Полный текст (553 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
بَيَاض، كَأَنَّهُ لون؟ فَقَالَ أنس: إِن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ قد متع بسواد الشّعْر ﴿لَو عددت مَا أقبل عَليّ من رَأسه ولحيته، مَا كنت أَدْرِي هَل أعد خمس عشرَة شيبَة؟ فَمَا أرى هَذَا الَّذِي تَجِدُونَ إِلَّا من الطّيب الَّذِي يطيب بِهِ شعره، وَهُوَ غير لَونه ".
٩٦٨ - حَدثنَا ابْن الْمثنى وَابْن بشار، قَالَا: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا همام بن يحيى، عَن قَتَادَة، قَالَ: قلت لأنس: " هَل خضب النَّبِي ﷺ َ -؟ قَالَ: لم يبلغ ذَاك﴾ إِنَّمَا كَانَ شَيْئا فِي صدغيه ".
٩٦٩ - حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ وَابْن الْمثنى، قَالَا: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، عَن خُلَيْد بن جَعْفَر، عَن أبي إِيَاس، عَن أنس بن مَالك: " أَنه سُئِلَ عَن شيب النَّبِي ﷺ َ -؟ فَقَالَ: مَا شانه الله ببيضاء ".
стр. 492
٩٧٠ - حَدثنَا ابْن الْمثنى وَابْن بشار، قَالَا: حَدثنَا معَاذ بن معَاذ وَابْن أبي عدي، قَالَا: حَدثنَا حميد، عَن أنس بن مَالك: " أَنه سُئِلَ: هَل خضب النَّبِي ﷺ َ -؟ قَالَ: إِنَّه لم ير من الشيب إِلَّا نَحوا من سبع عشرَة أَو عشْرين شَعْرَة فِي مقدم لحيته، وَقَالَ: إِنَّه لم يَشن بالشيب ﴿فَقيل لأنس: أشين هُوَ؟ قَالَ: كلكُمْ يكرههُ﴾ ".
٩٧١ - حَدثنَا ابْن بشار، قَالَ: حَدثنَا معَاذ بن معَاذ، عَن حميد، عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، قَالَ: " كَانَ الشيب الَّذِي بِالنَّبِيِّ ﷺ َ - تسعا أَو عشر شَعرَات "!
٩٧٢ - حَدثنَا حميد بن مسْعدَة، قَالَ: حَدثنَا بشر بن الْمفضل،
стр. 493
قَالَ: حَدثنَا حميد، قَالَ: " سُئِلَ أنس بن مَالك: هَل خضب النَّبِي ﷺ َ -؟ قَالَ: لم يشنه الشيب ".
٩٧٣ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا خَالِد بن الْحَارِث، قَالَ: حَدثنَا حميد، قَالَ: " سُئِلَ أنس: أخضب رَسُول الله ﷺ َ -؟ قَالَ: فَقَالَ أنس: لم يشنه الشيب ".
٩٧٤ - وَحدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا معَاذ بن معَاذ، قَالَ: حَدثنَا حميد، عَن أنس قَالَ: " لم يكن الشيب الَّذِي بِالنَّبِيِّ ﷺ َ - عشْرين شَعْرَة ".
٩٧٥ - حَدثنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش، قَالَ: حَدثنَا ربيعَة الرَّأْي، عَن أنس بن مَالك قَالَ: " كَانَ فِي مقدم لحية رَسُول الله ﷺ َ - عشرُون شمطة ".
٩٧٦ - حَدثنِي الْعَبَّاس بن الْوَلِيد العذري، قَالَ: أَخْبرنِي أبي، قَالَ: حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ، قَالَ: حَدثنِي ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنِي أنس بن مَالك: " أَن رَسُول الله ﷺ َ - بعث على رَأس أَرْبَعِينَ، وَقبض على رَأس سِتِّينَ، وَمَا فِي رَأسه ولحيته عشرُون شَعْرَة بَيْضَاء ﴿" قَالَ ربيعَة: فَأول من سَمِعت مِنْهُ عشرُون لمن أنس بن مَالك﴾ .
стр. 494
٩٧٧ - وَحدثنَا سُلَيْمَان بن عمر بن خَالِد الرقي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك، عَن سُفْيَان، عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن، عَن أنس بن مَالك، قَالَ: " لم يكن للنَّبِي ﷺ َ - عشرُون شَعْرَة بَيْضَاء ".
٩٧٨ - حَدثنِي يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا ابْن علية، قَالَ: حَدثنَا حميد، عَن أنس، قَالَ: " قيل لأنس: هَل خضب رَسُول الله ﷺ َ -؟ فَقَالَ: مَا شانه الله بالشيب! فَقَالُوا: أَو شين هُوَ يَا أَبَا حَمْزَة؟ قَالَ: كلكُمْ يكرههُ ".
٩٧٩ - حَدثنَا صَالح بن مِسْمَار الْمروزِي، قَالَ: حَدثنَا مُعلى بن أَسد، قَالَ: حَدثنَا وهيب، عَن أَيُّوب، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، قَالَ: " سَأَلت أنس بن مَالك: أخضب رَسُول الله ﷺ َ -؟ فَقَالَ: إِنَّه لم ير من الشيب إِلَّا قَلِيلا ".
стр. 495
٩٨٠ - وَحدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنِي عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، قَالَ: حَدثنَا الْمثنى بن سعيد الضبعِي، قَالَ: حَدثنَا قَتَادَة، عَن أنس " أَن رَسُول الله ﷺ َ - لم يكن يخضب، إِنَّمَا كَانَ شمط فِي عنفقته يسير، وَفِي الصدغين يسير، وَفِي الرَّأْس يسير ".
٩٨١ - وَحدثنَا مُحَمَّد بن يزِيد الطرسوسي، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن آدم، قَالَ: حَدثنَا شريك، عَن عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، قَالَ: " كَانَ شيب النَّبِي ﷺ َ - نَحوا من عشْرين شَعْرَة ".
стр. 496
٩٨٢ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة، عَن سماك، عَن جَابر بن سَمُرَة، قَالَ: " مَا كَانَ فِي رَأس رَسُول الله ﷺ َ - من الشيب إِلَّا شَعرَات فِي مفرق رَأسه، كَانَ إِذا دهنه غطاهن ".
٩٨٣ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، عَن سماك، قَالَ: " سَمِعت جَابر بن سَمُرَة سُئِلَ عَن شيب النَّبِي ﷺ َ -؟ فَقَالَ: كَانَ إِذا دهن رَأسه لم ير مِنْهُ شَيْء، وَإِذا لم يدهن رئي مِنْهُ ".
стр. 497
٩٨٤ - وحَدثني الْعَبَّاس بن أبي طَالب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو حُذَيْفَة، قَالَ: حَدثنَا عِكْرِمَة بن عمار، عَن عَطاء مولى السَّائِب بن يزِيد، قَالَ: " كَانَ شعر السَّائِب بن يزِيد من هَا هُنَا إِلَى مقدم رَأسه أسود، وَسَائِر رَأسه، ولحيته، وعارضيه أَبيض ﴿فَقلت لَهُ: يَا مولَايَ﴾ مَا رَأَيْت أحدا أعجب شعرًا مِنْك؟ قَالَ: لَوْلَا تَدْرِي لم ذَاك يَا بني؟ ﴿مر بِي رَسُول الله ﷺ َ - وَأَنا أَلعَب مَعَ الصّبيان، فَقَالَ لي: من أَنْت؟ فَقلت: السَّائِب بن يزِيد أَخُو النمر﴾ فَمسح يَده على رَأْسِي، وَقَالَ: بَارك الله فِيك، فَهُوَ لَا يشيب أبدا ".
стр. 498
٩٨٥ - حَدثنَا ابْن بشار، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، قَالَ: حَدثنَا همام، عَن قَتَادَة، عَن سعيد بن الْمسيب، أَنه: " سُئِلَ هَل خضب النَّبِي ﷺ َ -؟ فَقَالَ: لم يبلغ ذَاك ".
٩٨٦ - حَدثنَا ابْن الْمثنى وَابْن بشار، قَالَا: حَدثنَا معَاذ بن هِشَام، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن قَتَادَة، عَن سعيد بن الْمسيب بِمثل ذَلِك.
٩٨٧ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَأَبُو عَامر، عَن هِشَام، عَن قَتَادَة، قَالَ: " سَأَلت سعيد بن الْمسيب: هَل خضب النَّبِي ﷺ َ -؟ قَالَ: لم يبلغ ذَاك ".
وَالَّذِي نقُول بِهِ فِي هَذِه الْأَخْبَار الَّتِي رويناها، عَن رَسُول الله ﷺ َ - الَّتِي فِي بَعْضهَا الْأَمر بتغيير الشيب، وَفِي بَعْضهَا النَّهْي عَن تَغْيِيره: أَن جَمِيعهَا صَحِيح (!) وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء يبطل معنى
стр. 499
غَيره، وَلَكِن بَعْضهَا عَام، وَبَعضهَا خَاص ( ﴿) فَقَوْل النَّبِي ﷺ َ - فِي خبر الزبير الَّذِي ذكرنَا عَنهُ، عَن رَسُول الله ﷺ َ - وَعَن من وَافقه فِي رِوَايَته عَنهُ، أَنه قَالَ: " غيروا الشيب، وَلَا تشبهوا باليهود ".
عَام الْمخْرج، وَالْمرَاد مِنْهُ: الْخُصُوص (﴾ )
وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: غيروا الشيب الَّذِي هُوَ نَظِير شيب أبي قُحَافَة، الَّذِي قد صَار رَأس من بِهِ ذَلِك ولحيته كالثغامة بَيَاضًا.
فَأَما من كَانَ أشمط أَو كَانَ شعره مخلسا، فَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ ﷺ َ - ولأمثاله: " لَا تغيرُوا هَذِه الشيبة " ( ﴿)
وَقَالَ: " من شَاب شيبَة فِي الْإِسْلَام كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة، إِلَّا أَن ينتفها، أَو يخضبها " (﴾ ) وهم الَّذين كره لَهُم تَغْيِير شيبهم.
فَإِن قَالَ قَائِل: وَمَا الدَّلِيل على أَن ذَلِك مَعْنَاهُ؟
قيل لَهُ: الدَّلِيل على ذَلِك مَا قد بَينا فِي غير مَوضِع من كتبنَا: أَنه غير جَائِز أَن يكون من النَّبِي ﷺ َ - قَولَانِ متضادان، وأمران فِي شَيْء وَاحِد، فِي حَالَة وَاحِدَة متنافيان ﴿وَأَن يَأْمر بأمرين، وَفِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلفين، كل وَاحِد مِنْهُمَا مُخَالف صَاحبه، إِلَّا على وَجه نسخ أَحدهمَا صَاحبه﴾
وَإِذ كَانَ غير جَائِز أَن يكون ذَلِك إِلَّا كَذَلِك، كَانَ غير جَائِز أَن يكون النَّاسِخ مِنْهُمَا إِلَّا مَعْلُوما عِنْد أمته من الْمَنْسُوخ ﴿
فَإذْ كَانَ الْأَمر كَذَلِك، وَكَانَت الْأَخْبَار قد وَردت عَنهُ ﷺ َ - بِنَقْل الْعُدُول: أَنه أَمر بتغيير الشيب، وَأَنه نهى عَن تَغْيِيره (﴾ ) وَكَانَ مَعْلُوما أَن الْأَمر وَالنَّهْي غير جَائِز اجْتِمَاعهمَا فِي حَال وَاحِدَة عَن شَيْء وَاحِد، وَأَن أَحدهمَا لَو كَانَ نَاسِخا صَاحبه، كَانَ ذَلِك مُبينًا أوقاتهما، ليعلم الَّذِي على النَّاس من ذَلِك، فيعملوا بِهِ ، وينتهوا إِلَيْهِ، علم أَن القَوْل فِي ذَلِك كَالَّذي قلت، وَأَن الَّذين اخْتَارُوا تَغْيِير
стр. 500
الشيب فغيروه من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - إِنَّمَا غيروا فِي الْحَال الَّتِي كَانَ فِيهَا شيبهم، وَبَيَاض شُعُورهمْ كشيب أبي قُحَافَة وشعره، أَو فِي حَال كَانَ مِنْهُم ذَلِك قَرِيبا من ذَلِك وَأَن الَّذين اخْتَارُوا ترك تَغْيِير شيبهم فَلم يغيروه، كَانَ شيبهم مُخَالفا شيب أبي قُحَافَة وَبَيَاض شعر رَأسه ولحيته، إِمَّا بالإختلاس والإشماط ، وَإِمَّا بِغَلَبَة السوَاد عَلَيْهِ، كَالَّذي رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ َ - فِي شعره، وَأَنه مَعَ ظُهُور الشيب فِي رَأسه وعنفقته ولحيته، لم يُغَيِّرهُ لقلته فِيهَا ﴿
فَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك، فَالَّذِي نَخْتَار لمن كَانَ لَا شعر فِي رَأسه ولحيته أسود بابيضاض جَمِيعه، أَن يُغَيِّرهُ بخضاب.
وَلمن كَانَ فِي شعر رَأسه ولحيته سَواد ترك تَغْيِيره بِشَيْء من الخضاب، من غير أَن أرى تَارِك تَغْيِيره - وَإِن كَانَ جَمِيع مَا فِي رَأسه ولحيته من الشّعْر قد ابيض - آثِما بترك تَغْيِيره (﴾ ) إِذْ كَانَ الْأَمر من رَسُول الله ﷺ َ - بتغيير ذَلِك ندبا لَا فرضا، وإرشادا لَا إِيجَابا ( ﴿) وَكَذَلِكَ: لَا أرى مغير ذَلِك - وَإِن كَانَ قَلِيلا مَا ابيض مِنْهُ - حرجا بتغييره؛ إِذْ كَانَ النَّهْي عَن ذَلِك، من رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ تكريها، لَا تَحْرِيمًا؛ لإِجْمَاع سلف الْأمة وَخَلفهَا على ذَلِك، وَأَن النَّهْي من رَسُول الله ﷺ َ - عَن ذَلِك، لَو كَانَ على وَجه التَّحْرِيم أَو لَو كَانَ الْأَمر - فِيمَا أَمر بِهِ من ذَلِك - كَانَ على وَجه الْإِيجَاب، لَكَانَ تاركوا التَّغْيِير قد أَنْكَرُوا على المغيرين (﴾ ) أَو كَانَ المغيرون قد أَنْكَرُوا على تاركي التَّغْيِير.
وَلَكِن الْأَمر كَانَ فِي ذَلِك كَالَّذي وصفت - إِن شَاءَ الله - فَلذَلِك ترك بَعضهم النكير على بعض.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِك، كَانَ الثَّوْريّ يَقُول، وَإِن كَانَ قد خَالَفنَا من ذَلِك فِي بعض معانينا الَّذِي قُلْنَا فِيهِ.
٩٨٨ - حَدثنَا عَليّ بن سهل الرَّمْلِيّ، قَالَ: حَدثنَا زيد بن أبي
стр. 501
الزَّرْقَاء، قَالَ: " سُئِلَ سُفْيَان عَن رجل يشيب نصف شعره أَو أَكثر أَو أقل، مَتى يسْتَحبّ لَهُ أَن يُغَيِّرهُ؟ وَهل فِي ذَلِك وَقت؟ قَالَ: أَي ذَلِك فعل فَحسن، وَلَيْسَ لذَلِك وَقت " فَالَّذِي قُلْنَا أَنه نَحْو قَوْلنَا من قَول الثَّوْريّ هَذَا، هُوَ أَنه لم يؤثم مغير الشيب من شعره: قل ذَلِك، أَو كثر، وَلَا تَارِك تَغْيِيره - وَإِن كثر - وَأما الَّذِي هُوَ خلاف قَوْلنَا مِنْهُ: قَوْله: " أَي ذَلِك فعل فَحسن "؛ وَذَلِكَ أَن الْحسن - عندنَا - مَا حسنه رَسُول الله ﷺ َ - والقبيح مَا قبحه.
وَقد بَينا الْحَال الَّتِي ندب إِلَى تَغْيِير الْبيَاض، وَالْحَال الَّتِي نهي عَن تَغْيِيره فِيهَا، وسننه أولى السّنَن أَن تتبع، وَأَن يستن بهَا .
(" القَوْل فِي الْبَيَان عَمَّا فِي هَذِه الْأَخْبَار من الْغَرِيب ")
فَمن ذَلِك قَول: قيس بن أبي حَازِم: " كَانَ أَبُو بكر يخرج إِلَيْنَا، وَكَأن لحيته ضرام العرفج من الْحِنَّاء والكتم "؛ يَعْنِي بقوله: ضرام العرفج: لَهب نَار العرفج فِي شدَّة الْحمرَة، من حمرَة الخضاب بِالْحِنَّاءِ والكتم! يُقَال مِنْهُ: اضطرمت النَّار فَهِيَ تضطرم اضطراما: إِذا التهبت. وَمِنْه قَول العجاج:
(سفواء مرخاء تباري مغلجا ... كَأَنَّمَا يستضرمان العرفجا)
يَعْنِي بقوله: يستضرمان: يستوقدان النَّار.
وَمِنْه قَول حَاتِم الطَّائِي:
стр. 502
(عَلَيْك بهاتيك اليفاع فأوقدي ... بجزل وَلَا تستوقدي بضرام)
يَعْنِي بالضرام: دقاق العيدان.
وَأما العرفج: فَإِنَّهَا شَجَرَة أَضْوَأ الْأَشْجَار - فِيمَا يُقَال - نَارا.
وَهِي جمع: واحدتها: عرْفجَة.
وَمن ذَلِك قَول أبي الْبِلَاد الطهوي:
(يَا موقد النَّار أوقدها بعرفجة ... لمن تبينها من مُدْلِج سَار)
وَأما قَول الآخر: " رَأَيْت أَبَا بكر أَبيض الرَّأْس خَفِيفا، على نَاقَة لَهُ أدماء " فَإِنَّهُ يَعْنِي بقوله: " أدماء ": بَيْضَاء تعلوها غبرة. وَبِذَلِك يُوصف أَدَم الظباء. وَمن ذَلِك قَول زُهَيْر:
(بهَا الْعين والآرام والأدم خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم)
وَأما قَول أنس: " ردد ذَلِك حَتَّى أقناها " فَإِنَّهُ يَعْنِي بقوله: أقناها: أشبعها حمرَة من الخضاب. يُقَال فِي ذَلِك إِذا وصف الشَّيْء الْأَحْمَر بالإشباع حمرَة: هُوَ أَحْمَر قاني. كَمَا يُقَال فِي الْأَبْيَض إِذا وصف بِشدَّة الْبيَاض، وصفائه: أَبيض ناصع.
وَأما قَول الآخر: " قدم النَّبِي ﷺ َ - الْمَدِينَة،
стр. 503
وَلَيْسَ فِي أَصْحَابه أشمط غير أبي بكر، فغلفها بِالْحِنَّاءِ والكتم ". فَإِنَّهُ يَعْنِي بقوله: أشمط: أَن شعر رَأسه ولحيته قد خالط سوَاده بَيَاض. وَكَذَلِكَ تَقول الْعَرَب للرجل إِذا ابيض من شعر رَأسه ولحيته نصفه، وَنصفه أسود بعد: أشمط.
وأصل الشمط: الْخَلْط. يُقَال مِنْهُ فِي شمط الشّعْر: قد شمط شعر فلَان، فَهُوَ يشمط شُمْطًا. وَإِذا جمع بَين شَيْئَيْنِ مختلفي الألوان فَذَلِك الشمط. يُقَال من الْخَلْط: شمط يشمط شُمْطًا - بِسُكُون الْمِيم - وَمن ذَلِك قيل للصبح: شميط: لاختلاط بَيَاض الْفجْر بسواد اللَّيْل.
وَمن شمط الشّعْر، قَول أبي النَّجْم:
(إِن يمس رَأْسِي أشمط العناصي ... كَأَنَّمَا فرقه مناص)
المناص: مَا استرسل من شعر الرَّأْس.
وَيُقَال من الشّعْر أَيْضا: اشماط الشّعْر، فَهُوَ يشماط اشمطاطا.
وَمن ذَلِك قَول الْهُذلِيّ:
(فَمَا أَنْت الْغَدَاة وَذكر سلمى ... وَأمسى الرَّأْس مِنْك إِلَى اشمطاط)
وَأما قَول أبي جَعْفَر الْأنْصَارِيّ: " رَأَيْت أَبَا بكر كَأَن لحيته جمر الغضى ". فَإِن الغضى شجر مضيئة النَّار. شبه حمرَة خضاب لحيته بحمرة جمر الغضى. وَإِيَّاهَا عَنى الفرزدق بقوله:
стр. 504
(كَأَن مفالق الرُّمَّان فِيهَا ... وجمر غضى قعدن عَلَيْهِ حام)
وَأما قَول ابْن عَبَّاس لما بنى عمر بِأم كُلْثُوم: " دخل عَلَيْهِ مشيخة الْمُهَاجِرين، فَكَانَت تحفته إيَّاهُم أَن صفر لحاهم بالملاب ". فَإِنَّهُ يَعْنِي بالملاب: الخلوق، وَمَا أشبهه من طيب النِّسَاء.
وإياه عَنى جرير بن عَطِيَّة فِي قَوْله للفرزدق:
(أعدُّوا مَعَ الْحلِيّ الملاب فَإِنَّمَا ... جرير لكم بعل وَأَنْتُم حلائله)
وَأما قَول جَابر بن عبد الله: " جِيءَ بِأبي قُحَافَة إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - وَرَأسه ولحيته كَأَنَّهَا ثغامة بَيْضَاء ". فَإِن الثغامة - فِيمَا قيل - شَجَرَة بالبادية مَعْرُوفَة إِذا يَبِسَتْ ابْيَضَّتْ، تجمع ثغاما.
وإياه عَنى الفرزدق بقوله:
(وَقَالُوا لنا زيدوا عَلَيْهِم فَإِنَّهُم ... لغاء وَإِن كَانُوا ثغام اللهازم)
يَعْنِي بالثغام جمع الثغامة .
وَأما قَول أبي رمثة: " انْطَلَقت مَعَ أبي إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَإِذا لَهُ وفرة بهَا ردع من حناء ". فَإِنَّهُ يَعْنِي بالردع: الْأَثر. وكل أثر من دم أَو حناء أَو زعفران، أَو خلوق، وَغير ذَلِك من صفرَة أَو حمرَة، فَإِن الْعَرَب تسميه ودعا، ولجمعه ردوعا. وَمِنْه قَول الطرماح بن حَكِيم:
(تزلزل عَن فرع كَأَن متونه ... بهَا من عبيط الزَّعْفَرَان ردوع)
стр. 505
عني بالردوع: آثَار الزَّعْفَرَان. وَمِنْه قَول قبيصَة بن جَابر مخبرا عَن صَاحبه الَّذِي رمى الظبي، فَلم يخطيء حشاه: فَركب ردعه. يَعْنِي بقوله: ركب ردعه: ركب أثر الدَّم.
(" ذكر خبر آخر من أَخْبَار عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي ﷺ َ - ")
٩٨٩ - حَدثنَا أَحْمد بن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا محَاضِر بن الْمُوَرِّع، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن الزبير، عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " لِأَن يَأْخُذ أحدكُم أحبلة، فَيَأْتِي بحزم من حطب فيبيعه، فيكف الله بِهِ وَجهه عَن النَّاس خير لَهُ من أَن يسْأَل النَّاس شَيْئا: أَعْطوهُ أَو منعُوهُ ".
(" القَوْل فِي علل هَذَا الْخَبَر ")
وَهَذَا خبر - عندنَا - صَحِيح سَنَده، وَقد يجب أَن يكون على مَذْهَب الآخرين سقيما غير صَحِيح؛ لِأَنَّهُ خبر لَا يعرف لَهُ مخرج عَن الزبير، عَن
стр. 506
رَسُول الله ﷺ َ - إِلَّا من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَنهُ. وَالْخَبَر إِذا انْفَرد بِهِ - عِنْدهم - مُنْفَرد، وَجب التثبت فِيهِ. وَقد مضى ذكرنَا موافقي الزبير فِي رِوَايَة هَذَا الْخَبَر، عَن رَسُول الله ﷺ َ - من أَصْحَابه، وَالْبَيَان عَن مَعْنَاهُ، وَمَا فِيهِ من الْفِقْه، فكرهنا إِعَادَته.
(" ذكر خبر آخر من أَخْبَار عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي ﷺ َ - ")
٩٩٠ - حَدثنِي مُحَمَّد بن سِنَان الْقَزاز، قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِدْرِيس، قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، قَالَ: أخبرنَا هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن الزبير بن الْعَوام، قَالَ: " أَعْطَانِي رَسُول الله ﷺ َ - يَوْم بدر أَرْبَعَة أسْهم: سَهْمَيْنِ لفرسي، وَسَهْما لي، وَسَهْما لأمي من ذَوي الْقُرْبَى ".
стр. 507
(" القَوْل فِي علل هَذَا الْخَبَر ")
وَهَذَا خبر - عندنَا - صَحِيح سَنَده، وَقد يجب أَن يكون على مَذْهَب الآخرين سقيما غير صَحِيح، لعلل:
إِحْدَاهَا: أَنه خبر لَا يعرف لَهُ عَن الزبير، عَن رَسُول الله ﷺ َ - مخرج إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. وَالْخَبَر إِذا انْفَرد بِهِ عِنْدهم - مُنْفَرد وَجب التثبت فِيهِ .
стр. 508
وَالثَّانيَِة: أَن فِي نقل إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن هِشَام بن عُرْوَة - عِنْدهم - نظر، يجب مَعَه التَّوَقُّف فِي أمره.
وَالثَّالِثَة: أَن إِسْحَاق بن إِدْرِيس - عِنْدهم - مِمَّن لَا يجوز الِاحْتِجَاج بنقله.
وَقد وَافق الزبير فِي رِوَايَة هَذَا الْخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ َ - جمَاعَة من أَصْحَابه نذْكر مَا صَحَّ - عندنَا - من ذَلِك سَنَده، ثمَّ نتبع جَمِيعه الْبَيَان إِن شَاءَ الله !
(" ذكر ذَلِك ")
٩٩١ - حَدثنَا حميد بن مسْعدَة الشَّامي، قَالَ: حَدثنَا سليم بن أَخْضَر، قَالَ: حَدثنَا عبيد الله، عَن نَافِع، عَن عبد الله: " أَن رَسُول الله ﷺ َ - قسم فِي النَّفْل للْفرس سَهْمَيْنِ، وللرجل سَهْما ".
٩٩٢ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، قَالَ: حَدثنَا سليم بن أَخْضَر، عَن عبيد الله، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، قَالَ: " قسم رَسُول الله ﷺ َ - فِي الْأَنْفَال يَوْم خَيْبَر: للْفرس سَهْمَيْنِ، وللرجل سَهْما ".
стр. 509
٩٩٣ - وَحدثنَا تَمِيم بن الْمُنْتَصر الوَاسِطِيّ، قَالَ: أخبرنَا عبد الله بن نمير، قَالَ: أخبرنَا عبيد الله، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر: " أَن رَسُول الله ﷺ َ - قسم يَوْم خَيْبَر: للْفرس سَهْمَيْنِ، وللرجل سَهْما ".
٩٩٤ - حَدثنَا عَليّ بن سهل الرَّمْلِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُؤَمل، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان، عَن عبيد الله، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، قَالَ: " أسْهم رَسُول الله ﷺ َ - لرجل وفرسه: ثَلَاثَة أسْهم، للرجل سَهْما، ولفرسه سَهْمَيْنِ ".
٩٩٥ - حَدثنَا أَحْمد بن الْحسن التِّرْمِذِيّ، قَالَ: حَدثنَا سعيد الزنبري، قَالَ: حَدثنَا مَالك، عَن أبي الزِّنَاد، عَن خَارِجَة بن زيد، عَن أَبِيه: " أَن النَّبِي ﷺ َ - أسْهم للزبير بِسَهْم، ولفرسه سَهْمَيْنِ ".
стр. 510
٩٩٦ - حَدثنِي يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: قَالَ لي يحيى بن أَيُّوب، حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم، عَن كثير مولى بني مَخْزُوم، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس: " أَن رَسُول الله ﷺ َ - قسم لمائتي فرس يَوْم خَيْبَر: سَهْمَيْنِ سَهْمَيْنِ ".
стр. 511
٩٩٧ - حَدثنَا صَالح بن مِسْمَار الْمروزِي، قَالَ: حَدثنَا خَالِد بن خِدَاش، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن وهب، قَالَ: أخبرنَا يحيى بن أَيُّوب، عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم، عَن كثير مولى بني مَخْزُوم، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس، " أَن النَّبِي ﷺ َ - قسم يَوْم خَيْبَر لمائتي فرس: لكل فرس سَهْمَيْنِ ".
٩٩٨ - حَدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا ابْن فُضَيْل، عَن الْحجَّاج، عَن أبي صَالح، عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: " قسم رَسُول الله ﷺ َ - يَوْم خَيْبَر للفارس ثَلَاثَة أسْهم، وللراجل سَهْما ".
стр. 512
٩٩٩ - حَدثنَا مُحَمَّد بن خلف، قَالَ: حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا مجمع بن يَعْقُوب الزمعِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن عَمه عبد الرَّحْمَن بن يزِيد، عَن عَمه مجمع بن جَارِيَة: " أَن النَّبِي ﷺ َ - أسْهم للْفرس سَهْمَيْنِ، ولصاحبه سَهْما ".
стр. 513
١٠٠٠ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن حمْرَان الحمراني، قَالَ: حَدثنَا المَسْعُودِيّ، عَن ابْن أبي عمْرَة الْأنْصَارِيّ، عَن أَبِيه: " أَن رَسُول الله ﷺ َ - أعْطى الْفرس سَهْمَيْنِ، وَأعْطى الرجل سَهْما ".
стр. 514
١٠٠١ - وحَدثني مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْأنمَاطِي، قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد، قَالَ: حَدثنَا أُميَّة بن خَالِد، قَالَ: حَدثنَا المَسْعُودِيّ، عَن رجل من آل أبي عمْرَة، عَن أبي عمْرَة، قَالَ: " أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ َ - وَنحن ثَلَاثَة، ومعنا فرس، فَأعْطى كل رجل منا سَهْما سَهْما، وَأعْطى الْفرس سَهْمَيْنِ، فَكَانَ للفارس ثَلَاثَة أسْهم ".
(" القَوْل فِي الْبَيَان عَن هَذِه الْأَخْبَار وَعَما فِيهَا من الْفِقْه ")
إِن قَالَ لنا قَائِل: مَا أَنْت قَائِل فِي هَذِه الْأَخْبَار الَّتِي رويتها عَمَّن رويت، عَن رَسُول الله ﷺ َ -: " أَنه أسْهم للفارس من الْغَنِيمَة ثَلَاثَة أسْهم: سَهْما لَهُ، وسهمين لفرسه ": صَحِيحَة أم سقيمة؟ فَإِن قلت: هِيَ سقيمة ﴿قيل لَك: وَمَا الَّذِي أسقمها، ونقلتها - عنْدك ثِقَات﴾
وَإِن قلت: هِيَ صَحِيحَة!
قيل لَك: فَمَا أَنْت قَائِل فِيمَا:
١٠٠٢ - حَدثَك بِهِ ابْن سِنَان الْقَزاز، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم، عَن عبد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر: " أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ يقسم للفارس سَهْمَيْنِ، وللراجل سَهْما "؟
стр. 515
١٠٠٣ - وحَدثني مُوسَى بن سهل الرَّمْلِيّ، قَالَ: حَدثنَا مجمع بن يَعْقُوب الْأنْصَارِيّ، قَالَ: سَمِعت أبي، يحدث عَن عَمه عبد الرَّحْمَن بن يزِيد، عَن عَمه مجمع بن جَارِيَة الْأنْصَارِيّ، قَالَ: " قسم رَسُول الله ﷺ َ - خَيْبَر على ثَمَانِيَة عشر سَهْما، فَأعْطى الْفَارِس سَهْمَيْنِ، وَأعْطى الراجل سَهْما "؟
١٠٠٤ - حَدثنَا ابْن حميد، قَالَ: حَدثنَا سَلمَة، عَن ابْن إِسْحَاق، عَن مَكْحُول، قَالَ: " أسْهم النَّبِي ﷺ َ - للفارس سَهْمَيْنِ، وللراجل سَهْما "؟
стр. 516
قيل: قد اخْتلف السّلف - قبلنَا - فِي هَذِه الْأَخْبَار ﴿فَقَالَ بَعضهم: بتصحيح الرِّوَايَة الْوَارِدَة عَن رَسُول الله ﷺ َ - بإسهامه للفارس ثَلَاثَة أسْهم، وإنكار الرِّوَايَة عَنهُ بِخِلَاف ذَلِك﴾
وَقَالَ آخَرُونَ: بتصحيح الرِّوَايَة الْوَارِدَة عَنهُ بإسهامه للفارس سَهْمَيْنِ، وللراجل سَهْما، وإنكار الرِّوَايَة عَنهُ بِخِلَاف ذَلِك .
(" ذكر من صحّح الرِّوَايَة عَن رَسُول الله ﷺ َ - بإسهامه للفارس ثَلَاثَة أسْهم وَقَالَ بِهِ أَو عمل بِهِ من السّلف ")
١٠٠٥ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، عَن أبي إِسْحَاق، عَن هَانِيء بن هَانِيء، عَن عَليّ، أَنه قَالَ: " للْفرس سَهْمَان وللرجل سهم فِي الْغَنَائِم ".
١٠٠٦ - حَدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا ابْن إِدْرِيس، قَالَ: سَمِعت ابْن إِسْحَاق، - قَالَ أَبُو كريب: قَالَ ابْن إِدْرِيس: وَهُوَ فِي حَدِيث - سمى الزُّهْرِيّ، وَعبد الله بن أبي بكر، وَيزِيد بن رُومَان، وَعَاصِم بن عمر: " إِن أول مَا حزب فِيهِ السِّهَام: يَوْم قُرَيْظَة، وَكَانَت السهْمَان: سِتَّة وَثَلَاثِينَ فرسا، للْفرس سَهْمَان، وللفارس سهم ".
стр. 517
١٠٠٧ - وَحدثنَا ابْن حميد، قَالَ: حَدثنَا هَارُون بن الْمغرَة، عَن إِسْمَاعِيل، عَن الْحسن، أَنه قَالَ: " يقسم للفارس ثَلَاثَة أسْهم، وللراجل سهم ".
١٠٠٨ - حَدثنَا ابْن حميد، قَالَ: حَدثنَا هَارُون، عَن عَنْبَسَة، عَن النجار، عَن الْحسن وَابْن سِيرِين: " أَنَّهُمَا كَانَا يقسمان للفارس ثَلَاثَة أسْهم ".
قَالَ أَبُو جَعْفَر: النجار هَذَا: هُوَ أَشْعَث النقاش، وَهُوَ الأفرق، وهوالتوابيتي.
١٠٠٩ - حَدثنَا ابْن حميد، قَالَ: حَدثنَا هَارُون، عَن عِيسَى، عَن عَمْرو، عَن الْحسن: " أَنه كَانَ يقسم للفارس وفرسه ثَلَاثَة أسْهم: سَهْمَيْنِ لفرسه، وَسَهْما لَهُ ".
стр. 518
١٠١٠ - وَحدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: أَخْبرنِي خَالِد الْحذاء، قَالَ: " لَا يخْتَلف فِيهِ عَن النَّبِي ﷺ َ - أَن للْفرس سَهْمَيْنِ، ولصاحبه سَهْما ".
١٠١١ - حَدثنَا ابْن بشار، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان، قَالَ: سَمِعت حبيبا يَقُول: " لَا يخْتَلف فِيهِ: للفارس ثَلَاثَة أسْهم: للْفرس سَهْمَان ولصاحبه سهم ".
١٠١٢ - وحَدثني يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب قَالَ: قَالَ مَالك: " لم أزل أسمع أَن للْفرس سَهْمَيْنِ، وللرجل سَهْما ".
١٠١٣ - وحَدثني الْعَبَّاس بن الْوَلِيد، قَالَ: أَخْبرنِي أبي، قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيّ: " أسْهم رَسُول الله ﷺ َ - الْخَيل: للْفرس سَهْمَيْنِ ولصاحبه سَهْما، وَأخذ بذلك الْمُسلمُونَ بعد رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى الْيَوْم لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ".
стр. 519
١٠١٤ - حَدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع بن الْجراح، قَالَ: قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: " يُسهم للفارس ثَلَاثَة أسْهم ".
وَقَالَ أَبُو يُوسُف: " يُسهم للفارس ثَلَاثَة أسْهم: سهم لَهُ، وسهمان لفرسه ".
(" ذكر من صحّح الرِّوَايَة عَن رَسُول الله ﷺ َ - بإسهامه للفارس سَهْمَيْنِ وللراجل سَهْما ")
١٠١٥ - حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ، قَالَ: حَدثنَا بشر بن الْمفضل، قَالَ: حَدثنَا حبيب بن شهَاب، عَن أَبِيه، عَن أبي مُوسَى: " أَنه كَانَ يَجْعَل للفارس سَهْمَيْنِ، وللراجل سَهْما ".
١٠١٦ - وحَدثني مُحَمَّد بن معمر البحراني، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن مسْعدَة، عَن حبيب - يَعْنِي ابْن شهَاب الْعَنْبَري - عَن أَبِيه، قَالَ: " لما أَخذ أَبُو مُوسَى تستر، وَقتل مُقَاتلَتهمْ، قَالَ: أبي: قَالَ لي أَبُو مُوسَى: اختر لي من خير الْجند: عشرَة رَهْط، فليكونوا مَعَك على هَؤُلَاءِ السَّبي حَتَّى نرْجِع إِلَيْك. فَلَمَّا فتح مَا أَرَادَ من الْقرى رَجَعَ فقسم بَين النَّاس، فَكَانَ للفارس سَهْمَان وللراجل سهم ".
стр. 520
١٠١٧ - حَدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا عثام، عَن الْأَعْمَش، عَن شيخ، قَالَ: " كَانَ سِهَام الْمُسلمين يَوْم جَلُولَاء ثَمَانِيَة ألف وَثَمَانِية من الدَّوَابّ، فَكَانَ للفارس سَهْمَان، وللراجل سهم: سهم لَهُ وَسَهْم لفرسه، لَا يُزَاد على ذَلِك، ويسهم للراجل سهم وَاحِد لنَفسِهِ ".
وَقَالَ أَبُو حنيفَة، وَزفر، وَمُحَمّد: " يُسهم للفارس سَهْمَان ".
وَالَّذِي نقُول بِهِ فِي ذَلِك: أَن الصَّحِيح من الرِّوَايَة عَن رَسُول الله ﷺ َ - فِي إسهامه الْفَارِس من الْغَنَائِم: مَا ورد بِأَنَّهُ أسهمه ثَلَاثَة أسْهم: سَهْمَيْنِ لفرسه، وَسَهْما لَهُ.
فَأَما فِي إسهامه الراجل؛ فَإِنَّهُ لَا اخْتِلَاف فِي أَنه لَا زِيَادَة لَهُ على سهم وَاحِد بَين أهل الْعلم، فَيحْتَاج إِلَى التشاغل بأَمْره.
وَأما الرِّوَايَة عَنهُ: أَنه أسْهم للفارس سَهْمَيْنِ؛ فَإِن رَاوِيه إِن كَانَ عَنى أَنه قد كَانَ فِيمَا أسْهم لَهُ من الأسهم الثَّلَاثَة: السهْمَان، فقد أصَاب - وَإِن كَانَ قد قَالَ قولا لبس بِهِ على من لَا علم لَهُ بِمَعْنَاهُ فِي ذَلِك معنى حكم النَّبِي ﷺ َ - فِيهِ -
стр. 521
وَإِن كَانَ عَنى أَنه لم يزدْ الْفَارِس على سَهْمَيْنِ ﴿فَذَلِك - وَالله أعلم - غلط - عِنْدِي - من بعض رُوَاته.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه غلط من بعض رُوَاته؛ لِأَن الرِّوَايَة بذلك مُتَّصِلَة السَّنَد عَن رَسُول الله ﷺ َ - من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: من رِوَايَة عبد الله بن عمر الْعمريّ، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، وَلَا يدْفع ذُو علم بآثار رَسُول الله ﷺ َ - من نقلة الْأَخْبَار أَن عبيد الله بن عمر أثبت وأحفظ لما روى عَن نَافِع، وَغَيره من عبد الله بن عمر الْعمريّ، وَقد روينَا عَنهُ، عَن نَافِع وَعَن ابْن عمر، عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه أسْهم للفارس ثَلَاثَة أسْهم.
وَمن الْمحَال أَن يكون ابْن عمر قَالَ: لم يزدْ النَّبِي ﷺ َ - الْفَارِس من الْغَنِيمَة على سَهْمَيْنِ. ثمَّ يَقُول: أسْهم النَّبِي ﷺ َ - للفارس ثَلَاثَة أسْهم؛ لِأَن ذَلِك إِذا قَالَه قَائِل لم يخل من أحد وَجْهَيْن:
إِمَّا أَن يكون مُتَعَمدا قيله، وَهُوَ يعلم وَجه فَسَاده، فَيكون كَاذِبًا فِي قيله، وَالْكذب عَن ابْن عمر ﵀ منفي غير موهوم مِنْهُ تَعَمّده﴾
أَو يكون سَاهِيا نَاسِيا أحد قوليه، فَيكون الْقَوْلَانِ جَمِيعًا مرفوضين، إِذا لم يعلم الْخَطَأ مِنْهُمَا من الصَّوَاب ﴿
وَالْآخر مِنْهُمَا: حَدِيث مجمع بن جَارِيَة، عَن النَّبِي ﷺ َ -.
وَالْقَوْل فِيهِ - أَيْضا - نَظِير القَوْل فِي خبر ابْن عمر، عَن النَّبِي ﷺ َ - على نَحْو مَا بَينا، وَأحسن حالات عبد الله بن عمر الْعمريّ فِيمَا روى فِي ذَلِك عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي ﷺ َ - أَن نجعله لِأَخِيهِ عبيد الله بن عمر نظيرا﴾ وَإِن كَانَ ذَلِك عِنْد أهل الْمعرفَة بالآثار ظلما! وَأَن نجْعَل مُحَمَّد بن عِيسَى، فِيمَا روى عَن مجمع بن يَعْقُوب فِي ذَلِك ليونس بن مُحَمَّد كُفؤًا، فنسقط القَوْل
стр. 522
وَالْعَمَل بِرِوَايَة كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي ذَلِك؛ إِذْ كَانَا قد تعادلا فِي القناعة، وَالرِّضَا، وَالْعَدَالَة: عِنْد من جعل خبر عبد الله بن عمر، وَخبر مُحَمَّد بن عِيسَى هما الْحجَّة فِي أَلا يُزَاد الْفَارِس على سَهْمَيْنِ من جِهَة الْأَثر، إِذْ كُنَّا لَا نعلم المحق مِنْهُمَا فِيمَا روى، من الْمُبْطل، ونلتمس حجَّة يجب علينا بهَا الْعَمَل فِي سهم الْفَارِس وفرسه: إِمَّا من جِهَة الْأَثر، وَإِمَّا من جِهَة النّظر ﴿
فَأَما الَّذين جعلُوا سهم الْفَارِس وفرسه سَهْمَيْنِ، فَلم يزيدوهما عَلَيْهِمَا؛ فَإِنَّهُم إِذْ عدموا بِمَا قَالُوا - مِمَّا ذكرنَا عَنْهُم - حجَّة تؤيد قَوْلهم من جِهَة الْأَثر، إِذْ صَار مَا أدلوا بِهِ من الْحجَّة لقَولهم فِي ذَلِك من جِهَة الْأَثر إِلَى مَا بَينا: لجؤوا إِلَى أَن زَعَمُوا أَنهم قَالُوا الَّذِي قَالُوهُ من ذَلِك من جِهَة النّظر﴾
وَقَالُوا: النّظر الَّذِي أدانا إِلَى قَول ذَلِك: هُوَ أَنه لَا خلاف بَين جَمِيع الْأمة أَن الْفَارِس إِنَّمَا لَهُ من الْغَنِيمَة مثل مَا للراجل، وَهُوَ سهم وَاحِد؛ إِذْ كَانَا متعادلين فِي الْمَعْنى الَّذِي بِهِ اسْتحق كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا اسْتحق من الْغَنِيمَة. وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف بَينهمَا فِي سهم الْفرس،
فَمن قَائِل: لَهُ سَهْمَان.
وَمن قَائِل: لَهُ سهم وَاحِد ﴿
قَالُوا: فَلم يجز لنا أَن نزيد على سهم رجل مُؤمن من الْغَنِيمَة، إِذْ لم يكن أَكثر غنى عَن الْمُسلمين، وَهُوَ بَهِيمَة من رجل مجرب مِنْهُم﴾
قَالُوا: وَلَو جَازَ لنا أَن نزيده على السهْم الْوَاحِد، فنفضل بعض مَا كَانَ لَهُ نفع وغنى عَن الْمُسلمين فِي معركة الْحَرْب: كَانَ أولى ذَلِك بِالزِّيَادَةِ الرجل الشجاع الْمَعْرُوف بالبسالة، الَّذِي يقوم مشهده فِي الْحَرْب مشْهد خلق كثير من الضُّعَفَاء والجبناء، وَلَكِن الله - تَعَالَى ذكره - سوى فِي قسْمَة مَا أَفَاء عَلَيْهِم بالإيجاف بَين أشجعهم، وأبسلهم، وأضعفهم، وأخورهم، وأجبنهم، فَلم نفضل أحدا مِنْهُم على أحد فِيهِ.
قَالُوا: فَإذْ كَانَ حكم الله - تَعَالَى ذكره - فِي عباده الْمُؤمنِينَ ذَلِك،
стр. 523
فَغير جَائِز تَفْضِيل بَهِيمَة على من ذكرنَا من فرسَان الْمُؤمنِينَ، وَذَوي شجاعتهم وبسالتهم فِي السِّهَام ﴿
وَيُقَال لقائلي ذَلِك: أَرَأَيْتُم تسويتكم بَين الرجل الشجاع الباسل المجرب من أهل الْإِيمَان، وَبَين بَهِيمَة من الْبَهَائِم الَّتِي إِنَّمَا هِيَ أَدَاة لَهُ فِي حربه، كبعض أدواته من رمحه، وسيفه، وترسه، وَغير ذَلِك من أدواته، وآلاته الَّتِي يَسْتَعِين بهَا على عدوه: فِي السِّهَام﴾ أَمن جِهَة الْأَثر؟ أم من جِهَة النّظر؟ فَإِن زَعَمُوا أَنهم فعلوا ذَلِك من جِهَة النّظر ﴿
قيل: وَأي نظر أداكم إِلَى ذَلِك؟ وَكَيف أوجبتم لفرسه - وَهِي أَدَاة من أدواته سَهْما من الْمغنم، إِن لم يكن ذَلِك من جِهَة، الْأَثر، وَلم يوجبوا لسيفه، وسنانه، وجنته مثل الَّذِي أوجبتم لَهُ، فقد علمْتُم أَن ذَلِك فِي بعض الْأَحْوَال أغْنى عَنهُ من فرسه﴾
وَهل بَيْنكُم وَبَين من أوجب لسيفه، وترسه من السِّهَام مثل الَّذِي أوجبتم لفرسه - إِن كَانَ وَجب ذَلِك - من جِهَة النّظر؟
فَإِن قَالُوا: إِن ذَلِك، وَإِن كَانَ كَذَلِك، فَإِن الْأمة مجمعة على أَلا سهم لشَيْء مِمَّا ذكرت فِي الْغَنِيمَة، وَأَن للْفرس سَهْما؛ فَلذَلِك فرقنا بَين أَحْكَام ذَلِك ﴿
قيل: فقد وضح لكم بِمَا ذكرْتُمْ: أَن الَّذِي جعل للْفرس من الْمغنم، لم يَجْعَل لَهُ من وَجه النّظر، وَلَا لغنائه عَن صَاحبه﴾
وَأَن ذَلِك إِنَّمَا وَجب لَهُ بِإِيجَاب الله - تَعَالَى ذكره - على لِسَان رَسُوله ﷺ َ -. فَهَل من أثر عَن رَسُول الله ﷺ َ - ثَابت غير مَدْخُول بِمَا قُلْتُمْ من أَن سهم الْفرس فِي الْمغنم الَّذِي لَا يُزَاد عَلَيْهِ: سهم وَاحِد دون سَهْمَيْنِ؟ فَلَنْ يقدر على دَعْوَى ذَلِك، لأَنهم إِن ادعوهُ لم يخف على ذِي الْمعرفَة أَنهم مبطلون! وَإِن سَأَلنَا مِنْهُم سَائل، فَقَالَ: فَمَا الْمَعْنى الَّذِي من أَجله أوجبتم - إِن لم تكن إِلَّا من الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِك كَالَّذي قُلْنَا - للفارس ثَلَاثَة أسْهم، أَمن جِهَة قِيَاس؟
стр. 524
فَمَا الأَصْل الَّذِي قستم ذَلِك عَلَيْهِ؟ أم من أثر، فقد علمْتُم اخْتِلَاف الروَاة فِي سيرة رَسُول الله ﷺ َ - فِي ذَلِك؟ وَالرِّوَايَة إِذا اخْتلفت عَنهُ لم يكن أحد فريقيها أولى بالتصديق من الآخر، إِذا تعادلا فِي القناعة، وَالرِّضَا، وَالْعَدَالَة؟
قيل: إِن فريقي نقلة سيرة النَّبِي ﷺ َ - فِي سِهَام الْفَارِس من الْمغنم - عندنَا - غير متعادلين ﴿وَلَكنَّا سلمنَا مَا ادّعى من ذَلِك مخالفونا كَرَاهَة منا منازعتهم فيهم، وثقة منا بالفلج عَلَيْهِم، مَعَ تسليمنا مَا سلمنَا لَهُم﴾ فَإِن قَالَ: وَمَا الْحجَّة الَّتِي تفلجك عَلَيْهِم إِذا أَنْت سلمت لَهُم مَا نازعوك فِيهِ من اعْتِدَال حَال الْفَرِيقَيْنِ اللَّذين ذكرت؟
قيل: قد ذكرنَا أَن اخْتِلَاف الروَاة عَن رَسُول الله ﷺ َ - فِي ذَلِك، إِنَّمَا هُوَ من أحد وَجْهَيْن: إِمَّا من وَجه النَّقْل عَن نَافِع. وَإِمَّا من وَجه النَّقْل عَن مجمع بن يَعْقُوب الْأنْصَارِيّ على مَا ذكرنَا من إسنادهما ذَلِك إِلَى رَسُول الله ﷺ َ -.
وَنحن إِذا رفضنا كلتي الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا، فتساوينا وخصومنا الْقَائِلُونَ فِي سِهَام الْفَارِس - مَا عَنْهُم حكينا - وَلم نجْعَل لِأَحَدِنَا على صَاحبه إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن نَافِع، وَلَا عَن مجمع بن يَعْقُوب حجَّة: انفردنا بالأخبار الْأُخَر الَّتِي ذَكرنَاهَا عَن رَسُول الله ﷺ َ - الَّتِي لَا مُخَالف لَهَا وَلَا مدافع؛ وَذَلِكَ كَخَبَر هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن الزبير، عَن النَّبِي ﷺ َ - وَخبر مَالك، عَن أبي الزِّنَاد، عَن خَارِجَة بن زيد، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي ﷺ َ -، وَسَائِر الْأَخْبَار الَّتِي ذَكرنَاهَا عَن رَسُول الله ﷺ َ - فِي ذَلِك الَّتِي لَا خبر لِلْقَائِلين فِي سِهَام الْفَارِس: أَنَّهُمَا سَهْمَان لَا يُزَاد عَلَيْهِمَا، نَظِير شَيْء مِنْهَا؛ فَلَمَّا وَصفنَا من الْعلَّة قُلْنَا: للفارس من الْمغنم - إِذا شهد الْحَرْب وَقَاتل فِيهَا أَو حضرها مُحَاربًا - ثَلَاثَة أسْهم: سهم لَهُ، وسهمان لفرسه.
стр. 525
وَفِي هَذَا الْخَبَر - أَيْضا - من الْفِقْه - أَعنِي خبر الزبير عَن النَّبِي ﷺ َ - الدّلَالَة الْبَيِّنَة على أَن من أوصى بِوَصِيَّة أَو وقف وَقفا على ذَوي قرَابَته: أَن أَوْلَاد أخواته وَإِخْوَته يستوون فِيمَا يسْتَحقُّونَ من تِلْكَ الْوَصِيَّة وَالْوَقْف؛ ذَلِك أَن الزبير ذكر أَن رَسُول الله ﷺ َ - أعطَاهُ أحد السِّهَام الْأَرْبَعَة الَّتِي أعطَاهُ إِيَّاهَا بِأَنَّهُ من ذَوي الْقُرْبَى، وَإِنَّمَا هُوَ رجل من بني أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - فِيمَا ذكر عَنهُ جُبَير بن مطعم - يخص بِسَهْم ذَوي الْقُرْبَى قرَابَته من بني هَاشم بن عبد منَاف بن قصي.
وَكَانَ يُعْطي مَعَهم بني الْمطلب بن عبد منَاف بِسَبَب الْحلف الَّذِي كَانَ بَينهم، وَبَين بني هَاشم. وَلم يكن يُعْطي مِنْهُ بني نَوْفَل بن عبد منَاف، وَلَا بني عبد شمس بن عبد منَاف ، وهم أقرب إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - من ولد عبد الْعُزَّى؛ وَذَلِكَ أَنه يجمع هاشما، ومطلبا، ونوفلا، وَعبد شمس دون قصي: أَب، وَهُوَ عبد منَاف بن قصي، وَلكنه ﷺ َ - أعطَاهُ ذَلِك بِأَنَّهُ من ولد عمته صَفِيَّة ابْنة عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف.
فَفِي ذَلِك: دَلِيل على صِحَة مَا قلت من اسْتِوَاء حق ولد الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات فِيمَا أوصى بِهِ الْمُوصي أَو جعله الْمُتَصَدّق الصَّدَقَة المؤبدة فِي صدقته لِذَوي قرَابَته، وَأَن ولد إخوانه، وَولد عماته - وَإِن كَانُوا ينتسبون بآبائهم إِلَى غير ذَوي قرَابَته - يسْتَحقُّونَ مِمَّا أوصى أَو تصدق الصَّدَقَة المؤبدة على ذَوي قرَابَته نَظِير مَا يسْتَحقّهُ ولد إخْوَته وبنوا أَعْمَامه.
وَفِيه أَيْضا - تَصْحِيح الْخَبَر الآخر الْوَارِد عَن رَسُول الله ﷺ َ -
стр. 526
أَنه قَالَ: " ابْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُم "؛ لِأَن الزبير من ولد صَفِيَّة ابْنة عبد الْمطلب. فَجعله ﷺ َ - فِيمَا قسم لَهُ من خمس: خمس الْغَنِيمَة، وَهُوَ سهم ذِي الْقُرْبَى من بني هَاشم؛ لِأَنَّهُ ابْن أختهم، وَهُوَ رجل من ولد أَسد بن عبد الْعُزَّى ﴿
(" ذكر خبر آخر من أَخْبَار عُرْوَة بن الزبير عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ َ - ")
١٠١٨ - حَدثنِي أَحْمد بن إِسْحَاق الْأَهْوَازِي، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن الزبير، قَالَ: سَمِعت رجلا من الْيَهُود يحدث النَّبِي ﷺ َ - بِحَدِيث، ثمَّ سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يحدث بذلك الحَدِيث بعد﴾ ".
(" القَوْل فِي علل هَذَا الْخَبَر ")
وَهَذَا خبر - عندنَا - صَحِيح سَنَده. وَقد يجب أَن يكون على مَذْهَب الآخرين سقيما غير صَحِيح لعلل.
إِحْدَاهَا: أَنه خبر لَا يعرف لَهُ مخرج عَن الزبير، عَن رَسُول الله ﷺ َ - إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. وَالْخَبَر إِذا انْفَرد بِهِ
стр. 527
- عِنْدهم - مُنْفَرد، وَجب التثبت فِيهِ.
وَالثَّانيَِة: أَن حَمَّاد بن سَلمَة - عِنْدهم - كَانَ قد اضْطربَ حفظه فِي آخر عمره فَكَانَ يكثر غلطه (!)
وَالثَّالِثَة: أَن الصَّحِيح عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه قَالَ: " إِذا حَدثكُمْ أهل الْكتاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم ".
стр. 528
وَغير جَائِز أَن يَأْمر أمته بترك تصديقهم وتكذيبهم، وَيحدث هُوَ بِمَا سمع مِنْهُم من غير نِسْبَة ذَلِك الحَدِيث إِلَى من حَدثهُ مِنْهُم ﴿
(" القَوْل فِي الْبَيَان عَن معنى هَذَا الْخَبَر ")
إِن قَالَ لنا قَائِل: مَا وَجه هَذَا الْخَبَر؟ أَو لَيْسَ الْخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ َ - صَحِيحا - بنهيه أمته عَن تَصْدِيق أهل الْكتاب فِي حَدِيثهمْ أَو تكذيبهم؟
قُلْنَا: بلَى﴾
فَإِن قَالَ: وَكَيف حَدثهُ بِمَا سَمعه من بَعضهم من غير إِضَافَته ذَلِك إِلَى من سَمعه مِنْهُ؟
قيل: إِن النَّبِي ﷺ َ - إِنَّمَا نهى أمته عَن تَصْدِيق أهل الْكتاب أَو تكذيبهم فِيمَا لم يعلموهم فِيهِ صَادِقين أَو كاذبين مِمَّا يُمكن من أخبارهم أَن يكون صدقا، وَيُمكن أَن يكون كذبا ﴿
فَأَما فِيمَا علموهم فِيهِ صَادِقين أَو كاذبين، فَلم ينههم عَن تصديقهم أَو تكذيبهم. بل الْوَاجِب على كل أحد تصديقهم فِيمَا كَانُوا فِيهِ من الْأَخْبَار صَادِقين، وتكذيبهم فِيمَا كَانُوا فِيهِ مِنْهَا كاذبين، إِذا علم صدقهم فِي ذَلِك أَو كذبهمْ فِيهِ.
فَإِن قَالَ: فَهَذَا هُوَ الْوَاجِب على كل سامع خبر من كل مخبر﴾
فَمَا الَّذِي خص بِهِ أهل الْكتاب فِي أخبارهم عَمَّا أخبروا؟
قيل: لَيْسَ الْأَمر فِي ذَلِك كَذَلِك ﴿وَذَلِكَ أَن مَعْرُوفا بِالصّدقِ فِينَا من أهل ملتنا لَو حَدثنَا بِحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَو عَن كتاب الله، لَكَانَ علينا تَصْدِيقه فِي خَبره ذَلِك، وَإِن كَانَ من الْأَخْبَار الممكنة غير الْوَاجِبَة﴾
стр. 529
وَلَو أَن مَعْرُوفا بِالصّدقِ فِينَا من أهل الْكتاب، أخبرنَا عَن نَبيا ﷺ َ - أَو نَبِيّهم ﵇ أَو كتَابنَا أَو كِتَابهمْ، مِمَّا لَا نعلم حَقِيقَته، لم يكن لنا تَصْدِيقه، فَذَلِك الْمَعْنى الَّذِي فرق بَين حكم خبر الْكِتَابِيّ، وَخبر غَيره من أهل الْإِسْلَام، فِيمَا أخبرا عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَو كتاب منزل فِي الْأَخْبَار الممكنة.
فَأَما حَدِيث رَسُول الله ﷺ َ - الحَدِيث الَّذِي ذكره الزبير، أَنه سمع رجلا من الْيَهُود يحدثه بِهِ، ثمَّ سمع بعد النَّبِي ﷺ َ - يحدث بِهِ، فَإِنَّهُ مُمكن أَن يكون مِمَّا كَانَ عِنْد النَّبِي ﷺ َ - من علمه مثل مَا عِنْد الْيَهُودِيّ مِنْهُ، فحدثه الْيَهُودِيّ، فَسَمعهُ النَّبِي ﷺ َ - مِنْهُ، ليعلم صدقه فِيهِ من كذبه ﴿إِذْ كَانُوا أهل زيادات فِي أخبارهم عَن كتبهمْ، وتحريف لتنزيل الله - تَعَالَى ذكره - وَكذب على أَنْبِيَائهمْ، كَمَا وَصفهم الله بقوله: ﴿من الَّذين هادوا يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه﴾ . وَبِقَوْلِهِ: ﴿فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم، ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله، ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا، فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم، وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ . ثمَّ حدث ذَلِك الحَدِيث بعد النَّبِي ﷺ َ - على مَا كَانَ عِنْده من علمه، من غير أَن يضيفه إِلَى الْيَهُودِيّ الَّذِي حَدثهُ، لِأَنَّهُ لم يكن علم ذَلِك عِنْده من قبل خبر الْيَهُودِيّ﴾
وممكن - أَيْضا - أَن يكون كَانَ الْيَهُودِيّ حَدثهُ بِهِ - إِذْ حَدثهُ بِهِ - وَلَا علم عِنْد رَسُول الله ﷺ َ - بِحَقِيقَة مَا حَدثهُ بِهِ، ثمَّ أَتَاهُ من الله - تَعَالَى ذكره - الْخَبَر بِصِحَّتِهِ على النَّحْو الَّذِي كَانَ الْيَهُودِيّ حَدثهُ بِهِ ﴿
وممكن - أَيْضا - فِي ذَلِك وُجُوه غير ذَلِك، يَكْفِي من ذكرهَا مَا قد ذكرنَا من كَانَ ذَا لب وعقل﴾
стр. 530
(" ذكر خبر آخر من أَخْبَار عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي ﷺ َ - ")
١٠١٩ - حَدثنِي بشر بن آدم، قَالَ: حَدثنَا عَمْرو بن عَاصِم الْكلابِي، قَالَ: حَدثنَا جدي عبيد الله بن الْوَازِع، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ الزبير: " عرض رَسُول الله ﷺ َ - سَيْفا فِي يَده يَوْم أحد، فَقَالَ: " من يَأْخُذ هَذَا السَّيْف بِحقِّهِ؟ " قَالَ: " فَقُمْت؛ فَقلت: أَنا يَا رَسُول الله ﴿قَالَ: فَأَعْرض عني، ثمَّ قَالَ: " من يَأْخُذ هَذَا السَّيْف بِحقِّهِ؟ " قَالَ: فَقُمْت؛ فَقلت: أَنا يَا رَسُول الله﴾ قَالَ: فَأَعْرض عني، ثمَّ قَالَ: " من يَأْخُذ هَذَا السَّيْف بِحقِّهِ؟ " قَالَ: فَقَامَ أَبُو دُجَانَة سماك بن خَرشَة فَقَالَ: أَنا آخذه بِحقِّهِ ﴿وَمَا حَقه؟ قَالَ: " حَقه: أَلا تقتل بِهِ مُسلما، وَألا تَفِر بِهِ عَن كَافِر﴾ " قَالَ: فَدفعهُ إِلَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ إِذا أرد الْقِتَال، أعلم بعصابة. قَالَ: فَقلت: لأنظرن الْيَوْم مَا يصنع؟ قَالَ: فَجعل لَا يرْتَفع لَهُ شَيْء إِلَّا هتكه وأفراه حَتَّى انْتهى إِلَى نسْوَة فِي سفح جبل، مَعَهُنَّ دفوف لَهُنَّ، فِيهِنَّ امْرَأَة تَقول:
(نَحن بَنَات طَارق، إِن تقبلُوا نعانق ... ونبسط النمارق)
(أَو تدبروا نفارق ... فِرَاق غير وامق)
قَالَ: فَرفع السَّيْف ليضربها، ثمَّ كف عَنْهَا. قَالَ: قلت: كل عَمَلك قد رَأَيْت، أَرَأَيْت رفعك السَّيْف عَن الْمَرْأَة بعد مَا أهويت بِهِ إِلَيْهَا؟ قَالَ: فَقَالَ: أكرمت سيف رَسُول الله ﷺ َ - أَن أقتل بِهِ امْرَأَة! ".
следующие страницы →