المطلب الثالث:
استجماع القوى الثلاث
ينبغي لمن وُفِّق لإمامة الناس أن يستجمع قبل الشروع في الإمامة أنواع القوى المُعِينَة على كمال الصلاة، وخشوعها، وهي:
١) قوة استحضار الوقوف بين يدي الله.
٢) قوة الاحتساب في إسماع كلام الله وتزكية القلوب به.
٣) قوة استدعاء ملكة التدبر لآيات القرآن.
وفيما يلي تفصيل لهذه القوى:
- أولاً: استحضار الوقوف بين يدي الله:
فهذا الموقف هو أعظم المواقف وأَجلِّها وأشرفها؛ إذ يقف العبد بين يدي مولاه تاليًا لكتابه في بيت من بيوته، قد اصطف الناس من خلفه يُسْمِعُهم كلام ربهم.
فعلى الإمام أن يستشعر هذا الموقف، ويُفْرِغ القلب، ويُخْرِج منه الالتفات إلى ما سواه من المخلوقات، والإقبال على غيره؛ فيتوجه
стр. 72
بقلبه مستحضرًا الوقوف بين يدي العظيم الجليل الذي هو أكبر من كل شيء، وأجل من كل شيء، وأعظم من كل شيء (١).
يقول ابن القيم ﵀: «وأما الصلاة، فشأنها في تفريح القلب وتقويته، وشرحه وابتهاجه ولذته أكبر شأن، وفيها من اتصال القلب والروح بالله، وقربه والتنعم بذكره، والابتهاج بمناجاته، والوقوف بين يديه، واستعمال جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديته، وإعطاء كل عضو حظه منها، واشتغاله عن التعلق بالخلق وملابستهم ومحاوراتهم، وانجذاب قوى قلبه وجوارحه إلى ربه وفاطره، وراحته من عدوه حالة الصلاة، ما صارت به من أكبر الأدوية والمفرحات والأغذية التي لا تلائم إلا القلوب الصحيحة» (٢).
- ثانيًا: الاحتساب في إسماع كلام الله وتزكية القلوب به:
وإذا كان المرء مأجورًا في احتسابه بالإحسان إلى عباد الله في الصدقة، وإزالة الأذى عن الطريق، والكلمة الطيبة، والابتسامة، وحمل المتاع على الدابة، ونحو ذلك مما جاءت به السنة؛ فإن أعظم الأجر الإحسان إلى عباد الله بكلام الله: إسماعًا وتدبرًا.
فأين المحتسبون من الأئمة في أجلِّ أبواب الإحسان؟
стр. 73
وأين المبتغون لهداية البشر بكلام رب البشر؟
وأين الملتمسون لبركة القرآن على أنفسهم وإخوانهم وأحبابهم وجيرانهم وسائر عباد الله؟
فينبغي للإمام أن يحتسب قراءته للقرآن لله ، وأن يقصد بتلك القراءة إسماع الناس كلام الله تعالى وتذكيرهم به؛ حتى يؤثر ذلكم في قلوبهم؛ فيخشون الله ويخافونه.
يقول الله تعالى مخاطبًا نبيه الكريم: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥]، فأمر الله نبيه ﷺ أن يُذَكِّرَ قومَه بهذا القرآن، وهذه الآية فيها بيان لأسلوب من أساليب الدعوة، وهو التذكير بالقرآن، ومن أنواع التذكير: تلاوة القرآن على الناس جميعًا (١).
وهذا درس بليغ للأئمة: أن يعملوا على إحياء قلوب المصلين بسماع كلام الله؛ حتى يلتفتوا إلى هذه المواعظ الإلهية، ويتدبروها ويتعقلوها ويعملوا بها.
والتذكير بهذا الكتاب العظيم وظيفة العالم وطالب العلم والداعية، ويتأكد التذكير بالقرآن في حق الإمام؛ حيث شرفه الله بالإمامة والقرآن، والناس من خلفه يستمعون، ويزداد هذا التأكيد في شهر
стр. 74
رمضان شهر القرآن، الذي هو فرصة عظيمة لقراءة كتاب الله وتذكير الناس به.
- ثالثًا: استدعاء ملكة التدبر لآيات القرآن:
إن تدبر الآيات من أعظم مقاصد إنزال القرآن ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
وشهر رمضان الذي هو شهر القرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]، هو أَوْلى الشهور بتلاوة القرآن وتدبره وفهمه وتعقله.
ومن أَجَلِّ مقاصد القيام في شهر رمضان: تدبر الآيات القرآنية، وفهمها فهمًا صحيحًا، يؤدي إلى الخشوع والتذلل لله تعالى، والعمل بما دلت عليه هذه الآيات.
ومما يعين على تقوية ملكة التدبر لكتاب الله ، واستحضار معاني الآيات القرآنية، ما يلي:
أولًا: حضور القلب عند قراءة القرآن:
على الإمام وهو يقرأ في الصلاة أن يستحضر الآيات بقلبه وفكره وعقله كله، وهذا أدعى لفهم معاني الآيات والغوص في أعماق دلالاتها.
«ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه، وَجَدَ فيه من الفهم والحلاوة والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من
стр. 75
الكلام لا منظومه ولا منثوره» (١).
ثانيًا: التلذذ بتلاوة القرآن:
إن لآيات الله أثرًا عميقًا في النفوس؛ فينبغي أن يطلبه القارئ باذلًا وسعه مستفرغًا طاقته، مستجمعًا مواطن البلاغة القرآنية، ناظرًا إلى أثرها النفسي على روحه ووجدانه، مخاطبًا عقله وقلبه.
إن التلذذ بالقرآن نعمة لا تعدلها - بجمالها وقدسيتها - نعمة، فأي شيءٍ أجمل وأنبل من خطاب الرحيم الرحمن عِبَاده بمعجزةٍ خالدةٍ تأخذ بالألباب وتحلق بالأرواح في آفاقٍ من الخشوع والسكينة يعيشها من يستلذ بجمال هذا الخطاب الرباني، ويبحر في أسراره وفوائده.
يقول ابن القيم ﵀: «فانظر محبة القرآن من قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم، فإن من المعلوم أن من أحب محبوبًا كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه» (٢).
ثالثًا: أن يعرض الإمام نفسه على كتاب الله:
ما أجمل قارئ القرآن وهو يعرض نفسه على كتاب الله ، ويستحضر أنه هو المخاطب بهذه الآيات، فيقرأ آيات القرآن؛ ليؤدب
стр. 76
به نفسه لا غيره، فيضع نفسه في الميزان: أين هو من منزلة التقوى، ومن منزلة الإيمان، ومن منزلة الخشوع؟ (١).
رابعًا: القراءة بترتيل وتجويد:
ينبغي أن تكون قراءة القرآن قراءة مرتَّلةً مجوَّدةً لا تحجب عن معايشة حقائق القرآن ومعانيه، بلا تنطع في المخارج وتحقيق متكلف في التجويد وتحسين الصوت على حساب التدبر لمعاني الآيات.
«ولا يجعل هِمَّتَهُ فيما حُجِب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها، وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك؛ فإن هذا حائل للقلوب، قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه، وكذلك شغل النطق بـ ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، وضم الميم من ﴿عَلَيْهِمُ﴾ ووصلها بالواو وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك. وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت» (٢).
стр. 77
المطلب الرابع:
أثر الوقف الصحيح في فهم الآيات
إن معرفة الوقف في تلاوة كتاب الله من أنفع العلوم الْمُعِينة على فهم القارئ لكتاب الله .
وإن الوقف الصحيح على الآيات له أثره العجيب في فهم القرآن الكريم، فَبِهِ يُعرفُ المراد من كلام الله تعالى، ويتضح للقارئ المعنى الصحيح لسياقات القرآن وبدايات الجُمَل القرآنية ونهاياتها، ويسهل على من يستمع إلى القرآن أن يفهم ما تُلِيَ عليه من آياته؛ فحريٌّ بالأئمة والقُرَّاء لا سيما في صلاة التراويح أن يحرصوا عليه، ويُولُوه عناية فائقة.
وهكذا كان صحابة رسول الله ﷺ :
يقول عبد الله بن عمر ﵂: «لقد عشنا برهةً من دهرنا، وأحدنا يُؤْتَى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ ؛ فنتعلم حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تَتَعَلَّمون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالًا يُؤْتَى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره
стр. 78
ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، فينثره نَثْرَ الدَّقَل! (١)» (٢).
قال أبو عمرو الداني: «ففي قول ابن عمر دليل على أن تعليم ذلك توقيفٌ من رسول الله ﷺ ، وأنه إجماع من الصحابة، رضوان الله عليهم» (٣).
ولعلي في هذه السانحة أستعرض بعض المعالم الْمُعِينة على فقه هذا العلم العظيم:
المعلم الأول: الوقوف على رؤوس الآيات:
الوقوف على رؤوس الآيات من أقرب السبل لفهم معاني الآيات وتدبرها كما هو هدي النبي ﷺ ، بَيَّنَت ذلك أم سلمة ﵂ حين «سُئِلَتْ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَتْ: كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:١]، ثُمَّ يَقِفُ، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
стр. 79
الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، ثُمَّ يَقِفُ، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]» (١).
قال ابن القيم ﵀: «وهذا هو الأفضل، الوقوف على رؤوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها، وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد، والوقوفِ عند انتهائها، واتباعُ هدي النبي ﷺ وسنته أولى. وممن ذكر ذلك البيهقي في شعب الإيمان وغيره، ورَجَّح الوقوف على رؤوس الآي وإن تعلقت بما بعدها» (٢).
المعلم الثاني: الاعتناء بمواضع الوقف:
إن وقوف القارئ على مواضع الوقف في القرآن له أثره في فهم معاني الآيات؛ ولذلك اعتنى العلماء الذين أُوكِلَت إليهم مهمة طباعة المصحف الشريف، فوضعوا هذه العلامات في محلها من آيات القرآن، وهي موجودة في الصفحات الأخيرة في بعض المصاحف بعد سورة الناس، تحت عنوان: (علامات الوقف)، ومن أهم هذه العلامات ما يلي:
(م): علامة الوقف اللازم.
стр. 80
(ج): علامة الوقف الجائز.
(صلي): علامة الوقف الجائز مع كون الوصل أولى.
(قلي): علامة الوقف الجائز مع كون الوقف أولى.
(لا): علامة الوقف الممنوع.
(.٠. .٠.) علامة تعانق بحيث إذا وقف على أحد الموضعين لا يصح الوقوف على الآخر.
فالإمام مثلًا يجب عليه أن يقف على موضع الوقف اللازم؛ لأن وقفه يتم المعنى، ولو وصل الكلام بما بعده لاختل المعنى وهكذا (١).
المعلم الثالث: تجنب الوقف القبيح:
الوقف القبيح: هو الوقف على موضع في الآية لا يُعْرَف المراد منه، ولا يكتمل به المعنى، ولا ينبغي الوقوف عليه إلا للضرورة كالسعال وضيق النفس، ونحو ذلك، وسُمِّيَ قبيحًا لقبح الوقف عليه (٢)، وللمحاذير التالية:
стр. 81
أ- عدم اكتمال المعنى أو تغيير المعنى بالكامل.
ب- إيهام معانٍ باطلة.
ولهذا نماذج عديدة منها:
١ - الوقف على كلام يوهم معنًى غير صحيح:
كوقوف القارئ على كلمة ﴿وَالْمَوْتَى﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٣٦]، والواجب على القارئ أن يكمل السياق ليكتمل المعنى؛ لأن وقوفه على كلمة ﴿وَالْمَوْتَى﴾ يوهم اشتراك الأموات مع الأحياء في الاستجابة والسماع، وذلك غير المعنى المراد.
٢ - الوقف على كلمة تفيد معنىً باطلاً في حق الله سبحانه:
كوقف الإمام على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾؛ فإنه يستلزم معنىً باطلًا في حق الله ، بل عليه أن يقرأ الجملة كاملة فيقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦].
وكمن يقف عند قوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ﴾، فيوهم هذا الوقف كفرًا بالله لا يجوز في حقه ﵎، والواجب عليه أن يكمل الآية فيقرأ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨].
ولا يجوز لقارئ القرآن الوقوف على هذه المواضع إلا للضرورة،
стр. 82
وإذا وقف عليها مضطرًا، لزمه أن يرجع فيقرأ جزءًا مما قرأه أولًا؛ حتى يلتئم المعنى، ويتضح المقصود من الكلام (١).
стр. 83
المطلب الخامس:
مكايد الشيطان
لن يتقاصر الشيطان الذي يجري منك مجرى الدم، عن قذف المكايد والحيل الماكرة في نفسك، بقاذفات تدمر صفاء القلب، وتقضي على رونقه وبهائه ونصاعته، كي يفسد عليك عملك، بل لن ينفك عنك بحال، والميدان طويل، والصراع شديد، فيأتيك بصور خفية منها:
الصورة الأولى: حديثك عن نفسك، وثناؤك على تلاوتك وصلاتك ولو كان على سبيل الإخبار ربما كان مزلقًا من المزالق، والأمرُ في حقيقته (مدح مبطن)، فانتبه لهذه المكيدة الشيطانية، والموفق هو من يتحاشى الحديث عن النفس ما أمكن، ويستحضر دائمًا ضرورة التجرد لله، ومحاذرة التزكية للنفس: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
قال ابن حزم ﵀: «وإياك والامتداحَ، فإن كل من يسمعك لا يصدقك وإن كنت صادقًا، بل يجعل ما سمع منك من ذلك في أول
стр. 84
معايبك» (١).
«كم رأينا مَنْ فاخَرَ بما عنده ... فكان ذلك سببًا لهلاكه، فإياك وهذا الباب الذي هو ضر محض، لا منفعة فيه أصلًا، كم شاهدنا ممن أهلكه كلامه، ولم نَرَ قط أحدًا ولا بلغنا أنه أهلكه سكوته، فلا تتكلم إلا ما بما يقربك من خالقك» (٢).
الصورة الثانية: من أحابيل الشيطان: سب النفس ومقتها، وقديمًا قال أهل العلم: (سب نفسه ليمدحها)، فحاذر هذا السبيل، فهذا خيط دقيق من خيوط الشيطان.
الصورة الثالثة: المكاثرة بجموع الناس والفرح بذلك بدعوى أن اجتماع الناس على الخير خير، وهذا حق، وربما كان خيرًا للناس، وشرًا لك فيه عطبك وفساد قلبك، وقد كان السلف يخافون أن تكون هذه الجماهير من باب الاستدراج، ويكرهون ضجيج الناس وراءهم وينفرون منه أشد النفور، ويخافون أن يلقي ذلك بظلاله على صفاء العمل.
قال أبو بكر المَرُّوذِي ﵀: قلتُ لأَبي عبد الله: ما أَكثر الداعي لك! قال: «أَخافُ أَن يكون هذا استدراجًا» (٣).
стр. 85
وكان طلحة بن مصرف قارئ أهل الكوفة يقرؤون عليه القرآن، فلما رأى كثرتهم عليه كأنه كره ذلك لنفسه فمشى إلى الأعمش فقرأ عليه، فمال الناس إلى الأعمش وتركوا طلحة (١).
الله أكبر، ما أرفع هاتيك النفوس!
كيف قَدَرَ على قهر نفسه بهذا التواضع الجم، وكيف تَخَلَّى عن حظوظ نفسه، واستطاع أن يلجمها بلجام العدل، وينصفها في هذا الموقف الرهيب؟
أَلَا ما أحوجنا لمثل هذه النفوس الطاهرة، والقلوب المليئة بالصفاء، والمُتْرَعة بالنقاء!!
هكذا كانوا وهم مَنْ هم في الجلالة والمجاهدة للنفس، فكيف بنا في عصر كثرت فيه أدواء القلوب وعللها!!
هذه أهم صور المكايد الشيطانية التي قد نغفل عنها، وهي كثيرة ينبغي التفطن لها، عصمنا الله جميعًا من كيد الشيطان وحبائله.
стр. 86
المطلب السادس:
الشرك الخفي (١)
إمامة الناس وتحسين الصوت بالقرآن والدعاء؛ مظنة إغواء الشيطان للإنسان بالمراءة إلا من عصمه الله بالمجاهدة وتعاهد القلب.
وأهل العلم كثيرًا ما يذكرون أن عبادات السر طريق النجاة، وعبادات العلن التي يَطَّلِع عليها الناس مظنة تطرق الرياء، إلا من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى؛ ولهذا كان أولَ مَنْ تُسعَّر بهم النار يوم القيامة: القارئ المرائي، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (٢).
والقاسم المشترك بينه وبين المنفق والمجاهد الذين هم من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة؛ أن أعمالهم كانت في العلانية، وورود الرياء على عمل العلانية أقوى من عمل السر.
وقد خاف النبي ﷺ الرياء على أمته أكثر من خوفه عليهم المسيح
стр. 87
الدجال، كما في حديث أبي سعيد ﵁ قال: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ ، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ المسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ المسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: الشِّرْكُ الخفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاتَهُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» (١).
والرياء سبب لحبوط العمل:
قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
والآية بعمومها تشمل الشرك الأكبر والأصغر، ورأس الشرك الأصغر الرياء، مع خفائه ودقته.
قال ابن القيم ﵀: «محبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحصر، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه. فالرياء وإن دق محبط للعمل، وهو أبواب كثيرة لا تحصر» (٢).
ما الضابط في معرفة الإخلاص والسلامة من الرياء؟
الذي يظهر - والله أعلم - أن ضابط الإخلاص للإمام: أن يستوي عند الإنسان كثرةُ الناس وقلتهم، ومدحُهم وذمهم، وأن يبتغي بصلاته وقراءته رِضَى الله لا رغبة الناس، وهذا مطلب عزيز، لا يناله
стр. 88
الإمام إلا بالمجاهدة الطويلة، والإزراء بالنفس، ومشاهدة القصور والتقصير، ودوام استشعار النقص.
ومن الأمور التي يمكن أن تكون مدخلًا للرياء، ما ظهر في الأزمنة الأخيرة من تصوير وتسجيل لمقاطع تلاوات القرآن الكريم بأصواتٍ حسنةٍ خاشعةٍ، وهو أمرٌ نافعٌ لو حَصَل عَرَضًا دون تَقَصُّد الإمام وتكلفه، ودون أن تؤثر على نِيَّتِهِ وإخلاصه، أما لو تَقَصَّدَ التصوير أو التسجيل، واهتم به في صلاته ليظهر حسن صوته - وربما بكى وأبكى الناس لذلك - ففيه مدخل خَفِي على القلب قد يفقده إخلاصه، وربما تسبب لصاحبه بالعُجْب والرياء، فليتنبه لذلك.
стр. 89
المطلب السابع:
ليكن لك خبيئة
صلاة التراويح من العبادات الجماعية التي شُرِعَت لمصالحَ كثيرة تختص بالهدي التعبدي العام، لكنها لا تُغْنِي عن خبايا العبادات التي تتوافر فيها دوافع تحقيق الإخلاص لله أكثر من العبادات الجماعية.
والخبيئة هي عبادة السر التي تكون بين العبد وربه، في عملٍ من الأعمال الصالحة، وهذا الصنف من العبادة مقامه عظيمٌ؛ لصدق العبد وإخلاصه لله فيه، ولبعده عن الرياء ومطامع السمعة والشهرة.
وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذكر منهم النبي ﷺ : « ... وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا؛ حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (١).
فهذه الصدقة ارتفع مقامها، وعظم أجرها؛ حتى صار صاحبها من الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة؛ لأنها صدقة خفية خالصة
стр. 90
لوجه الله، وانظر إلى دقة التعبير النبوي: «فَأَخْفَاهَا؛ حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» مبالغة في إسرارها وإخفائها، فعَبَّرَ بقوله: «لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ» أي: أن يده اليسرى لم تعلم بما أنفقته اليمنى لقوة إخلاصه.
عجيبٌ أمر هذه الخبيئة التي يتمثل فيها الصدق مع الله في أرقى درجاته، وأسمى غاياته إذ لا يرجو المرء غير الله، لا يرائي أحدًا، ولا يطلب سوى الله.
وقوله: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا»: «يعنى صدقة التطوع؛ لأن صدقة الفرض إعلانها أفضل من إخفائها؛ لِيُقْتَدَى به في ذلك، ويُظْهِر دعائم الإسلام» (١).
قال الزبير بن العوام ﵁: «أيكم استطاع أن يكون له خبيئة مِن عملٍ صالحٍ فليفعل» (٢).
والخبيئة من أسباب نور القلب وسعادته:
قال الشافعي ﵀: «من أحب أن يفتح الله قلبه أو ينوره، فعليه بترك الكلام فيما لا يعنيه واجتناب المعاصي، ويكون له خبيئة فيما بينه
стр. 91
وبين الله تعالى من عمل» (١).
والخبيئة من أرجى ما ينجي العبد يوم تبلى السرائر:
لأن العبد «يخلص فيها بينه وبين ربه، ويدخرها ليوم فاقته وفقره، ويخبئها بجهده، ويسترها عن خلقه، يصل إليه نفعها أحوج ما كان إليه» (٢).
إن الموفق «من يكون له مع الله خبيئة سر وأعمال وأحوال، فمن لم يكن له مع الله سر فليس له عند الله قدر، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، ومن كان في نقصان فهو هالك ولا يشعر» (٣).
والقارئ في سير سلف الأمة تلوح له هذه العبادة في سيرة كل قدوة من أولئك الكبار.
قال ابن رجب ﵀: «قال بعضهم: كانوا يستحبون أن يكون للمرء خبيئة من عمل صالح؛ ليكون أهون عليه عند نزول الموت» (٤).
«كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي، فإذا دخل الداخل نام على فراشه» (٥)، ولعل ذلك في قيام الليل حرصًا منه على إخفاء العبادة.
стр. 92
ومن غرائب الأخبار عن عبد الله بن المبارك أنه كان يضع اللثام على وجهه عند القتال في سبيل الله (١)، حرصًا على التخفي وعدم الظهور.
يعلق الإمام أحمد ﵀، ويقول: «ما رفع اللهُ ابنَ المبارك إلا بخَبِيئةٍ كانت له» (٢).
ومن الذين كانت لهم خبيئة مع الله وجاء ذكرهم في نصوص الكتاب والسُّنة:
يونس ﵇: قال الله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٦].
فكان ليونس ﵇ خبيئة من عمل صالح أنجاه الله بها من بطن الحوت.
стр. 93
قال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾: «كان له عمل صالح فيما خلا» (١).
ومن أولئك: الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة:
كما جاء عن ابن عمر ﵂، عن النبي ﷺ : «خَرَجَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ فَأَصَابَهُمُ المَطَرُ، فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، قَالَ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا الله بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى، ثُمَّ أَجِيءُ فَأَحْلُبُ فَأَجِيءُ بِالحِلَابِ، فَآتِي بِهِ أَبَوَيَّ فَيَشْرَبَانِ، ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي، فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً، فَجِئْتُ فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ، قَالَ: فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا، حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، قَالَ: فَفُرِجَ عَنْهُمْ ... » الحديث (٢).
وهكذا الثاني والثالث منهم، كان لكلٍّ منهم خبيئة.
стр. 94
وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث: «ادْعُوا الله بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ» (١).
وفي رواية: «انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لله، فَادْعُوا اللهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ» (٢).
وفي رواية: «إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا الله بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ» (٣).
وفي رواية: «إِنَّهُ وَالله يَا هَؤُلَاءِ، لَا يُنْجِيكُمْ إِلَّا الصِّدْقُ، فَليَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ» (٤).
وهؤلاء الثلاثة كانت لهم خبايا بينهم وبين الله كانت سببًا لخلاصهم ونجاتهم من هذا الكرب الذي حَلَّ بهم، وهذه بركة من بركاتٍ كثيرة لعمل الخبيئة.
وأولى الناس بالخبيئة وأحوجهم إليها من كان إمامًا وقدوة للناس.
стр. 95
المطلب الثامن:
السِّر العجيب
إنَّ التوفيق والبركة والقبول الذي ينشده القدوة الذي جعله الله محل الاهتداء، لا بد أن يكون خلفه سر عجيب، هو السِّر الذي كان يمتلكه أبو بكر الصديق ﵁ الذي فاق الأمة في كل شيء.
لم يكن فقيرًا كأبي ذر أو أبي هريرة، لكنه كان أفضل منهما!!
لم يُعَذَّبْ كثيرًا كخَبَّاب أو بلال أو سُمَيَّة أو ياسر، لكنه كانَ أفضل منهم!!
لم يُصَبْ بدنُهُ في الغزواتِ كطلحة أو أبي عبيدة أو خالد بن الوليد، لكنه كانَ أفضلَ منهم!!
لم يقتل شهيدًا في سبيلِ الله كحمزة بن عبد المطلب أو مصعب ابن عمير أو سعد بن معاذ، لكنه كان أفضل منهم!!
مَنْ لِي بِمِثْلِ سَيْرِكَ الْمُدَلَّلِ ... تَمْشِي رُوَيْدًا وَتَجِي فِي الْأَوَّل
ما السر العجيب الذي صَنَعَ له هذه (العظمة) التي تتراجع عنها سوابق الهمم؟
стр. 96
والجواب نتركه لأحد التابعين الأجلاء ليكشفَ لنا (الْمُضْمَر) ويفضي لنا بـ (السر).
يقول: بكرُ بن عبد الله المزني: «إن أبا بكر ﵁ لم يفضل الناس بكثرة صلاة ولا صوم، وإنما فضلهم بشيء كان في قلبه» (١).
فأعمال القلوب هي التي رفعت أبا بكر، وجعلت إيمانه يزن إيمان أهل الأرض، كما قال عمر ﵁: «لو وُزِنَ إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض؛ لرجح بهم» (٢).
إنها أعمالُ القلوب!! تلك التي بَلَغَت بأبي بكر ﵁ إلى حيث لا تبلغ الآمال والهمم.
أعمال القلوب التي جعلتْ إيمانه لو وُزِنَ بإيمان أهل الأرض لرجحَ كما يقول الفاروق عمر ﵁.
لقد تعلمنا أن الإيمان: عمل قلبٍ، وقول لسانٍ، وفعل جوارح.
لكننا اجتهدنا في صور الأعمال وعددها وقول اللسان وعمل الجوارح، وأهملنا لبها وجوهرها وهو (عمل القلب).
стр. 97
ولكل عبادةٍ حقيقةٌ وصورةٌ:
فصورة الصلاة: الركوع والسجود وبقية الأركان، ولبها: الخشوع والانكسار بين يدي الله.
وصورة الصيام: الكفُّ عن المفطرات من الفجر إلى الغروب، ولبه: (التقوى)، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
وصورة الحج: السعي والطواف والوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمرات، ولبه: (تعظيمُ شعائر الله)، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
وصورة الدعاء: رفعُ اليدين واستقبالُ القبلة وألفاظُ المناجاة والطلبِ، ولبه: (الافتقارُ إلى الله).
وصورة الذكر (التسبيح والتهليل والتكبير والحمد)، ولبه: (إجلال الخالق ومحبته وخوفه ورجاؤه).
إن الشأن كل الشأن في (أعمال القلوب) قبل (أعمال الجوارح)، والرفعة وعز الدنيا والآخرة بالصدق مع الله (١).
стр. 98
إنه السِّر العجيب: الذي رفع الله به الإمام مالكًا ﵀، قال بشر بن بكر: «رأيت الأوزاعي في المنام مع جماعة من العلماء في الجنة، فقلت: وأين مالك بن أنس؟ فقيل: رُفِع، فقلت: بِمَاذَا؟ قال: بصدقه» (١).
وقال أبو بكرٍ المَرُّوذِي ﵀: سمعتُ رجلًا يقول لأبي عبد الله -الإمام أحمد - وذكر له الصدق والإخلاص، فقال أبو عبدالله: بهذا ارتفع القوم (٢).
وقال أبو زرعة ﵀: قلت لأحمد بن حنبل: كيف تخلَّصت من سيف المعتصم وسوط الواثق؟ فقال لي: «يا أبا زرعة الصدق، لو جُعِلَ الصدق على جُرْحٍ لَبَرَأَ» (٣).
قال أبو محمد ابن قدامة ﵀: «فأما علم المعاملة وهو علم أحوال القلب كالخوف والرجاء والرضا والصدق والإخلاص وغير ذلك، فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء، وبتحقيقه اشتهرت أذكارهم كسفيان الثوري وأبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.
стр. 99
وإنما انحطَّتْ رتبة المسمَّيْن بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات لتشاغلهم بصورة العلم من غير أخذٍ على النفس أن تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه.
وأنت تجد الفقيه يتكلم في الظِّهار واللِّعان والسَّبْق والرمي، ويُفرِّع التفريعات التي تمضى الدهور فيها ولا يُحتاج إلى مسألة منها، ولا يتكلم في الإخلاص، ولا يَحذَر من الرياء، وهذا عليه فرض عين لأن في إهماله هلاكَه، والأول فرض كفاية.
ولو أنه سُئِل عن علة ترك المناقشة للنفس في الإخلاص والرياء لم يكن له جواب، ولو سئل عن علة تشاغله بمسائل اللعان والرمي لقال: هذا فرض كفاية!
ولقد صدق ولكن خَفِي عليه أن الحساب فرض كفاية أيضًا فهلا تشاغل به؟! وإنما تُبَهْرِجُ عليه النفس؛ لأن مقصودَها من الرياء والسمعة يحصل بالمناظرة لا بالحساب» (١).
والمقصود أنه «ليس للعبد شيءٌ أنفعَ من صدقه ربه في جميع أموره ... ومَن صدَق اللهَ في جميع أموره صنع الله له فوق ما يصنع لغيره، وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص وصدق التوكُّل،
стр. 100
فأصدق الناس مَن صَحَّ إخلاصه وتوكله» (١).
إنه السر العجيب وإكسير الأعمال الذي يُحوِّل نحاس الأعمال ذهبًا (٢)، يجدها المرء أوفر ما يكون حظًا يوم تُبْلَى السَّرَائِرُ، ويحصّل مَا فِي الصُّدُورِ، ولا ينجو ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]، و ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣].
стр. 101
المطلب التاسع:
إياك والتكلف
التكلف هو: المغالاة ومجاوزة الحد في القول والفعل، والتكلف مذموم في كل الأمور لا سيما في أمور الشرع، يقول تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]. وقد فسر العلماء التكلف بالتصنع، وعن عمر ﵁ قال: «نُهِينَا عَن التَّكَلُّفِ» (١).
وأئمة المساجد أولى الناس بترك التكلف، وعدم الخروج عن المشروع.
ومن التكلف المذموم: ترك جوامع الدعاء الوارد عن النبي ﷺ وما أكثَرَه - وتَقَصُّد غرائب الأدعية المسجوعة والمُتكَلَّفة، ويقصد بها أحيانًا إبكاء المصلين.
ومن ذلك ما يقع فيه بعض الأئمة من عبارات تُعد اعتداء في الدعاء، كقول بعضهم: (يا من لا تراه العيون، ولا يصفه الواصفون)،
стр. 102
وإن كان هذا اللفظ قد ورد عند الطبراني في الأوسط (١)، إلا أن إسناده ضعيف، وهو مخالف لما أجمعت عليه الأمة من وصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ .
وقوله: (يا من لا تراه العيون) هذا إطلاق يحتاج تقييد، فإن الله لا يُرَى في الدنيا، ولكن الرؤية في الآخرة للمؤمنين ثابتة بالكتاب، والسنة المتواترة.
وكذلك المبالغة في الوصف حين الدعاء، كوصف حال الموت، واليوم الآخر؛ لتحريك قلوب الناس.
فينبغي الاقتصار على الدعاء الجامع المأثور من أدعية القرآن والسنة، أو ما في معناها، مع اجتناب السجع المتكلف، فقد كان السلف ينهون عنه.
ومن التكلف: إطالة القنوت إطالة مملة، ورفع الصوت في الدعاء، حتى يصل أحيانًا إلى حد الصياح والصراخ، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] فسمَّى الله رفع الصوت في الدعاء اعتداء، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠].
стр. 103
وفي الحديث الذي رواه أبو موسى مرفوعًا: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا» (١)، والإفراط في رفع الصوت بالدعاء، بالإضافة إلى مخالفته للسنة، هو مجلبةٌ للرياء، وينافي لب الصلاة من الانكسار لله والذل بين يديه.
ومن التكلف أيضًا: المبالغة في رفع الصوت بالبكاء (٢)، وتكلف ذلك أحيانًا، والمشروع للإمام إذا تأثر بالقرآن أو بالدعاء أن يدافع البكاء، فلم يكن من هدي النبي ﷺ أن يبكي في الصلاة بصوت عالٍ ليبكي من خلفه، كما قد يكون من بعضهم، فيستدعون ببكائهم بكاء غيرهم، ناهيك أن بعضهم يبكون بنحيب وعويل، بل كان ﷺ يكتم بكاءه في صدره حتى يصبح له أزيز كأزيز المرجل (٣)؛ أي: كغلي القدر.
قال ابن القيم ﵀ عن هديه ﷺ في البكاء: «وأما بكاؤه ﷺ فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت» (٤).
стр. 104
ومن التكلف أيضًا: المبالغة في الترتيل مبالغة تخرج عن الحد الطبيعي، والأَوْلَى أن يكون الترتيل على السَّجِيَّة التي فطر الله الإنسان عليها، وأن يُحَسِّن القارئ صوته بالقرآن، ويتغنى به من غير مبالغة وتكلف، بل على الطبيعة؛ لأن هذا أقرب لاستمتاع أذن السامع بكلام الله، وأبعد عن الإملال للغير، والإجهاد للنفس؛ لأن المتكلف يكون ثقيلًا على نفسه، مملًّا لغيره، وكلما كان الإمام بعيدًا عن التكلف كان أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء والسمعة.
стр. 105
المطلب العاشر:
الداء الدفين
إنَّ من أشدِّ الآفات فتكًا في القلوب وإفسادًا للأعمال، آفة خفية تسري في النفوس فتؤثر في مسارها، وتفسد سيرها، إنها آفة التعالي والعجب.
وما أجملَ قولَ ضيغم بن مالك عندما قال: «احذر نفسك على نفسك» (١)، وكلما أرادت نفسك التعالي فذكرها بقول ربك سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة:٢٣٥].
ونظر مطرِّف بن الشِّخِّير إلى المهلَّب بن أبي صُفْرة وعليه حلة يسحبها ويمشي الخيلاء، فقال: يا أبا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ فقال المهلب: أما تعرفني؟ قال: بلى أعرفك، أَوَّلُكَ نطفة مَذِرَة، وآخرك جيفة قَذِرَة, وحشوك فيما بين ذلك بول وعَذِرَة» (٢).
стр. 106
ونظم بعضهم ذلك فقال:
عَجِبْتُ مِنْ مُعْجَبٍ بِصُورَتِه ... وَكَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةً مَذِرَهْ
وَفِي غَدٍ بَعْدَ حُسْنِ صُورَتِه ... يَصِيرُ فِي اللَّحْدِ جِيفَةً قَذِرَهْ
وَهْوَ عَلَى تِيهِهِ وَنَخْوَتِه ... مَا بَيْنَ ثَوْبَيْهِ يَحْمِلُ الْعَذِرَهْ
وإذا كان الله قد حباك أيها الإمام نعمة الصوت الحسن، فاشكر الله عليها بالتواضع، وكثرة حمده، وشكره، والثناء عليه، فهو من حباك الصوت الحسن، ويسر لك حفظ القرآن، وهو قادر على أن يسلبك هذه النعمة في طرفة عين.
و «من امتُحِن بالعُجْب فليفكر في عيوبه، فإن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة، فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه فليعلم أن مصيبته إلى الأبد، وأنه أتم الناس نقصًا، وأعظمهم عيوبًا، وأضعفهم تمييزًا، وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل، ولا عيب أشد من هذين؛ لأن العاقل هو من مَيَّز عيوب نفسه فغالَبَها وسعى في قَمْعها، والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه، إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته، وإما لأنه يقدِّر أن عيوبه خصال،
стр. 107
وهذا أشد عيب في الأرض» (١)، فعليك باستحضار عيوبك.
قال ابن حزم ﵀: «فمن خفيت عليه عيوب نفسه فقد سقط وصار من السخف والضَّعة والرذالة والخِسَّة وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم بحيث لا يَتخلف عنه متخلفٌ من الأرذال وبحيث ليس تحته منزلةٌ من الدناءة، فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها» (٢).
«وإن أعجبت بعملك فتفكر في معاصيك وفي تقصيرك وفي معاشك ووجوهه، فوالله لتجدن من ذلك ما يغلب على خيرك، ويُعفِّي على حسناتك، فليطل همك حينئذ، وأبدل من العجب تنقصًا لنفسك» (٣).
وقد كان سلف الأمة أكثر الناس إزراءً بأنفسهم واتهامًا لها:
قال محمد بن واسع ﵀: «لو كان يوجد للذنوب ريح ما قدرتم أن تدنوا مني؛ من نَتَنِ ريحي» (٤).
стр. 108
وقال خلف بن تميم ﵀: «رأيت الثوري في مكة وقد كَثَّرُوا عليه، فقال: إنا لله، أخاف أن تكون قد ضُيِّعَت الأمة؛ حيث احتاج الناس إلى مثلي!» (١).
قال رجل «لابن عمر: يا خير الناس ويا ابن خير الناس فقال ابن عمر: ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكني عبدٌ من عباد الله، أرجو الله تعالى وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه» (٢).
وقيل مرةً «لعمر بن عبد العزيز: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، قال: بل جزى الله الإسلام عني خيرًا!» (٣).
وقال أبو جعفر محمد بن زهير: «أتيت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - في شيء أسأله عنه، فأتاه رجل، فسأله عن شيء أو كلمه في شيء، فقال: له جزاك الله عن الإسلام خيرًا، فغضب أبو عبد الله وقال له: من أنا حتى يجزيني الله عن الإسلام خيرًا؟! بل جزى الله الإسلام عني خيرًا» (٤).
стр. 109
و «جاء قوم إلى أبي معاوية الأسود فقالوا: ادع الله لنا، فقال: اللهم ارحمني بهم، ولا تحرمهم بي» (١).
وقال أبو الوازع: «سمعت ابن عمر، وقال له رجل: لا نزال بخير ما أبقاك لنا الله، قال: ثكلتك أمك، وما يدريك ما يغلق عليه ابن أمك بابه؟!» (٢).
وقال رجلٌ لميمون بن مهران: يا أبا أيوب، ما يزال الناس بخيرٍ ما أبقاك الله لهم. فقال له ميمون: «أقبل على شأنك أيها الرجل؛ فما يزال الناس بخيرٍ ما اتقوا ربهم» (٣).
وقال أحمد بن حنبل: «كان سفيان الثوري إذا قيل له إنه رُئِيَ في المنام، قال: أنا أعرف بنفسي من أصحاب المنامات» (٤).
قال المَرُّوذِي: «أدخلت نصرانيًّا على أبي عبد الله يعالجه، فقال: يا أبا عبد الله، إني أشتهي أن أراك منذ سنين، وليس بقاؤك صلاح أهل
стр. 110
الإسلام وحدهم، بل هو للخلق جميعًا، وليس من أصحابنا أحد إلا وقد رضي بك.
قال المروذي: فقلت لأبي عبد الله: إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار، فقال: يا أبا بكر، إذا عَرَفَ الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس!» (١).
غفر الله لهؤلاء القدوات، ورزقنا قلوبًا سليمة، ووقانا شر العجب والغرور والتعالي.