← Акыда

Акыда · id 56

التحفة الندية شرح العقيدة الواسطية - عبد الرحمن العقل

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (217 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَهُوَ الإِيمَانُ بِالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الموْتِ الشرح قوله: «وَهُوَ الإِيمَانُ بِالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الموْتِ» هذه هي الأصول الستة، ويعبر بعضُهم عنها بقوله: أركان الإيمان، ولا يتم إيمانُ أحد إلا بالإيمان بها جميعًا، ويجب أن يكون الإيمانُ بها على الوجه الصحيح الذي جاء في الكتاب والسُّنة. ما حكم مَن جحد ركنًا من هذه الأركان؟ الجواب: من جحد ركنًا منها فكأنما جحدها كلَّها ولم يؤمن بها، ومن لم يؤمن بها فقد كذَّب بالقرآن، والتكذيب بالقرآن كفر. قد يقول قائل: مِنْ أين أتيتم بهذه الأركان الستة؟ الجواب: من حديث جبريل ﵇ المشهور؛ وفيه: «قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ؟ قال: أن تُؤْمِنَ بالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (١). وعلى هذا فالأركان ستة حددها أهل العلم استدلالًا بهذا الحديث، فمن آمن ببعضها فلا يصح إيمانه، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: (٨٥)].

стр. 37

ودونَك يا طالب العلم بيانًا موجزًا لهذه الأركان: الركن الأول: الإيمان بالله: والكلام عنه يطول، وأهم ما يتعلق بهذا الركن أنه يَتضمَّن الإيمانَ بأربعة أمور: الأول: الإيمان بوجود الله . الثاني: الإيمان بربوبيته سبحانه، وأنه المتفرد بذلك. الثالث: الإيمان بألوهيته وأنه الإله الحق، وكل معبود سواه باطل. الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته. فلا بد من الإيمان بهذه الأربعة جميعًا. هل يكون مؤمنًا مَن لم يؤمن بوجود الله؟ الجواب: لا يعد مؤمنًا، بل هو ملحد، وهذا أشد أنواع الإلحاد. من آمن بوجود الله وبربوبيته ولم يؤمن بألوهيته، هل يعد مؤمنًا ؟ الجواب: لا يعد مؤمنًا، وهذا ما كان يَدين به كفارُ قريش، فقد كانوا يؤمنون بربوبية الله دون ألوهيته، فلم ينفعهم ذلك شيئًا. من آمن بوجوده وبربوبيته وبألوهيته ولم يؤمن بأسمائه وصفاته؟ الجواب: لا يعد مؤمنًا، بل هذا من الإلحاد الذي ذكره الله في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]. وعلى ما سبق؛ لا يتحقق إيمانُ العبد حتى يؤمن بوجود الله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.

стр. 38

الركن الثاني: الإيمان بالملائكة: الملائكة: عالم غيبي خلقهم الله من نور لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وقد جعل الله تعالى لهم وظائفَ؛ علِمنا طرَفًا منها من خلال الكتاب والسنة، وخفي علينا الكثير منها، ولعلي أذكر طائفة مِمَّن علِمنا وظائفهم من خلال الدليل: أولًا: الملائكة الموكلون بما فيه حياة: وما فيه حياة على أنواع: ١ - ما فيه حياة القلوب، وهذا حياته تكون بالوحي، والملك الموكل بالوحي جبريل ﵇. ٢ - من وُكِّل بحياة الأرض المتمثلة في القطر والنبات، وهذا هو ميكائيل. ٣ - من وُكِّل بحياة الأجساد يوم المعاد وبالنفخ بالصور، والموكل بذلك إسرافيل. وقد كان النبي ﷺ يخص بالذكر في دعائه هؤلاء الثلاثةَ؛ وذلك لعظم قدرهم كما في حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحقِّ بِإذنكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (١).

стр. 39

وعلى المسلم أن يكثر من هذا الدعاء؛ خصوصًا في هذا الزمان الذي كثر فيه الاختلافُ والافتراق، وانتشرت فيه الفتنُ والهرج والمرج. ثانيًا: الملائكة الموكلون بقبض الأرواح: وهم ملك الموت وأعوانه، ويجب الإيمان به وبوظيفته التي جاءت في النصوص، وقد اشتَهَر عند العوام باسم عزرائيل، ولا يثبت في ذلك شيء. وقد جاء في القرآن أن قابض الأرواح ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: (١١)] هكذا مفردًا، وجاء في القرآن أن القابض للأرواح أكثر من واحد؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل:٣٢]. فكيف نجمع بين هذه الآيات؟ الجواب: لا منافاة بين هذه الآيات؛ فمَلَك الموت هو الذي يباشر قبض الأرواح، وقد جعل الله له أعوانًا من الملائكة، وهذا كما في الآية الأخرى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]. ثالثًا: الملائكة السيَّاحون في الأرض الذين يلتمسون مجالسَ الذكر: كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لله مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ، يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ» (١).

стр. 40

رابعًا: الملائكة الموكَّلون بكتابة أعمال العباد: كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: (١٠) - (١٢)]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: (١٨)]. وعن طاووس عن ابن عباس ﵄: «ما مِن شيء يتكلمُ به ابنُ آدم إلا كُتب عليه؛ حتى أنينه في مرضه»، ويذكر عن الإمام أحمد أنه اشتدَّ عليه المرضُ ذات مرة، فكان يظهر له صوتٌ وأنين، فقيل له: إن طاووسًا كان يكره أنينَ المرض، فتركه (١). خامسًا: الملائكة الذين يتعاقبون على بني آدم في الليل والنهار: كما في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: (١١)] وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي بأمره، وحروفُ الجر تتناوبُ عند الكوفيين، مثالٌ آخر قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: (٧١)] في جذوع النخل: المراد على جذوع النخل، وحروف الجر تتناوب كما سبق. سادسًا: الملائكة الرُّكَّع السجود: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: (٤٩)] أي أن الملائكة يسجدون، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: (٢٠٦)].

стр. 41

وعددهم كثير، كما في حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لله» (١). وهذا الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية إبراهيمَ بنِ المهاجر؛ وقد ليَّنه ابن حجر، والحديث له شواهد لكن لا تخلو كلُّها من ضعف، فالأقرب عدم صحة الحديث، وقد جاءت نصوص أخرى تدل على كثرتهم كما في حديث الإسراء والمعراج في «الصحيحين»: «فَرُفِعَ لِي الْبَيْتُ المَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ المَعْمُورُ؛ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ» (٢)، هذا الحديث يدل على عظمة مَن خلقهم، وقدرته ، ونستفيد منه كثرة الملائكة؛ إذ إن عدد من يصلي في البيت المعمور كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون إليه أخرى. سابعًا: خزنة الجنة والنار: جاء في القرآن تسمية خازن جهنم بـ «مالك»، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ

стр. 42

لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: (٧٧)]، وجاء بالجمع كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩]. والجنة هل لها خازن؟ الجواب: نعم، والدليل ما في «صحيح مسلم» من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «آتِي بَابَ الجنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الخازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» (١). هل للملائكة أجساد، أم هي أرواح فقط ؟ الجواب: الملائكة لها أجسادٌ، وليسوا أرواحًا مجردة عن الجسمية، وهذا أمرٌ معلومٌ من الدين بالضرورة؛ ففي كتاب الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: (١)]. وأما السُّنة فالأحاديث كثيرة؛ منها: ما جاء في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود ﵁: «أنه ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ» (٢)، وفي «الصحيحين» أنه ﷺ قال: «رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ» (٣).

стр. 43

والقول بأنهم أرواحٌ فقط هو قول النصارى، وهو في حقيقة الأمر إنكار للملائكة. الركن الثالث: الإيمان بالكتب: أي الكتب التي أنزلها الله على رسله، ولكل رسول كتاب، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: (٢٥)] (الكتاب) مفرد، و (الـ) للجنس، فليس المراد كتابًا واحدًا، بل لكل رسول كتاب، لكن لا نعرف من هذه الكتب إلا ستة: القرآن، التوراة، الإنجيل، الزبور، صحف إبراهيم، صحف موسى (١). هل يجب الإيمان بما جاء فيها؟ يجب الإيمان بالزبور الذي أنزل على داود، وبالتوراة التي أنزلت على موسى، وبالإنجيل الذي أنزل على عيسى ﵇؛ فكلها كتب الله وكلامه، وهي حق وهدى ونور، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة:٤٤]، وما جاء فيها لا سبيل لنا إلى معرفته إلا من خلال ما جاءنا في القرآن والسُّنة، وقد أغنانا الله عنها بالقرآن الكريم الذي نسخ هذه الكتبَ جميعَها.

стр. 44

وينبغي أن يُفرَّق بين الإيمان بالكتب التي نزلت على هؤلاء الأنبياء، وما يوجدُ الآن من كتبٍ منسوبةٍ إليهم؛ فالتوراة التي نزلت على موسى ﵇ كتابٌ حقٌّ من عند الله، وكذلك الإنجيل الذي نزل على عيسى ﵇. وأَمَّا التوراة والإنجيل اللذان بين أيدي أهل الكتاب الآن، فنقطع بأنها ليست هي الكتب التي نزلت على موسى وعيسى ﵉؛ لأنها حُرِّفَت وغُيِّرَت وبُدِّلَت، وفيها من الكلام الباطل والمكذوب على الله ما لا يخفى. وقد يوجد فيها حق، ولكن لا نصدق ذلك ولا نكذبه، كما جاء عن رسولنا ﵇؛ ولذلك يجوز أن نحدث عنهم - أي أهل الكتاب - ما لم يخالف ذلك ديننا وكتابنا. أما القرآن فيجب الإيمان به على سبيل التفصيل؛ لأنه منزل من عند الله ولم يدخله التحريف، بل قد تكفل الله بحفظه : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. الركن الرابع: الرسل: الرسل ﵈ هم الذين أوحى الله إليهم بالشرائع وأمرهم بتبليغها، وأول هؤلاء: نوح ﵇، وآخرهم: محمد ﷺ . ما الفرق بين النبي والرسول ؟ الجواب: المشهور في كتب أهل العلم أنَّ الرسول مَن أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي مَن أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بالتبليغ.

стр. 45

وهذا لا يصح؛ إذ كيف يقال: إن النبي لم يؤمر بالتبليغ، وأتباع الرسل أمروا بالتبليغ قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: (١٢٥)]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: (١٠٨)]؛ فكيف يُتصور أن نبيًّا يُوحى إليه ولا يؤمر بالتبليغ، هذا التعريف محل نظر. والأقرب والله أعلم: أن الرسول: من أوحي إليه بشرع جديد وأمر بتبليغه، والنبي: من أوحي إليه بتبليغ شرعِ مَن قبلَه. مَن أولُ الرسل؟ جاء ذلك صريحًا في حديث الشفاعة: «فَيَاتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ» (١). وآخرهم محمد، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: (٤٠)]. هنا إشكال: وهو أن عيسى ﵇ ينزل في آخر الزمان، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: (١٥٩)].

стр. 46

وقد أخبر عن ذلك النبيُّ ﷺ في أحاديثَ صحيحةٍ أوصلَها بعضُ أهل العلم إلى حد التواتر، وهي تفيد نزول عيسى ﵇، لكن الإشكال هنا: ألَا يدل ذلك على أن عيسى ﵇ هو آخرُ النبيين؟ الجواب عن ذلك من وجوه؛ أهمُّها: ١) أن القرآن صرح بكون محمد ﵇ هو آخر الرسل، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: (٤٠)]. ٢) أن عيسى ﵇ إذا نزل في آخر الزمان لا يأتي بشرع جديد، وإنما يحكم بشرع الحبيب محمد ﷺ . يدل لذلك أحاديثُ كثيرة؛ منها: حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» قال رسول اللهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا؛ فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ» (١). الركن الخامس: البعث بعد الموت: المراد به: إخراج الناس من قبورهم بعد مماتهم، وهذا اعتقاد أهل السُّنة والجماعة من غير خلاف، وهو ثابت في الكتاب والسنة والإجماع.

стр. 47

أما الكتاب: ففي عدة آيات؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: (٥٣)]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: (٣)]، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: (٧)]، هذه ثلاثة مواضع في القرآن، أقسم الله فيها على البعث بربوبيته. وأما السُّنة: فالأحاديث في ذلك متواترة عن النبي ﷺ ، من أشهرها ما جاء في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَاكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ» (١). وكما في حديث أبي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا، قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً، قَالَ: أَبَيْتُ، ثُمَّ يُنْزِلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ، قَالَ: وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). وجاء الحديث من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَاكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ

стр. 48

و الإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، الشرح وَفِيهِ يُرَكَّبُ» (١). الركن السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره: المراد بالقدر: تقدير الله تعالى للأشياء. متى كتب الله المقادير ؟ كتب الله المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، جاء ذلك صريحًا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (٢). قوله: «والإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»: هنا وصف القدر بوصفين الخير والشر، فأما وصف القدر بالخير فواضح لا إشكال فيه. والإشكال: كيف يوصف القدر بالشر؟ الجواب عن ذلك: أن المراد شر المقدور لا شر القدر الذي هو فعل الله وتقديره، فإن فعل الله تعالى لا يوصف بالشر، بل كل أفعاله خير وحكمة. ولهذا قال تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ

стр. 49

أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: (١٠)] الخير هنا منسوب إلى الله تعالى، أما الشر فلم ينسب إلى الله تعالى؛ لذا قال: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾. وجاء ذلك أيضًا في حديث علي بن أبي طالب ﵁ كما في «صحيح مسلم» في دعاء قيام الليل: أن النبي ﷺ كان يدعو: «وَالخيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (١). والخلاصة: أن الشر لا يُنسب إلى الله تعالى، لكن الذي قدره هو الله تعالى، الشر بالنسبة للمقدور لا بالنسبة للقدر. ويضاف إلى ذلك أن يقال: إن هذه الشرية نسبية؛ فهي شر من جهة لكن يترتب عليه من الحِكَم والمصالح الشيء الكثير، ومثل ذلك وجود النفاق والمنافقين وأهل الشهوات، فإن النفاق شر والمنافقين أشرار والكافرين أشرار، لكن هذا التقدير وراءه حِكَم، من ذلك ما ذكره الله في قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: (٣٧)]. وعلى هذا: من حِكَم وجود هؤلاء الامتحانُ لأهل الإيمان؛ هل يصبرون؟ وهل يقابلون هذا الشر بالخير؟ وهل يقومون بوظيفة الدعوة وتبليغ الدين؟

стр. 50

مسألة: هل يُتصور خلوُّ الأرض من الكفر والنفاق ؟ الجواب: لا يتصور خلو الأرض من الكفر والكافرين والمنافقين؛ لأنَّ من الحِكَم والسنن الإلهية التي أرادها الله كونًا وجودَ الصراع بين الحق والباطل، وهذه الحكمة ينبني عليها امتحان واختبار وتمحيص للصف المؤمن. وأنبِّه بهذه المناسبة على خطأ مشهور عند بعض الأئمة في دعاء القنوت؛ حيث يَدعون على عموم الكفار ويقولون: «اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا» (١)، ويحتجون لذلك بأنه دعاء خُبيب على قتلته حيث دعا بذلك. والدليل صحيح، ولكن وجه الاستدلال ليس بصحيح؛ لأن خبيبًا ﵁ أراد بدعائه قومًا معينين. لكن قد يقول قائل: إن نوحًا ﵇ دعا على الكفار دعاءً عامًّا، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: (٢٦)]. والجواب: أن نوحًا ﵇ قد اعتذر من دعائه هذا؛ كما في حديث الشفاعة: «وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي» (٢)، فامتنع ﵇ عن الشفاعة بسبب دعائه هذا.

стр. 51

وَمِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ: الْإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ? مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ. الشرح قوله: «وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالله ... » إلخ: شرع المُصَنِّف ﵀ في التفصيل بعد الإجمال، فذكر أنَّ مِن عقائد أهل السنة والجماعة في الإيمان بالله: الإيمانَ بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. - التحريف: تفسير النصوص بالمعنى الباطل الذي لا تدل عليه تلك النصوص بوجه من الوجوه. - التعطيل: نفي المعنى الصحيح الذي دلت عليه النصوص. - التكييف: وضع كيفية لصفات الله ، أو البحث عن حقيقتها وكنهها. - التمثيل: أن تجعل صفات الله كصفات خلقه. ومنهج أهل السُّنة: الإيمان بما وصف به الله نفسه في كتابه، وبما وصفه به نبيه ﷺ في سنته، وذلك على أربعة أقسام: ١) الوصف بالقول: مثال ذلك ما جاء في «الصحيحين» أن رسول الله ﷺ قال: «يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ» (١). الحديث له عدة ألفاظ، وهذا لفظ مسلم.

стр. 52

وكقوله: «خَلَقَ الله آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (١) ما معنى الحديث؟ وما المراد بقوله: «عَلَى صُورَتِهِ»؟ هل هي صورة آدم أو صورة الرحمن؟ الصحيح الذي دلت عليه الأدلة، وهو مذهب عامة أهل السنة: أن المراد صورة الرحمن، ويؤكد ذلك روايةُ: «إِنَّ الله خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَة الرَّحْمَن» (٢). وقد خالف في ذلك الإمامُ ابن خزيمة، ومن المتأخرين الألباني، وقالا: المراد صورة آدم. ولكن الصحيح الذي عليه عامة الأئمة، أن المراد صورة الرحمن، أي: خلق الله آدم على صورة الرحمن. ٢) الوصف بالفعل: مثاله: ما ثبت في «صحيح مسلم» في حديث جابر ﵁ الطويل عندما خطب النبي ﷺ خطبة عرفة وقال: «أَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ» (٣) إشارة إلى العلو، فوصف ربه بالعلو بالفعل.

стр. 53

٣) الوصف بالقول والفعل معًا: مثاله: ما رواه أبو داود في «سننه» أن أبا هريرة ﵁ تلا الآية: ﴿إن الله يأمرك أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أن الله كان سميعا بصيرا﴾ [النساء: (٥٨)]، وقال: «رأيتُ رَسُولَ اللهِ ? يَقْرَؤُهَا ويَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ» (١). هل يقال: هذا تشبيه؟ الجواب: هذا ليس بتشبيه، بل أراد به النبي ﷺ تحقيقَ الصفة. ٤) إقرار الوصف: مثاله ما جاء في «صحيح مسلم» من حديثِ معاويةَ بنِ الحكم السُّلَمي ﵁ وهو حديث طويل جاء فيه أن النبي ﷺ سأل الجارية: «فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ اللهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ»، فأقرَّها على ذلك، وقال لسيدها: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (٢). ومن ذلك إقراره ﷺ للحَبر اليهودي الذي قال لرَسُولِ اللهِ ﷺ : «يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى

стр. 54

بَلْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: (١١)]. الشرح إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تصديقًا للحبر»، والحديث في الصحيحين من رواية ابن مسعود ﵁ (١). والحديث فيه فوائد: أولًا: إقرار النبي ﷺ لليهودي بما قال، إذ أخبر أن الله يضع السماء يوم القيامة على إصبع ... إلخ. ثانيًا: قبول الحق من الكافر، وأن الحق متى جاءنا قبلناه بغض النظر عمَّن قاله. قوله: «بَلْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» هذه الآية قاعدة من القواعد العظيمة في باب الأسماء والصفات، وفيها جملة من الفوائد والاستنباطات: أولًا: في الآية رد على المشبِّهة؛ لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ثانيًا: فيها رد على المعطِّلة؛ لقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ثالثًا: فيها رد على المعتزِلة الذين يثبتون الأسماء دون الصفات، حيث أخبر سبحانه أنَّ من أسمائه السميعَ والبصير، وهما اسمان يشتملان على

стр. 55

صفتين، وهما: السمع، والبصر، وهو سبحانه ليس كمثله شيء في صفاته، بل هي على ما يليق بجلاله وعظمته. رابعًا: فيها رد على الأشاعرة؛ إذ إنهم أثبتوا بعض الصفات ونفوا البعض الآخر، وقالوا: إثبات الصفات الخبرية يستلزم التشبيه، فيقال لهم: إن الله تعالى في هذه الآية أثبت السمع والبصر، وردَّ على المشبهة؛ فإثبات الصفات لا يستلزم التشبيه؛ فيلزمكم فيما نفيتموه نظير ما قلتموه فيما أثبتُّموه؛ إذ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. خامسًا: فيها إثبات صفة السمع ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾. سادسًا: فيها إثبات صفة البصر لله على ما يليق بجلاله ﴿الْبَصِيرُ﴾. سابعًا: فيها إثبات لمنهج أهل السنة والجماعة في النفي المجمل والإثبات المفصل. وطريقة القرآن والسُّنة: الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات، إلا في مواطنَ معينةٍ يأتي فيها التفصيل في النفي؛ ولذلك أسباب سيأتي الكلام عليها في شرح القواعد المثلى إن شاء الله. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: فيه نفي مجمل، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: فيه إثبات مفصل.

стр. 56

فلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَلَا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ الله وَآيَاتِهِ، وَلَا يُكَيِّفُونَ وَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ. الشرح قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»: «السمع الذي أثبته الله لنفسه في الكتاب والسنة نوعان: ١) السمع العام: ويراد به إدراك الصوت؛ فسمع الله ﵎ شامل لجميع الأصوات؛ لأنه سميع لكل مسموع، كقوله: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما﴾ [المجادلة:١]. ٢) السمع الخاص: وهو سمع الإجابة والقَبُول، وهذا النوع متعلق بمشيئة الله تعالى وقدرته، كقول الخليل: ﴿إنك سميع الدعاء﴾ [آل عمران:٣٨]» (١). قوله: «فلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ... »: وقد ذم الله الملحدين الذين يلحدون في أسمائه قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: (١٨٠)]، و قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: (٤٠)]. ما المراد بالإلحاد في الأسماء ؟ الإلحاد في الأسماء: الميل عمَّا يجب لها شرعًا، في لفظها ودلالتها، وهو أنواع:

стр. 57

١) أن يُسمى الله بما لم يُسَمِّ به نفسَه، كتسمية النصارى الله بـ «أب» وتسمية الفلاسفة له بـ «العلة الفاعلة». ٢) إنكار أسماء الله وصفاته أو بعضها: كفعل بعض المعطلة الذين جردوا الله تعالى من أسمائه وصفاته أو بعضها. ٣) إنكار ما دلت عليه الأسماء من الصفات: فمثلًا: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: (٢)] لا يجوز الاقتصار من دلالتها على الأسماء دون الصفات؛ بل يؤخذ من ذلك إثبات اسمين لله هما اسم «العليم» واسم «الحكيم»، كما يؤخذ منهما صفة العلم وصفة الحكمة لله تعالى، فلا يجوز الاكتفاء بإثبات الاسمين دون ما يتعلق بهما من الصفات. ٤) أن يُثبت لله تعالى الأسماء والصفات لكن مع تقييدها بالتمثيل: كمَن يقول: لله بصرٌ كبصرِنا، وسمعٌ كسمعِنا، وعلمٌ كعلمِنا، وهكذا ... ٥) أن يشتق من أسماء الله أسماء للمعبودات: كما اشتق أهل الشرك اسم (اللات): من الإله، و (العزى): من العزيز، و (مناة): من المنَّان. ما حقيقة الإلحاد في آيات الله وكيف يكون ؟ الجواب: آيات الله على نوعين: ١) الآيات الكونية: كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: (٣٧)]، وغير ذلك من آيات الله الكثيرة في الآفاق والكون.

стр. 58

فمَن نسب شيئًا من هذه الآيات إلى غير الله، فهو ملحد في آيات الله، كما تقوله طوائفُ من الصوفية، يقولون: إن الولي فلانًا يدبرُ الليل والنهار، ويقول بعضهم: لولا الولي فلان لما وجد الكون. قال البوصيري في «بردته» يخاطب النبي ﷺ : يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِه سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الحَادِثِ العَمَم إِنْ لَم تَكُنْ آخِذًا يَوْمَ المعَادِ يَدِي فَضْلًا وَإلَّا فَقُلْ يَا زَلَةَ القَدَم فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَها وَمِنْ عُلُومِكَ عِلمَ اللَّوْحِ وَالقَلَم ذكر ابن رجب ﵀: أنه لم يترك لله شيئًا ما دامت الدنيا والآخرة من جود الرسول ﷺ . تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. ٢) الآيات الشرعية: وهو الوحي الذي أنزله الله على الرسل كالقرآن والتوراة والإنجيل. والإلحاد في القرآن يكون بتكذيبه أو تحريف آياته أو مخالفتها، كل هذا يعد إلحادًا في القرآن.

стр. 59

لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ، لَا سَمِيَّ لَهُ، وَلَا كُفْءَ لَهُ الشرح هل يجوز تخيل صفات الله لا يجوز تخيل أي صفة من صفات الله، ولا يجوز للمسلم أن يستسلم لذلك، ومَن خطر له شيء من ذلك فلينتهِ؛ لِما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يَاتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ، فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ» (١)، لينته: ليقطع المادة بالحسم وعدم الاسترسال في هذه الخواطر؛ لأنها من الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهو يسعى جاهدًا في بثها في النفس. قوله: «لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ» هذه الجملة تعليلية، فلما بين المُصَنِّف منهج أهل السنة في الأسماء والصفات علل لذلك بما سبق في سلوك أهل السنة والجماعة هذا المذهب فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته؛ لأنه سبحانه لا سميَّ له. قوله: «لَا سَمِيَّ لَهُ»: السمي: المساوي. فالله سبحانه لا مساوي ولا مماثل له، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: (٦٥)]؛ أي هل تعلم له مماثلًا؟ قوله: «وَلَا كُفْءَ لَهُ»: الكفء والكفو: أي المكافئ، والله سبحانه لا مكافئ له قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: (٤)].

стр. 60

وَلَا نِدَّ لَهُ، وَلَا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَأَصْدَقُ قِيلًا. الشرح قوله: «وَلَا نِدَّ لَهُ»: الند النظير، والله تعالى لا نظير له ولا ند له؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: (٢٢)]. هذه الثلاث التي ذكر المُصَنِّف «السَّمِيُّ وَالْكُفْءُ والنِّد» معانيها متقاربة، ومضمونُها: نفي المثيل لله . قوله: «وَلَا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ» يمتنع القياس بين الله تعالى وبين خلقه، لوجود التبايُن الكبير بين الله وبين خلقه، فلا مثيل له سبحانه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. قوله: « ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ» هذا تعليلٌ لصحة مذهب السلف في الإيمان بجميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة. ومُفاد هذا التعليل أنه إذا كان أعلمَ بنفسه وبغيره وأصدقَ قيلًا وأحسنَ حديثًا، فيجب الرجوع في هذا الباب -نفيًا وإثباتًا- إلى ما قاله سبحانه؛ لأنه أعلم بنفسه وأعلم بغيره، كما يجب الرجوع إلى ما قاله رسوله ﷺ لأنه أعلم الخلق بالله . فإذا كان ذلك كذلك وجب المصير في هذا الباب -نفيًا وإثباتًا- إلى ما قاله سبحانه وقاله رسوله ﷺ . قوله: «وَأَصْدَقُ قِيلًا» عبَّر المُصَنِّف بهذه العبارة لأجل موافقة القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، وفي هذا لفتة لأهمية التزام المصطلحات والتسميات الشرعية الواردة في الكتاب والسُّنة.

стр. 61

وَأَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ رُسُلُهُ صَادِقُونَ مُصَدَّقُونَ [أو مَصْدُوقون]، بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ. الشرح قوله: «ثُمَّ رُسُلُهُ صَادِقُونَ مُصَدَّقُونَ» الصدق: مطابقة الخبر للواقع. وقوله: «صَادِقُونَ»: أي بما جاءوا به عن الله . «مُصَدَّقُونَ»: أي أن ما أُوحي إليهم صدق، وفي نسخة «مَصْدُوقون»، والمصْدُوق: من أوحي له بصدق، يعني أن مَن بلَّغه صدَق فيما بلغه، وعلى ضبطها بالتشديد «مُصَدَّقون»: أي من البشر، والذين يصدقونهم هم أتباعهم من المؤمنين بالرسل. والخلاصة: أن الرسل ﵈ مَصْدوقون في كل ما أوحي إليهم، فلم يكذبهم الذي أرسلهم وهو الله، ولم يكذبهم الذي أرسل إليهم وهو جبريل، وأيضًا لم يكذبهم أتباعُهم من المؤمنين، ويمكن أن يصح وجه آخر في نسخة «مُصَدَّقُون» بأن الله صدَّقهم بقوله وفعله. أما تصديقه لهم بالقول فجاء في آيات كثيرة؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: (١)]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: (٤٠)]؛ فصدَّق اللهُ رسولَه بالقول. وأما تصديقه لهم بالفعل فبالتمكين الذي كان للنبي ﷺ ، وظهور دينه على الأديان كلها، وما آتاه الله من الآيات والمعجزات وأعظمها القرآن، وهو أعظم معجزة على الإطلاق من لدن آدم إلى أن تقوم القيامة. قوله: «بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ» وهم أهل التحريف؛ لأن أهل التحريف قالوا على الله بلا علم، وهؤلاء الذين يقولون على الله بلا

стр. 62

وَلِهَذَا قَالَ : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ المخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وَسَلَّمَ عَلَى المرْسَلِينَ؛ لِسَلَامَةِ مَا قَالُوهُ مِنَ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ، الشرح علم ليسوا بصادقين في أنفسهم، وليسوا بمصدوقين فيما قالوه، وليسوا بمصدَّقين من الخلق. فالأنبياء والرسل ﵈ كانوا صادقين؛ لأنهم قالوا ذلك من عند الله، أما هؤلاء فليسوا بصادقين، وليسوا مصدقين من الخلق، بل الذي قالوه افتراء على الله . قوله: «قَالَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» فسبح نفسه سبحانه عمَّا وصفه به المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب. فالرسل ﵈ هم الذين نزهوا الله عما لا يليق به مما افتراه المفترون المكذبون. ولهذا قال المُصَنِّف بعد ذكر الآية: «فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ المخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ» قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: (١٨٠) - (١٨١)]؛ لسلامة ما قالوه في ذلك الباب. ما مناسبة ذكر الآية لما سبق؟ المناسبة: لمَّا ذكر منهج أهل السنة والجماعة بين أن هذا المنهج هو منهج

стр. 63

وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ فِيمَا وَصَفَ وَسَمَّى بِهِ نَفْسَهُ بَيْنَ: النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، الشرح الرسل ﵈، وهو تسبيح الله وتنزيهه؛ ولهذا سلم على المرسلين لسلامة ما قالوه. والرسل: هم أعظم مَن سبَّح الله ونزَّهه. وإنما ذكر المُصَنِّف هذه الآية لأنها تدل على تنزيه الله تعالى. ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عما وصفه به الذين لا يعلمون. وهذه الآية عامة؛ يدخل فيها كل من وصف الله بما لا يليق به، ويدخل في ذلك أهل التحريف، وأيضًا جميع الطوائف المبتدِعة؛ لأنهم قالوا على الله بلا علم. وهذه الجملة تضمنت قاعدة عظيمة نافعة في هذا الباب، وهي أن الكلام في الصفات مبني على أصلين، بيَّنَهما في قوله: «وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ فِيمَا وَصَفَ وَسَمَّى بِهِ نَفْسَهُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ»: الأصل الأول: النفي. والأصل الثاني: الإثبات. فأما النفي: فالمراد به نفي ما يُضادُّ كمالَ الله تعالى؛ من أنواع العيوب والنقائص. وأما الإثبات: فهو إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال لله . فالقرآن فيه نفي وإثبات.

стр. 64

قال شيخ الإسلام: «وبيان هذا أن سبيل سلف الأمة وأئمتها في الصفات مبني على أصلين: - أحدهما: أن الله منزَّه عن صفات النقص مطلقًا؛ كالسِّنَةِ والنوم والعجز والجهل وغير ذلك. - الثاني: أن الله متصِفٌ بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات» (١). أمثلة النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: (٣)]، ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: (٣)]، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: (٢٥٥)]، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: (١٠٣)]. أمثلة الإثبات: وهو في القرآن أكثر من النفي، مثل: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: (١١)]، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: (٢٣)]. المقصود أن مذهب أهل السنة والجماعة مبني على هذين الأصلين.

стр. 65

فَلَا عُدُولَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ المُرْسَلُونَ؛ الشرح والصفاتُ على قسمين: صفات ثبوتية، وصفات سلبية. فالصفات الثبوتية: كل ما أثبته الله تعالى لنفسه، وجميعُها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه. أما الصفات السلبية: فهي الصفات التي نفاها الله تعالى عن نفسه من صفات النقص والعيب، وسيأتي التفصيل في شرح القواعد المثلى. قوله: «فَلَا عُدُولَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ ... » هذه الجملة تعليلية لما سبق؛ إذ ذكر ﵀ مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ثم علل لذلك بأنه هو الحق؛ لأنه هو الذي جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وشهدت به العقول السليمة، هذه ثلاثة طرق عرفنا بها «مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات». قال ابن القيم في «نونيته»: وإِذَا تَأَمَّلْتَ الوُجُودَ رَأَيْتَهُ ... إِنْ لَم تَكُنْ مِنْ زُمْرَةِ العُمْيَان بِشَهَادَةِ الإِثْبَاتِ حَقًّا قَائِمًا ... للهِ لا بشَهَادَةِ النُّكْرَان وَكَذَاكَ رُسْلُ اللهِ شَاهِدَةٌ بِهِ ... أَيْضًا فَسَلْ عَنْهُمْ عَلِيمَ زَمَان وَكَذَاكَ كُتْبُ اللهِ شَاهِدَةٌ بِهِ ... أَيْضًا فَهَذَا مُحْكَمُ القُرْآن وَكَذَا العُقُولُ المُسْتَنِيرَاتُ الَّتي ... فَيهَا مَصَابِيحُ الهُدَى الرَّبَّاني

стр. 66

فَإِنَّهُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، الشرح وما جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وشهدت به العقول الصحيحة؛ هو الدين الحق الذي جاءت به الرسل ﵈. ودين الرسل دين واحد وهو الإسلام؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: (١٩)]. والأنبياء دينهم واحد؛ قال ﷺ كما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ؛ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (١). والمقصود به دين الإسلام: وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: (٣٦)]؛ فالأنبياء اتفقوا على ذلك، ودعوتهم واحدة، وإنما وقع الاختلاف بينهم في الأحكام المتعلقة بالعبادات. قوله: «فَإِنَّهُ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ»، هل الضمير يعود إلى مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب، أو يعود إلى ما جاءت به الرسل؟ كلاهما صحيح؛ لأن مذهب أهل السنة والجماعة هو ما جاءت به الرسل.

стр. 67

صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ الشرح قوله: «صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ». نِعَمُ الله قسمان: ١) النعم العامة: أي لكل البشر مسلمِهم وكافرِهم؛ فالله يُمِد الجميع بالنعم. ٢) النعم الخاصة: وهي نعم الله على أهل الإيمان بالإيمان وأيضًا نعمته على أهل العلم بالعلم، ونعمته على أهل الإنفاق بالإنفاق، وهكذا ... وهناك نعمة أخص؛ وهي نعمة الله تعالى على أنبيائه بالنبوة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: (١١٣)] عظيمًا: أي بنعمة الرسالة وهي أعظم النعم. إذن النعم ثلاثة: نعمة عامة، ونعمة خاصة لأهل الإيمان، ونعمة أخص؛ وهي نعمته على أنبيائه بالنبوة. ومَن الذين أنعم الله عليهم؟ الجواب: هم الأصناف الأربعة الذين ذكرهم الله في سورة النساء؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: (٦٩)]. الصنف الأول: الأنبياء؛ وهم كل من أوحى الله إليهم ونبَّأهم، وسبق الكلام على هذه المسألة والتفريق بين النبي والرسول، والقول الصحيح في الفرق بينهما.

стр. 68

وَالصِّدِّيقِينَ الشرح الصنف الثاني: الصديقون: جمع صِدِّيق، والصديق: هو من صدق مع الله في معتقده وإخلاصه وإرادته، وفي مقاله وأفعاله، والصديقيَّةُ: مرتبة عظيمة وهي أعظم المراتب بعد مرتبة النبوة. مَن صديق هذه الأمة؟ هو أبو بكر ﵁، بل هو أفضل الصديقين، وفي صحيح البخاري أن أنس ابن مالك ﵁ حدثهم: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ: اثْبُتْ أُحُدُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» (١). وجاء في حديث آخر أنهم كانوا على جبل حراء، فعن أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : اهْدَا؛ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» (٢). هل مرتبة الصديقية خاصة بالرجال ؟ الجواب: ليست خاصة بهم، ومريم ﵍ بلغت هذه المرتبة، قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: (٧٥)].

стр. 69

وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ الَّتِي تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، حَيْثُ يَقُولُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: (١) - (٤)]. الشرح الصنف الثالث: الشهداء: الذين قتلوا في سبيل الله. الصنف الرابع: الصالحون. وهذه المرتبة شاملة لجميع الأنواع الثلاثة السابقة، وشامله أيضًا لمن كان دونهم في الإيمان ولم يبلغ هذه المراتب. مَنِ الصالحُ؟ اختلف أهل العلم في تعريف الصالح، والأقرب في الصالح أنه الذي قام بحق الله وحق عباده. قوله: «وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ ... » شرع المُصَنِّف في ذكر بعض النصوص الواردة في الكتاب والسنة في الإيمان بالله تعالى والإيمان بما جاءت به هذه النصوص، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييفٍ ولا تمثيل. أطال ﵀ في ذكر الآيات والأحاديث في باب الأسماء والصفات. واستفتح بسورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، فعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ القرآن؟ قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ القرآنِ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن» (١).

стр. 70

وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتَابِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: (٢٥٥)]. الشرح قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: «القرآن يحتوي على علوم عظيمة كثيرة، وهي ترجع إلى ثلاثة علوم: أحدها: علوم الأحكام والشرائع الداخل فيها علوم الفقه، كلها عبادات ومعاملات وتوابعهما. الثاني: علوم الجزاء على الأعمال والأسباب التي يُجازَى بها العاملون على ما يستحقون من خير وشر، وبيان تفصيل الثواب والعقاب. الثالث: علوم التوحيد، وما يجب على العباد من معرفته والإيمان به، وهو أشرف العلوم الثلاثة. وسورة الإخلاص كفيلة باشتمالها على أصول هذا العلم وقواعده» (١). قوله: «وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتَابِهِ ... ». ثنَّى المُصَنِّف ﵀ بذكر أعظم آية في القرآن؛ وهي آية الكرسي، والدليل على أنها أعظم آية ما رواه مسلم من حديث أبي بن كعب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا أَبَا المُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: يَا أَبَا المُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ الْقَيُّومُ، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: والله لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ

стр. 71

أَبَا المنْذِرِ» (١). والسبب في كون هذه الآية أعظمَ آية في الكتاب: أنها اشتملت على جملة من أسماء الله وصفاته بحيث لا توجدُ آيةٌ في القرآن جمَعت من أسمائه وصفاته ما جمعت هذه الآيةُ الكريمة. فقد تضمنت هذه الآية الكريمة من أسماء الله خمسةً، وهي: الله، الحي، القيوم، العلي، العظيم. وتضمنت من صفات الله خمسًا وعشرين صفة؛ منها خمس صفات مأخوذة من هذه الأسماء التي سبقت. السادسة: انفراده بالألوهية ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. السابعة: انتفاء السِّنَة والنوم في حقه ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. الثامنة: عموم مُلكه ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. التاسعة: انفراده بالملك ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ حيث قدم الخبر، والخبر هنا: ﴿لَهُ﴾، والمبتدأ: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا التقديم له فائدة وهي: إفادة الاختصاص، وهو اختصاصه بالملك. العاشرة: قوة السلطان وكماله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.

стр. 72

الحادية عشرة: إثبات العندية ﴿عِنْدَهُ﴾. الثانية عشرة: إثبات الإذن ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. الثالثة عشرة: عموم علمه ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. الرابعة عشرة والخامسة عشرة: إثبات أنه لا ينسى ما مضى، لقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. ويعلم الحال والمستقبل لقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾. السادسة عشرة: كمال العظمة. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ عجز الخلق عن الإحاطة يدل على كمال عظمته، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ عظمة هذا الكرسي من عظمة الله. السابعة عشرة: إثبات المشيئة من قوله: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. الثامنة عشرة: إثبات الكرسي وهو موضع القدمين ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. وكون الكرسي موضع القدمين لم يرد في نصٍّ صحيحٍ مرفوعًا، وإنما جاء في بضعة آثار عن بعض الصحابة كابن عباس وأبي موسى الأشعري ﵄.

стр. 73

ولفظ ابن عباس: «الكرسيُّ موضع القدمين، والعرش لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ» (١). ولكن هذه الآثار لها حكم المرفوع؛ لأن مثلها لا يقال بالرأي؛ ولا سيما أنها في باب الأسماء والصفات؛ فبذلك يثبت أَنَّ الكرسي موضع القدمين، كما هو قول أهل السنة والجماعة خلافًا للمعطلة. التاسعة عشرة والعشرون والحادية والعشرون: إثبات القوة والقدرة والعظمة، مأخوذة من قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. وإيجاد هذا الكرسي بهذه العظمة -حيث وسع السموات والأرض- دليل على قدرته سبحانه، ودليل على القوة؛ لأن مثل هذا لا يصدر إلا من قوي قادر، ودليل على العظمة: لأن عظمة الكرسي من عظمة خالقه . الثانية والعشرون والثالثة والعشرون والرابعة والعشرون: كمال علمه ورحمته وحفظه، نأخذ ذلك من قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: حفظ السماوات والأرض لا يَكرِثُه ولا يشق عليه ولا يثقله لكمال قدرته وقوته؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: (٤١)]. ويَلزَم من حفظه السماواتِ والأرضَ إثباتُ صفة العلم وصفة الرح

стр. 74

وَلِهَذَا كَانَ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَى يُصْبِح. الشرح الخامسة والعشرون: إثبات علو الله جل وعز، نأخذ ذلك من قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ وهذا دليل على أن الله عالٍ فوق خلقه. والعلو على أقسام: ١ - علو القدر. ٢ - علو القهر. ٣ - علو الذات. وقد ثبت في صحيح البخاري معلقًا، ووصله النسائي في عمل اليوم والليلة؛ من حديث أبي هريرة ﵁ في القصة التالية: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «وَكَّلَنِي رَسُولُ الله ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ : إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ

стр. 75

وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: (٣)]. الشرح كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَا آيَةَ الْكُرْسِيِّ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحيُّ الْقَيُّومُ، حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَا آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحيُّ الْقَيُّومُ، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخيْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ» (١). قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ فسَّر النبي ﷺ هذه الأسماءَ الأربعة بتفسير جامع مختصر؛ وذلك في قوله؛ كما في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة ﵁ أنه كان يدعو ويقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ» (٢).
следующие страницы →