← Каваид фикха

Каваид фикха · id 559

القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي

حمد الهاجري

Полный текст (737 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثانياً: تعريف الفقه: (أ) تعريف الفقه لغة: الفقه - بكسر الفاء -: العلم بالشيء والفهم له والفطنة، يقال: (فقِه الرجل) - بكسر القاف - إذا فهم وعلم وفطن، و (فقُه) - بضم القاف - يستعمل في النعت، يقال: (فقُه الرجل) إذا صار فقيها، وصار له الفقه نعتا وسجية. وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل اللغة، وهو أن الفقه بمعنى الفهم المطلق (١). وخصّه جماعة بفهم الأشياء الدقيقة الخفية (٢). وقال آخرون: هو فهم غرض المتكلم من كلامه (٣). ولعلّ أولى الأقوال بالقبول ما ذهب إليه جمهور أهل اللغة، وهو القول بأن الفقه هو الفهم مطلقا؛ وذلك للأسباب التالية: ١ - مجيء لفظ (الفقه) في القرآن الكريم بمعنى الفهم مطلقا، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ (٤) بمعنى ما نفهم كثيرا من قولك (٥)، ومنه قوله جل وعلا عن الكفار: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٦)

стр. 37

أي لا يفهمون حديثاً بالكلية ولا يقربون من فهمه (١). ٢ - مجيء لفظ الفقه في الحديث النبوي الشريف بمعنى الفهم المطلق، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (٢) بمعنى يفهّمه (٣). ٣ - إن كتب اللغة ذكرت أن الفقه يأتي بمعنى الفهم المطلق، ولم تقيده بشيء آخر (٤). (ب) تعريف الفقه اصطلاحاً: عرّف الفقه في الاصطلاح بتعريفات كثيرة، لعل من أشهرها وأكثرها شيوعا وشمولا وصحة تعريفهم بأنه: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية» (٥). شرح التعريف وبيان محترازاته: العلم: هو معرفة الشيء على ما هو به (٦)، وهو جنس في التعريف، وما بعده قيود لإخراج ما ليس من الفقه (٧).

стр. 38

الأحكام: جمع حكم، وهو إسناد أمر إلى آخر سلباً أو إيجابا (١)، وهو قيد أول يدخل فيه الأحكام التكليفية والوضعية، ويخرج ما ليس بأحكام كالعلم بالذوات كزيد. والعلم بالصفات، كالسواد. والعلم بالأفعال، كالقيام (٢). الشرعية: أي المنسوبة إلى الشرع، وهو قيد ثان في التعريف لإخراج الأحكام غير الشرعية كالأحكام العرفية أو الحسابية أو الهندسية واللغوية وغيرها مما ليس شرعيّاً (٣). العملية: أي المتعلقة بما يصدر من الناس من أفعال كالصلاة والحج والبيع، وهو قيد ثالث لإخراج الأحكام الشرعية غير العملية، وهي الأحكام الاعتقادية (٤). من أدلتها: أي من أدلة الأحكام الشرعية، وهو قيد رابع ليخرج ما علم من غير دليل، كعلم المقلد الذي لم يجتهد في تحصيل الأحكام من الأدلة الشرعية (٥). التفصيلية: أي الأدلة المفصلة المعينة، وهو قيد خامس لإخراج الأدلة الإجمالية كمطلق الأمر ومطلق الإجماع، فالبحث فيها من شأن علم أصول الفقه (٦).

стр. 39

الفرع الثاني: تعريف (القاعدة الفقهية) باعتبارها علماً ولقبا: إن المتأمل في تعاريف الفقهاء للقاعدة يلاحظ أنهم سلكوا في ذلك مسلكين: المسلك الأول: وهم الذين عرفوا القاعدة بمعناها العام، من غير أن يقيدوها بالفقه، ومن ذلك تعريف عبد الوهاب السبكي حيث قال في تعريفها: «فالقاعدة: الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها» (١). المسلك الثاني: وهم الذين ميزوا القاعدة الفقهية عن المفهوم العام للقاعدة: وقد انقسم أصحاب هذا المسلك - من قدامى ومحدثين - إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: وهم الذين يرون أن القاعدة الفقهية كلية: وهذه بعض تعاريفهم: ١ - قال أبوعبد الله المقري (٢): «ونعني بالقاعدة: كل كليّ، هو أخص من

стр. 40

الأصول وسائر المعاني العقلية العامة، وأعمّ من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصة» (١). ٢ - قال مصطفى الزرقا (٢): «فالقواعد الفقهية هي: أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكاماً تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها» (٣). ٣ - قال عبد الرحمن الشعلان في تعريفها: «هي حكم كلي فقهي ينطبق على جزئيات كثيرة من أكثر من باب» (٤). ٤ - قال يعقوب الباحسين في تعريفها: «قضية كلية شرعية عملية، جزئياتها قضايا كلية شرعية عملية. أو: قضية فقهية كلية، جزئياتها قضايا فقهية كلية» (٥).

стр. 41

القسم الثاني: وهم الذين يرون أن القاعدة الفقهية أغلبية (أكثرية). وهذه بعض تعاريفهم: ١ - قال أحمد الحموي (١) في تعريف القاعدة عند الفقهاء: «حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منها» (٢). ٢ - قال أحمد بن حميد في تعريفها: «حكم أغلبي يتعرف منه حكم الجزئيات الفقهية مباشرة» (٣). القسم الثالث: وهم الذين يرون أن القاعدة الفقهية أعم من كونها كلية أو أغلبية: وممن ذهب إلى هذا الرأي: ١ - محمد الخادمي (٤)، حيث يقول: «خاتمة: في قواعد كلية أو أكثرية مهمة نافعة» (٥)، ثم ذكر مجموعة من القواعد الفقهية.

стр. 42

٢ - مصطفى المرادي الرومي (١)، حيث يقول في تعريف القاعدة: «وأما في الاصطلاح: فحكم كلي ينطبق على جميع جزئياته ليتعرف به أحكام الجزئيات والتي تندرج تحتها من الحكم ... قيل: هذا عند غير الفقهاء، وأما عندهم: فحكم أكثري ينطبق على أكثر جزئياته، لكن المختار كون القواعد أعم من أن تكون كلية أو أكثرية كما أشار إليه المصنف» (٢). ٣ - علي الندوي، حيث يقول: «إذاً فإن القاعدة أعم من أن تكون كلية أو أكثرية» (٣). وقال أيضا: «يمكن أن نعرف القاعدة الفقهية بأحد التعريفين: أحدها: بأنها حكم شرعي في قضية أغلبية يتعرف منها أحكام ما دخل تحتها. والثاني: أصل فقهي كلي يتضمن أحكاما تشريعية عامة من أبواب متعددة في القضايا التي تدخل تحت موضوعه» (٤). هذا ما تيسر ذكره من هذه التعاريف - في الأقسام الثلاثة -، ولا يظهر لي مانع من وصف القاعدة الفقهية بكلا الوصفين - أعني الكلية والأغلبية -. فإن

стр. 43

مَن وصفها بالكلية نظر إلى أن الأصل في القاعدة الكلية، كما نظر إلى معناها اللغوي. ومن وصفها بالأغلبية فنظرا إلى الفروع الفقهية التي خرجت عن القاعدة وشذت عنها، فأصبحت مستثناة منها (١)، وهذا لا ينافي وصفها بالكلية؛ «لأن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي؛ إذ المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت» (٢). وبناء على ذلك فإن هذه التعاريف - في الأقسام الثلاثة - كلها متقاربة تؤدي إلى معنى واحد، وإن اختلفت عباراتها. لكنها - أي هذه التعاريف - رغم ذلك لم تسلم من انتقادات واعتراضات لدى الباحثين المحدثين (٣). وأخشى أن يكون هذا من قبيل التكلف في الحدود والتعاريف الذي حذر منه العلماء، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: « .. وصاروا يعظمون أمر الحدود ويزعمون أنهم هم المحققون لذلك، وأن ما ذكره غيرهم من الحدود إنما هي لفظية، لا تفيد تعريف الماهية والحقيقة بخلاف حدودهم، ويسلكون الطرق الصعبة الطويلة والعبارات المتكلفة الهائلة، وليس لذلك فائدة إلا تضييع الزمان وإتعاب الأذهان وكثرة الهذيان .. ، وشغل النفوس بما لا ينفعها، بل قد يصدها عما لا بد منه» (٤).

стр. 44

وقال أيضا: «فإن القرون الثلاثة من هذه الأمة - الذين كانوا أعلم بني آدم علوما ومعارف - لم يكن تكلف هذه الحدود من عادتهم» (١). وقال: «وكذلك الحدود التي يتكلفها بعض الفقهاء للطهارة والنجاسة، وغير ذلك من معاني الأسماء المتداولة بينهم، وكذلك الحدود التي يتكلفها الناظرون في أصول الفقه لمثل الخبر والقياس والعلم وغير ذلك ... وإلى الساعة لم يسلم لهم حدّ» (٢). هذا وإن كان لا بد لي من اختيار تعريف للقاعدة الفقهية، فإني أختار أن يكون تعريف القاعدة الفقهية هو: «قضية كلية فقهية تنطبق على فروع كثيرة من عدة أبواب». شرح التعريف: قضية: وهي قول يحتمل الصدق والكذب لذاته (٣). كلية: أي القضية المحكوم على جميع أفراد موضوعها (٤). فقهية: نسبة إلى علم الفقه، وهو قيد يخرج جميع القواعد من الفنون الأخرى - غير الفقه - كالقاعدة النحوية والقاعدة الأصولية والقاعدة الحسابية. تنطبق: أي تُجْرى وتُعْمل على فروع.

стр. 45

على فروع: قيد يبين محل إعمال القاعدة الفقهية. من عدة أبواب: قيد يخرج الضابط الفقهي؛ لأنه يشمل فروعا تندرج تحت باب واحد. وعلى هذا فيمكن تعريف الضابط الفقهي بأنه: «قضية كلية فقهية تنطبق على فروع كثيرة من باب واحد». المطلب الثاني الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي أولاً: تعريف الضابط الفقهي: الضابط في اللغة: اسم فاعل من الضبط، وهو لزوم الشيء وحبسه، ويطلق على حفظ الشيء بحزم، يقال: (ضبطه ضبطا وضباطة) إذا حفظه بالحزم، ومنه قولهم: (رجل ضابط وضبنطي) بمعنى حازم (١). وأما تعريف الضابط الفقهي في الاصطلاح فقد تقدم تعريفه - في آخر المطلب السابق - بأنه: «قضية كلية فقهية تنطبق على فروع كثيرة من باب واحد» (٢). وهذا بناء على اصطلاح طائفة من العلماء في التفريق بين القاعدة والضابط؛ إذ إن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب مختلفة، والضابط يجمع فروعاً من باب واحد.

стр. 46

وقد درج على هذا الاصطلاح أكثر المتأخرين والمحدثين (١)، وإن كان قد يظهر منهم بعض التسامح وعدم الالتزام في التفريق بينهما في بعض الأحايين (٢). وبإزاء هؤلاء طائفة أخرى اصطلحت على عدم التفريق بين القاعدة والضابط، وإطلاق كل منهما على الآخر (٣). وعلى هذا يكون تعريف الضابط عندهم مرادفا لتعريف القاعدة. وقد درج على هذا الاصطلاح المتقدمون من أهل العلم (٤). ومهما يكن من أمر فإن القضية -كما ترى- اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح. ولا شك أن اصطلاح التفريق بينهما أوضح وأدق وأميز؛ لذا فإنه أصبح ... - أعني اصطلاح التفريق - متداولا شائعا لدى الفقهاء المتأخرين والباحثين في الفقه الإسلامي، فيفرقون الآن بين القاعدة والضابط في المجالات الفقهية (٥). وقد سرت في هذه الرسالة على هذا الاصطلاح.

стр. 47

ثانياً: الفروق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي: ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن القاعدة والضابط يشتركان في أن كلاًّ منهما قضية كلية فقهية تنطبق على جملة من الفروع الفقهية. كما أنهما يفترقان فيما يأتي: أولاً: إن القاعدة تجمع فروعا فقهية كثيرة من أبواب شتى، كقاعدة (اليقين لا يزول بالشك)، فإنه يندرج تحتها فروع كثيرة من أبواب شتى كالطهارة والصلاة والحج وغيرها، بينما الضابط يجمع فروعا من باب واحد فحسب، كقولهم: (الرهن أمانة في يد المرتهن غير مضمون)، فإنه ضابط فقهي يختص بباب الرهن، ولا يخرج عنه. فالقاعدة أعمّ وأشمل من حيث جمع الفروع وشمول المعاني، والضابط أخص وأضيق (١). ثانياً: إن القاعدة الفقهية أكثر شذوذا من الضابط الفقهي؛ لأن الضابط يضبط موضوعاً واحداً. فلا يتسامح فيه بشذوذ كثير (٢). ثالثاً: إن القاعدة الفقهية غالبا ما تكون محل اتفاق بين المذاهب الفقهية - من حيث الجملة - وإن اختلفوا في بعض فروعها، أما الضابط الفقهي فكثيرا ما يختص بمذهب معين، بل إنه قد يكون وجهة نظر لفقيه واحد في مذهب معين، يخالفه فيه فقهاء آخرون من نفس المذهب (٣).

стр. 48

المبحث الثاني دراسة موجزة عن الضمان وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول تعريف الضمان لغة واصطلاحا أولا: تعريف الضمان لغة: الضمان مصدر ضمنت الشيء أضمنه ضمانا (١). وهو مشتق من الضِّمن، والضاد والميم والنون أصل صحيح (٢)، وقد ذكر علماء اللغة عدة معان للضمان من أبرزها: ١ - الاحتواء والإيداع، وهو: جعل الشيء في شيء يحويه، ومن ذلك قولهم: ضمَّنت الشيء، إذا جعلته في وعائه، ويقال: ضمَّن الشيء الشيء، أي: أودعه إياه (٣). ٢ - الكفالة، تقول: ضمن الشيء ضمانا فهو ضامن وضمين: إذا كفله (٤). ٣ - الالتزام، تقول: ضمنت المال، أي: التزمته، ويتعدى بالتضمين، فتقول: ضمنته المال، بمعنى ألزمته إياه (٥).

стр. 49

أولا: ذكر بعض الباحثين (١) تعريفا نسبوه لأبي حامد الغزالي (٢) ﵀، فهموه واستنبطوه من كلامه في الضمان في كتابه الوجيز (٣). وهذا التعريف هو: «أن الضمان هو: وجوب ردّ الشيء أو أداء بدله بالمثل أو بالقيمة». - ويرد على هذا التعريف عدة اعتراضات، هي: ١ - أن هذا التعريف لا يصح نسبته للشيخ أبي حامد الغزالي على أنه تعريف للضمان؛ لأنه لم ينص على أنه تعريف للضمان، وإنما ذكره في الركن الثالث، وهو في الواجب في الضمان (٤). ٢ - أن هذا التعريف يحصر الضمان بالتعدي على الأموال دون التعدي على الأنفس، فيكون غير جامع لأفراد المعرَّف (٥). ٣ - أن هذا التعريف لا يشمل الضمان الناشئ عن العقد، الذي يذكره الفقهاء ضمن أسباب الضمان، وبهذا يكون التعريف غير جامع لأفراد مصطلح الضمان (٦).

стр. 50

٤ - التغريم، تقول: ضمنته الشيء تضمينا فتضمنه عني، إذا غرمته فالتزمه (١). ٥ - الحفظ والرعاية، قال ابن منظور (٢): «وفي الحديث: (الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن) (٣)، أراد بالضمان هنا معنى الحفظ والرعاية، لا ضمان الغرامة؛ لأنه يحفظ على القوم صلاتهم، وقيل: إن صلاة المقتدين به في عهدته، وصحتها مقرونة بصحة صلاته، فهو كالمتكفل لهم صحة صلاتهم» (٤). ثانيا: تعريف الضمان في اصطلاح الفقهاء: يطلق الضمان في الفقه الإسلامي ويراد به أحد المعنيين التاليين:

стр. 51

(١) المعنى الخاص: استعمل جمهور الفقهاء - المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) - كلمة الضمان بمعنى الكفالة، ويرون أنهما لفظان مترادفان، يطلق كل منهما على الآخر، ويراد بهما ما يعمّ ضمان المال وضمان النفس، وذلك عند التزام الكفيل بعقد الكفالة؛ لذلك تجدهم يعقدون للكفالة باباً في كتب الفقه بعنوان "الضمان". ولما كان تعريف الضمان بمعنى الكفالة لا يهمنا كثيراً في هذا البحث، وقد دُرس كثيرا من قبل الفقهاء المتقدمين والمتأخرين والباحثين المعاصرين؛ لذا فإني لا أجد داعيا لذكر تعريف الكفالة في هذا البحث. هذا، وينبغي أن يعلم أن هؤلاء الفقهاء الذين استعملوا الضمان بمعنى الكفالة لم يقصروه على هذا المعنى، بل استعملوه بالمعنى الأعمّ من ذلك، وهو الضمان مطلقاً، فهؤلاء الفقهاء إذا أطلقوا لفظ الضمان فإنما يريدون به أحد معنيين: الأول: عقد الكفالة. الثاني: الضمان بمعناه العام. (٢) المعنى العام: لقد عُرِّف الضمان بمفهومه العام بعدة تعريفات أذكرها مع ما يرد عليها من اعتراضات وملاحظات، ثم أذكر التعريف الراجح في نظري، وذلك كما يلي:

стр. 52

أولا: ذكر بعض الباحثين (١) تعريفا نسبوه لأبي حامد الغزالي (٢) ﵀، فهموه واستنبطوه من كلامه في الضمان في كتابه الوجيز (٣). وهذا التعريف هو: «أن الضمان هو: وجوب ردّ الشيء أو أداء بدله بالمثل أو بالقيمة». - ويرد على هذا التعريف عدة اعتراضات، هي: ١ - أن هذا التعريف لا يصح نسبته للشيخ أبي حامد الغزالي على أنه تعريف للضمان؛ لأنه لم ينص على أنه تعريف للضمان، وإنما ذكره في الركن الثالث، وهو في الواجب في الضمان (٤). ٢ - أن هذا التعريف يحصر الضمان بالتعدي على الأموال دون التعدي على الأنفس، فيكون غير جامع لأفراد المعرَّف (٥). ٣ - أن هذا التعريف لا يشمل الضمان الناشئ عن العقد، الذي يذكره الفقهاء ضمن أسباب الضمان، وبهذا يكون التعريف غير جامع لأفراد مصطلح الضمان (٦).

стр. 53

ثانياً: أورد أبو العباس الحموي تعريفا للضمان، فقال: «الضمان - كما عرف -: عبارة عن ردّ مثل الهالك إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان قيميا» (١). ثالثا: وشبيه به تعريف مجلة الأحكام العدلية، وهو: أنّ «الضمان إعطاء مثل الشيء إن كان من المثليات، وقيمته إن كان من القيميات» (٢). ويرد على هذين التعريفين عدة اعتراضات، منها: ١ - يرد عليهما ما ورد على التعريف المنسوب للغزالي في النقطتين الأخيرتين. ٢ - أن هذين التعريفين لا يشملان ضمان الغصب، وإنما يختصان بضمان المتلفات؛ لأنه قد يوجد المغصوب بعينه فيضمنه الغاصب برده لا بمثله ولا بقيمته، وبهذا يكون التعريف المنسوب للغزالي أعمّ من هذين التعريفين. رابعاً: التعريف الذي نقله أبو عبد الله الشوكاني (٣) ﵀ عن صاحب ضوء النهار:

стр. 54

وهو أن: «الضمان عبارة عن غرامة التالف» (١). وهو قريب من تعريف الحموي ومجلة الأحكام العدلية، إلا أنه لم يحدد الواجب في الضمان، ويرد عليه ما يرد على هذين التعريفين من اعتراضات، إلا أنه لا يختص - فيما يظهر لي - بالتعدي على الأموال، بل يشمل التعدي على الأنفس، فيكون بهذا أعمّ من التعاريف السابقة من هذه الحيثية. خامساً: تعريف علي الخفيف (٢): قال ﵀: «والضمان بمعناه الأعمّ في لسان الفقهاء هو: شغل الذمة بما يجب الوفاء به من مال أو عمل» (٣). ثم بين مراده منه بقوله: «والمراد ثبوته فيها مطلوبا أداؤه شرعا عند تحقق شرط أدائه، سواء أكان مطلوبا أداؤه في الحال كالدين الحالّ، أم في الزمن المستقبل المعين كالدين المؤجل إلى وقت معين؛ إذ هو مطلوب أداؤه إذا ما تحقق شرط أدائه، وكالمبيع في يد من اشتراه بعقد فاسد، فإنّ ضمانه على مشتريه ما دام في يده، يضمنه بقيمته إذا هلك لبائعه» (٤).

стр. 55

وبهذا يكون التعريف شاملا لما يضمنه الشخص نتيجة إلزام الشارع، أو التزام المكلف، أو بما وجب بفعلٍ أو تركٍ غير مشروعين. سادساً: تعريف مصطفى الزرقا، قال الشيخ: «الضمان: التزام بتعويض مالي عن ضرر للغير» (١). وهو أوجز التعاريف وأخصرها، إلا أنه يرد عليه بعض الاعتراضات، وهي: ١ - أنه ذكر أن الضمان التزام، وهذه الكلمة لا تشمل جميع أسباب الضمان، وإنما تختص بالضمان بسبب العقد فحسب، فيكون التعريف غير جامع. ٢ - أنه قصر الضمان الالتزامي على التعويض المالي، وهذا مخالف للضمان بمعناه الأعمّ الذي يشمل ضمان النفس. ٣ - أن كلمة (تعويض) في التعريف لا تشمل - في نظري - الضمان برد العين إذا كانت باقية بحالها لم تتغير بزيادة أو نقص. سابعاً: تعريف الدكتور وهبة الزحيلي: قال الدكتور وهبة: «ويمكننا تعريف الضمان بما يتلاءم مع عموم نظريته الشاملة للمسئوليتين المدنية والجنائية بما يأتي: وهو الالتزام بتعويض الغير عما لحقه من تلف المال أو ضياع المنافع أو عن الضرر الجزئي أو الكلي الحادث بالنفس الإنسانية» (٢). ويرد على هذا التعريف ما ورد على تعريف الزرقا من اعتراضات، إلا أنه لم يقيد التعويض بكونه ماليا، وبهذا يكون تعريف الزحيلي أعمّ من تعريف الزرقا.

стр. 56

ثامناً: تعريف الدكتور محمد فوزي: قال الدكتور محمد: «ويمكن القول في تعريفه إنه: شغل الذمة بحق أو بتعويض عن ضرر» (١). ويرد على هذا التعريف أن فيه تكرارا، حيث إن التعويض عن الضرر حق ثبت في الذمة فلا حاجة لإعادة ذكره. تاسعاً: تعريف الدكتور محمد أحمد سراج: قال الدكتور محمد سراج: «والتعريف الذي أستخلصه من هذه الملاحظات السابقة وأجده أوفق لمقصود هذا البحث وأوضح في الدلالة عليه من غيره أن الضمان هو: شغل الذمة بحق ماليّ أوجب الشارع أداءه جبراً لضرر لَحق بالغير في ماله أو بدنه أو شعوره، سواء نشأ هذا الضرر بمخالفة العقد أو شرط من شروطه أو بارتكاب فعل أو ترك حرّمه الشارع ذاتا أو مآلا» (٢). ويلاحظ على هذا التعريف ما يلي: ١ - أن عبارة (بحق ماليّ) في التعريف تخرج ضمان النفس، وبهذا يكون التعريف غير جامع. ٢ - أنه فصّل في ذكر ما يسبب الضمان، مما جعل التعريف طويلا، في حين أنه كان بإمكانه أن يذكر عبارة مختصرة تشمل جميع أسباب الضمان كما فعل ذلك الشيخ علي الخفيف (٣).

стр. 57

عاشراً: تعريف الدكتور عبدالله الدرعان: قال الدكتور عبدالله الدرعان: «يمكننا تعريفه بما هو أظهر، فنقول: هو التزام بتعويض الغير عما لحقه من ضرر في ماله أو نفسه» (١). وهذا التعريف مستل ومختصر من تعريف الزحيلي، وعليه فإنه يرد عليه ما ورد على تعريف الزحيلي من انتقادات. التعريف الراجح: وبعد هذه الجولة العامة على ما وقفت عليه من تعاريف للضمان بمعناه العام وذكرٍ لما يرد عليها من ملاحظات واعتراضات تبيّن لي أن أقرب هذه التعاريف لمعنى الضمان بمفهومه العام هو تعريف الأستاذ علي الخفيف، وهو: «شغل الذمة بما يجب الوفاء به من مال أو عمل». وقد تمّ اختيار هذا التعريف للأسباب التالية: ١ - أنه عبّر بـ (شغل الذمة)، وهذا يشمل أسباب الضمان كلها. ٢ - أنه عبّر بـ (ما يجب الوفاء به)، وهذا يشمل أنواع الضمان كلها. ٣ - أن قوله (شغل الذمة) يخرج الحوالة؛ لأنها براءة ذمة. ٤ - وبهذا يكون التعريف جامعا مانعا. ٥ - سلامة التعريف من الاعتراضات والملاحظات. ملاحظتان مهمتان حول تعريف الضمان بمعناه العام: ١ - أن الفقهاء ﵏ لم يخصصوا للضمان بمعناه العام بابا مفردا في كتبهم كما فعلوا في الضمان بمعناه الخاص، بل بثّوا مسائله وأحكامه في ثنايا

стр. 58

الكتب والأبواب والفصول الفقهية؛ ككتاب الغصب والوديعة والعارية والرهن وغيرها، بل تجاوز ذلك إلى العبادات، كأحكام الكفارات والفدية وغيرهما؛ ذلك لأن الضمان بمفهومه العام يتعلق بأغلب المسائل الفقهية من أبواب شتى من عبادات ومعاملات (١). ٢ - أن الضمان بمعناه العام لا يتعلق بما وجب على المرء من عقوبة أو جزاء؛ لأن هذه العقوبات لا تجب في الذمة إلا إذا كانت غرامة مالية كالكفارات (٢). المطلب الثاني الألفاظ ذات الصلة بالضمان هناك ألفاظ ذات صلة بالمعنى المترتب على لفظ الضمان، أذكر منها ما له صلة وثيقة به، وذلك على النحو الآتي: أولا: الالتزام: الالتزام في اللغة: مأخوذ من مادة (لزم)، واللام والزاي والميم أصل واحد صحيح يدل على الثبوت والدوام. والالتزام الاعتناق، يقال: لزم الشيء يلزم لزوما، بمعنى ثبت ودام، ويقال: لزمه المال: وجب عليه. ولزمه الطلاق: وجب حكمه، وهو قطع الزوجية، وألزمته المال والعمل وغيره فالتزمه، والتزمته اعتنقته، فهو مُلْتَزَم (٣).

стр. 59

الالتزام في الاصطلاح: ذكر الفقهاء للالتزام عدة تعريفات، أذكر منها ثلاثة على وجه الاختيار: ١ - قال أبو عبدالله بن قيم الجوزية (١): «الالتزام تارة يكون بصريح الإيجاب، وتارة يكون بالوعد، وتارة يكون بالشروع، كشروعه في الجهاد والحج والعمرة» (٢). وهذه العبارة وإن لم تكن على صياغة التعريفات المعهودة إلا أنها أعطت مفهوما شاملا لمعنى الالتزام. ٢ - عرف أبو العباس الحموي الالتزام بأنه: إلزام المرء نفسه ما لم يكن لازما لها (٣). ٣ - قال مصطفى الزرقا: الالتزام هو: كون الشخص مكلفا بفعل أو امتناع عن فعل لمصلحة غيره (٤).

стр. 60

وجه الصلة بين الضمان والالتزام: أن الضمان قد يكون نتيجة التزام الضامن به كما في عقد الكفالة، وبهذا يكون الضمان أعمّ من الالتزام من هذا الوجه؛ لأن الضمان قد يكون بالالتزام وقد يكون بالإتلاف وغير ذلك من أسباب الضمان (١)، كما أن الالتزام ليس مختصا بالضمان، فقد يلتزم بالبيع أو الإجارة أو النذر أو النفقة ... إلى غير ذلك من الالتزامات (٢). ثانيا: العقد: العقد لغة: العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شدّ وشِدّة وثوق وربط وعهد، ويطلق على الأشياء المحسوسة نحو: عقدت الحبل، إذا ربطت بعضه ببعض، ويطلق على الأشياء المعنوية على سبيل المجاز، كعقد اليمين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٣)، وعقدة النكاح وكل شيء: وجوبه وإبرامه، والعقدة في البيع: إيجابه (٤). العقد اصطلاحاً: يطلق الفقهاء كلمة (عقد) في اصطلاحهم على معنيين: أحدهما: المعنى الخاص المشهور. وقد عُرِّف بهذا المعنى بتعاريف كثيرة (٥) من أحسنها أنه: «ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يظهر أثره في محله» (٦).

стр. 61

والثاني: وهو أعم من الأول؛ إذ لا يلزم وجود طرفين له، بل إنه قد ينشأ بتصرف انفرادي، فهو يشمل الربط الحاصل بين جانبين كالبيع والإجارة، كما يشمل التصرفات التي تتم من قِبَل طرف واحد كالنذر والهبة والوصية؛ لما فيها من العزم وعقد الإرادة على تنفيذها (١). وجه الصلة بين الضمان والعقد: أن من أنواع العقد عقود الضمان والكفالة، كما أنه قد يترتب على العقد الضمان - وإن لم يكن عقد كفالة - كضمان تسليم المبيع وعيوبه الخفية من البائع للمشتري في عقد البيع. وبهذا يكون العقد أعمّ من الضمان؛ لأنه قد يكون عقد ضمان، وقد يكون غير ذلك كعقد الوديعة والشركة وغير ذلك. وكذلك الضمان لا يختص بالعقد، بل هناك أسباب أخرى للضمان كالإتلاف وإلزام الشارع وغير ذلك (٢). ثالثا: العهدة: العهدة في اللغة: من عهد، والعين والهاء والدال: أصل هذا الباب يدل على معنى واحد هو الاحتفاظ بالشيء وإحداث العهد به، والعهدة وثيقة المتبايعين؛ لأنه يرجع إليها عند الالتباس (٣).

стр. 62

والعهدة في الاصطلاح: تطلق على ضمان الدرك أو ضمان العهدة، وهو: «ضمان الثمن للمشتري إن خرج المبيع مستحقا أو معيبا أو ناقصا» (١)، والمراد بالمستحق كما لو تبين أن المبيع مملوك لغير البائع أو مرهون (٢). وجه الصلة بين الضمان والعهدة: أن ضمان العهدة أحد أنواع الضمان بمفهومه العام، وبهذا يكون الضمان أعمّ من العهدة. رابعا: التصرف: التصرف لغة: من صرف، وهو يدل على رجع الشيء، والتصرف هو التقليب، تقول: صرفته في الأمر تصريفا فتصرف، أي: قلبته فتقلب، ومنه سمي حدث الدهر صرفا؛ لأنه يتصرف بالناس، أي: يقلبهم ويرددهم (٣). التصرف في اصطلاح الفقهاء: هو كل ما يصدر عن الشخص من قول أو فعل، ويترتب عليه حكم شرعي (٤). وجه الصلة بين الضمان والتصرف: إن الضمان من التصرفات. فالتصرف أعمّ من الضمان؛ لأنه يوجد من التصرفات ما ليس بضمان.

стр. 63

خامساً: التعويض: التعويض لغة: مأخوذ من العوض، وهو البدل والخلف (١). والتعويض اصطلاحاً: ذكر الفقهاء المعاصرون تعاريف كثيرة لمعنى التعويض من أحسنها أنه: «المال الذي يحكم به على من أوقع ضررا على غيره في نفس أو مال» (٢). وجه الصلة بين الضمان والتعويض: أولاً: أن التعويض نتيجة للضمان. ثانياً: أن التعويض لا يجب إلا إذا وقع الضرر، أما الضمان فقد يلتزمه الشخص قبل وقوع الضرر، وبهذا يكون التعويض نتيجة للضمان وأثراً من آثاره. المطلب الثالث مشروعية الضمان ثبتت مشروعية الضمان بمعناه العام بأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع العلماء، أذكر منها ما يلي: أولاً: القرآن الكريم: ١ - قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣). وجه الدلالة: أن الله تعالى أباح لمن اعتُدي عليه في نفس أو مال أن يأخذ حقه من المعتدي بأن يعتدي عليه، ولكن بالمثل.

стр. 64

قال أبو بكر ابن العربي (١): «قال علماؤنا: وهذا دليل على أن لك أن تبيح دم من أباح دمك، وتحلّ مال من استحلّ مالك»، ثم قال: «وأما من أخذ مالك فخذ ماله إذا تمكنت منه، إذا كان من جنس مالك: طعاما بطعام، وذهبا بذهب» (٢). وقال عبدالرحمن السعدي (٣) عند هذه الآية: «جميع ما أمر الشرع باحترامه فمن تجرأ عليه فإنه يقتص منه ... ومن أخذ مال غيره المحترم أخذ منه بدله» (٤). ٢ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٥). وجه الدلالة: أن الله تعالى أجاز لمن وقعت عليه العقوبة في نفس أو مال بغير وجه حق أن يستوفي بدلها بالمثل.

стр. 65

وقد فسرها طائفة من التابعين (١) بقولهم: «إن أخذ منك رجل شيئا فخذ منه مثله». وقال ابن جرير الطبري (٢) في تفسير هذه الآية: «في آية محكمة أمر الله تعالى ذكره عباده أن لا يتجاوزوا فيما وجب لهم قبل غيرهم من حق من مال أو نفس» (٣). وقال أبو عبد الله الشوكاني عند تفسيره هذه الآية - بعد أن نقل كلاما لابن جرير الطبري وصوبه -: «لأن الآية وإن قيل إن لها سببا خاصا - كما سيأتي - فالاعتبار بعموم اللفظ» (٤). ٣ - قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٥). وجه الدلالة: أن الله بيَّن أن جزاء من عمل عملا سيئاً في بدن أو مال أن يقتصّ منه مثل ما فعل. قال عبدالرحمن السعدي في تفسيره هذه الآية: «جزاء السيئة سيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص: فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله» (٦).

стр. 66

٤ - قال تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١). وجه الدلالة: أن أحد عمال الملك تكفل بضمان حمل البعير الذي جعل لمن جاء بصواع الملك، وذلك بقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وهذا يدل على جواز الضمان. وقد فسر عبدالله بن عباس (٢) ﵄ وغيره من التابعين كلمة ﴿زَعِيمٌ﴾ بالكفيل (٣). وقال أبو عبد الله القرطبي (٤): «والزعيم والكفيل والحميل والضمين والقبيل سواء، والزعيم: الرئيس» (٥).

стр. 67

وقال عماد الدين ابن كثير (١): ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ﴾ وهذا من باب الجعالة، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ وهذا من باب الضمان والكفالة» (٢). ثانياً: السنة النبوية: ١ - عن أنس بن مالك (٣) ﵁ أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة (٤) فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمّها وجعل فيها الطعام، وقال: (كلوا)، وحبس الرسولَ والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة. وفي لفظ آخر أنه قال: (طعام بطعام، وإناء بإناء) (٥).

стр. 68

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أوجب على كاسرة الإناء ضمان الإناء الذي أتلفته والطعام الذي كان فيه. ٢ - إن ناقة للبراء بن عازب (١) ﵁ دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ألزم أصحاب المواشي بضمان ما أتلفته مواشيهم من الزرع ليلا. ٣ - عن صفوان بن أمية (٣) ﵁ أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم خيبر

стр. 69

أدرعا (١) فقال: أغَصباً يا محمد؟ فقال: (بل عارية مضمونة)، قال: فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ التزم لصفوان بضمان العارية التي استعارها منه، فلما ضاع بعض العارية وأراد النبي ﷺ أن يضمنها عفا عنها صفوان ﵁. ثالثا: الإجماع: ويمكن أن يستدل بالإجماع من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: لا خلاف بين العلماء على تضمين المثل في المطعومات والمشروبات والموزونات، واختلفوا فيمن استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن، هل تضمن بالمثل أو بالقيمة (٣). توضيحه: يفهم من هذا أن العلماء متفقون على وجوب الضمان هنا، وإن اختلفوا في كيفية الضمان بالنسبة للحيوان والعروض التي لا تكال ولا توزن.

стр. 70

الوجه الثاني: أجمع العلماء على تحريم أموال المسلمين والمعاهدين بغير حق (١). توضيحه: أنه إذا كانت الأموال مصونة في الشريعة الإسلامية فإنه يجب على من أخذها بغير حق أو أتلفها أن يضمنها. الوجه الثالث: أجمع المسلمون على جواز الضمان الشخصي وهو عقد الكفالة (٢). توضيحه: أن عقد الكفالة أحد أنواع الضمان بمعناه العام، وقد أجمع المسلمون على جوازه. المطلب الرابع أركان (٣) الضمان المراد بأركان الضمان: أجزاؤه التي لا يجب الضمان إلا بوجودها، وهي: التعدي، والضرر، والإفضاء. فلا يتحقق الضمان إلا إذا وجد التعدي المنشئ للضرر (٤).

стр. 71

وقد تكلم الفقهاء قديما على هذه الأركان، إلا أنها جاءت مشتتة وموزعة في أماكن متفرقة من كتبهم، وذلك على طريقتهم في التأليف آنذاك، بخلاف الفقهاء المتأخرين، فإنهم عنوا بترتيبها وجمعها في مكان واحد. هذا، وقد سمّاها بعض الباحثين بالأركان كما فعلت، وعبّر عنها البعض الآخر بالشروط (١)؛ ولعل ذلك يرجع إلى طريقة الباحث في ترتيب بحثه وتنظيمه، أو أنه من باب التغليب، والقضية اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح. إلا أن «الواقع أن (الضرر): هو العلة المؤثرة في وجوب الضمان، و (التعدي): هو السبب في الضمان والعلة في حدوث الضرر، و (الإفضاء): هو شرط في السبب أو العلة يؤول إلى انتفاء المانع» (٢). ويمكن توضيح هذه الأركان فيما يلي: الركن الأول: التعدي: يمكن توضيح التعدي في النقاط التالية: أولاً: تعريف التعدي: التعدي لغة: هو الظلم وتجاوز الحدّ، ويطلق على تجاوز الشيء إلى غيره (٣)، وقال الرازي (٤): «العَدْو هو التعدي في الأمور وتجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه،

стр. 72

يقال: عدا عليه عدواً وعدوانا وعديا واعتداء وتعديا: إذا ظلمه ظلما مجاوزا للحدِ» (١). التعدي في اصطلاح الفقهاء: ذكر الفقهاء والباحثون تعاريف كثيرة للتعدي، من أبرزها ما يأتي: ١ - التعدي عند المالكية أعمّ من الغصب، فهو يشمل التعدي في الأموال والفروج والنفوس والأبدان. والتعدي في الأموال عندهم على أنواع: الأول: أخذ الرقبة، وهو الغصب، وتعريفه عندهم: «أخذ مال غير منفعة ظلما وقهرا لا لخوف قتال» (٢). الثاني: غصب المنفعة دون قصد تملك رقبته. وقد عرَّف بعضهم التعدي بهذا المعنى، فقال: هو «التصرف في الشيء بغير إذن ربه دون قصد تملكه» (٣). الثالث: الاستهلاك بإتلاف الشيء، ويجري مجراه التسبب في التلف. الرابع: إتلاف بعض أجزاء الشيء (٤).

стр. 73

٢ - عرّفه ابن نجيم الحنفي (١) ﵀ بأنه «الفعل الضارّ بدون حقّ أو جواز شرعي» (٢). ٣ - عرّفه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ بأنه: «فعل ما لا يجوز من التصرفات أو الاستعمالات» (٣). ٤ - قال الأستاذ مصطفى الزرقا: «وأما التعدي فيستعمل في معنيين يجب التمييز بينهما، وتحديد أي منهما هو المراد في هذا المقام: * فالمعنى الأول للتعدي هو المجاوزة الفعلية إلى حق الغير أو ملكه المعصوم. * والمعنى الثاني الذي قد يعبر عنه بالتعدي هو العمل المحظور في ذاته شرعا، بقطع النظر عن كونه متجاوزا على حدود الغير أم لا. فالتعدي بالمعنى الأول (التجاوز) هو المقصود هنا في هذا المقام» (٤). ٥ - عرّف الدكتور محمد فوزي التعدي بأنه: «مجاوزة ما ينبغي أن يقتصر عليه شرعاً أو عرفا أو عادة» (٥).

стр. 74

والشطر الأول من هذا التعريف -وهو قوله: (مجاوزة ما ينبغي أن يقتصر عليه) - مأخوذ من تعريف الرازي الذي سبق أن ذكرته في التعريف اللغوي للتعدي. ٦ - قال الدكتور وهبة الزحيلي عن الاعتداء أو التعدي: «ويراد به عند الفقهاء: معنى الظلم والعدوان ومجاوزة الحق، وضابطه: هو انحراف عن السلوك المألوف للرجل المعتاد، أو أنه العمل الضار بدون حق أو جواز شرعي، كما قال ابن نجيم في الأشباه» (١). ٧ - قال الدكتور سليمان محمد أحمد: «ولكن الاستعمال الكثير والسائد عند الفقهاء أنهم يقصدون بالتعدي أو الاعتداء: إحداث عمل لم يأذن الشرع فيه. وبعبارة أخرى: إحداث عمل لم يكن للشخص حق فعله» (٢). هذا ما يسّر الله لي الوقوف عليه من تعاريف لمصطلح التعدي. ملاحظاتي حول هذه التعاريف: ١ - بحثت في كتب المذاهب الفقهية عن تعريف اصطلاحي للتعدي فلم أجد من عرَّفها سوى فقهاء المذهب المالكي وابن نجيم الحنفي. وسبب ذلك - والله أعلم - أنهم اكتفوا بمعناه اللغوي، خاصة وأن أغلب التعاريف التي وقفت عليها راجعة إلى المعنى اللغوي. ٢ - ذكر فقهاء المذهب المالكي للتعدي تعريفات وإطلاقات إلا أنها خاصة في المذهب المالكي فيما يظهر؛ لأني لم أجد من وافقهم على هذا من علماء المذاهب الأخرى. ٣ - إن التمييز بين المعنيين الذين ذكرهما الأستاذ مصطفى الزرقا جيد وواضح، وبه يزول الاشتباه الواقع بين المعنيين.

стр. 75

٤ - إن في تعريف الفقيه ابن نجيم الحنفي تكرارا حسب نظري؛ ذلك أن قوله (أو جواز شرعي) مستفاد من قوله (بدون حق)، فأغنى عنه، والله أعلم. ٥ - إن تعريف الشيخ عبدالرحمن السعدي قد يفهم منه المعنى الثاني الذي ذكره الأستاذ مصطفى الزرقا، وهو غير مراد هنا، ولكن قد يعتذر للشيخ السعدي بأنه كتبه في سياق ذكره الفرق بين التعدي والتفريط (١). ٦ - إن الشطر الأول من تعريف الدكتور محمد فوزي - وهو قوله: (مجاوزة ما ينبغي أن يقتصر عليه) - مأخوذ من تعريف الرازي (٢) الذي سبق أن ذكرته في التعريف اللغوي للتعدي. ٧ - إن الدكتور وهبة الزحيلي ذكر معنيين لضابط التعدي: الأول منهما: فيه إيهام وعدم وضوح، لا سيما وأنه لم يقم بشرح تعريفه، ولم يبين لنا المراد من بعض العبارات الموهمة كقوله: (السلوك المألوف) و (الرجل المعتاد). وأما الثاني منهما: فهو تعريف الفقيه ابن نجيم الحنفي، وقد ذكرت آنفا ما يرد عليه من اعتراض. ٨ - يبقى لنا - بعد ذلك - التعريفات والإطلاقات التي ذكرها كل من: فقهاء المالكية والأستاذ الزرقا والدكتور محمد فوزي والدكتور سليمان أحمد، وهذه التعاريف وإن اختلفت عباراتها فهي - في نظري - تصب في المعنى اللغوي للتعدي ولا تخرج عنه (٣).
следующие страницы →