بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الذي جعل العلم النافع طريقًا موصلًا لرضاه، وصراطًا يتبعه من أراد هداه، ويحيد عنه من ضل واتبع هواه، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]، ونشهد أن لا إله إلا الله؛ رفع شأن العلم وأهله حتى وصلوا من المجد إلى منتهاه، وبلغوا من العز أعلى ذراه، فمَن سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا؛ سهَّل الله له به طريقًا إلى جنَّته وعُلاه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله؛ الرحمة المهداة، والنعمة المُسْداة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الهداة التقاة، ومَن سار على نهجه إلى يوم لقاه.
أما بعد:
فهذا هو الكتاب الثالث (١) من المنهجية العلمية التأصيلية للتميُّز التي نرجو أن تعين طالب العلم، وتأخذ بيده إلى طريق واضح نَيِّر؛ لينشد غايته من العلم الشرعي الصحيح على ضوء الكتاب والسنة بخطوات ثابتة مدروسة.
ومنهجيةُ التميز تُرَكِّزُ على جوانبَ غايةٍ في الأهمية في مسيرة طالب العلم
стр. 2
نحو هدفه، ومن تلك الجوانب:
- اختيار أبرز وأهم المتون العلمية، وشرحها شرحًا مناسبًا يقرِّب العلم ويسهل إتقانه.
- توفير كتب الشروح مع وضع خطة للمراجعة المستمرة لجميع هذه الشروح بشكل دوري.
- رعاية طالب العلم مع متابعته في مسيرته من خلال سجل خاص بكل طالب علم.
- المتابعة والتواصل مع الطلاب عن طريق رسائل الجوال.
- وضع البرامج والخطط العلمية الإضافية لمن يجد لديه همةً وطموحًا وسعةً من الوقت.
- طرح برامج علمية تتمثل في:
o برنامج حفظ المتون أو الصحيحين.
o برنامج المناقشة العلمية لشروح المنهجية.
o برنامج القراءة الحرة والاطلاع على كتب الأئمة المحققين، كابن تيمية وابن القيم وغيرهما.
وهذه البرامج الثلاثة اختيارية، ويراعى فيها المستوى العلمي ووفرة الوقت لدى طالب العلم.
- الاهتمام بالجوانب الإيمانية والسلوكية والخُلُقِيَّة من خلال الدروس واللقاءات العلمية.
стр. 3
- إعانة طالب العلم، وتذليل العقبات أمامه من خلال الجلسات العامة والفردية؛ لمعالجة عوائق الطلب، وأَدْواء الطريق؛ كالاضطراب في المنهج والتشتُّت في التلقي، مع تقديم المناهج العلمية المُعِينةِ على التحصيل في جميع مسارات العلم.
- لطالب العلم الراغب في الالتحاق بالمنهجية إمكانيةُ اللَّحاق واستدراك ما فاته؛ وذلك بالتواصل مع اللجنة العلمية من خلال الجوال الخاص بالمنهجية, أو التواصل المباشر مع د. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل، ويفضل الحضور لأجل المتابعة بشكل دوري ثابت حسب ظروف المشارك، ويمكن أن يلتحقَ بالمنهجية طالبُ العلم الذي لا يتمكن من الحضور - سواءٌ في منطقة القصيم أو خارجها أو خارج المملكة - وذلك بتوفير شروح المنهجية له, ومتابعته في قراءتها وإتقانها من خلال التواصل عن طريق جوال المنهجية أو موقع مركز النخب العلمية على الشبكة العالمية.
أمدَّنا الله وإياكم بالعلم النافع، ووهبنا من لدنه رحمة وفضلًا.
قسم المطبوعات بمركز النخب العلمية
جوال: ٠٥٠٦٥٤٣٠٩٠
جوال المنهجية: ٠٥٣٠١٢٣١٢٧
البريد الإلكتروني: al_khaleefa@hotmail.com
стр. 4
ترجمة موجزة لشيخ الإسلام ابن تيميَّة
اسمه ونسبه:
هو: أحمد بنُ عبد الحليم بنِ عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن تيمية، النميري نسبًا، الحرَّاني مولدًا، ثم الدمشقي منشأً، الحنبلي مذهبًا، المَكْني بأبي العباس، والملقب بـ «شيخ الإسلام»، وتقيِّ الدين، والمعروف بـ «ابن تيمية».
مولده ونشأته وطلبه للعلم:
وُلِدَ ابن تيمية ﵀ بحَرَّان يوم الاثنين ١٠ ربيع الأول سنة ٦٦١ هـ، ونشأ بها، ثم هاجر مع أسرته إلى دمشق عام ٦٦٧ هـ فرارًا من ظلم التتار.
وقد نشأ ﵀ في أسرة علمٍ ودين وفضل، فآباؤه وأجداده وإخوانه كانوا من العلماء المعروفين.
حفظ القرآن الكريم في صغره، وأخذ العلم عن عددٍ من العلماء، فأتقن التفسير والحديث والفقه والأصول والعربية وغيرها من العلوم في سِنٍّ مُبَكِّرة، وناظر واستدل وهو دون البلوغ، وأفتى وأَلَّفَ في سن السابعة عشرة، ودرَّس في الحادية والعشرين من عمره، بعد وفاة والده.
стр. 5
شيوخه:
أخذ ابن تيمية ﵀ عن أكثرَ مِن مائتي شيخ، منهم:
١ - أبو محمد عفيف الدين عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن فارس العلثي ثم البغدادي (ت:٦٨٥ هـ).
٢ - أبو إسحاق تقي الدين إبراهيم بن علي بن أحمد الصالحي الواسطي الحنبلي (ت:٦٩٢ هـ).
٣ - شرف الدين المقدسي أحمد بن كمال الدين أحمد بن نعمة الشافعي (ت:٦٩٤ هـ).
٤ - أبو البركات زين الدين المنجا بن عثمان بن أسعد التنوخي الدمشقي (ت:٦٩٥ هـ).
٥ - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسي، المداوي (ت:٦٩٩ هـ).
٦ - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن إسماعيل بن أبى سعد الشيباني الآمدي (ت:٧٠٤ هـ).
تلاميذه:
أخذ عن شيخ الإسلام عددٌ كبير من العلماء، منهم:
١ - أبو عبد الله شرف الدين محمد بن المنجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي، الدمشقي (ت:٧٢٤ هـ).
стр. 6
٢ - جمال الدين يوسف بن عبد المحمود بن عبد السلام البتي الحنبلي البغدادي، المقرئ الفقيه (ت:٧٢٦ هـ).
٣ - يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج جمال الدين القضاعي الكلبي المزي (ت:٧٤٢ هـ).
٤ - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي الصالحي الحنبلي (ت:٧٤٤ هـ).
٥ - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز، الذهبي التركماني، ثم الدمشقي (ت:٧٤٨ هـ).
٦ - أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن موسى بن خليل البغدادي الأزجي البزار (ت:٧٤٩ هـ).
٧ - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي الحنبلي؛ ابن قيمِ الجَوْزية (ت:٧٥١ هـ).
٨ - أبو العباس شرف الدين أحمد بن حسن بن عبد الله بن عمر الصالحي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن قاضي الجبل (ت:٧٧١ هـ).
٩ - أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير، البصري ثم الدمشقي الشافعي (ت:٧٧٤ هـ).
عقيدته ومذهبه:
شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أئمة المنهج السلفي، الذين نشروا معتقد أهل السنة والجماعة، ودافعوا عنه، وخيرُ شاهد على ذلك كتبُه في
стр. 7
العقيدة التي تلقَّاها العلماء سلفًا وخلفًا بالقبول.
وأما مذهبه الفقهي فهو ينتسب إلى مذهب الحنابلة في الجملة، لكنه لم يتعصب له، بل خالفه في كثير من اختياراته، ويؤكد ذلك قولُه في مجموع الفتاوى (١): «مع أني في عمري إلى ساعتي هذه لم أَدْعُ أحدًا قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي وغير حنبلي، ولا انتصرتُ لذلك، ولا أذكره في كلامي، ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلفُ الأمة وأئمتُها».
مؤلفاته وآثاره العلمية:
ترك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ثروة علمية كبيرة قيمة، ضَمَّنَهَا مؤلفاتِه وآثارَه، منها ما وصل إلينا ومنها ما لم يصل، ولكن المصادر التي ترجمت له، والعلماء الذين نقلوا عنه في كتبهم احتفظوا لنا بأسماء بعضها، وفيما يلي ذكر لأهمها وأشهرها:
١) الإخنائية، أو الرد على الإخنائي.
٢) الاستقامة.
٣) إقامة الدليل على إبطال التحليل.
٤) اقتضاءُ الصراط المستقيم مخالفةَ أصحاب الجحيم.
٥) الإيمان.
٦) بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية.
стр. 8
٧) بيان تلبيس الجهمية.
٨) التحفة العراقية.
٩) التدمرية.
١٠) التسعينية.
١١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح.
١٢) الحسبة في الإسلام.
١٣) درء تعارض العقل والنقل.
١٤) الرد على المنطقيين.
١٥) الرسالة العرشية.
١٦) رفع الملام عن الأئمة الأعلام.
١٧) شرح العقيدة الأصفهانية.
١٨) شرح حديث النزول.
١٩) شرح عمدة الفقه.
٢٠) الصارم المسلول على شاتم الرسول.
٢١) الصفدية.
٢٢) العبودية.
٢٣) العقيدة الواسطية.
٢٤) الفتاوى الكبرى.
стр. 9
٢٥) الفتاوى المصرية.
٢٦) الفتوى الحموية الكبرى.
٢٧) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
٢٨) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة.
٢٩) القواعد النورانية الفقهية.
٣٠) مجموع الفتاوى.
٣١) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية.
٣٢) النبوات.
٣٣) نقد مراتب الإجماع.
٣٤) نقض المنطق.
٣٥) الواسطة بين الحق والخلق.
مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه:
لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مكانة عظيمة عند الناس؛ ولهذا لهِج العلماء - قديمًا وحديثًا - بالثناء عليه، وفيما يلي ذكر لبعض أقوالهم:
قال ابن دقيق العيد (ت:٧٠٢ هـ): «لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلًا العلومُ كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد» (١).
وقال المِزِّي (ت:٧٤٢ هـ): «ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثلَ نفسه، وما
стр. 10
رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا أتبعَ لهما منه» (١).
وقال الذهبي (ت:٧٤٨ هـ): «ما رأيت أحدًا أسرعَ انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشدَّ استحضارًا لمتون الأحاديث وعزوِها إلى الصحيح أو المسند أو إلى السنن منه، كأن الكتاب والسنن نصب عينيه وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالف» (٢).
وقال ابن كثير (ت:٧٧٤ هـ): «قلَّ أن سمع شيئًا إلا حفظه ... وما قُطِع في مجلس، ولا تكلم معه فاضلٌ في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه، ورآه عارفًا به متقنًا له» (٣).
وقال أبو البقاء السبكي (ت:٨٤٢ هـ): «ما يبغض ابنَ تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى» (٤).
محنته:
لقد نال شيخَ الإسلام ابن تيمية ﵀ صنوفٌ من الأذى، وأنواعٌ من المحن كغيره من المصلحين الذين أوذوا في ذات الله من العلماء والأئمة، وقبلهم الأنبياء والرسل، وهذه سنة جارية.
فمنزلة شيخ الإسلام العالية، وشهرته الكبيرة؛ دفعت خصومه والناقمين
стр. 11
عليه إلى إلصاق التهم به، وتأليب الحكام عليه، حسدًا من عند أنفسهم؛ فكانت النتيجة سجنه ﵀ سبع مرَّات، كانت الأخيرة منها بقلعة دمشق لمدة عامين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا؛ بسبب فتوى له في مسألة شد الرحال إلى قبر النبي ﷺ زاعمين أنه ينتقص جناب الأنبياء والأولياء، وحاشاه من ذلك.
وفاته:
توفي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ليلة الاثنين ٢٠ من ذي القعدة سنة (٧٢٨ هـ) بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوسًا بها (١).
стр. 12
نبذة تعريفية بالعقيدة الواسطية
نسبة العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام:
لا شك في صحة نسبة العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقد توافرت الأدلة على ثبوت نسبتها إليه، ويؤكد ذلك الحقائق التالية:
١ - تصريح شيخ الإسلام بتأليفه لها كما في «مجموع الفتاوى» (١)، وهذا سيد الأدلة.
٢ - أن كثيرًا من الذين ترجموا لشيخ الإسلام ابن تيمية نسبوا له هذه العقيدة (٢).
٣ - لم ينسبها أحد من الناس لغير شيخ الإسلام ابن تيمية.
سبب تأليفها:
سبب تأليف هذه العقيدة، ذكره شيخُ الإسلام نفسه، إذ قال: «هذه كان سبب كتابتها أنه قدِم عليَّ من أرض (واسط) (٣) بعضُ قضاة نواحيها - شيخ
стр. 13
يقال له: (رضي الدين الواسطي) من أصحاب الشافعي - قدم علينا حاجًّا، وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناسُ فيه بتلك البلاد وفي دولة التَّتَر من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته، فاستعفيتُ من ذلك وقلت: قد كتب الناس عقائد متعددة؛ فخذ بعض عقائد أئمة السنة، فَأَلَحَّ في السؤال وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت، فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر (١)، وقد انتشرت بها نسخ كثيرة؛ في مصر؛ والعراق؛ وغيرهما» (٢).
سبب تسميتها بالواسطية:
هي نسبة إلى مدينة (واسط) كما في سبب تأليفها المذكور آنفًا، إذ كُتِبَتْ هذه العقيدة لأهلها، وأول من أطلق عليها هذا الاسم شيخ الإسلام نفسه، حيث قال - في حكايته للمناظرة التي حصلت له مع أهل الكلام -: « ... ثم أرسلت من أحضرها ومعها كراريس بخطي من المنزل، فحضرَت العقيدة الواسطية» (٣).
وقال بعضهم: هي نسبة إلى الوسطية - أي وسطية أهل السنة والجماعة -
стр. 14
ولا شك أنها عقيدة وسطية، ولكن نسبتها إلى واسط هو الصواب؛ ولأنه لو كانت نسبتها إلى الوسطية لسُمِّيتْ (العقيدة الوسطية)، لا الواسطية؛ وقد جاء في غِلاف بعض الطبعات المصرية (العقيدة الوسطية) ولعله سهوٌ، أو اعتقاد أنها نسبة إلى الوسطية، وكل ذلك غير صحيح.
تاريخ تأليفها:
أُلِّفت العقيدة الواسطية في حدود سنة (٦٩٢ هـ)؛ لأن شيخ الإسلام قال في حكايته للمناظرة مع أهل الكلام: «أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون عليَّ؛ كما قد كذبوا عليَّ غير مرة، وإن أمليت الاعتقاد من حفظي: ربما يقولون كتم بعضه؛ أو داهن ودارى، فأنا أحضر عقيدة مكتوبة؛ من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى الشام» (١)، يقصد بذلك العقيدة الواسطية، ومجيء التتر كان سنة (٦٩٩ هـ)، فإذا نُقص منها سبع سنين صارت (٦٩٢ هـ).
موضوعها:
اشتملت العقيدة الواسطية على عدد من موضوعات العقيدة، منها: مسائل الأسماء والصفات، ووسطية أهل السنة والجماعة، ومسائل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وحقوق الصحابة وآل البيت، وكرامات الأولياء، وطريقة أهل السنة في السلوك والعمل، وغيرها من المسائل التي هي من أصول مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تخلل هذه
стр. 15
المسائلَ بعضُ القواعد الجامعة في العقيدة.
قال شيخنا ابن عثيمين ﵀ في شرحه للقواعد المثلى: «إن قال قائل: ما الفرق بين هذا - أي القواعد المثلى - وبين ما قرأناه من العقيدة الواسطية؟
الجواب: الفرق أن العقيدة الواسطية يتكلم فيها المُصَنِّف ﵀ عن المسائل، وربما يشير إلى القواعد، لكن الأصل أنه إنما يتكلم عن المسائل، أما هذه فإنها تبحث في القواعد العامة، بقطع النظر عن كل مسألة بعينها، فبينهما فرق، يشبه الفرق بينهما ما بين أصول الفقه والفقه؛ لأن هذه قواعد وما ذكره المُصَنِّف ﵀ في الواسطية مسائل» (١).
قيمتها العلمية:
تتمثل القيمة العلمية للعقيدة الواسطية في أمور، أبرزها ما يلي:
١ - تلقي العلماء وطلبة العلم لها بالقبول وثناؤهم عليها، في القديم والحديث، قال الذهبي ﵀ في حكاية مناظرة شيخ الإسلام: «ووقع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد» (٢).
وقال العلامة ابن رجب ﵀ أيضًا: «ووقع الاتفاق ... على أن هذه عقيدة سُنية سلفية» (٣).
стр. 16
وقال الشيخ السعدي ﵀: «جَمَعت على اختصارها ووضوحها جميعَ ما يجب اعتقاده من أصول الإيمان وعقائده الصحيحة» (١).
وقال شيخنا الشيخ ابن باز ﵀: «ومِن كتب العقيدة المهمة كتاب (العقيدة الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فهو كتاب جليل مختصر عظيم الفائدة في مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة» (٢).
وقال شيخنا الشيخ ابن عثيمين ﵀ وهو يوصي ببعض الكتب المهمة -: «كتاب (العقيدة الواسطية)، وتتضمن توحيد الأسماء والصفات، وهي من أحسن ما ألف في هذا الباب، وهي جديرة بالقراءة والمراجعة» (٣).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة (٤): «أما كتاب (العقيدة الواسطية) فهو كتاب جليل مشتمل على بيان عقيدة أهل السنة والجماعة بالأدلة من الكتاب والسنة، فنوصيك باعتقاد ما فيه والدعوة إلى ذلك».
٢ - جلالة مؤلفها، الذي يُعَد من أئمة أهل السنة والجماعة، ومن أكبر المنافحين والمدافعين عن الحق وعن عقيدة السلف، وقد كتب الله له القبول فطبَّق علمُه الآفاقَ، وذاع صيته في جميع المدن والأعماق.
٣ - أَنَّ المُصَنِّف ﵀ حشد في هذه الرسالة من نصوص الوحيين ما
стр. 17
يشفي ويكفي (١)؛ ولذا جاءت بعض الأبواب والفصول وليس فيها غير الآيات والأحاديث، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام بنفسه، فقال: «تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة» (٢)، وقال أيضًا: «وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثًا أو إجماعًا سلفيًّا» (٣).
٤ - أَنَّ المُصَنِّف ﵀ تحرى في هذه العقيدة ما أجمع عليه سلفُ هذه الأمة؛ من القرون المفضلة ومن بعدهم، لذلك جاءت محكمة متقنة؛ ويقول في ذلك: «وقلت مرَّاتٍ: قد أمهلتُ كل من خالفني في شيء منها ثلاثَ سنين؛ فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبيُّ ﷺ ... يخالفُ ما ذكرتُه فأنا أرجعُ عن ذلك» (٤).
شروحها والتعليقات عليها:
لقد اعتنى العلماء وطلبة العلم بهذه العقيدة؛ حفظًا، وتدريسًا، وقد شرحت بشروح كثيرة منها:
١ - التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة: للشيخ: عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت:١٣٧٦ هـ).
стр. 18
٢ - التعليقات السَّنِيَّة على العقيدة الواسطية: للشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك (ت:١٣٧٦ هـ).
٣ - شرح العقيدة الواسطية: من تقريرات الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت:١٣٨٩ هـ)، كتبها ورتبها: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم.
٤ - شرح العقيدة الواسطية: للشيخ محمد خليل هرَّاس (ت:١٣٩٥ هـ).
٥ - حاشية على العقيدة الواسطية: للشيخ محمد بن عبد العزيز بن محمد ابن مانع (ت:١٣٩٤ هـ).
٦ - الروضة النديَّة شرح العقيدة الواسطية: للشيخ زيد بن عبد العزيز بن فياض (ت:١٤١٦ هـ).
٧ - التَّنبيهات السنيَّة على العقيدة الواسطية: للشيخ عبد العزيز الناصر الرشيد (ت:١٤١٨ هـ).
٨ - شرح العقيدة الواسطية: للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت:١٤٢١ هـ).
٩ - الكواشف الجليَّة عن معاني الواسطية: للشيخ عبد العزيز المحمد السلمان (ت:١٤٢٢ هـ).
١٠ - الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية: للشيخ عبد العزيز المحمد السلمان أيضًا (ت:١٤٢٢ هـ).
١١ - شرح العقيدة الواسطية: للشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان.
١٢ - التعليقات الزكية على العقيدة الواسطية: للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن
стр. 19
الجبرين (ت:١٤٣٠ هـ).
١٣ - توضيح مقاصد العقيدة الواسطية: للشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك.
١٤ - اللآلئ البهية في شرح العقيدة الواسطية: لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ.
١٥ - الأسئلة النجدية على العقيدة الواسطية: للشيخ محمد بن علي بن سليمان الرُّوق.
١٦ - الفوائد السنية على العقيدة الواسطية: للشيخ عبد الله بن صالح بن محمد القصير.
١٧ - شرح العقيدة الواسطية: للشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني.
١٨ - التعليقات المفيدة على العقيدة الواسطية: للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن علي الشريف.
١٩ - شرح العقيدة الواسطية من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: للشيخ خالد بن عبد الله المصلح.
٢٠ - شرح العقيدة الواسطية: للشيخ خالد بن عبد الله باحميد الأنصاري.
٢١ - الجلسات الطلابية لشرح العقيدة الواسطية: لشيخنا عبد الله بن محمد الغنيمان.
стр. 20
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الشرح
قوله: «بِسْمِ الله» ابتدأ المُصَنِّف هذه الرسالة بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز، إذ جاءت البسملة في أول سور القرآن؛ واقتداءً بالنبي ﷺ في مكاتباته؛ كما في كتابه لهرقل، إذ ابتدأ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)؛ فعن ابن عباس أن أبا سفيان أخبره، قال: «دَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ الله ﷺ فَإِذَا فِيهِ: «بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهدَى أَمَّا بَعْدُ» (١).
أما الحديث الشهير، الذي روي من طريق أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَقْطَعُ» (٢)، وفي رواية: «أبتر» (٣)، وفي رواية: «لا يُبْدَأ فِيهِ بِالحمْدِ للهِ فَهُوَ أَقْطَع» (٤) فهو
стр. 21
الحَمْدُ لله
الشرح
غير صحيح، ولا يثبت في البسملة والحمدلة عن النبي ﷺ شيءٌ.
«بِسْمِ الله»: (الباء) للاستعانة؛ أراد المُصَنِّف أن يستعين بالله تعالى على تأليف هذه الرسالة، والاستعانة بالله على شؤون العبد العامة والخاصة من أسباب التوفيق والسعادة.
يقول ابن القيم ﵀: «الاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس، ولا يعتمد عليه في أموره، مع ثقته به؛ لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه مع عدم ثقته به؛ لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه، مع أنه غير واثق به» (١).
قوله: «الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»: اسمان كريمان لله من أسمائه الحسنى يدلان على صفة الرحمة لله جل وعز، والفرق بينهما أن «الرَّحْمَن»: ذو الرحمة العامة لجميع الخلق، و «الرَّحِيم»: ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: (٤٣)].
قوله: «الحَمْدُ لله»: معناها وصف المحمود بأوصاف الكمال، مع المحبة والتعظيم والإجلال، وجميع أوصاف الكمال ثابتة لله تعالى على أتم الوجوه وأكملها.
стр. 22
الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
الشرح
وما الفرق بين الحَمْد والمَدْح ؟
الجواب: قال ابن القيم: «الحمد إخبارٌ عن محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه، بخلاف المدح؛ فإنه إخبار مجرد» (١)؛ ولهذا نجد الفقير يمدح الغني لكن لا يلزم من ذلك حبه، بل يريد منفعته وعطاءه، بخلاف الحمد فهو مرتبط بالحب والتعظيم؛ ولهذا لا يصرف الحمد إلا لله ، وأما المدح فيكون لله ولغيره.
قوله: «الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ» (الرسول) لغةً: من بُعث برسالة. وشرعًا: إنسان ذَكَرٌ أُوحي إليه بشرع وأُمِر بتبليغه.
ما المراد بالرسول هنا؟ هل المراد محمد ﷺ أم المرادُ جنس الرسول؟
كلاهما محتمل، فيحتمل أن يكون المراد جنس الرسول، ويحتمل أن يكون المقصود سيد البشر ﵊، الذي ختم الله به الأنبياء وفضَّله عليهم وعلى الخليقة، وقد أتم به البناء كما في الحديث الذي في الصحيحين من رواية أبي هريرة ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ، قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ» (٢).
стр. 23
بِالهُدَى
الشرح
قوله: «بالهُدَى» الهدى: العلم النافع، والعلم نوعان:
١ - علم نافع.
٢ - علم غير نافع.
فالعلم النافع: هو ما يُقَرِّبُ إلى الله ، وقد كان ﷺ يكثر من دعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا» (١).
فعليك يا طالب العلم بالإكثار من هذا الدعاء، واضمم إليه دعاءَين آخَرين عظيمين: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (٢)، «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ» (٣).
فهذه ثلاثة أدعية جامعة مباركة لا يستغني عنها مبتغي العلم النافع.
والعلم غير النافع: وهو ما لا ينفع الإنسان في الآخرة، فكل علم لا يقرب صاحبه إلى الله ولا ينفعه في الآخرة فهو من العلم الذي لا ينفع.
стр. 24
وَدِينِ الحقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا،
الشرح
قوله: «وَدِينِ الحقِّ» المراد به العمل الصالح؛ لأن الدين هو: العمل، أو الجزاء على العمل؛ فمِن إطلاقه على العمل قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: (١٩)]. ومن إطلاقه على الجزاء قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: (١٧)].
قوله: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» نوع اللام هنا للتعليل، أي: كي يظهره على الدين كله.
وأين يعود الضمير في قوله: «لِيُظْهِرَهُ»؟
قال أكثر أهل العلم: هو عائد على الدين، وقال جماعة: إنه عائد على الرسول ﷺ ، ولا مانع من القول بهما؛ لأن هذا الدين جاء به الرسول ﷺ ؛ فهما متلازمان فنصرة هذا وظهوره نصرة لذاك.
فتكون هذه الرفعة وهذا الظهور الذي كتبه الله شاملًا للرسول ولدين الإسلام الذي جاء به، فمَن تمسَّك بهذا الدين الحق فسيظهره الله وينصره كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: (٥١)].
قوله: «وَكَفَى بالله شَهِيدًا» أي: شاهدًا للرسول ﷺ بأنه حق، وهو سبحانه ناصره ومُظهِرُه.
стр. 25
وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ إِقْرَارًا بِهِ وَتَوْحِيدًا،
الشرح
وفي هذا دلالة قاطعة على صدق النبي ﷺ ؛ إذ لو كان مفتريًا على ربه لما كان له هذا النصر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: (٤٤) - (٤٧)].
قوله: «وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلا اللهُ» هذه كلمة الإخلاص، وكلمة الإخلاص لها ركنان: النفي والإثبات. «لا إله»: نفي؛ أي: نفي جميع ما يعبد من دون الله. «إِلا اللهُ»: إثبات أي: إثبات العبادة لله وحده لا شريك له.
وهذه الشهادة لها عدة شروط:
١) العلم المنافي للجهل: أي العلم بمعنى هذه الشهادة، والعلم هنا لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته بما طُلِبَ منه علمه، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: (١٩)]، ومن السنة قوله ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ دَخَلَ الجنَّةَ» (١).
٢) اليقين المنافي للشك: أي: استيقان القلب بهذه الكلمة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحُجُرات:١٥]، وقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجنَّةِ» (٢).
стр. 26
٣) الإخلاص المنافي للشرك: قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: (٥)] وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: (٣)]، والأحاديث الواردة كثيرة؛ مِن أشهرِها حديثُ أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» (١).
٤) الصدق المنافي للكذب: وهو أن يقولها صادقًا من قلبه؛ يواطئُ قلبُه لسانَه، ويدل لذلك ما جاء في الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» (٢).
٥) المحبة المنافية للبغض: وهو أن يحب هذه الكلمة، ويحب العمل بمقتضاها، ويحب أهلها العاملين بها، ودليلُ المحبة ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (٣).
стр. 27
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
٦) الانقياد المنافي للترك، ظاهرًا وباطنًا: لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: (٢٢)].
٧) القبول المنافي للرد: لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: (٦٥)]. وقد نظم بعضُ العلماء هذه الشروط، فقال:
عِلْمٌ يَقِينٌ وإِخْلاصٌ وصِدْقُكَ مَع ... مَحَبَّةٍ وَانْقِيَادٍ وَالقَبُولِ لها
وزاد بعض العلماء في شروط «لا إله إلا الله» شرطًا ثامنًا وهو: الكفر بما يعبد من دون الله، ونظم بعضهم زائدًا على البيت الأول:
وَزِيدَ ثَامِنُهَا الكُفْرَانُ مِنْكَ بِمَا ... سِوَى الإِلهِ مِنَ الأَوْثَانِ قَدْ أُلِها
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٦٥]، وبما جاء في «صحيح مسلم» من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله» (١).
стр. 28
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
الشرح
والذين جعلوا شروط «لا إله إلا الله» سبعة أدخلوا شرط (الكفر بما يعبد من دون الله) ضمن الإخلاص (١).
قوله: «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا» جعل الشهادة للرسول بالعبودية والرسالة مقرونة بشهادة: «أن لا إله إلا الله»؛ للإشارة إلى أنه لا بد من الجمع بينهما، وأنه لا تغني إحداهما عن الأخرى.
ما حكم مَن شهِد أن لا إله إلا الله، ولم يشهد بأن محمدًا رسول الله ؟
الجواب: هذا كُفر، وصاحبُه من أهل النار، والدليل ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (٢).
قوله: «عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» هنا وصف النبي ﷺ بوصفين:
١) العبودية لله .
٢) الرسالة.
وقد أشار المُصَنِّف ﵀ بهاتين الكلمتين إلى وجوب الاعتدال في
стр. 29
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
الشرح
حق النبي ﷺ ، ففيها رد على أهل الغلو الذين غلوا في النبي ﷺ ورفعوه فوق منزلته، وفيها أيضًا رد على أهل التفريط؛ الذين يشهدون بأنَّ محمدًا رسول الله لكن لا يستجيبون لأمره، ولا يمتثلون سنته.
وقوله: «عَبْدُهُ» رد على أهل الغلو الذين غَلَوا في النبي ﷺ ، كما يفعله غلاة المتصوفة الذين يجعلون له بعض ما هو من خصائص الله.
وقوله: «وَرَسُولُهُ» رد على أهل التفريط الجفاة.
قوله: «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ» الصلاة في اللغة: الدعاء؛ قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: (١٠٣)] المراد: ادعُ لهم.
واختلف أهل العلم في المراد بصلاة الله على رسوله، وأصحُّ ما قيل في ذلك ما جاء عن أبي العالية كما في صحيح البخاري أنه قال: «صلاة الله على رسوله ثناؤه عليه في الملأ الأعلى» (١).
ما المراد بصلاة الملائكة على الرسول أو على أحد من المؤمنين ؟
أقرب الأقوال في ذلك: أَنَّ صلاتهم بمعنى: الاستغفار، أو الدعاء بالمغفرة، وكلاهما صحيح؛ لما جاء في «الصحيحين» من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ:
стр. 30
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا، أَمَّا بَعْدُ: فَهَذَا اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ
الشرح
«الملَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ؛ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» (١).
أما المراد بالصلاة من الآدميين فالدعاء له.
قوله: «وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا» المراد تسليمًا زائدًا على الصلاة على النبي ﷺ ، فيكون بذلك دعاء له بالسلام بعد الصلاة، وفيه الجمع بين الصلاة والسلام عليه؛ وهذا ما أمر الله به في سورة الأحزاب؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: (٥٦)].
قوله: «أَمَّا بَعْدُ» هي كلمة يؤتى بها للدلالة على الشروع في المقصود، وكان النبي ﷺ يستعملها كثيرًا في خطبه وكتاباته إلى ملوك العرب والعجم.
قوله: «فَهَذَا» إشارة إلى ما تضمنته هذه الرسالة المباركة من عقائد الإيمان التي فَصَّل المُصَنِّف القولَ فيها في رسالته هذه.
قوله: «اعْتِقَادُ» المراد بالاعتقاد: ما عُقِد عليه الضميرُ وما دان القلب لله تعالى به؛ فكل شيء يَدين الإنسان به فهو يعتقده.
قوله: «الْفِرْقة» بالكسر الفئة والجماعة كما في سورة التوبة ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢].
стр. 31
النَّاجِيَةِ
الشرح
أما الفُرقة بالضم: فالمراد بها الاختلاف والافتراق والتنازع الذي نهى الله عنه كما في سورة الأنفال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: (٤٦)]، الريح: القوة، والمراد بالفِرقة في كلام ابن تيمية المعنى الأول.
قوله: «النَّاجِيَةِ» أي: التي نجت في الدنيا من البدع والمخالفات العقدية، وتنجو في الآخرة من نار جهنم، فالنجاة شاملة للدنيا والآخرة.
وعليه فالنجاة الثانية مترتبة على النجاة الأولى؛ مَن نجا مِن البدع والمخالفات في الدنيا نجا في الآخرة من نار جهنم.
لماذا نص المُصَنِّف على أن هذه الفرقة ناجية؟
الجواب: إشارة إلى أن ثَمَّ طوائفَ أخرى ليست بناجية، كما أشار إلى ذلك النبي ﷺ بقوله: «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» (١)، ثم قال: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً» (٢).
ما الضابط في معرفة النجاة؟
стр. 32
المنْصُورَةِ
الشرح
الجواب: الضابط هو اتباع هدي النبي ﷺ وأصحابه؛ فمَن كان متبعًا للنبي فهو الناجي؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: (٣١) - (٣٢)] جاء التأكيد لاتباع النبي ﷺ في هاتين الآيتين من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنه أخبر أن المحبة الحقيقية لله تعالى تكون باتباع النبي ﷺ .
الوجه الثاني: تأكيد طاعته ﷺ ، بل قَرْن طاعته بطاعة الله ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:٣٢].
الوجه الثالث: بيانُ أن التولي عن طاعة الرسول ﷺ من صفات الكافرين، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]، وكفى بهذا زجرًا وتقريعًا.
قوله: «النَّاجِيَةِ المنْصُورَةِ» وصفها بوصفين: الوصف الأول: الناجية، والوصف الثاني: المنصورة، وقد وافق المُصَنِّفُ بذلك القرآنَ والسنة؛ أما القرآن ففي قوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: (١٤)].
وأما موافقة السُّنة ففي حديث المغيرةِ بنِ شعبةَ ﵁ أن النبي ﷺ ? قال:
стр. 33
إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ
الشرح
«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ الله» (١).
وهنا لطيفة نأخذها من طريقة المُصَنِّف في اختيار الألفاظ، وهي من الأسباب النافعة لطالب العلم أن تُوَافِقَ أَلفاظُه ألفاظَ الكتاب والسُّنة، كما فعل المُصَنِّف ﵀ هنا، وفي هذه الطريقة سلامة من الوقوع في الخلل وزلات الألفاظ.
قوله: «إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ» المراد يوم القيامة، وقد جاء في هذا عدة أحاديث، منها:
١) حديث ابن مسعود ﵁ في «صحيح مسلم» أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ» (٢).
٢) حديث أنس ﵁ في «صحيح مسلم» أيضًا أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: الله الله» (٣).
٣) حديث معاوية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ الله» (٤).
стр. 34
كيف نجمع بين هذه الأحاديث؟
جاء في حديث معاوية ﵁ أن أمر هذه الأمة سيبقى مستقيمًا حتى تقوم الساعة، وفي حديث ابن مسعود أنها تقوم على شرار الناس، وفي حديث أنس: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: الله الله» (١).
هناك عدة أجوبة:
الجواب الأول: أن المراد بقيام الساعة قرب قيام الساعة، وأما الشك في حديث معاوية ﵁: «حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ الله»، فنرده إلى النصوص التي ليس فيها شك؛ مثل حديث أنس ﵁ وحديث ابن مسعود ﵁، وعلى هذا أكثر الأحاديث، أما الشك في حديث معاوية فلعله من الراوي.
فتكون خلاصة الجواب: أن أمر هذه الأمة لا يزال مستقيمًا إلى قرب قيام الساعة، أي أنه عند قيام الساعة لا يوجد من يقول الله، وأهل الإيمان ينقرضون قبل هذا.
الجواب الثاني: أن المراد بقيام الساعة: ساعة أهل ذلك الزمان، ومَن مات فقد قامت قيامته، وليس المراد قيام الساعة الكبرى.
هذان الجوابان من أشهر الأجوبة، والجواب الأول أقرب.
стр. 35
أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ، وهو
الشرح
قوله: «أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ» فيه وصف للفرقة الناجية بصفتين:
١) أهل السُّنة، أي: أتباع السنة.
٢) الجماعة، أي: الاجتماع على الحق، وعلى توحيد الله وسنة رسوله ﷺ .
وبهذا تكون الأوصاف التي ذكرت هنا مع ما قبلها أربعة أوصاف:
١) الناجية. ... ٢) المنصورة.
٣) أهل السنة. ... ٤) أهل جماعة يحرصون على الاجتماع وينبذون الافتراق.
وقد أشار المُصَنِّف ﵀ إلى وصفين عظيمين هما:
١ - اتباع السُّنة.
٢ - الاجتماع.
وعلى طالب العلم أن يحرص على الجمع بينهما، وأن يكون عنده اتباع ودليل، وأن يحرص أيضًا على الاجتماع كما يحرص على السنة.
قوله: «وَهُوَ»: عائد إلى الاعتقاد، كأنه يقول: أهل السنة والجماعة هذا هو اعتقادهم.
стр. 36
وَهُوَ الإِيمَانُ بِالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الموْتِ
الشرح
قوله: «وَهُوَ الإِيمَانُ بِالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الموْتِ» هذه هي الأصول الستة، ويعبر بعضُهم عنها بقوله: أركان الإيمان، ولا يتم إيمانُ أحد إلا بالإيمان بها جميعًا، ويجب أن يكون الإيمانُ بها على الوجه الصحيح الذي جاء في الكتاب والسُّنة.
ما حكم مَن جحد ركنًا من هذه الأركان؟
الجواب: من جحد ركنًا منها فكأنما جحدها كلَّها ولم يؤمن بها، ومن لم يؤمن بها فقد كذَّب بالقرآن، والتكذيب بالقرآن كفر.
قد يقول قائل: مِنْ أين أتيتم بهذه الأركان الستة؟
الجواب: من حديث جبريل ﵇ المشهور؛ وفيه: «قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ؟ قال: أن تُؤْمِنَ بالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (١).
وعلى هذا فالأركان ستة حددها أهل العلم استدلالًا بهذا الحديث، فمن آمن ببعضها فلا يصح إيمانه، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: (٨٥)].
стр. 37
ودونَك يا طالب العلم بيانًا موجزًا لهذه الأركان:
الركن الأول: الإيمان بالله: والكلام عنه يطول، وأهم ما يتعلق بهذا الركن أنه يَتضمَّن الإيمانَ بأربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجود الله .
الثاني: الإيمان بربوبيته سبحانه، وأنه المتفرد بذلك.
الثالث: الإيمان بألوهيته وأنه الإله الحق، وكل معبود سواه باطل.
الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته. فلا بد من الإيمان بهذه الأربعة جميعًا.
هل يكون مؤمنًا مَن لم يؤمن بوجود الله؟
الجواب: لا يعد مؤمنًا، بل هو ملحد، وهذا أشد أنواع الإلحاد.
من آمن بوجود الله وبربوبيته ولم يؤمن بألوهيته، هل يعد مؤمنًا ؟
الجواب: لا يعد مؤمنًا، وهذا ما كان يَدين به كفارُ قريش، فقد كانوا يؤمنون بربوبية الله دون ألوهيته، فلم ينفعهم ذلك شيئًا.
من آمن بوجوده وبربوبيته وبألوهيته ولم يؤمن بأسمائه وصفاته؟
الجواب: لا يعد مؤمنًا، بل هذا من الإلحاد الذي ذكره الله في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠].
وعلى ما سبق؛ لا يتحقق إيمانُ العبد حتى يؤمن بوجود الله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
стр. 38
الركن الثاني: الإيمان بالملائكة:
الملائكة: عالم غيبي خلقهم الله من نور لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وقد جعل الله تعالى لهم وظائفَ؛ علِمنا طرَفًا منها من خلال الكتاب والسنة، وخفي علينا الكثير منها، ولعلي أذكر طائفة مِمَّن علِمنا وظائفهم من خلال الدليل:
أولًا: الملائكة الموكلون بما فيه حياة:
وما فيه حياة على أنواع:
١ - ما فيه حياة القلوب، وهذا حياته تكون بالوحي، والملك الموكل بالوحي جبريل ﵇.
٢ - من وُكِّل بحياة الأرض المتمثلة في القطر والنبات، وهذا هو ميكائيل.
٣ - من وُكِّل بحياة الأجساد يوم المعاد وبالنفخ بالصور، والموكل بذلك إسرافيل. وقد كان النبي ﷺ يخص بالذكر في دعائه هؤلاء الثلاثةَ؛ وذلك لعظم قدرهم كما في حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحقِّ بِإذنكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (١).
стр. 39
وعلى المسلم أن يكثر من هذا الدعاء؛ خصوصًا في هذا الزمان الذي كثر فيه الاختلافُ والافتراق، وانتشرت فيه الفتنُ والهرج والمرج.
ثانيًا: الملائكة الموكلون بقبض الأرواح:
وهم ملك الموت وأعوانه، ويجب الإيمان به وبوظيفته التي جاءت في النصوص، وقد اشتَهَر عند العوام باسم عزرائيل، ولا يثبت في ذلك شيء.
وقد جاء في القرآن أن قابض الأرواح ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: (١١)] هكذا مفردًا، وجاء في القرآن أن القابض للأرواح أكثر من واحد؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل:٣٢].
فكيف نجمع بين هذه الآيات؟
الجواب: لا منافاة بين هذه الآيات؛ فمَلَك الموت هو الذي يباشر قبض الأرواح، وقد جعل الله له أعوانًا من الملائكة، وهذا كما في الآية الأخرى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١].
ثالثًا: الملائكة السيَّاحون في الأرض الذين يلتمسون مجالسَ الذكر:
كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لله مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ، يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ» (١).
стр. 40
رابعًا: الملائكة الموكَّلون بكتابة أعمال العباد:
كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: (١٠) - (١٢)]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: (١٨)].
وعن طاووس عن ابن عباس ﵄: «ما مِن شيء يتكلمُ به ابنُ آدم إلا كُتب عليه؛ حتى أنينه في مرضه»، ويذكر عن الإمام أحمد أنه اشتدَّ عليه المرضُ ذات مرة، فكان يظهر له صوتٌ وأنين، فقيل له: إن طاووسًا كان يكره أنينَ المرض، فتركه (١).
خامسًا: الملائكة الذين يتعاقبون على بني آدم في الليل والنهار:
كما في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: (١١)] وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي بأمره، وحروفُ الجر تتناوبُ عند الكوفيين، مثالٌ آخر قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: (٧١)] في جذوع النخل: المراد على جذوع النخل، وحروف الجر تتناوب كما سبق.
سادسًا: الملائكة الرُّكَّع السجود:
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: (٤٩)] أي أن الملائكة يسجدون، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: (٢٠٦)].