Полный текст (256 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وأخذ ابن الرومي قول النظام، فقال:
رقّ فلو دبّ به ذرةٌ ... منعَّلةٌ أَرْجُلها بالحريرِ
لأثّرت فيه كما أثّرت ... مَدَامَةٌ في العارض المستدير
قال بعض حكماء أهل الأدب، كمال حسن المرأة أن تكون أربعة أشياء منها شديدة البياض، وأربعة أشياءٍ شديدة السواد، وأربعة أشياء شديدة الحمرة، وأربعة أشياء مدورة، وأربعة واسعة، وأربعة ضيقة، وأربعة رقيقة، وأربعة عظيمة، وأربعة صغاراً، وأربعة طيبة الريح. فأما الأربعة الشديدة البياض. فبياض اللون، وبياض العين، وبياض الأسنان، وبياض الظفر.
وأما الأربعة الشديدة السواد، فشعر الرأس، والحاجبين، والحدقة والأهداب.
وأما الشديدة الحمرة: فاللسان، والشفتان، والوجنتان، واللثة.
وأما المدورة: فالرأس، والعين، والساعد، والعرقوبان.
وأما الواسعة: فالجبهة، والعين، والصدر، والوركان.
وأما الضيقة: فالمنخران، والأذنان، والسرة، والفرج.
وأما الصغار: فالأذنان، والفم، واليدان، والرجلان.
وأما الرقاق: فالحاجب، والأنف، والشفتان، والخصر.
وأما الطيبة الريح: فالأنف، والفم، والأبط، والفرج.
وأما العظيمة: الهامة، والمنكبان، والأضلاع، والعجز.
أنشد ابن أبي طاهر لشريك الجعدي:
ولو كنتُ بَعْد الشَّيْبِ طالبَ صَبوَةٍ ... لأَصْبَى فؤَادِي نِسْوَة بِحُلاَحِلِ
عفيفاتُ أسْوَارٍ بَعِيدَاتُ ريبةٍ ... كثيراتُ إخْلافٍ قليلاتُ نائلِ
تعلَّمْنَ والإِسْلاَم فيهن والتقى ... شَوَاكِلَ من علمِ الذّين ببَابلِ
مِراضُ العُيون في احْمِرار مَحَاجِرٍ ... طوالُ المتونِ راحجاتُ الأسَافِلِ
هضيماتُ ما بين الَّترائب والحشَا ... لِطَافُ البُطونِ ظامِئاتُ الخلاخِلِ
تعوضن يوم الغيدِ من جَدَل المَهَا ... عيوناً وأعناقَ الظباءِ العَواطلِ
كأن ذُرَا الأنْقَاءِ من رَمْلِ عَالِجٍ ... خَبَتْ وَالْتَقَتْ منهنّ تحت المفاصلِ
ولدعبل بن علي الخزاعي:
له منظر وَطْفٌ ومنسدل وحفُ ... ومبتسم يحيى إذا قتل الطّرفُ
وللظَّبى عينَاه وللدًّرِّ ثغرُه ... وَللقُضُبِ الأعْلى وللكُثُب الرِّدْفُ
ظلمتُكَ لما قلتُ أشْبَهَكِ الخِشْفُ ... أو القمرُ المعدود من شهره النصف
ولكنك الُّنورُ المركبُ جوهراً ... من الحُسْن لم يبلغ له الوهُم وَالوصفُ
أنشدني أبو عمر يوسف بن هَرون لنفسه:
بحتُ بُحبِّي ولو غَرَامِي ... ويكونُ في صخرةٍ لَباحاَ
ضيَّعْتمُ الرُّشْدَ من مُحبٍّ ... ليسَ يَرَى في الَهَوى جُنَاحاَ
لم يستطع حَمْلَ ما يُلاقى ... فشقَّ أثْوابَهُ وَصَاحاَ
مُحيِّرَ المقلَتْين قل لِى ... هل شَرِبَتْ مُقْلَتَاكَ رَاحاَ
نَفْسيِ فدى لَمٍ وخدٍّ ... قد جَمَعَا اللَّيْل والصبَّاَحاَ
وَعَقْرَبٍ سُلِّطَتْ عَلَيْنا ... تَملأُ أكبادَنا جِراحاَ
قد طارَ من شوقِهِ فؤادي ... فصارَ شَوْقِي له جَنَاحاَ
أنشدني أبو القاسم محمد بن نصير الكاتب لنفسه:
لَثَاتُك ياقوتٌ وَثَغْرُك لُؤْلؤ ... وريقُك شهدٌ والنَّسيِمُ عَبيِرُ
ومن وَرَقِ الْوَرْدِ الجنيِّ مُقَبَّلٌ ... تَرَشُّفُهُ عند المماتِ نشُورُ
وخدُّكَ وردُ الرَّوضِ والصّدغ عَقْربٌ ... وطرْفكَ سحرٌ والمجسُّ حريرُ
وحاجبُك المَقْرُون نونان صُفِّفَا ... وقد لاح سَوْسَانٌ عليه نضيرُ
وشعرُكَ ليلٌ فاحُم اللونِ حالكٌ ... ووجهْكَ بدرٌ تحت ذاكَ مُنِيرُ
وأنفُك من دُرًّ مذَابٍ مركّبٌ ... وجيدُك جيدُ الظّبْيِ وهو غريرُ
وصدرُك عاجٌ أبيضُ اللون مشرِقٌ ... ورُمّانُ كافورٍ عليه صَغِيرُ
ومن فضةٍ بيضاءَ كَفّاك صِيغَتَا ... ولكنْ بمحِّمر العَقِيق تشيرُ
стр. 177
وقدُّك غصنٌ حين هبَّت به الصبَّاَ ... وردْفكَ دعصٌ للرمال وثيرُ
وتخطو على أنبوبتين حًكاَهما ... من النخل جُمَّارٌ يجذّ؟ ُ قشير
وتحتهما مشطان رَخْصاَنِ دَلّها ... عُقُولَ ذوى الألْبَابِ حين تدورُ
ودَلُّكَ سحرٌ يَخْلِسُ العقل فاتنٌ ... ولفظُك دُرٌّ إن نطقت نشيرُ
فمالك في الدُّنيا من الناسِ مُشبْهٌ ... ولاَلَكَ في حوُر الجنان نظيرُ
وهذا الشعر من أحسن ما قاله متقدم أو متأخر في عموم وصف المرأة وأجمعه وأطبعه إن شاء الله تعالى، على أن هذا الوصف معدوم.
باب النظر إلى الوجه الحسن
قال الله " قُلْ للمُؤْمِنين يَغُضُّوا من أبْصاَرِهم "، " وقلْ للمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ من أبصاَرِهِنّ ".
ومنع رسول الله ﷺ الفضل بن العباس وهو رديفه، عام حجة الوداع، من النظر إلى الخثعمية، وصرف وجهه عنها.
ومنع بعض أصحابه الدخول عليه من أجل صفية زوجته، وقال لهم: إنها صفية.
ومنه امرأتين من نسائه من النظر إلى ابن أم مكتوم، فقالتا: أليس أعمى؟ فقال: أفعمياوان أنتما؟.
قال عقيل بن علفة: لأن ينظر إلى ابنتي مائة رجل خير من أن تنظر هي إلى رجل واحد.
نظر أبو حازم بن دينار إلى امرأة حسناء ترمى الجمار أو تطوف بالبيت، وقد شغلت الناس بالنظر إليها لبراعة حسنها، فقال لها: أمة الله! خمري وجهك، فقد فتنت الناس، فهذا موضع رغبةٍ ورهبة. فقالت له: إحرامي في وجهي أصلحك الله يا أبا حازم، وأنا من اللواتي قال فيهن العرجي:
من اللاّءِ لم يَحْجُجْنَ يبغين حِسْبةً ... ولكنْ ليقْتُلْن التَّقَّى المُغَفّلاَ
فقال أبو حازم لأصحابه: تعالوا ندع الله ألا يعذب هذه الصورة الحسنة بالنار، فقيل له: أفتنتك يا أبا حازم، فقال: لا، ولكن الحسن مرحوم.
هكذا روينا هذا الخبر عن أبي حازم من وجوه بألفاظ مختلفة ومعنى متقارب.
وذكر المدائني عن عبد الله بن عمر العمري، قال: خرجت حاجاً فرأيت امرأة جميلة تتكلم بكلامٍ أرفثت فيه، فأدنيت ناقتي منها، وقلت: يا أمة الله! ألست خاجة؟ أما تخافين الله؟ فسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا، ثم قالت: تأمل يا عمري، فإني ممن عناه العرجي بقوله:
أماطت كِساَءَ الخزّ عن حُرِّ وجهها ... وأدْنَتْ على الخدين بُردْاً مُهَلهْلاَ
من اللاّءِ لم يَحْجُجْنَ يبغين حِسبَةً ... ولكنْ ليقتُلْنَ البريءَ المغَفّلاَ
وترمى بعينيها القلوبَ ولحظِها ... إذا ما رَمَتْ لم تُخْط منهن مَقْتَلاَ
قال: فقلت: فأنا أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار، قال: وبلغ ذلك سعيد بن المسيب؛ فقال: أما والله لو كان من أهل العراق، لقال: اغربي قبحك الله، ولكنه ظرف عباد أهل الحجاز.
قال عبد الله بن طاهر:
وجه يدلُّ الناظرين ... عليه في اللّيلِ البَهِيمْ
فكأنه روحُ الحَيا ... ةِ يَهْبُّ مِسْكيّ النسيمْ
في خدِّه ورد الجَمَا ... لِ يُعَلُّ من ماءِ النعيمْ
سقْمُ الصّحيح المُستَقِلِّ ... وصحة الرَجُلِ السَّقيم
نظر رجلان إلى جارية حسناء في بعض طرق مكة فمالا إليها فاستسقياها ماءً، لسقتهما فجعلا يشربانه ولا يسيغانه فعرفت ما بهما فجعلت تقول:
هما استسقيا ماءً على غير ظمأة ... ليستمتعا باللحظ ممن سقاهما
فعجبا من ذلك ودفعا الإناء إليها فمرت وهي تقول:
وكنتَ متى أرسلتَ طَرْفَك رائداً ... لقلبك يوماً أتعبَتْكَ المناظرُ
رأيتَ الذي لا كلّه أنت قادرٌ ... عليه ولا عَنْ بعضهِ أنت صابر
وقال آخر:
خليليَّ للبغضاء عينٌ مُبيِنَةٌ ... وللحبِّ آياتٌ تُرَى ومعارفُ
ألا إنّما العينانِ للقلبِ رَائدٌ ... فما تألفُ العينانِ فالقلبُ يألفُ
يحبُّ ويُدْنِى من يقلُّ خلافُهُ ... وليس بمحبوبٍ حبيبٌ مخالفُ
قال آخر:
ومَالَكَ منها غير أنَك رائدٌ ... بعينيْك عينيها فهلْ ذاكَ نافِعُ
стр. 178
دخل الشعبي على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا شعبي! بلغني أنه اختصم إليك رجلٌ وامرأته، فقضيتَ للمرأة على زوجها، فقال فيك شعراً، فأخبرني بقصتيهما وأنشدني الشعر إن كنت سمعته. فقال: يا أمير المؤمنين! لا تسألني عن ذلك. فقال: عزمت عليك لتخبرني. قال: نعم، اختصمت إلى امرأة وبعلها، فقضيت للمرأة إذ توجه لها القضاء، فقام الرجل وهو يقول:
فُتِن الشّعْبيُّ لّما ... رَفَعَ الطَّرْفَ إليها
بفتاةٍ حين قامتْ ... رفَعَتْ مَأكَمَتَيْها
ومشت مشياً رُوَيْداً ... ثم هزّت مِنْكبَيْها
فتنتهُ بقوامٍ ... وبخطَّىْ حاجبيها
وبنانٍ كالمَدَارِي ... واسْودادِ مُقْلتَيْها
قال للجِلْوَازِ قَرّب ... هَاوأحْضِر شاهديْها
فقضى جوراً علينا ... ثم لم يَقْضِ عَلَيها
كيف لو أبْصر منها ... نحرَها أو سَاعِدَيها
لصَباَ حتى تَرَاهُ ... ساجداً بينَ يَدَيْها
بنتُ عيسى بن حَرادٍ ... ظُلِمَ الخَصْمُ لَدَيْها
قال عبد الملك: فما صنعت يا شعبي؟ قال: أوجعتُ ظهرهَ حين جوّرني في شعره.
هذا ما رواه سفيانُ بن عيينة، عن سالم بن أبي حفصة، عن الشعبي، وهو أصح إسنادٍ لهذا الخبر. وذكر الهيثم بن عدي، قال: خاصمت أم جعفر بين عيسى بن حراد زوجها إلى الشعبي، فلما قامت بين يديه، قيل لها: ما صعنت؟ قالت: سألني البينة، ومن سأل البينة فقد فلج، ثم قضى لها، فقال هذيل الأشجعي:
فنن الشّعبىّ لما ... رفع الطرفَ إليها
وذكر الأبيات: وفي رواية الهيثم بن عدي: أن الشعر لهذيل الأشجعي فيها، فبلغ ذلك الشعبي، فقال: أبعده الله، ما قضينا إلا بحق. قال الهيثم: فحدثني ابن أبي ليلى، قال: خرجنا مع الشعبي من المسجد، وقد قام من مجلس القضاء، فمررنا بجارية تغسل في إجانة فلما رأت الشعبي قالت:
فُتن الشّعبيّ لما
فقال الشعبي:
رفع الطّرفَ إليها
خاصم الوليد بن صريع، مولى عمرو بن حريث، أخته أم كلثوم ابنة صريع إلى عبد الملك بن عمير، قاضي الكوفة، وكان يقال له: القبطي، لفرسٍ كان له فقضى لها على أخيها، فقال هذيل الأشجعي:
لقد عثرَ القبطيُّ أو زَلَّ زلةً ... وما كان منه لا العثارُ ولا الزّللْ
أتاه وليدٌ بالشُّهودِ يقودُهُمْ ... على ما ادّعَى من صامتِ المالِ والخَوَلْ
يقودُ إليه كلْثُماً وكلاُمها ... شفاءٌ من الدَّاءِ المخامرِ والخَبَلْ
فأدْلى وليدٌ عند ذاك بحجةٍ ... وكان وليدٌ ذا مِراءٍ وذا جَدَلْ
وكان لها دَلٌّ وعينٌ كحيلةٌ ... فأدْلَتْ بحُسنِ الدَّلِّ منها وبالكَحَلْ
فأفْتنَت القبطيَّ حتّى قضى لها ... بغيرِ قضاءِ الله في مُحْكَم الطُّوَلْ
فلو أنّ من في القصرِ يعلمُ علْمَه ... لما اسْتَعملَ القبِطيَّ يوماً على عَمَلْ
له حين يقضي للنساء تَخَاوُصٌ ... وكان ومات فيه التخَاوص والحَوَلْ
إذا ذاتُ دَلٍّ كلمتهُ بحاجةٍ ... فهمَّ بأنْ يقضى تَنَحْنَح أو سَعَلْ
وبرّقَ عينيه ولاكَ لسانَهُ ... ويَرَى كل شيءٍ ما خلا شخصَها خَلَلْ
فبلغ ذلك عبد الملك بن عمير، فقال: ما لهذيل أخزاه الله؟ والله لربما جاءتني النحنحة أو السعلة وأنا في المتوضأ فأردها مخافة ما قال.
لعبد الله بن سليمان النحوي المكفوف:
تقولُ من للعمى بالحُسْن قلتُ لَها ... كَفَى عَن الله في تحقيقهِ الخبرُ
القلبُ يُدرك مالا عينَ تدركُهُ ... والحُسْنُ ما استحسنتْه النفس لا البَصرُ
وما العيونُ التي تعمى إذا نظرَتْ ... بل القلوبُ التي يَعْمىَ بها النظرُ
وقال أيضاً ينقُضه:
ما إن يُمتِّع بالمعشوقِ عاشِقَهُ ... سمعٌ إذا لم يمتّعْهُ به البَصرُ
وكل قلبٍ له حبٌّ يقلبه ... وأعذب الحبِّ ما أحباكه النظرُ
стр. 179
ولو تكافي الهوى مرأى ومستعماً ... لما تبَاينَت الأصواتُ والصورُ
أنشد إسحق بن إبراهيم لعمر بن أبي ربيعة في محمد بن عروة بن الزبير، وكان جميلاً:
إني امرؤٌ مُولَعٌ بالحسن أتبعُه ... لاحظَّ لي فيه إلاّ لذةُ النظرِ
وقال محمود الوراق:
من أطلق الطَّرْفَ اجتنى شَهْوَةً ... وحارس الشَّهوةِ غضُّ البَصَرْ
والطّرْفُ للقلبِ لسانٌ فإنْ ... أرادَ نطقاً فليكرَّ النَّظَرْ
يُفْهَمُ بالعينِ عن العينِ ما في الْ ... قلبِ من مكنونِ خيرٍ وشَرْ
يَطْوِي لسانُ المرءِ أَخبارَه ... والطرفُ لا يملكُ طيَّ الخَبرْ
وقال آخر:
لا تكثرنَّ تأمُّلاً ... وامْلِكْ عَلَيْك عنانَ طَرْفِكْ
فَلرُبَّما أرسلتَه ... فَرَمَاكَ في ميدانِ حَتْفِكْ
وقال أعرابي:
نظرتُ إليها نظرةً ما يَسرُّنِي ... وإِنْ كنت محتاجاً بها ألفُ دِرْهَمِ
قال شيخ من بني نمير: نظرت إلى مولدةٍ باليمامة، فقالت: ملأت عينيك وملك غيرك.
وقال ذو الرمة:
على وجهِ مَيٍّ مِسْحةٌ من مَلاَحَةٍ ... وتحتَ الثِّيابِ العارُ لو كان باَدياَ
ألم ترَ أنّ الماءَ يخبُثُ طعمهُ ... ولو كان لونُ الماءِ أَبيضَ صافياَ
وقال بعض الأعراب:
جزى الله البراقعَ من ثيابِ ... عن الفتيانِ شراً ما بَقِيناَ
يوارينَ الملاَحَ فلا أرَاها ... ويوهِمْنَ القِبَاحَ فيزْدَهيِناَ
وقال آخر:
لقد أعجبَتْها نفسُها فتملّحت ... بأيِّ جمالٍ ليتَ شِعْرِى تَمَلَّحُ
وقال إسماعيل القراطيسي:
وقد أتانِي خبرٌ راعني ... مِنْ قولِها في السِّرِّ واضَيْعَتَاهْ
أمثلُ هذا يبتغى وصلنَا ... أما يرى ذا وجهْهَ في المرَاهْ
وقال عباس بن الأحنف:
هَمّتْ بإتيانِنا حتّى إذا نظرتْ ... إلى المِرَاةِ نهاها وجههُا الحَسَنُ
ما كان هذا جزائِي من مَحاسِنِهَا ... أغَرتْ بي الشَّوْق حتى شفَّني الشَّجَنُ
كان يقال: أربعة تزيد في البصر: النظر إلى الوجه الحسن، وإلى الخضرة وإلى الماء الجاري، والنظر في المصحف.
دخل الشعبي سوق الرقيق، فقيل له: هل من حاجة؟ فقال: حاجتي صورة حسنة، يتنعم فيها طرفي، ويلتذ بها قلبي، وتعينني على عبادة ربي.
أدام إبراهيم النظام النظر إلى جاريةٍ حسناء، فقال مولاها: أراك تديم النظر إليها، فقال: مالي لا أتأمل منها ما أحل الله، وفيه دليل على حكمة صنعة الله، ومعه اشتياق إلى ما وعد الله.
قال الحسن البصري: ينبغي للوجه الحسن ألا يشين وجهه بقبيح فعله وينبغي لقبيح الوجه ألا يجمع بين قبيحين.
قال الشاعر:
إنّ حُسْنَ الوجهِ يحتا ... جُ إلى حُسْنِ فِعَال
حاجةَ الصَّادِي من الما ... ءِ إلى العَذْبِ الزَّلاَلْ
باب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاء
قال رسول الله ﷺ : " الدُّنيا كلها متاع، وخير متاع الدُّنيا المرأةُ الصالحة ".
ويروى أن داود ﵇ قال لابنه سليمان: يا بني! إن المرأة الصالحة كمثل التاج على رأس الملك، والمرأة السوء كمثل الحمل الثقيل على ظهر الشيخ الكبير.
قال رسول الله ﷺ : " المرأة كالضلع العوجاء؛ إن رفقت بها استمتعت منها " أخذه الشاعر فقال:
هي الضِّلَعُ العوجاءُ لستَ تُقِيمُها ... ألاَ إنّ تقويمَ الضلوعِ انكسارُها
قيل لبعض الأعراب: من تركت عند نسائك؟ فقال: حافظين: الجوع والعري، عرين فلا يظهرن، وجعن فلا يأشرن.
مما أوصى به محمد بن عبد الله بن حسين ابنيه، فقال: واعلما أن لن تسقط امرأة واظبت على ثلاث خلال: الماء والسواك والكحل فعليكما بهن.
قال رسول الله ﷺ : " إياكم وخضراء الدمن. قالوا: وما خضراء الدمن؟ فقال: المرأة الحسناء في المنبت السوء ". شبهها بنبات أخضر نضر نبت على دمنة، وهي الأبعار والأبوال تبلبل بعضها على بعض.
стр. 180
قال معاذ بن جبل: أخوف ما أخاف عليكم النساء، إذا تسورن الذهب، ولبسن عصب اليمن، ورباط الشام، فأتعبن الغنىّ وكلفن الفقير مالا يجد.
قال سمرة بن جندب: سمعت عمر بن الخطاب يقول: النساء ثلاث والرجال ثلاثة: امرأة عاقلة مسلمة عفيفة هينة لينة ودود ولود، تعين أهلها على الدهر، ولا تعين الدهر على أهلها، وقليلا ما تجدها. وأخرى وعاء للولد لا تزيد على ذلك، وأخرى غلٌ قملٌ يجعله الله في عنق من يشاء، ثم إذا شاء أن ينزعه نزعه.
وذكر الرجال بما قد ذكرته في باب ثلاثة.
قال منصور الفقيه:
أفضلُ ما نال الفَتَى ... بعد الهُدَى وَالْعَافِيَهْ
قرينةٌ مُسْلمِةٌ ... عفيفةٌ موَاتَيهْ
ذكر ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: قالوا: النساء خلقن من ضعف، فداووا ضعفهن بالسكوت، وعوراتهن بالبيوت.
قال رسول الله ﷺ : " تُنكح المرأة لمالها وحسبها وجمالها ودينها، فعليك بذوات الدين تربت يداك ".
قال رسول الله ﷺ : " عليكم بالأبكار؛ فإنهن أطيب أفواهاً، وأرتق أرحاماً، وإياكم والعجائز ".
وروي عنه ﵇ أنه قال: " أعظم النساء بركةً أحسنهنّ وجوها، وأرخصهن مهوراً ".
وروي عنه ﵇ أنه قال: " ترفقوا ولا تطلقوا، وانكحوا الأكفاء واختاروا لنطفكم، فإن العرق دساس ".
كان يقال: إياكم ومناكحة الحمقاء، فإن صبحتها أذى ومناكحتها أذى ".
قال أبو الأسود لبنيه: يا بني! قد أحسنت إليكم صغاراً وكباراً، وقبل أن تولدوا، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: التمست لكم من النساء الموضع الذي لا تعابون به.
وشوور بعض الحكماء في تزويجٍ، فقال للمشاور: يا ابن أخي! إياك أن تزوج لأهل دناءةٍ أصابوا من الدنيا، فإنك تشركهم في دناءتهم، ويستأثرون عليك بدنياهم. قال: فقمت عنه وقد اكتفيت بما قال لي.
كان يقال: لا تسترضعوا الحمقاء؛ فإن اللبن ينزع بالشبه إليها.
قال عمر بن الخطاب: لا تسكنوا نساءكم الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، واستعينوا عليهن بالعرى.
قال عمر بن الخطاب ﵀: استعيذوا بالله من شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر.
وقال أيضاً: عليكم بالسراري؛ فإنا رأيناهن يأخذنَ بعز العرب وملك العجم.
قال علي بن أبي طالب: خيرُ نسائكم الطيبة الرائحة، الطيبة الطعام، التي إن أنفقت أنفقت قصدا، وإن أمسكت أمسكت قصدا، فتلك من عمال الله، وعامل الله لا يخيب.
قال علي بن أبي طالب: من أراد البقاء - ولا بقاء - فليخفف الرداء، وليباكر الغداء، وليقل مجامعة النساء. قيل له: وما خفة الرداء؟ قال: الدين. ثم قال: المرء بجدّه والسيف بحدّه، والثناء بعد البلاء.
قال عمرو بن العاص: الناكح مغترس، فلينظر امرؤ حيث يقع غرسه.
قال المغيرة بن شعبة: صاحب المرأة الواحدة امرأة مثلها، إن بانت بان معها، وإن حاضت حاض معها، وإن مرضت مرض معها، وصاحب المرأتين على جمرتين، وصاحب الثلاث على رستاق، وصاحب الأربعة كل ليلةٍ عروس، أخذه الشاعر فقال:
وصاحبُ ضرتَّينِ على الليالي ... كما قد قيل بين الْجَمْرَتَيْنِ
رضَا هذِى يُهيَجّ سُخْط هَذِى ... فما يَعْرَى من إحدَى السُّخْطَتين
دخل أعرابي على الحجاج فسمعه يقول: لا تكمل النعمة على المرء حتى ينكح أربع نسوة يجتمعن عنده، فانصرف الأعرابي فباع متاع بيته، وتزوج أربع نسوة، فلم توافقه منهن واحدة، خرجت واحدة حمقاء رعناء، والثانية متبرجة، والثالثة فارك أو قال فروك، والرابعة مذكرة، فدخل على الحجاج فقال: أصلح الله الأمير، سمعت منك كلاماً أردت أن تتم لي به قرة عين؛ فبعت جميع ما أملك، حتى تزوجت أربع نسوةٍ، فلم توافقني منهن واحدة، وقد قلت فيهن شعراً، فاسمع مني، قال: قُل. فقال:
تزوجتُ أبغي قُرّةَ العينِ أربَعا ... فياليتَ أنّى لم أكن أتزوَّجُ
وياليتنى أَعْمَى أصمُّ ولم أكُنْ ... تزوجتُ بل ياليت أنى مُخَدَّجُ
فواخدةٌ ما تعرفُ الله ربَّها ... ولا ما التُّقَى تدري وَلا ما التَّحرُّجُ
وثانيةٌ ما إن تقرَّ ببيتها ... مذكّرة مشهورة تتبرَّجُ
وثالثة حمقاءُ رَعْنَا سخيفةٌ ... فكل الذي تأتي من الأمر أعوجُ
стр. 181
ورابعةٌ مفروكةٌ ذاتُ شِرَّةٍ ... فليستْ بها نفسي مَدَى الدهر تُبْهَجُ
فهنَّ طلاقٌ كلُّهُن بوائنُ ... ثلاثاً ثلاثاً فاسْهَدُوا لا تلجلجوا
فضحك الحجاج حتى كاد يسقط من سريره، ثم قال له: كم مهورهنّ؟ قال: أربعة آلاف درهم. فأمر له بثمانية آلاف درهم.
قال أكثم بن صيفي لبنيه: يا بني لا ينكبنكم جمال النساء عن صراحة النسب، فإن المناكح الكريمة مدرجة للشرف.
روى أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر: أن عبد الله بن رواحة وقع على جارية له، فاتهمته امرأته، فقال: ما فعلت. فقالت: فاقرأ القرآن إذاً. فقال:
وفينا رسولُ اللهِ يتلوُ كتابَهُ ... كما انشقّ مشهورٌ من الصبح سَاطِعُ
أتانا الهُدى بعد العَمى فقلوبُنَا ... به موقنات أن ما قال واقعُ
يبيتُ يجافى جنبه عن فِرَاشه ... إذا استثقلَتْ بالهَاجعينَ المضاجعُ
فقالت: أولى لك. وفي رواية أخرى في هذه القصة أنها لما قالت له: فاقرأ إذاً شيئاً من القرآن، قال:
سمعتُ بأنّ وعدَ الله حقٌّ ... وأن النَّار مثوى الكاَفِرِينا
وأن العرشَ فوقَ الماءِحقٌّ ... وفوقَ العرشِ ربُّ العالَمِينا
قالت: ما شاء الله! كذبت عيني، وأنت الصادق. أو نحو هذا.
قال المغيرة بن شعبة: إذا كان الرجل مذكراً والمرأة مذكرة تصادما العيش، وإذا كان الرجل مؤنثا والمرأة مؤنثة ماتا هزلاً، وإذا كان الرجل مؤنثاً والمرأة مذكرة كان الرجل هو المرأة، والمرأة هي الرجل، وإذا كان الرجل مذكراً والمرأة مؤنثة طاب عيشهما.
قال الحسن: إياكم وسمنة البنات، فإن كنتم لابد فاعلين، فاحفظوهن.
قال إياس بن معاوية: من يمن المرأة الولد، ومن بركتها مياسرتها في المهر.
كان يقال: لا تزوج كريمتك إلا من عاقل، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها أنصفها.
قال غيره: لا تزوج وليتك إلا من ذي دين، فإن أحبها أحسن إليها، وإن أبغضها لم يظلمها.
روى أبو العباس عن الأصمعي قال: قال أعرابي لامرأته: صفيني بما تعلمي مني ولا تكتمي. فقالت: أما والله إن كنت لخفيفاً على ظهر الفرس، ثقيلاً على العدو، ضحوكاً مقبلا، كسوباً مدبراً، لا تشبع ليلة تضاف، ولا تنام ليلة تخاف.
وعن الأصمعي أيضاً، قال: هلك رجل من العرب، فقيل لامرأته: صفي بعلك، فقالت: والله إن كان - فيما علمت - لضحوكاً إذ ولج، كسوباً إذا خرج، آكلا ما وجد، غير سائلٍ ما فقد.
قال الأصمعي، قال الحسن: كان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل المرأة تقول: ما حسبه، وما حسبها؟ فلما جاء الإسلام، قالوا: ما دينه، وما دينها؟ وأنتم اليوم تقولون: ما ماله، وما مالها؟.
قال الشاعر:
لا يأمننَّ على النساءِ أخٌ أَخَا ... ما في الرجالِ على النساءِ أَمينُ
إن الأمينَ وإنْ تحفّظَ جَهْدَهُ ... لابدّ أنّ بنظرةٍ سيخونُ
قيل لبعضهم: ما تقول في الباه؟ قال: عندي ما يقطع حجتها، ولا يقضي حاجتها.
قيل لمدني: ما عندك من هذا الأمر؟ قال: إن منعت غضبت، وإن تركتُ عجزت.
قيل لآخر: ما عندك للنساء؟ قال: أطيل الظمأ، ثم أرد فلا أشرب.
مرت بعيسى بن موسى جاريةٌ، فقام إليها فصرعها، فلما رامها عجز عنها فقال:
القلبُ يطمعُ والأسبابُ عاجزةٌ ... والنفسُ تهلكُ بين العجزِ والطمع
كان يقال: لعن كل فاجر عند الجماع!!.
قالوا: لذة المرأة على قدر شهوتها، وغيرتها على قدر محبتها.
تزوج رجل - وهو روح بن زنباع - أم جعفر بنت النعمان بن بشير، زوجها له عبد الملك بن مروان، وقال: إنها جارية حسناء، فاصبر على بذاء لسانها، فصحبها ثم أبغضها. فمن قوله فيها:
ريحُ الكرائِم معروفٌ لَهَا أَرَجٌ ... وريحُها ريحُ كلبٍ مسَّهُ مطرُ
وقد هجته هي أيضاً، فمن قولها فيه:
بكى الخَزُّ من رَوْحٍ وأنكرَ جلْدَهُ ... وعجَّتْ عجيباً من جُذامَ المطارِفُ
قال بعض الأعراب:
من منزلي قد أخْرجتنِي زوجَتِي ... تهرُّ في وجْهِي هَرِيَر الكلبةِ
زُوِّجتُها فقيرةً منْ حِرْفَتِي ... قلتُ لها لمّا أراقَتْ جَرَّتِي
стр. 182
أمّ هلالٍ أبْشري بالحسرةٍ ... وأبْشري منّي بوقع الضرّةِ
خطب النوار بنت أعين بن ضبعة المجاشعية رجل من قيس، فجعلت العقد عليها إلى الفرزدق، وكان أبوها قتلته الخوارج أيام الحكمين، وكان علي رضى الله عنه بعثه إلى البصرة، فقال لها الفرزدق: أشهدي لي أنك جعلت أمرك إلى فإني أخاف من هو أقرب إليك مني من أوليائك. فأشهدت له. فأنكحها الفرزدق من نفسه، وأشهدهم، فلم ترض النوار، فتنازعا. فخرجا إلى عبد الله بن الزبير، وكان العراق والحجاز يومئذ إليه. فتشفعت النوار يومئذ بخولة بنت منظور بن زبان الفزاري، وتشفع الفرزدق بابنها حمزة بن عبد الله بن الزبير، فأنجحت خولة وشفّعها زوجها ابن الزبير وقال الفرزدق: لا تقربها حتى تصير إلى البصرة فتحكم معها إلى عاملي بها، فقال الفرزدق:
أمّا بِنوه فلم يقبلْ شفاعَتَهمُ ... وشّفعوا بنتَ منظورِ بنِ زَبَّانَا
ليس الشفيعُ الذي يأتِيكَ مُئْتَزراً ... مثلَ الشفيعِ الذي يأتيك عُرْيَانَا
خطب العريان بن الهذيل البرجمي امرأةً، فكان أصم وكانت عوراء، فقالت: تسأل عنا ونسأل عنك، فقال:
فإن تسألِى عنّا وَعَنْكِ فإنَّنا ... كِلانَا به داءٌ أصمَّ وأعْورَا
فقالت: أمّا إذ عرفت الداء فاجلس، فبعثت إلى وليها فزوجها إياه.
قال الأصمعي: قيل لأعرابي: من لم يتزوج امرأتين لم يذق لذة العيش، فتزوج امرأتين ثم ندم، فقال:
تزوجتُ اثنتين لفرطِ جَهْلي ... بما يَشْقَى به زوجُ اثنتين
فقلتُ أصِيرُ بينهما خروفاً ... أنَّعم بين أَكرمِ نعجتينِ
فصرتُ كنعجةٍ تُمْسِى وتُضْحِى ... تَرَدَّدُ بين أخبثِ ذئبتينِ
رضى هَذِى يهيّجُ سُخطْ هذى ... فما أعْرَى من إحدى السّخْطتينِ
وأَلْقَى في المعيشة كلَّ بُوسٍ ... كذاك المرءُ بين الضّرَّتينِ
لَهذِى ليلةُ ولتلك أُخرْى ... عِتابٌ دائمٌ في الليلتينِ
وقال الغزال:
إن الفتاةَ وإن بَدَا لك حبهُّا ... فبقلبها داءٌ عليكَ دفينُ
وإذا ادّعين هوى الكبير فإنّما ... هو للكبير خديعةٌ وقُرُونُ
وإذا رأيتَ الشيخَ يهوىَ كاعباً ... فَعَلَيْه من دركِ القُرُون دُيُونُ
وقال الغزال أيضاً:
أنا شيخٌ وقلتُ في الشيخ مَا يَعْ ... لمُه كلُّ أبْلهٍ وذَهِينِ
كلُّ شيخ تراه يكثر من كس ... ب الجوارِي فخذه لي بالقرونِ
قال الأحنف بن قيس: إذا أردتم الحظوة عند النساء فأفحشوا في النكاح، وأحسنوا الأخلاق.
قيل لأعرابي: ما تقول في نساء طيى؟ قال: إذا شئت. قيل: فما تقول في نساء ضبة؟ قال: نك ودحرج.
روى عن النبي ﵇ أنه قال: " النساء حبائل الشيطان ".
قال معاوية: ما رأيت منهوماً في النساء إلا رأيت ذلك في ضعف منته.
قال عبد الملك: من أراد النجابة فبنات فارس، ومن أراد النكاح فبنات البربر، ومن أراد الخدمة فالروميات.
قال سعيد بن المسيب: ما عرفنا أولادنا حتى عرفنا بنات فارس.
قال أبو هلال الراسبي: جاء رجل إلى أهله بجزر، فقال: يا هذه! اطبخيه أو اشويه وكليه، فإن المطبوخ جيد للبطن، والمشوي جيد للظهر، والنِّئ جيد للجماع، قالت: ليس عندنا نار فكله.
غاضب رجلٌ امرأته ثم ترضاها، فلجت فكابرها حتى جامعها، فقالت: أخزاك الله، كلما وقع بيني وبينك شيء جئتني بشفيع لا يمكنني رده.
قال الشاعر أيمن بن خريم:
لقيتُ من الغانياتِ العُجَابَا ... لو أدركَ منى العَذَارى الشَّبابَا
ولكنّ جِمَاعُ العذاري الحِسَانِ ... عذابٌ شديدٌ إذا المرءُ شاباَ
يُرَضْنَ بكلِّ عَصَا رائضٍ ... ويُصْبحْنَ كلَّ غداةٍ صِعَاباَ
عَلاَمَ يكَحِّلْن حور العُيونِ ... ويُحْدثْنَ بعد خَضابٍ خِضَاباَ
ويبرُقْنَ إلاّ لما تَعْلَمُون ... فلا تحْرِمُوا الغانياتِ الضّراباَ
فلو كلْتَ بالمُدِّ للغانياتِ ... وظاهَرْتَ بعد الثيابِ الثياباَ
стр. 183
ولم تُنِلْهُنّ من ذاك قُرْباَ ... كأنَّك حَدَّثْتَهُنّ الكذَابَا
إذا لم يُخَالَطْنَ كلَّ الخِلاَ ... طِ أصْبَحْنَ مُخْرَ نْطِماتٍ غِضاباَ
يميتُ العتابَ خِلاَطْ النساءِ ... ويُحْيى اجتنابُ الخلاطِ السّبَاباَ
قضى سلمان بن ربيعة على رجل بأن يأتي امرأته في كل أربع ليلة، فرضى ذلك عمر، وجعله قاضياً بالكوفة، وخبره مشهور قد ذكرناه في مواضع.
وروى يعقوب بن طلحة، وإسحق بن محمد السني أن عمر بن الخطاب شكت إليه امرأة أن زوجها لا يأتيها إلا في كل طهر مرة، فقال لها: ليس لك غير ذلك ولا كرامة.
روى عن أبي هريرة، وبعضهم يرويه مرفوعاً: أنه قال: فضلت المرأة على الرجل بتسعةٍ وتسعين جزءاً من اللذة، أو قال من الشهوة، ولكن الله ألقى عليهن الحياء.
قال المأمون: النساء شر كلهن، وشر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن.
قال غيره: الصبر عنهن أهون من الصبر عليهن.
قال معاوية: هن يغلبن الكرام، ويغلبهن اللئام.
كان يقال: النكاح فرح شهر، وغم دهر، ووزن مهر، ودق ظهر.
ودخل معاوية بن أبي سفيان على ميسون بنت بحدل الكلبية أم يزيد، ومعه خديج الخصى فاستترت منه، فقال لها معاوية: إن هذا بمنزلة المرأة، فعلام تستترين منه. فقالت: كأنك ترى المثلى به أحلت له مني ما حرم الله.
كان محمد بن حسين يقول: اللهم ارزقني امرأة تسرني إذا نظرت، وتطيعني إذا أمرت، وتحفظني إذا غبت.
قالت أسماء بنت أبي بكر: النكاح رق النساء، فلتنظر المرأة عند من تضع رقها.
ضرب عبد الملك بن مروان بعثاً إلى اليمن، فأقاموا سنين، جنى إذا كان ذات ليلة وهو بدمشق، قال: والله لأعسن الليلة مدينة دمشق، ولأسمعن ما يقول الناس في البعث الذي غربت فيه رجالهم، وغرمت فيه أموالهم. فبينما هو في بعض أزقتها إذا هو بصوت امرأة قائمة تصلي، فتسمع إليها، فلما انصرفت إلى مضجعها قالت: اللهم يا غليظ الحجب، ويا منزل الكتب، ويا معطي الرغب، ويا مؤدي الغرب. أسألك أن ترد غائبي، فتكشف به همي، وتصفي به لذتي، وتقر به عيني، وأسألك أن تحكم بيني وبين عبد الملك بن مروان الذي فعل بي هذا، فقد صير الرجل نازحاً عن وطنه، والمرأة مقلقةً على فراشها، ثم أنشأت تقول:
تطاول هذا اللّيلُ فالعينُ تدمَعُ ... وأَرّقني حُزْنِي وقلبِيَ مُوجَعُ
فبتّ أقاسي الليلَ أرعَى نجومَهُ ... وباتَ فؤادي هامداً يتفزّعُ
إذا غابَ منها كوكبٌ في مغيِبهِ ... لمحتُ بعيني آخراً حين يطلعُ
إذا ما تذكرتُ الذي كان بينَنَا ... وجدتُ فؤادي للهَوَى يتقطّعُ
وكلُّ حبيبٍ ذاكرٌ لحبيبِهِ ... يرَجِّى لِقاهُ كلّ يومٍ ويطمعُ
فذا العرشِ فُرج ما ترى من صَبابتي ... فأنت الذي ترعى أموري وتسمعُ
دعوتُك في السّراءِ وَالضُّرِّ دعوةً ... على غُلة بين الشراشيف تلْذَعُ
فقال عبد الملك لحاجبه: تعرف لمن هذا المنزل؟ قال: نعم، هذا منزل زيد بن سنان. قال: فما المرأة منه؟ قال: زوجته. فلما أصبح سأل كم تصبر المرأة عن زوجها؟ قالوا: ستة أشهر. فأمر ألا يمكث العسكر أكثر من ثلاثة أشهر.
قال سليمان بن داود صلى الله عليهما: يا بني! لا تكثر الغيرة على أهلك من غير ريبة، فترمى بالشر من أجلك وإن كانت بريئة.
قال طفيل الغنوي:
إنّ النساءَ كأشجارٍ نَبَتْنَ معاً ... منها المُرَارُ وبعضُ المرِّمأ كولُ
إن النساءَ متى يُنْهَيْنَ عن خُلُقٍ ... فإنّه واجبٌ لابدَّ مفعولُ
وجد صبي منبوذ في بعض مساجد أصفهان، ومعه صرة فيها مائة دينار، ورقعة مكتوب فيها: هذا جزاء من لا يزوج ابنته.
كان رجل من أهل الشام مع الحجاج بن يوسف يحضر طعامه، فكتب إلى أهله يخبرهم بما هو فيه من الخصب، وأنه قد سمن، فكتبت إليه امرأته:
أُتُهدى ليَ القرطاسَ والخبزُ حاجتي ... وأنتَ على بابِ الأميرِ بطينُ
إذا غبتَ لم تذكْر صديقاً وإن تُقِمْ ... فأنت على ما في يديك ضنينُ
فأنت ككلبِ السُّوءِ جوَّعَ أَهلَه ... فيهزلُ أهلُ البيت وهو سمينُ
стр. 184
لأبي عيينة المهلبي في رجل من قومه، تزوج امرأة قد تزوجت قبلة مائة زوج فماتوا عنها:
رأيتَ أثاثها فرغبت فيه ... وكم نصبتْ لغيرك بالأثاث
إلى دارِ المنُون فرحّلَتْهم ... بأجنحةٍ تطيرُ بهم حِثاثِ
فصيّر أمرَها بيديّ كَميْا ... أبثُّ حبالها لك بالثلاثِ
وإلاّ فالسلامُ عليك مِنّى ... سآخذُ من غدٍ لك في المراثيِ
قال إسحاق الموصلي، أنشدني ابن كناسة لنفسه:
لقد كان فيها للأَمانِة موضعٌ ... وللسِّرِّ كتمانٌ وللعينِ منظرُ
فقلت: ما بقى؟ فقال: أين الموافقة.
قال ابن المقفع: وطءُ العجوز وأكل القديد يهرم.
قال الشاعر:
لا تَنكِحَنّ عجوزاً إن دَعَوْكَ لها ... ولو حَبَوْكَ على تزويجها الذَّهَبَا
وإنْ أَتَوْك فقالوا: إنّها نَصَفُ ... فإنّ أَطيبَ نصفيها الَّذي ذَهَبَاَ
كتب رجل إلى صديق له نكح عجوزاً:
أمسكتَ نفسَكَ حتى إذا ... أتيتَ على الخمسِ والأرْبَعيِنَا
تزوجتَها شارفاً فَخْمَةً ... فَلاَ بالرِّفَاءِ ولا بالبنينَا
فلا ذاتُ مالٍ تزوجْتَها ... ولا ولدٍ تَرْتجي أن يكوناَ
بِهَا أبداً فالتمسْ غيرها ... لعلَّك تُعْطَى بَغثٍ سميناَ
قال دعبل، ويقال: إنها لأبي دلف:
تعجَّبَتْ إذ رأتْ شيبي فقلتُ لها ... لا تعجبي، من يطل عمرٌ بهِ يُشِبِ
شيبُ الرجالِ لهم زينٌ وَمكْرُمةٌ ... وشيبُكُنّ لكنَّ الويلُ فاكتئبي
فينا لكنَّ وإن شيبٌ بدا أربٌ ... وليس فيكنّ بعد الشيب من أَرَبِ
ولبعض الأعراب:
عجوز تُرَجّى أن تكونَ صبيهً ... وقد شابَ منها الرأسُ واحدودب الظهر
تَدُسُّ إلى العطار ميرةَ أَهلِهَا ... وَهَلْ يصلح العطارُ ما أفسد الدهر؟
وقال امرؤ القيس:
أراهُنّ لا يُحْبِبْنَ من قلَّ مالُه ... ولا مَنْ بدا في عارضَيْهِ مشيبُ
وقال آخر:
كَفَاكَ بالشيب ذنباً عند غانيةٍ ... وبالشَّبَابِ شفيعاً أيُّها الرَّجُلُ
وقال الأعشى:
وأرى الغوانِي لا يُواصلن امْرَءا ... فقد الشبابَ وقد يَصِلْنَ الامْرَدَا
وقال علقمة بن عبدة:
فإن تسألُوني بالنساءِ فإنّني ... بصيرٌ بأدواء النساءِ طبيبُ
إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُه ... فليس له في وُدِّهِنّ نصيبُ
يُردْنَ ثراءَ المالِ حيثُ علمنَهُ ... وشرخُ الشبابِ عندَهُنّ عجيبُ
قال منصور الفقيه:
إذا ما استحَرَّ ولم يتَّسِعْ ... ولم يكُ رَطْباً ولا يابساً
وحلَّ وأمكَنَ من نفسِهِ ... فنبِّه له جَارَكَ النّاعِساَ
وقال منصور النمري:
ما واجه الشيبَ من عين وإن وَمِقَتْ ... إلاّ لها نبوةٌ عنه ومرتَدعُ
وقال حبيب:
أحْلى الرجالِ من النساءِ مواقعاً ... من كان أشبههم بهنّ خُدودَا
وقال آخر:
أرى شيب الرجال من الغوانِي ... بموقع شيبهنّ من الرّجَالِ
شاورَ رجلٌ رجلا في النكاح، فقال له: إيّاك والجمالَ الفائق، فإن الشاعر قال:
ولن تصادِفَ مرعًى مُونقاً أبداً ... إلاّ وجدتَ به آثارَ مأكُولِ
قال آخر:
لا تأمنَنْ أُنْثى حبَتَك بودّها ... إن النساءَ ودادُهُنّ مُقَسَّمُ
اليومَ عندك دَلُّهَا وحديثُها ... وغداً لغيِرك كفَهُّا والمعصمُ
وقال ابن هبيرة:
يا راعى الذَّودِ لا تَرْحل لِمكْرُمَةٍ ... إنّ القلاصَ إذا ما غَابَ رَاعيها
لم يَثْنِها أَحدٌ دون الفحولِ فلا ... تهملْ قلوصَكَ إمّا كنت تَحميِها
ولا تَلمُهَا على وِرْدٍ وقد ظَمِئَتْ ... لو شئتَ أَرْوَيْتها إذْ كنتَ سَاقيِها
احُظرْ مشاربَها، واحففْ جوانبهِا ... وارْمُمْ مذاهِبَها، تسلم قَوَاصِيها
стр. 185
خليّتَها لفحولٍ غير فاخرةٍ ... في كلَ برِيَّةٍ قفْرٍ فَيَافِيها
حتى إذا أَخْدَجَت في كل منزلةٍ ... بكيتَ، أبْكى إلهي عينَ مُبْكيِها
باب الأمثال السائرة في النساء
لا تحمد الحرة عام هدائها، ولا الأمة عام شرائها.
من ينكح الحسناء يعط مهراً.
من يمدح العروس إلا أهلها؟.
لكل فتاة خاطب، ولكل أمر طالب.
كل ذات دل تختال.
كاد العروس أن يكون أميراً.
وليس لمخضوب البنان يمين.
لا تسد الثغور بالمحصنات.
قال الشاعر:
كُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا ... وعلى المُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ
وهذا الشعر لعبد الرحمن بن حسان، وذلك أنه كانت عند المختار بن أبي عبيد امرأتان، إحداهما أم ثابت بنت سمرة بن جندب، والأخرى عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاري، فعرضهما مصعب على البراءة من المختار، فأما بنت سمرة فتبرأت منه فخلاها، وأما الأنصارية فامتنعت فقتلها، فقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في ذلك:
إنّ من أعجبِ العَجائبِ عِندِي ... قتلُ بيضاءَ حرةٍ عُطبولِ
قُتِلَتْ باطلاً على غير جُرْمٍ ... إن للهِ دَرَّهَا من قتيلِ
كُتبَ القتلُ والقتالُ علينا ... وعلى الغانياتِ جَرُّ الذُّيولِ
النساء بالنساء أشبه من الماء بالماء، ومن الغراب بالغراب، ومن الذئاب بالذئاب. كل غانية هند.
نعم لهوُ المرأة المغزل.
البياض نصف الحسن، والعجيزة أحد الوجهين.
لا عطر بعد عروس. أخذه الشاعر فقال:
من كان يبكى لِمَا بِي ... من طولِ وَجْدٍ رَسيِسِ
فالآنَ قبلَ وفاتِي ... لا عِطْرَ بعد عَرُوسِ
العوان لا تعلم الخمرة.
لما زوج أسماء بن خارجة ابنته، دخل عليها ليلة بنائها، فقال: يا بنية، إن كان النساء أحق بتأديبك، ولا بدّ من تأديبك، كوني لزوجك أمةً يكن لك عبداً، ولا تقربي منه جداً فيملك أو تمليه، ولا تباعدي عنه فتثقلي عليه، وكوني له كما قلت لأمك:
خُذِي العَفْوَ منّى تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سوْرَتِي حينَ أغضبُ
ولا تَنْقٌرِيني نَقْرَةَ الدُّفِّ مَرَّةً ... فإنّك لا تدرِين كيفَ الْمُغَيّبُ
فإنّي رأيتُ الحبّ في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يَلْبث الحبُّ يذهبُ
بابُ اللّباس
قال رسول الله ﷺ : " الحريرُ حلالٌ لباسهُ لإناث أمتي، حرامٌ على ذكورها ".
وقال رسول الله ﷺ : " إنّما يلبس الحريرُ من لا خلاق له في الآخرة ".
وقال رسول الله ﷺ : " من لبس ثوبَ شهرةٍ وعزةٍ في الدنيا أكسبه الله ثوب مذلة يوم القيامة ".
سئل عمر بن الخطاب عن لبس الحرير للنساء، فقال: هن لعبكم؛ فزينوهن بما شئتم.
وروى مرفوعاً أيضاً: " من ليس منظوراً، وركب مشهوراً، لم يزل الله عنه معرضاً، وإن كان عليه كريماً ".
قال عبد الله بن عمر: من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه وإن كان ولياً.
قال رسول الله ﷺ : " أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك في النار، لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خُيَلاَء ".
ولما ذكر الإزار عند رسول الله ﷺ ، قالت أم سلمة: إذاً ينكشف عنها. قال: " فذراعٌ لا تزيد عليه ".
قال رسول الله ﷺ : " كم من كاسيةٍ في الدنيا، عاريةٍ يوم القيامة ".
وقال ﷺ : " كاسياتٌ عاريات، مائلاتٌ مميلاتٌ، لا يدخلن الجنة ولا يجدنَ ريحها " وريحها يوجد من مسيرة خمس مائة عام.
كان يقال: كل من الطعام ما اشتهيت، وألبس من الثياب ما اشتهى الناس.
نظمه الشاعر، فقال:
إن العيونَ رَمَتْك مُذ فَاجَأتَهَا ... وعليك من شَهْرِ اللِّباسِ لباسُ
أمّا الطعامُ فكلْ لنفسك ما اشتهتْ ... واجعل لباسَك ما اشتهاه الناسُ
ويروى:
أمّا الطعام فكل لنفسك ما اشتهتْ ... والبس لباساً يَشْتهيه الناسُ
وقال هلال بن العلاء الرقي:
أجِدِ الّثيابَ إذا اكتسيتَ فإنّها ... زينُ الرجالِ بها تُهاب وتُكْرَمُ
стр. 186
ودع التَّواضُعَ في اللّباس تحرّياً ... فاللهُ يعلم ما تجنُّ وتكتمُ
فَدَنِىّ ثوبِك لا يزيدُك زُلْفَةً ... عند الإله وأنت عبدٌ مُجْرمُ
وبهاءُ ثوبِك لا يضرُّك بعد أنّ ... تخشى الإله، وتَتّقى ما يَحْرُمُ
كان بكر بن عبد الله المزني، يقول: البسوا ثياب الملوك، وأميتوا قلوبكم بالخشية.
وقال الحسن: إن قوماً جعلوا خشوعهم في لباسهم، وكبرهم في صدورهم، وشهروا أنفسهم بلباس هذا الصوف، حتى إن أحدهم بما يلبس من الصوف أعظم كبراً من صاحب المطرف بمطرفه.
قال الوليد بن مزيد: كان الناس عندنا يلبسون الأردية، وكان الأوزاعي يلبسها، فترك الناس لبسها ولبسوا السيجان، فرأيت الأوزاعي قد ترك لبس الأردية ولبس الساج، فقلت له: يا أبا عمرو! كنت تلبس الأردية فتركتها ولبست الساج، فما الذي دعاك إلى ذلك، فقال: يا ابن أخي! رأيت الناس يلبسون الأردية فلبستها معهم، وتركوها فتركتها معم، ولبسوا السيجان فلبست معهم، ولو عادوا إلى الأردية لعدت معهم.
قال سفيان بن حسين: قلت لإياس بن معاوية: ما المروءة؟ قال: أما في بلدك فالتقوى، وأما حيث لا تعرف فاللباس.
روى بقية عن الأوزاعي، قال: بلغني أن لباس الصوف في السفر سنة، وفي الحضر بدعة.
كان النبي ﷺ ، يحب من الألوان الخضرة ويكره الحمرة، ويقول: " هي زينة السلطان ".
قال مالك بن الأشتر لعلي بن أبي طالب: تمام جمال المرأة في خفها، وتمام جمال الرجل في عمامته.
بعث رسول الله ﷺ ، أسامة بن زيد في بعض السرايا فعممه بيده وسدل طرف عمامته.
قيل لأعرابي: إنك لتديم لبس العمامة؟ قال: إن عضواً فيه السمع والبصر لحقيق أن يوقى من الحر والقر.
روى عن النبي ﵇، أنه قال: " الشعر الحسن كسوة الله، فأكرموه ".
وقال ﵇ لأبي قتادة: " رجل جمتك وأحسن إليها وأكرمها ".
قال أبو هريرة: إذا كان في الرجل ثلاث فهو الكامل، إذا فخر في المجلس وأحسن جوابات الكتب، وأحسن كور العمامة.
روى الرياشي وأبو حاتم عن الأصمعي، قال: ألا أدلك على لباس إن لبسته كان سريا، وإن رفعته كان بهيا، وإن ذخرته كان طرياً؟ قال: نعم. قال: عليك بالتقوى. قال: ألا أدلك على خليلٍ إن صحبته صانك، وإن احتجت إليه مانك، وإن تجرت به أربحك، وإن ترحلت به حملك؟ قال: نعم. قال: عليك بالأدب. ثم قال: ألا أدلك على بستانٍ تكون منه في أكمل روضة، وميت يخبرك عن المتقدمين، ويذكرك إذا نسيت، ويؤنسك إذا استوحشت، ويكف عنك إذا سئمت؟ قال: نعم. قال: عليك بالكتاب.
قالت ابنة العوام أخت الزبير لزوجها حكيم بن حزام - وكان كثير المال -: مالك لا تلبس لباس الناس اليوم؟ قال: وما تنكرين من لباسي، وإزاري قطري، وردائي مغافري، وقميصي سابري، وعمامتي خرقانية.
نظر بعض الأمراء إلى رجلٍ في أطماره فازدراه، فقال له: أصلحك الله، لا تنظر إلى هيئتي، ولكن انظر إلى همتي، فأنا - والله - كما قال عبد الله بن زياد:
فإنْ أَكُ قَصْداً في الرجالِ فإنّني ... إذا حلَّ امرؤٌ ساحتي لجسيمُ
وكما قال الآخر:
لا تنظرنّ إلى الثيابِ فإنّني ... خَلِقُ الثَّيَاب، من المُروءةِ كاَسِي
أنشد ثعلب:
وإنما الشّعر عقلٌ أنت تَعْرِضه ... على المجالس إنْ كَيْساً وإن حُمُقا
وإنّ أشعرَ بيتٍ أنت قائُلهُ ... بيتٌ يقالُ إذا أنشَدتَه صَدَقا
البس جديدَك إنّي لابسٌ خَلَقي ... ولا جديدَ لمن لا يلبسُ الخَلَقا
قال عبد الله بن المبارك: مخامر الرجال في اللحى والأكمام، ومخامر النساء تحت القمص.
وأنشد غير واحد للشافعي رحمه الله تعالى:
علّى ثيابٌ لو تباعُ جميعُها ... بفَلْسٍ لكان الفَلْسُ منهنّ أكثّرا
وفيهنّ نفسٌ لو يقاسُ ببعضها ... نقوسُ الورى كانت أجلَّ وأكبراَ
وأخذ هذا المعنى ابن أبي الفضل البصري الشاعر يخاطب المتنبي، فقال:
لئن كان ثوبي فوقَ قيمته الفَلْسُ ... فلي فيه نفسٌ دون قيمتها الإِنسُ
فثوبُك بدر تحت أنواره دُجًي ... وثوبَي ليلٌ تحتَ أطمارِه شمسُ
وسبق إلى هذا المعنى ابن هرمه، فقال:
стр. 187
قد يدركُ الشرفُ الفَتَى وردَاؤُهُ ... خَلَقٌ وجَيبُ قميصِهِ مرقوعُ
كان القاسم بن محمد يلبس الخز، وسالم بن عبد الله يلبس الصوف، وكانا يتجالسان في المجلس ويتحدثان الدهر، لا ينكر واحد منهما لباس صاحبه.
نظر ابن المبارك ببغداد إلى رجل عليه ثياب صوف لا تخالطها غيرها، فقال من هذا؟ فقيل له: هذا أبو العتاهية الشاعر، فكتب إليه ابن المبارك:
أيُّها القارئ الذي لبس الصُّو ... ف وأضحى يُعَدُّ في العُبّادِ
الْزَمِ الثَّغْرَ والتعبُّدَ فيهِ ... ليس بغدادُ موضعَ الزُّهَّادِ
إن بغدادَ للملوكِ محلٌّ ... ومناخ للقارئ الصَّيَّادِ
وقال محمود الوراق:
تصَوَّف فازْدَهَي بالصُّوف جَهْلاً ... وبعضُ النّاسِ يَلْبَسهُ مَجاَنَه
يُريكَ مَهَانَةً ويُجِنّ كِبْراً ... وليس الكبر من شكل المَهَانَه
تصنّع كيْ يُقال له أمين ... وما معنَى التَّصَنُّع للأَمَانْه
ولم يردِ الإلَه به ولكنْ ... أرادَ به الطريقَ إلى الخيَانَهْ
وقال آخر:
وثياب المرء جِلْوا ... زٌ له بَيْنَ يديَهْ
وقال آخر:
لا يعجبنّك من بَصُون ثيابَهُ ... حَذَرَ الْغُبَارِ وَعِرْضُهُ مَبْذولُ
ولربّما افتقرَ الفتى فرأيَتهُ ... دنسَ الثيابِ وعِرْضُهُ مَغسُولُ
أنشدني إبراهيم بن محمد، قال: أنشدني أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي لنفسه في أبي مسلم ابن فهد الهذلي الإشبيلي، وذكر حكاية عرضت له معه:
أبا مُسْلم إنّ الفَتَى بجَنَانِهِ ... ومِقْوَلِهِ لا بالمراكبِ واللُّبْسِ
وليسَ ثيَابُ المرءِ تُغْنِى قُلاَمةً ... إذا كان مقصوراً على قِصَرِ النَّفْسِ
وليس يُفيدُ العلمَ والحلمَ والُّتقى ... أبا مُسْلمٍ طولُ القُعود على الكُرْسِي
ولا تُبْتني العليا بكأسٍ وقينةٍ ... وصهباءَ لم تَنْغَرْ بها القِدْرُ كالوَرْسِ
أعيَّرْتَني أن لم أفرِّه مَطِيَّتي ... وأنّ ثيابِي غيرُ بيضٍ ولا مُلْسِ
فربَّ ثيابٍ رثّة حشوُها فتىً ... أجدُّ مُمِرٌّ غيرُ فَسْلٍ ولا نِكْسِ
وآخرُ بَرَّاقُ الثيابِ وعِرْضُهُ ... من العَارِ والتَّدْنِيسِ رجِسٌ عَلَى رِجْسِ
فإمَّا تَهوُلَنْكَ البغالُ فإنّها ... منوّعةٌ عند اليّهُوديِّ والقَسِّ
قال رجل للحسن بن أبي الحسن: يا أبا سعيد! إنا قد وسع الله علينا أفنناك من كسوة وعطر ما لو شئنا اكتفينا بدونه، فما نقول؟ قال: أيها الرجل! إن الله قد أدب أهل الإيمان فأحسن أدبهم، قال تعالى: " ليُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ من سَعَتِهِ، ومَنْ قُدِرَ عليه رِزْقُهُ فلينفِقْ مما آتاهُ اللهُ "، وإن الله ما عذب قوماً أعطاهم الدنيا فشكروه، وما عذر قوماً زوى عنهم الدنيا فعصوه.
روى عن لقمان الحكيم، أنه قال: التقنع بالليل ريبة، وبالنهار مذلة. وقد روى هذا عن نبيّنا ﷺ .
قال رجل لإبراهيم النخعي: ما ألبس من الثياب؟ فقال: مالا يشهرك عند العلماء، ولا يحقرك عند السفهاء.
باب المراكب من الخيل وغيرها
قال رسول الله ﷺ : " الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة، الأجرُ والمغتم ".
وقد ذكرنا في الآثار الثابتة في الخيل وفضلها، وفضل رباطها، والأجر في اكتساب ذلك، في كتاب - التمهيد - ما فيه شفاء، وإشراف على المعنى والحمد لله.
كان يقال: لا تقودوا الخيل بنواصيها فتذلوها، ولا تجزوا أعرافها فإنها أدفاؤها، ولا تجزوا أذنابها فإنها مذابُّها. وقد روى هذا الكلام مرفوعاً.
قال عمر بن الخطاب: عليكم بإناث الخيل، فإن بطونها كنز، وظهورها حرز. وقد روى هذا مرفوعاً أيضاً.
قال علي بن أبي طالب: الخيل المطلب والمهرب.
قال ابن عباس رضى الله عنه:
أحبُّوا الخيل واصْطبروا عَلَيْها ... فإنّ العزَّ فيها والَجمَالا
إذا ما الخيلُ ضَيّعها رجالٌ ... رَبَطْنَاها فشاركتِ العِيَالا
стр. 188
نُقاَسُمها المعيشةَ كلَّ يومٍ ... ونكسوها البراقِعَ والجِلاَلاَ
قال الحسن البصري: الجفاء مع أذناب الإبل، والذلة مع أذناب البقر، والسكينة مع أذناب الغنم، والعز مع نواصي الخيل وقد روى بعض هذا مرفوعاً. قال خالد بن صفوان: الخيل للرغبة والرهبة، والبراذين للدعة، والبغال للسفر البعيد والأثقال، والإبل للتحمل، والحمير للزينة وخفة المؤونة.
ساير شبيب بن شيبة بعض الأمراء، وهو على برذون، والأمير على فرس، فقال له الأمير: سِر، فقال: كيف أسايرك وأنت على فرس، إن تركته سار، وإن حركته طار، وأنا على برذون، إن تركته وقف، وإن ضربته قطف. فأمر له بفرس فاره.
قيل لأعرابي: صف لنا فرسك. قال: سوطه عنانه، وهمه أمامه، وما ضربته قط إلا ظالماً له.
بعث الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك بفرس، وكتب إليه: قد وجهت إليك بفرس حسن المنظر، محمود المخبر، أسيل الخد، رشيق القد.
قال بعض الحكماء: أكرم الخيل أجزعها من الضرب، وأكرم الصفايا أشدها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدها حنيناً إلى أوطانها، وأكرم المهار أشدها ملازمة لأمهاتها.
للحسن بن يسار:
يا فارساً تَرْهَبُ الفرسانُ صَوْلَتَهُ ... أما عَلمِتَ بأن النَّفْسَ تُفْتَرَسُ
يا راكبَ الفرسِ السّامي بغُرَّتِهِ ... ولابسَ السَّيْفِ يحكي لونَهُ القبسُ
لا أنت تبقى على سيفٍ ولا فَرَسٍ ... وليس يبقى عليك السَّيْف والفَرَسُ
وهو شعر جيد محكم، فيه مواعظ وحكم، وأوله:
إنّ الحبيبَ من الأحبابِ مُخْتَلسُ ... لا يمنعُ الموتَ حُجَّابٌ ولا حَرَسُ
قال بعض البلغاء: البغل تواضع عن خيلاء الخيل، وارتفع عن ذلّة العير، فهو وسط، وخير الأمور أوساطها.
قال ابن أبي طاهر: ما وصف برذون بأحسن من قول المسلمي من ولد مسلمة بن عبد الملك، واسمه محمد بن يزيد:
فإذا احْتَبَى قَرَبُوسَه بِعنَانِه ... عَلَكَ الشَّكيِمَ إلى انْصِرافِ الزَّائر
باب الطعام والأكل
كان رسول الله ﷺ ، يعجبه الذراع.
قال رسول الله ﷺ : " سيد أدام الدنيا والآخرة، اللحم ".
قال سفينة: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حباري، وقال في الضب: " لست بآكله ولا بمحرمه ".
قال رسول الله ﷺ : " إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فلا تأكلوا الثوم ولا البصل، ومن أراد أكلهما فليمتهما طبخاً ".
والكراث والفجل في معنى الثوم والبصل.
قال عمر بن الخطاب: إياكم واللحم، فإن له ضراوةً كضراوة الخمر.
إنما كره الإدمان عليه، والله أعلم، لما فيه من التنعم والتشبه بالأعاجم، ألا ترى أنه كتب إلى عماله: اخشوشنوا، وإياكم والتنعم وزي العجم.
ذكر عند بعض العرب اللحم، فقال: إنه ليقتل السباع. يريد إدخال بعضه على بعض قبل تمام الهضم - والله أعلم.
خطب عمر بن الخطاب يوماً، فقال: إياكم والبطنة، فإنها مكسلة عن الصلاة، مؤذية للجسم. وعليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أبعد من الأشر، وأصح للبدن، وأقوى على العبادة، وإن امرءًا لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.
مر علي بن أبي طالب بمجلسٍ من مجالس الأنصار، فسلم عليهم، فقاموا له وحفوا به ورحبوا وقالوا: لو نزلت فأكلت من طعامنا، فقال لهم: إما حلفتم علينا، وإما انصرفنا.
قال علي بن أبي طالب: المعدة حوض البدن، والعروق واردة عليها وصادرة عنها، فإذا صحت صدرت العروق عنها بالصحة، وإذا سقمت صدرت العروق بالسقم.
قال بعض الأطباء: اللحم ينبت اللحم، والشحم لا ينبت اللحم ولا الشحم.
قال علي بن أبي طالب: الشحم يخرج مثله من المدا.
أتى عمر بن عبد العزيز بيته يوماً، فقال: هل عندكم من طعام؟ فأصاب تمراً وشرب من ماء، وقال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله.
قيل للشعبي: أي الطعام أحب إليك؟ قال: ما صنعه النساء، وقل فيه العناء.
قال سلمان: قلت لرسول الله ﷺ : إنا نجد في التوراة أو قال في الإنجيل: البركة في الطعام غسل اليد قبله. فقال رسول الله ﷺ : " البركة في الطعام غسل اليد قبله وبعده ".
стр. 189
قال رسول الله ﷺ : " إن للطعام حقا. قيل: وما حقه يا رسول الله؟ قال: ذكر الله في أوله وحمده في آخره ".
ومن حديث على بن ثابت، عن حمزة بن أبي حمزة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : " من نَسِى أن يُسم الله على طعامه، فليقرأ: قل هو الله أحد ".
نهى رسول الله ﷺ عن الأكل بالشمال، والشرب بالشمال، وعن الاستنجاء باليمين.
قال رسول الله ﷺ لربيبه عمر بن أبي سلمة: يا بني: " قل بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك ".
كان علي بن أبي طالب إذا دعى إلى طعام أكل شيئاً قبل أن يأتيه، ويقول: قبيح بالرجل أن يظهر نهمته في طعام غيره.
وقال ﵀: من أراد البقاء - ولا بقاء - فليباكر الغداء، وليخفف الرداء، وليقل غشيان النساء.
قال منصور الفقيه:
قارب فديتُك إن أكلْ ... تَ وإن شربتَ وإن غَشِيتاَ
وأنا الكفيلُ لك الحيا ... ةَ بأن تعافَى ما حييتاَ
قال قيس بن أبي حازم: نزل بي أعرابي من أحمس، فلم آله تكرمةً، فقال لي: أكل الحي يجد مثل هذا الذي أرى عندك؟ فقلت: إن أخبثهم عيشاً يشبع من الخبز والتمر، فقال: أقسم بالله لئن كنت صادقاً ليوشكن أن يقتتلوا، فإن العرب - والله - ما زالت إذا شعبت اقتتلت. قال قيس: فلم ألبث إلا أربعة أشهر حتى قتل عثمان، ثم كانت وقعة الجمل، ثم وقعة صفين والنهروان.
قال الشعبي: الناس في جنة الله تعالى ستة أشهر - يعني أيام الرطب.
ذكر أبو الحسن بن مقسم، قال: سمعت محمد بن مسلم الزجاج جارنا، قال: سمعت عباس الدوري، يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: لا يمل الباذنجان عاقل.
وسمعت القاضي أبا عمرو، يقول: لو علم الثور الذي يحمل الباذنجان أنه عليه، تاه على الثيران.
قلت: هذا لمن استطابه، وعذب عنده، وأما من جهة الطب، فذمه عندهم أكثر من مدحه.
قال طريح بن إسماعيل الثقفي:
دَعْ بَعْضَ أكلك ربّ آكلِ أكلةٍ ... يوماً سيلفظها إذا هُو لاكَهَا
ولبعض المتأخرين في رجل مات من أكلةٍ أكلها في شعرٍ له فيه:
يا مَنْ جنت كَفُّه على جَسَدِه ... يَرْحَمُك الله يا قَتِيلَ يَدِهْ
قال الفضيل بن عياض: خصلتان يقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل.
قال حميد الأرقط:
أتانا ولم يَعْدِلْه سحبان وائِلُ ... بياناً وعلماً بالّذي هو قائلُ
فما زال عنه اللقُم حتّى كأنّه ... من العيِّ لما أن تكلّمَ باقلُ
دعا عبد الملك بن مروان رجلاً إلى غدائه، فقال له قد تغديت. قال عبد الملك: ما أقبح بالرجل أن يأكل حتى لا تكون فيه بقية للطعام! فقال: يا أمير المؤمنين! بي فضل، ولكنى كرهت أن آكل فأصير إلى ما استقبح أمير المؤمنين.
قال إبراهيم النخعي: ما رأيت راكباً أحسن من زبدٍ على تمر.
قال الشاعر:
ألم تَرَ أن الزُّبْد بالتّمرِ طيبٌ ... وأنّ الحُبَاري خالةُ الكَرَوَانِ
قال عمر بن بحر: العامة لاتشك بأن الكروان ابن الحباري.
وقال آخر:
نُنَافِسُ في طيبِ الطَّعام وكلُّه ... سواءٌ إذا ما جَاوَز اللَّهَوَاتِ
دعا الحجاج رجلا إلى غدائه، فقال: قد تغدّيت. قال: إنك لتباكر الغداء قال: لخلالٍ ثلاث: إن ناجيتُ رجلا لم يجد في خلوفا، وإن شربت ماء شربته على ثقل، وإن حضرت قوماً على طعام حضرتهم ومعي بقية من غرض. فعجب منه.
قال سليمان بن عبد الملك لسالم بن عبد الله، وقد رآه حسن السحنة: أي شيء تأكل؟ قال: الخبر والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته. قال له: وتشتهيه؟ قال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه.
قيل لأعرابي: أتحسن تأكل الرأس؟ قال: نعم. فقيل له: كيف تأكله؟ فقال: أبخص عينيه، وأسحي خديه، وأفك لحييه، وأعفص أذنيه، وأرمى بالدماغ إلى من هو أحق به مني.
قيل لبعض العقلاء: أي الطعام أطيب؟ قال: الجوع أعلم.
كان يقال: نعم الإمام الجوع، ما ألقيت إليه شيئاً إلا قبله وطاب عنده.
روى معن بن عيسى، عن مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: الخبيص يزيد في الدماغ.
وروى عن جعفر بن محمد ﵀، أنه قال: الخلال بعد الطعام يشد اللثات، ويجلب الرزق، ويطيب نكهة الفم.
стр. 190
دخل جنادة بن أبي أمية على معاوية، وهو يأكل، فدعاه إلى الأكل، فقال: أنا صائم، قلم تزل الألوان تختلف بين يدي معاوية حتى جئ بجدي محنوذ سمين، فقال جنادة: ليأمر لي أمير المؤمنين بماء أغسل يدي وآكل من هذا الجدي. فقال له: ألم تقل إنك صائم؟ قال: بلى. ولكنى على رد يوم أقدر منى على رد مثل هذا الجدي. فضحك معاوية وأمر بالماء، فغسل يده وأكل معه.
قال الحسن البصري: غسل اليد قبل الطعام ينفي الفقر. وبعد الطعام ينفي اللحم.
كان يقال: أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي.
قال أبو بكر الهذلي: إذا جمع الطعام أربعاً كمل، إذا كان حلالاً، واجتمعت عليه الأيدي، وسمى الله في أوله، وحمد في آخره.
كان يحيى بن معين يتمثل:
المالُ يَنْفدُ حِلُّهُ وحَرَامُه ... يوماً وتَبْقَى في غدٍ آثامُهُ
ليسَ التقىّ بُمّتقٍ في دِيِنِه ... حتى يَطِيب شَرابُه وطعامُهُ
قال لقمان لابنه: يا بني! لا تأكل شيئاً على شبع، فإنك إن تركته للكلب خير لك من أن تأكله.
كان الحسن بن علي رضى الله عنه، يقول: ائتونا بالخوان نأتنس به حتى يأتي الطعام.
كان لكسرى جامٌ فيه حب رمان يسف منه بين كل لونين ملعقة ليعرف اختلاف الألوان.
روى عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رجل من أهل الشام: أنعت لكم الأكل؟ قالوا: نعم. قال: إذا أكلت فابرك على ركبتيك. وافتح فاك، وأحدج عينيك، وفرج أصابعك، وعظم لقمتك، واحتسب نفسك. قال عبد الله بن دينار: ما سمعت عبد الله بن عمر يحدث بهذا الحديث قط، فبلغ قوله: واحتسب نفسك، إلا ضحك حتى بدت نواجذه.
قال أبو الهندي، وهو من ولد شبث بن ربعي:
أكلت الضِّبَاب فما عِفْتُها ... وإني لأهوى قديدَ الغَنَمْ
ورَكَّبْتُ زُبْداً على تمرةٍ ... فنعم الطعامُ ونعم الأُدُمْ
وما في البُيُوض كبيض الدجاج ... وبيضُ الجرادِ شفاء القَرَمْ
ومُكْنُ الضِّباب طعام العُرَيْبِ ... ولا تشتهيِه نفوسُ العَجَمْ
قال عمرو بن بحر: الجراد المأكول منه، ضروب: منه الأهوازي، وفيه المذنب، وأطيبه الأعرابي، وأهل خراسان لا يأكلونه. قال: والجراد الأعرابي لا يتقدمه في الطيب شيء، وما أحصى كم سمعت من الأعراب من يقول: ما شبعت منه قط، وما أدعه إلا خوفاً من عاقبته، أو لأني أعيا فأترك. قال: والجراد يطيب حاراً وبارداً ومشوياً ومطبوخاً، منظوماً في الخيط، أو مجعولا في المسلة. قال: والبيض المقدم في الطيب ثلاثة أجناس: بيض الأشبور، وبيض الدجاج، وبيض الجراد. - وبيض الجراد - فوق بيض الأشبور في الطيب؛ وبيض الأشبور فوق بيض الدجاج. قال: والجرد يؤكل يابساً وغير يابس، ويجعل إداما ونقلا. قال: وذكرت امرأةٌ الجراد، فقالت لها أخرى: كيف حبك فيه؟ قالت: والله إنه لأحب إلى من الحبل.
كان بشر بن المعتمر، خاصاً بالفضل بن يحيى، فقدم عليه رجل من مواليه - وهو أحد بني هلال - فجاء به يوماً إلى الفضل ليكرمه بذلك، وحضرت المائدة، وذكر الضب ومن يأكله، فأفرط الفضل في ذمه وتابعه القوم، ونظر الهلالي فلم ير على المائدة عربياً غيره، وغاظه كلامه، فلم يلبث أن أتى الفضل بصفحةٍ ملأى من فراخ الزنابير ليتخذ له منها بزماورد، والدبر والنحل عند العرب أجناس من الذبان، فلم يشك الهلالي أن الذي رأى من ذبان البيوت والخشوش، وكان الفضل حين ولي خراسان، قد استطرف بها بزماورد الزنابير، فلما قدم العراق كان يتشهاها، فتطلب له وتساق من كل مكان، فشمت به وأصحابه لما رأى من ذلك، وخرج وهو يقول:
وعِلْجٍ يعافُ الضَّبَّ لؤماً وبطنةَ ... وبعضُ إدامِ العِلْج هامُ ذُبَابِ
ولو أنَّ مَلْكا في الوري ناك أمَّهُ ... لقالوا له: أوتيتَ فصلَ خطابِ
قال الحسن بن هانئ:
إذا ما تميميٌّ أتاك مُفَاخِراً ... فقلْ: عَدِّ عن ذا، كيف أَكْلُكَ للضَّبّ
تفاخرُ أَبْنَاءَ الملوكِ سفاهةً ... وبَوْلُكَ يجري فوق سَاقِكَ والكَعْبِ
وقال ابن المعتز:
رأيت بيوتاً زُيِّنَت بنمارقٍ ... وزُيِّن ما فيهنَّ بالوَشْيِ والطُّرْزِ
стр. 191
فلم أر ديباجاً ولم أَرَ سُنْدُساً ... بأحسنَ في بيتِ الكريم من الخبزِ
وقال آخر:
فكم من أكْلةٍ مَنَعَتْ أَخَاهَا ... بلَّذةِ ساعةٍ أَكَلاَتِ دَهْرِ
وكم من طالبٍ يَسْعَى لشيءٍ ... وفيه هلاكُهُ لو كان يدرِي
قال المأمون: سبعة أشياءٍ لا تمل، أكل خبز البر، وشرب ماء العنب، وأكل لحم الضان، والثوب اللين، والرائحة الطيبة، والفراش الوطئ، والنظر إلى كل شيء حسن. فقال له الحسن ابن سهل: أين محادثة الإخوان يا أمير المؤمنين؟ قال: هن ثمانٍ وهي أولهن.
وروى عن النبي ﷺ ، ومنهم من يرويه عن علي، أنه قال: لا يقام عن الطعام حتى يرفع.
قال ابن عباس: من السنة إذا دعوت أحداً إلى منزلك أن تخرج معه حتى يخرج.
روى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، أنه قال: رب البيت آخر من يغسل يديه.
وقال أبو الزناد: من إكرام الضيف وحسن الأدب في مؤاكلته، أن تغسل يديك قبله أولا، وبعده آخراً.
لعبد الله بن المبارك، وتمثل بها المأمون:
احضر طعامَك وابْذُلْه لمن أكلا ... واحَلِفْ على من أبى، واشكرْ لمن فَعَلاَ
ولا تكن سَابريَّ العَرْضِ مُحْتَشِماُ ... مِنَ القليلِ، فلستَ الدَّهْرَ مُحْتَفِلاَ
وقال آخر في ذم الشراب:
لا تفتكنّ على الكؤوس بِشُرْبها ... فهيَ التي بكَ عن قليلٍ تَفْتِكُ
يكفيك منْها أنَّ عقَلكَ تَارةً ... يبكي عَلَيْك، وَأنَّ جَهْلك يضحكُ
وقال آخر:
وإني لأستحيي أكيلِيَ أن يَرَى ... مكانَ يدي من جانبِ الزَّاد أقْرَعَا
أبيتُ هضم الكَشْح مضطمر الحشا ... من الجُوع أحْشى الذَّمَ أن أتضَلَّعَا
وإنَّك إنْ أَعطيتَ بطنك سُؤْلَهُ ... وَفَرْجَكَ نالا مُنْتَهَى الذِّم أَجْمَعَا
وقال كعب بن سعد الغنوي:
وزادٍ رفعتُ الكفَّ عنه تَجَمُّلاً ... لأوثَر في زادِي علىَّ أكيِلي
وما أنا للقول الذَّي لَيْس نَافِعِي ... ويغضبُ منه صاحبي بَقؤُولِ
باب النوم وتصرف المعاني فيه
روى أن المسيح ﵇ قال: خلقان أكرههما، النوم من غير سهر، والضحك من غير عجب، والثالثة وهي العظمى: إعجاب الرجل بعلمه.
قال داود لابنه سليمان ﵉: إياك وكثرة النوم، فإنه يفقرك إذا احتاج الناس إلى أعمالهم.
قال لقمان لابنه: يا بني! إياك وكثرة النوم والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقا، وإذا ضجرت لم تصبر على حق.
كتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: بلغني أنك لا تقيل، وإن الشياطين لا تقيل.
قال علي: من الجهل النوم في أول النهار من غير سهر، والضحك من غير عجب، والقائلة تزيد في العقل.
قال عبد الله بن مسعود: النوم - عند الموعظة من الشيطان -.
قال عبد الله بن عمرو بن العاص: النوم على ثلاثة أوجه، نوم خرق، ونوم خلق، ونوم حمق. فأما النوم الخرق، فنومة الضحى، يقضى الناس حوائجهم وهو نائم، وأما نوم الخلق، فنوم القائلة نصف النهار، وأما نوم الحمق، فالنوم حين تحضر الصلوات.
قال غيره: نوم أول النهار خرق، ونوم القائلة خلق، ونوم العشى حمق، والنوم بين العشاءين يحرم الرزق.
قيل لأعرابي: ما يدعوك إلى نومه الضحى؟ قال: مبردة في الصيف، مسخنة في الشتاء.
قال بعض العلماء: النعاس يذهب العقل، والنوم يزيد فيه.
قال عبد الله بن شبرمة: نوم نصف النهار يعدل شربة دواء، يعني في الصيف.
قال عباس بن الأحنف:
قالوا: تنامُ، فقلت: الشّوْق يمنعُني ... من أن أنامَ وعيني حشَوها السُّهُدُ
أبكي الذَّين أذاقُوني مَوَدّتَهُمْ ... حتّى إذا أيقظوني للهوى رَقَدُوا
هم قد دَعَوْني فلما قمتُ مقتضيا ... للجبِّ نحوَهُمُ من قُرْبهم، بَعُدُوا
لأخرجنّ من الدنيا وحُبُّهُمُ ... بين الجوانِحِ لم يَشْعرْ به أحدُ
كان يقال: لإبليس لعوق وكحل وسعوط، فلعوقه الكذب، وكحله النعاس عند سماع الخير، وسعوطه الكبر.
قال علي بن الجهم، يهجو قوما:
أكثرُ ما يعرفُه القّوْمُ ... الأكْلُ والراحةُ والنّومُ
стр. 192
نوكي مياسيرٌ إذا عدت الْ ... أيّام لم يُعْرَف لهم يومُ
وقال آخر:
عجبتُ لطّرْفي والكَرَى إذ تنافَرَا ... وقد كانَ قبلَ اليومِ بينهُمَا وَصْلُ
كأنّ البكا أغراهُما بتفرُّقِ ... فلم يجتمعْ من بعدهِ لهما شملُ
أنشد ابن دريد:
ولذِّ كطَعْمِ الصَّرْخَدِيّ تركُتُه ... بأرض العِدَا من خَشْيةِ الْحَدَثَانِ
ومُبْدٍ لي الشَحْناءَ بيني وبينّهُ ... دعوتُ وقد طال السُّري فَدَعَانيِ
وفسر اللذَّ فقال: اللذُّ: اللذيذ، وأراد به هنا النوم. والصرخدي: الخمر، وقيل العسل.
وللفرزدق، أو غيره:
يقولُون طالَ الليلُ والليلُ لم يَطُلِ ... ولكنّ من يَبْكِ من الشّوّقِ يَسْهرِ
وقال بشار:
لم يطل ليلى ولكن لم أنَمْ ... ونَفَى عنّي الكَرَى طيفٌ أَلَمّ
قال أبو ملجم الأعرابي:
أبيتُ أُرَاعِي النَّجْمَ حتّى كأنّنِي ... بناصيتي حَبْلٌ إلى النَّجْم مُوثَقُ
وما طال ليلى غير أنّي أَحبُّها ... أُعَلّلُ نفسي بالأماني فتَعْلَقُ
وقال علي بن بسام:
لا أظلمُ الليلَ ولا أدّعي ... أنّ نجومَ السّماءِ ليستْ تَغُورْ
لَيْلِى كما شَاءَتْ فإن لم تَزُرْ ... طَالَ، وإنْ زارت فليِلى قصيرْ
قال عدي بن الرقاع:
وكأنّ ليِلى حينَ تَغْرُبُ شمسُهُ ... بسَوادِ آخرَ مثّلهُ مَوصُولُ
لأبي جندب الهذلي، فيما ذكر المدائني:
تعَالَوْا أعينوني على اللّيل إنَّهُ ... على كلِّ عينٍ لا تَنَامُ طويلُ
قال المدائني، وهو القائل أيضاً:
ألاّ أَيُّها النُّوامُ ويحكُمُ هُبُّوا ... أسَائلكم هَلْ يقتلُ الرَّجُلَ الحبُّ
قال: وهو القائل:
قل للمليحِة في الخمارِ الأسْوَدِ
وذكر الأبيات، وليس هذا موضعها، وغير المدائني ينشد قوله: ألا أيها النوام ... لجميل بن معمر، وينشد: قل للمليحة في الخمار الأسود ... للدارمي.
قال صالح بن حسان يوماً لجلسائه: أيكم ينشد بيتاً نصفه لمخنث يتفكك بالعقيق، ونصفه لأعرابي في شملة بالبادية؟ قالوا: ما نعرفه. قال: هو قول ابن معمر:
ألا أيُّها الركب النِّيامُ ألا هبّوا ... أسَائِلكُم هل يقتلُ الرجلَ الحبُّ؟
ولعباس بن الأحنف:
أيّها النَّائِمون حَوْلِي أَعيِنُو ... نِي عَلَى اللَّيلِ حِسْبَةً وائْتِجَارَا
حَدِّثُونِي عن النّهارِ حديثاً ... أوصفُوهُ فقد نسيتُ النّهَارَا
وقال خالد الكاتب:
رَقَدْتَ ولم تَرْثِ للسَّاهِرِ ... ولَيْل الْمُحِبْ بلا آخِرٍ
ولم تَدْرِ بعدَ ذهابِ الرُّقَادِ ... ما فعلَ الدَّمع بالنّاظِر
وقال سعيد بن حميد:
يا ليلُ بل يا أَبَد ... أنائمٌ عَنْك غَدُ
يا ليلُ لو تَلْقَى الذي ... أَلْقَى بها أو تجدُ
قُصِّر من طُولِك أَوْ ... ضُعِّفَ منك الجَلَدُ
ولبعض أهل عصرنا:
إلْفِي قريبٌ وأُنْسِي ما يتمُّ بِهِ ... واللَّيْلُ يَقطَعُ صَبْرِي كلَّه طُولاَ
إذا كواكبُهُ الأخْرَى أردتُ بها ... مِنْ غُمَّتِي فَرَجاً عَادَتْ لِيَ الأولَى
وللمنتصر بالله:
رأيتُك في المَنَامِ أَقلَّ بخْلاً ... وأطوعَ منك في غَيْر المَنَامِ
فليتَ الصُّبْح زَالَ فلا تراه ... وليت الليل أُخِّرَ ألفَ عامِ
فلو أنّ النُّعاسَ يُبَاع بيعاً ... لأغليتُ النُّعَاس على النيامِ
باب الحمام
قال رسول الله ﷺ : " إنَّكم سَتَفْتَحُون الشَّامَ، فَتجدون فيها بيوتاً تُدعى الَحمامات، فلا يَدخلها من النساء إلا مريضةٌ أو نُفَسَاء، ولا يحلّ دخولها لرجل إلاّ بمئزَر ".
قال أبو هريرة: بئس البيت الحمام، يكشف العورة، ويذهب الحياء.
قال أبو الدرداء: نعم البيت الحمام، يذهب الدرن، ويذكر النار.
стр. 193
قال ابن القاسم: سئل مالك عن القراءة في الحمام. فقال: القراءة بكل مكان حسنة، وليس الحمام بموضع قراءة، فمن قرأ الآية والآيتين فليس بذلك بأس، وليس الحمام من بيوت الناس الأول.
كان الحسن إذا دخل الحمام أغمض مخافة أن تقع عينه على عورة أحد، وربما قادة غلامه.
ودخل أبو حنيفة الحمام فرأى فيه قوماً لا مآزر لهم، فأغلق عينيه، وجعل يتهدي بيديه. فقال له أحدهم: متى ذهب بصرك يا أبا حنيفة؟ قال: منذ انكشفت عورتكم.
كان يقال: إذا جمع الحمام خمس خصال فقد كمل: أن يكون قديم البناء، عذب الماء، كثير الضياء، مرتفع الهواء، وأفضل ذلك كله: أن يكون الحوض نقياً معتدل الحر.
قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن دخول الحمام، فقال: ما أن وجدته خالياً، أو كنت تدخل مع قوم يستترون ويتحفظون فلا أرى بذلك بأسا، وإن كان يدخله من لا يبالي ولا يتحفظ لم أر أن تدخله، وإن كنت متحفظاً.
قال أصبغ: وأدركت ابن وهب يدخله مع العامة متحفظاً، ثم ترك ذلك، وكان لا يدخله إلا مختليا.
قال شمس المعالي:
أَنتَ في الحمّام موقو ... فٌ على قَلْبِي وَسَمْعي
فتأَمّلها تجدْهَا ... كُوِّنَتْ من بعضِ طَبْعِي
حَرّهَا من حَرّ أَنْفَا ... سِي وفيضُ الماءِ دَمْعي
ودخل أعرابي البصرة، قدمها من البادية فنزل على قريب له، فلما رآه أشعث الرأس عزم عليه في دخول الحمام، وقال له: إنه يوم جمعة تطهر في الحمام وتنظف، فلما دخل الأعرابي الحمام، زلقت رجله وسقط، فأصابته شجة فوق حاجبه، فخرج وهو يقول:
وقالوا: تَطَهّرْ إنه يوم جُمْعَةٍ ... فأُبْتُ من الحَّمامِ غيرَ مطهّرِ
تزوَّدْتُ منه شَجّةً فوق حاجِبِي ... بغيِر جهادٍ بئسَ ما كان متجرِي
تقول لَي الأعرابُ لما رأونني ... بِهِ لا تَلَبَّثْ، بالصَّرِيَمةِ أَعْقِرِ
فما تَعْرِفُ الأعرابُ في السُّوقِ مِشْيَةً ... فكيفَ ببيتٍ ذيِ رخام وَمَرْمَرِ
باب في البراغيث والبق والبعوض
في الحديث المرفوع: لا تلعنوا البرغوث فإنه نبه نبياً من الأنبياء لصلاة الصبح، حديث ليس بقوي الإسناد. انفرد به سويد أبو حاتم، يباع الطعام عن قتادة، عن أنس عن النبي ﷺ .
قال أعرابي بالبصرة:
ظللتُ بالبَصْرَة في مِرَاشِ
وفي براغيثَ أَذَاهَا فَاشِي
من نافرٍِ منها وذِي خِرَاشِ
يَرْفَعُ جنبيّ عن الفِرَاشِ
فأنا في حرب وفي تَخْرَاشِ
يَترك في جَنْبَّي كالحَوَاشِي
وزوجةٍ دائمة الهرَاشِ
تَغْلِي كغَليِ المِرْجَل النَشْنَاشِ
وقال رجلٌ من بني حمان، وقع في جند الشام، مندوباً في بعض حصون الساحل:
أَأَنْصُرُ أهلَ الشَّام ممن يكيدُهُمْ ... وأَهْلِي بنجدٍ ذات حرص على النصرِ
براغيثُ تُؤذْيني إذَا النَّاسُ نَوَّمْوا ... وبقٌّ أقاسيِهِ على سَاحِلِ البَحْرِ
تضيف عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، رجلا من الأعراب كان يأتيه يتصيد عنده، ففرش له في بيت خال من ناحية داره، فبات فيه، ثم غدا عليه فقال: يا أبا عثمان! ماذا رأيت هذه الليلة! قال: وما ذاك؟ قال: سود حدب زرق آذينني، وقد قلت فيهن شعراً، قال: وما هو؟ قال: قلت:
الليل نصفان نصف للهموم فما ... أقضى رقاداً ونصف للبراغيث
أبيت حيث تساميني أوائلها ... أنزو وأخلط تسبيحاً بتغويث
سود مداليج في الظلماء مؤذية ... وليس ملتمس منها بمشبوث
كأنهن وجلدي إذ خلون به ... أيتام سوءٍ أغاروا في مواريث
ليل البراغيث أنكاني وأرقني ... لا بارك الله في ليل البراغيث
قال أعرابي:
إن البراغيث لهن عض ... وحكة وألم ممض
كأنما تنبتهن الأرض
وذكرت البراغيث عند أعرابي من قيس، فقال: ليلها ناصب ومددها دائب.
وذكرت البراغيث عند رجل من كلب، فقال: أخزاها الله، ما أدنأ صغارها، وما أشر كبارها، وأخفى أنظارها، وأقبح آثارها.
قال أحمد بن إسحاق:
ما للبراغيث أفنى الله جملتها ... حتى يقوم برغوث بدينار
стр. 194
لروضة من رياض الحزن معشبة ... بها الظباء تراعي غب أمطار
أشهى لقلبي من درب به نبط ... ومنزل بين حجامٍ وجزار
وقال آخر:
ما للبراغيث أخزى الله ليلتها ... من يلق منهن ما لاقيت لم ينم
كأنهن وجلدي إذ ظفرن به ... وضمني مضجعي، يطلبنني بدم
قال أعرابي:
لم أر كاليوم ولا مذ قط ... أطول من ليلي بنهر بط
كأنما نجومه في ربط ... أبيت بين خطتي مشتط
من البعوض، ومن التغطي ... إذا تغنين غناء الزط
وكن مني بمكان القرط ... وخزنني وخزاً كوخز الشرط
وقال آخر، يصف بعوضة وخرطومها:
مثل السفاة دائم طنينها ... ركب في خرطومها سكينها
ولأبي إسحق الصابي، وهو إبراهيم بن هلال الكاتب في البعوض قال:
ألحت صروف الدهر من كل جانب ... على بأصناف الأذى والجوائح
وأخرجنني من مواطن كان جنتي ... لحسن مرابعه وحسن الروائح
وعوضنني من ذلك الظل والجني ... على الرغم من أنفي بسكني البطائح
محل خسيس لا يطيب مساؤه ... لثاويه والإصباح ليس بصابح
بليت ببقً ذي مناسر طعمه ... لحوم صناديد الرجال الجحاجح
وقد كنت في بغداد أشكو بغاثه ... فكيف اصطباري للبزاة الجوارح
أجاور في جنح الدجى كل جحفلٍ ... يجالدني أبطاله بالصفائح
إذا سفكت كفى دماً من بغوضةٍ ... فذلك جزء من دمٍ لي طائح
له وخزة في السمع قبل وقوعه ... على الجسم من تغريد نشوان صابح
فكم مستغيث ساهر العين صائح ... إلى مثله من شاهر العين صائح
وكم غائص في النوم يصفح نفسه ... لنبلة رامٍ أو لطعنة رامح
لسويد بن منجوف العبدي، وكان قديماً جاهلياً:
أبي القلب أن يأتي السدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غرير
به البق والحمى وأسد خفية ... وعمرو بن هند يعتدي ويجور
ولأعرابي من بني جفنة مازحاً:
مر الجراد على زرعي فقلت له: ... الزم طريقك لا تولع بإفساد
فقال منهم خطيب فوق سنبلةٍ ... أنا على سفرٍ لابد من زاد
ولابن المعتز في البعوض أيضاً:
بت ليلى كله لم أطرف ... لجرجس كالزئبر المنتف
يلسعننا بالسعر المخوف ... يعذب المهجة إن لم تتلف
ويثقب الجلد وراء المطرف ... حتى يرى فيه كشكل المصحف
ولي أصف ما لاقيت من البغوض بإشبيلية في الشرف، وفي مدينة قبتور ومدينة قبطيل، وذلك حين مبيتي بها، وما منه تلقي المدينة أيضاً:
بعوض قبتور والقبطيل والشرف ... قد آذنت بذهاب النفس والتلف
فمن مثير دخانٍ يستجير به ... وآخرٍ مختفٍ في الثوب ملتحف
قد غيب الرأس والرجلين مستتراً ... بالبيت من طرفٍ فيه إلى طرف
ويلي من الجرجس المثنى عقربه ... ينصب مثل عقابٍ جاع مختطف
يؤم أذني هجماً كالمهدد لي ... وكالمنادي بأخذ الهارب النطف
خرطومه كسنان لا يقوم له ... ثوب مثنى ولو قد كان من خزف
يا ويله من عدو لست تدفعه ... إلا بلطم على الأعضاء منصرف
نفي البعوض أناساً من مساكنهم ... على البحيرة في غربٍ من الشرف
وساحل البحر طولا أصل منبته ... يغشى المدينة في الأبيات والغرف
وليس عنهم بستر أو مدافعةٍ ... أو حيلةٍ قد أعدوها بمنحرف
ولغيري في البعوض ببلنسية:
ضاقت بلنسية بي ... وذاد عنها غموضي
رقص البراغيث حولي ... على غناء البعوض
باب في السجن
قال رسول الله ﷺ : " الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر ".
روى عن النبي ﷺ ، أنه حبس رجلا في تهمة.
стр. 195
سجن عمر بن الخطاب الحطيئة في قوله في الزبرقان بن بدر:
دع المكارم لا ترحل لبغيها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
بعد أن سأل حساناً ولبيداً فقالا: إنه هجاء له وضعة منه، فأمر به فحبس، وقيل إنه رماه في بئر لا ماء فيها، فقال الحطيئة:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخٍ ... زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةٍ ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الإثر
فامنن على صبيةٍ في الرمل مسكنهم ... بين الأباطح يغشاهم بها القدر
أهلي فداؤك كم بيني وبينهم ... من عرض داويةٍ يعمى بها الخبر
فكلمه فيه عبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، واسترضياه حتى أخرجه من السجن، ثم دعاه فهدده بقطع لسانه إن عاد يهجو أحداً.
كتب على باب سجن بالعراق: هاهناتلين الصعاب، وتختبر الأحباب.
مكتوب على باب سجن كبير من سجون الملوك: هذه منازل البلوي، وقبور الأحياء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء.
ولأعرابي مسجون:
ولما دخلت السجن كبر أهله ... وقالوا: أبو ليلى الغداة حزين
وفي الباب مكتوب على صفحاته ... بأنك تنزو ثم سوف تلين
وقال علي بن الجهم في السجن في شعر له:
خرجنا من الدنيا من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا جاءنا السجان يوماً لحاجةٍ ... فرحنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
ونفرح بالرؤيا فجل حديثنا ... إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
فإن حسنت لم تأت عجلي وأبطأت ... وإن هي ساءت بكرت وأتت عجلي
ولبعض السجان:
ما يدخل السجن إنسان فتسأله ... ما بال سجنك إلا قال مظلوم
وقال آخر:
أسجن وقيد واغتراب وعبرة ... وفقد حبيب إن ذاك عظيم
وإن امرءًا تبقى مواثيق عهده ... على كل هذا إنه لكريم
كتب أبو العتاهية من السجن إلى الرشيد يستعطفه ويسترحمه، فوقع له في رقعته: لا بأس عليك. فأعاد عليه أبو العتاهية رقعةً أخرى فيها:
أرقت وطار عن عيني النعاس ... ونام السامرون ولم يواسوا
أمين الله أمنك خير أمنٍ ... عليك من التقى فيه لباس
تساس من السماء بكلب بر ... وأنت به تسوس كما تساس
كأن الخلق ركب فيه روح ... له جسد وأنت عليه راس
أمين الله إن الحبس باس ... وقد وقعت ليس عليك باس
لما سجن عضد الدولة فناخسرو أبا إسحق الصابي وقبض عليه، واستصفى أمواله، وذلك في حين قتله عز الدولة بختيار بن أحمد بن بويه الديلمي، وكان الصابي كاتب بختيار على ديوان الإنشاء، فزار أبو الفرج الببغاء الشاعر أبا إسحق الصابي في السجن ثم قطعه، فكتب إليه الصابي:
أبا الفرج اسلم وابق وانعم ولا تزل ... يزيدك صرف الدهر حظاً إذا نقص
مضت مدة تستام ودي غالياً ... فأرخصته والبيع غالٍ ومرتخص
وآنستني في محبسي بزيارةٍ ... شفت كمداً من صاحبٍ لك قد خلص
ولكنها كانت كحسوة طائرٍ ... فواقاً كما يستفرص السارق الفرص
وأحسبك استوحشت من ضيق محبسٍ ... وأوجست خوفاً من تذكرك القفص
تحوشيت يا قس الطيور فصاحةً ... إذا نثر المنظوم أو درس القصص
من المنسر الأشغى ومن حزة المدى ... ومن بندق الرامي ومن قصة المقص
ومن صعدة فيها من الدبق لهذم ... لفرسانكم عند الطعان بها قعص
فهذي دواهي الطير وقيت شرها ... إذا الدهر من أحدائه جرع الغصص
فأجابه أبو الفرج الببغاء:
أيا ماجداً في حلبة المجد ما نكص ... ويا كاملاً في رتبة الفضل ما نقص
стр. 196
ستخلص من هذا السرار وأيما ... هلالٍ تواري في السرار وما خلص
بدولة تاج الملة الملك الذي ... له في أعالي قبة المشتري حصص
تقنصت إلطافي وما كنت قبل ذا ... أظن بأن المرء بالبر يقتنص
فأصبحت لا أخشى أذية جارحٍ ... ورأيك لي وكر وقلبك لي قفص
باب الوكلاء
قال بعض الحكماء: لا مال لمن لا صبر له على خيانة الوكلاء وإضاعة الكفاة.
قال نصر بن سيار: لا تتخذ الوكيل داهيةً أريباً، ولا ذا عشيرة منيعة، فإنك إن قاومته أيام حياتك، عجز عنه ولدك بعد وفاتك.
كان عمر بن مهران يكتب في نهاية اسمه: اللهم احفظه ممن يحفظه.
لما مرض يعقوب بن حميد التاجر، قال له بعض ولده: أي شيءٍ تشتهي؟ قال: كبد وكيل.
قال نصر بن سيار: لعن الله وكيل الضيعة، إن عشت أكلها دونك، وإن مت ادعاها بعدك، وإن كان عاجزاً جاهلا استهلكها، وإن كان قوياً ذا عارض أعملها فيك ولم يعملها لك.
ذكر أن القحذمي مات وله ضيعة في يد وكيل، فكابر عليها.
قال شقران العلامي:
ذكرت أبا أروى فبت كأنني ... برد الأمور الماضيات وكيل
باب العادة ومالا ينسى
قال أكثم بن صيفي: ما يسرني أني مكفي أمر الدنيا. قيل: ولم؟ قال: أخاف عادة العجز.
قال العرب: العادة أملك بالإنسان من الأدب.
وقالوا: العادة طبيعة ثانية.
كان يقال: ما دخل باللبن لم يخرج إلا مع الروح.
قالوا: الخير عادة، والشر لجاجة.
قال الراجز:
تعود الخير فالخير عادة ... تدعو إلى الغبطة والسعادة
قال الشاعر:
ما إن تخلقت إلا شيمتي خلقاً ... إن الخلائق تأبى دونها الخلق
قال الشاعر:
كل امرئٍ صائرٌ يوماً لشيمته ... وإن تخلق أخلاقاً إلى حين
وقال آخر:
فإن يشرب أبو عثمان أشرب ... وإن كانت معتقةً عقارا
وإن يأكل أبو عثمان آكل ... وإن كانت خنانيصاً صغارا
وقال آخر:
وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ... ذا عفافٍ وحياءٍ وكرم
قوله للشيء لا إن قلت لا ... وإذا قلت نعم قال نعم
وقال آخر:
وكنت إذا علقت حبال قومٍ ... صحبتهم وشيمتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا
أشاء سوى مشيئتهم فآتى ... مشيئتهم وأترك ما أشاء
باب في المنجمين
قال رسول الله ﷺ : " من تعلم باباً من النجوم، فقد تعلم باباً من السحر، ما زاد زاد ".
قال رسول الله ﷺ : " إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا ".
قال عمر بن الخطاب: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم أمسكوا.
قال الخليل بن أحمد:
أبلغا عني المنجم أني ... كافر بالذي قضته الكواكب
شاهد أن من تكهن أو نجم ... زار على المقادير كاذب
عالم أن ما يكون وما كان ... قضاء من المهيمن واجب
وقال آخر:
علم النجوم على العقول وبال ... وطلاب شيءٍ لا ينال وبال
هيهات ما أحد مضى ذو فطنةٍ ... يدري متى الأرزاق والآجال
إلا الذي هو فوق سبع سمائه ... ولوجهه الإعظام والإجلال
وقال أبو العباس الناشئ:
سألت المنجم عن رحلةٍ ... أؤمل براً عليها وبحرا
فقال المنجم لي: لا تسر ... فإنك إن سرت لاقيت شرا
فإن كان يعلم أني أسير ... فقد جاء بالنهي لغواً وهجرا
وإن كان يجهل سيري فكيف ... تراني إذا سرت لاقيت ضرا
وقال أبو تمام الطائي:
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لاقى السبعة الشهب
يقضون بالأمر عنها وهي غافلة ... ما كان في فلك منها وفي قطب
وفيها يقول أبو الطيب المتنبي:
فتبا لدين عبيد النجوم ... ومن يدعى أنها تعقل
وقال منصور الفقيه:
قول المنجم شيء ... دعا إليه التوهم
стр. 197
فلا تصدق بشيءٍ ... مما يقول المنجم
وله أيضاً:
إذا كنت تزعم أن النجوم ... تضر وتنفع من تحتها
فلا تنكرن على من يقول ... بأنك بالله أشركتها
وله أيضاً:
لو أن نجماً تكلم ... لقال: صكوا المنجم
لأنه قال جهلاً ... بالغيب ما ليس يعلم
وقال أيضاً:
قالوا أعد فلان ... لخوف هذا القران
زادا كثيراً وداراً ... وثيقة البنيان
فقلت بات فلان ... يرجو النجاة بذان
هلا استعان على ما ... يخشى من الحدثان
بمن وقاه وليداً ... مكروه كل زمان
ومن غذاه جنيناً ... في ضيق ذاك المكان
وقال أحمد بن محمد بن عبد ربه:
فأين الزيج والقانو ... ن والأركند والكمه
وأين السند هند البا ... طل الجدول هل ثمه
سوى الإفك على الله ... تعالى منشر الرمه
إذا كان أخو النجم ... يرى الغيب بما ضمه
فلم ذا يطلب الرزق ... طلاب العاجز الهمه
وهذي الأرض قد وارت ... كنوزاً عدةً جمه
فلا والله ما لل ... هـ وخلق يحتوي علمه
أخبرني عبد الله بن محمد بن يوسف، قال أخبرنا أحمد بن مالك بن عابد، قال: أخبرني أحمد ابن محمد بن عبد ربه أبو عمر الشاعر، قال: دخلت على الوزير جهور بن الضيف، وكان القحط قد ألح، والغيث قد احتبس واغتم الناس لذلك، وتحدث المنجمون بتأخر الغيث مدة طويلة، فوجدت عنده ابن عزر المنجم وجماعةً من أصحابه، وقد أقاموا الطالع وعدلوا، وقضوا بتأخير الماء شهراً. فقلت للوزير: إن هذا من أمور الله المغيبة، وأرجو أن يكذبهم الله بفضله، ثم خرجت عنه وأتيت داري، فجاء أول الليل والسماء قد تغيمت، ونمت ساعة، فما أيقظني إلا نزول الماء، فقمت وقربت مني المصباح، ودعوت بالدواة والقلم، فما رفعت يدي حتى نسخت هذه الأبيات، ثم صابحت بها الوزير، فسر بها واستحسنها. وهي:
ما قدر الله هو الغالب ... ليس الذي يحسبه الحاسب
قد صدق الله رجاء الورى ... وما رجاء عنده خائب
وأنزل الغيث على راغبٍ ... رحمته إذ فنط الراغب
قل لابن عزرا السخيف الحجا ... زري عليك الكوكب الثاقب
ما يعلم الشاهد من حكمنا ... كيف بأمرٍ حكمه غائب
وقل لعباس وأشياعه ... كيف ترى؟ قولكم الكاذب
خانكم كيوان في قوسه ... وغركم في لونه الكائب
فكلكم يكذب في علمه ... وعلمكم في أصله كاذب
ما أنتم شيءٌ ولا علمكم ... قد ضعف المطلوب والطالب
تغالبون الله في حكمه ... والله لا يغلبه غالب
محبوب الحبر الذي ماله ... في فهمه ند ولا صاحب
قد أشهد الله على نفسه ... بأنه من جهلكم تائب
وأنشدني عباس بن يحيى بن قزمان لعمه عيسى بن قزمان:
هذا بإذن الله ما شاء قدره ... وليس فيما قضى كيوان والقمر
لو كان عند النجوم السابحات بما ... يجري على الخلق من أنبائهم خبر
لم يحتلل بذراهم ريب حادثةٍ ... بل كان ينجيهم الإنذار والحذر
ما كان ينجل منهم عالم ولداً ... في ساعةٍ ما بها نحس ولا كدر
تقيه أنجمه صرف الزمان فلا ... يأتي عليه ولا يفني له عمر
هيهات ذلك أمر لا يطاق ول ... كن الفتى ينتهي حيث انتهى القدر
وللقرشي سعيد بن العاص المرواني:
مستحيل أن تدرك الأوهام ... علم غيب تغيب عنه الأنام
كيف يحتاز علمه بشري ... وهو علم قد حازه العلام
لست ممن يقول فيه يجهلٍ ... ما يقول الكندي والنظام
كل من قال إن للنجم حكما ... لم يجز فاعلمن عليه السلام
стр. 198
سطر الأولون فيه أساطي ... ر ولم يلهموا الرشاد فهاموا
إذا أرادوا بالسند هند وبالأركند والزيج روم مالا يرام
خبطوا في أمورها خبط عشوا ... ء حين ضلت في كنهها الأوهام
والذي هينموا به من قريبٍ ... هذيان آثاره البرسام
إنما السبعة الدراري أجرا ... م ولكن لا تعقل الأجرام
وصفوها بالفهم وهي شخوص ... ما لديها فهم ولا إفهام
وحكوا أنها تؤثر في العا ... لم والعالمون عن ذا نيام
كذبوا ليس للكواكب نقض ... في جميع الورى ولا إبرام
والذي قاله الأوائل فيها ... فهو مالا يقوله الإسلام
إنما سخرت بقدرة باري ... ها إلى أن يحين منه انصرام
فهي تجري في رتبة ليس تعدو ... ها ولا يستحيل فيها النظام
كل يومٍ تساق فيه إلى الغر ... ب سراعاً كما تساق السوام
ليس يقضي كيوان أمراً كما قا ... لوا، ولا المشتري ولا بهرام
لا ولا الشمس في البروج ولا البد ... ر الذي ينجلي به الإظلام
إنما الأمر الذي خلق الخل ... ق وتمضي بعزمه الأحكام
باب ثلاثةٍ من الحكم
قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: " يا علي! ثلاثة لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤاً ".
وقال رسول الله ﷺ : " ثلاثٌ منجيات، وثلاث مهلكات، فأما المنجيات: فالعدل في الرضى والغضب، وخشية الله في السر والعلانية، والقصد في الغني والفقر. وأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه ".
وروى عنه ﵇، أنه قال: " ثلاثة من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، وثلاث من شقوة ابن آدم: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء ".
وفي الخبر المأثور: " الخير كله في ثلاث: السكوت والكلام والنظر، فطوبى لمن كان سكوته فكره، وكلامه حكمة، ونظره عبرة ".
كان الحسن يقول: أصول الشر ثلاثة: الحرص والحسد والكبر، فالكبر منع إبليس من السجود لآدم، والحرص أخرج آدم من الجنة، والحسد حمل ابن آدم على قتل أخيه.
قال ابن عجلان: ثلاثة لا يصلح العمل إلا بهن: التقوى، والنية الحسنة، والإصابة.
روى سفيان، عن جامع بن أبي راشد، عن ميمون بن مهران، قال: ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر، الأمانة تؤدي الى البر والفاجر والعهد يوفي به للبر والفاجر، والرحم توصل برةً كانت أو فاجرة.
ثلاثة لا شيء أقل منهن، ولا يزددن إلا قلة: درهم حلال تنفقه في حلال وأخ في الله تسكن إليه، وأمين تستريح إلى الثقة به.
قال عمر بن الخطاب: الفواقر في ثلاث: جار سوء في دار مقام، إن رأى حسنةً سترها، وإن رأى سيئة أذاعها. وامرأة سوء إن دخلت لسنتك، وإن غبت عنها لم تأمنها. وسلطانٍ جائر إن أحسنت لم يحمدك، وإن أسأت قتلك.
قال الحسن: لولا ثلاث ما وضع ابن آدم رأسه: المرض والفقر والموت.
قال الضحاك أو غيره من الحكماء: إذا ظفر إبليس من ابن آدم بثلاث لم يطلبه بغيرهن: إذا أعجب بنفسه، واستكثر عمله، ونسى ذنوبه.
قال مسلمة بن عبد الملك: العيش في ثلاث: سعة المنزل، وكثرة الخدم، وموافقة الأهل.
قال الخليل بن أحمد: ثلاث ينسين المصائب: مر الليالي، والمرأة حسناء، ومحادثة الإخوان.
وقال غيره: ليس لثلاثٍ حيلة: فقر يخالطه كسل، وخصومة يداخلها حسد، ومرض يداخله هرم.
وقال غيره: ثلاثة تجب مداراتهم: الملك السليط، والمرأة، والمريض.
ثلاثة يعذرون في سوء الخلق: المريض، والمسافر، والصائم.
ثلاثة لا يستخف بهم: عامل السلطان، والعالم، والصديق: لأن من استخف بالسلطان أفسد ونياة ومن استخف بالعالم أفسد دينه ومن استخف بالصديق أفسد مروءته.
ثلاثة أشياء تخلق العقل، وتفسد الذهن: طول النظر في المرآة، والاستغراق في الضحك، ودوام النظر في البحر.
ومما يفسد الذهن ثلاثة: الهم والوحدة والفكر.
ثلاثة تهرم وربما قتلت صاحبها: الجماع على الامتلاء، ودخول الحمام على البطنة، وأكل القديد اليابس.
стр. 199
ثلاثة يفرح بهن الجسد ويربو: الطيب، والثوب اللين، وشرب العسل.
ثلاثة تورث الهزال: شرب الماء البارد على الريق، والنوم من غير وطاء، وكثرة الكلام برفع الصوت.
فال سليمان بن موسى: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليمٌ من سفيه، وبر من فاجر، وشريف من دنئ.
قال أبو الدرداء: ثلاث لا يحبهن غيري: أحب الموت اشتياقاً إلى ربي، وأحب المرض تكفيراً لخطيئتي، وأحب الفقر تواضعاً لربي، فذكر ذلك لابن شبرمة، فقال: ولكني لا أحب واحدة من الثلاث، أما الفقر فو الله للغني أحب إلى منه، لأن الغنى به توصل الرحم، ويحج البيت، وتعتق الرقاب، وتبسط اليد بالصدقة. وأما المرض فو الله لأن أعافي فأشكر أحب إلى من أن أبتلي فأصبر، وأما الموت فو الله ما يمنعنا من حبه إلا ما قدمناه وسلف من أعمالنا، فنستغفر الله.
يقال: ثلاث موبقات: الحرص، وهو أخرج آدم من الجنة: والحسد دعا ابن آدم إلى قتل أخيه، والكبر حط إبليس عن مرتبته.
قال سفيان الثوري: دخلت على جعفر بن محمد، فقال لي: يا سفيان! إذا أنعم الله عليك نعمةً فاحمد الله، وإذا استبطأت رزقاً فاستغفر الله، وإذا حزبك أمر فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال لي: يا سفيان! ثلاث وأي ثلاث.
ثلاث خصال من حقائق الإيمان: الاقتصاد في الإنفاق، والإنصاف من نفسك، والابتداء بالسلام.
ثلاث من لم تكن فيه لم يطعم الإيمان: حلم يرد به جهل الجاهل، وورع يحجزه عن المحارم، وخلق يداري به الناس.
ثلاث لا يعرفون إلا في ثلاثة: الحليم عند الغضب، والشجاع عند الحرب، والأخ عند الحاجة.
قال ابن مسعود: ثلاث من كن فيه، ملأ الله قلبه إيماناً: صحبة الفقيه، وتلاوة القرآن، والصيام.
قال عمر بن الخطاب: الرجال ثلاثة: رجل عاقل عفيف مسلم ينظر في الأمور فيوردها مواردها ويصدرها مصادرها إذا أشكلت على عجزة الرجال وضعفتهم، ورجل يلبس عليه رأيه، فيأتي ذوي الرأي والمقدرة فيستشيرهم، وينزل عند ما يأمرونه به، ورجل جاهل لا يهتدي لرشد، ولا يشاور مرشداً.
قال: والنساء ثلاث. وقد ذكرتها في باب النساء.
من فقد ثلاثاً ساء عيشه: النساء، والمال، والإخوان.
ثلاث لا يأنف الكريم من القيام عليهن: أبوه، وضيفه، ودابته.
ثلاث يسهرون: قرض فأر، وأنين مريض، ووكف بيت.
ثلاثة لا راحة منها إلا بالمفارقة لها: السن المتآكلة والمتحركة، العبد الفاسد على مولاه، والمرأة الناشز عن زوجها.
ثلاث إذا كن في الرجل لم يشك في عقله وفضله: إذا حمده جاره، ورفيقه، وقرابته.
كدر العيش في ثلاث: الجار السوء، والولد العاق، والمرأة السيئة الخلق.
ثلاث الإقدام عليهن غرر: شرب السم على التجربة، وركوب البحر للغناء، وإفشاء السر إلى النساء.
قال الشاعر:
ولن يشرب السم الزعاف أخو الحجا ... مدلا بترياقٍ لديه مجرب
ثلاثة من عازهم عادت عزته ذلة: السلطان، والوالد، والعالم. وقد قيل: السلطان والوالد، والغريم.
ثلاثة تبنو الموعظة عن قلوبهم كنبو الماء عن الصفاة: امرأة مغرمة برجل، وشيخ مغرم بشرب الخمر، وملك فاجر.
ثلاث لا يستحيا منهن: طلب العلم، ومرض البدن، وذو القرابة الفقير.
ثلاث من أحسن شيءٍ فيمن كن فيه: جود لغير ثواب، ونصب لغير دنيا، وتواضع لغير ذل.
قال سفيان الثوري: ما بقي لي من نعيم الدنيا إلا ثلاث: أخٌ ثقة في الله أكتسب في صحبته خيراً، إن رآني زائغاً قومني، أو مستقيماً رغبني، ورزق واسع حلال ليست لله على فيه تبعة، ولا لمخلوق على فيه منة، وصلاة في جماعة أكفى سهوها وأرزق أجرها.
قال بزر جمهر: ثلاث نواطق وإن كن خرسا: كسوف البال دليل على رقة الحال، وحسن البشر دليل على سلامة الصدر، والهمة الدنية دليل على العزيزة الردية.
قال الشاعر:
وما ضربوا لك الأمثال إلا ... لتحذو إن حذوت على مثال
باب أربعة
أربع خصال من السعادة، وأربع من الشقاوة، فأما التي من السعادة: فالمركب الهني. أو قال: الوطي، والزوجة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح. وأما التي من الشقاوة: فالمركب الصعب، والزوجة السوء، والمسكن الضيق، والجار السوء.
أربع تعرف بهن الأخوة: الصفح قبل الاستقالة، وتقدم حسن الظن قبل التهمة، ومخرج العذر قبل العتب، وبذل الود قبل المسألة.
стр. 200
وقال الحسن: أربع من كن فيه ألقى الله عليه محبته، ونشر عليه رحمته. من بر والديه، ورفق بمملوكه. وكفل اليتيم. وأغاث الضعيف.
أربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح، والسواك، والختان.
أربع لا ينبغي للشريف أن يأنف منهن: قيامه عن مجلسه لأبيه، وحديثه ضيقه، وقيامه على فرسه - وإن كان له مائة عبد -، وخدمته العالم ليأخذ من علمه.
ذكر بعض قريش عبد الملك بن مروان، فقال: كان آخذاً لأربع، تاركا لأربع: يأخذ بأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر المئونة إذا خولف، وبأحسن البشر إذا لقى، وكان تاركاً لمحادثة اللئيم، ومنازعة اللجوج، ومماراة السفية، ومصاحبة المأفون.
قال الحسن البصري: لما هبط آدم آوحى الله إليه: أربع فيهن جماع الأمر لك ولولدك من بعدك، أما واحدة فلى، والثانية فلك، وأما الثالثة فبيني وبينك، وأما الرابعة فبينك وبين الناس. أما التي لي: فتعبدني ولا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فعملك أجزيكه أفقر ما تكون إليه، وأما الني بيني وبينك: فعليك الدعاء وعلى الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فتصاحبهم بما تحب أن يصاحبوك به.
أربعة تحتاج إلى أربعة: الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودة، والعقل إلى التجربة.
أربعة لا بقاء لها: مودة الأشرار، والبيت الذي ليس فيه تقدير، والمال الحرام، والكسب الذي ليس معه تقدير.
أربع من حصل عليها واجتمعت عنده، اجتمع له خير الدنيا والآخرة: امرأة عفيفة، وخدين موافق، ومال واسع، وعمل صالح، قال منصور الفقيه:
أفضل ما نال الفتى ... بعد الهدى والعافية
امرأة جميلة ... عفيفة مواتية
قال عبد الله بن عمر: أربع من كن فيه بوئ بهن بيتاً في الجنة: شهادة ألا إله إلا الله، وإن أصاب ذنباً استغفر الله، وإن جرت عليه نعمة، قال: الحمد الله، وإن أصابته مصيبة استرجع فقال: إنا الله وإنا إليه راجعون.
أربع تفسد العقل وتؤثر فيه: الإكثار من أكل البصل، ومن أكل الباقلاء، ومن الجماع، ومن السكر.
أربع من كن فيه كان كاملا، ومن تعلق بواحدة منهن كان من صلحاء قومه: دين يرشده، وعقل يسدده، وحسب يصونه، وحياء يقوده.
قال منصور الفقيه:
فضل التقى افضل من ... فضل اليسار والحسب
إذا هما لم يجمعا ... إلى العفاف والأدب
أربع من سلم منهن سلم من مكاره الدنيا والآخرة في الأغلب: العجلة، والتواني، واللجاجة، والعجب.
أربعة تقبح وهي في أربعة أقبح البخل في الأغنياء والفحش في النساء والكذب في القضاة والظلم في الحكام.
أربعة قالها جعفر بن محمد، لا تستقل القليل منها: الدين، والنار، والعداوة، والمرض.
قال الشاعر:
أربعة يعجب منها النهي ... يجهلها ذو مرةٍ حاسره
فواحد دنياه قدامه ... ليست له من خلفه آخره
وآخر دنياه منقوصة ... من خلفه آخره وافره
وثالث فاز بكلتيهما ... قد جمع الدنيا مع الآخره
ورابع مطرح بينهم ... ليست له دنيا ولا آخره
الأذلاء أربعة: النمام، والكذاب، والمديان، والفقير.
قالوا: أربعة تشتد معاشرتهم: الرجل المتواني، والرجل العالم، والفرس المرح، والملك الشديد المملكة.
أربعة تشتد مؤونتهم، النديم المعربد، والجليس الأحمق، والمغني التائه، والسفلة إذا أثرى.
أربعة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والذاكر حتى يفتر، والإمام العدل، ودعوة المظلوم.
أربعة لا يقدرن على أن يشبعن: النار من الحطب، والبحر من الماء، والموت من الأرواح، والشره من المال.
أربعة يهدمن الجسم وربما قتلن: دخول الحمام على البطنة، وأكل القديد الجاف، والغشيان على الامتلاء، ومجامعة العجوز.
أربع لا يشبعن من أربع: عينٌ من نظر، وأذن من خبر، وأنثى من ذكر، وأرض من مطر.
أربع إذا كن في الرجل أهلكنه: حب النساء، وحب الصيد، وحب الفخار، وحب الخمر.
قال عمر بن عبد العزيز: أحب الأشياء إلى الله أربعة: القصد عند الجدة، والعفو عند المقدرة، والحلم عند الغضب، والرفق بعباد الله في كل حال.
стр. 201
قال المأمون: الناس في تصرفهم ومعايشهم بين أربعة أمور، من لم يكن منها كان عيالا عليها وكلاّ: الإمارة، والتجارة، والزراعة، والصناعة.
أربعة لا يستحيا من الختم عليها: المال لنفي التهمة، والجوهر لأمن البدل، والدواء للاحتياط، والطبب للصيانة.
قال العتبي: اجتمعت الحكماء على أربع كلمات، وهي: لا تحملن على قلبك مالا تطيق، ولا تعمل عملا ليس لك فيه منفعة، ولا تثقن بامرأة، ولا تغتر بالمال وإن كثر.
باب خمسة
قال رسول الله ﷺ : " بُنى الإسلام على خمس ... " الحديث.
وقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمر: " يا عبد الله! اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ".
قال بعض الحكماء: خمسة أشياء من أعطيها فقد كمل عيشه: صحة البدن، وهو الجزء الأكبر، والسعة في الرزق، وهو الثاني، والأمن وهو الثالث، والأنيس الموافق وهو الرابع، والدعة، فمن حرمها فقد حرم العيش.
واجتمع الحكماء أنه لا ينبغي للمرء أن ينزل بلدةً ليس فيها خمسة أشياء: سلطان قاهر، وقاضٍ عادل، وسوق قائمة، وطبيب عالم، ونهر جارٍ.
روى الأصمعي، قال: حدثنا الفضل بن عبد الملك بن أبي شهبة، قال: قال الأحنف: لا ينبغي أن تنزل بلداً حتى يكون فيه خمس خصال، فذكرها سواء.
ذكر الشافعي عن مالك، عن الزهري، قال: الذل في خمسة أشياء: حضور المجلس بلا نسخة، وعبور المعبر بلا قطعة، ودخول الحمام بلا خادم، وتذلل الشريف للدنئ لينال منه، والتذلل للمرأة لينال من مالها.
خمسة لا يستحيا من خدمتهم: السلطان، والوالد، والعالم، والضيف، والدابة.
خمسة أشياء تقبح في خمسة أصناف: الحدة في السلطان، وقلة الحياء في ذوي الأحساب، والبخل في ذوي الأموال، والفتوة في الشيوخ، والحرض في العلماء والقراء.
قال وبرة بن خداش: أوصاني عبد الله بن عباس بخمس كلماتٍ هي أحب إلى من الدهم الموقوفة في السبيل، قال لي: إياك والكلام فيما لا يعنيك أو في غير موضعه، فرب متكلم فيما لا يعنيه أو في غير موضعه قد عنت، ولا تمار سفيهاً ولا فقيها، فإن الفقيه يغلبك والسفيه يؤذيك، واذكر أخاك إذا غاب عنك أن يذكرك به، ودع ما تحب أن يدعه منك، واعمل بما تحب عمل رجل يعلم أنه يجازي بالإحسان ويكافى بالإجرام.
قال عمر بن الخطاب: من لم يكن فيه خمس فلا ترجوه لشيء من الدنيا والآخرة: من لم يعرف بالوثيقة في أرومته، والكرم في طبيعته، وبالدماثة في خلقه، وبالنبل في نفسه، وبالمخافة لربه.
خمس من طبيعة الجهال: الغضب في غير شيء، والإعطاء في غير حق، وإتعاب البدن في الباطل، وقلة معرفة الرجل لصديقه من عدوه، وتضييعه لسره.
خمسة أشياء أضيع شيءٍ في الدنيا: سراج يوقد في الشمس، ومطر وابل في أرض سبخة، وامرأة حسناء تزف إلى عنين، وطعام يستجاد ثم يقدم إلى سكران أو شبعان، ومعروف تصنعه عند من لا يشكرك.
خمس لا يشبعن من خمس: أذن من خبر، وعين من نظر، وأنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعالم من أثر.
خمس يزدن في النسيان: إلقاء القملة، وأكل التفاح، والحجامة في النقرة، والبول في الماء الراكد، وأكل سؤر الفأرة.
ومما يدخل في هذا الباب قول الأحنف: لا راحة لحسود، ولا مروءة لبخيل، ولا إخاء لكذوب، ولا وفاء لملول، ولا سؤدد لسيء الخلق.
قال الأوزاعي: خمسة كان عليها أصحاب محمد ﷺ والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله.
باب نوادر من الرؤيا مختصرة
قال رسول الله صلى الله وسلم: " إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا، رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ".
قال رسول الله ﷺ : اللبن فطرة، والقيد ثبات في الدين، والغرق نار؛ لقوله تعالى: " أغرقُوا فأُدخلُوا ناراً "، ومن رآني فقد رآني، فإن الشيطان لا يتشبه بي.
قال أبو بكر: يا رسول الله! ما أزال أرى كأني أطأ في عذرات الناس، قال: لتلين أمور الناس قال: ورأيت في صدري كالرقمتين. قال: سنتين. قال: ورأيت كأن على حلة حبرة، قال: ولد تحبر به، وفي رواية أخرى: قال له: يا رسول اللهّ! ورأيت كأن في صدري كبتين، قال النبي ﵇: " على أمر الناس سنتين ".
стр. 202
رأى رسول الله ﷺ في منامه: أنه دخل الجنة، وأنه رأى فيها عذقاً مدلى فأعجبه وقال: " لمن هذا! فقيل: لأبي جهل. فشق ذلك عليه صلى الله عليه وقال: ما لأبي جهل والجنة؟ والله لا يدخلها أبداً، فإنها لا يدخلها إلا نفس مؤمنة. فلما أتاه عكرمة بن أبي جهل مسلماً فرح به، وقام إليه، وتأول ذلك العذق عكرمة ابنه ".
قال رسول الله ﷺ : " رأيت أني دخلت الجنة فسقيت لبنا فشربت حتى رأيت الري - أو قال: اللبن - خرج من أظفاري، قالوا: فما تأولته يا رسول الله؟ قال: العلم ".
قال رسول الله ﷺ : " رأيت كأن يتبعني غنم سود يتبعها غنم عفر " قال أبو بكر: يا رسول الله تلك العرب تتبعها العجم، قال: " كذلك عبرها الملك ".
مر صهيب بأبي بكر الصديق، فأعرض عنه، فقال أبو بكر: مالك؟ أبلغك عني شيء؟ فقال: لا. إلا رؤيا رأيتها لك كرهتها. قال: وما هي؟ قال: رأيتك مجموع اليدين إلى عنقك على باب أبي الحشر الأنصاري. قال: نعم ما رأيت جمع لي ديني إلى الحشر.
قالت عائشة لأبي بكر الصديق: رأيت كأن ثلاثة أقمار سقطن في حجري، فقال لها: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك ثلاثة من خير أهل الأرض، فلما دفن النبي ﵇ في بيتها، قال أبو بكر: هذا أحد أقمارك وهو خيرها.
جاء رجل إلى أبي بكر فقال: رأيت كأني أبول دماً، قال: أنت رجل تأتي امرأتك وهي حائض، فاتق الله ولا تفعل.
جاء رجل إلى أبو بكر الصديق رضى الله عنه، فقال: رأيت كأني أحدث ثعلباً، قال: أنت رجل كذاب، فاتق الله ولا تفعل.
رأي النبي ﷺ رؤيا، فقصها على أبي بكر، فقال: " يا أبا بكر! رأيت كأني أنا وأنت نرقي درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف " قال: يا رسول الله! يقبضك الله إلى مغفرته ورحمته فأعيش بعدك سنتين ونصفاً.
قالت عائشة لأبي بكر: رأيت كأن بقراً نحرن حولي. قال: إن صدقت رؤياك قتل حولك فئة.
قال رجل لأبي بكر الصديق: إني رأيت الليلة في المنام نوراً عظيماً يخرج من جحر صغير فجعلت أتعجب من صغر الجحر وعظم النور، ثم إن النور أراد أن يعود في الجحر فلم يقدر. فقال أبو بكر: هي الكلمة العظيمة تخرج من الرجل يريد أن يردها فلا يستطيع.
رأى رجل في المنام كأنه يطلب بطة معها ثلاثة فراخ، فأدرك البطة وفاتته الفراخ فسئل فقيل: هذا رجل صلى العتمة، ونام عن الوتر حتى أصبح، فقال الرجل: ما تركت الوتر منذ ثلاثين سنة إلا البارحة.
قام عمر بن الخطاب رضى الله عنه قبل أب يقتل بأيام، فقال: إني رأيت ديكاً نقرني نقرتين أو ثلاثا. فوجأه أبو لؤلؤه غلام المغيرة وجئتين أو ثلاثا فقتله.
قال بعض أمراء الشام لعمر: يا أمير المؤمنين! رأيت كأن الشمس والقمر اقتتلا ومع كل واحد منهما فريق من النجوم. قال: مع أيهما كنت؟ قال مع القمر. قال: مع الآية الممحوة، لا عملت لي أبداً. فعزله وقتل مع معاوية بصفين.
قال علي بن أبي طالب: لا رؤيا لخائف. إلا أن يرى ما يحب.
رأى عامر بن عبد الله بن الزبير في النوم، امرأةً ثائرة الشعر بين الركن والمقام، وهي تقول:
آذنت زينة الحياة ببينٍ ... وانقضاءٍ من أهلها وفناء
فتأول الناس من رؤيا عامر الدنيا.
قال رجل لابن سيرين: رأيت كأني آكل خبيصاً في الصلاة. قال: الخبيص حلال طيب، ولا يحل الأكل في الصلاة، أنت رجل تقبل امرأتك وأنت صائم. قال: نعم. قال: فلا تعد.
كان ابن سيرين يعبر الأذان في النوم عملاً صالحا فيه شهرة.
وقال ابن سيرين في جنازة يتبعها الناس: هذا قائد له أتباع.
أتى رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت البارحة امرأة من جيراني كأنها ذبحت في بيتٍ من دارها. فقال: هذه المرأة نكحت الليلة في ذلك البيت. فعز على السائل ما ذكره؛ لأن زوج المرأة كان غائباً عنها، فلما انصرف قال له أهله: رأيت فلاناً؟ - يعنون الغائب جاره - فقال: وهل أتى؟ قالوا: نعم. وفي داره بات البارحة. فقصده وسأله، فكان كما قال ابن سيرين.
قال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأن قرداً يأكل معي على مائدة. فقال: هذا غلام أمرد اتخذه بعض نسائك.
قال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأن في حجري صبياً يصيح. فقال له ابن سيرين: اتق الله ولا تضرب العود.
قال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأني أطير بين السماء والأرض. فقال: أراك تكثر الأماني.
стр. 203
قال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأن لحيتي بلغت سرتي، وأنا أنظر إليها. فقال له: أنت رجل مؤذن تنظر في دور الجيران.
كان ابن سيرين يستحب الطيب في النوم، يقول: هو ثناء حسن. وكان يعجبه الطيب الأسود كالمسك والغالية وشبه ذلك، ويقول: يتبعه عيش وثناء حسن.
سئل ابن سيرين عن الفيل في النوم، فقال: أمر جسيم قليل المنفعة.
قال رجل لابن سيرين: ما تقول يا أبا بكر في امرأة كانت ترى في المنام كأنها تأكل رأس جزور؟ فقال: تتقي الله ولا تبغض العرب.
كان ابن سيرين يستحب الزيت في النوم، ويقول: هو بركة كله، إن أكلته أو أدخلته بيتك أو شربته أو ادّهنت به أو تلطخت، لأنه من شجرةٍ مباركة.
كان ابن سيرين يقول: الماء في لا نوم فتنة، وبلاء في الدين، وأمر شديد؛ لأن الله تعالى يقول: " إنَّ الله مُبتلِيكم بنهرٍ ". وقال: " ماءً غدقاً، لنفتنهم فيه ".
قال ابن سيرين: ومن عبر نهراً، قطع بلاءً وفتنة ومشقة، ونجا من ذلك.
أتى رجل ابن سيرين، فقال له: خطبت امرأة فرأيتها في المنام. فقال له ابن سيرين: كيف رأيتها؟ قال: رأيتها سوداء قصيرة مكسورة الفم. فقال ابن سيرين: أما الذي رأيت من سوادها فإنها امرأة لها مال، وأما ما رأيت من كسر فمها فإنها امرأة فظيعة اللسان، وأما ما رأيت من قصرها، فإنها امرأة قصيرة العمر، وتوشك أن تموت عاجلاً، فذهب فتزوجها.
كان ابن سيرين يعبر الرجل إذا رأى أنه حل إزاره أو انحل، قال: هذا رجل يرزق امرأة.
وكان ابن سيرين لا يعبر الخاتم في المنام إلا امرأة يستفيدها. وكذلك كان هشام بن حسان: لا يعبر الفص في الخاتم: إلا أنه يقول: امرأة فيها قسوة.
قال هشام بن حسان: كان ابن سيرين يسأل عن مائة رؤيا، فلا يجيب فيها بشيء إلا أنه يقول: اتق الله وأحسن في اليقظة، فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم، وكان يجيب في خلال ذلك، ويقول: إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب.
قيل لابن سيرين: إنك تستقبل الرجل بما يكره، قال: إنه علم أكره كتمانه.
رأى الرشيد رؤيا فهمته، فوجه في الكرماني بريداً، فلما أتاه ومثل بين يديه خلا به وقال: بعثت فيك لرؤيا رأيتها. فقال: وما هي؟ قال: رأيت كلبين ينهشان قبل جارية من جواري. فقال له الكرماني: ما رأيت إلا خيراً يا أمير المؤمنين، فقال له الرشيد: قل ما تراه وهات ما عندك، فقال له: هذه جارية دعوتها لتجامعها، وكان لا عهد لك معها بذلك، وكانت ذات شعر، فكرهت أن تحلق فتجد أثر الموسي، وكرهت أن تبقى على هيئتها، فأخذت جلماً فحلقت بعض الشعر وتركت بعضه، فأشار الرشيد إليه بالقعود، وقام فدخل إلى نسائه، ودعا بتلك الجارية فسارها مستفهماً منها عن ذلك، فأقرت به وصدقت الكرماني، فخرج إليه الرشيد، فقال له: أصبت وسررتني، وأمر له بصلة سنية، ثم قال له: إياك أن تحدث بها ما كنت حياّ. قال: فو الله ما حدثت بها ما دام الرشيد حيا.
قال الزبير: حدثني أبو ضمرة أنس بن عياض، قال: قيل لجعفر بن محمد: كم تتأخر الرؤيا؟ فقال: رأى رسول الله ﷺ كأن كلباً أبقع يلغ في دمه، فكان شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين رضى الله عنه، وكان أبرص، فكان تأويل الرؤيا بعد خمسين سنة.
ذكر ابن المنتاب القاضي المالكي، قال: حدثنا بن أبي خيثمة، قال: حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: وجه إلى جعفر بن سليمان ليلا، وهو أمير البصرة، فدخلت عليه، فقبلت يده فقبل يدي، وإذا هو مروع، فقال: رأيت البارحة مالك بن أنس في النوم وهو يقول: بيني وبينك الله. فقلت له: مالك بن أنس من العلم بمكان، وإنه لا يطالبك إلا بما بينك وبين رسول الله ﷺ من القرابة والنسب. قال: فما ترى؟ قلت له: تعتق. فأعتق عن كل سوط رقبة. قال القاضي ابن المنتاب: وكان عدد الأسواط نيفاً وثلاثين سوطاً.
باب من نوادر الأخبار
стр. 204
أخبرنا أحمد بن عمر، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا علي بن عمرو، حدثنا أبو عبد الله محمد ابن أحمد بن إبراهيم الكاتب الحكمي، قال: حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح، قال: حدثنا محمد ابن يزيد بن سنان الزيادي، قال: حدثنا شرقي بن قطامي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله ﷺ ، فقال لهم: فيكم أحد من إياد؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل لكم علم بقس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا: هلك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : كأني أنظر إليه بسوق عكاظ يخطب الناس على جمل أحمر، يقول: أيها الناس! اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، أما بعد: فإن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، نجوم تغور وتمور، ونجوم تغور ولا تمور، وسقف ومرفوع، ومهاد موضوع، أقسم قس قسما، ما كذب ولا أثم، لئن كان في الأمر رضا، ليكونن بعده سخط، وما هذا بلعب، وإن من وراء هذا لعجبا، أقسم قس قسما، فما كذب ولا أثم، إن لله ديناً هو أرضى من دين نحن عليه، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا. قال النبي ﵇: وسمعته ينشد شعراً فأيكم يحفظه؟ فقال بعضهم: أنا. فأنشده يا رسول الله؟ قال: نعم. فقال:
في الذاهبين الأولي ... ن من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي إلى ... ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لامحا ... له حيث صار القوم صائر
بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه جالس مع أناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، وفيهم علي بن أبي طالب وجماعة من المهاجرين، فالتفت إليهم، فقال: إني سائلكم عن خصال فأخبروني بها، أخبروني عن الرجل بينما هو يذكر الشيء إذ نسيه، وعن الرجل يحب الرجل ولم يلقه، وعن الرؤيين إحداهما حق، والأخرى أضغاث أحلام، وعن ساعة من الليل ليس أحد إلا وهو فيها مروع، وعن الرائحة الطيبة مع الفجر، فسكت القوم. فقال: ولا أنت يا أبا الحسن؟ فقال: بلى والله. إن عندي من ذلك لعلماً، أما الرجل بينما هو يذكر الشيء إذ نسيه، فإن على القلب طخاءً كطخاء القمر، فإذا سرى عنه ذكر، وإذ أعيد عليه نسى وغفل. وأما الرجل يحب الرجل ولم يلقه فإن الأرواح أجناد مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. وأما الرؤيا إحداهما حق والأخرى أضغاث؛ فإن في ابن آدم روحين، فإذا نام خرجت روح فأتت الحميم والصديق، والبعيد والقريب والعدو، فما كان منها في ملكون السموات فهي الرؤيا الصادقة، وما كان منها في الهواء فهي الأضغاث، وأما الروح الأخرى فللنفس والتقلب، وأما الساعة من الليل التي ليس أحد إلا وهو فيها مروع، فإن تلك هي الساعة التي يرتفع فيها البحر يستأذن في تغريق أهل الأرض، فتحسه الأرواح فترتاع له، وأما الرائحة الطيبة مع الفجر، فإن الفجر إذا طلع خرجت ريح من تحت العرش حركت الأشجار في الجنة فهي الرائحة الطيبة. خذها يا عمر، قال: صدقت.
قال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس: دخلت على عمر بن عبد العزيز، وعنده رجل من النصاري، فقال له: من تجدون الخليفة بعد سليمان قال النصراني: أنت. قال: فأقبل عمر بن عبد العزيز علي فقال: دمي في ثيابك يا أبا عبد الله، قال: فقلت: سبحان الله! المجالس بالأمانة. قال محمد بن علي: فلما كان بعد ذلك جعلت ذلك النصراني من بالي، فرأيته يوماً فأمرت غلامي أن يحبسه علي، وذهبت به إلى منزلي، وسألته عما يكون، وقلت: عد لي خلفاء بني مروان واحداً واحداً. فعد لي خلفاء بني مروان واحداً واحداً. وتجاوز عن مروان بن محمد، قال محمد بن علي، فقلت له: ثم من؟ قال: ثم ابنك من الحارثية، وهو اليوم حمل.
стр. 205
كتب صاحب الروم إلى معاوية يسأله عن أفضل الكلام وما هو؟ والثاني والثالث والرابع؟ وكتب إليه يسأله عن أكرم الخلق على الله، وعن أكرم الإماء على الله، وعن أربعة من الخلق لم يركضوا في رحم، وعن قبر سار بصاحبه، وعن المجرة، وعن القوس، وعن مكان طلعت فيه الشمس لم تطلع فيه قبل ذلك ولا بعده. فلما قرأ معاوية الكتاب قال: أخزاه الله! وما علمي بما ها هنا؟ فقيل: اكتب إلى ابن عباس، فكتب إليه ابن عباس: أفضل الكلام لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص لا عمل إلا بها، والتي تليها سبحان الله وبحمده، صلاة الخلق، والتي تليها الحمد الله، كلمة الشكر، والتي تليها الله أكبر، فاتحة الصلوات والركوع والسجود. وأكرم الخلق على الله آدم ﵇، وأكرم إماء الله مريم ﵍. وأما الأربعة الذين لم يركضوا في رحم: فآدم وحواء والكبش الذي فدى به إسماعيل، وعصا موسى حيث ألقاها فصارت ثعباناً مبيناً، وأما القبر الذي سار بصاحبه فالحوت الذي التقم يونس، وأما المجرة فباب السماء، وأما القوس فإنها أمان لأهل الأرض من الغرق بعد نوح، وأما المكان الذي طلعت عليه الشمس، لم تطلع فيه قبله ولا بعده، فالمكان الذي انفرج من البحر لبني إسرائيل مع موسى ﵇. فلما قدم عليه الكتاب أرسله إلى ملك الروم، فقال: لقد علمت أن معاوية لم يكن له بهذا علم، وما أصاب هذا إلا من أهل بيت النبوة.
وجه ملك الروم إلى معاوية بقارورة، فقال: ابعث إلى فيها من كل شيء حي، فبعث بها إلى ابن عباس، فقال: تملأ له ماء. فلما ورد به على ملك الروم، قال له أخوه: ما أدهاه! فقيل لابن عباس: كيف اخترت ذلك؟ قال: يقول الله : " وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي ".
قال المسيب بن واضح: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: حصر حصن بخراسان فأصابوا فيه رأس إنسان، فوزنوا سناً من أسنانه فوجدوها قدر منيين، فأنشأ عبد الله يقول:
أتيت بسنين قد رمتا ... من الحصن لما أثاروا الدفينا
على وزن منيين إحداهما ... تقل به الكف شيئاً رزينا
ثلاثون أخرى على قدرها ... تباركت يا أحسن الخالقينا
فماذا يقوم لأفواههم ... وما كان يملأ تلك البطونا
إذا ما تذكرت أجسامهم ... تقاصرت النفس حتى تهونا
وكل على ذاك ذاق الردى ... وبادوا جميعاً فهل خالدونا
стр. 206
روى أسامة بن زيد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أخبرني عمر بن الخطاب قال: خرجت مع أناسٍ من قريش في الجاهلية في تجارة إلى الشام، فبينما أنا في سوق من أسواقها بدمشق إذ أنا ببطريق قد جاءني فأخذ بعنقي، فذهبت أنازعه نفسي، فقيل لي: لا تفعل فليس لك منه النصف، قال: فخرجت معه فأدخلني كنيسةً فإذا تراب كثير متراكم بعضه على بعض، فدفع إلى بمجرفة وفأساً وزنبيلا، فقال لي: انقل هذا التراب واحفر لي هاهنابئراً، قال: فجلست أفكر في أمري كيف أصنع، قال: فأتاني في الهاجرة وعليه سبنية قصب، أرى سائر جسده منها، ولم أحرك شيئاً، فقال لي: وإنك على ما أرى ما حركت شيئاً، ثم ضم كفه وأصابعه يضرب بها وسط رأسي، فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا عمر، أو قد بلغت ما أرى! قال: فقمت إليه بالمجرفة فضربت بها رأسه فنثرت دماغه وخر ميتاً، وخرجت إلى الطريق، وأنا لا أدري أين أسلك من بلاد الله تعالى، فمشيت بقية يومي وليلتي من الغد حتى أصبحت، ثم انتهيت إلى ديرٍ فاستظللت بظله، فخرج إلى رجل من أهل الدير، فقال: يا عبد الله! ما يقعدك ها هنا؟: فقلت: أضللت أصحابي. قال: والله ما أنت على طريق، وإنك لتنظر بعين خائف، قم فادخل الدير فأصب من الطعام والشراب، وأقم ما بدا لك، قال: فدخلت فأتاني بطعام وشراب وألطف لي، ثم صعد في النظر وخفضه، ثم قال: يا هذا! لقد علم أهل الكتاب أنه لم يبق على وجه الأرض رجل أعلم مني اليوم، وإني أجد صفتك، إنك الذي تخرجنا من هذا الدير، وتغلب على هذا البلاد. فقلت: أيها الرجل! ذهبت من الأمر في غير مذهب. قال: ما اسمك؟ قلت: عمر بن الخطاب. قال: أنت والله الذي لا إله إلا هو صاحبنا من غير شك، فاكتب لي على ديري هذا وأهله وما فيه أماناً، قال: قلت: أيها الرجل! قد صنعت معروفاً فلا تكدره، قال: إنما هو كتاب في رق، وليس عليك فيه مؤونة ولا شيء، فإن كنت صاحبنا فهو الذي أريد، وإن تكن الأخرى فأي شيءٍ يضرك؟ قلت: هات، فكتبت له أماناً ثم ختمته ودفعته إليه. قال: فدعا بنفقة وثوب فدفعها إلي، ثم دعا بأتان قد أوكفت، فقال: أتسمع؟ قلت: نعم. قال: اخرج على هذه الأتان فإنها لا تمر بقوم ولا أهل دير إلا علفوها، حتى إذا بلغت مأمنك فخل عنها واضرب وجهها مدبرة، فإنها تعلف وتسقي حتى تصل. قال: فركبتها ثم سرت عليها حتى أدركت أصحابي وهم متوجهون، فلم أمر بقوم إلا سقوها وعلفوها حتى لحقت أصحابي، فنزلت عنها، وضربت وجهها مدبرة، ثم سرت معهم حتى قدمت على أهلي. قال أسلم: فلما قدم عمر بن الخطاب الشام أتاه ذلك الراهب في خلافته، وهو صاحب دير العدس بذلك الكتاب، فلما قرأه عمر عرفه، فقال له الراهب: فِ لي بشرطي، فقال له عمر: جاء أمر غير ذلك، جاء ما ليس لعمر ولا لأبي عمر فيه شيء، فاستشار فيه عمر المسلمين، فقالوا: نرى أن تفي له يا أمير المؤمنين، قال عمر: هل عندك للمسلمين منفعة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأنشأ عمر يحدثنا حديثه حتى أتى على آخره، ثم قال عمر للراهب: إن أضفتم المسلمين، وأرشدتموهم الطريق، وهديتم الضال، ومرضتم المرضى ممن يمر بكم من المسلمين فعلنا، قال: نعم يا أمير المؤمنين نفعل. قال: فوفي له عمر.
стр. 207
روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه، قال: خرجت في الجاهلية بتجارة إلى الشام فنزلت في بعض الطريق لقضاء حاجة، وتقدمتني القافلة، فإني لكذلك إذ أقبل إلى راهب على أتانٍ له قد خرج في بعض الزيارات يريد فلسطين وهو يذهب عطشاً، وكان يوماً صائفاً، فسلم على واستسقاني ماء. ولم يكن معي غير فضلة في إداوةٍ معلقة على كفل الفرس، فآثرته بها، وتبين له ذلك، فشكر لي فعلى، وشكا تعباً لحقه، وأنه يريد النزول والراحة قليلا، وهو خائف من الوحدة وفساد الطريق، وكأنه أراد الأنس بي. فقلت له: انزل فإني أونسك ولا أتركك. وكنت عارفاً بالطريق، فعرجنا إلى ظل شجرة أرزٍ فعرسنا تحتها، وقلت: أعينه، ثم ألحق القافلة بعد تعريسها بساعة، وكان له غلام ورحل قد تأخرا عنه، فكان مع ذلك ينتظر، فلما نزلنا استلقى على جنبه ونام، وركبت فرسي أطلب بعض الحياض التي كنت أعرفها لأملأ إداوتي منها، فوجدت واحداً منها فملأت الإداوة، ورجعت والراهب نائم بحاله، وإذا بثعبان عظيم يسير إليه لينهشه، فاخترطت سيفي ونزلت إليه فلحقته، وقد كاد ينقره فقتلته، وجلست أخفر الراهب إلى أن قام وقد استراح من تعبه، فعرضت عليه الماء فشرب، ونظر إلى الثعبان فهاله أمره، فعرفته أنه قصده وأني قتلته فشكر، وقال: قد أحييتني مرتين، ووجب حقك علي، قد حبست نفسك علي، ونزلت معي حتى استرحت، وآنستني من الوحدة ووحشة الطريق، وأنا مع ذلك في غربة. ولا أدري بماذا أكافئك، ثم ركبنا وسرنا فما لحقنا القافلة إلا مساء، وطلبت رحلي وغلاماً كان معي إلى أن وجدته، فأنزلت الراهب معي إلى أن أصبحنا، فجاءه غلامه ورحله، فقال لي: أين تريد؟ فعرفته أني أريد دمشق بتجارةٍ معي، فسألني عنها فأخبرته، فقال لي: أي تريد؟ تدخل معي إلى مصر فإن لي بها حالا جميلة وجاهاً عريضاً، ولعلي أكافئك على ما أوليتني، فإن يدي تقصر هاهناعن مكافأتك، وعلي أن أربحك في تجارتك ضعف ما تأمله من الربح منها، فوقع كلامه بقلبي، فقلت له: على أن تخرج معي من يكفلني ويحملني في طريقي، أو تضيفني إلى من يبلغني هذا هذا المكان، فإني إذا بلغته عرفت الطريق إلى موضعي. قال: بل أردك إليه من طريق هو أقرب من طريقك هذا. فسرت معه فرأيت رجلاً جميل الصحبة والمرافقة، وكان فيه مع ذلك فهم وعلم، وكان من أبناء القبط الأولين، وكان يخبرني عن مصر وأهلها في القديم، وعن عجائبها وطلسماتها وملوكها، وخبر بخت نصر وكيف دخل البلد وأخذه بالحيلة التي تمت له حتى وصل إليه وما كان بعد ذلك، ولم نزل في أنس إلى أن دخلنا مصر، فلم نكن نمر بموضع ولا ديرٍ إلا تلقونا بالإكرام والجميل، وعدينا النيل، وسرنا حتى دخلنا الإسكندرية، فأنزلني عنده وأتاه جماعة من أهله وذوي قرابته وجماعة من وجوه أهل البلد، وكان مقدماً عندهم، فسلموا عليه وهنأوه بالسلامة وقضوا حوائجه وأكرموه وأتحفوه، ولم يكن يدخل إليه أحد من أهله وغيرهم إلا أخبرهم بخبري، وأني خلصته من العطش بما كان معي من الماء، وأني آثرته على نفسي، وخبرهم بما كان من أمر الثعبان. فما منهم أحد إلا برني وأكرمني. واجتمعت لي دنانير كثيرة، ووجه أقاربه وباع منهم ومن غيرهم البضاعة التي كانت معي، وأفضلت فيها فضلاً كثيراً، وأقمت أكثر من شهر وأنا أطوف بالإسكندرية، وأنظر إلى عجائبها ومنارها ثم استأذنته للخروج، فقال لي: إن لنا عيداً وقد حضر، فأقم عندي حتى تشاهده وأوجه معك من يخفرك إلى حدود أرض الحجاز، فأجبته إلى ذلك، وحضر العمد، وزينت كنائس الإسكندرية، وخصوا منها كنيسة مرخمة عظيمة كانوا يجتمعون إليها بأحدث الزي، وكان خارج الكنيسة أسطوان كبير واسع مفروش بالبسط، وقد جلس عليه رؤساؤهم وبطارقتهم، وكان من عاداتهم أن يضربوا خارج الأسطوان في فسيح هناك بصولجان وكرةٍ تطير إلى ذلك الأسطوان، فمن وقعت في حجره الكرة من أولئك البطارقة والرؤساء، حكم له بولاية مصر، قال عمرو: فأجلسني وسط أولئك الوجوه والبطارقة فإني لمشغول بالنظر إليهم وإلى زيهم، وأولئك خارج الأسطوان يضربون تلك الكرة إذ طارت إلى فسقطت في حجري فأكبروا ذلك، وجعلوا يتأملوني ويعجبون مني، ومن سقوط الكرة في حجري، ثم ردوا الكرة إلى خارج، وضربوها أيضاً مرة أخرى، فطارت حتى سقطت ثانية، فازدادوا عجباً، وجعل بعضهم ينظر إلى بعضٍ ويزمزمون بكلامهم، وأنا لا أعرف ما يقولون. ثم
стр. 208
أخوجوا الكرة وضربوها مرة ثالثة فسقطت في حجري ودخلت في كمي، فزاد تعجبهم وقالوا: إن هذا الأمر يراد أو بطل فعل الكرة. وأقمت حتى انقضت أيام عيدهم، فسألته أن يأذن لي في الخروج إلى الحجاز، فأذن لي في ذلك، بعد أن شرط على أن لا أترك زيارته في كل وقتٍ يمكني، وأنفذني مع غلام له وجهزني بطريفٍ من ثياب الوشي التي كانت تعمل بالإسكندرية، وثياب من دبيق دمياط، وأكسية رقيقةً من صوف، وفصوص وغير ذلك، فانصرفت إلى أهل بوفر حال، وأخرجني الغلام من ناحية أستغني فيها عن الخفير، وكان الغلام الذي وجهه به معي يدري أمرهم، فسألته عن أمرة الكرة فعرفني أن من عاداتها ذلك اليوم، ألا يقع في حجر أحدٍ إلا ولي مصر، وأنهم عجبوا من ذلك، وقالوا: هذا رجل عربي وغريب. وكيف يلي هذا مصر؟! وصرفوا الأمر إلى فساد فعل الكرة، قال عمرو: فوقع في نفسي من ذلك أمر لم أعرف الوجه فيه، وسرت إلى منزلي وأنا أوفر التجار الذين خرجت معهم إلى الشام وأحسنهم حالا، وعرض في نفسي شيء من أمر مصر، فقلت: أحمل تجارة إلى بلد الروم، وأدخل إلى الملك ولعله أن يقلدني أمر مصر، ثم قلت: إن هذا النظر فاسد، وهل يترك الملك بطارقته وأصحابه ويوليني أنا وأنا عربي على غير دينه؟ فسمعت قائلاً يقول: لابد لفلان من ذلك ويصير منه إلى ما يحب. فزاد ذلك في قوة أملي في الولاية على مصر إلى أن كان من أمر النبي ﷺ ما كان، وجاءته هدية المقوقس، وقال: " إنكم ستفتحون مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، وجازوا أهلها بالجميل، فإنهم خؤولة إبراهيم "، فلما سمعت ذلك تحققت أنه سيكون لي يد على مصر. وا الكرة وضربوها مرة ثالثة فسقطت في حجري ودخلت في كمي، فزاد تعجبهم وقالوا: إن هذا الأمر يراد أو بطل فعل الكرة. وأقمت حتى انقضت أيام عيدهم، فسألته أن يأذن لي في الخروج إلى الحجاز، فأذن لي في ذلك، بعد أن شرط على أن لا أترك زيارته في كل وقتٍ يمكني، وأنفذني مع غلام له وجهزني بطريفٍ من ثياب الوشي التي كانت تعمل بالإسكندرية، وثياب من دبيق دمياط، وأكسية رقيقةً من صوف، وفصوص وغير ذلك، فانصرفت إلى أهل بوفر حال، وأخرجني الغلام من ناحية أستغني فيها عن الخفير، وكان الغلام الذي وجهه به معي يدري أمرهم، فسألته عن أمرة الكرة فعرفني أن من عاداتها ذلك اليوم، ألا يقع في حجر أحدٍ إلا ولي مصر، وأنهم عجبوا من ذلك، وقالوا: هذا رجل عربي وغريب. وكيف يلي هذا مصر؟! وصرفوا الأمر إلى فساد فعل الكرة، قال عمرو: فوقع في نفسي من ذلك أمر لم أعرف الوجه فيه، وسرت إلى منزلي وأنا أوفر التجار الذين خرجت معهم إلى الشام وأحسنهم حالا، وعرض في نفسي شيء من أمر مصر، فقلت: أحمل تجارة إلى بلد الروم، وأدخل إلى الملك ولعله أن يقلدني أمر مصر، ثم قلت: إن هذا النظر فاسد، وهل يترك الملك بطارقته وأصحابه ويوليني أنا وأنا عربي على غير دينه؟ فسمعت قائلاً يقول: لابد لفلان من ذلك ويصير منه إلى ما يحب. فزاد ذلك في قوة أملي في الولاية على مصر إلى أن كان من أمر النبي ﷺ ما كان، وجاءته هدية المقوقس، وقال: " إنكم ستفتحون مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، وجازوا أهلها بالجميل، فإنهم خؤولة إبراهيم "، فلما سمعت ذلك تحققت أنه سيكون لي يد على مصر.
стр. 209
روى ابن جريج، قال: حدثني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير، أنه قال: سمعته يقول: كان رجل من بني إسرائيل يقرأ، فإذا بلغ " بعثنا عليكم عباداً لنا أولى بأسٍ شديد " بكى وفاضت عيناه، ثم يطبق المصحف. فعل ذلك ما شاء الله من الزمان، ثم قال: أي رب! أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه، فأرى في المنام مسكيناً سائلاً يقال له: بخت نصر ببابل، فانطلق بمال وأعبدٍ له، وكان رجلاً موسراً، فقيل له: أين تريد؟ فقال: أريد التجارة. فنهض حتى نزل ببابل فاكتري بها منزلاً ليس فيه أحد غيره، وجعل يدعو المساكين ويعطيهم ويلطف بهم حتى لم يبق أحد منهم إلا جاء، فقال: هل بقى مسكين غيركم؟ قالوا: نعم، مسكين بفج آل فلان مريض يقال له: بخت نصر. فقال لغلمته: انطلقوا وانطلق معهم حتى أتاه، فقال له: ما اسمك؟ قال: بخت نصر، قال لغلمته: احتملوه. فنقله إليه فمرضه حتى براً، وكساه وأعطاه نفقةً، ثم أذن الإسرائيلي بالرحيل، فبكى بخت نصر، فقال له الإسرائيلي: ما يبكيك؟ قال: أبكي أنك فعلت معي ما فعلت ولا أجد شيئاً أجزيك به. قال: بل شيئاً يسيراً إن ملكت أطعتني. فجعل بخت نصر يلتوي ويقول: تستهزئ بي؟ ولا يمنعه أن يعطيه ما سأل إلا أنه يستهزئ به، وأبي عليه. فبكى الإسرائيلي وقال: لقد علمت أنه ما يمنعك أن تعطيني ما سألت إلا أن الله تعالى يريد أن ينفذ ما قضى وما قد كتبه عنده في كتابه، ثم ضرب الدهر ضرباته، فقال سيحون وهو ملك فارس ببابل: إنا لو بعثنا طليعةً إلى الشام كان حسناً. قالوا: وما يمنعك؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان. فبعث رجلاً وأعطاه مائة ألف، فخرج وخرج بخت نصر في مطبخه لا يخرج إلا أن يأكل، لا همة له غير شبع بطنه، فلما قدم الشام رأى صاحب الطليعة أرضاً أكثر أرض الله خيلا ورجلا وسلاحاً، فكسر ذلك في ذرعه، فلم يسأل ولحقه جزع، وجعل بخت نصر يمشي في مجالس أهل الشام فلا يدع مجلساً إلا وهو يقول لأهله: ما يمنعكم أن تغزوا بابل مع كثرة ما أرى معكم من الخيل والرجل، فلو غزو تموها لأصبتم بها المال والعيال. قالوا: فلا نحسن القتال ولا نعرفه، حتى استنفد مجالس أهل الشام، ثم رجع إلى الطليعة ولم ينل منهم كثير نيلٍ لما رأى، وجعل بخت نصر يقول لمن يلج على الملك: لو دعاني الملك لأخبرته غير ما يخبره فلان - يعني الطليعة - فرفع ذلك إليه، فدعاه، فأخبره الخبر، وقال: إن فلاناً لما رآها أكثر أرض الله خيلا ورجلا حسبهم أجلد الناس، فكسر ذلك في ذرعه، ولم يسألهم عن شيء، وإن لم أدع مجلساً بالشام إلا جالست أهله، فقلت لهم كذا فقالوا لي كذا، فقال الطليعة لبخت نصر بعد خروجه من عند الملك: فضحتني أيها الرجل، فهل لك في مائة ألفٍ تأخذها وتنزع عما قلت؟ قال: لو أعطيتني بيت مال بابل لما نزعت. ثم أن الدهر ضرب ضربه، وقال الملك: لو بعثنا جريدة خيلٍ إلى الشام، فإن وجدوا مساغاً ساغوا، وإلا انهبوا ما قدروا عليه؟ قالوا: فما ضرك لو فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان أو فلان. قال لهم: بل الرجل الذي أخبرني بما أخبر. فدعا بخت نصر، فأرسله وأرسل معه أربعة آلافٍ من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبوا ما شاءوا وخربوا ولم يقتلوا، ورمى في جنازة سيحون فمات، فقالوا: استخلفوا رجلا. فقالوا: على رسلكم حتى يأتي أصحابكم من وجهتهم، فأمهلوا حتى جاء بخت نصر فقسم ما جاء به في الناس، فقالوا: ما رأينا أحق بالملك من هذا؟ فملكوه. فلم ضرب له ملكه بجرانه، قال لهم يوماً: موعدكم ثالثة فمن استأخر بعدها منكم فليمش إلى خشبته، فغزا الشام، فذلك حين قتل، وخرب بيت المقدس وانتزع حليته وحملها، وجعل يشرب فيها الخمور وخواناً يأكل عليها الخنازير، وحمل التوراة معه ثم ألقاها في النار، وقدم فيما قدم بمائة وصيف منهم دانييل وعزير، وكان يقال له عزريا، وحنانيا وميشائيل، فقال لإنسان: أصلح لي أجسام هؤلاء، لعلي أختار منهم أربعة يخدمونني. فقال دانييل لأصحابه: اعلموا أنهم إنما نصروا عليكم بما غيرتم من دين آبائكم. لا تأكلوا لحم الخنزير، ولا تشربوا الخمور. فقالوا للذي يصلح أجسامهم: هل لك أن تطعمنا طعاماً هو أهون عليك في المؤونة مما تطعم أصحابنا، فإن لم نسمن قبلهم أكثر من سمنهم رأيت رأيك؟ قال: ماذا؟ قالوا: خبز الشعير والكراث. ففعل، فسمنوا قبل أصحابهم. فأخذهم بخت نصر يخدمونه. قال: فبينما
стр. 210
هو كذلك إذ رأى بخت نصر رؤيا، فجلس ثم نسيها، ثم عاد فرآها، ففزع فقام من نومه، ثم عاد فرقد فرآها، فخرج إلى الحجر فنسيها، فلما أصبح. دعا العلماء والكهان، فقال: أخبروني بشيءٍ رأيت البارحة، وإذا أخبرتموني بما رأيت. فأولوا لي رؤياي، وإلا فليمش كل رجل منكم إلى خشبته، موعدكم ثلاث. فقالوا: هذا خبر قد أظلنا منه بلاء، فكيف بالنجاة منه، فجعل دانييل يقول كلما مر به رجل من رجاله: لو دعاني الملك لأخبرته بما رأى وأولت ذلك. فجعلوا يقولون: ما أحمق هذا الغلام الإسرائيلي! إلى أن مر به كهل فقال ذلك له، فرفعه إلى الملك وقال له: ماذا رأيت؟ قال: رأيت تمثالا. قال: إيه. قال: ورأسه من ذهب. قال: إيه، قال: وعنقه من فضة، قال: إيه: قال وصدره من حديد. قال: إيه. قال وبطنه من صفر. قال: إيه: قال ورجلاه من آنك. قال: إيه. قال: وقدماه من فخار. قال: نعم، هذا الذي رأيت. قال: فجاءت حصاة فوقعت في رأسه ثم في عنقه ثم في صدره ثم في بطنه ثم في رجليه ثم في قدميه فأهلكته، قال: نعم، فما تأويل هذا؟ قال: أما الذهب فملكك، وأما الفضة فملك ابنك من بعدك ثم ملك ابن ابنك، وأما الفخار فملك النساء. فكساه جبة سبنية وسوره وأجازه وأمر أن يطاف به في القرية، وأخبر أن خاتمة جائز على ما ختم، فلما رأت ذلك فارس، قالوا: ما الأمر إلا أمر هذا الإسرائيلي فكيف نهدمه؟ قالوا: ائتوه من نحو الفتية الثلاثة أصحابه، ولا تذكروا له دانييل فإنه لا يصدقكم عليه، فأتوه، فقالوا: إن هؤلاء الفتية الثلاثة ليسوا على دينك، وهم يكرهون ما تستحسنه، وآية ذلك أنك إذا قربت إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكلوا ولم يشربوا، فأمر بحطب كثير فوضع، ثم أوقدت النار ورماهم فيها، فلما كان من آخر الليل أمر بالنظر إليهم فإذا هم يتحدثون، وإذا معهم رابع يروح عليهم ودانييل يصلي، قال: من هذا يا دانييل؟ قال: هذا جبريل، ظلمت القوم. فأمر بهم فأنزلوا. قال: ومسخ الله بخت نصر من الدواب كلها، فجعله من كل صنف من الدواب رأسه من السباع الأسد، ومن الطير النسر، وملك ابنه بعده، وكان دانييل يسدده، وكان معه ثم رماه عنه وأقصاه، ثم أنه رأى كفاً فرجت بين لوحين مكتوب فيها سطران، فدعا الكهان والعلماء، فلم يجد عندهم منه علماً، فقالت أمه: إنك لو دعوت دانييل وأعدت إليه منزلته ومنك ومن أبيك عرفك، فدعاه فقال: إني معيد إليك منزلتك من أبي، فأخبرني ما هذان السطران؟ قال: أما معيد لي منزلي من أبيك فلا حاجة لي بذلك، وأما السطران فإنك تقتل الليلة. فال: فأمر أن يخرج كل من في القصر، فأخرجوا أجمعين، وأمر بقفل أبوابه فغلقت الأبواب، وأدخل معه رجلا وضع بيده سيفاً، وقال له: كل من جاءك من خلق الله الليلة فاقتله، ولو قال: أنا فلان - يعني نفسه - وبعث الله عليه البطن، فجعل يمشي والآخر نائم، فبينما هو كذلك إذ استيقظ ونهض إليه، فقال: أنا فلان. فضربه بالسيف فقتله؟ قال الله تعالى: " وإن عدتم عدنا ". قال: فبعث الله عليهم العرب، فلم يزالوا يسومونهم سوء العذاب، ولا يزالون إلى يوم القيامة في ذلة وصغار. قال ابن جريج: فبلغني أن سعيد بن جبير كان يحدث بهذا الحديث، فلما بلغ هذا الموضع أخذه رسول الحجاج بن يوسف. كذلك إذ رأى بخت نصر رؤيا، فجلس ثم نسيها، ثم عاد فرآها، ففزع فقام من نومه، ثم عاد فرقد فرآها، فخرج إلى الحجر فنسيها، فلما أصبح. دعا العلماء والكهان، فقال: أخبروني بشيءٍ رأيت البارحة، وإذا أخبرتموني بما رأيت. فأولوا لي رؤياي، وإلا فليمش كل رجل منكم إلى خشبته، موعدكم ثلاث. فقالوا: هذا خبر قد أظلنا منه بلاء، فكيف بالنجاة منه، فجعل دانييل يقول كلما مر به رجل من رجاله: لو دعاني الملك لأخبرته بما رأى وأولت ذلك. فجعلوا يقولون: ما أحمق هذا الغلام الإسرائيلي! إلى أن مر به كهل فقال ذلك له، فرفعه إلى الملك وقال له: ماذا رأيت؟ قال: رأيت تمثالا. قال: إيه. قال: ورأسه من ذهب. قال: إيه، قال: وعنقه من فضة، قال: إيه: قال وصدره من حديد. قال: إيه. قال وبطنه من صفر. قال: إيه: قال ورجلاه من آنك. قال: إيه. قال: وقدماه من فخار. قال: نعم، هذا الذي رأيت. قال: فجاءت حصاة فوقعت في رأسه ثم في عنقه ثم في صدره ثم في بطنه ثم في رجليه ثم في قدميه فأهلكته، قال: نعم، فما تأويل هذا؟ قال: أما الذهب فملكك، وأما الفضة فملك ابنك من بعدك ثم ملك ابن ابنك، وأما الفخار فملك النساء. فكساه جبة سبنية وسوره وأجازه وأمر أن يطاف به في القرية، وأخبر أن خاتمة جائز على ما ختم، فلما رأت ذلك فارس، قالوا: ما الأمر إلا أمر هذا الإسرائيلي فكيف نهدمه؟ قالوا: ائتوه من نحو الفتية الثلاثة أصحابه، ولا تذكروا له دانييل فإنه لا يصدقكم عليه، فأتوه، فقالوا: إن هؤلاء الفتية الثلاثة ليسوا على دينك، وهم يكرهون ما تستحسنه، وآية ذلك أنك إذا قربت إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكلوا ولم يشربوا، فأمر بحطب كثير فوضع، ثم أوقدت النار ورماهم فيها، فلما كان من آخر الليل أمر بالنظر إليهم فإذا هم يتحدثون، وإذا معهم رابع يروح عليهم ودانييل يصلي، قال: من هذا يا دانييل؟ قال: هذا جبريل، ظلمت القوم. فأمر بهم فأنزلوا. قال: ومسخ الله بخت نصر من الدواب كلها، فجعله من كل صنف من الدواب رأسه من السباع الأسد، ومن الطير النسر، وملك ابنه بعده، وكان دانييل يسدده، وكان معه ثم رماه عنه وأقصاه، ثم أنه رأى كفاً فرجت بين لوحين مكتوب فيها سطران، فدعا الكهان والعلماء، فلم يجد عندهم منه علماً، فقالت أمه: إنك لو دعوت دانييل وأعدت إليه منزلته ومنك ومن أبيك عرفك، فدعاه فقال: إني معيد إليك منزلتك من أبي، فأخبرني ما هذان السطران؟ قال: أما معيد لي منزلي من أبيك فلا حاجة لي بذلك، وأما السطران فإنك تقتل الليلة. فال: فأمر أن يخرج كل من في القصر، فأخرجوا أجمعين، وأمر بقفل أبوابه فغلقت الأبواب، وأدخل معه رجلا وضع بيده سيفاً، وقال له: كل من جاءك من خلق الله الليلة فاقتله، ولو قال: أنا فلان - يعني نفسه - وبعث الله عليه البطن، فجعل يمشي والآخر نائم، فبينما هو كذلك إذ استيقظ ونهض إليه، فقال: أنا فلان. فضربه بالسيف فقتله؟ قال الله تعالى: " وإن عدتم عدنا ". قال: فبعث الله عليهم العرب، فلم يزالوا يسومونهم سوء العذاب، ولا يزالون إلى يوم القيامة في ذلة وصغار. قال ابن جريج: فبلغني أن سعيد بن جبير كان يحدث بهذا الحديث، فلما بلغ هذا الموضع أخذه رسول الحجاج بن يوسف.
стр. 211
وروى حماد، عن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن رجلاً من علماء أهل الشام وجد نعت بخت نصر وأنه غلام يتيم، وله والدة، وله ذؤابة في رأسه من أهل بابل، وأنه تقدم فسأل عنه وعن أمه حتى عرفهما بالنعت، فنزل عليهما وكان وهو غلام يسوق العجاجيل والدجاج، فقال له ذات يوم: إنك ستملك فارس والشام، فاكتب لي أماناً ولقومي. قال: ما أدري ما هذا الذي يذكر، فلم يزل به حتى قال له: اكتب أنت ما شئت، وكتب له ولقومه أماناً، فأراد أن يختمه، فلم يكن لبخت نصر خاتم فأخذ خاتم حديد من نطاق أمه فختمه، ثم أنه دخل الشام، فأتاه الرجل فحيل بينه وبينه، فقال لمقدمته: إن للملك ودخل عليه، فقال: ما تعرفني؟ قال: ما أعرفك. فقص عليه القصة وذكره، ودفع إليه الأمان. فقال: ما أدري ما هذا الذي تذكر، ورثث هذا كابراً عن كابر عن آبائي. فلم يزل به حتى أقر. فوفي له وأمنه، وقال: لا يسمع هذا منك أحد. ولما ظهر على الشام، إذ هو بدم يحيى بن زكريا يغلي، فقال: لأقتلن على هذا الدم حتى يسكن، فقتل عليه سبعين ألفاً، فجاء قاتله فقال: إن هذا الدم لا يسكن أبداً حتى تقتلني فأنا قتلته فقتله وسكن الدم، وظهر على الشام وخرب بيت المقدس وحرق التوراة، وجاء معه دانييل وميخائيل وعزير وحزقاييل ودفعهم إلى صاحب مطبخه، ثم ذكر الرؤيا وزاد فيها فيجىء بنيٌ من العرب فيغلب وينقض تلك الأوثان كلها ويكون الدين كله لله.
وقال ابن الكلبي: كان سنمار الرومي من أصنع الناس للبنيان، فبنى لبعض ملوك العرب بنياناً سر به وأعجبه، وخاف إن استبقى سنمار بني بعده مثل ذلك البنيان، لغيره من الملوك، فأمر به فرمى من فوق القصر فمات، فضربت به العرب الأمثال في سوء الجزاء، حتى قال بعضهم:
جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمارٍ وما كان عن ذنب
سوى رصه البنيان سبعين حجة ... يعلى عليه بالقراميد والسكب
فلما رأى البنيان تم سحوقه ... وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب
وظن سنمار به كل حظوةٍ ... وفاز لديه بالمودة والقرب
فقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهقٍ ... فذاك لعمر الله من أعظم الخطب
كتب ملك الروم إلى معاوية: إن الملوك لم تزل تراسل بعضهم بعضاً، وتجتهد أن يغرب بعضهم على بعض، أفتأذن في ذلك؟ فأذن له. فوجه إليه رجلين أحدهما طويل والآخر أيد، فقال معاوية لعمرو: أما الطويل فقد أصبنا كفؤاً له وهو قيس بن سعد بن عبادة، وأما الآخر الأيد فقد احتجنا إلى رأيك فيه. فقال: هاهنا رجلان كلاهما إليك بغيض: محمد بن الحنفية، وعبد الله بن الزبير. قال معاوية: الذي هو أقرب إلينا منهما فلما دخل الرجلان وجه إلى قيس ابن سعد فدخل، فلما مثل بين يديه معاوية نزع سراويله فرمى بها إليه فلبسها فبلغت ثندوته، فأطرق مغلوباً. وقيل لقيس في ذلك: لم تبذلت في حضرة معاوية؟ هلا فعلت غير ذلك؟ فقال:
أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيسٍ والوفود شهود
وألا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عاديً نمته ثمود
وإني من القوم اليمانين سيد ... وما الناس إلا سيد ومسود
وبّ جميع الناس أصلي ومنصبي ... وجسم به أعلو الرجال مديد
ثم وجه إلى محمد بن الحنفية، فدخل فخبر بما دعى إليه، فقال: قولوا له: إن شاء فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه أو يقعدني، وإن شاء فليكن القائم وأنا القاعد، فاختار الرومي الجلوس، فأقامته، فانصرف الطويل والأيد مغلوبين.
قلت: أما هذا الخبر فمنكر ليس بصحيح، ولا له أصل لأنه يخالف أخلاق قيس ومحمد، وليس فيه كبير فائدة لمنزلتهما.
باب جامع من المذكرات
مما لم يذكر في الأبواب المتقدمات
كان يقال: المتقون سادة، والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة - يعني في الخير.
قال عبد الله بن عباس رضى الله عنه: حلق القفا مما يزيد في الحفظ.
وقال عبد الله بن عباس أيضاً: حلق الرأس لا يصح في العقوبة، لأن الله جعل حلق الرأس نسكاً لمرضاته.
قال عمر بن عبد العزيز: إياكم والمثلة في العقوبة: حز الرأس واللحية.
стр. 212
وقال عبد الله بن عباس: إني لأسمع بالحكم من حكام المسلمين يعدل فأفرح به، ولعلي لا أتحاكم أبداً، وإني لأسمع بالغيث يصيب البلدان فأفرح ومالي فيها سائمة، وإني لآتي على الآية فأود أن الناس يعملون بها، ويعلمون منها ما أعلم.
سأل رجل مطرف بن الشخير عن شيء، فقال: يا ابن أخي لا تحمل سعة الإسلام على ضيق صدرك.
كان يقال: لكل شيءٍ آفة، وآفة العلم النسيان، وآفة العبادة الرياء، وآفة الحياء الضعف، وآفة اللب العجب، وآفة الظرف الصلف، وآفة الجود الشرف، وآفة الجمال التيه، وآفة السؤدد الكبر، وآفة الحلم الذل.
كان يقال: العجب ممن يخاف العقاب ولم يكفن ورجا الثواب ولم يعمل.
قال حارثة بن بدر الغداني:
طربت بقانونٍ وما كنت أطرب ... سفاها وقد جربت فيمن يجرب
وما اليوم إلا مثل أمس الذي مضى ... ومثل الغد الجائي وكل سيذهب
ومن وصايا إبليس، من النوادر أبيات أنس بن إياس يخاطب حارثة بن بدر الغداني هذا:
أحار بن بدرٍ قد وليت ولايةً ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
ولا تحقرن يا حار شيئاً وجدته ... فحظك من ملك العراقين سرق
وباه تميماً بالغني إن للغنى ... لساناً به المرء الهيوبة ينطق
فإن جميع الناس إما مكذب ... يقول بما يهوى وإما مصدق
يقولون أقوالاً ولا يعرفونها ... فإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا
فأجابه حارثة:
جزاك إله الناس خير جزائه ... فقد قلت معروفاً وأوصيت كافيا
أشرت بشيءٍ لو أشرت بغيره ... لألفيتني فيه لذلك عاصيا
امتحن يحيى بن أكثم رجلا أراده للقضاء، فقال: ما تقول في رجلين أنكح كل واحدٍ منهما الآخر أمه، فولد لكل واحد منهما ولد، فما قرابة ما بين الولدين؟ فلم يعرف. فسئل عن ذلك، فقال: كل واحدٍ منهما عم الآخر لأمه.
دخل رجل على عبد الملك بن مروان فقال له: إني تزوجت امرأة وزوجت ابني أمها، ولا غناء بنا عن رفدك، فقال له عبد الملك: إن أخبرتني ما قرابة أولادكما إذا ولدتما، فعلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين! هذا حميد بن بحدل، قد قلدته سيفك ووليته ما وراء بابك، سله عنهما، فإن أصاب لزمني الحرمان، وإن أخطأ اتسع لي العذر. فدعا به فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين! إنك ما قدمتني على العلم بالأنساب، ولكن على الطعن بالرماح. أحدهما عم الآخر والآخر خاله.
لو تزوج رجل امرأة، وزوج ابنه ابنتها، ثم ولد لهما، كان أحد المولودين عم الآخر، والآخر ابن أخيه.
كان يقال: ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم؛ الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها، وطالب الفضل من اللئام، والداخل بين اثنين في حديثهما من غير أن يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس مجلساً ليس له بأهل، والمقبل بحديثه على من لا يسمع منه ولا يصغي إليه.
ذكر الخشني عن أبي حاتم عن الأصمعي، قال: تذاكر نفر من الجن عيافة بني أسد، فقالوا: لو نظرنا إلى بعض ذلك فأتوهم، وقالوا: إنا ضلت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا بعض من يقفو لنا أثرها، فقالوا لغليم منهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم ثم ساروا، فلقيهم عقاب كاسر إحدى جناحيها، فاقشعر الغلام فبكى، فقالوا: ما بالك؟ فقال: كسرت جناحاً ورفعت جناحاً، حلفت بالله صراحاً ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحاً.
قال الخشني: الجناح يؤنث ويذكر.
نذرت امرأة أن تكسو ثوباً غزلته فأتقنته أفضل رجل بالبصرة، فقيل لها: الحسن، فأتت به الحسن فأرسل بها إلى أبي قلابة، فردها أبو قلابة، وقال: إن الناس أصابوا فيك وأخطأت في.
قال أبو عبيد: العارضة كناية عن الندى، فإذا قيل: فلان شديد العارضة فذاك كناية عن سفه الكف بالعطاء. وإذا قيل: فلان يقتصد، فذلك كناية عن البخل. وإذا قيل العامل مستقص، فذلك كناية عن الجور. وأما قولهم في المثل: هذا أجل من الحرش، فإن الأصمعي ذكر في تفسيره ذلك، أن الضب قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجن، قال: وذلك أنهم يزعمون: أن الحرش تحريك اليد عند حجر الضب ليخرج إذا ظن أنها حية. قال: وسمع ابنه يوماً صوت الحفر، فقال: يا أبت! هذا الحرش؟ فقال: يا بني! هذا أجل من الحرش، فأرسلهما مثلا وأنشد:
стр. 213
وأفطن من ضب إذا خاف حارشاً ... أعد له عند الناس عقربا
وفي المثل: تعلمني بالضب وأنا حرشته.
لأبي البلاد الطهوي، وكان من شياطين العرب:
لهان على جهينة ما ألاقى ... من الروعات يوم رحى بطان
لقيت الغول تسري في ظلامٍ ... بسهبٍ كالعباية صحصحان
فقلت لها: كلانا نقض أرضٍ ... أخو سفرٍ فصدي عن مكاني
فصدت وانتحيت لها بعضبٍ ... حسامٍ غير مؤتشبٍ يماني
فقد سراتها والبرك منها ... فخرت لليدين وللجران
فقالت: زد، فقلت: رويد إني ... على أمثالها ثبت الجنان
شددت عقالها وحططت عنها ... لأنظر غدوةً ماذا دهاني
إذا عينان في وجهٍ قبيحٍ ... كوجه الهر، مشقوق اللسان
ورجلا مخدجٍ ولسان كلبٍ ... وجلدٍ من فراءٍ أو شنان
أما قوله: فقالت: زد. فإنهم يزعمون - فيما ذكر عمرو بن بحر الجاحظ -: إن الغول يستزيد بعد الضربة الأولى، لأنها تموت من ضربة وتعيش من ضربتين إلى ألف، يقول: إذا ضربت ضربة ماتت، إلا أن يعيد عليها الضارب قبل أن تقضي ضربة أخرى، فإنه إن فعل ذلك لم تمت، ولذلك قال شاعرهم:
فثنيت والمقدار يحرس أهله ... فليت يميني قبل ذلك شلت
وهذا عندي من أكاذيب الأعراب، وحماقات عمرو بن بحر ومجونه.
ومن ذلك قول مدرج الريح، وهو عامر المجنون، وإنما قيل له مدرج الريح بشعر قاله في امرأة من الجن، زعم أنه كان يهواها وتتراءى له، فمن شعره يقول:
لابنة الجني في الجو طلل ... دارس الآيات عافٍ كالخلل
درسته الريح من بين صبا ... وجنوبٍ درجت حيناً وطل
وكان مدرج الريح محمقاً، وأما قول عبيد بن أيوب العنبري:
فلله در الغول أي رفيقةٍ ... لصاحب قفرٍ خائفٍ يتقفر
أرنت بلحنٍ بعد لحنٍ وأوقدت ... حوالي نيراناً تبوخ وتزهر
فإن العرب تذكر أن الغيلان توقد النيران بالليل للعب والتخييل وإضلال أبناء السبيل.
قلت: والدليل على أن الشياطين تضل الناس في الطريق، وتحيدهم عن سبيلهم، قوله الله تعالى: " كالذي استهوتهُ الشياطينُ في الأرض حيرانَ " ومن الدليل على صحة الغيلان أن رسول الله ﷺ ، أنشده كعب بن زهير قصيدته اللامية التي يقول فيها:
كانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلاً ... وما مواعيده إلا الأباطيل
فما تدوم على حالٍ تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول
فلم ينكره.
قال أبو عمر: وكان عبيد بن أيوب هذا جوالا في مجهول الأرض، فلما اشتد خوفه وطال تردده، أمعن في الهرب، فقال:
لقد خفت حتى لو تمر حمامة ... لقلت عدو أو طليعة معشر
فإن قيل: أمن قلت: هذي خديعة ... وإن قيل: خوف قلت حق فشمر
وخفت خليلي ذا الصفاء ورابني ... وقيل فلان أو فلانة فاحذر
فلله در الغول أي رفيقةٍ ... لصاحب قفرٍ خائفٍ متنفر
في أبيات كثيرة، وأما قول أمية بن أبي الصلت:
والحية الذكر الرقشاء أخرجها ... من جحرها أمنات الله والقسم
إذا دعا باسمها الإنسان أو سمعت ... ذات الإله أتت في مشيها رزم
من خلفها حمة لولا الذي سمعت ... قد كان بيتها في جحرها الحمم
ناب حديد وكف غير وادعةٍ ... والخلق مختلف واللون والشيم
إذا دعين بأسماءٍ أجبن لها ... لنافثٍ يفتديه الله والكلم
لولا مخافة لابً كان عذبها ... عرجاء تظلع في أنيابها عسم
وقد بلته فذاقت بعض مصدقه ... فليس في سمعها من رهبةٍ صمم
فكيف يأمنها أم كيف تألفه ... وليس بينهما قربى ولا رحم
فإنه يقول: إنها خرجت لاستحلافه إياها، لا لرحمٍ بينها ولا نسب، وقد أوضحنا في كتاب " التمهيد " أن من الحيات صنفان من الجن، وأن منهم من أسلم، فغير نكير أن يخضع لذكر الله وأسمائه.
стр. 214
ومن عجائب الدنيا، صنم قادس في غرب الأندلس على البحر من كورة شذونة، وقد ذكره الأوائل، ونقل أهل الأخبار خبره، ومن أحسن ما قيل في وصفه من النظم ما أنشده غير واحد لأبي عثمان الشذوني العروضي، يخاطب بعض قواد شذونة، إذ أدخله إليه فرآه على قرب في تلك الجزيرة، فقال:
يا سيدا أبصرت عيني به عجباً ... فما أبالي يقول الناس عن رهبي
لله ما أبصرته في شذونة من ... عجائب كنت في إبصارها سببا
آثار مملكةٍ دلت على ملكٍ ... أذل بالملك أعناق الورى حقبا
وأسودٍ واقفٍ في رأس صومعةٍ ... كأنه فوقها بالروح قد صلبا
مقدماً رجله اليمنى ليرفعها ... كأنه يشتكي من طول ما تعبا
يمد يمناه بالمفتاح تحسبه ... مناولا غيره عجلان مكتئبا
وصكه في اليد اليسرى قد انقبضت ... كأنه ساتر عنا لما كتبا
يومي إلى البحر نحو الغرب وجهته ... مستقبلاً لغروب الشمس منتصبا
لابد والله من قفلٍ سيفتحه ... مفتاحه بعد الميقات أو قربا
وسائلٍ لي عما ضل جوهره ... والذهن في فك معناه قد انتشبا
أجبته إن في أخباره عجباً ... فلا تسل عنه صفراً كان أو ذهبا
قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: ما خلق الله خلقاً أشر من الخزر، ما بعث منهم نبي ولا صديق.
قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه لابنه الحسن: يا بني! كم بين الإيمان واليقين؟ قال: أربع أصابع. قال: وكيف؟ قال: الإيمان ما سمعناه بآذاننا وصدقناه بقلوبنا، واليقين ما رأيناه بأعيننا فتيقنا، وبين السمع والبصر أربع أصابع. قال: أشهد أنك ابن رسول الله.
قال الحكماء: شيئان أعيت الحكماء الحيلة فيهما، إذا أقبل الأمر أعيت الحيلة فيه أن يدبر، وإذا أدبر أعيت الحيلة فيه أن يقبل.
قال خالد بن صفوان: احترس من العين فو الله لهي أنم من اللسان.
كان يقال: من أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك.
كان يقال: مثلت الدنيا بطائر، فالبصرة ومصر جناحان، والشام والعراق والجزيرة وما والاها الجوف، واليمن الذنب.
تقول العرب: مضر رحاها خندف، وهامتها تميم، وفرسانها قيس، وأئمتها كنانة، ولسانها أسد.
قال الخشني: لا تكرم ولا تعظم إلا من يرجى خيره، أو يخاف شره، أو يقتبس من علمه، أو من بركة دعائه.
خطب أرسطو طاليس يوماً فأطال، وعنده شاب مطرق، فقال له: مالك لا تتكلم؟ قال: إن الله خلق الإنسان أذنين اثنين ولساناً واحداً ليسمع أكثر مما يقول.
من أمثال العرب: من يجمع بين الأروى والنعام! لأن الأروى لا تسهل، وإنما تسكن الجبال، والنعام يسكن السهل، ولا ترقى الجبال.
ومن قولهم: بيضة البلد؛ فمدح وذم، فمن المدح قول علي رضى الله عنه: أنا بيضة الإسلام، ومن المدح قول حسان:
وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
يعني نفسه. وأما الذم فقول الراعي في عدي بن الرقاع:
لو كنت من أحدٍ يهجي هجوتكم ... يا ابن الرقاع ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة أن تدري لكم نسباً ... وابنا نزارٍ فأنتم بيضة البلد
ابنا نزارٍ: ربيعة ومضر.
قال قبيصة بن جابر الأسدي، يوم صفين:
قد حافظت في حربها بنو أسد ... ما مثلها تحت العجاج من أحد
لسنا بأوباشٍ ولا بيض البلد قيل للأموية: أي شيءٍ أحسن؟ قالت: القصور والبيض في الحدائق الخضر.
قال أبو لبيد الرياحي: سألت شيخاً لنا: أي شيء أحسن؟ قال: بيضة في روضة.
تقول العرب: لا شيء أظل من حجر، ولا أفيأ من شجر.
قال الشاعر:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى ... فأبعدكن الله من شجرات
وقال آخر:
فلا تجزعن على أيكةٍ ... أبت أن تظلك أغصانها
وقال آخر، هو الحسن بن هانئ:
لا أذود الطير عن شجرٍ ... قد بلوت المر من ثمره
كلم الحجاج امرأة من الخوارج، وهي معرضة عنه، فقيل لها: يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه؟ فقالت: إني لأستحي أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه.
قال رجل من بني كلاب من الخوارج، يخاطب معاوية بن أبي سفيان ﵀:
стр. 215
قد سرت سير كليب في عشيرته ... لو كان فيهم غلام مثل جساس
الطاعن الطعنة النجلاء عاندها ... كطرة البرد أعيا فتقها الآسى
قال عمر بن الخطاب: ما أبالي على أي حال أصبحت؟ أعلى ما أحب أم على ما أكره، لأني لا أدري فيم الخيرة، أفيما أحب أم فيما أكره. وما أبالي إذا استخرت الله في الأمر أكان أو لم يكن.
وأما قول الشاعر:
طلب الأبلق العقوق فلما ... لم ينله أراد بيض الأنوق
فالأبلق لا يكون عقوقاً أبداً، يقال: أعقت الدابة إذا عظم بطنها للحمل، والذكر لا يكون عقوقاً، والأنوق الرخم لا يكاد يرى بيضة ولا يوجد لأنه في صدوع الصخر من الجبال الشامخة، ولا منفعة فيه، ولا يصاب إلا بمشقة ونيل مكروه.
وأما الزجر بالغراب عندهم فلاشتقاق اسمه من الغربة والاغتراب، ومنه أخذ الغريب. وقيل له: حاتم بن بحير لهذا، ويشتقون من الصرد: التصريد والصرد، والصرد هو البرد، قال الشاعر:
دعا صرد يوماً على غصن شوحطٍ ... وصاح بذات البين فيها غرابها
فقلت: أتصريد وشحط وغربة ... فهذا لعمري نأيها واغترابها
وقال آخر:
تغني الطائران ببين سلمى ... على غصنين من غرب وبان
فكان البين أن بانت سليمى ... وبالغرب اغتراب غير دان
وقال سلامة بن جندل:
ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لابد مشئوم
وقال آخر:
ولست أبالي حين أغدو مسافراً ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب
وقد أوضحنا هذا المعنى بالآثار المرفوعة، والأخبار والأشعار في كتاب " التمهيد "، والحمد الله تعالى.
باب من منثور الحكم والأمثال
منتقى من نتائج عقول الرجال
قال رسول الله ﷺ : " لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة ".
خير المقال ما صدقه الفعال.
رأس الدين صحة اليقين.
كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم.
من الفساد إضاعة الزاد.
امحض أخاك النصيحة، وإن كانت عنده قبيحة.
التجارب ليس لها غاية، والعاقل يستزيد منها إلى غير نهاية.
من بذل لك مودته، أجزل لك عطيته.
الأحمق لا يبالي ما قال، والعاقل يتعاهد المقال.
من غلب عليه العجب، ترك مشورة الرجال.
جانب مودة الحسود، وإن زعم أنه ودود.
إذا جهل عليك الأحمق، فالبس له سلاح الرفق.
من طلب إلى لئيمٍ حاجةً، فهو كمن طلب صيد السمك في المفاوز.
مؤمل النفع من اللئام، كزارع السمسم في الحمام.
إذا صادقت الوزير، لم تخف الأمير.
لا تثق بالأمير إذا خانك الوزير.
من كان السلطان يطلبه، ضاق عليه بلده.
الزائر لمن يستثقله مذل لنفسه.
صديقي درهمي، إذا سرحته فرج همي وقضى حاجتي.
من جالس عدوه فليحترس من منطقه.
من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه.
من عرف من نفسه الكذب، لم يصدق الصادق.
كثرة الذنوب مفسدة للقلوب.
من بذل لك نصحه، فاحتمل غضبه.
من بذل لك ماله، فاصبر على ما يأتي منه.
لن يذهب من مالك ما وعظك.
من قل خيره على أهله، فلا ترج خيره.
قتل أرضا عالمها، وقتلت أرض جاهلها.
الإكثار من الملامة يولد القطيعة.
صاحب الزلل موكل به الندم.
الشجاعة لمن كانت له الدولة.
لا ترسل الكسلان في حاجتك فيتكاهن عليك.
عناء في غير منفعة خسارة حاضرة.
من ألح في المسألة على غير الله، استحق الحرمان.
صحبة الفاسق شين، وصحبة الفاضل زين.
من أكثر الكلام على المائدة غش بطنه، واستثقله إخوانه.
الكريم يواسي إخوانه في دولته.
من حفظ سره ركب أمره.
من جرى في ميدان أمله، عثر في عنان أجله.
من أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك.
من لم تقدر على مكافأته، فانصح له.
من لم يصبر على البلاء، لم يرض بالقضاء.
من استهوته الخمر والنساء، أسرع إليه البلاء.
إذا احترق الفؤاد، ذهب الرقاد.
من تسلط على الناس بغير سلطان، لم يسلم ممن الهوان.
الغريب الناصح خير من القريب الغاش.
من نسى إخوانه في الولاية، أسلموه في العزل والشدة.
من لم ينلك البر في حياته، لم تبك عيناك على وفاته.
من لم يقنع برزقه، عذب نفسه.
من اجترأ على السلطان، تعرض للهوان.
إذا لم يواتك البازي في صيده، فاتنف ريشه.
الهم ظلمة جلاؤها الفرج.
следующие страницы →