← Гариб и словари

Гариб и словари · id 5644

الزاهر في معاني كلمات الناس

ابن الأنباري

Полный текст (915 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب الحمدُ للهِ القديمِ الدائمِ، الذي ليس لِقدَمِهِ ابتداء، ولا لديمومته (١) / ٩٣ / انتهاء. الذي حجَّتِ الألباب بدائعُ حِكَمِهِ (٢) ، وخصمت العقولَ لطائفُ حُجَجِهِ، وقطعت عُذرَ (٣) الملحدينَ عجائبُ صنعه، وكلّت الألسن عن تفسير صفته، وانحسرت العقول عن كُنْهِ معرفته. لا تحويه الأماكنُ، ولا تحدّه لكبريائه الفكر. مُحرم على نوازعِ ثاقباتِ الفِطَن تحديدُهُ، وعلى عوامقِ الفِطَرِ (٤) تكييفُهُ، وعلى غوائصِ سابحاتِ النظر تصويرُهُ. مُمتنعٌ على الأوهام أنْ تكتنهَهُ، وعلى الأفهامِ أنْ تستغرقَهُ. قد يئست من استنباط الإحاطة به (٥) طوامحُ العقولِ، وتراجعت بالصُغر (٦) عن السمو إلى قدرته لطائف الخصوم. واحد لا من عَدَدٍ، ودائم لا بأمَدٍ، وقائم لا بعَمَدٍ. صادقٌ لا يكذبُ، وعالمٌ لا يجهلُ، وعَدْلٌ لا يجورُ، وحيٌّ لا يموتُ. ذو بهجةٍ لا تُفْقَدٌ، ونورٍ لا يخمدُ، ومواهبَ لا تنكدُ، وعطايا لا تنفدُ، وعز لا يذلُّ، وأيدٍ لا يَكِلُّ، ودؤوبٍ لا يملُّ، وحفظٍ لا يضلّ، وصنعٍ لا يكل. الجبارُ الذي خشعت لجبروته الجبابرةُ، والعزيزُ الذي ذَلَّتْ لعزتِهِ الملوكُ الأعِزَّةُ، والعظيمُ الذي خَضَعَتْ له الصعابُ في محل تخومِ قرارِها، وأذعنتْ له رواصِنُ الأسبابِ في منتهى شواهق أقطارها.

стр. 2

\ ٢ / ب ١٩٤ مستشهداً بكل / الأجناس على ربوبيته، وبعجزها على (٧) قدرته، وبحدوثها على فطرته. ليس له حدٌّ منسوبٌ، ولا مَثَلٌ مضروبٌ، ولا شي عنه تعالى جده محجوب. فأَلْسُنُ أدلته الواضحة هاتفة في أسماع عباده الواعية، شاهدةٌ أنّه اللهُ الذي لا إلَه إلاّ هو، الذي لا عِدْلَ له معادِلٌ (٨) ، ولا مِثْلَ له مماثِلٌ، ولا شريكَ له مظاهرٌ، ولا ولدَ له ولا والد. الذي خلق الخلائق بعلمه، فاختار منهم صفوته، فجعلهم أُمناء على وَحْيِهِ، وخَزَنَةً على أَمرِهِ، وسفراءَ بينَهُ وبينَ خلقِهِ. وجعلهم دعاةً إلى ما اتضحت لديهم صحتُهُ، وثبتت في القلوب حجتُهُ. وأمدهم بعونه، وأبانَهُم من (٩) سائرِ خلقِهِ، بما دلّ به على صِدْقِهِم من الأدلة، وأيديهم من الحجج البالغة، والآي المعجزة. واستودعهم في أفضل مستودع، وأقرهم في خير مستقر، تناسَخُهُم مكارمُ الأصلاب إلى (١٠) مطهراتِ الأرحامِ، حتى انتهت نبوةُ اللهِ وأَفْضَتْ كرامتُهُ إلى نبينا محمد وعلى آلِهِ الطاهرين. فبعثَهُ بالبرهانِ الواضحِ، والبيانِ اللائحِ، والكتابِ الناطقِ، والشهابِ المتألق، على حين فَتْرةٍ من الرسلِ، وطموسٍ من السبلِ، ودروسٍ من آثارٍ الأنبياء. والناسُ في عمىً لا يعرفونَ معروفاً فيأتوه (١١) ، ولا مُنكراً فيجتنبوه. ففضَّله من الدرجات بالعلى، ومن المراتب بالعظمى، وحباه من أقسام كرامته بالقسمِ الأكرمِ، وخَصَّه من درجات النبوةِ بالحظِ الأجزلِ، ومن الأتباعِ والأصحابِ بالنصيبِ الأوفرِ. فاستنقذ به الأشلاءَ المتفرقَة، وجَمَعَ بهِ الأهواءَ

стр. 3

المختلَفة، ودَمَغَ به سلطانَ الجهالة، وأَخْمد به نيرانَ (١٢) الضلالةِ، حتى آضَ الباطلُ / مقموعاً، والجهلُ والعمَى مردوعاً (١٣) . بشيراً ونذيراً وسراجاً منيراً، يُبشِّر ٣١ / ١٩٥ مَن أطاعه بالجنةِ وحسن ثوابها، ويخوِّفُ مَن عصاهُ بالنارِ وما حذَّر من عقابها، ﴿لِيُنذِرَ مَن كان حياً ويَحِقَّ القولُ على الكافرين﴾ (١٤) . فَصَدعَ بما أُمِر، وبلَّغَ ما حُمِّل، حتى أُذْعِنَ لله بالربوبيةِ، وأُقرَّ له بالوحدانيةِ، فعاشَ كريماً محموداً، ومات موجعاً مفقوداً. وشرَّف وكرَّم وعظَّم. قال أبو بكر: إنّ (١٥) من أشرفِ العلمِ منزلةً، وأرفعه درجةً، وأعلاه رتبةً، معرفة معاني الكلام الذي يستعمله الناس في صلواتهم ودعائهم وتسبيحهم [وتقربهم إلى ربهم] وهم غيرُ عالمين بمعنى ما يتكلمون به من ذلك. قال أبو بكر: وأنا مُوضِحٌ (١٧) في كتابي هذا، إنْ شاء الله، معاني (١٨) ذلك كله، ليكون المصلي إذا نظر فيه، عالماً بمعنى الكلام الذي يتقرَّبُ به إلى خالقِهِ، ويكون الداعي فَهماً بالشيء يسأله ربَّه (١٩) ، ويكون المسبِّحُ عارفاً بما يعظّم به سيِّدَه؛ ومُتْبعٌ ذلك تبيينَ ما تستعمله العوامُ في أمثالها ومحاوراتِها من كلامِ العرب، وهي غيرُ عالمةٍ بتأويلهِ، < و > باختلاف العلماء في تفسيره وشواهده من الشعر (٢٠) . ولن أُخليه مما أستحسنُ إدخالَهُ فيه من النحو (٢١) والغريبِ واللغةِ والمصادر والتثنية والجمعِ. ليكون مشاكلاً لاسمه إن شاء الله. أسألُ اللهَ المعونَةَ على ذلكَ والتوفيقَ للصوابِ (٢٢) .

стр. 4

١٩٦١ - فأوّلُ ما أبدأُ بهِ من ذلكَ قولُ الناسِ في ثنائِهِم على ربِّهِم: ١ - حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ (٢٣) وقال أبو بكر: فمعنى قولهم: حسبنا الله (٢٤) : كافِينا الله. من ذلك قوله تبارك ٣١ \ ب \ - وتعالى: / ﴿يا أيُّها النبيُّ حَسْبُكَ اللهُ ومَنِ اتبعكَ من المؤمنين﴾ (٢٥) . ومن ذلك قول الشاعر (٢٦) : (إذا كانتِ الهيجاءُ وانشقتِ العصا ... فَحَسْبُكَ والضحاكَ سيفُ مُهندُ) (٢٧) معناه: يكفيك ويكفي الضحاك. ومعنى الآية: يا أيها النبي كافيك الله ومَن اتبعك من المؤمنين. ومن ذلك قول امرىء القيس (٢٨) : (فتملأ بيتنا أَقِطاً وسَمْناً ... وحسبُكَ من غِنىً شِبَعٌ وريُّ) أي: يكفيك الشبع والري. ومنه قوله : ﴿جزاءً من ربِكَ عطاءً حساباً﴾ (٢٩) معناه (٣٠) : عطاء كافياً. يقال: أَحسَبَني الطعامُ يُحسبنُي إحساباً إذا كفاني: قال الشاعر (٣١) : (وإذْ لا ترى في الناسِ حسناً يفوقها ... وفيهن حسنٌ لو تأمَّلْتَ مُحْسِبُ)

стр. 5

معناه: وفيهن (٣٢) حسن كاف. وقال الآخر (٣٣) : (ونُقفي وليدَ الحيِّ إنْ كانَ جائعاً ... ونُحسبُهُ إنْ كانَ ليسَ بجائع) - ١٩٧١ ومعناه: ونعطيه ما يكفيه. وقالت الخنساء (٣٤) : (يكبُّونَ العِشارَ لمن أتاهم ... إذا لم تُحْسِبِ المائةُ الوليدا) معناه: إذا لم تكف المائة. ٢ - ومن ذلك قول الرجل [للرجل] : حَسِيبُك اللهُ قال أبو بكر: فيه أربعة أقوال (٣٥) : قال قوم: الحسيب: العالم. ومعنى هذا الكلام التهدد، فإذا قال الرجل للرجل: حسيبك الله فمعناه: الله عالم بظلمك ومجازٍ لك عليه. واحتجوا بقول المُخَبَّل السعدي (٣٦) : (ولا تُدْخِلنَّ الدهَر قبرَكَ حَوْبَةً ... يقومُ بها يوماً عليكَ حَسِيبُ) معناه: محاسب عليها عالم بها. والحَوْبة: الفَعْلة من الإثم / العظيم؛ من ٤١ / أ ١ قول (٣٧) الله : ﴿إنّه كانَ حُوباً كبيراً﴾ (٣٨) وقرأ الحسن (٣٩) : (إنّه كانَ ٩٨١ /

стр. 6

حَوْباً كبيراً) ، بفتح الحاء، وقال الفراء (٤٠) : الحُوب، بالضم: الاسم، والحَوْب بالفتح: المصدر. قال نابغة بني شيبان (٤١) : (نماك أربعةٌ كانوا أئمتَنا ... فكانَ مُلكُكَ حقّاً ليسَ بالحُوبِ) أي: ليس بالإثم. وقال آخرون: إذا قال الرجل للرجل: حسيبك الله فمعناه: المقتدر عليك الله. وقال آخرون: الحسيب: الكافي؛ من قول الله : ﴿عَطاءٌ حساباً﴾ (٤٢) . فإذا قال الرجل للرجل: حسيبك الله، فمعناه: كافيَّ إيّاك اللهُ. وقالوا: لفظه الخبر ومعناه معنى الدعاء، كأنه قال: أسأل الله أن يكفينيك (٤٣) . وقال آخرون: الحسيب المحاسب. فإذا (٤٤) قال الرجل للرجل: حسيبك الله فمعناه: محاسبك الله (٤٥) . واحتجوا بقول قيس المجنون (٤٦) : (دعا المحرمون اللهَ يستغفرونَهُ ... بمكةَ يوماً أنْ تُمَحَّى ذنوبُها) (وناديت يا رباه أولُ سُؤْلتي ... لنفسيَ ليلى ثم أنتَ حسيبُها) فمعناه: ثم أنت محاسبها على ظلمها. قالوا: والحسيب: هو المحاسب، ١٩٩١ بمنزلة قول العرب: الشريب، للمُشارب. قال أبو بكر: أنشد (٤٧) الفراء: (فلا أُسقى ولا يُسقى شريبي ... ويُرويه إذا أَوردتُ مائي) (٤٨) فمعناه: ولا يسقى مشاربي وقال الراجز (٤٩) :

стр. 7

(رُبَّ شَريبٍ لكَ ذي حُساسِ ... ) (شِرابُهُ كالحَزِّ بالمواسي ... ) (ليس بمحمودٍ ولا مُواسي ... ) (يمشي رويداً مِشيةَ النِّفاسِ ... ) فمعناه: رب مشارب لك. والحساس: المشارّة وسوء الخلق. ومن الحسيب قول الله : / ﴿إنّ اللهَ كانَ على كلِّ شيٍء حسيباً﴾ . (٥٠) ٤١ / ب / قال أبو بكر: فيه أربعة أقوال: يقال: عالماً، ويقال: مقتدراً، ويقال: كافياً، ويقال: محاسباً. قال أبو بكر: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى يقول في قول الله : ﴿يا أيها النبي حسبُكَ اللهُ ومَنِ اتبعكَ من المؤمنين﴾ (٥١) يجوز في (من) الرفع والنصب؛ فالرفع على النسق على الله والنصب على معنى: يكفيك الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين. ٣ - وقولهم: ونِعْمَ الوكيلُ (٥٢) قال أبو بكر: فيه ثلاثة أقوال: قال أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء (٥٣) : الوكيل: الكافي؛ كما قال : ﴿ألاّ تتخذوا من دوني وكيلاً﴾ (٥٤) ، \ ١٠٠ \ معناه: ألا تتخذوا من دوني كافياً. وقال آخرون: الوكيل: الربّ، فالمعنى عندهم: حسبنا الله ونعم الرب، وقالوا: معنى قوله : ﴿ألا تتخذوا من دوني وكيلاً﴾ ألا تتخذوا من دوني ربّاً (٥٥) . وقال آخرون: الوكيل: الكفيل. والمعنى عندهم: حسبنا الله ونعم الكفيل بأرزاقنا؛ واحتجوا بقول الشاعر (٥٦) :

стр. 8

(ذكرتُ أبا أروى فبت كأنني ... برد الأمورِ الماضياتِ وكيلُ) (وكلُّ اجتماعٍ من خليلٍ لفرقةٍ ... وكلُّ الذي بعدَ الفراقِ قليلُ) قالوا: فمعنى البيت: كأنني كفيل برد (٥٧) الأمور. قال أبو بكر: والذي أختار من هذا مذهب الفراء، وهو أن يكون المعنى: كافينا الله ونعم الكافي، فيكون الذي بعد (٥٨) نعم موافقاً للذي (٥٩) قبلها؛ كما تقول: رازقنا الله ونعم الرازق، وخالقنا الله ونعم الخالق، وراحمنا الله ونعم الراحم، فيكون هذا أحسن في اللفظ من قولك: خالقنا الله ونعم الكفيل. والقولان الآخران غير خارجين عن (٦٠) الصواب. ٤ - وقولهم: لا حولَ وقوةَ إلاّ بالله \ ٥ \ أ \ - / قال أبو بكر: معناه لا حيلة ولا قوة إلا بالله. ويقال: ما للرجل حيلة، وما \ ١٠١ \ - له حول، وما له احتيال، وما له محتال، وما له محالة، وما له محلة، بمعنىً. قال الشاعر (٦١) : (ما للرجال معَ القضاءِ مَحَالةٌ ... ذَهَبَ القضاءُ بحيلةِ الأقوام) وقال العجاج (٦٢) : (قد أركبُ الحالة بعدَ الحاله ... ) (وأتركُ العاجزَ بالجَدَاله ... ) (مُنْعَفِراً لَيْسَتْ له مَحالَه ... )

стр. 9

الجدالة: الأرض [المستوية،] من ذلك قولهم: تركته مُجَدَّلاً، أي مطروحاً على الجدالة. وكتب (٦٣) الخليل بن أحمد (٦٤) إلى سليمان بن علي: (أَبلغْ سليمانَ أني عنه في سَعَةٍ ... وفي غِنىَ غيرَ أني لستُ ذا مالِ) (شُحّاً بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموتُ فقراً ولا يبقى على حالِ) (فالرزقُ عن قَدَرٍ لا العجزُ ينقصُهُ ... ولا يزيدُكَ فيه حولُ محتالِ) فالحول: الحيلة. يقال: ما للرجل مِحال، بكسر الميم، وماله مَحال بفتح الميم.. إذا كسرت الميم فالمعنى: ماله مكر ولا عقوبة، من قوله ﵎ (٦٥) : ﴿وهو شديد المِحال﴾ (٦٦) معناه: شديد المكر والعقوبة. قال عبد المطلب بن هاشم (٦٧) : (لاهُم إنّ المرءَ يمنعُ ... رَحْلَه فامنَعْ حِلالَكْ) (لا يغْلبنّ صليبُهم ... ومِحالهم غدواً مِحالكْ) \ ١٠٢ \ معناه: لا يغلبن مكرهم مكرك. قال الأعشى (٦٨) : (فرعُ نبْعٍ يهتز في غُصُنِ المجدِ ... غزيرُ الندى عظيمُ المِحالِ) معناه: عظيم المكر. قال نابغة بني شيبان (٦٩) : (إن من يركبُ الفواحش سرا ... حين يخلو بسره غير خال) (كيف يخلو وعنده كاتِباهُ ... شاهِداهُ ورَبهُ ذو المِحال) / وقال الآخر (٧٠) : - \ ٥ / ب \

стр. 10

(أَبرَّ على الخصومِ فليس خَصْمٌ ... ولا خصمانِ يغلِبُه جدالا) (ولَبَّسَ بينَ أقوامٍ فكلٌّ ... أَعَدَّ له الشغازِبَ والمِحالا) قال أبو بكر: وسمعت أبا العباس يقول: المِحال مأخوذ من قول العرب: قد مَحَل فلان بفلان: إذا سعى به إلى السلطان، وعرَّضه لأمر يُوبِقُهُ ويُهلِكه فيه. ومن (٧١) ذلك قولهم في الدعاء: اللهم لا تجعل القرآن بنا ماحلا، أي: لا تجعله شاهداً بالتقصير والتضييع علينا. ومن ذلك قول النبي: (القرآنُ شافعٌ مُشَفَّعٌ، وماحلٌ مُصَدَّقٌ. فمَنْ شَفَعَ لَه القرآن يوم القيامة نجا، ومَنْ مَحَلَ به القرآن كبَّه الله على وجهه في النار (٧٢) فمعناه: ومن شهد عليه القرآن بالتضييع والتقصير. وإذا قالت العرب للرجل: ماله مَحالٌ، بفتح الميم (٧٣) ، فمعناه: ما للرجل حَوْلٌ. \ ١٠٣ \ قال: ويُروى عن الأعرج (٧٤) أنه قرأ: (وهو شديدُ المَحال) (٧٥) بفتح الميم. وتفسير ابن عباس (٧٦) يدل على الفتح، لأنه قال: المعنى: وهو شديد الحول (٧٧) . ويقال: حَوْلَقَ الرجلُ: إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال (٧٨) أبو جعفر أحمد بن عبيد (٧٩) : يقال حولق الرجل وحَوْقَلَ: إذا قال ذلك. ويقال: بَسْمَلَ الرجل، إذا قال: بسم الله، وأنشد (٨٠) أبو عبد الله بن الأعرابي

стр. 11

(لقد بَسْمَلَتْ ليلى غداةَ لقيتُها ... فيا بأبي ذاكَ الحبيبُ المبسمِلُ) (٨١) ويقال: قد أخذنا في البسملة والحولقة والحوقلة: إذا قلنا: بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال الشاعر (٨٢) : (فداك من الأقوام كلُّ مُبَخَّلٍ ... يحولق إمّا ساله العُرفَ سائِلُ) أي يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. / - (٦ / أ) وقال أبو عِكرمة الضبِّيّ (٨٣) : يقال قد هيلل الرجل إذا قال: لا إله إلّا الله، وقد أخذنا في الهيللة: إذا أخذنا في التهليل. - (١٠٤) قال الخليل بن أحمد (٨٤) : يقال حَيْعَلَ الرجل: إذا قال: حيّ على الصلاة، وقد أخذنا في الحَيْعَلَةِ: إذا أخذنا في هذا القول. قال الشاعر: (ألا رُبَّ طيفٍ منكِ باتَ معانقي ... إلى أن دعا داعي الصلاة فَحَيْعَلا) (٨٥) وقال آخر (٨٦) : (وما إن زال طيفك لي عنيقاً ... إلى أن حيعل الداعي الفلاحا) قال: والعرب تفعل هذا كثيراً، إذا كثر استعمالهم للكلمتين ضموا بعض حروف إحداهما إلى بعض حروف الأخرى. من ذلك قولهم للرجل: لا تُبَرقِلْ (٨٨) علينا، معناه: لا تقصد قصد كلام لا فعل معه. وكذلك قولهم: قد أخذنا في البرقلة، أي: في كلام لا يتبعه فعل. وهو مأخوذ من البرق الذي لا يتبعه المطر (٨٩) . وقال الفراء: المَحَالة التي تُجعل على رأس البئر بمنزلة البكرة، وتكون المحالة واحدة محال الظهر وهي فِقَر (٩٠) الظهر.

стр. 12

قال أبو بكر: في قولهم: لا حول ولا قوة إلا بالله خمسة أوجه من الإعراب: أحدهن (٩١) لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، على أن تنصب الحول بلا، على (١٠٥) التبرئة، وتجعل القوة نسقاً على الحول، والباء خبر التبرئة. والخليل وسيبويه (٩٢) يسميان التبرئة: النفي. والوجه الثاني: لا حولٌ ولا قوةٌ إلا بالله. فترفع الحول بلا، وتجعل القوة نسقاً على الحول. وقد قُريء بالوجهين (٩٣) جميعاً في كتاب الله : ﴿فلا رَفَثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ في الحج﴾ (٩٤) ، وقرأوا (٩٥) : ﴿فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالٌ في (٦ / ب﴾ الحج) . / وقرأوا: ﴿لا بيعَ فيه ولا خُلَّةَ ولا شفاعةَ﴾ (٩٧) و ﴿لا بيعٌ فيه ولا خُلَّةَ ولا شفاعةٌ﴾ . قال الفراء (٩٨) : إنما يحسن فيه الرفع إذا نُسِقَ عليه بولا، فإذا لم ينسق عليه بولا فاختياره النصب كقوله جل وعز: ﴿ألم ذلكَ الكتابُ لا ريبَ فيه﴾ (٩٩) ، الريب منصوب بلا على التبرئة و (فيه) خبر التبرئة، قال: ولم يقرأ أحد من القراء: لا ريب فيه، بالرفع. قال أبو بكر: وزعم الفراء أنها لغة للعرب، وحكى عن بعضهم: " لا إلهٌ إلّا الله ". ومن ذلك قول جرير (١٠٠) : (نُبِّئْتُ جَوَّاباً وسَكْناً يسبني ... وعَمرو بن عِفْرَى لا سلامٌ على عَمرِو) وأنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي:

стр. 13

(الحربُ لا يبقي ... لجاحِمِها التَخَيُّلُ والمِراحُ) (إلا الفتى الصبار في ... النْجدات والفرسُ الوقاحُ) (١٠٦) (مَنْ صَدَّ عن نيرانها ... فأنا ابنُ قيسٍ لا براحُ) (١٠١) والوجه الثالث: لا حولٌ ولا قوةَ إلا بالله، برفع الحول ونصب القوة. والمعنى: لا حولٌ إلا بالله ولا قوةَ إلا بالله. قال أمية بن أبي الصلت (١٠٢) : (فلا لَغْوٌ ولا تأثيمَ فيها ... وما فاهوا به لهم مُقيمُ) والوجه الرابع: لا حولَ ولا قوةٌ إلا بالله، تنصب الحول ب (لا) وترفع القوة بالباء، والمعنى: لا حولَ إلا بالله، ولا قوةٌ إلا بالله. قال الشاعر (١٠٣) : (وإذا تكونُ كريهةٌ أُدعى لها ... وإذا يُحاسُ الحيس يُدُعى جُندبُ) (ذا كم وجَدِّكم الصغارُ بعينِهِ ... لا أمَّ لي إنْ كانَ ذاكَ ولا أبُ) والوجه الخامس: لا حولَ ولا قوةً إلا بالله، بنصب الحول والقوة جميعاً، / (٧ / أ) والحول غير منون، والقوة منونة. قال الشاعر (١٠٤) : (رأتْ إبلي برمل جَدودَ ألّا ... مَقيلَ لها ولا شِرْباً نقوعا) (١٠٧) قال الفراء: (لا) معناها السقوط من الكلام، كأنه قال: لا حول وقوة إلا بالله. وأنشد الفراء حجة لهذا:

стр. 14

(فلا أبَ وابناً مثلُ مروانَ وابنِهِ ... إذا ما ارتدى بالمجد ثم تأزَّرا (١٠٥) قال أبو بكر: وإنما لم ينون الحول، ونونت القوة، لأن الحول قرب من لا، والقوة بعدت من لا. ٥ - وقولهم: اللهمَّ مَحِّصْ عنا ذنوبَنَا (١٠٦) قال أبو بكر: فيه (١٠٧) أقوال: قال قوم من أهل اللغة: المعنى اللهم طهرنا من ذنوبنا، وأسقطها عنا. واحتجوا بقول أبي داود الإيادي (١٠٨) يصف قوائم الفرس: (صُمِّ النسورِ صحاحٍ غيرِ عاثرةٍ ... رُكِّبْنَ في مَحِصاتٍ ملتقى العَصَبِ) النسور: اللحم الذي في باطن الحافر يشبه النوى، واحدها: نَسْر. وقوله: في محِصات: معناه في قوائم منجردات، ليس فيها إلا العظم والجلد والعصب. قالوا: فكذلك إذا قال الرجل: اللهم محص عنا ذنوبنا، فمعناه: جردنا من ذنوبنا.

стр. 15

وقالوا: معنى قول الله ﴿ولِيُمَحِّصَ الله الذينَ آمنوا ويَمْحَقَ الكافرينَ﴾ (١٠٩) : وليجرد الله الذين آمنوا من ذنوبهم. (١٠٨) وقال الخليل بن أحمد: اللهم محص عنا ذنوبنا، معناه: خلِّصنا من ذنوبنا. قال: والمحص عند العرب التخليص، يقال: محصت الشيء أمحَصُهُ مَحْصاً: إذا خلصته. وقال معنى قوله ﵎: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾ : وليخلص الله الذين آمنوا من ذنوبهم. وقال أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني (١١٠) : اللهم محص عنا ذنوبنا، معناه: اكشف عنا ذنوبنا، واحتج بقول الشاعر يصف ليلاً: (حتى بَدَتْ قَمراؤه وتَمَحَّصَتْ ... ظلماؤه ورأى الطريقَ المبصرُ) (١١١) فمعناه: وانكشفت ظلماؤه. وقال آخرون: / اللهم محص عنا ذنوبنا، معناه: اللهم اطرح عنا ما تعلق (٧ / ب) بنا من الذنوب. قالوا: وهو مأخوذ من قول العرب: قد مَحصَ الحبل (١١٢) يَمْحَصُ مَحْصاً: إذا ذهب وبره. ويقال: حبل مَحصُ وأملس بمعنى. ويقال: قد محص الظبي يمحص (١١٣) وفحص يفحص: إذا عدا عدواً شديداً لا يخالطه فيه وَنَى ولا فتورٌ (١١٤) .

стр. 16

(١٠٩) ٦ - قولهم: اللهُمَّ اغفِرْ لنا ذنوبَنا (١) قال أبو بكر: قال قطرب [محمد] بن المستنير (٢) : معناه اللهم غطِّ علينا ذنوبنا. قال: وهو مأخوذ من قول العرب: قد غفرت المتاع في الوعاء أغفره غفرا، ويقال: اغفر متاعك في الوعاء، أي: غطه فيه. قال أبو بكر: وسمعت أبا العباس يقول: تقول العرب: [قد] غفر الرجل في مرضه يغفر غفراً إذا نُكِسَ في مرضه، فكأن المرض غطَّى عليه. واحتج بقول الشاعر (٣) : (خليلي إنَّ الدارَ غَفْرٌ لذي الهوى ... كما يغفرُ المحمومُ أو صاحبُ الكَلْمِ) ومن ذلك قوله : ﴿واستغفروا ربكم﴾ (٤) ، معناه: سلوا ربكم أن يغطي عليكم ذنوبكم. ومن ذلك قوله: ﴿أنِ اعبدوا الله واتقوه وأطيعونِ يَغْفِرْ لكم من ذنوبكم﴾ (٥) . معناه: يغطي عليكم ذنوبكم. (٨ / أ) قال الكِسائي (٦) وهشام (٧) وغيرهما: / (من) في هذا الموضع زائدة، وذهبوا إلى أنها مؤكدة للكلام، والمعنى عندهم: يغفر لكم ذنوبكم. وقالوا: هو بمنزلة قوله: ﴿ولهمْ فيها منْ كلِّ الثمراتِ﴾ (٨) ، والمعنى: ولهم فيها كل الثمرات واحتجوا بقوله : ﴿قُلْ للمؤمنينَ يغضوا من أبصارهم﴾ (٩) ، فالمعنى:

стр. 17

يغضوا أبصارهم، واحتجوا بقوله : ﴿وَعَدَ الله الذينَ آمنوا وعملوا (١١٠﴾ الصالحاتِ منهم مَغْفِرةً وأَجْراً عظيماً) (١٠) ، قالوا: فمن ليست في هذا الموضع مُبعضة إنما المعنى: وعدهم الله كلهم مغفرة وأجراً عظيماً، فدخلت (من) للتوكيد. وكذلك قوله: ﴿ولتكنْ منكم أمةٌ يدعونَ إلى الخير﴾ (١١) ، فلم يؤمر بهذا بعضهم دون بعض، إنما المعنى: ولتكونوا كلكم أمة يدعون إلى الخير. ومن ذلك قول الشاعر (١٢) : (أخو رغائبَ يُعطيها ويسألُها ... يأبى الظلامَة منه النَوْفَلُ الزُّفَرُ) النوفل: الكثير الإعطاء للنوافل. والزفر: الذي يحمل الأثقال والأمور التي يعجز عنها غيره. و (من) مؤكدة للكلام. وقال أصحاب المعاني: المعنى (١٣) يأبى الظلامة، لأنه نوفل زفر. قال ذو الرمة (١٤) : (إذا ما امرؤ حاولنَ أنْ يقتتلْنَهُ ... بلا إحْنَةٍ بينَ النفوسِ ولا ذَحْلِ) (تبسَّمنَ عن نَوْرِ الأقاحيِّ في الثرى ... وفَتَّرْنَ من أبصارِ مضروجةٍ نُجْلِ) أراد: وفترن أبصاراً مضروجةً، فأكَّد الكلام بمن. قال أبو بكر: قال الفراء (١٥) : معنى قوله : ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ (١٦) : يغفر لكم من أذنابكم وعن أذنابكم (١٧) ، أي: يغفر لكم من أجل وقوع الذنوب منكم؛ كما تقول / في الكلام: قد اشتكيت من دواء شربته؛ (٨ / ب / ١١١) فالمعنى: قد اشتكيت من أجل الدواء الذي شربته.

стр. 18

وقال قطرب: من المغفرة قولهم: قد غَفَرَ الرجل رأسه بالمِغْفَر، أي: غطاه به، ويقال للبيضة التي يغطى بها الرأس: الغفارة. وقال الأصمعي (١٨) : معنى قولهم: اللهم اغفر لنا ذنوبنا: اللهم استر علينا ذنوبنا. قال: والعرب يقول الرجل منهم للرجل: اصبغ ثوبك [بقرف السدر] فإنه اغفرُ للوَسَخِ، أي: أستر للوسخ. وفي: يصبغ، ثلاث لغات: يقال: قد صَبَغَ الثوبَ يصبَغُهُ ويصبغُهُ، ويصبُغُهُ، وكذلك دَبَغَ الجلدَ يدبِغُهُ ويدبَغُهُ، ويدبُغُهُ، ونَغَقَ (١٩) الغرابُ، إذا صاح، ينغَقُ وينغِقُ وينغُقُ، وكذلك نَهَقَ الحمار ينهَقُ وينهِقُ وينهُقُ. قال أبو بكر: حكى (٢٠) هذا أبو العباس عن سَلَمَة (٢١) عن الفراء ٧ - وقولهم: اللهم لا مانعَ لما أعطيتَ ولا معطيَ لما منعتَ ولا ينفع ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ (٢٢) قال أبو بكر: فيه ثلاثة أقوال: قال أبو عُبيْد القاسم بن سلام (٢٣) المعنى: ولا ينفع ذا الغِنى منك غناه، وإنما ينفعه طاعتك والعمل بما يقربه منك. (١١٢) واحتج بقول النبي. (قمتُ على باب الجنةِ فإذا عامةُ من يدخلها

стр. 19

الفقراءُ وإذا أصحابُ الجَدِّ محبوسون) (٢٤) . فمعناه: وإذا أصحاب الغنى في الدنيا محبوسون (٢٥) . قال: وهو بمنزلة قوله : ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ﴾ (٢٦) وقوله (٢٧) : ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زُلفى إلاّ مَنْ آمن وعَمِلَ صالحاً (٢٨﴾ ) . / وقال غير أبي عبيد: الجَدُّ في هذا الموضع الحظ وهو الذي تسميه العوام (٩ / أ) البخت. والمعنى عندهم: ولا ينفع ذا الحظ منك الحظ إنما ينفعه العمل بطاعتك. وقالوا هو مأخوذ من قول العرب: لفلان جَدٌّ في الدنيا، أي: حظ وبخت؛ قال امرؤ القيس (٢٩) : (ألا يا لهفَ نفسي إثر قوم ... هم كانوا الشِّفاءَ فلم يُصابوا) (وقاهم جَدُّهم ببني أبيهم ... وبالأَشْقَيْنَ ما كانَ العقابُ) أراد (٣٠) : وقاهم حظهم. وقال الأخطل (٣١) : (أعطاكم الله جَدّاً تنصرونَ به ... لا جَدَّ إلاّ صغيرٌ بعدُ مُحْتَقَرُ) ومنه قول الآخر (٣٢) : (عِشْ بجَدٍ ولا يَضركَ نَوْك ... إنّما عيشُ مَنْ ترى بالجدودِ) قال أبو بكر: وسمعت أبا العباس يقول: الجد في كلام العرب ينقسم على (١١٣) أقسام:

стр. 20

يكون الجد أبا الأب، ويكون الجد أبا الأم، ويكون الحظ، وهو الذي تسميه العوام البخت، ويكون الجد الجلال، ويكون الجد العظمة؛ كما قال الله : ﴿وأَنَّهُ تعالى جَدُّ ربِّنا﴾ (٣٣) ، قال ابن عباس: معناه: وأنه تعالى جلالُ ربِّنا. واحتج بقول الشاعر: (ترفَّعَ جَدُّكَ إنِّي امرؤٌ ... سقتني الأعادي إليك السِّجالا) (٣٤) وقال الحسن: تعالى جد ربنا، معناه: تعالى غنى ربنا. وقال السُّدِّيَ (٣٥) : معناه تعالى أمره. وقال مجاهد (٣٦) : معناه تعالى ذكر ربنا. وقال غيرهم: معناه تعالت عظمة ربنا. وهذه الأقوال متقاربة في المعنى (٣٧) . (٩ / ب) وقال أبو العباس: يقال: قد / جَدَّ الرجل يَجدُّ إذا صار له جَد، وما كنت ذا جَدٍّ، ولقد جَدُدْتَ، وأنت تَجَدُّ يا رجل (٣٨) . قال: وأنشدني ابن الأعرابي: (ولقد يُجدُّ المرءُ وهو مُقَصِّرٌ ... ويخيبُ سَعْيُ المرءِ غيرَ مقصِّرِ) (٣٩) (١١٤) ويقال: أَجَدَّهُ الله: إذا جعل له جَدّاً، وحُظَّ الرجلُ فهو محظوظٌ، من الحظِّ. وقال أبو العباس: ما كنت ذا حظٍّ، ولقد حَظِظْتَ وأنت تَحَظُّ: ويقال: رجل حَظِيظٌ جَديدٌ، من الجَدِّ والحَظِّ

стр. 21

ويقال: قد جَدَّ الرجل في الأمر إذا انكمش فيه (٤١) ، يجدُّ جِداًّ. وإذا خاطبت الرجل قلت: ما كنت ذا جد، ولقد جَدَدْتَ وأنت تَجِد. قال أبو العباس: أنشدني السدري (٤٢) : (لطالما برَّحَتْ بي الأعينُ النُجُلُ ... واقتادني بدواعي (٤٣) غيِّهِ الغَزَلُ) (عهدَ الشبابِ لقد أبقيتَ لي حَزَناً ... ما جَدَّ ذكرك إلا جَدَّلي ثُكُلُ) (إن المشيبَ إذا ما حل زائره ... بمنهل جاء يقفو أثره الأَجَلُ) (٤٤) ويقال: جَدَّ يَجدُّ: إذا قَطَعَ. ويقال: قد جَدَّ القميص يجدُّ، بكسر الجيم. ويقال: قميص جديد، وجبة جديد، بغير هاء. قال أبو بكر: قال الفراء (٤٥) : إنما لم تدخل الهاء في جديد لأن أصلها: مجدود، فلما صُرفت عن مفعول إلى فعيل، الزمت التذكير، كما تقول العرب: كفٌ خضيبٌ، وعينٌ كحيلٌ، ولحيةٌ دهينٌ، فتحذف (٤٦) الهاء، لأن الأصل فيهن: كف مخضوبة، وعين مكحولة (٤٧) ، ولحية مدهونة، / فلما صرفت إلى فعيل ألزمت (١٠ / أ) التذكير، ليفرق بين ماله الفعل، وبين ما الفعل واقع عليه؛ فالذي له الفعل قولك: امرأة كريمة وأديبة وظريفة، والذي الفعل واقع عليه قد تقدم ذكره. قال أبو بكر: وسمعت أبا العباس يقول: هي القنطرة الجديد ورأيت القنطرة الجديد، بغير هاء (٤٨) ، لأن الفعل واقع عليها. (١١٥) قال أبو بكر: رأيت القنطرة العتيقة، بالهاء، لأن الفعل لها عَتُقَتْ فهي عتيقة، فصارت بمنزلة الأديبة والكريمة.

стр. 22

وزعم الفراء: أن من العرب مَنْ يقول: هذه ملحفة جديدة، فيدخلون فيها الهاء، وهذه لغة لا يؤخذ بها. ويقال: هذه جبة خلق، وهذه ملحفة خلق، بغير هاء، لأن الأصل في خلق: الإضافة. يقال: أعطني خلق (٤٩) جبتك، وخلق ملحفتك، فلما أفردوه تركوه على ما كان عليه في الإضافة. قال أبو بكر: وقال الفراء: ومن العرب من يقول: قميص أخلاق وجبة أخلاق، فيصف الواحد بالجمع، لأن الخُلوقة في الثوب تتسع، فيُسمَّى (٥٠) كل موضع منها خَلقاً، ثم يجمع على هذا المعنى. أنشد (٥١) الفراء: (جاء الشتاءُ وقيمصي أخلاقْ ... ) (شراذم تُضْحك مني التواقْ ... ) التواق ابنه. ومن قال: جُبَّةٌ خَلَقٌ، قال في التثنية: جبتان خَلَقان وجبات أخلاق في الجمع. قال أبو العباس: أنشدني أبو العالية (٥٣) : (كفى حزناً أني تطاللتُ كي أرى ... ذُرى قُلَّتي دَمْخٍ فما تريانِ) (١٠ / ب) / (كأنهما والآل يجري عليهما ... من البعد عينا بُرقعٍ خَلَقانِ) (٥٤) فذكر: خلقان، للعلة التي تقدمت. والجِدُّ، بكسر الجيم، ينقسم على قسمين: يكون الجد: الانكماش؛ قال أبو بكر: قال أبو العباس: أنشدني الزبير (٥٥) بن أبي بكر:

стр. 23

(ولما رأينا البينَ قد جَدَّ جِدُّهُ ... ولم يبقَ إلاّ أنْ تزولَ الركائبُ) (١١٦) (مررنا فسلَّمنا سلاماً مخالساً ... فردَّت علينا أعينٌ وحواجبُ) (٥٦) ويكون الجد: الحقّ، كقولك: جِد في الجِدِّ ودع الهزلَ. قال الشاعر: (هزلتْ وجدَّ القولُ فاحتجبتْ ... فبقيت بين الجِدِّ والهزلِ) (٥٧) ومن ذلك قولهم في القنوت: (ونخشى عذابَكَ إنَّ عذابك الجدَّ بالكفارِ مُلْحِقٌ) (٥٨) . معناه: إنّ عذابك الحقّ. ومنه قولهم: هو عالم جِداًّ، بكسر الجيم، معناه: هو عالم حقّاً حقّاً. والعامة تُخطىء فتفتح الجيم، وأنشد الفراء: (إنَّ الذي بيني وبينَ بني أبي ... وبينَ بني عَمِّي لمختلفٌ جِدّاً) (٥٩) والوجه الثالث: قول الناس: ولا ينفع ذا الجِدّ منك الجِدّ بكسر الجيم، قال أبو بكر: قال أبو عبيدة (٦٠) : هو خطأ، لأن الجد: الانكماش، والله قد دعا الناس وأمرهم بالانكماش في طاعته فقال: ﴿قد أفلح المؤمنونَ الذينَ هم في صلاتِهم خاشعونَ﴾ (٦١) وقال: ﴿يا أيها الرسلُ كلوا من الطيباتِ واعملوا صالحاً﴾ (٦٢) ، وقال: ﴿إنَ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ إنّا لا نضيعُ أجرَ مَنْ أحسنَ عَملاً﴾ (٦٣) . قال أبو عبيد: ولا يجوز أن يأمرهم بالانكماش ويدعوهم إليه ثم يقول: لا ينفعهم انكماش. (١١٧) قال أبو بكر: ولا أظن الذين رووا هذا بكسر الجيم ذهبوا إلى المعنى الذي أنكره أبو عبيد ولكنهم أرادوا: ولا ينفع ذا الانكماش / والحرص على الدنيا (١١ / أ) انكماشه وحرصه عليها، إنما ينفعه العمل للآخرة.

стр. 24

والجُدُّ بضم الجيم: البئر القديمة الجيدة الموضع من الكلأ. قال زهير (٦٤) : (أثافيَّ سُفْعاً في مُعَرَّسِ مِرْجلٍ ... ونُؤْياً كحوضِ الجُدِّ لم يَتَثَلَّمِ) وقال الآخر [وهو طرفة] (٦٥) : (لَعَمرُك ما كانت حَمولُة مَعْبَدٍ ... على جُدِّها حربا لدينِكَ من مُضَرْ) ويقال: رجل جُدٌّ، بضم الجيم، إذا كان له جد في الناس. ٨ - قولهم: اللهم إنّا نعوذُ بكَ من وَعْثاءِ السفرِ وكآبة المنقلبِ ومن الحَوْرِ بعد الكَوْرِ (٦٦) قال أبو بكر: وعثَاء السفر: شدة النصب والمشقة، وكذلك هو في المأثم. قال الكميت (٦٧) يخاطب جذاماً: (فأينَ ابنُها منكم ومنا وبعلُها ... خُزَيْمَةُ والأرحامُ وعثاءُ حُوبُها) (١١٨) فمعناه: في قطيعة الرحم مأثم شديد. وأصل الوعثاء من الوعث، وهو الدهس، والمشي يشتد فيه على صاحبه. فصار مثلاً لكل ما يشق على فاعله. وكآبة المنقلب: أن يرجع الرجل من سفره إلى منزله بأمر يكتئب منه أو يرى في منزله عند قدومه ما يغمه ويحزنه. والحور بعد الكور، فيه قولان: قال أكثر أهل اللغة: الحور بعد الكور، يعني: النقصان بعد الزيادة. قال: وهو مأخوذ من كور العمامة وحورها. وإذا قال الرجل: اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور، فمعناه: اللهم إنا نعوذ

стр. 25

بك أن تتغير أمورنا، وتنتقض كنقض العمامة بعد كورها، وهو شدُّها. واحتجوا بأنَّ الحجاج بن يوسف (٦٨) بعث رجلاً أميراً على جيش، ليقاتل الخوارج، ثم بعث / (١١ / ب) به بعد مدة تحت لواء رجل آخر، فقال للحجاج: هذا الحور بعد الكور. فقال له الحجاج: وما الحور بعد الكور؟ قال: النقصان بعد الزيادة. وقال آخرون: اللهم إنّا نعوذ بك من الحور بعد الكور، معناه: اللهم إنا نعوذ بك من الرجوع والخروج عن الجماعة، بعد أن كنا في الكور، وهو الاجتماع. ويقال: قد كار الرجل عمامته على رأسه: إذا شدّها وجمعها، وحارها إذا: نقضها وأفسدها. ورواه بعض أهل العلم: اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكون، بالنون، فسُئل عن معنى ذلك فقال: أما سمعتَ (٦٩) قول العرب: حار بعدما كان. أي كان على [حال] جميلة فحار عنها، أي: رجع عنها. يقال: قد حار الرجل يحور حوراً: إذا رجع. من ذلك قول الله جل وعز: ﴿إنّه ظَنَّ أنْ لَنْ يحورَ﴾ (٧٠) ، معناه: أن لن يرجع. قال لبيد (٧١) : (وما المرءُ إلا كالشهابِ وضوئِهِ (٧٢) يحورُ رماداً بعدَ إذ هو ساطْعُ) (١١٩) أراد: يرجع رماداً. وقال الآخر (٧٣) : (أصبحتْ دارُنا قِفاراً خَلاءً ... بعدَ عدنانَ والإِلهُ مَحاري) وقال عمران بن حطان (٧٤) :

стр. 26

(فقد حرتُ في النقصِ الغداة وقد بدا ... لكم كبري وابيضَّ مني المفارقُ) وقال الآخر (٧٥) : (إنْ كنتِ عاذلتي فسيري ... نحوَ العراقِ ولا تحوري) أي: ولا ترجعي. وقال آخرون: اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكون، معناه: اللهم إنا نعوذ بك من الرجوع والخروج عن الجماعة، بعد الكون على الاستقامة. (١٢ / أ) قالوا: فحذفت (على) ، لدلالة المعنى عليها، كما / كما قال جل ثناؤه: ﴿فمَنْ شاءَ فلْيؤمِنْ ومَنْ شاءَ فليكفرْ﴾ (٧٦) ، معناه: فمن شاء أن يؤمن فليؤمن، ومن شاء أن يكفر فليكفر، على معنى التوعد والتخويف. وزعموا أن العرب تضمر الشيء إذا كان في الكلام دليل عليه. من ذلك قول الشاعر (٧٧) : (تراه كأنَّ الله يجدعُ أَنفَهُ ... وعَينيْهِ إنْ مولاه أمسى له وَفْرُ) أراد: كأن الله يجدع أنفه ويفقأ عينيه، فحذف الفعل لدلالة المعنى عليه. (١٢٠) والحور عند العرب البياض. ومن ذلك قولهم: خبز حوارى: إذا كان أبيض. والعين الحوراء، فيه ثلاثة أقوال: قال أبو عبيد: الحوراء الشديدة بياض بياض العين في شدة سواد سواد العين. قال أبو عمرو الشيباني الظبية الحوراء: السوداء العين التي ليس فيها بياض، قال: ولا يكون هذا في الإنس، إنما يكون في الوحش. وكذلك قال سعيد بن جبير (٧٨) في قول الله : ﴿حورٌ عِينٌ﴾ (٧٩) حور السود الأعين.

стр. 27

وقال يعقوب بن السكيت (٨٠) : الحور عند العرب: سعة العين، وكبر المقلة وكثرة البياض. وقال قطرب: الحوراء: الحسنة المحاجر، كبرت العين أو صغرت. والعين. جمع: عيناء، والعيناء: الحسنة العين، الواسعتها. قال قيس بن الخطيم (٨١) : (عيناءُ حوراء يُستضاء بها ... كأنّها خُوطُ بانةٍ قَصِفُ) وقال الفراء: الحور العين فيها لغتان: حور عين وحِير عين، وأنشد (٨٢) لبعض الرجاز (٨٣) . (أزمانَ عيناءُ سرورُ المسرورْ ... ) (حوراءُ عيناءُ من العين الحِيرْ ... ) / وقال الآخر: (١٢ / ب) (إلى السلف الماضي وآخرَ سائرٌ ... إلى ربربٍ حيرٍ حسانٍ جآذرُه) والحواريون فيهم خمسة أقوال (٨٦) : (١٢١) قال أهل اللغة: الحواريون: البيض الثياب. أخذ من الحور، وهو البياض. من ذلك قول العرب: امرأة حوارية، من نساء حواريات: إذا كنّ مقيمات بالأمصار. فقيل لهن ذلك لبياضهن وبعدهن من قشف أهل البادية. قال الشاعر (٨٧) : (حواريّةٌ لا يدخلُ الذمُّ بيتَها ... مطهرةٌ يأوي إليها مطهّرُ)

стр. 28

وقال الآخر (٨٨) : (فقل (٨٩) للحوارياتِ يبكينَ غَيرنا ... ولا تبكِنا إلاّ الكلابُ النوابحُ) وقال آخرون: الحواريون: المجاهدون؛ واحتجوا بقول الآخر: (ونحن أناسٌ يملأ البيض هامنا ... ونحن حواريون حين نزاحفُ) (جماجمنا يوم اللقاء تراسُنا ... إلى الموت نمشي ليس فينا (٩٠) تجانفُ) التجانف: التمايل؛ من قول الله : ﴿غَير متجانفٍ لإِثْمٍ﴾ (٩١) ، معناه: غير متمايل إلى إثم. وقال بعض المفسرين (٩٢) : الحواريون القصارون، وقال آخرون: الحواريون: الصيادون، وقال قوم: الحواريون الملوك. وقال الفراء (٩٣) : الحواريون خاصةُ أصحابِ الأنبياء. من ذلك قول النبي: (الزُّبير ابن عمتي وحواريّ من أمتي) (٩٤) . فمعناه: في خاصة أصحابي. وقال قطرب: الحواريون أُخِذوا من قول العرب: قد حُرْتُ القميص أحوره (١٢٢) إذا غسلته ونظفته. ويقال للعود الذي تدور عليه البكرة محور لأنه يعود إلى حالته الأولى بعد الدوران

стр. 29

٩ - / وقولهم: قد أَذَّنَ المؤذِّن (١٣ / أ) وقد سمعت أذانَ المؤذن (٩٥) قال أبو بكر: معناه قد أعلم المعلم بالصلاة، وقد سمعت إعلام المعلم بها. من ذلك قول الله: ﴿ثمَّ أذّنَ مؤذِّنٌ أَيَّتُها العيرُ إنَّكم لسارقون﴾ (٩٦) معناه: أعلم معلم. (وقوله) : ﴿وأَذانٌ من الله ورسولِهِ﴾ (٩٧) معناه: وإعلام من الله ورسوله. وفي الأذان لغتان: يقال: سمعت أذان المؤذن، وسمعت أذين المؤذن، وسمعت الأذان والأذين. قال الشاعر (٩٨) : (فلم نشعرْ بضوءِ الصبحِ حتى ... سَمِعنا في مساجِدنا الأذيِنا) وقال الآخر (٩٩) : (وليلة ناعم قد بتُّ فيها ... إلى أنْ راعني صوتُ الأَذينِ) ١٠ - وقولهم: الله أكبرُ الله أكبرُ (١٠٠) قال أبو بكر: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى يقول: اختلف أهل العربية في معنى: الله أكبر، فقال أهل اللغة: الله أكبر، معناه: الله كبير؛ (١٢٣) قالوا: وأكبر بمعنى: كبير. واحتجوا بقول الفرزدق (١٠١) :

стр. 30

(إنّ الذي سمكَ السماءَ بنى لنا ... بيتاً دعائِمُهُ أعزُّ وأطولُ) أراد: دعائمه عزيزة طويلة؛ واحتجوا بقول الآخر (١٠٢) : (تمنى رجالٌ أَنْ أموتَ وإنْ أَمُتْ ... فتلكَ سبيلٌ فيها بأَوْحَدِ) أراد: لست فيها بواحد. واحتجوا بقول معن أبن أوس (١٠٣) : (لعمري وما أدري وإني لأوجلُ ... على أَيِّنا تعدو المنيةُ أولُ) (١٣ / ب) / أراد: إني لوَجِل (١٠٤) ؛ واحتجوا بقول الأحوص (١٠٥) : (يا بيتَ عاتكةَ الذي أتعزَّلُ ... حَذَرَ العِدَى وبه الفؤادُ موكَّلُ) (إني لأمنحكَ الصدود وإنَّني ... قَسَماً إليكَ مع الصدودِ لأَمْيَلُ) أراد: لمائل؛ احتجوا بقول الله جل وعز: ﴿وهو أهونُ عليه﴾ (١٠٦) . قالوا: فمعناه: وهو هين عليه. قال أبو بكر: قال أبو العباس: وقال النحويون، يعني الكسائي والفراء وهشاماً: الله أكبر معناه: الله أكبر من كل شيء، فحذفت (من) ، لأن أفعل خبر، كما تقول: أبوك أفضل، وأخوك أعقل؛ فمعناه أفضل وأعقل من غيره؛ واحتجوا بقول الشاعر: (١٢٤) (إذا ما ستورُ البيتِ أُرخِينَ لم يكنْ ... سِراجٌ لنا إلا ووجهُكَ أَنْوَرُ) (١٠٧) أراد: أنور من غيره.

стр. 31

وقال معن بن أوس (١٠٨) : (فما بلغتْ كفُّ امرىءٍ متناولٍ ... بها المجدَ إلا حيثُ ما نِلتَ أَطْولُ) (ولا بلغ المهدونَ نحوك مِدحةً ... ولو صداقوا إلاّ الذي فيكَ أفضلُ) أراد: افضل من قولهم. قال أبو بكر: وسمعت أبا العباس يقول: (مِن) تحذف في مواضع (١٠٩) الأخبار ولا تحذف في مواضع الأسماء، من قال: أخوك أفضل، لم يقل (١١٠) : إن أفضل أخوك. وإنما حذفت (مِن) (١١١) في مواضع (١١٢) الأخبار، لأن الخبر يدل على أشياء غير موجودة في اللفظ؛ وذلك أنك إذا قلت: أخوك قام، دلّ هذا على مصدر وزمان ومكان وشرط كقولك: أخوك قام قياماً يوم الخميس في الدار لكي يُحسِن، / والاسم لا يحذف منه شيء يدل عليه. (١٤ / أ) وقال ابن عباس (١١٣) : معنى قول الله ﴿وهو الذي يبدأ الخَلقَ ثم يعيدُه وهو أهون عليه﴾ (١١٤) : وهو أهونُ على المخلوق، أي: الإعادة أهون على المخلوق من الابتداء، وذلك أنَّ الابتداء يكون فيه نطفة ثم علقة ثم مضغة، والإعادة تكون بأن يقول له: كن فيكون. وقال آخرون: وهو أهون عليه معناه: والإعادة أهون على الله من الابتداء فيما تظنون يا كفرة، والله [﵎] ليس شيء عليه أهون من شيء، وله المثل (١٢٥) الأعلى في السموات والأرض. قال المفسرون: المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله.

стр. 32

١١ - وقولهم: أشهد أنْ لا إلَه إلاّ الله (١١٥) قال أبو بكر: معناه عند أهل العربية (١١٦) : أعلم أنه لا إله إلا الله، وأبيِّن (١١٧) أنه لا إله إلاّ الله. الدليل على هذا قوله [﵎] : ﴿ما كانَ للمشركينَ أنْ يعمروا مساجدَ (١١٨﴾ الله شاهدينَ على أنفسِهِم بالكفر) (١١٩) ، وذلك أنّهم لما جحدوا نبوة النبي كانوا قد بيّنوا على أنفسهم الضلالة والكفر. قال (١٢٠) حسان بن ثابت (١٢١) : (فنشهد أَنّك عبدُ المليكِ ... أُرسِلْتَ نوراً بدينٍ قِيَمْ) معناه: نبيِّن أنك عبد المليك. من ذلك قوله [﵎] : ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إلَه إلاّ هُوَ﴾ (١٢٢) قال أبو بكر: قال أبو العباس: معناه بيَّن الله أنه لا إله إلا هو، وأَعْلَم أنه لا إله إلا هو. قال: ومن ذلك قولهم: قد شَهِدَ الشاهد عند (١٢٦) الحاكم، معناه: قد بيَّن للحاكم وأعلمه الخبر الذي عنده. وقال أبو عبيدة (١٢٣) : معنى قوله: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ أي: قضى الله أنه لا إله إلا هو. (١٤ / ب) قال أبو بكر: وقول أبي العباس أحسن مشاكلة / لكلام العرب. وأجاز أبو العباس: الله أكبر الله أكبرْ، واحتج بأن الأذان سُمع (١٢٤) وقفاً لا

стр. 33

إعراب فيه، كقولهم: حيّ على الصلاه، حي على الفلاحْ، ولم يُسمع: حي على الصلاةِ، حي على الفلاحِ، فكان الأصل فيه: الله أكبرْ الله أكبرْ، بتسكين الراء، فألقوا على الراء فتحة الألف، من اسم الله ، وانفتحت الراء وسقطت الألف، كما قال : ﴿أَلَمَ. الله لا إلهَ إلا هو﴾ (١٢٥) ، كان الأصل فيه والله أعلم: ألمْ الله لا إله إلا هو، بتسكين الميم، فأُلقِيت فتحة الألف على الميم، وسقطت الألف (١٢٦) . قال أبو النجم (١٢٧) : (أقبلتُ من عند زياد كالخَرفْ ... ) (تَخطُّ رجلاي بخطٍّ مختلفْ ... ) (كأنما تُكَتِّبانِ لامَ الفْ ... ) أراد: لام ألف، فألقى فتحة الألف على الميم، وأسقطت الألف. وقال الكسائي: قرأ علي رجل من العرب: ﴿بسم الله الرحمنِ الرحيمَ الحمدُ (١٢٧﴾ لله) (١٢٨) ففتح الميم، لأنه أراد أن يسكنها لأنها (١٢٩) رأس آية، ثم ألقى حركة ألف الحمد على الميم من الرحيم، وأسقط الألف. وقال الكسائي (١٣٠) : قرأ علي رجل من العرب سورة ق (١٣١) ، فلما انتهى إلى قوله: ﴿منّاع للخيرِ معتدٍ مُريبٍ﴾ (١٣٢) ، قرأ " مريبٍ الذي "، بكسر الباء وفتح النون على معنى: مريبنَ الذين، فألقى فتحة الألف على النون، وأسقط الألف.

стр. 34

١٢ - وقولهم: أشهدُ أَنَّ محمداً رسولُ الله (١٣٣) قال أبو بكر: معناه: أعلم وأبيِّن أن محمداً متابع للإخبار عن الله . والرسول معناه في اللغة الذي يتابع أخبار الذي بعثه. أُخِذ من قول العرب: قد جاءت الإِبل رَسَلاً: إذا (١٣٤) جاءت متتابعة. قال الأعشى (١٣٥) : (يسقي دياراً لنا قد أَصْبَحَتْ غَرَضا ... زوراءَ أَجْنَفَ عنها القَوْدُ والرَّسَلُ) (١٥ / أ) / القود: الخيل، والرسل: الإِبل (١٣٦) المتتابعة. والرسول يقال في تثنيته: رسولان، وفي جمعه: رسُل. ومن العرب مَنْ يُوحِّده في موضع التثنية والجمع، فيقول: الرجلان رسولك والرجال رسولك. قال الله في موضع: ﴿إنَّا رسولا ربِّك﴾ (١٣٧) ، وقال في موضع آخر: (١٢٨) ﴿إنَّا رسولُ ربِّ العالمينَ﴾ (١٣٨) . فالموضع الذي قال فيه: ﴿إنا رسولا ربك﴾ ، خرج الكلام فيه على الظاهر، لأنه إخبار عن موسى وهارون. والموضع الذي قال فيه: ﴿إنا رسولُ ربِّ العالمين﴾ (١٣٩) ، قال يونس (١٤٠) وأبو عبيدة (١٤١) : وحد الرسول (١٤٢) ، لأنه في معنى الرسالة، كأنه قال: إنّا رسالةُ ربِّ العالمين. واحتج يونس بقول الشاعر:

стр. 35

(فأَبلغْ أبا بكر رسولاً سريعةً ... فمالكَ يا ابنَ الحَضْرَميِّ ومالِيا) (١٤٣) أراد: رسالة سريعة. واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر (١٤٤) : (لقد كذَب الواشونَ ما بُحْتُ عندهم ... بسرٍّ ولا أرسلتهم برسولِ) أراد: ولا أرسلتهم برسالة، واحتج يونس بقول الآخر (١٤٥) : (ألا مَنْ مُبلغٌ عني خُفافاً ... رسولاً بيتُ أهِلكَ مُنتهاها) أراد: رسالةً بيتُ أهلكَ مُنتهاها. وقال الفراء (١٤٦) : إنما وحّد فقال: " إنا رسول رب العالمين " لأنه اكتفى بالرسول من الرسولين. واحتج بقول الشاعر (١٤٧) : (أَلكْني إليها وخيُر الرسولِ ... أعلمهم بنواحي الخَبَرْ) أراد: وخير الرُّسل، فاكتفى بالواحد من الجمع. قال أبو بكر: وفصحاء العرب، أهل الحجاز ومن جاورهم، يقولون: (١٢٩) أشهد أنَّ محمداً رسول الله. / وجماعة من العرب يبدلون من الألف عيناً فيقولون: (١٥ / ب) أشهد عَنَّ محمداً رسول الله. قال أبو بكر: أنشدنا أبو العباس قال: أنشدنا الزبير ابن بكار: (قال الوشاة لهند عَنْ تُصارِمَنا ... ولستُ أنسى هوى هندٍ وتنساني) (١٤٨) أراد: أن تصارمنا. وقال قيس المجنون (١٤٩) : (أيا شِبْهَ ليلى لا تُراعي فإنني ... لكِ اليومَ من وَحشِيَّةٍ لصديقُ) (فعيناكِ عيناها وجِيدُك جِيدُها ... سوى عَنَّ عظمَ الساقِ منكِ دقيقُ) أراد: سوى أنّ، فأبدل من الهمزة عيناً. وقال أيضاً (١٥٠) :

стр. 36

(فما هجرتكِ النفسُ يا ليلَ عن قلىً ... [قَلَتْهُ] ولا عَنْ قلَّ منك نصيبُها) (أَتُضْرَبُ ليلى أَنْ أُلِمَّ بأرضِها ... وما ذنبُ ليلى عَنْ طوى الأرضَ ذِيبُها) أراد: أنْ، فأَبدل من الهمزة عيناً. وفي قولهم: أشهد أن محمداً رسول الله، ثلاثة أوجه: المجتمع عليه: أشهد أن محمداً رسول الله. ويجوز في العربية: أشهد إن محمداً لرسولُ الله، إذا كان في خبرها اللام (١٥١) . وأشهد إنّ محمداً رسولُ الله، على معنى: أقول: إنّ محمداً. ولا يجوز أن يبدل من الألف إذا انكسرت عيناً، إنما يفعل ذلك (١٥٢) بها إذا انفتحت. (١٣٠) ومحمد يجمع على ثلاثة أوجه: يقال في جمعه على السلامة: المحمدون في الرفع، والمحمدين، في النصب والخفض، ويقال في جمعه على التكسير: المحامد، والمحاميد. ويصغر على ثلاثة أوجه: يقال في تصغيره إذا لم يكن اسماً للنبي: (١٦ / أ) مُحَيْمد، ومُحَيْمِيد / ومُحَيمّد، بالجمع بين ساكنين.

стр. 37

١٣ - وقولهم: حَيَّ على الصلاة (١٥٣) قال أبو بكر: قال الفراء: معنى حي في كلام العرب: هَلُمَّ وأَقبِلْ. فالمعنى: هلموا إلى الصلاة وأقبلوا إليها. قال: وفُتحت الياء من حي، لسكونها وسكون الياء قبلها، كما قالوا: ليت ولعل. ومنه قول عبد الله بن مسعود (١٥٤) : (إذا ذُكِرَ الصالحون فحيَّ هَلاً بعُمَرَ) ؛ معناه: فأقبلوا على ذكر عمر. وفيه ست لغات: فحيَّ هَلاً بعُمَرَ، بالتنوين. والوجه الثاني: فحيَّ هَلَ بعمر، بفتح اللام بغير تنوين. والوجه الثالث، فحيَّهْلَ بعمر، بتسكين الهاء، فتح اللام بغير تنوين. والوجه الرابع: فحيَّ هلْ بعمر، بفتح الهاء وتسكين اللام. والوجه الخامس: فحيَّ هَلَنْ إلى عمر. والوجه السادس: فحي هَلَنْ على عمر. فمن قال: فحي هلاً بالتنوين، نصبه على المصدر، كأنه قال: فمرحباً. ومن قال: فحي هَلَ بعمر، جعل حي وهل مفتوحتين، تشبيهاً بخمسة عشر. ومن قال: فحيَّهْلَ بعمر، سكّن الهاء، لكثرة الحركات. ومن قال: فحيَّهَلْ بعمر، نوى تسكينهما جميعاً؛ كما تقول: بَخْ بَخْ. ومن قال: فحي هَلَنْ على عمر، أراد: أقبلوا على ذكر عمر. ومن قال: فحي هَلَنْ إلى عمر، أراد: هلموا إلى ذكره (١٥٥) .

стр. 38

(١٣١) ١٤ - وقولهم: حيَّ على الفَلاح (١) قال أبو بكر: فيه قولان، قال جماعة من أهل اللغة: معناه: هلموا إلى (١٦ / ب) الفوز، وقالوا: يقال: / قد أفلح الرجل: إذا أصاب خيراً. من ذلك الحديث الذي يُروى: (استفلحي برأيِكِ) (٢) ، فمعناه: فوزي برأيك. قال لبيد (٣) : (اعقلي إنْ كنتِ لمّا تعقلي ... ولقد أَفْلَحَ مَنْ كانَ عَقَلْ) معناه: ولقد فاز. ومنه قول الله وهو أصدق قيلاً: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ (٤) . معناه: هم الفائزون. وقال آخرون: حي على الفلاح، معناه: هلموا إلى البقاء، أي أقبلوا على سبب البقاء في الجنة. قال: والفَلَحُ والفلاحُ عند العرب: البقاء. قال أبو بكر: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى: (لكلِّ هَمٍّ من الهموم سَعَهْ ... والمُسْيُ والصبحُ لا فَلاَحَ مَعَهْ) (٥) أراد: لا بقاء معه ولا خلود. [قال أبو بكر: وهي للأضبط بن قُرَيعْ (٦) مع أبيات بعدها. ويقال: إنها من أول ما قيل من الشعر] (٧) وقال لبيد (٨) : (١٣٢) (لو كانَ حيُّ مُدركَ الفلاحِ ... ) (أدركَهُ مُلاعبُ الرماحِ ... ) وقال عبيد [بن الأبرص] (٩) : أَفلحْ بما شئتَ فقد يُدْرَك بالضَّعْفِ وقد يُخْدَعُ الأَريبُ

стр. 39

فهذا من الفوز. قال أصحاب البقاء (١٠) : معنى قوله: ﴿أولئك هم المفلحون﴾ هم الباقون في الجنة. والفَلَح والفلاح عند العرب: السحور. والفلاّح الأَكّار، سُمي بذلك، لأنه يفلح الأرض. أي: يشقها. قال الشاعر: (قد عَلِمَتْ خيلُك أينَ الصحصح ... ) (إنَّ الحديدَ بالحديدِ يُفْلَحُ ... ) (١١) أي: يشق. والفلاح أيضاً: المُكاري؛ وقال ابن أحمر (١٢) : (لها رِطْلٌ تكيلُ الزيتَ فيه ... وفلاّحٌ يسوقُ بها حِمارا) ١٥ - / وقولهم: قد توضّأ الرجلُ للصلاةِ (١٧ / أ) وقد أَخَذَ في الوضوء للصلاة (١٣) قال أبو بكر: معنى توضأ في كلام العرب تنظّف وتحسن. أُخِذ من الوضاءة، وهي (١٤) النظافة والحُسن. يقال: وجهٌ وضيءٌ، أي: حَسَن، من أوجه وِضاءٍ. قال الشاعر: (مساميحُ الفعالِ ذوو أناةٍ ... مراجيحٌ وأوجُهُهُمْ وِضاءُ) (١٥) (١٣٣) يقال: قد وضُؤَ وضاءَةً. وكل من غسل عضواً من أعضائه فقد توضأ. الدليل على هذا قول النبي (توضَّأوا مما غَيَّرَتِ النارُ) (١٧) . معناه: اغسلوا أيديكم، ونظفوها من الزُّهُومة (١٨) . وذلك أنّ جماعة من الأعراب كانوا لا يغسلون

стр. 40

أيديهم من الزهومة، ويقولون: فقدها أشدُّ علينا من ريحها. فأمر النبي بتنظيف اليد منها. وروى الأصمعي عن أبي هلال (١٩) عن قتادة (٢٠) أنه قال: (مَنْ غَسَلَ يَدَهُ فقد تَوَضَّأَ) (٢١) ومن ذلك ما روى أبو عبيدة [عن عبّاد بن منصور] الناجي عن الحسن أنه قال: (الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، والوضوء بعد الطعام ينفي اللَّمَمَ) . إلا أنَّ الوضوء للصلاة، لا يُجْزِيء منه إلا ما أجمع المسلمون عليه، من المضمضة والاستنشاق وغير ذلك. فالوضُوء، بضم الواو وبفتح الواو اسم الماء الذي يتوضأ به، وكذلك السُّحور بضم السين، والسَّحور بفتح السين اسم الذي يُتَسَحَّر به. والوَقود اسم الحطب، والوُقود: التلهب. قال الشاعر (٢٣) : (١٣٤) (فأمسَوا وقودَ النارِ في مستقرِّها ... وكلُّ كفورٍ في جهنم صائرُ) أراد: فأمسوا حطب النار. وقال جرير (٢٤) : / (١٧ / ب) (أَهوىً أراكَ برامَتَيْنِ وقودا ... أم بالجُنَيْنَةِ من مدافعَ أُودا) وقال الآخر: (وأجَّجْنا بكلِّ يفاعِ (٢٥) أرضٍ ... وَقودَ المجدِ للمتنوِّرينا) وقال الآخر:
следующие страницы →