← Каваид фикха

Каваид фикха · id 559

القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي

حمد الهاجري

Полный текст (737 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد تكلم الفقهاء قديما على هذه الأركان، إلا أنها جاءت مشتتة وموزعة في أماكن متفرقة من كتبهم، وذلك على طريقتهم في التأليف آنذاك، بخلاف الفقهاء المتأخرين، فإنهم عنوا بترتيبها وجمعها في مكان واحد. هذا، وقد سمّاها بعض الباحثين بالأركان كما فعلت، وعبّر عنها البعض الآخر بالشروط (١)؛ ولعل ذلك يرجع إلى طريقة الباحث في ترتيب بحثه وتنظيمه، أو أنه من باب التغليب، والقضية اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح. إلا أن «الواقع أن (الضرر): هو العلة المؤثرة في وجوب الضمان، و (التعدي): هو السبب في الضمان والعلة في حدوث الضرر، و (الإفضاء): هو شرط في السبب أو العلة يؤول إلى انتفاء المانع» (٢). ويمكن توضيح هذه الأركان فيما يلي: الركن الأول: التعدي: يمكن توضيح التعدي في النقاط التالية: أولاً: تعريف التعدي: التعدي لغة: هو الظلم وتجاوز الحدّ، ويطلق على تجاوز الشيء إلى غيره (٣)، وقال الرازي (٤): «العَدْو هو التعدي في الأمور وتجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه،

стр. 72

يقال: عدا عليه عدواً وعدوانا وعديا واعتداء وتعديا: إذا ظلمه ظلما مجاوزا للحدِ» (١). التعدي في اصطلاح الفقهاء: ذكر الفقهاء والباحثون تعاريف كثيرة للتعدي، من أبرزها ما يأتي: ١ - التعدي عند المالكية أعمّ من الغصب، فهو يشمل التعدي في الأموال والفروج والنفوس والأبدان. والتعدي في الأموال عندهم على أنواع: الأول: أخذ الرقبة، وهو الغصب، وتعريفه عندهم: «أخذ مال غير منفعة ظلما وقهرا لا لخوف قتال» (٢). الثاني: غصب المنفعة دون قصد تملك رقبته. وقد عرَّف بعضهم التعدي بهذا المعنى، فقال: هو «التصرف في الشيء بغير إذن ربه دون قصد تملكه» (٣). الثالث: الاستهلاك بإتلاف الشيء، ويجري مجراه التسبب في التلف. الرابع: إتلاف بعض أجزاء الشيء (٤).

стр. 73

٢ - عرّفه ابن نجيم الحنفي (١) ﵀ بأنه «الفعل الضارّ بدون حقّ أو جواز شرعي» (٢). ٣ - عرّفه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ بأنه: «فعل ما لا يجوز من التصرفات أو الاستعمالات» (٣). ٤ - قال الأستاذ مصطفى الزرقا: «وأما التعدي فيستعمل في معنيين يجب التمييز بينهما، وتحديد أي منهما هو المراد في هذا المقام: * فالمعنى الأول للتعدي هو المجاوزة الفعلية إلى حق الغير أو ملكه المعصوم. * والمعنى الثاني الذي قد يعبر عنه بالتعدي هو العمل المحظور في ذاته شرعا، بقطع النظر عن كونه متجاوزا على حدود الغير أم لا. فالتعدي بالمعنى الأول (التجاوز) هو المقصود هنا في هذا المقام» (٤). ٥ - عرّف الدكتور محمد فوزي التعدي بأنه: «مجاوزة ما ينبغي أن يقتصر عليه شرعاً أو عرفا أو عادة» (٥).

стр. 74

والشطر الأول من هذا التعريف -وهو قوله: (مجاوزة ما ينبغي أن يقتصر عليه) - مأخوذ من تعريف الرازي الذي سبق أن ذكرته في التعريف اللغوي للتعدي. ٦ - قال الدكتور وهبة الزحيلي عن الاعتداء أو التعدي: «ويراد به عند الفقهاء: معنى الظلم والعدوان ومجاوزة الحق، وضابطه: هو انحراف عن السلوك المألوف للرجل المعتاد، أو أنه العمل الضار بدون حق أو جواز شرعي، كما قال ابن نجيم في الأشباه» (١). ٧ - قال الدكتور سليمان محمد أحمد: «ولكن الاستعمال الكثير والسائد عند الفقهاء أنهم يقصدون بالتعدي أو الاعتداء: إحداث عمل لم يأذن الشرع فيه. وبعبارة أخرى: إحداث عمل لم يكن للشخص حق فعله» (٢). هذا ما يسّر الله لي الوقوف عليه من تعاريف لمصطلح التعدي. ملاحظاتي حول هذه التعاريف: ١ - بحثت في كتب المذاهب الفقهية عن تعريف اصطلاحي للتعدي فلم أجد من عرَّفها سوى فقهاء المذهب المالكي وابن نجيم الحنفي. وسبب ذلك - والله أعلم - أنهم اكتفوا بمعناه اللغوي، خاصة وأن أغلب التعاريف التي وقفت عليها راجعة إلى المعنى اللغوي. ٢ - ذكر فقهاء المذهب المالكي للتعدي تعريفات وإطلاقات إلا أنها خاصة في المذهب المالكي فيما يظهر؛ لأني لم أجد من وافقهم على هذا من علماء المذاهب الأخرى. ٣ - إن التمييز بين المعنيين الذين ذكرهما الأستاذ مصطفى الزرقا جيد وواضح، وبه يزول الاشتباه الواقع بين المعنيين.

стр. 75

٤ - إن في تعريف الفقيه ابن نجيم الحنفي تكرارا حسب نظري؛ ذلك أن قوله (أو جواز شرعي) مستفاد من قوله (بدون حق)، فأغنى عنه، والله أعلم. ٥ - إن تعريف الشيخ عبدالرحمن السعدي قد يفهم منه المعنى الثاني الذي ذكره الأستاذ مصطفى الزرقا، وهو غير مراد هنا، ولكن قد يعتذر للشيخ السعدي بأنه كتبه في سياق ذكره الفرق بين التعدي والتفريط (١). ٦ - إن الشطر الأول من تعريف الدكتور محمد فوزي - وهو قوله: (مجاوزة ما ينبغي أن يقتصر عليه) - مأخوذ من تعريف الرازي (٢) الذي سبق أن ذكرته في التعريف اللغوي للتعدي. ٧ - إن الدكتور وهبة الزحيلي ذكر معنيين لضابط التعدي: الأول منهما: فيه إيهام وعدم وضوح، لا سيما وأنه لم يقم بشرح تعريفه، ولم يبين لنا المراد من بعض العبارات الموهمة كقوله: (السلوك المألوف) و (الرجل المعتاد). وأما الثاني منهما: فهو تعريف الفقيه ابن نجيم الحنفي، وقد ذكرت آنفا ما يرد عليه من اعتراض. ٨ - يبقى لنا - بعد ذلك - التعريفات والإطلاقات التي ذكرها كل من: فقهاء المالكية والأستاذ الزرقا والدكتور محمد فوزي والدكتور سليمان أحمد، وهذه التعاريف وإن اختلفت عباراتها فهي - في نظري - تصب في المعنى اللغوي للتعدي ولا تخرج عنه (٣).

стр. 76

وهو ما حدا فقهاء المذاهب الثلاثة - الحنفية والشافعية والحنابلة - إلى عدم ذكر التعريف الاصطلاحي للتعدي - كما قدمته أولاً - مع كثرة اهتمامهم وعنايتهم بذكر المصطلحات والتعاريف، والله تعالى أعلم. ثانيا: حكم التعدي على الأموال: لا ريب أن للمال حرمة عظيمة في الشريعة الإسلامية، فهو أحد الضروريات الخمس التي لا تستقيم مصالح الدنيا إلا بها، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (١). ولهذا فقد شرع الله كثيرا من الوسائل والأحكام التي تقوم على حفظ المال ورعايته، ومن بينهما تحريم الاعتداء عليها، ووجوب ضمان الضرر الواقع عليها بالتعدي، فالتعدي أحد أركان الضمان التي لا يتحقق إلا بوجودها (٢). والأدلة على ذلك كثيرة، أذكر منها: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في تفسير هذه الآية: «ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وهذا يشمل أكلها بالغصوب والسرقات وأخذها بالقمار والمكاسب الرديئة» (٤).

стр. 77

٢ - عن أبي بكرة (١) ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) (٢). ٣ - أجمع أهل العلم على أن الله حرم أموال المسلمين والمعاهدين بغير حق (٣). ثالثا: حدّ التعدي: من القواعد الفقهية المقررة لدى أهل العلم أن كل اسم ليس له حدّ في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف (٤) (٥). ومن ذلك التعدي. فإنه لم يرد له ضابط في اللغة ولا في الشرع، وإنما مرجعه إلى العرف والعادة، فما عُدَّ تعديا عادة وعرفا كان كذلك شرعا وأنيط

стр. 78

الحكم به ولزم به الضمان (١)، وذلك بغض النظر عن نوع الأهلية في شخص المعتدي وقصده. فلا فرق في ضمان الأموال بين العمد والخطأ (٢)، ولا بين الصغير والكبير، ولا بين المجنون والعاقل (٣) (٤). الركن الثاني: الضر ر: سيكون إيضاح هذا الركن في الأمور التالية: أولاً: تعريف الضرر لغة وشرعاً: الضرر لغة: يطلق على عدة معان، منها: ما كان ضد النفع، والضيق والشدة والأذى، كما يطلق على النقصان يدخل في الشيء، ومنه النقص في الأموال والأنفس (٥).

стр. 79

الضرر شرعاً: عرف الضرر بعدة تعاريف (١)، لا تختلف كثيرا عن معناها اللغوي إلا بزيادة إيضاح، ومن هذه التعاريف قول بعضهم: إن الضرر هو «إلحاق مفسدة بالغير» (٢). ومن أوضح هذه التعاريف وأقربها إلى موضوع البحث - الضمان - أن الضرر هو: «كل إيذاء يلحق الشخص في ماله أو جسمه أو عرضه أو سمعته» (٣). هذا، وقد يكون الضرر بالقول كالسب والرجوع عن الشهادة بعد صدور الحكم، كما قد يكون بالفعل الإيجابي كالضرب والإحراق والترويع، وقد يكون بالفعل السلبي كالامتناع عن إطعام المضطر أو إغاثة الغريق (٤). ثانيا: أنواع الضرر (٥): (١) الضرر المادي: وينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الضرر المالي، وهو الضرر الذي يلحق بالمال، سواء كان حيواناً أم منقولاً أم عقاراً أم غير ذلك، وسواء كان الضرر بإتلاف كليا أم جزئياً، أم بالاستيلاء عليه أم التعدي على ملك صاحبه.

стр. 80

القسم الثاني: الضرر الجسمي، وهو كل ضرر يتعلق ببدن الإنسان، سواء كان ذلك بإتلاف النفس أم إبانة عضو من الأعضاء أم تعطيل منفعة أم جرح أم تشويه أم عاهة. (٢) الضرر المعنوي (الأدبي): وهو كل أذى يصيب الإنسان في عرضه أو شرفه أو سمعته أو عاطفته أو شعوره، كالشتم والإهانة. ثالثا: حكم الضرر: الضرر ركن من أركان الضمان. فلا يجب الضمان إلا إذا تحقق وقوع الضرر المادي، سواء كان ماليا أم جسميا؛ ولذلك لقوله ﵊: (لا ضرر ولا ضرار) (١). أما الضرر المعنوي: فإن الفقهاء اتفقوا على جبره بالعقوبة الحدّيّة فيما لو كان الضرر قذفا، أو التعزيرية فيما لو كان الضرر دون القذف (٢).

стр. 81

وأما جبر الضرر المعنوي بالضمان المالي فإنه من المسائل النازلة المستجدة (١) التي اختلفت فيها كلمة الفقهاء المعاصرين (٢). وذلك راجع - والعلم عند الله تعالى - إلى عدم وجود دليل مقنع يدل على جوازه، بل إن الأمر على خلاف ذلك. فإن قبول الضمان المالي عن الأضرار المعنوية فيه مخالفة واضحة لقاعدة الضمان؛ ذلك لأن الضمان المالي يقوم على أساس الجبر بالتعويض، وذلك لا يتحقق إلا بإحلال مال محل مال فاقد مكافئ له؛ ليقوم مقامه ويسد مسده، وليس ذلك بمتحقق هنا؛ لأنه إذا أعطى كان أخذ مال في غير مقابلة مال، فيكون هذا من باب أكل أموال الناس بالباطل، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) (٤). الركن الثالث: الإفضاء (الرابطة بين التعدي والضرر): الإفضاء هو الركن الثالث من أركان الضمان. والمراد به هو: أنه لا يجب الضمان على المعتدي إلا إذا كان الضرر ناشئا عن اعتدائه، سواء كان عن طريق المباشرة أم التسبب (٥).

стр. 82

وسيأتي مزيد بيان عن مسائل المباشرة والتسبب عند الكلام على القواعد الفقهية المتعلقة بالمباشرة والتسبب. المطلب الخامس شروط الضمان وضع الفقهاء شروطا لا بدّ من توفرها لوجوب الضمان، وهي كما يلي: ١ - أن يكون الشيء المضمون مالاً. فلا تضمن الميتة وجلدها، والدم المسفوح، وغير ذلك مما ليس بمال (١). والمراد بالمال: «ما كان له قيمة مادية بين الناس وجاز شرعا الانتفاع به في حال السعة والاختيار» (٢). ٢ - أن يكون المال المضمون متقوّما في الشريعة الإسلامية، فلا ضمان في إتلاف خمر وخنزير لمسلم وغير ذلك مما لا قيمة له (٣). والمراد بالتقوّم: «المال المحرز الذي يباح الانتفاع به شرعاً» (٤).

стр. 83

«ويفهم من كلام الفقهاء في المالية والتقوّم أنهما مترابطان ترابطا قد ينفك من جهة بإطلاق. فكل ما هو متقوّم فيه مالية، لكن ليس كل ما فيه مالية متقوّما، وذلك إذا لم يكن المال محترما شرعاً. فما لا يحترمه الشارع ويعتبره فلا قيمة له» (١). ٣ - أن يكون المال المضمون مملوكا؛ لأن ما لا مالك له فهو مباح، ولا يجب الضمان في إتلاف المباحات التي لا يملكها أحد، كالطير في الهواء والسمك في الماء (٢). ٤ - أن يكون المال المضمون محترما حتى يصير في وجوب ضمانه فائدة؛ ولذا فلا يجب الضمان على المسلم بإتلاف مال الحربي، ولا على الحربي بإتلاف مال المسلم في دار الحرب (٣). ٥ - أن يكون المتلف أهلا لوجوب الضمان عليه، فلا ضمان على مالك البهيمة إذا أتلفت مالا لغيره، إلا إذا تسبب المالك في الإتلاف أو فرط في حفظها (٤).

стр. 84

ولا يشترط في أهلية الضمان البلوغ والعقل والعلم؛ لأن ضمان الأموال من باب خطاب الوضع لا التكليف (١). ٦ - أن يكون الضرر محقق الوقوع على وجه دائم. فلا يجب الضمان بمجرد وقوع الاعتداء، كما لو رمى قدحا لغيره فلم يصب القدح بشيء، فإنه لا يجب على الرامي شيء؛ لعدم وقوع الضرر. كما أنه لا يجب الضمان إذا وقع الضرر ولم يستمر، بحيث رجع الشيء إلى الحالة التي كان عليها قبل الضرر، كأن عُولج المرض أو نبتت سن الحيوان المجنيّ عليه (٢). ٧ - أن يكون الضرر فاحشا لا يسيراً، فلا ضمان في الضرر اليسير المعتاد. والمرجع في معرفة حد الفاحش واليسير إلى العرف والعادة (٣). المطلب السادس أسباب الضمان ذكر الفقهاء أسبابا كثيرة موجبة للضمان في مواطن متعددة من كتبهم، إلا أنهم اختلفوا في كيفية تقسيمهم لها: فمنهم من يذكر أنها أربعة، ومنهم من

стр. 85

يزيد على ذلك أو ينقص (١). والسبب في ذلك يرجع إلى أنهم لم يفردوا هذا الموضوع - أي الضمان -بباب خاص يتناولون فيه أسبابه وأركانه وشروطه وأنواعه وأحكامه، وإنما كان حديثهم عنه عرضا في مسائل تتصل بالضمان ضمن أبواب متعددة من كتبهم. ولما كانت هذه الأسباب كثيرة التداخل فيما بينها فإنه يمكن إرجاعها إلى أسباب رئيسة ثلاثة، هي: العقد واليد والإتلاف. السبب الأول: العقد: سبق وأن عرَّفتُ العقد في اللغة والاصطلاح (٢)، وبيّنتُ أنه يشمل الالتزامات الناشئة عن اتفاق بين طرفين كالبيع والإجارة ونحوهما، كما يشمل الالتزامات الناشئة من طرف واحد كالوقف والجعالة ونحوهما.

стр. 86

ويعدّ العقد - بنوعيه السابقين - سبباً موجبا للضمان المالي (١)؛ وذلك لأن العقد يترتب عليه أحكام خاصة ملزمة لكل من الطرفين أو لمن قام الالتزام في حقه. فمن العقود ما شرع لإفادة الضمان، فكان الضمان حكما له وأثرا، كعقد الكفالة التي هي عبارة عن «ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق» (٢)، فيترتب عليه التزام الكفيل ضمان المكفول به، فتشغل به ذمته كما تنشغل به ذمة المضمون عنه (٣). ومن العقود ما شرع لإفادة حكم آخر غير الضمان، ولكن الضمان يترتب عليه باعتباره أثرا لازما لحكمه، فمقتضى عقد البيع - مثلا - تسليم المبيع للمشتري والثمن للبائع وسلامة العوضين من العيب وعدم استحقاق أحدهما لغير صاحبه، فإذا حدث خلل في ذلك المقتضى ترتب الضمان على من حصل من جانبه بناء على العقد. ومثل ذلك في عقد السلم والإجارة ونحوهما (٤). ومن العقود ما شرع لإفادة حكم آخر غير الضمان، ولكن الضمان يترتب عليه أثرا؛ لوجود شرط صحيح فيه اشترطه المتعاقدان أو أحدهما، أو كان الشرط

стр. 87

مفهوما ضمن العقد حسب العرف والعادة. فمتى أخلّ العاقد بشيء من هذه الشروط فإن الضمان يترتب عليه، ويكون العقد هو السبب الموجب للضمان (١). والأصل في الالتزام بالوفاء بالعقود والشروط وتحمل مسئولية ذلك عند الإخلال بها عموم الآيات الدالة على ذلك كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢)، وقوله جل وعلا: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣). ومن السنة قول النبي ﷺ : (المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرّم حلالا أو أحلّ حرما) (٤). وكذلك ما قرره الفقهاء من قواعد فقهية مستندة إلى أدلة شرعية تقضي بتقييد العقد المطلق بالعرف والعادة كما يتقيد بالنص، وذلك كقاعدة (المعروف عرفا كالمشروط شرطا) (٥).

стр. 88

تصنيف العقود بالنظر إلى الضمان وعدمه: تصنف العقود - بالنظر إلى الضمان وعدمه - إلى ثلاثة أصناف: أولا: عقود ضمان: وهي العقود التي يكون فيها المال مضمونا على الطرف القابض له مطلقا في جميع الحالات، سواء وجد منه التعدي أو التقصير أم لم يوجد، كما لو هلك بآفة سماوية. وذلك كعقد البيع والقرض ونحوهما. ثانيا: عقود أمانة: وهي العقود التي يكون فيها المال المقبوض أمانة في يد قابضه، فلا يترتب عليه ضمانه إلا إذا تعدى عليه أو قصّر في حفظه. وذلك كعقد الإيداع والوكالة ونحوهما. ثالثا: عقود مزدوجة الأثر: وهي العقود التي تنشئ الضمان من وجه والأمانة من وجه. وذلك كعقد الإجارة والرهن ونحوهما (١). فالإجارة مثلا يعتبر فيها المال المأجور أمانة في يد المستأجر، لكن منافعه المعقود على استيفائها مضمونة على المستأجر بمجرد تمكنه من استيفائها. فلو ترك المأجور دون أن ينتفع به حتى مضت مدة الإجارة يكون ما فات من المنافع فائتا على حسابه، وتلزمه الأجرة التي هي قيمة تلك المنافع (٢).

стр. 89

السبب الثاني: وضع اليد: تطلق اليد في اللغة على الجارحة المعروفة، وهي من المنكب إلى أطراف الأصابع، وتطلق استعارة على القوة والقدرة والنعمة والملك والسلطان والطاعة والمجاعة والأكل والندم والعياث ومنع الظلم والاستسلام. والمراد بوضع اليد حيازة الشيء. فإذا حاز الإنسان مالا كان تحت يده (١). ويعدّ وضع اليد سببا من أسباب الضمان، لكن ليس في جميع الأحوال (٢)؛ فاليد تنقسم من حيث الضمان وعدمه إلى قسمين، هما: أولاً: يد الأمانة: وهي اليد التي حصل المال في حوزتها بإذن من الشارع أو إذن من المالك (٣). كيد الوديع والوكيل والشريك وعامل المضاربة ونحوهم. فأصحاب هذه الأيدي لا يجب عليهم الضمان؛ لأن أيديهم مؤتمنة، إلا إذا حصل منهم تعدٍّ على المال أو تفريط في حفظه، فإنهم يضمنون لذلك (٤).

стр. 90

ثانياً: يد الضمان: وهي كل يد لم تستند في حوزتها للمال إلى إذن من الشارع أو إذن من المالك (١). كيد الغاصب ومن كانت عنده أمانة فطلبها صاحبها فامتنع من غير عذر (٢). فإذا كانت اليد يد ضمان وجب على صاحبها الضمان عند تلف ما تحتها من الأموال أو نقصها، سواء أكان تلفها باعتداء عليها من واضع اليد أم من أجنبي أم كان بسبب سماوي (٣). وقد قسم بعض العلماء يد الضمان إلى قسمين: ١ - اليد العادية: وهي التي قبضت المال دون إذن من الشارع أو إذن من المالك، كيد الغاصب والسارق ونحوهما، فهؤلاء يضمنون الشيء مهما كان سبب التلف. ٢ - اليد غير العادية: وهي التي قبضت بغير عدوان، بل بإذن المالك، كقبض المبيع أو بقاء يد البائع، فإنه من ضمان البائع قبل القبض، ومن ضمان المشتري بعد القبض، مع عدم العدوان (٤).

стр. 91

السبب الثالث: الإتلاف: الإتلاف في اللغة: مصدر أتلف، والتلف هو الهلاك والفناء والعطب في كل شيء (١). وعرّف الإتلاف في الاصطلاح: بأنه إخراج الشيء من أن يكون منتفعا به منفعة مطلوبة منه عادة (٢). وهو أحد الأسباب الموجبة للضمان (٣)؛ وذلك لما فيه من الاعتداء والإضرار المنهي عنهما شرعا، كما في قول الله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤)، وقال النبي ﵊: (لا ضرر ولا ضرار) (٥). قال أبو عبدالله المقري: «قاعدة: تقدم أن أسباب الضمان ثلاثة: الإتلاف والتسبب ووضع اليد غير المؤتمنة ... وعلى هذه القاعدة تتخرج فروع الضمان، وهي متفق عليها، وإنما يختلف عند اجتماع شائبة الأمانة معها، فيختلف أيها يغلب» (٦).

стр. 92

والإتلاف قد يكون بالمباشرة وقد يكون بالتسبب، إلا أني سأؤجل الكلام عنها مع تفصيلات أخرى عن الإتلاف لأتحدث عنها في الفصل المتعلق بقواعد الضمان بسبب الإتلاف، والفصل المتعلق بالقواعد المتعلقة بالمباشر والمتسبب (١). المطلب السابع أنواع الضمان ينقسم الضمان بالنظر إلى الشيء الذي وقع عليه الضرر إلى نوعين: ضمان النفس وضمان المال، وينقسم ضمان المال بالنظر إلى أسبابه إلى ثلاثة أقسام، وهي كما يلي: أولاً: أنواع الضمان بالنظر إلى الشيء الذي وقع عليه الضرر (٢): ١ - ضمان النفس الإنسانية الحرة وأطرافها وما يتعلق بها من منافع، ويتمثل في الديات (٣) والأروش (٤) المقدرة وغير المقدرة. وهذا خارج عن موضوع بحثي؛ لأن رسالتي تتعلق بالضمان المالي.

стр. 93

٢ - ضمان المال من الحيوانات والجمادات: ويتمثل في ردّ عين الشيء أو مثله أو قيمته (١). ثانياً: أنواع ضمان المال بالنظر إلى أسبابه (٢): ١ - ضمان العقد. ٢ - ضمان اليد. ٣ - ضمان الإتلاف. وقد سبق أن تكلمت عليها في مطلب خاص بأسباب الضمان (٣)، فأغنى عن التكرار، وليرجع إليه.

стр. 94

الباب الأول: القواعد المتعلقة بأسباب الضمان وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: القواعد المتعلقة بسبب الإتلاف. الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بالتعدي والتفريط. الفصل الثالث: القواعد المتعلقة بسبب العقد واليد.

стр. 95

الفصل الأول: القواعد المتعلقة بسبب الإتلاف وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: قاعدة: من أتلف نفسا لنفع يعود إلى نفسه فلا ضمان عليه، وإن كان النفع يعود إلى غيره فعليه الضمان. المبحث الثاني: قاعدة: لا بجب الضمان بإتلاف ملكه إلا إذا تعلق به حق لغيره. المبحث الثالث: قاعدة: إذا حصل التلف من فعلين أحدهما مأذون فيه، والآخر غير مأذون فيه وجب الضمان كاملا.

стр. 96

المبحث الأول قاعدة من أتلف نفسا لنفع يعود إلى نفسه فلا ضمان عليه، وإن كان النفع يعود إلى غيره فعليه الضمان هذه القاعدة من القواعد الفقهية المتعلقة بسبب من أسباب الضمان، ألا وهو الإتلاف، وستكون دراستها - بمشيئة الله - في المطالب السبعة الآتية. المطلب الأول في صيغ القاعدة أول من ذكر القاعدة - في حدّ علمي - العلامة ابن رجب الحنبلي (١)، ثم نقلها عنه أحمد القاري (٢) في كتابه "مجلة الأحكام الشرعية (٣). أما الشيخ عبد الرحمن السعدي فإنه أجرى عليها بعض التعديلات في ألفاظها مما أدّى إلى تغير في معناها وحكمها، فذكرها بصيغة: «من أتلف شيئاً لينتفع به ضمنه، ومن أتلفه دفعا لمضرته فلا ضمان عليه» (٤). وسيأتي مزيد إيضاح حول الاختلاف بين الصيغتين في المعنى والحكم عند الكلام على نقد القاعدة.

стр. 97

المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية الواردة في القاعدة أتلف لغة: بمعنى أهلك وأعطب وأفنى (١). والإتلاف في اصطلاح الفقهاء: إخراج الشيء من أن يكون منتفعا به منفعة مطلوبة منه عادة (٢). والإتلاف عند الفقهاء نوعان (٣): الأول: إتلاف بالمباشرة: وهو إتلاف الشيء دون وجود واسطة، مثل الإتلاف بالقتل أو الذبح أو الإحراق أو الإغراق، أو هدم الدور، أو أكل الأطعمة، أو تمزيق الثوب، أو قطع الشجر، أو كسر الإناء، ونحو ذلك. والثاني: إتلاف بالسبب: وهو فعل ما يفضي عادة إلى الإتلاف دون أن يتخلَّل بينهما ما يمكن إحالة الحكم عليه، كحفر بئر في موضع لم يؤذن فيه، أو إيقاد النار قريبا من الزرع، أو رمي ما يزلق الناس في الطرقات، فيعطب بسبب ذلك حيوان أو إنسان.

стр. 98

نفساً: والمراد بها نفس الصائل. والصائل: هو الذي يثب على الناس ويضرّ بهم ويتطاول عليهم (١)، وهو قسمان: الأول: أن يكون آدميا، سواء كان مكلفا أم غير مكلف، كالصبي والمجنون، وهذا يدخل في كتاب الجنايات، وليس من الضمان المالي. الثاني: أن يكون غير آدمي، كالجمل الصائل والكلب العقور وغيرهما (٢). لنفع يعود إلى نفسه: أي لمصلحة معصومة ترجع إلى المُتلِف، وهذه المصلحة تتضمن أربعة أشياء: الأول: النفس. الثاني: ما دون النفس، كالجرح وقطع الطرف. الثالث: البضع، كالزنا واللواط ومقدماتهما. الرابع: المال ولو كان قليلا. وهناك أمر آخر - وهو أهمها -: وهو الدين (٣). فلا ضمان عليه: أي فلا يتحمل ضمان ما أتلفه من آدمي أو غيره. وإن كان النفع يعود إلى غيره فعليه الضمان: أي إذا كانت المصلحة - من نفس أو جرح أو طرف أو بضع أو مال - ترجع إلى غير المُتلِف فإنه يجب عليه الضمان.

стр. 99

المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة إن كل من أتلف نفسا إنسانية أو حيوانية بقتل أو جرح أو قطع طرف من أطرافها لمصلحة ترجع إليه - كمصلحة نفسه أو طرفه أو عرضه أو ماله - فإنه لا يجب عليه ضمان ذلك المتلف. وإن كان ذلك الإتلاف يرجع إلى مصلحة غيره - كنفس غيره أو جرحه أو طرفه أو عرضه أو ماله - فإنه يضمن ذلك المتلَف. المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة لما كانت هذه القاعدة تتعلق بمسائل دفع الصائل بصفة أوليّة - وإن كان ثمة فروع تندرج تحتها ليست من مسائل الصيال، إلا أن فيها شبهاً بها - كان من المناسب أن أذكر مسألة حكم ضمان الصائل المتلف حتى نتعرّف على أقوال الفقهاء في القاعدة وأدلتهم والراجح من أقوالهم. وهذه القاعدة لها طرفان: الطرف الأول: فيما إذا كان الإتلاف لمصلحة ترجع إلى المُتلِف. والطرف الثاني: فيما إذا كان الإتلاف لمصلحة ترجع إلى غير المُتلِف. ولكل من هذين الطرفين أقوال وأدلة خاصة به، ولهذا كان من المناسب أن أجعلها في مسألتين على النحو الآتي:

стр. 100

المسألة الأولى: إذا صال صائل على إنسان فقتله المصول عليه فهل يضمن المصول عليه الصائل ؟: اتفق الفقهاء على أن المكلف الحر أو العبد إذا صال على إنسان فقتله المصول عليه فإنه لا يضمنه (١). واختلفوا فيما إذا كان الصائل غير مكلف - كالصبي والمجنون والدابة - على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يضمنه، وهو قول المالكية (٢) والشافعية (٣) والصحيح من مذهب الحنابلة؛ عليه أصحابهم (٤)، وهو قول الظاهرية (٥). القول الثاني: أنه يجب عليه ضمان الصبي والمجنون بالدية، والدابة بالقيمة،

стр. 101

وهو مذهب الحنفية سوى أبي يوسف (١) (٢)، وقول للحنابلة مخرّج على وجوب ضمان الصيد الصائل على المحرِم (٣). القول الثالث: أنه يجب على المصول عليه أن يدفع قيمة الحيوان فقط، ولا يدفع دية الصبي والمجنون، وهو قول أبي يوسف من الحنفية (٤). أدلة القول الأول: استدلّ أصحاب القول الأول بأدلة من المنقول والمعقول، وهي كالتالي: ١ - قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٥). وجه الدلالة: أن من دافع عن نفسه أو ماله أو عرضه فهو محسن في ذلك،

стр. 102

فوجب أن لا يكون عليه سبيل في غرم (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٢). وجه الدلالة: أن المصول عليه مظلوم، فإذا انتصر لنفسه أو ماله أو عرضه بقتل الصائل فليس عليه سبيل من غرم دية الصائل أو قيمته. نوقش: بأن غير المكلف لا ينسب إليه ظلم. وأجيب: بأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه؛ فصار الدافع مظلوما وإن لم ينسب إلى المدفوع - برفع القلم عنه - ظلم (٣). ٣ - عن عبدالله بن الزبير (٤) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من شهر سيفه ثم وضعه فهو هدر) (٥).

стр. 103

وجه الدلالة: معنى الحديث أن من سلّ سيفه ثم وضعه في الناس يضربهم به فدمه هدر، فلا دية ولا قصاص بقتله. والحديث وإن كان صريحا في الآدمي إلا أنه يشمل الحيوان من باب أولى؛ لأن حرمة الآدمي أعظم من حرمة الحيوان (١). ٤ - عن سعيد بن زيد (٢) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) (٣). ٥ - عن عبدالله بن عمرو (٤) ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 104

(من قتل دون ماله فهو شهيد) (١). ٦ - عن أبي هريرة (٢) ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا تعطه مالك)، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (قاتله)، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيد)، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (هو في النار) (٣). وجه الدلالة: إن النبي ﷺ بيّن في هذه الأحاديث جواز قتل الصائل، وأنه إن قتل ففي النار، وأن المصول عليه إن قتل فهو شهيد، وهذا يعني أن دم الصائل هدر؛ لأن النبي ﷺ أباح دمه. ٧ - عن يعلى بن أمية (٤) ﵁ قال: غزوت مع النبي ﷺ جيش العسرة، فكان

стр. 105

من أوثق أعمالي في نفسي، فكان لي أجير، فقاتل إنسانا فعض أحدهما إصبع صاحبه، فانتزع إصبعه فأندر ثنيته فسقطت، فانطلق إلى النبي ﷺ فأهدر ثنيته، وقال: (أفيدع إصبعه في فيك تقضمها؟) - قال أحسبه قال:- (كما يقضم الفحل) (١). ٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : (لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح) (٢). وجه الدلالة: إن النبي ﷺ أهدر عين وثنية الصائلين، والحديثان - وإن جاءا في حق الآدمي - فإنهما لا يدلان على تخصيص الحكم بالآدمي، بل إنه يشمل الحيوان الصائل. ٩ - إنه إتلاف بدفع مباح فوجب أن يسقط فيه الضمان قياسا على قتل البالغ العاقل المكلف (٣). نوقش: بأن المعنى في المكلف أنه قد أباح قتل نفسه بالطلب، ولا يصح من غير المكلف إباحة نفسه بالطلب؛ لأنه لا حكم لقصده (٤).

стр. 106

وأجيب: بأن افتراقهما من هذا الوجه لما لم يمنع من استوائهما في إباحة القتل لم يمنع من استوائهما في سقوط الضمان (١). ١٠ - إن البهيمة المملوكة الصائلة إذا قتلها المصول عليه فإنها لا تضمن قياسا على قتل الصيد إذا صال على محرم، فإنه لا يضمن الجزاء. نوقش: بأن قتل الصيد في الإحرام مضمون في حق الله تعالى، فكان أخف حكما من المضمون في حقوق الآدميين. وأجيب: بأنه لما لم يمنع هذا من استوائهما في وجوب الضمان إذا اضطر إلى إتلافهما لشدة جوعه، لم يمنع من استوائهما في سقوط الضمان إذا قتلهما للدفع عن نفسه (٢). ١١ - إن حرمة الآدمي أغلظ من حرمة البهيمة؛ لضمان نفسه بالكفارة والدية، وانفراد ضمان البهيمة بالقيمة. فلما سقط بالدفع ضمان الأغلظ كان أولى أن يسقط به ضمان الأخف (٣). ١٢ - إنه قتل مباح بسبب كان من المقتول، فوجب أن يكون هدرا كالقتل بالردة والزنا (٤). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بأدلة من المنقول والمعقول، وهي كما يلي:

стр. 107

١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العجماء (١) جرحها جبار (٢)) (٣). وجه الدلالة: دلّ الحديث أن البهيمة لو أتلفت شيئاً وليس معها صاحبها كان هدرا؛ لأن البهيمة لا قصد لها، فإذا بطل قصدها سقط حكم الصول فيها، فصار كالقاتل لها بغير صول، فوجب عليه الضمان (٤). نوقش هذا الاستدلال من وجهين (٥): (أ) إنه ينتقض بصول الصيد على المحرم؛ لأنه يسقط به الجزاء، ولا يسقط عنه لو لم يَصُل. (ب) إنه لما حلّ قتله بصول ولم يحل إذا لم يصل دلّ على سقوط الضمان بصوله ووجوبه إذا لم يصل.

стр. 108

٢ - إن النبي ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (١). وجه الدلالة: إن هذا الحيوان الصائل الذي قُتِل مالٌ مستهلَك على صاحبه بغير طيب نفس منه، فاقتضى أن يكون مضمونا على مستهلِكه (٢). نوقش هذا الاستدلال من وجهين: (أ) إن هذا المال وإن استهلك على صاحبه بغير طيب نفس منه إلا أنه مأذون به شرعا، وفي الإذن بالقتال والضمان منافاة (٣). (ب) إننا نقلب هذا الدليل عليكم فنقول: تضمين المصول عليه دية الصائل أو قيمته هو مال لم تطب نفس المصول عليه به، فاقتضى أن لا يؤخذ منه (٤). ٣ - إنه أتلف مال غيره بغير إذنه لإحياء نفسه، فكان عليه ضمانه كالمضطر إلى طعام غيره إذا أكله (٥). نوقش: بأنه فارق المضطر. فإن الطعام لم يلجئه إلى إتلافه ولم يصدر منه ... ما يزيل عصمته، ولهذا لو قتل المحرم صيدا لصياله لم يضمنه، ولو قتله

стр. 109

لاضطراره إليه ضمنه، ولو قتل المكلف لصياله لم يضمنه، ولو قتله ليأكله في المخمصمة وجب القصاص، وغير المكلف كالمكلف في هذا (١). ٤ - إن غير المكلف لا يملك إباحة نفسه؛ ولذلك لو ارتدّ لم يقتل. نوقش: بأن المكلف كذلك لا يملك إباحة دمه، ولو قال: (أبحت دمي) لم يبح، ولكنه إذا صال فقد أبيح دمه بفعله، فيجب أن يسقط ضمانه كالمكلف (٢). ٥ - إن المصول عليه أتلف مال غيره بغير إذن مالكه، فيكون مضمونا عليه كما لو أتلفه قبل الصول (٣). نوقش: بأن هناك فرقا كبيرا بين الحيوان قبل صوله وبعده: فالحيوان قبل الصول معصوم الدم بخلاف الحيوان بعد الصول، فإنه مباح الدم. فلما اختلفا في إباحة الدم اختلفا أيضا في سقوط الضمان. دليل القول الثالث: إن فعل الدابة غير معتبر أصلا حتى لو تحقق الفعل فإنه لا يوجب الضمان؛ لقول النبي ﷺ : (العجماء جرحها جبار) (٤)، أما فعل الصبي والمجنون فإنه معتبر في الجملة بحيث لو حققا الفعل فإنه يجب عليهما الضمان. وكذلك عصمة الصبي والمجنون لحقّ أنفسهما لا لحق الغير، وعصمة الدابة لحقّ مالكها، فكان فعل الصبي والمجنون مسقطا للعصمة لأن المصول عليه في

стр. 110

حالة دفاع، وأما فعل الدابة فغير مسقط للعصمة لأن المصول عليه في حالة ضرورة ملجئة. نوقش: بأن هذا تفريق بغير دليل. وقد سبق الرد عليه في الدليل الأول والأخير من أدلة القول الثاني. القول المختار: بعد عرض أقوال أهل العلم في هذه المسألة بأدلتها والاعتراضات الواردة عليها، يظهر لي - والعلم عند الله تعالى - اختيار القول الأول، وهو أنه لا يجب على المصول عليه ضمان الصائل غير المكلف؛ وذلك للأسباب التالية: ١ - قوة أدلة القول الأول، وسلامتها من الاعتراضات. ٢ - ضعف أدلة القولين الآخرين. المسألة الثانية: إذا صال صائل على إنسان فقتله شخص آخر غير المصول عليه، فهل يضمن هذا الشخص ذلك الصائل؟: القول الأول: لا يلزمه الضمان، وهو مذهب المالكية (١) والشافعية (٢) وقول لبعض الحنابلة (٣)، وهو قول الظاهرية (٤). القول الثاني: يجب عليه الضمان، وهو مذهب الحنابلة (٥).
следующие страницы →