ورحم عائشة، لقد أصبت باليمين سهما في خزائن عاد، كأطول ما يكون من رماحكم هذه، مريشٌ مفوق مكتوب عليه: فهل لي إلى أجبال هند بذي اللوى ... لوى الرمل من قبل الممات معاد بلاد بها كنّا ونحن نحبها ... إذ الناس ناسٌ والبلاد بلاد قال أبو العتاهية: لله أزمنة عهدت رجالها ... في النائبات وإنهم لكرام ماذا أقول لوافد الزمن الذي ... هلك الأرامل فيه والأيتام زمن هوت أعلامه وتقطعت ... فرقاً فليس لأهله أعلام زمن مكاسب أهله مدخولةٌ ... جداً فروع أصوله الآثام زمن تحامى المكرمات سراته ... حتى كأن المكرمات حرام روينا أن رسول الله ﷺ ، دخلت عليه عجوز وهو في بيت عائشة، فأكرمها وقربها ووصلها، فقالت له عائشة: من هذه العجوز؟ فقال: " كانت تأتينا وتزورنا أيام خديجة، وحفظ العهد من الإيمان ". وقال آخر: ذهب الزمان برهط حسان الألى ... كانت مناقبهم حديث الغابر وبقيت في خلف تحلّ ضيوفهم ... منهم بمنزلة اللئيم الغادر سود الوجوه لئيمةٌ أحسابهم ... فطس الأنوف من الطرز الآخر وقال آخر: مضى الذين إذا ما جئت أسألهم ... قالوا برحبٍ: على العينين والرّاس وقد بقيت بأوغادٍ أكابرهم ... ليسوا بناسٍ بلى أشباه نسناس وقال عتيبة الأعور: ذهب الذين أحبهم ... وبقيت فيمن لا أحبه إذ لا يزال كريم قو ... مٍ فيهم كلبٌ يسبّه

стр. 169

وقال الحارث بن الوليد: ذهب الذين إذا رأوني مقبلا ... هشوا وقالوا مرحباً بالمقبل وبقيت في خلف كأنّ حديثهم ... ولغ الكلاب تهارشت في منهل وقال الأحوص: ذهب الذين أحبهم سلفا ... وبقيت كالمفقود في خلف من كلّ مطوىّ على حنق ... متصنعٍ يكفي ولا يكفي وقال بشار: فسد الزمان وساد فيه المقرف ... وجرى مع الطّرف الحمار الموكف كان سفيان الثوري يقول: ذهب الناس فلا مرتع ولا مفرع ولعبد الله بن المبارك الفقيه، وتروى لغيره: دهب الرجال المتقدى بفعالهم ... والمنكرون لكلّ أمرٍ منكر وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضاً ليأخذ معورٌ من معور ركبوا ثنيات الطريق فأصبحوا ... متنكبين عن الطريق الأكبر ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدرٌ وأبعدها إذا لم يقدر العلم زين للرجال مروءةٌ ... والعلم أنفع من كنوز الجوهر أأخي إن من الرجال بهيمةً ... في صورة الرجل السميع المبصر فطن لكلّ مصيبة في ماله ... وإذا يصاب بدينه لم يشعر ولأبي حفص عمرو بن علىّ بن بحر الفلاس، وكان أحد أئمة أهل الحديث الحفاظ الجلية: ألا ذهب التّكرم والوفاء ... وباد رجاله وبقى الغثاء وأسلمي الزمان إلى رجالٍ ... كأمثال الذئاب لهم عواء صديق كلما استغنيت عنهم ... وأعداء إذا نزل البلاء وقال منصور الفقيه: يا زماناً أورث الأح ... رار دلاّ ومهانه لست عندي بزمانٍ ... إنما أنت زمانه كيف نرجو منك خيراً ... والعلا فيك مهانه أجنوناً ما نراه ... منك يبدو أم مجانه وقال آخر: كنا نعيّر من يأتي بفاحشةٍ ... والناس يرعون حقّ الدين والحسب فالناس قد تركوا التعيير كلهم ... لما استوى النّاس في الفحشاء والكذب وقال آخر: ذهب الوفاء ذهاب أمس الذّاهب ... فالناس بين مجاملٍ وموارب وقال آخر: ذهب التكرم والوفاء من الورى ... وتقّرضا إلاّ من الأشمار وفشت خيانات الثقات وغيرهم ... حتى اتّهمنا رؤية الأبصار ولعبد الله بن عبد العزيز بن ثعلبة اليعقوبي الشّذني: مضى دهر السّماح فلا سماح ... ولا يرجى لدي أحدٍ فلاح رأيت الناس قد مسخوا كلابا ... فليس لديهم إلاّ النّباح وأضحى الظّرف عندهم قبيحا ... ولا والله إنّهم القباح سلام أهل إبليس عليكم ... فإن البين أوشكله الرّواح نروح فنستريح اليوم منكم ... ومن أمثالكم قد يستراح إذا ما الحرّ هان بأرض قومٍ ... فليس عليه في هرب جناح وقال آخر:؟ مضى الجود والإحسان واجتثّ أصله وأخمد نيران النّدى والمكارم وصرت إلى ضرب من الناس آخر ... يرون العلا والمجد جمع الدّراهم كأنهم كانوا جميعاً تعاقدوا ... على اللؤم والإمساك في صلب آدم كان بلال لما قدم المدينة ينشد تشوقا إلى المكة، ويرفع عقيرته:؟ ألا ليت شعرى هل أبيتّن ليلةً بوادٍ وحولى إذخر وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنّةٍ ... وهل يبدون لى شامةٌ وطفيل ولا بن ميادة واسمه الرّمّاح:؟ ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلةً بحرة ليلى حيث ربيّننى أهلى بلادٌ بها نيطت على تمائمي ... وقطعن عني حين أدركني عقلي وقال آخر:؟ أحبّ بلاد الله ما بين منعجٍ إلى وسلمى أن يصوب سحابها بلادٌ بها عقٌ الشباب تمائمي ... وأول أرض مسّ جلدي ترابها وقال آخر:؟ أحنّ إلى دهرٍ مضى بغضارةٍ إذا العيش رطبٌ والزمان مواتي وأبكى زماناً صالحا قد فقدته ... يقطع قلبي ذكره حسرات تمطّى علينا الدّهر في متن قوسه ... ففرقنا منه بنبل شتات وقال متمم بن نويرة:

стр. 170

؟؟ وكنا كندماني جذيمة حقبةً من الدّهر حتى قبل لن يتصدعا فلما تفرّقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وقال آخر: خمسون عاماً تولت من تصرّفها ... عسرٌ ويسرٌ على الحالين أشهده لم أبك من زمن صعب لشدته ... إلا بكيت عليه حين أفقده وما جزعت على ميتٍ فجعت به ... إلاّ ظللت لستر القبر أحسده وما ذممت زمانا في تقلّبه ... إلاّ وفي زمني قد صرت أحمده ولأبي عبد الرحمن العطوى، واسمه محمد بن عطية: سألت عن سبب الإقتار والعدم ... وعن زوال النّدى في العرب والعجم نودى: هوت أنجم الإفضال واشتملت ... أم التواصل في الدنيا على عقم أنعمى إليك مواساة الصديق وما ... قد كان يرعى من الأخلاق والذمم أنعمى إليك خلال الفضل قاطبةً ... لم يبق منهنّ إلا دارس العلم أين الوفاء الذي قد كان يعرفه ... قومٌ لقومٍ وأين الحفظ للحرم أين الجميل الذي قد كان ملتبسا ... أهل الوغاء وأهل الفضل والكرم أيسر أنت صديق الناس كلّهم ... ثم ابل سرهم في حالة العدم فإن وجدت صديقا عند نائبةٍ ... فلست من طرقات الخبير في أمم لما أناخ علىّ الدهر كلكله ... وخاننى كلّ ذي ودٍّ وذي رحم ناديت ما فعل الأحرار كلهم ... أهل الندى والهدى والبعد في الهمم قالوا: حدا بهم ريب الزّمان فسل ... أحداثه عنهم تخبرك عن رمم روينا عن عبد الله بن مصعب الزبيري أنه قال: خرجنا إلى الغزو زمن مروان بن محمد حتى إذا كنّا ببعض الطّريق أصابنا مطرٌ وابل، قملنا إلى قصر رفع لنا فصرنا إلى فنائه، إذ خرجت وليدة فقالت: بأبي وأمي! من أين أنتم فقلنا: من مكة. فتنفست الصّعداء، وأنشأت تقول: من كان ذا سكن بالشام يألفه ... فإن في غيره أمسى لى السّكن وإنّ ذا القصر حىّ مابه وطنى ... لكن بمكة أمسى الأهل والوطن من ذا يسائل عنّا أين منزلنا ... فالأقحوانة منّا منزلٌ قمن إذ نلبس العيش صفواً ما يكدره ... ضغن الوشاة ولا ينبوبنا الزّمن قال: فمضينا في غزونا حتى إذا قضينا شأننا وقفلنا راجعين، أخذنا المساء عند ذلك القصر، فأضافنا صاحبه وأحسن ضيافتنا، فقلت له: ثمّ حاجة. فقال: وما هي؟ قلت: وليدة صفتها كذا، إما أن تبيع وإما أن تهب، فقال: ما شاء الله كان، والله لو كانت حية ما مضيت إلاّ بها، ولكنها ماتت منذ أيام تلهفاً على مفارقة من نشأت معه. روينا من وجوه أن أبا خالد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج فقيه مكة رضى الله عنه، خرج إلى اليمن إلى معن بن زائدة في دين ركبه، قال: فلما نزلت عليه رحبّ بي وسهّل، وقال: ما أقدمك هذه المدرة؟ فقلت: دينٌ ركبني لم تف به جائزة أمير المؤمنين، فضاق ذرعي فلم أر له سواك، فخرجت إليك. فقال: قدمت خير مقدم، يقضي دينك وتنصرف محبوراً إلى وطنك. قال: فأقمت عنده شهوراً في أحسن مثوى وأكرم ضيافة، فإني لخارج من عنده يوماً إذ رأيت الناس يتأهبون إلى الحج، فأدركتني وحشة، ولم أملك العبرة، وحنّت نفسي إلى الوطن، فرجعت إليه وقد اغرورقت عيناي بالدموع، فقال لي: مالك؟ قلت: رأيت الناس في أهبة الحج والخروج إلى مكة فذكرت أبياتاً لعمر بن أبي ربيعة حملتني على ما ترى قال: وأى أبيات عمر هي؟ فقلت: قوله: هيهات من أمة الوهّاب منزلنا ... إذا نزلنا بسيف البحر من عدن واحتّل أهلك أجيادا فليس لنا ... إلا التذكر أو خظٌ من الحزن بل ما نسيت غداة الخفيف موقفها ... وموقفي، وكلانا ثمّ ذو شجن وقولها للثريّا وهي باكية ... والدمع منها على الخدين ذو سنن بالله قولى له في غير معتبةٍ ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن إن كنت حاولت دنيا أو رضيت بها ... فما أخذت بترك الحجّ من ثمن

стр. 171

فقال: أتعزم على الرحيل والرجوع إلى وطنك؟ قلت: نعم. قال: صحبتك السلامة، ورزقت العافية. وخرجت من عنده فما وصلت إلى موضعي، حتى سبقني خمسة عشر بغلا عليها عصب اليمن، ودراهم، وضروب من الخير، فقضيت ديني وتأثّلت منه كنزاً مما بيدي اليوم. باب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعه قال رسول الله ﷺ : " حبّك الشئ يعمي ويصمّ ". قال وهب بن ممبهّ: العقل والهوى يصطرعان، فإيّهما غلب مالٌ بصاحبه. قال ابن دريد: وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا قال عمر بن عبد العزيز: أفضل الجهاد جهاد الهوى. قال بعض الحكماء: من نظر بعين الهوى خاف، ومن حكم بالهوى جار قال سفيان الثوري: أشجع الناس أشدهم من الهوى أمتناعاً. وقال: من المحقّرات تنتج الموبقات. ويقولون: إن هشام بن عبد الملك لم يقل بيت شعرٍ قطّ إلاّ هذا: إذا أنت لم تعصي الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال " قلت: لو قال: إلى كلّ ما فيه عليك مقال " كان أبلغ وأحسن. قال بعض الحكماء: إنما يحتاج اللبيب ذو الرأى والتّجربة إلى المشاورة ليتجرّد له رأيه من هواه. قال بعضهم: اعص النساء وهواك، واصنع ما شئت. قلت: لو قال اعص الهوى لا كتفي. قيل للمهلّب: بم ظفرت؟ قال: بطاعة الحزم وعصيان الهوى. قالوا: ما ذكر الله تعالى الهوى في شيئ من القرآن إلاذمه. قيل لشريح: أحمد الله لما سلمك من الفتن. قال: كيف أصنع بقلبي وهواي؟ قال: الهوى غالب، والقلوب مغلوبة. قال امتدح بترك الهوى من الحكماء، قال الزبير بن عبد المطلب: وأجتنب البوائق حيث كانت ... وأترك ما هويت لما خشيت أخبرنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا نصر بن محمّد الأسديّ الكوفيّ، حدثنا إبراهيم بن عثمان المصّيصي، حدثنا مخلّد بن حسين، حدثنا هشاّم ابن حسان، عن محمد بن سيرين قال: بيتا عمر بن الخطاب يجوس ذاتة ليلة إذ سمع امرأة وهي تقول: هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج فلما أصبح قال: عليّ بنصر. فجيء به، فإذا هو أجمل الناس، فقال: إنها المدينة فلا تساكنيِّ فيها. فخرج إلى البصرة فنزل على ابن عمٍّ له، هو أمير البصرة، فبينما هو جالس مع ابن عمه وامرأته، إذ كتب في الأرض: إني لأحبك حبّاً لو كان فوقك لأظلك، ولو كان تحتك لأقلك. فقرأته وكتبت تحته: وأنا. وكان الأمير لا يقرأ، فعلم أنه جواب كلام، فأكفأ عليه إناءً وقام وبعث إلى من يقرأه، فبلغ ذلك نصراً، فلم يجئ إليه، ومرض حتى سلّ وصار شبه الفرخ، فأخبر الأمير بذلك، فقال: اذهبي إليه، فأبت، فقال: عزمت عليك إلاّ ذهبت إليه وأسندته إلى صدرك وأطعمته. قال: فلما أتت الباب قيل له: هذه فلانة. فكأنه انتعش شيئاً، فصعدت إليه وأسندته إلى صدرها وأطعمته، فأفاق، فخرج من البصرة واستحيا من ابن عمه فلم يلقه بعدها. قال إبراهيم بن عثمان: الأمير مجاشع بن مسعود السلمى، وامرأته الخضراء. قال إبراهيم بن عثمان: وأخبرني محمد بن كثير، أن نصر بن حجاج كتب إلى عمر ﵁: لعمري لئن سيرتني وحرمتني ... وما جئت ذنباً إن ذا لحرام ومالي ذنبٌ غير ظنّ ظننته ... وفي بعض تصديق الظنون أثام أأن غنّت الذلفاء يوماً بمنيةٍ ... وبعض أماني النساء غرام ظننت بي الأمر الذي لو أتيته ... لمل كان لي في الصالحين مقام ويمنعني مما تمنت حفيظتي ... وآباء صدقٍ صالحون كرام ويمنعها مما تمنت صلاتها ... وبيتٌ لها في قومها وصيام فهاتان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جبَّ منّي غاربٌ وسنام قال بعض الحكماء: الهوى عدو العقل، فإذا عرض لك أمران ولم يحضرك من تشاوره فاجتنب أقربهما إلى هواك. ومما ينسب إلى الشافعي، وأظنه لسهل الوراق: إذا حار ذهنك في معنيين ... وأعياك حيث الهوى والصواب فدع ما هويت فإن الهوى ... يقود النفوس إلى ما يعاب

стр. 172

قال غيره: اغتنم من الخير ما عجلت، ومن الهوى ما سوفت. كان يقال: إذا غلب عليك عقلك فهو لك، وإن غلب عليك هواك فهو لعدوك. قال عمر لمعاوية: من أصبر الناس؟ قال: من كان رأيه راداً لهواه. قال أعرابي: ما أشد جولة الرأي عند الهوى، وأشد فطام النفس عند الصبر. قال نفطويه: إن المرائي لا تريد ... ك خدوش وجهك في صداها وكذلك نفسك لا تريد ... ك عيوب نفسك في هواها وعن نفطويه، قال: تضيّف صديقٌ لي من أهل الأدب إلى إمرأة من أهل البصرة، فتعرض لها، فقالت: أيها الرجل مالك حظ في غيرة الرجال على الحرم، فيكون ذلك زاجراً لك عن التعرض لحرم غيرك، إن لم يكن لك ناه من دين؟ أما علمت أن الأمور إلى أواخرها تؤول إلى أوائلها، وإن من عوّد نفسه الرفث والخنا كان كمن اتخذ المزابل مجلساً، وقلما مجن رجل إلا هلك. قال الشاعر: الحب زورٌ والهوى باطل ... والقلب ما أجريته يجري وترك ما تهوى يسيرٌ إذا ... أعملت فيه سعة الصدر وقال منصور النمري: وإن امرءاً أودى الغرام بلبه ... لعريان من ثوب الفلاح سليب قال آخر: عين المحب كليلةٌ ... عن عيب كلِّ فتىً يود قال عمر بن أبي ربيعة: حسنٌ في كلِّ عينٍ من تود وقال روح أبو همام: وعين السخط تبصر كلَّ عيبٍ ... وعين أخي الرضا عن ذاك تعمى وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: فعين الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ ... ولكنَّ عين السخط تبدي المساويا قال أبو العتاهية: والمرء يعمى عمن يحب فإن ... أقصر عن بعض ما به أبصر باب معنى عشق النساء والهوى فيهن قال رسول الله ﷺ : " ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أسلب لعقول ذوي الألباب منكن ". سئل بعض الحكماء عن العشق، فقال: شغل قلبٍ فارغ. وجد في صحيفةٍ لبعض أهل الهند: العشق ارتياحٌ جعل في الروح، وهو معنى تنتجه النجوم بمطارح شعاعها، وتتولد الطوالع بوصلة أشكالها، وتقبله النفوس بلطيف خواطرها، وهو بعد جلاء للقلوب، وصقيل للأذهان ما لم يفرط، فإن أفرط عاد سقما قاتلا، ومرضا منهكا، لا تنفد فيه الآراء، ولا تنجع فيه الحيل، العلاج منه زيادة فيه. حضر عند المأمون يوماً يحيى بن أكثم، وثمامة بن أشرس، فقال المأمون ليحيى: خبرني عن حد العشق فقال: يا أمير المؤمنين سوانح تسنح للعاشق يؤثرها ويهيم بها تسمى عشقا. فقال ثمامة: اسكت يا يحيى، فإنما عليك أن تجيب في مسألة من الفقه، وهذه صناعتنا. فقال المأمون: أجب يا ثمامة. فقال: يا أمير المؤمنين إذا تقادحت جواهر النفوس المتقاطعة بوصل المشاكلة أثقبت لمحنورٍ ساطع تستضيء به بواطن العقل فتهتز لإشراقه طبائع الحياة، ويتصور من ذلك اللمح نور حاضر بالنفس متصل بجوهرها فيسمى عشقا. وصف أعرابي عاشقا، فقال: كان يستر عيناً قد درت مآقيها، ويحنو على كبد قد أعيت مداويها. ذكر رجلٌ أيام شبابه وامرأة كان يهواها، فقال: ذلك هوى شربته النفس أيام شبابها، فاستخفت بالعاذلات وعتابها. وصف بعض الحكماء الهوى الذي هو عشقٌ للنساء، فقال: بطن فرقَّ، وظهر فكثف، وامتنع وصفه عن اللسان فهو بين السحر والجنون، لطيف المسلك والكمون. وقال بعض الأدباء: الهوى جليسٌ ممتع، وأليف مؤنس وصاحب مملّك، مسالكه لطيفة، ومذاهبه متضادة وأحكامه سائرة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآراءها، وأعطى عنان طاعتها، وقاد نصرفها،توارى الأبصار مدخله، وغمض في القلوب مسلكه. قال عباس بن الأحنف،فيما أنشده إسحاق الموصلي له. فلو كان لي قلبان عشت بواحدٍ ... وخلّيت قلباً في هواك يعذّب ولكنّما أحيا بقلبٍ مروّع ... فلا العيش يصفو لي الموت يقرب تعلمت ألوان الرّضا خوف سخطها ... وعلّمها حبّي لها كيف تغضب ولي ألف وجهٍ قد عرفت مكانه ... ولكن بلا قلبٍ إلى أين أذهب وللصّمّة القشيري: لعمري لئن كنتم على النّأى والغني ... بكم مثل مابي إنّكم لصديق

стр. 173

إذا زفرات الحبّ صعّدن في الحشى ... رددن ولم يفتح لهن طريق للعباس بن الأحنف: أرى الطّريق قريباً حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف أنشدنا أبو القاسم محمد بن نصر الكاتب ﵀ لنفسه في معنى بيت عباس هذا: أمر نشيطاً إذا زرتكم ... وأرجع كسلان لا أنشط وسير المطية ما كدني ... ولكن هوى لكم مفرط وقال العباس بن الأحنف: يقرب الشوق داراً وهي نازحةٌ ... من عالج الشوق لم يستبعد الدارا وله: مت على من غبت عنه أسفاً ... لست منهم بمصيبٍ خلفا لن ترى قرة عين أبداً ... أو ترى نحوهم منصرفا قلت لما شفَّني وجدي بهم ... حسبي الله لما بي وكفى بين الدمع لمن يبصرني ... ما تضمني إذا ما ذرفا ولمحمد اليزيدي: أتيتك عائداً بك من ... ك لما ضاقت الحيل وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل فإن سلمت لكم نفسي ... فما لاقيته جلل وإن قتل الهوى رجلاً ... فإني ذلك الرجل كتب المهدي إلى الخيزران وهو بمكة: نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غبتم ونحن حضور فأجدوا المسير، بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا فأجابته: قد أتانا الذي وصفت من الشو ... ق فكدنا وما فعلنا نطير ليت أنّ الرياح كن يؤدي ... ن إليكم ما قد يجنّ الضمير لم أزل صبّةً فإن كنت بعدى ... في سرورٍ فدام ذاك السرور قال بعض الأدباء: ما أشد جولة الرأي عند الهوى وفطام النفس عند الصبّا، لقد تصدعت كبدي للمحبّين لو العاذلين قرطة في آذانهم ونيران متأججة في أبدانهم لهم دموع غزيزةٌ على المغائي، كغروب السّواني وأنشد: سقى الله أطلالاً لليلي وشقّقت ... عليهنّ من غرّ الغمام جيوب فما تقشعرّ الأرض إن نزلت بها ... ولكنها تزهي بها وتطيب وقال آخر: وقال أناسٌ: لا يضريك نأيها ... يلي كلّ ما شفّ النفوس يضيرها أليس يضير العين أن تكثر البكاء ... ويمنع منها نومها وسرورها وقال آخر: فلو أن شرق الشّمس بيني وبينها ... وأهلي وراء الشمس حيث تغيب لحاولت قطع الأرض بيني وبينه ... وقال الهوى لي إنه لقريب وقال الصمّة بن عبد الله القشيري: إذا ما أتتنا الريح نحو أرضكم ... أتينا برياكم فطاب هبوبها أتينا بريح المسك خالط عنبراً ... وريح الخزامي باكرتها جنوبها وقال آخر: ضاف قلبي الهوى فأكثر سهوى ... وجوى الحب مفظع كلّ حلو لو علا بعض ما علاني ثبيراً ... ظلّ ضعفاً ثبير من ذاك يهوى من يكن من هوى الغواني خلواً ... يا ثقاتي فإنني غير خلو قال العبّاس بن الأحنف: جرى السّيل فاستبكاني السيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتيّ غروب وما ذاك إلاّ أن تيقنت أننّي ... أمرّ بوادٍ أنت منه قريب يكون أجاجا قبلكم فإذا انتهى ... إليكم تلقّى طيبكم فيطيب أيا ساكني شرقيّ دجلة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب قال بعضهم: لو لم يكن في العشق إلاّ أنه يشجع قلب الجبان، ويسخي كف البخيل، ويصفّي ذهن الغبي، ويبعث حزم العاقل، ويخضع له عزّ الملوك، وتصرع له صولة الشجاع، وينقاد له كلّ ممتنع، لكفي به شرفا. قال الأصمي:سمعت أعرابيّا يقول: إذا ترعت هتوف الضحى على الغصون، أرسلت الشئون مياها إلى العيون،فمن ذاد عينيه عن البكا أورث قلبه حزنا.

стр. 174

عشق أبو القمقام بن بحر السقا امرأة موسرة، فأطمعته في نفسها، فبعث يستهديها طعاماً، حتى فعل ذلك غير مرة، فلما أكثر عليها، بعثت إليه:رأيت العشق يكون في القلب ويفيض إلى الكبد، ثم يستبطن الأحشاء، وحبّك لا أراه تجاوز المعدة. قال أعرابيّ من فزارة: عشقت امرأة من طّي، فكانت تظهر لي مودّة، فو الله ما جرى بيني وبينها شئ من ريبة، غير أني رأيت بياض كفها ليلة، فوضعت كّفي على كفها، فقالت: مه! لا تفسد ما صلح، فأرفضضت عرقا من قولها، فما عدت لمثل ذلك. قال بعضهم: الرجل يكتم بغض المرأة أربعين يوماً، ولا يمكنه أن يكتم حبها يوماً واحدا، والمرأة تكتم حب الرجل أربعين يوماً، ولا يمكنها أن تكتم بغضه يوما واحداً. قال يوسف بن هرون: دقّت معاني الحبّ عن أذهانهم ... فتأوّلوها أقبح التأويل وقال كثيرّ: إذا ما رادت خلّةً أن تستميلنا ... أبينا وقلنا الحاجبية أوّل وقال حبيب: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكّنا لعلىّ بن الجهم: يا سائلي ما الهوى اسمع إلى صفتي ... الحّب أعظم من وصفي ومقداري ماء المدامع نار الشوق تحدره ... فهل سمعت بماءٍ فاض من نار وقال أبو العتاهية: أذاهب الهوى جسمي ولحمي وقوّتي ... فلم يبق إلاّ الروح والجسد النضو رأيت الهوى حجر الغضا غير أنّه ... على كلّ حال عند صاحبه حلو وقال آخر: أسرّ الذي بي والدموع تبوح ... وجسمي سقيم والفؤاد قريح وبين ضلوعي لوعة لم أزل بها ... أذوب اشتياقاً والفؤاد صحيح وقال الصّمّة القشيري: أما وجلال الله لو تذكرينني ... كذكريك ما كفكفت للعين مدمعا فقالت: بلى والله ذكراً لو انّه ... يصبّ على صمّ الصفا لتصدّعا وأكثرهم ينسون إليه في هذا الشعر قوله: حننت إلى ريّا ونفسك باعدت ... مزارك من ليلي وشعبا كما معا فما حسن أن تأتي الأمر طائعاً ... وتجزع أن داعي الصّبابة أسما بكت عيني اليسرى فلمّا زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا وأذكر أيّام الحمى ثم أنثي ... على كبدي من خشيةٍ أن تصدّعا فليست عشيّات الحمى برواجعٍ ... إليك ولكن خلّ عينيك تدمعا ومهم من ينسبها إلى قيس بن ذريح، وللمجنون أيضا تنسب، والأكثر أنّها للصّمّة. /باب في وصف النساء بالحسن والرقة وما يحمد من نعوتهن، ووصف منطقهن قال أنس بن مالك: كنت مع رسول الله ﷺ في سفره في حجة الوداع، ومعه نساؤه، وكان له حادٍ يحدو بهن يقال له أنْجَشةَ، فقال له رسول الله ﷺ : " يا أنجشة رفقاً! رويداً بالقوارير ". يعني أنهن ضعاف يسرع إليهن الكسر، ولا يقبلن الجبر. ذكر أعرابي امرأة، فقال: كاد الغزال يكونها لولا ماتم فيها ونقص منه. وصف أعرابي النساء، فقال: ظعائن في سوالفهن طول، غير قبيحات العطول، إذا مشين أسبلن الذيول، وإذا ركبن أثقلن الحمول. كتب الحجاج بن يوسف إلى محمد أخيه، وهو أمير على اليمن: أن اخطب على ابني امرأة حسناء من بعيد، مليحة من قريب شريفة في قومها، ذليلة في نفسها، أمة لبعلها. فكتب إليه: قد أصبتها لك، وهي خولة بين مسمع، على عظم ثدييها. فكتب إليه: إن المرأة لا يحسن صدرها حتى يعظم ثدياها. قال المهلب: عليكم من بنات خراسان بمن عظمت هامتها، وطالت قامتها. قال محمد بن حسين: عليكم بذوات الأعجاز فإنهن أنجب. كان يقال: إذا طال ساعد المرأة وعنقها وساقها لم يشك أنها تنجب. قيل لأعرابي: أي النساء أفضل؟ قال: الطويلة السالفة، الرقيقة الرادفة، العزيزة في قومها، الذليلة في نفسها، التي في حجرها غلام، وفي بطنها غلام، ولها في الغلمان غلام. وصف علي بن أبي طالب رضى الله عنه امرأةً، فقال: تدفئ الضجيع، وتروى الرضيع. يعني بعظم ثدييها. قال ابن شبرمة: سمعت محمد بن سيرين يقول: ما رأيت على رجل لباساً أزين من فصاحة، ولا رأيت لباساً على امرأة أزين من شحم. كان يقال: لو قيل للشحم أين تذهب؟ لقال: أقوم العوج.

стр. 175

وقال مصعب بن الزبير: المرأة فرش فاستوثروا. كان يقال: من تزوج امرأة فليستجد شعرها، فإن الشعر أحد الوجهين. كان يقال: النساء لعب فتخيروا. من الأمثال السائرة: لن تعدم الحسناء ذاماً. وقالوا: عقل المرأة في جمالها، وجمال الرجل في عقله. وصف رجل امرأة فقال: كأن عينيها السقم لمن رآها، وكلامها البرء لمن ناجاها. قال أشهب بن عبد العزيز. سئل مالك بن أنس: أيسلم الرجل على المرأة؟ فقال: أما المتجالّة فلا بأس، وأما التي كلامها أشهى من الرطب فلا. وقال سحنون: سمعت أشهب يقول: المكيات أخنث النساء، والمدنيات أغنج النساء. وشبه الأخطل كلام امرأة بعقد انقطع فتحدر لؤلؤه، فقال: قد يكون بها سلمى تُحَدّثني ... تَسَاقُطَ الْحَلْيِ حاجاتي وأَسْرَارِي وقال القطامي: فهن يَنْبِذْنَ من قولٍ يَصِبْن به ... مواقعَ الماء من ذي الغُلَّةِ الصّادِي وقال الراعي: لهنَّ حديثٌ فاترٌ يترُك الفَتَى ... خفوقَ الْحَشَا مُسْتَهلَكَ اللُّبِّ طامِعاَ وقال أعرابي: وحديثها كالقَطْرِ يسمعُهُ ... راعى سِنينَ تتابَعَتْ جَدْبَا فأصاخ يرجو أن يكون حَياً ... ويقولُ من فرحٍ هيا رباَّ وفي رواية أخرى: فأصاخ مُسْتَمِعاً لِدَرَّتِها وقال جِرَانُ العَوْد: حَديثٌ لو أنّ اللّحمَ يصلى بحرِّه ... غَرِيضاً أتى أصحابَه وهو مُنْضَجُ وقال بشار: كأنّ حديثَها سكَرُ الَّشراب ولبشّار أيضاً: وحديثٍ كأنه قطعُ الرّو ... ضِ وفيه الحمراءُ والصفراءُ وله: وكأنّ تحتَ لِسَانِها ... هاروتَ ينفثُ فيه سِحراَ وكأنّ رجْعَ حديثها ... قِطَعُ الِّرياض كسينَ زَهْرا وله: ولها مَبْسِمٌ كغُرِّ الأقَاحي ... وحديثُ كالوَشْيِ وشْىِ الْبُرُودِ وقال علي بن العباس الرومي: وحديثُها السِّحْرُ الحلالُ لو أنّه ... لم يَجْنِ قتلَ الْمُسْلِمِ المتحرِّزِ وإن طال لمُ يمْلَلْ وإن هي أوْجَزتْ ... ودّ المحدِّث أنها لم تُوجِزِ شَرَكُ العقول ونُهْزَهٌ ما مِثْلُها ... للمطمئن وعُقلة المستوفز وقال امرؤ القيس: وهي هيفاءُ لطيفٌ خصْرُها ... ضخمةُ الثِّدْي وَلمّا ينكسرْ وقال المرار بن سعد الجبلي: صَلْتَةُ الخَدّ طويلٌ جيدُها ... ضخمةُ الثّدْيِ ولمّا يَنْكَسِرْ وقال غيره: موسومةُ بالحسن ذات حواسدٍ ... إنّ الحسان مَظَنةٌ للحُسَّدِ وترى مَآقِيَها تقلِّبُ مُقْلَةً ... سوداءَ ترغبُ عن سَوَاد إحد وقال آخر: إن النّساءَ رياحينٌ خلقنَ لَنا ... وكلنا يَشتهى شمَّ الرَّيَاحِينِ وقال آخر: ونحن بَنْو الدُّنْيَا وهنّ بَنَاتُها ... وعيشُ بنى الدُّنيا لقاءُ بَناتِها وقال حسان بن ثابت: لو يدبُّ الحَوْلِيُّ من وَلَدِ الّذ (م) ... رِّ عليها لأدمَأَتْها الكُلُومُ الحولي من ولد الذر لا يعرف من المسن، وإنما أراد الصغير من ولد الذر، كما قال الآخر: يُلَقَّطُ حَوْلِيُّ الحصا من منازِلٍ ... من الحيِّ أمست بالجَبِيبَيْنِ بَلْقَعَا وحولي الحصا صغارها، فشبهه بالحولي من ذوات الأربع. وقال حميد بن ثور: منعمةٌ لو يًصْبح الذَّرُّ سارياً ... على جلدها بَضَّت مَدَارِجُهُ دَمَا وقال عمر بن أبي ربيعة: لو دَبّ ذَرٌّ فوق ضَاحِي جِلْدِها ... لأبَان مِنْ آثارهن حُدُورَا وقال آخر: من القاصَرات الطَّرْفِ لو دب مُحْوِلٌ ... من الذَّرِ فوق الإتْبِ منها لأثّرا وقال الحسنُ بن هانئ: وكأن مَنْثُور رُمَّانٍ بوجنتها ... لو دبَّ فيها خيالُ الذَّرِ لا نجرها وقال النظام: رقَ فلو دبَّ به نملةٌ ... لخضبّتُه بدمٍ جاَرِى أُضمرُ أن أضمرَ حبِّي له ... فيشتكى إضمارَ إضماري وبلغ قول النظام هذا أبا الهذيل، فقال: لقد رقّ هذا الموصوف حتى لا يناكُ إلا بزب الوهم.

стр. 176

وأخذ ابن الرومي قول النظام، فقال: رقّ فلو دبّ به ذرةٌ ... منعَّلةٌ أَرْجُلها بالحريرِ لأثّرت فيه كما أثّرت ... مَدَامَةٌ في العارض المستدير قال بعض حكماء أهل الأدب، كمال حسن المرأة أن تكون أربعة أشياء منها شديدة البياض، وأربعة أشياءٍ شديدة السواد، وأربعة أشياء شديدة الحمرة، وأربعة أشياء مدورة، وأربعة واسعة، وأربعة ضيقة، وأربعة رقيقة، وأربعة عظيمة، وأربعة صغاراً، وأربعة طيبة الريح. فأما الأربعة الشديدة البياض. فبياض اللون، وبياض العين، وبياض الأسنان، وبياض الظفر. وأما الأربعة الشديدة السواد، فشعر الرأس، والحاجبين، والحدقة والأهداب. وأما الشديدة الحمرة: فاللسان، والشفتان، والوجنتان، واللثة. وأما المدورة: فالرأس، والعين، والساعد، والعرقوبان. وأما الواسعة: فالجبهة، والعين، والصدر، والوركان. وأما الضيقة: فالمنخران، والأذنان، والسرة، والفرج. وأما الصغار: فالأذنان، والفم، واليدان، والرجلان. وأما الرقاق: فالحاجب، والأنف، والشفتان، والخصر. وأما الطيبة الريح: فالأنف، والفم، والأبط، والفرج. وأما العظيمة: الهامة، والمنكبان، والأضلاع، والعجز. أنشد ابن أبي طاهر لشريك الجعدي: ولو كنتُ بَعْد الشَّيْبِ طالبَ صَبوَةٍ ... لأَصْبَى فؤَادِي نِسْوَة بِحُلاَحِلِ عفيفاتُ أسْوَارٍ بَعِيدَاتُ ريبةٍ ... كثيراتُ إخْلافٍ قليلاتُ نائلِ تعلَّمْنَ والإِسْلاَم فيهن والتقى ... شَوَاكِلَ من علمِ الذّين ببَابلِ مِراضُ العُيون في احْمِرار مَحَاجِرٍ ... طوالُ المتونِ راحجاتُ الأسَافِلِ هضيماتُ ما بين الَّترائب والحشَا ... لِطَافُ البُطونِ ظامِئاتُ الخلاخِلِ تعوضن يوم الغيدِ من جَدَل المَهَا ... عيوناً وأعناقَ الظباءِ العَواطلِ كأن ذُرَا الأنْقَاءِ من رَمْلِ عَالِجٍ ... خَبَتْ وَالْتَقَتْ منهنّ تحت المفاصلِ ولدعبل بن علي الخزاعي: له منظر وَطْفٌ ومنسدل وحفُ ... ومبتسم يحيى إذا قتل الطّرفُ وللظَّبى عينَاه وللدًّرِّ ثغرُه ... وَللقُضُبِ الأعْلى وللكُثُب الرِّدْفُ ظلمتُكَ لما قلتُ أشْبَهَكِ الخِشْفُ ... أو القمرُ المعدود من شهره النصف ولكنك الُّنورُ المركبُ جوهراً ... من الحُسْن لم يبلغ له الوهُم وَالوصفُ أنشدني أبو عمر يوسف بن هَرون لنفسه: بحتُ بُحبِّي ولو غَرَامِي ... ويكونُ في صخرةٍ لَباحاَ ضيَّعْتمُ الرُّشْدَ من مُحبٍّ ... ليسَ يَرَى في الَهَوى جُنَاحاَ لم يستطع حَمْلَ ما يُلاقى ... فشقَّ أثْوابَهُ وَصَاحاَ مُحيِّرَ المقلَتْين قل لِى ... هل شَرِبَتْ مُقْلَتَاكَ رَاحاَ نَفْسيِ فدى لَمٍ وخدٍّ ... قد جَمَعَا اللَّيْل والصبَّاَحاَ وَعَقْرَبٍ سُلِّطَتْ عَلَيْنا ... تَملأُ أكبادَنا جِراحاَ قد طارَ من شوقِهِ فؤادي ... فصارَ شَوْقِي له جَنَاحاَ أنشدني أبو القاسم محمد بن نصير الكاتب لنفسه: لَثَاتُك ياقوتٌ وَثَغْرُك لُؤْلؤ ... وريقُك شهدٌ والنَّسيِمُ عَبيِرُ ومن وَرَقِ الْوَرْدِ الجنيِّ مُقَبَّلٌ ... تَرَشُّفُهُ عند المماتِ نشُورُ وخدُّكَ وردُ الرَّوضِ والصّدغ عَقْربٌ ... وطرْفكَ سحرٌ والمجسُّ حريرُ وحاجبُك المَقْرُون نونان صُفِّفَا ... وقد لاح سَوْسَانٌ عليه نضيرُ وشعرُكَ ليلٌ فاحُم اللونِ حالكٌ ... ووجهْكَ بدرٌ تحت ذاكَ مُنِيرُ وأنفُك من دُرًّ مذَابٍ مركّبٌ ... وجيدُك جيدُ الظّبْيِ وهو غريرُ وصدرُك عاجٌ أبيضُ اللون مشرِقٌ ... ورُمّانُ كافورٍ عليه صَغِيرُ ومن فضةٍ بيضاءَ كَفّاك صِيغَتَا ... ولكنْ بمحِّمر العَقِيق تشيرُ

стр. 177

وقدُّك غصنٌ حين هبَّت به الصبَّاَ ... وردْفكَ دعصٌ للرمال وثيرُ وتخطو على أنبوبتين حًكاَهما ... من النخل جُمَّارٌ يجذّ؟ ُ قشير وتحتهما مشطان رَخْصاَنِ دَلّها ... عُقُولَ ذوى الألْبَابِ حين تدورُ ودَلُّكَ سحرٌ يَخْلِسُ العقل فاتنٌ ... ولفظُك دُرٌّ إن نطقت نشيرُ فمالك في الدُّنيا من الناسِ مُشبْهٌ ... ولاَلَكَ في حوُر الجنان نظيرُ وهذا الشعر من أحسن ما قاله متقدم أو متأخر في عموم وصف المرأة وأجمعه وأطبعه إن شاء الله تعالى، على أن هذا الوصف معدوم. باب النظر إلى الوجه الحسن قال الله " قُلْ للمُؤْمِنين يَغُضُّوا من أبْصاَرِهم "، " وقلْ للمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ من أبصاَرِهِنّ ". ومنع رسول الله ﷺ الفضل بن العباس وهو رديفه، عام حجة الوداع، من النظر إلى الخثعمية، وصرف وجهه عنها. ومنع بعض أصحابه الدخول عليه من أجل صفية زوجته، وقال لهم: إنها صفية. ومنه امرأتين من نسائه من النظر إلى ابن أم مكتوم، فقالتا: أليس أعمى؟ فقال: أفعمياوان أنتما؟. قال عقيل بن علفة: لأن ينظر إلى ابنتي مائة رجل خير من أن تنظر هي إلى رجل واحد. نظر أبو حازم بن دينار إلى امرأة حسناء ترمى الجمار أو تطوف بالبيت، وقد شغلت الناس بالنظر إليها لبراعة حسنها، فقال لها: أمة الله! خمري وجهك، فقد فتنت الناس، فهذا موضع رغبةٍ ورهبة. فقالت له: إحرامي في وجهي أصلحك الله يا أبا حازم، وأنا من اللواتي قال فيهن العرجي: من اللاّءِ لم يَحْجُجْنَ يبغين حِسْبةً ... ولكنْ ليقْتُلْن التَّقَّى المُغَفّلاَ فقال أبو حازم لأصحابه: تعالوا ندع الله ألا يعذب هذه الصورة الحسنة بالنار، فقيل له: أفتنتك يا أبا حازم، فقال: لا، ولكن الحسن مرحوم. هكذا روينا هذا الخبر عن أبي حازم من وجوه بألفاظ مختلفة ومعنى متقارب. وذكر المدائني عن عبد الله بن عمر العمري، قال: خرجت حاجاً فرأيت امرأة جميلة تتكلم بكلامٍ أرفثت فيه، فأدنيت ناقتي منها، وقلت: يا أمة الله! ألست خاجة؟ أما تخافين الله؟ فسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا، ثم قالت: تأمل يا عمري، فإني ممن عناه العرجي بقوله: أماطت كِساَءَ الخزّ عن حُرِّ وجهها ... وأدْنَتْ على الخدين بُردْاً مُهَلهْلاَ من اللاّءِ لم يَحْجُجْنَ يبغين حِسبَةً ... ولكنْ ليقتُلْنَ البريءَ المغَفّلاَ وترمى بعينيها القلوبَ ولحظِها ... إذا ما رَمَتْ لم تُخْط منهن مَقْتَلاَ قال: فقلت: فأنا أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار، قال: وبلغ ذلك سعيد بن المسيب؛ فقال: أما والله لو كان من أهل العراق، لقال: اغربي قبحك الله، ولكنه ظرف عباد أهل الحجاز. قال عبد الله بن طاهر: وجه يدلُّ الناظرين ... عليه في اللّيلِ البَهِيمْ فكأنه روحُ الحَيا ... ةِ يَهْبُّ مِسْكيّ النسيمْ في خدِّه ورد الجَمَا ... لِ يُعَلُّ من ماءِ النعيمْ سقْمُ الصّحيح المُستَقِلِّ ... وصحة الرَجُلِ السَّقيم نظر رجلان إلى جارية حسناء في بعض طرق مكة فمالا إليها فاستسقياها ماءً، لسقتهما فجعلا يشربانه ولا يسيغانه فعرفت ما بهما فجعلت تقول: هما استسقيا ماءً على غير ظمأة ... ليستمتعا باللحظ ممن سقاهما فعجبا من ذلك ودفعا الإناء إليها فمرت وهي تقول: وكنتَ متى أرسلتَ طَرْفَك رائداً ... لقلبك يوماً أتعبَتْكَ المناظرُ رأيتَ الذي لا كلّه أنت قادرٌ ... عليه ولا عَنْ بعضهِ أنت صابر وقال آخر: خليليَّ للبغضاء عينٌ مُبيِنَةٌ ... وللحبِّ آياتٌ تُرَى ومعارفُ ألا إنّما العينانِ للقلبِ رَائدٌ ... فما تألفُ العينانِ فالقلبُ يألفُ يحبُّ ويُدْنِى من يقلُّ خلافُهُ ... وليس بمحبوبٍ حبيبٌ مخالفُ قال آخر: ومَالَكَ منها غير أنَك رائدٌ ... بعينيْك عينيها فهلْ ذاكَ نافِعُ

стр. 178

دخل الشعبي على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا شعبي! بلغني أنه اختصم إليك رجلٌ وامرأته، فقضيتَ للمرأة على زوجها، فقال فيك شعراً، فأخبرني بقصتيهما وأنشدني الشعر إن كنت سمعته. فقال: يا أمير المؤمنين! لا تسألني عن ذلك. فقال: عزمت عليك لتخبرني. قال: نعم، اختصمت إلى امرأة وبعلها، فقضيت للمرأة إذ توجه لها القضاء، فقام الرجل وهو يقول: فُتِن الشّعْبيُّ لّما ... رَفَعَ الطَّرْفَ إليها بفتاةٍ حين قامتْ ... رفَعَتْ مَأكَمَتَيْها ومشت مشياً رُوَيْداً ... ثم هزّت مِنْكبَيْها فتنتهُ بقوامٍ ... وبخطَّىْ حاجبيها وبنانٍ كالمَدَارِي ... واسْودادِ مُقْلتَيْها قال للجِلْوَازِ قَرّب ... هَاوأحْضِر شاهديْها فقضى جوراً علينا ... ثم لم يَقْضِ عَلَيها كيف لو أبْصر منها ... نحرَها أو سَاعِدَيها لصَباَ حتى تَرَاهُ ... ساجداً بينَ يَدَيْها بنتُ عيسى بن حَرادٍ ... ظُلِمَ الخَصْمُ لَدَيْها قال عبد الملك: فما صنعت يا شعبي؟ قال: أوجعتُ ظهرهَ حين جوّرني في شعره. هذا ما رواه سفيانُ بن عيينة، عن سالم بن أبي حفصة، عن الشعبي، وهو أصح إسنادٍ لهذا الخبر. وذكر الهيثم بن عدي، قال: خاصمت أم جعفر بين عيسى بن حراد زوجها إلى الشعبي، فلما قامت بين يديه، قيل لها: ما صعنت؟ قالت: سألني البينة، ومن سأل البينة فقد فلج، ثم قضى لها، فقال هذيل الأشجعي: فنن الشّعبىّ لما ... رفع الطرفَ إليها وذكر الأبيات: وفي رواية الهيثم بن عدي: أن الشعر لهذيل الأشجعي فيها، فبلغ ذلك الشعبي، فقال: أبعده الله، ما قضينا إلا بحق. قال الهيثم: فحدثني ابن أبي ليلى، قال: خرجنا مع الشعبي من المسجد، وقد قام من مجلس القضاء، فمررنا بجارية تغسل في إجانة فلما رأت الشعبي قالت: فُتن الشّعبيّ لما فقال الشعبي: رفع الطّرفَ إليها خاصم الوليد بن صريع، مولى عمرو بن حريث، أخته أم كلثوم ابنة صريع إلى عبد الملك بن عمير، قاضي الكوفة، وكان يقال له: القبطي، لفرسٍ كان له فقضى لها على أخيها، فقال هذيل الأشجعي: لقد عثرَ القبطيُّ أو زَلَّ زلةً ... وما كان منه لا العثارُ ولا الزّللْ أتاه وليدٌ بالشُّهودِ يقودُهُمْ ... على ما ادّعَى من صامتِ المالِ والخَوَلْ يقودُ إليه كلْثُماً وكلاُمها ... شفاءٌ من الدَّاءِ المخامرِ والخَبَلْ فأدْلى وليدٌ عند ذاك بحجةٍ ... وكان وليدٌ ذا مِراءٍ وذا جَدَلْ وكان لها دَلٌّ وعينٌ كحيلةٌ ... فأدْلَتْ بحُسنِ الدَّلِّ منها وبالكَحَلْ فأفْتنَت القبطيَّ حتّى قضى لها ... بغيرِ قضاءِ الله في مُحْكَم الطُّوَلْ فلو أنّ من في القصرِ يعلمُ علْمَه ... لما اسْتَعملَ القبِطيَّ يوماً على عَمَلْ له حين يقضي للنساء تَخَاوُصٌ ... وكان ومات فيه التخَاوص والحَوَلْ إذا ذاتُ دَلٍّ كلمتهُ بحاجةٍ ... فهمَّ بأنْ يقضى تَنَحْنَح أو سَعَلْ وبرّقَ عينيه ولاكَ لسانَهُ ... ويَرَى كل شيءٍ ما خلا شخصَها خَلَلْ فبلغ ذلك عبد الملك بن عمير، فقال: ما لهذيل أخزاه الله؟ والله لربما جاءتني النحنحة أو السعلة وأنا في المتوضأ فأردها مخافة ما قال. لعبد الله بن سليمان النحوي المكفوف: تقولُ من للعمى بالحُسْن قلتُ لَها ... كَفَى عَن الله في تحقيقهِ الخبرُ القلبُ يُدرك مالا عينَ تدركُهُ ... والحُسْنُ ما استحسنتْه النفس لا البَصرُ وما العيونُ التي تعمى إذا نظرَتْ ... بل القلوبُ التي يَعْمىَ بها النظرُ وقال أيضاً ينقُضه: ما إن يُمتِّع بالمعشوقِ عاشِقَهُ ... سمعٌ إذا لم يمتّعْهُ به البَصرُ وكل قلبٍ له حبٌّ يقلبه ... وأعذب الحبِّ ما أحباكه النظرُ

стр. 179

ولو تكافي الهوى مرأى ومستعماً ... لما تبَاينَت الأصواتُ والصورُ أنشد إسحق بن إبراهيم لعمر بن أبي ربيعة في محمد بن عروة بن الزبير، وكان جميلاً: إني امرؤٌ مُولَعٌ بالحسن أتبعُه ... لاحظَّ لي فيه إلاّ لذةُ النظرِ وقال محمود الوراق: من أطلق الطَّرْفَ اجتنى شَهْوَةً ... وحارس الشَّهوةِ غضُّ البَصَرْ والطّرْفُ للقلبِ لسانٌ فإنْ ... أرادَ نطقاً فليكرَّ النَّظَرْ يُفْهَمُ بالعينِ عن العينِ ما في الْ ... قلبِ من مكنونِ خيرٍ وشَرْ يَطْوِي لسانُ المرءِ أَخبارَه ... والطرفُ لا يملكُ طيَّ الخَبرْ وقال آخر: لا تكثرنَّ تأمُّلاً ... وامْلِكْ عَلَيْك عنانَ طَرْفِكْ فَلرُبَّما أرسلتَه ... فَرَمَاكَ في ميدانِ حَتْفِكْ وقال أعرابي: نظرتُ إليها نظرةً ما يَسرُّنِي ... وإِنْ كنت محتاجاً بها ألفُ دِرْهَمِ قال شيخ من بني نمير: نظرت إلى مولدةٍ باليمامة، فقالت: ملأت عينيك وملك غيرك. وقال ذو الرمة: على وجهِ مَيٍّ مِسْحةٌ من مَلاَحَةٍ ... وتحتَ الثِّيابِ العارُ لو كان باَدياَ ألم ترَ أنّ الماءَ يخبُثُ طعمهُ ... ولو كان لونُ الماءِ أَبيضَ صافياَ وقال بعض الأعراب: جزى الله البراقعَ من ثيابِ ... عن الفتيانِ شراً ما بَقِيناَ يوارينَ الملاَحَ فلا أرَاها ... ويوهِمْنَ القِبَاحَ فيزْدَهيِناَ وقال آخر: لقد أعجبَتْها نفسُها فتملّحت ... بأيِّ جمالٍ ليتَ شِعْرِى تَمَلَّحُ وقال إسماعيل القراطيسي: وقد أتانِي خبرٌ راعني ... مِنْ قولِها في السِّرِّ واضَيْعَتَاهْ أمثلُ هذا يبتغى وصلنَا ... أما يرى ذا وجهْهَ في المرَاهْ وقال عباس بن الأحنف: هَمّتْ بإتيانِنا حتّى إذا نظرتْ ... إلى المِرَاةِ نهاها وجههُا الحَسَنُ ما كان هذا جزائِي من مَحاسِنِهَا ... أغَرتْ بي الشَّوْق حتى شفَّني الشَّجَنُ كان يقال: أربعة تزيد في البصر: النظر إلى الوجه الحسن، وإلى الخضرة وإلى الماء الجاري، والنظر في المصحف. دخل الشعبي سوق الرقيق، فقيل له: هل من حاجة؟ فقال: حاجتي صورة حسنة، يتنعم فيها طرفي، ويلتذ بها قلبي، وتعينني على عبادة ربي. أدام إبراهيم النظام النظر إلى جاريةٍ حسناء، فقال مولاها: أراك تديم النظر إليها، فقال: مالي لا أتأمل منها ما أحل الله، وفيه دليل على حكمة صنعة الله، ومعه اشتياق إلى ما وعد الله. قال الحسن البصري: ينبغي للوجه الحسن ألا يشين وجهه بقبيح فعله وينبغي لقبيح الوجه ألا يجمع بين قبيحين. قال الشاعر: إنّ حُسْنَ الوجهِ يحتا ... جُ إلى حُسْنِ فِعَال حاجةَ الصَّادِي من الما ... ءِ إلى العَذْبِ الزَّلاَلْ باب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاء قال رسول الله ﷺ : " الدُّنيا كلها متاع، وخير متاع الدُّنيا المرأةُ الصالحة ". ويروى أن داود ﵇ قال لابنه سليمان: يا بني! إن المرأة الصالحة كمثل التاج على رأس الملك، والمرأة السوء كمثل الحمل الثقيل على ظهر الشيخ الكبير. قال رسول الله ﷺ : " المرأة كالضلع العوجاء؛ إن رفقت بها استمتعت منها " أخذه الشاعر فقال: هي الضِّلَعُ العوجاءُ لستَ تُقِيمُها ... ألاَ إنّ تقويمَ الضلوعِ انكسارُها قيل لبعض الأعراب: من تركت عند نسائك؟ فقال: حافظين: الجوع والعري، عرين فلا يظهرن، وجعن فلا يأشرن. مما أوصى به محمد بن عبد الله بن حسين ابنيه، فقال: واعلما أن لن تسقط امرأة واظبت على ثلاث خلال: الماء والسواك والكحل فعليكما بهن. قال رسول الله ﷺ : " إياكم وخضراء الدمن. قالوا: وما خضراء الدمن؟ فقال: المرأة الحسناء في المنبت السوء ". شبهها بنبات أخضر نضر نبت على دمنة، وهي الأبعار والأبوال تبلبل بعضها على بعض.

стр. 180

قال معاذ بن جبل: أخوف ما أخاف عليكم النساء، إذا تسورن الذهب، ولبسن عصب اليمن، ورباط الشام، فأتعبن الغنىّ وكلفن الفقير مالا يجد. قال سمرة بن جندب: سمعت عمر بن الخطاب يقول: النساء ثلاث والرجال ثلاثة: امرأة عاقلة مسلمة عفيفة هينة لينة ودود ولود، تعين أهلها على الدهر، ولا تعين الدهر على أهلها، وقليلا ما تجدها. وأخرى وعاء للولد لا تزيد على ذلك، وأخرى غلٌ قملٌ يجعله الله في عنق من يشاء، ثم إذا شاء أن ينزعه نزعه. وذكر الرجال بما قد ذكرته في باب ثلاثة. قال منصور الفقيه: أفضلُ ما نال الفَتَى ... بعد الهُدَى وَالْعَافِيَهْ قرينةٌ مُسْلمِةٌ ... عفيفةٌ موَاتَيهْ ذكر ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: قالوا: النساء خلقن من ضعف، فداووا ضعفهن بالسكوت، وعوراتهن بالبيوت. قال رسول الله ﷺ : " تُنكح المرأة لمالها وحسبها وجمالها ودينها، فعليك بذوات الدين تربت يداك ". قال رسول الله ﷺ : " عليكم بالأبكار؛ فإنهن أطيب أفواهاً، وأرتق أرحاماً، وإياكم والعجائز ". وروي عنه ﵇ أنه قال: " أعظم النساء بركةً أحسنهنّ وجوها، وأرخصهن مهوراً ". وروي عنه ﵇ أنه قال: " ترفقوا ولا تطلقوا، وانكحوا الأكفاء واختاروا لنطفكم، فإن العرق دساس ". كان يقال: إياكم ومناكحة الحمقاء، فإن صبحتها أذى ومناكحتها أذى ". قال أبو الأسود لبنيه: يا بني! قد أحسنت إليكم صغاراً وكباراً، وقبل أن تولدوا، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: التمست لكم من النساء الموضع الذي لا تعابون به. وشوور بعض الحكماء في تزويجٍ، فقال للمشاور: يا ابن أخي! إياك أن تزوج لأهل دناءةٍ أصابوا من الدنيا، فإنك تشركهم في دناءتهم، ويستأثرون عليك بدنياهم. قال: فقمت عنه وقد اكتفيت بما قال لي. كان يقال: لا تسترضعوا الحمقاء؛ فإن اللبن ينزع بالشبه إليها. قال عمر بن الخطاب: لا تسكنوا نساءكم الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، واستعينوا عليهن بالعرى. قال عمر بن الخطاب ﵀: استعيذوا بالله من شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر. وقال أيضاً: عليكم بالسراري؛ فإنا رأيناهن يأخذنَ بعز العرب وملك العجم. قال علي بن أبي طالب: خيرُ نسائكم الطيبة الرائحة، الطيبة الطعام، التي إن أنفقت أنفقت قصدا، وإن أمسكت أمسكت قصدا، فتلك من عمال الله، وعامل الله لا يخيب. قال علي بن أبي طالب: من أراد البقاء - ولا بقاء - فليخفف الرداء، وليباكر الغداء، وليقل مجامعة النساء. قيل له: وما خفة الرداء؟ قال: الدين. ثم قال: المرء بجدّه والسيف بحدّه، والثناء بعد البلاء. قال عمرو بن العاص: الناكح مغترس، فلينظر امرؤ حيث يقع غرسه. قال المغيرة بن شعبة: صاحب المرأة الواحدة امرأة مثلها، إن بانت بان معها، وإن حاضت حاض معها، وإن مرضت مرض معها، وصاحب المرأتين على جمرتين، وصاحب الثلاث على رستاق، وصاحب الأربعة كل ليلةٍ عروس، أخذه الشاعر فقال: وصاحبُ ضرتَّينِ على الليالي ... كما قد قيل بين الْجَمْرَتَيْنِ رضَا هذِى يُهيَجّ سُخْط هَذِى ... فما يَعْرَى من إحدَى السُّخْطَتين دخل أعرابي على الحجاج فسمعه يقول: لا تكمل النعمة على المرء حتى ينكح أربع نسوة يجتمعن عنده، فانصرف الأعرابي فباع متاع بيته، وتزوج أربع نسوة، فلم توافقه منهن واحدة، خرجت واحدة حمقاء رعناء، والثانية متبرجة، والثالثة فارك أو قال فروك، والرابعة مذكرة، فدخل على الحجاج فقال: أصلح الله الأمير، سمعت منك كلاماً أردت أن تتم لي به قرة عين؛ فبعت جميع ما أملك، حتى تزوجت أربع نسوةٍ، فلم توافقني منهن واحدة، وقد قلت فيهن شعراً، فاسمع مني، قال: قُل. فقال: تزوجتُ أبغي قُرّةَ العينِ أربَعا ... فياليتَ أنّى لم أكن أتزوَّجُ وياليتنى أَعْمَى أصمُّ ولم أكُنْ ... تزوجتُ بل ياليت أنى مُخَدَّجُ فواخدةٌ ما تعرفُ الله ربَّها ... ولا ما التُّقَى تدري وَلا ما التَّحرُّجُ وثانيةٌ ما إن تقرَّ ببيتها ... مذكّرة مشهورة تتبرَّجُ وثالثة حمقاءُ رَعْنَا سخيفةٌ ... فكل الذي تأتي من الأمر أعوجُ
следующие страницы →