← Адаб

Адаб · id 564

المحاسن والمساوئ

إبراهيم البيهقي

Полный текст (254 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قال: فاستبشر بذلك، وسر سروراً شديداً، ثم قال: أنت والله أعلم الناس وقد قلت هذا لهؤلاء فأبوا عليّ. فقال القوم: كان أمير المؤمنين أولى بالصواب. فقال لي: يا مفضّل أسهرتني البارحة أبيات حسين بن مطير الأسدي. قلت: وأي أبياته؟ قال قوله: وقد تغدر الدنيا فيضحي غنيها ... فقيراً ويغنى بعد بؤسٍ فقيرها وكم قد رأينا من تغير عيشةٍ ... وأخرى صفا بعد اكدرار غديرها قلت: مثل هذه فليسهرك يا أمير المؤمنين زادك الله توفيقاً وتسديداً! قال: حدثني يا مفضّل. قلت: أي الأحاديث تحب؟ قال: أحاديث الأعراب. فما زلت أحدثه حتى بلغت الشمس منه، ثم قال: ما لك، قلت: يا سيدي ما تسأل عن رجل مأخوذ بعشرة آلاف درهم ليست عنده! قال: عليك عشرة آلاف درهم؟ قلت: نعم. فقال: يا ربيع احمل إليه عشرة آلاف درهم لقضاء دينه وعشرة آلاف درهم يبني بها داره وعشرة آلاف ينفقها على عياله، فرجعت ومعي ثلاثون ألف درهم. وقال النضر بن شميل: دخلت على المأمون بمرو وهو في بهو له في يوم صائف وعليّ قميص مرقوع فقال: يا نضر تدخل على أمير المؤمنين في خلقان ثيابك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين حرّ مرو وأنا شيخ كبير لا أحتمل الحر ولا البرد. ثم أنشدته: لو يُشترى الشباب لاشتريته ... شبابي النضر الذي أبليته بكل ما لي ثم ما استغليته ثم أجرينا الحديث فقال: يا نضر أي النساء أحب إليك؟ قلت: البيضاء الفرعاء المديدة، فقال: حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان له فيها سداد من عوزٍ. قلت: صدق هشيم. حدثني عوف عن الحسن عن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله، ﷺ : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها كان له فيها سداد من عوز. قال: يا نضر والسداد خطأٌ؟ قلت: خطأٌ يا أمير المؤمنين! قال: وما يدريك؟ قلت: السَّداد بالفتح القصد في الدين وفي السبيل، والسِّداد البلغة، وكل شيء سددت به شيئاً فهو سداد. قال: أتعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان، ﵀، حيث يقول: أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسِداد ثغر فاستوى جالساً وقال: قبح الله من لا أدب له! ثم أقبل عليّ فقال: أخبرني بأخلب بيت قالته العرب، قلت: قول ابن بيض في الحكم بن مروان: تقول لي والعيون هاجعةٌ ... أقم علينا يوماً فلم أقم متى يقل صاحب السرادق هـ ... ذا ابن بيضٍ بالباب يبتسم قد كنت أسلمت فيك مقتبلاً ... فهات أُدخل وأعطني سلمي قال: لقد أحسن وأجاد، فأخبرني بأنصف بيت قالته العرب، قال: قول أبي عروبة: إني وإن كان ابن عمي واغداً ... لمداهنٌ من خلفه وورائه ومفيده نصري وإن كان امرأً ... متباعداً من أرضه وسمائه فأكون والي سرّه وأصونه ... حتى يحين عليّ وقت أدائه وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قرّبتُ جلّتنا إلى جربائه وإذا دعا باسمي ليركب مركباً ... صعباً ركبت له على سيسائه وإذا رأيت عليه برداً ناضراً ... لم يلفني متمنياً لردائه فقال: لقد أحسن وأجاد، فأخبرني عن أعز بيت قالته العرب. قلت: قول راعي الإبل: أطلب ما يطلب الكريم من ال ... رزق لنفسي وأُجمل الطلبا وأحلب الثرّة الصفيّ ولا ... أطلب في غير خلفها حلبا إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغّبته في صنيعه رغبا والنذل لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئاً إلا إذا رهبا مثل الحمار الموقّع السوء لا ... يحسن مشياً إلا إذا ضربا

стр. 177

فقال: والله لقد أحسن وأجاد. ودعا بالدواة فما أدري ما يكتب ثم قال: يا نضر كيف تقول من الإتراب؟ قلت: أقول اترب القرطاسَ والقرطاسُ متروب. قال: فلم كسرت الألف؟ قلت: لأنها ألف وصل تسقط في التصغير. قلت: فكيف تقول من الطين؟ قلت: طِن الكتاب والكتابُ مطينٌ. قال: هذه أحسن من الأولى. ثم دفع ما كتب إلى خادم ووجهه معي إلى ذي الرياستين الحسن بن سهل، فقال لي ذو الرياستين: ما الذي جرى بينك وبين أمير المؤمنين؟ فقد أمر لك بخمسين ألف درهم. فقصصت عليه القصة. فقال ويحك لحّنت أمير المؤمنين. قلت: معاذ الله بل لحّنت هشيماً لأنه كان لحّانة، فوقّع لي أيضاً من عنده بثلاثين ألف درهم فانصرفت بثمانين ألف درهم في حرف واحد سِداد وسَداد. قال أبو سعيد الضرير: سمعت ابن الأعرابي يقول: بعث إليّ المأمون فصرت إليه وإذا هو مع يحيى بن أكثم يطوفان في حديقة، فلما نظر إليّ ولاني ظهره فجلست فلما أقبل قمت قائماً فأسرّ إلى يحيى بشيء ما فهمت كله إلا ما قال: ما أحسن أدبه! وقد أقبل إلى مجلسه ثم التفت إليّ فقال: يا محمد بن زياد من أشعر العرب في وصف الخمر؟ فقلت: الذي يقول: تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق فقال: أحسن الناس قولاً في صفة الخمر الذي يقول: فتمشّت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم فعلت في البيت إذ مُزجت ... مثل فعل الصبح في الظلم فاهتدى ساري الظلام بها ... كاهتداء السفر بالعلم قلت: فائدة أمير المؤمنين. ثم قال: ما معنى قول هند: نحن بنات طارق ... نمشي على نمارق إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق فراق غير وامق ففكرت في نسبها ونسب أبيها فلم أجد طارقاً فقلت: ما أعرف طارقاً يا أمير المؤمنين. فقال: إنما قالت إنها في العلو والشرف بمنزلة الطارق وهو النجم، من قول الله، ، والسماء والطارق، قلت: فائدة يا أمير المؤمنين ثانية. ثم التفت إلى يحيى بن أكثم فقال: أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبئه. فلم أدر ما قال وقمت لأخرج. فلما نظر إليّ وقد قمت رمى إليّ بعنبرة كانت في يده بعتها بخمسة آلاف درهم، قال: فرجعت إلى كتبي فنظرت فيها لأعرف ما قال فوقعت على هذه الأبيات لبعض الأعراب: كأنما بنت أبي المحيريه ... قاعدةٌ في إتبها لُؤيليه قد فاقت البؤبؤ والبؤيبيه فعملت أنه عنى السيد وابن السيد. قال أبو عبد الله الأسواري: دخلت على المأمون في حديقة له وفي يده مقراص ذهب وهو يقرص به ما طال من أوراق تلك الروضة ويقوّم ما بدا من أغصانها، فسلمت وقلت: يا أمير المؤمنين، جعلت فداك، إنك لمستهتر بهذه الحديقة حتى إنك لا تأمن عليها أحداً. قال: نعم يا أسواري فهل يحضرك في ذلك شيء؟ قلت: نعم، وأنشدته: أوائل رسلٍ للربيع تقدمت ... على طيب وجه الأرض خير قدوم فراقت لها بعد الممات حدائقٌ ... كواسٍ وكانت مثل ظهر أديم إذا اقتصها طرف البصير بلحظةٍ ... توهّمها مفروشةً برقوم كأن اخضرار الزهر والروض طالعٌ ... عليه سماءٌ زينت بنجوم تردت بظلٍّ دائمٍ فتضاحكت ... كضحك بروقٍ في بكاء غيوم وأوردها فحل السحاب عرائساً ... ضعاف القوى من مرضعٍ وفطيم إذا برزت منهن بكرٌ حسبتها ... تراك وإن أضحت بعين سقيم كمثل نشاوى الراح يلثم ذاك ذا ... أو الريح جادت بينها بنسيم تخال وقوع الطل فيهن أدمعاً ... رنت بعيونٍ غير ذات سجوم قال: أحسنت يا أسواري، يا غلام اسقنا على هذا. ثم جلس على كرسي مغشّىً بالحرير وإذا غلام قد أقبل يهتز كأنه القضيب المائل حين اخضر شاربه وبدا عذاره وفي يده كأسٌ وإبريق فصبّ في الكأس من الإبريق ثم مزجه وناوله إياه، فأخذه في يده ساعة وجعل ينظر إلى الغلام ما يرد بصره عنه، ثم قال: يا أسواري هل يحضرك في صفة مثل هذا شيء؟ قلت: نعم يا سيدي، وأنشدته: ثجاج مزنٍ شجّ كأس رحيق ... ريق المهفهف فيه أعذب ريق

стр. 178

أذرى لخوف البين حرّ مدامعٍ ... في در خدٍّ فيه ذوب عقيق هو في تناهي صدق حسنٍ فائقٌ ... في حسن صورة يوسف الصديق قامت على رجلٍ به الدنيا لنا ... إن قام بالمنديل والإبريق فرأى على قلبي لواحظ طرفه ... وتلا كتاب الحب بالتحقيق إن دام ذا في حسنه أبداً لنا ... سمّي فقيه العصر بالزنديق قال: فقال المأمون: أحسنت ويحك فمن صاحب هذه الأبيات؟ قلت: فلانٌ يا أمير المؤمنين. فقال: أشعر والله منه في هذا المعنى شيخ الشعراء أبو نواس حيث يقول: كُفّي فلست لعاذلٍ بمطيق ... بلغ الهوى بي غاية التحقيق قطع الهوى فرط الشباب بباطلٍ ... أيدي الزمان وألسن التصديق وجداولٌ موصولةٌ بجداولٍ ... من صوب غاديةٍ ولمع بروق تكسو مدامعه الرياض عرائساً ... من نرجسٍ متكاثفٍ وشقيق باكرتها قبل الصباح بسحرةٍ ... قبل ابتكار مجرة العيّوق من كف أحور ذي عذارٍ أخضرٍ ... يسبي القلوب بقدّه الممشوق فكأن ما في الكأس من إبريقه ... نارٌ تسلل من فم الإبريق وكأنها والماء يأخذ جسمها ... درٌّ يُنثر فوق أرض عقيق وتضوع مسكاً في الزجاجة أذفراً ... ذوب الشباب معصفراً بخلوق قمرٌ عليه من البدائع حلةٌ ... يسقيك كأس هوىً وكأس رحيق ما طاب عيش فتىً يطيب بغيرها ... لا سيما إن شجها بالريق يغنيك عن ورد الرياض وزهرها ... منه تورّد خدّه المعشوق قال فقلت: يا أمير المؤمنين قد حضرني في هذا المعنى شيء فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاده؟ قال: هات. فقلت: جسمٌ مركَّبه في العين إنسيُّ ... وفي اللطافة والأجناس عدنيُّ ما يعرف الطرف من أعراض جوهره ... إلا الذي يخبر الفكر القياسي وكلّ من غاص في إدراك صورته ... فإنما نطقه في ذاك وهميّ حاز المحاسن والأنوار أجمعها ... فالحسن من حسنه في الخلق جزئي إذا العيون تراءته تراهقها ... من حسن صورته اللحظ الظلامي ما دبّ في فطن الأوهام من حسنٍ ... إلا وكان له الحظ الخصوصي كأن جبهته من تحت طرته ... بدرٌ يتوجه الليل البهيمي كأن عينيه خرطا جزعتي يمنٍ ... من كل حافاتها سهم صيابيّ كأن صدغيه قافا كاتبٍ مشقا ... من فوق ياقوتةٍ والخد وردي كأنما الثغر منه في تبسمه ... درٌ تفلّق عنه البحر لجيّ كأنما الردف منه إذ يميس به ... موجٌ يكفكفه الريح الجنوبي لو مس أجبال ماهان لفجّرها ... بالماء يسعده الطلّ الغمامي أو لامس الماء لانسابت أنامله ... كالثلج حلّ به الودق السخامي جنسيُّ نورٍ على كنهيّ جوهرةٍ ... من روح قدسٍ أو الأنوار بريّ يسقي بجوهرةٍ في جوف جوهرةٍ ... من نور جوهرةٍ واللون جنسي ماءٌ وماءٌ وفي ماءٍ يديرهما ... ماءٌ خلافهما والطيب تيهيّ قد جلّ عن طيب أهل الأرض عنبره ... ومسكه فهو الطيب السماويّ إذا رأته عيون الخلق أحسرها ... نوراً ولاحظها الحسن الهوائيّ كادت محاسنه من لطف رقته ... تصير عيباً وما للعيب كيفيّ سبحان خالقه ماذا أراد به ... لولاه لم يكن الفعل السريريّ إذا أدار علينا الكأس جمّشه ... من ودّ أسرارنا ودٌّ حقيقي مصورٌ طرفت عين الزمان به ... واكتنّه من جناح الخفض علويّ

стр. 179

قال: فتبسم المأمون وقال: أحسنت والله يا أسواري، فلمن هذا ويحك؟ قلت: لعبدك النظّام. فقال: أحسن فيما وصف وأحسنت في تعبيرك عنه. ثم سقاني وأمر لي بخمسين ألف درهم وأمر للنظام بمثلها. أحمد بن القاسم قال: كنت أنا وعبد الله بن طاهر عند المأمون وهو مستلقٍ على قفاه فقال لعبد الله: يا أبا العباس من أشعر الناس في زماننا؟ فقال: أمير المؤمنين أعرف بهذا مني. قال: على حالٍ. قال الذي يقول: أيا قبر معنٍ كنت أول حفرةٍ ... من الأرض خطّت للمكارم أجمعا قال أحمد: فقلت أشعرهم الذي يقول: أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم فقال المأمون: أين أنتما عن قول أبي نواس: يا شقيق النفس من حكمٍ ... نمت عن ليلي ولم أنم قال: وقال المأمون لعبد الله بن طاهر في الحلبة وقد ارتفعت أصوات العامة: يا أبا العباس سكّن العامة. قال عبد الله: فوثتب أنا ومن معي فارتفع من أصواتنا وضجيجنا أكثر مما كان، فقال لي: أتدلّ بالرياسة ولا بصر لك بالسياسة، هكذا تسكّن العامة؟ هلا ناديت الأقربين لينادي الأقربون الأبعدين! قال: فوالله ما ميزّت بين تأديبه وبين نغرانه. قال: وقال الحسن بن الفضل بن الربيع: خرج علينا المهديّ متنكراً ومعه الربيع والمسيّب بن زهير يطوف في الأسواق إذ نظر إلى أعرابي ينشد فقال الربيع: أخبرني عن أرق بيت قالته العرب، قال: بيت امريء القيس بن حجر: وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلبٍ مقتّل فقال المهدي: بيت قد داسته العامة وفيه غلطٌ. ثم قال للمسيب: هات ما عندك. فقال: ومما شجاني أنها يوم أعرضت ... تولت وماء العين في الجفن حائر فلما أعادت من بعيد بنظرةٍ ... إليّ التفاتاً أسلمتها المحاجر وسلمتها أيضاً. فقال: وإن هذا قريبٌ من ذاك. وخلفهم شابّ من أهل المدينة له أدب وظرف وقدم متظلماً فطال مقامه على باب المهدي، فلما سمع ذلك منهم حمله ظرف الأدب على أن أدخل نفسه بينهم واتصل بهم وقال: أتأذنون أن أخوض معكم فيما أنتم فيه؟ قالوا: ماذا؟ قال قال الأحوص: إذا قلت إني مشتفٍ بلقائها ... فحمُّ التلاقي بيننا زادني وجدا فقال المهدي: أحسنت يا فتى، فمن أنت؟ قال: أنا رجل من أهل المدينة. قال: وما أقدمك العراق؟ قال: مظلمة لي أنا مقيم عليها بباب الخليفة منذ كذا وكذا وقد أضرّ بي ذلك. فقال للربيع: عليك بالرجل. فأخذه معه وسامره أياماً ثم أمر بردّ مظلمته وقضى حوائجه وأمر له بصلة عشرة آلاف درهم. قال النضر بن شميل: حدثني الفرّاء عن الكسائي قال: دعاني الرشيد ذات يوم وما عنده إلا حاشيته فقال: يا علي أتحب أن ترى محمداً وعبد الله؟ قلت: ما أشوقني إليهما يا أمير المؤمنين وأسرّ إليّ معاينة نعمة الله جل وعز على أمير المؤمنين فيهما وبهما، فأمر بإحضارهما، فأقبلا كأنهما كوكبا أفقٍ يزينهما هديهما ووقارهما، قد غضا أبصارهما وقاربا خطوهما، حتى وقفا بباب المجلس فسلما بالخلافة ثم قالا: تمم الله على أمير المؤمنين نعمه وشفعها بشكره وجعل ما قلّده من هذا الأمر أحمد عاقبة ما يؤول إليه أمر حمداً اختصه به وأخلصه له بالبقاء وكثّره لديه بالنماء ولا كدّر عليه منه ما صفا ولا خالط مسروره الردى، فقد صرت للمسلمين ثقة ومستراحاً إليك يفزعون في أمورهم ويقصدون في حوائجهم، فأمرهما بالدنو وصيّر محمداً عن يمينه وعبد الله عن يساره ثم التفت إلي ّفقال: يا علي ما زلت ساهراً مفكراً في معاني أبيات قد خفيت عليّ. قلت: إن رأي أمير المؤمنين أن ينشدنيها؟ فأنشدني: قد قلت قولاً للغراب إذ حجل ... عليك بالقود المسانيف الأول تغدّ ما شئت على غير عجل فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، إن العير إذا فصلت من خيبر وعليها التمر يقع الغراب على آخر العير فيطردها السواق، يقول هذا: تقدم إلى أوائل العير فكل على غير عجل، والقود الطوال الأعناق، والمسانيف المقدمة. ثم أنشدني: لعمري لئن عشّرت من خشية الردى ... نهاق الحمار إنني لجهول

стр. 180

قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الرجل من العرب إذا دخل خيبر أكبّ على أربع وعشر تعشير الحمار، وهو أن ينهق عشر نهقات متتابعات، يفعل ذلك ليدفع عن نفسه حمّى خيبر. ثم أنشدني في قول الآخر: أجاعلٌ أنت بيقوراً مضرّمةً ... ذريعةً لك بين الله والمطر قلت: نعم، كانت العرب إذا أبطأ المطر تشد العشر والسلع، وهما ضربان من النبت، في أذناب البقر وألهبوا فيه النار وشردوا بالبقر تفاؤلاً بالبرق والمطر، ثم أنشدني: لعمرك ما لام الفتى مثل نفسه ... إذا كانت الأحياء تعدى ثيابها وآذن بالتصفيق من ساء ظنه ... فلم يدر من أي اليدين جوابها قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الرجل إذا ضلّ في المفازة قلب ثيابه وصاح كأنه يوميء إلى إنسان ويشتد شدة ويصفق بيديه فيهتدي الطريق. ثم أنشدني: قوداء تملك رحلها ... مثل اليتيم من الأرانب قلت: نعم، يقول: هذه ناقة مثل اليتيم من الاكام، واليتيم الواحد من كل شيء، والأرانب الاكام. ثم أنشدني لآخر أيضاً: إلى الله أشكو هجمةً هجريةً ... تعاورها مرُّ السنين العوابر فعادت رذايا تحمل الطبن بعدما ... تكون قرىً للمعتفين المفاقر قلت: هذا رجل في بستانه نخيل أتى عليها الدهر فجفّت فقطعها وصيرها أجذاعاً وسقّف بها البيوت، فقال: هذه الأجذاع كانت تحمل الرطب، فأُكل وأطعم الأضياف فجفّت فقطعتها وسقّف بها البيوت فهي تحمل الطين، يعني ما فوقها من اللبن والتراب وغير ذلك. ثم أنشدني لرجل آخر: وسربٌ ملاحٍ قد رأيت وجوههم ... إناثٌ أدانيه ذكورٌ أواخره يعني الأضراس، ثم أنشدني لآخر: فإني إذاً كالثور يضرب جنبه ... إذا لم يعف شرباً وعافت صواحبه قلت: نعم، كانت العرب إذا أودت البقر الماء فشربت الثيران وأبت البقر ضربت الثيران حتى تشرب البقر، وهو كما قال: كالثور يُضرب لما عافت البقر. ثم أنشدني: ومنحدرٍ من رأس برقاء حطه ... مخافة بينٍ أو حبيبٌ مزايل قلت: نعم، يعني الدموع، والبرقاء العين لأن فيها سواداً وبياضاً، حطه أسأله، حبيب محبوب، مزايل مفارق. قال فوثب الرشيد فجذبني إلى صدره وقال: لله در أهل الأدب! ثم دعا بجارية فقال لها: احملي إلى منزل الكسائي خمس بدر على أعناق خمسة أعبد يلزمون خدمته، ثم قال: استنشدهما، يعني ابنيه، فأنشدني محمد الأمين: وإني لعفُّ الفقر مشترك الغنى ... وتارك شكلٍ لا يوافقه شكلي وشكلي شكلٌ لا يقوم بمثله ... من الناس إلا كلُّ ذي نيقةٍ مثلي ولي نيقةٌ في المجد والبذل لم يكن ... تأنقها فيما مضى أحدٌ قبلي وأجعل مالي دون عرضي جُنّةً ... لنفسي وأستغني بما كان من فضلي وأنشدني عبد الله المأمون: بكرت تلومك مطلع الفجر ... ولقد تلوم بغير ما تدري ما إن ملكت مصيبةً نزلت ... إذ لا يُحكّم طائعاً أمري ملك الملوك عليّ مقتدرٌ ... يعطي إذا ما شاء من يسر فلرب مغتبطٍ بمرزئةٍ ... ومفجّعٍ بنوائب الدهر ومكاشح لي قد مددت له ... نحراً بلا ضرعٍ ولا غمر حتى يقول لنفسه لهفاً: ... في أي مذهب غايةٍ أجري وترى قناتي حين يغمزها ... غمز الثقاف بطيئة الكسر فقال: يا علي فكيف تراهما؟ فقلت: أرى قمري أفقٍ وفرعي بشامةٍ ... يزينهما عرقٌ كريمٌ ومحتد يسدان آفاق السماء بشيمةٍ ... يؤيدها حزمٌ وعضبٌ مهند سليلي أمير المؤمنين وحائزي ... مواريث ما أبقى النبي محمد

стр. 181

ثم قلت: يا أمير المؤمنين زرع زكا أصله وطاب مغرسه وتمكنت عروقه وعذبت مشاربه، غذاهما ملك أعز نافذ الأمر واسع العلم عظيم الحلم والقدر، علاهما فعليا، وحكّمهما فتحاكما، وعلمهما فتعلما، فهما يطولان بطوله ويستضيئان بنوره وينطقان بلسانه، ويتقلبان في سعادته، فما رأيت أحداً من أبناء الخلفاء أذرب منهما لساناً، ولا أعذب كلاماً، ولا أحسن ألفاظاً، ولا أشد اقتداراً على تأدية ما حفظا ورويا، فاسأل الله أن يزيدهما بالإيمان تأييداً وعزاً، ويمتع أمير المؤمنين بهما ويمتعهما بدوام قدرته وسلطانه ما بقي ليل وأضاء نهار. فضمهما إلى صدره وجمع يديه عليهما فلم يبسطهما حتى رأيت دموعه تتحادر على صدره رقةً وإشفاقاً، ثم أمرهما بالخروج. قال: ثم أقبل علينا وقال: كأنكم بهما وقد نجم القضاء ونزلت مقادير السماء وبلغ الكتاب أجله وانتهى الأمر إلى وقته المحدود وحينه المسطور الذي لا يدفعه دافع ولا يمنع منه مانع، وقد تشتت أمرهما وافترقت كلمتهما وظهر تعاديهما وانقطعت الرقة بينهما حتى تسفك الدماء وتكثر القتلى وتهتك ستور النساء وتمنى كثير من الأحياء أنهم بمنزلة الموتى. قلت: يا أمير المؤمنين أوكائن ذلك؟ قال: نعم. قلت: لأمر رأيته أو رؤيا أريته أو لشيء تبين لك في أصل مولدهما أم لأثر وقع لأمير المؤمنين في أمرهما؟ قال: بل أثر واجب صحيح حملته العلماء عن الأوصياء وحملته الأوصياء عن الأنبياء، ﵈. قال: وحدث الأصمعي أنه دخل ذات يوم على أمير المؤمنين الرشيد وكان لا يحجب عنه وكان في فرد رجليه خفّ وفي الأخرى جورب لعلة كان يجدها، فسامره ساعة ثم نهض ليخرج فقال له الرشيد: يا أصمعي ماذا تشتهي أن يتخذ لك ليتقدم فيه وتتغدى معنا؟ فقال: أشتهي رقاقاً وجوزلاً شخصاً. فلم يعرف الرشيد ما قاله الأصمعي وكره أن يسأله عنه فتقدم إلى الطباخ أن يتبعه ويسأله من تلقاء نفسه ويوهمه أنه تقدم إليه فيه فلم يعرفه، فقال له: الرقاق معروف والجوزل الفرخ السمين. فمضى الطباخ وعرف الرشيد ذلك وأصلح للأصمعي ما طلبه وعاد فتغدى مع الرشيد. فلما أكل أمر بأن يحمل معه عشرون ألف درهم. وحدث الأصمعي قال: دخلت ذات يوم على الرشيد فقال لي: اكتب يا أصمعي ولو على تِكّتك أو طرف ثوبك: كن موسراً إن شئت أو معسراً ... لا بد في الدنيا من الهم وكلما زادك في نعمةٍ ... زاد الذي زادك في الغم قال: فكتبت البيتين. قال وقال الأصمعي: بينا أنا ذات يوم قد خرجت في الهاجرة والجو يلتهب ويتوقد حراً إذ أبصرت جارية سوادء قد خرجت من دار المأمون ومعها جرة فضة تستقي فيها ماء وهي تردد هذا البيت بحلاوة لفظ وذرابة لسان: حرُّ وجدٍ وحرُّ هجرٍ وحرُّ ... أي عيشٍ يكون من ذا أمرُّ قال فقلت لها: يا جارية ما شأنك؟ فقالت: إني من دار أمير المؤمنين المأمون وأنا أحب عبداً له أسود وإنه قد هجرني ولا أحسن أن أخرج سري إلى أحد. قال: فمضيت واستأذنت على المأمون، وإذا هو نائم فأذن لي، وقد كان أمر أن لا أحجب عنه على أي حال كان. فدخلت عليه وهو في مرقده فقال: ما جاء بك يا أصمعي في هذا الوقت؟ قلت: يا أمير المؤمنين تهب لي جاريتك السوداء وعبدك الأسود فلاناً؟ فقال: قد فعلت ذلك وهما لك افعل بهما ما شئت. فخرجت من عنده وأحضرتٌهما وجمعت من أهل الدار من حضر وأعتقتهما وزوجت الجارية من العبد ثم عدت إلى المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين إني فعلت كيت وكيت وإني أريد الآن ما أجهزهما به. فأمر لكل واحد منهما بعشرة آلاف درهم وأمر لي بمثل ذلك وخرجت من عنده وعاد هو إلى نومه. وحدثنا عبد الله بن سلام قال: لما ولد العباس بن الفضل دخل الناس على الفضل بن يحيى يهنئونه به وفيهم أبو النضير، فوقف بين يديه وهو يقول: ويفرح بالمولود من آل برمكٍ ... بغاة الندى والسيف والرمح والنصل وتنبسط الآمال فيه لفضله ... .. . . . . . . . فأُرتج عليه فوقف لا يمكنه أن يجيزه. فقال له الفضل: يا أبا النضير تمم، قال: أعز الله الأمير. قال: ويحك فقل: .. . . . . . . . . . ... ولا سيما إن كان من ولد الفضل قال: هذا والله، أصلح الله الأمير، طلبته فلم أقدر عليه وتعللت بغيره.

стр. 182

قال: وقيل لأبي العيناء: ما بال العمى قد صار في صغاركم وكباركم حتى إنه يلحق الطفل منكم؟ فقال: نعم الطينة الملعونة والدعوة المشؤومة، وذلك أنه سلم بعض الخلفاء رجلاً من آل أبي طالب إلى جدنا الأكبر فقتله ودعا عليه فلحقتنا دعوته فما تراه فهو من تلك الدعوة. واجتاز أبو العيناء ذات يوم فسمع غناء لم يعجبه فسأل أبو العيناء عن صاحب الغناء فلما قيل له إنه أبو الحمار قال: صدق الله إن أنكر الأصوات لصوت الحمير. وكان عماً لمحمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل. قيل: ولما صدر المعتصم بالله عن بلاد الروم وصار بناحية الرقة قال لعمرو بن مسعدة: يا عمرو أشرت عليّ بالرخجي فوليته الأهواز فقد قعد في سلة الدنيا يأكلها خضماً وقضماً. فقلت: يا أمير المؤمنين فأنا أوجه إليه رسولاً يبعث إليك بالأموال ولو على أجنحة الطير. قال: كلا ولكن اشخص إليه بنفسك كما أشرت به. قال: ففكرت في أن أنزل عن الوزارة وأصير مستحثاً على عامل. فقلت: يا أمير المؤمنين أن أقع إليه. قال: فضع يدك على رأسي أنك لا تقيم ببغداد إلا يوماً واحداً حتى تلحق به، فوضعت يدي على رأسه وحلفت له، وانحدرت إلى بغداد فسلمت على أهلي وإخواني وأخذت زلالاً فعلّقت عليه الخيش وبسط لي فيه الطبري وملأته بالثلج وسرنا. فلما صرنا بين دير العاقول ودير هزقل إذا أنا برجل على الشط يصيح: يا ملاح رجل منقطع أريد دير العاقول فاحملني يأجرك الله! فقلت: احملوه. فقال: يا مولاي هذا رجل من هؤلاء الشحاذين يؤذيك ويقذر عليك زلالك. فقلت: احمله ويلك! فقرب إليه الزلال فحمله في مؤخره. وحضر الغداء فتحوبت أن لا أدعوه فقلت له: هلم. فقام حتى جاء فأكل أكل جائع نهم إلا أنه كان نظيف الأكل، فلما فرغ من الغداء أردت منه ما تفعله العامة بالخاصة أن يقوم فيغسل يده ناحيةً فلم يفعل. فغمزه الغلام وسائر الغلمان فلم يقم. فتناومت عليه فلم يقم. فقلت له: ما صناعتك؟ قال: حائك، جعلت فداك. فقلت: هذا أنا فعلته بنفسي. فقال لي: وأنت فما صناعتك؟ فقلت: كاتب. فقال: الكتاب خمسة، فأيهم أنت؟ فأورد علي شيئاً عجبت منه. فقلت: عدّهم. قال: كاتب رسائل يجب أن يعرف الوصول والفصول والترغيب والترهيب والجوابات. قلت: نعم. قال: وكاتب خراج يجب أن يعرف المساحة والذراع والأشول والتقسيط، قلت: نعم. قال: وكاتب قاضٍ يجب أن يعرف الحلال والحرام والتأويل والتنزيل والمحكم والمتشابه والمقالات والاختلافات. قلت: نعم. قال: وكاتب جندٍ يجب أن يعرف الحلي والشيات. قلت: نعم. قال: وكاتب شرطة يجب أن يعرف الشجاج والجرحات. فأيهم أنت؟ قلت: كاتب رسائل. قال: فصديق لك تكاتبه في المحبوب والمكروه تزوجت أمه كيف تكتب إليه تهنئةً أو تعزيةً؟ قلت: هو والله إلى التعزية أقرب. قال: فكيف تعزيه؟ قلت: لا أجد إلى ذلك سبيلاً. قال: فلست بكاتب رسائل! قلت: أنا كاتب خراج. قال: فولاك أمير المؤمنين بلدة وأمرك بالنفوذ فخرجت إلى عملك فبثثت عمّالك في العمل فجاء إليك قوم يتظلمون من عامل زاد عليهم في المساحة فخرجت معهم فوقفوا على قراح كأنه قاتل فيئاً كيف تمسحه؟ قلت: اضرب وسطه في طرفيه. قال: تتثنى عليك القطوع. قلت: فكيف أمسحه؟ قال: لست بكاتب خراج! قلت: أنا كاتب قاضٍ. قال: فإن رجلاً خلّف حرّة حاملاً وسرية حاملاً فولدتا في ليلة واحدة الحرة جارية والسرية غلاماً، فلما علمت الحرة بذلك حملتها الغيرة على أن وضعت الجارية في مهد السرية وأخذت الابن، فقالت السرية من الغد: الابن لي، فتحاكمتا في ذلك إلى القاضي وأنت حاضر فقال لك: اقض بينهما، بم كنت تقضي؟ قلت: لا علم لي بذلك. قال: لست بكاتب قاض! قلت: أنا كاتب جند. قال: الله أكبر! تقدم إليك رجلان من أهل عملك أو من أهل عسكرك أسماؤهما واحدٌ يقال لهذا أحمد ولهذا أحمد، هذا مشقوق الشفة من فوق وهذا من أسفل، كيف تحلّيهما؟ قلت: أكتب أحمد الأعلم وأحمد الأعلم. قال: إذاً يأخذ هذا عطاء هذا وهذا عطاء هذا. قلت: فكيف أصنع؟ قال: لست بكاتب جند! قلت: أنا كاتب شرطة. قال: تقدم عليك رجلان قد شج الآخر موضحة وشج الآخر مأمومة كم بينهما من الإبل؟ قلت: لا أدري. قال: لست بكاتب شرطة!

стр. 183

فقلت: فسّر ما قلت. قال: أما الرجل الذي تزوجت أمه فتكتب إليه أن الأقدار تجري بخلاف محابّ المخلوقين، وستر في عافية خير من شانئة في أهلها، والله يختار للعباد، فخار الله لك في قبضها إليه، فإن القبور أكرم الأكفاء. وأما القراح فتمسح اعوجاجه ثم تنظر مبلغ الطرفين فتضرب بعضه في بعض فإذا استوى في يدك عقده رجعت إلى المستوي فضربته فيه حتى يخرج سواء. وأما الحرة والسرية فيوزن لبنهما فأيهما كانت أحدّ لبناً فالابن لها. وأما الجند فتكتب هذا أدحم الأعلم وهذا أحمد الأفلج. وأما الشجة ففي المأمومة ثلاثة وثلاثون من الإبل وفي الموضحة خمسة من الإبل فتردّ عليه ما بين ذلك. قلت: ألست تزعم أنك حائك؟ قال: أنا حائك كلام قعد بي الدهر فخرجت أريد بعض القرابة فصادفته قد صرف عن العمل فبقيت على هذه الحالة. قال: فدعوت المزين فنظفه ودعوت له بثلاث خلع وصرت به إلى الرخجي وكلمته في أمره فوهب له خمسين ألف درهم وحمله على ثلاثة من الظهر ورجعت إلى أمير المؤمنين بالأموال، فقال: يا عمرو ما رأيت في طريقك؟ فأخبرته بقصة الرجل. فأطال التعجب منه وقال: ما فعل؟ قلت: يصير إليّ في كل يوم. قال: لما يصلح من الأعمال؟ قلت: للهندسة. قال: فوله. قال عمرو: فنظرت إليه بعد ذلك وهو يركب في موكب عظيم. البيهقيّ قال البحتريّ: كنت قاعداً مع المتوكل إذ مرت سحابة فقال قل فيها. فقلت: اذت ارتجاعٍ بحنين الرعد ... جرورة الذيل صدوق الوعد مسفوحة الدمع بغير وجد ... لها نسيم كنسيم الورد ورنّة مثل رنين الأسدولمع برقٍكسيوف الهند جاءت به ريح الصبا من نجد ... فانتثرت مثل انتثار العقد فأضحت الأرض بعيشٍ رغد ... كأنما غدرانها في الوهد يلعبن من حبابها بالنرد ثم أنشدته لمروان بن أبي حفصة: لما سمعت ببيعةٍ لمحمد ... شفت النفوس وأذهبت أحزانها بايعت مغتبطاً ولو لم تنبسط ... كفّي لبيعته قطعت بنانها حتى انتهيت إلى قوله: رجحت زبيدة والنساء شوائلٌ ... والله أرجح بالتقى ميزانها فصاح بي صيحة فقال: كذبت وألمت يا عربدة! قل: رجحت قبيحة. ثم قال: أنشدني. فأنشدته للطائي: لست لربعٍ عفا ولا قدمه ... ولست من كاتب ولا قلمه فإن من يفخر الملوك به ... ويستعير الكريم من كرمه ألحقني بالملوك معتصمٌ ... بالله والمسلمون في عصمه خُلقت من طين مباركةٍ ... فالبرُّ من خيمه ومن شيمه مازال إحسانه ونعمته ... عليّ حتى غرقت في نعمه فأسأل الله فضل نعمته ... والأمن من بأسه ومن نقمه فلما سمعها ارتاح وقال: أحسنت والله وما جزاؤك إلا أن أقطعك من موضعك إلى حيث تبلغ أمنيتك، فسل تعط. قال: ففكرت ساعة ثم قلت: تعطيني فتراً في فتر من قلبك. فقال: أحسنت أحسنت! أنت والله في هذا أشعر من الطائي في شعره. ثم قال: أنشدني. فأنشدته للحسين بن الضحاك: كم لك لما احتمل القطين ... من زفرةٍ يتبعها الأنين وعبرةٍ تحدرها الشوؤن ... إني ببغداد لمستكين حظ الغريب الشوق والشجون ... يا لائمي لكل يومٍ هون إليك عني إنني مفتون ... الشعر مني كاسدٌ ودون وحان من تحريكه تسكين ... قد ركبت أربابها الديون بضاعة أكسدها المأمون ... إمام عدلٍ للتقى أمين قال: أحسنت يا أبا عبادة فماذا فعل به المأمون بعد إذ هجاه؟ قلت: أعيذك بالله من أن يجسر على هجاء المأمون. قال: فمن القائل فيه: ولا فرح المأمون بالملك بعده ... ولا زال في الدنيا طريداً مشرّدا قلت: يا أمير المؤمنين دعاه الموق والحين إلى هذا. قال: لا بأس فإنه قد تلا في هذا الكلام قوله: رأى اللهُ عبد اللهِ خير عباده ... فملّكه والله أعلم بالعبد قال فقلت: يا أمير المؤمنين أثقلت ظهري بالفوائد، فقال: إنا نأخذ ونعطي ونأتي بما يحيي المهج. مساوئ من ذم الأدب

стр. 184

قال بعضهم: كثرة الأدب في غير طاعة الله قائدة الذنوب. وقال: ما أحدٌ زيد في عقله إلا انتقص من رزقه. وأنشد في ذلك: ثنتان من أدوات العلم قد ثنتا ... عنان شأوي عما رمت من هممي أما الدواة فأضنى حبها بدني ... وقلّم المال مني حرفة القلم والعلم يعلم أني حين أندبه ... لدفع نائبةٍ خلوٌ من العصم ولآخر، وقيل إنه للخليل بن أحمد: ما ازددت في أدبي حرفاً أسرّ به ... إلا تبينت حرفاً تحته شوم إن المقدم في حذقٍ بصنعته ... أنى توجه فيها فهو محروم مساوئ اللحن قال يونس بن حبيب النحوي: أول من أسس العربية وفتح بابها ونهج سبيلها أبو الأسود الدئلي واسمه ظالم بن عمرو. فقال له الحجاج: أتسمعني ألحن على المنبر؟ قال: كلا، الأمير أفصح العرب. قال: أقسمت عليك! قال: حرفاً واحداً تلحن فيه. فقال: وما هو؟ قال: في القرآن. قال: ذاك أشنع له، فما هو؟ قال: تقول لو كان آباؤكم وأبناؤكم، حتى تبلغ: أحب إليكم من الله ورسوله، تقرأها بالرفع. قال فقال له: لا جرم لا تسمع لي لحناً أبداً. فنفاه إلى خراسان وعليها يزيد بن المهلب. فكتب يزيد إلى الحجاج: إنا لقينا العدو وفعلنا وصنعنا واضطررناهم إلى عرعرة الجبل، فقال الحجاج: ما لابن المهلب ولهذا الكلام؟ فقيل: ظالم بن عمرو هناك. قال: فذاك إذاً. قال وقال المأمون وقد سمع من بعض ولده كلاماً أسرع فيه اللحن إلى لسانه: ما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم بها أوده ويزين مشهده ويتملك مجلس سلطانه بظاهر بيانه ويقلّ حجج خصمه بسكنات حكمته، أويسرُّ أحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده وأمته ولا يزال أسير كلمته؟ قاتل الله القائل حيث يقول: ألم تر مفتاح الفؤاد لسانه ... إذا هو أبدى ما يقول من الفم وكائن ترى من صامتٍ لك معجبٍ ... زيادته أو نقصه في التكلم لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ... ولم يبق إلا صورة اللحم والدم وفي الحديث المرفوع: رحم الله عبداً أصلح لسانه. قيل: وكتب غسان بن رفيع إلى أبي عثمان بكر بن محمد المازني النحوي: تفكرت في النحو حتى مللت ... وأتعبت نفسي به والبدن وأتعبت بكراً وأصحابه ... بطول المسائل في كل فن فكنت بظاهره عالماً ... وكنت بباطنه ذا فطن خلا أن باباً عليه العفا ... ء للفاء يا ليته لم يكن وللواو بابٌ إلى جنبه ... من المقت أحسبه قد لعن إذا قلت هاتوا لماذا يقا ... ل لست بآتيك أو تأتين أجيبوا لما قيل هذا كذا ... على النصب قالوا لإضمار أن قال: وكان الوليد بن عبد الملك لحّانة فدخل عليه أعرابي فقال: من ختنَك؟ قال: رجل من الحي لا أعرف اسمه. فقال عمر بن عبد العزيز: إن أمير المؤمنين يقول: من ختنُك؟ فقال: ها هوذا بالباب. فقال الوليد لعمر: ما هذا؟ فقال: النحو الذي كنت أخبرك عنه. فقال: لاجرم لا أصلي بالناس حتى أتعلمه. وسمع إعرابي رجلاً يقول: أشهد أن محمد رسول الله. فقال: يفعل ماذا؟ قال وقال مولى لزياد: أيها الأمير أخذوا لنا همارَ وهشٍ. فقال له: ما تقول ويحك؟ فقال: أخذوا لنا أيراً " يريد عيراً ". فقال زياد: الأول خير. قال: وجاء رجل إلى زياد فقال: إن أبينا هلك وإن أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا. فقال زياد: ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضيعت من ميراثك، فلا رحم الله أباك حيث ترك ولداً مثلك. قال: وعزم رجل من أهل الشام على لقاء المأمون فاستشار رجلاً من أصحابه فقال: على أي جهة أصلح أن ألقى أمير المؤمنين؟ قال: على الفصاحة، قال: ليس عندي منها شيء وإني لألحن في كلامي كثيراً. قال: فعليك بالرفع فإنه أكثر ما يستعمل. فدخل على المأمون فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: يا غلام اصفع، فصُفع. قال: بسمُ اللهُ، فقال: ويلك من صبّك على الرفع؟ قال: وكيف لا أرفع من رفع الله! فضحك وقضى حاجته.

стр. 185

قال: واختصم رجلان إلى عمر بن عبد العزيز فجعلا يلحنان فقال الحاجب: قُما فقد أوذيتما أميرُ المؤمنين. فقال عمر: أنت والله أشدّ أذاء إليّ منهما. وعن أبي داود قال: أرسل المعتصم إلى أشناس فطلب منه كلب صيد فوجه به إليه فرده وهو يعرج. فكتب إليه أشناس بشعر قاله: الكلب أخذت جيدٌ مكسور رجلٍ جبت ُردَّ جيدٌ كما كلبٌ كنت أخذت فكتب إليه المعتصم: الكلب كان يعرجُ يوم الذي به بعثت لو كان جاء مخبراً خبّر رجلُ كلبٍ أنت قال: وقال بشر المريسيّ وكان كثير اللحن: قضى لكم الأمراء على أحسن الوجوه وأهنؤها. فقال القاسم التمار: هذا على قوله: إن سليمى والله يكلؤها ... ضنّت بشيءٍ ما كان يرزؤها فكان احتجاج القاسم أطيب من لحن بشر. قال: وكان زياد النبطي شديد اللكنة وكان نحوياً فدعا غلامه ثلاثاً فلما أجابه قال: فمن لدن دأوتك فقلت لي إلى أن جيتني ما كنت تصنأ، يريد دعوتك وتصنع. قال: ومرّ ماسرجويه الطبيب بمعاذ بن سعيد فقال: يا ماسرجويه إني أجد في حلقي بححاً، قال: هو من عمل بلغمٍ، فلما جاوزه قال: تراني لا أحسن أن أقول بلغم، ولكنه قال بالعربية فأجبته بخلافه. وقال ثمامة: بكر أحمد بن أبي خالد يوماً يعرض القصص على المأمون فمرّ بقصة فلان اليزيدي وكان جائعاً فصحّف وقال: فلان الثريدي، فضحك المأمون وقال: يا غلام ثريدة ضخمة لأبي العباس فإنه أصبح جائعاً. فخجل أحمد وقال: ما أما بجائع يا سيدي ولكن صاحب القصة أحمق وضع على نسبته ثلاث نقطات كأثافي القدر، قال: دع هذا فالجوع اضطرك إلى ذكر الثريد والقدر. فجاؤوه بصحفة عظيمة كثيرة العُراق والودك فاحتشم أحمد. فقال المأمون: بحياتي عليك إلا عدلت نحوها، فوضع القصص ومال إلى الثريد فأكل حتى انتهى، فلما فرغ دعا بطشت فغسل يده ورجع إلى القصص فمرّ بقصة فلان الحمصي فقال: فلان الخبيصيّ. فضحك المأمون وقال: يا غلام هات جاماً فيه خبيص فإن طعام أبي العباس كان مثبوراً. فجعل أحمد وقال: يا أمير المؤمنين صاحب هذه القصة أحمق فتح الميم فصارت كأنها ثنتان. قال: دع عنك هذا فلولا حمقه وحمق صاحبه متّ جوعاً. فجاؤوه بجام فيه خبيص، فأتى عليه وغسل يده وعاد إلى القصص فما أسقط بحرف حتى فرغ. حدثنا العباس بن جرير قال: كان للمهدي خصيّ كان معجباً فضمّ إليه معلماً نحوياً يعلّمه القرآن وكان الخصي عجمياً لا يُفصح فقال في هل أتى: يوماً عبوساً كمتريراً. وقال في الجن: نكعد منها مكاعد للسمع، فقال النحوي: ولثقل الجبال أهون مما ... كلفوني من الخصيّ نجاح نفّر النحو حين مرّ بلحيي ... هـ فألفيته شديد الجماح قال في هل أتى فأوجع قلبي ... كمتريرا وكدّه بالصياح وقال رجل من الصالحين: لئن أعربنا في كلامنا حتى ما نلحن لقد لحنّا في أعمالنا حتى ما نعرب. وأنشد في مثله: أما تراني وأثوابي مقاربةٌ ... ليست بخزٍّ ولا من خزّ كتان فإن في المجد همّاتي وفي لغتي ... علويةٌ ولسان غير لحّان محاسن الشعراء قال الخليل بن أحمد: الشعراء أمراء الكلام يجوز لهم شق المنطق وإطلاق المعنى ومدّ المقصور وقصر الممدود. وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة: افتتح الشعر بامريء القيس وختم بابن هرمة. وقال أبو عبيدة: الشعراء في الجاهلية من أهل البادية أهل نجد، منهم: امرؤ القيس، والنابغة، وزهير، ودريد بن الصمة، ومنهم كثيّر في الإسلام، فهؤلاء الشعراء الفحول الذين مدحوا وفخروا وذموا ووصفوا الخيل والمطر والديار وأهلها، وأشعر أهل المدن أهل يثرب وأهل الطائف وعبد القيس، وليس في بني حنيفة شاعر، وأشعر الشعراء ثلاثة: امرؤ القيس، والنابغة، وزهير ثم الأعشى. وأشعر الفرسان ثلاثة: عنترة بن شداد، ودريد بن الصمة، وعمرو بن معدي كرب، وأشعر الشعراء المقلين ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن علس، وحصين بن حمام المريّ، وأشعر العرب واحدة طويلة جمعت جودة مع طول ثلاثة: طرفة بن العبد في قوله: لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمد والحارث بن حلّزة في قوله: آذنتنا ببينها أسماء وعمرو بن كلثوم في قوله: ألا هبّي بصحنك فاصبحينا وأشعر أهل زماننا ثلاثة: جرير، والفرزدق، والأخطل.

стр. 186

قيل: وسئل الأخطل: أيكم أشعر؟ فقال: أفخرنا الفرزدق، وأمدحنا وأوصفنا للخمر أنا، وأسهبنا وأنسبنا وأسبنا جرير، وأرجز الرجّاز في الإسلام وقبله العجاج، فإنه فتح أبواب الرجز واستوقف ووصف الديار وأهلها ووصف الخيل والمطر ومدح وذم، فذهب في الرجز مذهب امريء القيس في القصد وهو أرجز الرجاز، وقد قيل أرجز الرجاز ثلاثة: العجاج، وابنه رؤبة، وحميد الأرقط، وقال بعضهم: أبو النجم العجلي، وأجود الأراجيز قول رؤبة: وقاتم الأعماق خاوي المخترق وقول أبي النجم: الحمد لله الوهوب المجزل قيل وقال مسلمة بن عبد الملك لخالد بن صفوان: صف لنا جريراً والفرزدق والأخطل. فقال: أصلح الله الأمير! أما أعظمهم فخراً وأبعدهم ذكراً وأحسنهم غزلاً وأحلاهم معاني وعللاً، الطامي إذا زخر والحامي إذا زأر والسامي إذا نظر، الذي إن أهدر قال وإن خطر صال وإن طلب نال، الفصيح اللسان السبّاق في الرهان فالفرزدق. وأما أهتكهم ستراً وأغزرهم بحراً وأرقّهم شعراً، والأغر الأبلق الذي إن طلب لم يُسبق وإن طُلب لم يلحق، الواصف للفرسان الناعت للأظعان بحلاوة وبيان فجرير، وأما أحسنهم نعتاً وأقلهم فوتاً وأمدحهم بيتاً، الذي إن هجا وضع وإن مدح رفع وإن حاز أفظع، البعيد المتان الماضي الجنان الممداح للسلطان فالأخطل. وكلهم، أصلح الله الأمير، طويل النجاد رفيع العماد ذكيّ الفؤاد. قال: فصف لنا الشعراء العشرة، فقال: قصتهم مفسرة، أما أحسنهم نسيباً وتشبيباً وأشدهم تأليباً فامرؤ القيس. وأما أفحلهم مقالاً وأنبلهم رجالاً وأكرمهم فعالاً فزهير. وأما أرجحهم كلاماً وأنبلهم مقاماً وأشرفهم أياماً فأوس بن حجر. وأما أفصحهم لساناً وأثبتهم بنياناً وأشدهم إذعاناً فالنابغة، وأما أطردهم للصيد وأجحشهم في الكيد وأدرجهم في القيد فعديّ بن زيد. وأما أوصفهم للسلاح وأنعتهم للقداح والحرب ذات الكفاح فابن مقبل. وأما أوصفهم للسيئين وأكسبهم للمئين وأمدحهم أجمعين فالحطيئة. وأما أهجاهم للرجال وأبذّهم في المقال وأضربهم للأمثال فطرفة. وأما أعفهم عن الكاس وأحضهم على الباس وأصدقهم عند الناس فسلامة بن جندل. قال: وقال العتابي في ذكر أبي نواس: لو أدرك الخبيث الجاهلية ما فُضّل عليه أحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: أشعر الناس في صفة الخمر ثلاثة: الأعشى والأخطل وأبو نواس. وقال إبراهيم النظام: كأنما كشف لأبي نواس عن معاني الشعر فاختار أحسنها. وقال أبو عبيدة: أبو نواس للمحدثين كامريء القيس للأوائل هو فتح لهم هذه الفطن ودلّهم على المعاني. وفي مدح الشعراء قال: لما قال حسان بن ثابت للحارث بن عوف المري وهو مشرك: وأمانة المرّيّ حيث لقيته ... مثل الزجاجة صدعها لم يجبر قال الحارث للنبي، ﷺ : يا محمد أجرني من شعر حسان فوالله لو مزج به البحر لمزجه. قال: وكان كعب بن مالك ينشد رسول الله، ﷺ : قضينا من تهامة كل ريبٍ ... وخيبر ثم أجممنا السيوفا نخبّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن دوساً أو ثقيفا فقال رسول الله، ﷺ : لهو أسرع فيهم من السهم في غلس الظلام. قال: ولما أنشد عبد الله بن رواحة رسول الله، ﷺ : فثبّت اللهُ ما أتاك من حسنٍ ... تثبيت موسى ونصراً كالذي نُصرا أقبل عليه رسول الله، ﷺ ، متبسماً ثم قال: وإياك فثبت الله، وهو الذي يقول يوم مؤتة: أقسمت يا نفسِ لتنزلنه ... طائعةً أو لتكَرّهنّه ما لي أراك تكرهين الجنه قال: وحدا رجلٌ برسول الله، ﷺ ، وهو يقول: تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينةً علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا والمشركون قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنةً أبينا فقال رسول الله، ﷺ : من يقولها؟ قال: أبي. قال يرحمه الله. مساوئ الشعراء قيل: ليس أحد من الناس آكل للسحت وأنطق بالكذب ولا أوضع ولا أطمع ولا أقل نفساً ولا أدنى همةً من شاعر. ولذلك قال أبو سعد المخزومي: الكلب والشاعر في حالةٍ ... يا ليت أني لم أكن شاعرا

стр. 187

هل هو إلا باسطٌ كفه ... يستطعم الوارد والصادرا قال: ولما قال الهذيل الأشجعي في عبد الملك بن مروان: إذا ذاتُ دلٍّ كلمته بحاجةٍ ... فهمّ بأن تقضى تنحنح أو سعل قال عبد الملك: أخزاه الله! فلربما جاءتني السعلة والنحنحة وأنا وحدي في المتوضأ فأذكر قوله فأردها. قال: ولما قال الشاعر في شهر بن حوشب: لقد باع شهرٌ دينه بخريطةٍ ... فمن يأمن القرّاء بعدك يا شهر فحلف لا يمس خريطة حتى مات. وقال كعب بن جعيل: مكثت دهراً أهجو الناس ولا أُهجى حتى انبرى لي غلام من تغلب فقال: تسميت كعباً بشرّ العظام ... وكان أبوك يسمّى الجعل وأنت مكانك من وائلٍ ... مكان القراد من است الجمل فما رفعت رأسي حتى الساعة. ذكر من كره الشعر قال إسحاق بن سليمان الهاشمي. دخلت على المنصور يوماً والإيوان قد غصّ بأهله، فقال: بلغني أنك تقول الشعر. قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأنشدني شيئاً منه. فأنشدته قصيدة طويلة فيها مدح له. فلما فرغت قال: يا بني مالك وللمديح إياك وإياه واحذر الهجاء فإنهما لا يشبهانك وعليك من الشعر بالبيتين والثلاثة تقول ذلك تطرباً وتذكر فيه فضلاً وتحبباً. قال: وقال معاوية بن أبي سفيان لعبد الرحمن بن الحكم: يا ابن أخي إنك قد لهجت بالشعر فإياك والتشبيب فتهجن به كريماً والهجاء فتثير به لئيماً، وإياك والمدح فإنه كسب الخسيس، ولكن افخر بمآثر قومك وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك، فإن لم تجد بداً من المديح فقل كما قال الأول: أحللت رحلي في بني ثعل ... إن الكريم للكريم مَحَل قيل: وسئل رجل عن الشعر فقال: أسرى مروءة الدني وأدنى مروءة السريّ. في ذم الشعر قال الأصمعي: أنشد رجلٌ بشاراً العقيلي بيت الطرماح: فما للنوى لا بارك الله في النوى ... وهمٌّ لنا منها كهمّ المباين فقال: إن هذا البيت لو وثبت عليه الشاة لأكلته، يعني إعادته النوى في البيت مرتين، فقلت: صدق بشار، إعادة الأسماء في بيت أكثر من مرة عِيّ. قال: وكتب محمد بن أبي عون إلى محمد بن عبد الله بن طاهر: قد بعثنا بزهرة البستان ... بكر ما قد أتى من الريحان ياسميناً ونرجساً قد بعثنا ... وبعثنا بسوسن البستان فقرأهما محمد وقال: ثلاث مرات قد. وكتب إليه: عون دقَّ الإله من فيك أدنا ... هـ وأقصاه يا عيي اللسان حشو بيتيك فيه قدٌّ وقدٌّ ... قدك الله بالحسام اليماني ومنه مضاحيك الشعر قيل: دخل رجل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين إني هجوت الروافض. قال: هات، فقال: شمساً ورغماً وزيتوناً ومظلمةً ... من أن ينالوا من الشيخين طغيانا فقال: فسّر. قال: يا أمير المؤمنين أنت في مائة ألف أنت في مائة ألف لا تفهم هذا أفأفهمه وأنا وحدي! فضحك وأمر له بصلة. الحمدوني قال: أتاني رجل فقال: قلت شعراً أحبّ أن أعرضه عليك، فقلت: هات. فقال: إن لي حباً شديداً ... ليس ينحيه الفرار فقلت: نعم هو شعر. فقال: إن من أفلت منه ... لابسٌ ثوب المخازي فقلت: ذاك راء وهذا زاي! قال: لا تنقطه. فقلت: فهبني لم أنقطه ذاك مرفوع وهذا مخفوض! قال: يا أحمق أنا أقول لا تنقطه وأنت تعجمه. قال: وجاء رجل إلى حاجب إبراهيم بن إسماعيل عامل المدينة فقال: أدخلني عليه فإني قد مدحته ولك نصف ما يصلني منه. فقال: أنشدني ما قلت فيه. فقال: لا أفعل. قال: لا أدخلك. قال: فإني أنشدك. قال: هات. قال قلت: كاد الأمير على تكرّمه ... أن لا يكون لأمه بظر فقال الحاجب: يا عاض بظر أمه كان يعطيك ستمائة سوط لي منها ثلاثمائة! امض إلى حرق الله وناره. محاسن المخاطبات قال: ذكروا أن ابن القرية دخل على عبد الملك بن مروان، فبينا هو عنده إذ دخل بنو عبد الملك عليه، فقال: من هؤلاء الفتية يا أمير المؤمنين؟ قال: ولد أمير المؤمنين. قال: بارك الله لك فيهم كما بورك لأبيك فيك وبارك لهم فيك كما بورك لك في أبيك. فحشا فاه دراً.

стр. 188

قال: وقال عمارة بن حمزة لأبي العباس وقد أمر له بجوهر نفيس: وصلك الله يا أمير المؤمنين وبرّك، فوالله لئن أردنا شكرك على إنعامك ليقصرن شكرنا عن نعمتك كما قصر الله بنا عن منزلتك. قال: ودخل شبيب بن شيبة على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين إن الله جل وعز حيث قسم الدنيا لم يرض لك إلا بأرفعها وأشرفها فلا ترض لنفسك من الآخرة إلا بمثل ما رضي لك من الدنيا، وأوصيك يا أمير المؤمنين بتقوى الله فإنها عليكم نزلت ومنكم قُبلت وإليكم تُردّ. قال: وقال إبراهيم الموصلي للهادي وقد غناه صوتاً أعجبه: إن من كان محله من الانبساط وتقارب الندام محلي جرّأه البسط على الطلب وبعثته المنادمة على الرجاء، وقد نصب لي أمير المؤمنين لقربي منه مشارع الرغبة وحثّني مكان حالي عنده على الكروع في النهل من يده. فقال له: سل حاجتك شفاهاً فإني جاعل فعلي إجابتك إليه حاضراً. فسأله قيمة خمس مائة ألف درهم فأعطاه ألف ألف درهم. قيل: ودخل إسحاق بن إبراهيم الموصلي على الرشيد فقال: كيف حالك؟ فقال: سوامي سوام المكثرين تجملاً ... ومالي كما قد تعلمين قليل وآمرةٍ بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شيءٌ ما إليه سبيل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل أرى الناس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلاً له في العالمين خليل فقال الرشيد: هذا والله الشعر الذي صحّت معانيه وقويت أركانه ولذّ على أفواه القائلين وأسماع السامعين، يا غلام احمل إليه خمسين ألف درهم. قال إسحاق: كيف أقبل صلتك يا أمير المؤمنين وقد مدحت شعري بأكثر مما مدحتك؟ قال الأصمعي: فعلمت أنه أصيد للدرهم مني. قال: وقال المأمون لإبراهيم بن المهدي: شاورت في أمرك فأشاروا عليّ بقتلك. فقال: أما أن يكونوا نصحوك فيما جرت به السياسة وحكمت به الرياسة فقد فعلوا ولكنك تأبى أن تستجلب النصر إلا من حيث عودك الله، فإن عاقبت فلك نظير وإن عفوت فليس لك نظير، وإن جرمي يا أمير المؤمنين أعظم من أن أنطق فيه بعذر وعفو أمير المؤمنين أجلّ من أن يفي به شكر. فقال المأمون: مات الحقد عند هذا العذر. فاستعبر إبراهيم وبكى، فقال له المأمون: ما لك؟ قال: الندم إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام عليّ. وحدثني سعيد بن مسلم قال: قال المأمون لإبراهيم بن المهدي بعد المؤانسة وإخراج ما كان في قلبه عليه: يا عم ما الذي حملك على منازعة من جرى قدر الله له بتمام أمره وإصلاح شأنه؟ قال: طلب صلاح حالي يا أمير المؤمنين وتوفر ما تتسع به يدي على خاصتي وعامتي. قال: فقدر ما شئت وهو لك مشاهرة. قال: إذاً تجدني بحيث تحب ويجري حكمك عليّ وفي كما يجري في أحد عبيدك. وقد قلت في ذلك: أرى الحر عبداً للذي سيب كفه ... شراه بما قد غاظه غاية الحمد على أن ملك الحر أسنى ذريعة ... إلى المجد من مال يصان ومن عبد وإن خُصّ بيع مِلك حرٍ بنعمة ... إذا قوبلت بالشكر قارنها المجد فقال: لئن كان ذلك كذلك إني لأهل أن أرفعك بمواد نعمتي عليك عن أن يقال هذا فيك أو تمتهنك عين أحد بذلة. قال: ودخل المأمون ذات يوم إلى الديوان فنظر إلى غلام جميل على أذنه قلم فقال: من أنت يا غلام؟ قال: يا أمير المؤمنين الناشيء في دولتك والمتقلب في نعمتك والمؤمل لخدمتك الحسن بن رجاء. فقال المأمون: بالإحسان في البديهة تتفاضل العقول. يرفع عن مراتب الديوان إلى مراتب الخاصة ويعطى مائة ألف درهم معونة له. ففعل به ذلك. قال: ودخل يزيد بن جرير على المأمون وكان وجد عليه فقال: أيزيد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين غذيّ نعمتك وخرّيج صنيعتك وغرس يدك الذي لم يشركك فيه مصطنع ولم يسبقك إلى تخريجه أحد، ولم أزل يا أمير المؤمنين بعفوك بعد سخطك راجياً وببصيرة رأيك في الانفراد بردّي إلى ما عودتني واثقاً حتى أقامني الله جل وعز هذا المقام الذي فيه إدراكي أملي ونيلي محبتي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يشهرني برضاه كما شهرني بسخطه فعل إن شاء الله! فقال: قد رضي عنك أمير المؤمنين. قال: ووصف يحيى بن خالد الفضل بن سهل وهو غلام على المجوسية للرشيد وذكر أدبه وحسن مذهبه وجودة معرفته فعمل على ضمه إلى المأمون.

стр. 189

فقال يوماً ليحيى: أدخل إليّ هذا الغلام المجوسي حتى أنظر إليه، ففعل يحيى ذلك، فلما مثل بين يديه وقف وتحير وأراد الكلام فأُرتج عليه وأدركته كبوة، فنظر الرشيد إلى يحيى نظر منكر لما كان تقدم من تفريطه إياه، فانبعث الفضل فقال: يا أمير المؤمنين إن من أبين الدلالة على فراهة المملوك شدة إفراط هيبته لسيده. فقال له الرشيد: أحسنت والله! لئن كان سكوتك لتقول هذا إنه لحسن وإن كان هذا شيء أدركك عند انقطاعك إنه لأحسن وأحسن. ثم جعل لا يسأله عن شيء إلا رآه مقدماً فيه مبرزاً. فضمه المأمون في ذلك اليوم. وقال الفضل بن سهل للمأمون وقد سأله حاجة لبعض أهل بيوتات دهاقين سمرقند ووعد تعجيل إنفاذها فتأخر ذلك عليه: يا أمير المؤمنين هب لوعدك تذكراً من نفسك وهنيء سائلك حلاوة نعمتك واجعل ميلك إلى ذلك في الكرم حاثاً على اصطفاء شكر الطالبين لتشهد القلوب بحقائق الكرم والألسن بنهاية الجود. فقال: قد جعلت إليك إجابة سؤّالي عني بما ترى فيهم وأخذتك بالتقصير فيما يلزم لهم من غير استثمار ولا معاودة في إخراج الصكاك من أخضر المال متناولاً. قال: إذاً لأتحدى معرفتي بما يجب لأمير المؤمنين الهنأُ بما يديم له حسن الثناء، ومن دعائهم طول البقاء. قال: وقال الفضل بن سهل للمأمون: يا أمير المؤمنين اجعل نعمتك صائنة لماء وجوه خدمتك عن إراقته في غضاضة السؤال. فقال المأمون: والله لا كان ذلك إلا كذلك. قال: ودخل العتابي على المأمون فقال: يا أبا كلثوم خُبّرت بوفاتك فغمتني ثم جاءتني وفادتك فسرتني. فقال: يا أمير المؤمنين كيف أمدحك أو بماذا أصفك ولا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك! فقال: سلني عما بدا لك. قال: يداك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة. قال: وتكلم المأمون يوماً فأحسن فقال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك! إن خضنا في الطب فأنت جالينوس في معرفته، أو في النجم فأنت هرمس في حسابه، أو في الفقه فأنت علي بن أبي طالب، ﵁، في علمه، وإن ذكر السخاء كنت حاتماً في جوده، أو الصدق فأنت أبو ذر في صدق لهجته، أو الكرم فأنت كعب بن مامة في إيثاره على نفسه، أو الوفاء فأنت السموأل بن عاديا في وفائه. فاستحسن قوله وتهلل وجهه. قال: وقال إبراهيم بن المهدي للمأمون: يا أمير المؤمنين ليس للعافي بعد القدرة عليه ذنب، وليس للمعاقب بعد المِلك عذر. قال: صدقت فما حاجتك؟ قال: فلان. قال: هو لك. قال: وقال الواثق يوماً لأحمد بن أبي دؤاد وقد تضجّر بكثرة حوائجه: قد أخليت بيوت الأموال بطلباتك للائذين بك والمتوصلين إليك! فقال: يا أمير المؤمنين نتائج شكرها متصل بك وذخائر أجرها مكتوب لك وما لي من ذلك إلا عشق الألسن لخلود المدح فيك. فقال: يا أبا عبد الله والله لا منعتك ما يزيد في عشقك وتقوى به منتك إذ كانا لنا دونك. وأمر فأُخرج له ثلاثون ألف دينار يفرقها في الزوار. قال: وقدم أبو وجزة السلمي على المهلب بن أبي صفرة فقال: أصلح الله الأمير! إني قطعت إليك الدهناء وضربت إليك أكباد الإبل من يثرب. فقال: هل أتيتنا بوسيلة أو قرابة أو عشرة؟ قال: لا ولكني رأيتك لحاجتي أهلاً فإن قمت بها فأهل ذلك أنت وإن يحل دونها حائل لم أذمم يومك ولم أيأس من غدك. فقال المهلب: يعطى ما في بيت المال. فوجد فيه مائة ألف درهم فدفعت إليه، فأنشأ يقول: يا من على الجود صاغ الله راحته ... فليس يحسن غير البذل والجود عمّت عطاياك من بالشرق قاطبةً ... وأنت والجود منحوتان من عُود قال: ودخل الكوثر بن زفر على يزيد بن المهلب فقال: أصلحك الله! أنت أعظم قدراً من أن يستعان عليك ويستعان بك، لست تفعل من المعروف شيئاً إلا وهو أصغر منك، وليس من العجب أن تفعل ولكن العجب أن لا تفعل. قال: سل حاجتك. قال: تحملت عن قومي عشر ديات وقد نهكتني. قال: قد أمرنا لك بها وأضعفناها بمثلها. فقال الكوثر: إن ما سألتك هو بوجهي لمقبول منك، وأما ما بدأتني به فلا حاجة لي فيه. قال: ولم وقد كفيتك ذل السؤال؟ قال: لأني رأيت الذي أخذته مني بمسألتي إياك أكثر مما نالني من معروفك فكرهت الفضل على نفسي. قال يزيد: فأنا أسألك بحقك عليّ فيما أملتني له من إنزالك إليّ إلا قبلتها. فقبلها. مساوئ المخاطبات

стр. 190

قيل: دخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب فقال له: إني أكلت من لحوم هذه الجوازيء فطسئت طسأة فأصابني وجع ما بين الوابلة إلى دأية العنق ولم يزل يربو وينمو حتى خالط الخلب والشراسيف فهل عندك دواء؟ قال: نعم خذ خرفقاً وسلفقاً فرقرقه واغسله بماء روث واشربه. قال: لا أدري ما تقول! قال: ولا أنا أدري ما تقول. وقال له آخر: إني أجد معمعة في بطني وقرقرة، فقال له: أما المعمعة فلا أعرفها، وأما القرقرة فهو ضراط لم ينضج. قيل: وأتى رجل إلى الهيثم بن عريان بغريم له وقد مطله في حق له فقال: أصلح الله الأمير! إن لي على هذا حقاً قد غلبني عليه. فقال له الآخر: أصلحك الله! إن هذا باعني عنجداً وقد استنسأته حولاً وشرطت أن أعطيه مياومة فهو لا يلقاني في لقم إلا اقتضاني. فقال له الهيثم: أمن بني شيبة أنت؟ قال: لا. قال: فمن بني هاشم؟ قال: لا. قال: فمن أكفائهم من العرب؟ قال: لا. قال: ويلي عليك انزع ثيابه يا حرسي! فلما أرادوا أن ينزعوا ثيابه قال: أصلحك الله! إن إزاري مرعبل. فقال: دعوه فلو ترك الغريب في موضع لتركه في هذا الموضع. قال: ومر أبو علقمة ببعض الطرق فهاجت به مرة فوثب عليه قوم وأقبلوا يعضون إبهامه ويؤذنون في أذنه. فأفلت من أيديهم وقال: ما لكم تتكأكؤون علي كما تتكأكؤون على ذي جنة؟ افرنقعوا عني! فقال رجل منهم: دعوه فإن شيطانه هندي يتكلم بالهندية. وقال مرة لحجام يحجمه: اشدد قصب الملازم وارهف ظبة المشارط وخفف الوضع وعجل النزع، وليكن شرطك وخزاً ومصك نهزاً، ولا تكرهن أبياً ولا ترددن أتياً. فوضع الحجام محاجمه في جونته ومضى. محاسم المكاتبات قال: وقال كعب العبسي لعروة بن الزبير: قد أذنبت ذنباً إلى الوليد بن عبد الملك وليس يزيل غضبه شيء فاكتب إليه. فكتب: لو لم يكن لكعب من قديم حرمته ما يغفر له عظيم جريرته لوجب أن لا تحرمه التفيؤ بظل عفوك الذي تأمله القلوب، ولا تعلق به الذنوب وقد استشفع بي إليك فوثقت له منك بعفو لا يخلطه سخط، فحقق أمله فيّ وصدق ثقتي بك مغتنماً للشكر مبتدئاً بالنعمة. فكتب إليه الوليد: قد شكرت رغبته إليك وعفوت عنه لمعوله عليك، وله عندي الذي تحب إن لم تقطع كتبك عني في أمثاله وفي سائر أمورك. قال: وكتب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى بعض إخوانه: أما بعد فقد عاقني الشك عن عزيمة الرأي، ابتدأتني بلطف من غير خبرة ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب طمعني أوّلك في إخائك وأيسني آخرك من وفائك، فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطراحاً ولا في غدو انتظار منك على ثقة، فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الرأي فيك ما أقمنا على ائتلاف وافترقنا على اختلاف. قال: وسخط مسلمة بن عبد الملك على العريان بن الهيثم فعزله عن شرطة الكوفة فشكا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه: فإن من حفظ نعم الله رعاية حق ذوي الأسنان، ومن إظهار شكر الموهوب له صفح القادر عن الذنوب، ومن تمام السودد حفظ الودائع واستتمام الصنائع، وقد كنت أودعت العريان نعمة من نعمك فسلبتها عجلة سخطك، وما أنصفته إذ غصبته على أن وليته ثم عزلته وخليته، وأنا شفيعه فأحب أن تجعل له من قلبك نصيباً ولا تخرجه من حسن رأيك فيضيع ما أودعته ويتوى ما أفدته. فعفا عنه. قال: وغضب سليمان بن عبد الملك على أبي عبيدة مولاه فشكا إلى سعيد بن المسيب ذلك، فكتب إليه: أما بعد فإن أمير المؤمنين في الموضع الذي يرتفع قدره عن أن تعصيه رعيته وفي عفو أمير المؤمنين سعة للمسلمين. فرضي عنه. قال: وطلب العتابي من رجل حاجة فقضى له بعضها وماطله ببعض. فكتب إليه: أما بعد فقد تركتني منتظراً لرفدك وصاحب الحاجة محتاج إلى نعم هنيئة أو لا مريحة، والعذر الجميل أحسن من المطل الطويل، وقد كتبت: بسطت لساني ثم أوثقت نصفه ... فنصف لساني بامتداحك مطلق فإن أنت لم تنجز عداتي تركتني ... وباقي لسان الشكر باليأس موثق قال: ولما بنى المهدي بريطة ابنة أبي العباس كتب إليه يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري: أدام الله لك جميل عاداته عندك وأوتر ما يجري به القدر لك ولا زالت يد الله تحوطك في المحبوب وتدرأ عنك المكروه، وهنئت بهذه النعمة ومليتها أمناً من زوالها بطول البقاء والمدة. فقالت له ريطة: ما لهذا الكلام ثمن!

стр. 191

فقال: وكيف ونحن أطلقنا بإحساننا إليه وإنعامنا عليه لسانه فينا وسنزيده من الثواب لثنائه علينا. قال: وأمر الرشيد جعفر بن يحيى أن يعزل أخاه الفضل بن يحيى عن الخاتم ويقبضه إليه قبضاً لطيفاً، فكتب إلى أخيه: قد رأى أمير المؤمنين أن تنقل خاتم خلافته عن يمينك إلى شمالك، فكتب إليه الفضل: ما انتقلت عني نعمة صارت إليك ولا خصتك دوني. أحمد بن يوسف الكاتب قال: أمرني المأمون أن أكتب إلى الآفاق في الاستكثار من المصابيح في المساجد، فلم أدر كيف أكتب لأنه شيء لم أسبق إليه فأسلك طريقته ومعناه، فأتاني آت في منامي وقال لي: اكتب: فإن فيها أنساً للمجتهدين، واضاء للسائلين، ونفياً لتكامن الريب، وتنزيهاً لبيوت الله عن وحشة الظلم. فكتب بذلك. قال: وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون في رجل من بني ضبة يستشفع إليه في زيادة في منزلته وجعل كتابته تعريضاً: أما بعد فقد استشفع بي فلان يا أمير المؤمنين لتطولك في إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته والسلام. فكتب إليه المأمون: قد عرفنا توطئتك له وتعريضك لنفسك وأجبناك إليهما ووافقناك عليهما. وحدثنا عبد الله بن ميمون قال: تأخر الجاري من الرزق لإبراهيم بن إسحاق الموصلي عنه في أيام المأمون فكتب إليه: يا أمير المؤمنين ما فوق جودك في العاجلة مرتقى لآمالنا ولا إلى غير دولتك متطلع لقلوبنا فلم تتأخر الإفادات عنا ويعسر نيل المحبوب علينا. فقال المأمون: ما سمعت في التصريح والإشارة بالطلب أحسن من هذا، وأمر بإخراج فائته وبجائزة ثلاثمائة ألف درهم. قال: وأولم المأمون على بعض ولده فكتب إليه إبراهيم بن المهدي: لولا البضاعة تقصر عن الهمة لأتعبت السابقين إلى البر وخفت صحيفتها وليس لي فيها ذكر فبعثت بالمبتدإ به ليمنه وبركته والمختوم به لنظافته وطيبه جراب ملح وجراب أشنان. وكتب إبراهيم بن المهدي إلى صديق له بعث إليه بهدية: لو كانت التحفة على حسب ما يوجبه حقك بنا أداء حقك ولكنه على ما يخرج من حد الحشمة ويوجب الأنس، وقد بعثت إليك بكذا. وحدثنا أبو الودغ قال: أول كتاب ورد على المأمون بالخلافة كتاب الحارث بن سباع الخراساني، فإنه كتب إليه: قد أظلنا أمير المؤمنين بخلافته تحت جناح الطمأنينة وبلغنا بها مدى الأمنية، فأدام الله له من كرامته ما يتطأمن له أقاصي وأداني رعيته وجعله أعز خليفة وجعلنا أسمع وأطوع رعيته. فقال المأمون للفضل بن سهل: أتعرف ما قيمة هذا الكلام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: وما هي؟ قال: تلقيك به بالسرور. فأعجبه قوله واستحسنه. قال: وكتب عبد الله بن طاهر إلى المأمون من خراسان: بعدت داري عن أمير المؤمنين وعن ظل جناحه وعن خدمته وإن كنت حيث تصرفت لا أتفيأ إلا به وقد اشتد شوقي إلى النظر إلى رؤيته المباركة والتزين بحضور مجلسه وتلقيح عقلي بحسن رأيه، فلا شيء عندي آثر من قربه، وإن كنت في سعة من عيش وهبه الله جل ذكره لي به، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في المصير إلى دار السلام لأحدث عهداً بالنعم عليّ وأتهنأ بالنعمة التي أقرها لدي فعل. فأجابه المأمون: قربك إلي يا أبا العباس حبيب وأنا إليك مشتاق وإنما بعدت دارك عن أمير المؤمنين بالنظر لك والتخير لحسن العاقبة، فالزم مكانك واتبع قول الشاعر: رأيت دنو الدار ليس بنافعي ... إذا كان ما بين القلوب بعيدا

стр. 192

وحدثنا خصيف بن الحارث عن أبي رجاء قال: قدم مع المأمون رجل من دهاقين الشاش وعظمائهم على عدة سلفت من المأمون له من توليته بلداً وأن يضم إليه مملكته، فطال على الرجل انتظار خروج المأمون وأمره له بذلك، فقصد عمرو بن مسعدة وسأله إنفاذ رقعة إلى المأمون من ناحيته. فقال عمرو: اكتب ما شئت فإني أوصله. قال: فتول ذلك عني يكن لك عليّ نعمتان. فكتب عمرو: إن رأى أمير المؤمنين أن يفك أسر عبده من ربقة المطل بقضاء حاجته أو يأذن له في الانصراف إلى بلده فعل إن شاء الله تعالى. فلما قرأ المأمون الرقعة دعا عمراً فجعل يعجبه من حسن لفظها وإيجاز المراد فيها. قال عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين؟ قال: الكتاب له في هذا في الوقت بما سأل لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه وبجائزة مائة ألف درهم صلة عن دناءة المطل وسماجة الإغفال. ففعل عمرو ذلك. وحدثنا إسماعيل بن أبي شاكر قال: لما أصاب أهل مكة سنة ثمان ومائتين السيل الذي شارف الحجر ومات تحت هدمه خلق كثير كتب عبد الله بن الحسن العلوي وهو والي الحرمين إلى المأمون: يا أمير المؤمنين إن أهل حرم الله وجيران بيته وألّاف مسجده وعمرة بلاده قد استجاروا بفيء معروفك من سيل تراكمت أحداثه في هدم البنيان وقتل الرجال والنسوان واجتياح الأموال وجرف الأمتعة والأثقال، حتى ما ترك طارفاً ولا تالداً يرجع إليهما في مطعم وملبس، قد شغلهم طلب الغذاء عن الاستراحة إلى البكاء على الأمهات والأولاد والآباء والأجداد، فأجرهم يا أمير المؤمنين بعطفك عليهم وإحسانك إليهم تجد الله مكافئك عنهم ومثيبك عز الشكر لك منهم. قال:: فوجه إلهيم المأمون بالأموال الكثيرة. وكتب إلى عبد الله: أما بعد فقد وصلت شكيتك لأهل حرم مكة إلى أمير المؤمنين فتلافاهم الله بفضل رحمته وأنجدهم بسيب نعمته وهو متبع ما أسلفه إليهم بما يخلفه عليهم عاجلاً وآجلاً إن أذن الله جل وعز في تثبيت عزمه على صحة نيته فيهم. قال: فكان كتابه هذا أسرّ إلى أهل مكة من الأموال التي أنفذها إليهم. قال أحمد بن يوسف: دخلت على المأمون يوماً ومعه كتاب يعجب به كتبه إليه عمرو بن مسعدة، فالتفت إليّ وقال: أحسبك مفكراً فيما رأيت. قلت: نعم، وقى الله أمير المؤمنين المكروه. قال: إنه ليس بمكروه ولكني قرأت كلاماً نظير الخبر خبرني به الرشيد، سمعته يقول: البلاغة التقرب من معنى البغية والتباعد من حشو الكلام ودلالة بالقليل على الكثير، فلم أتوهم أن هذا الكلام يسبك على هذه الصيغة حتى قرأت هذا الكتاب، والله لأقضين حق هذا الكلام، وكان الكتاب استعطافاً على الجند فيه كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من أجناده وقواده في الطاعة والموالاة والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند، وقد تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم. قال: فأمر بإعطائهم لثمانية أشهر. قال: ولما بعث طاهر بن الحسين برأس محمد الأمين كتب إليه: آتى الله أمير المؤمنين من شكره ما يزيد به في نعمته عليه وأياديه لديه، فقد كان من قدر الله جل وعز في إعانة أمير المؤمنين على الظفر بحقه وسلامة الأولياء ووفاة محمد بن الرشيد ما لا دافع له من القضاء في الخلق والاستبداد بالأمر لنفوذ مشيئته فيما أحب من إعزاز وإجلال وموت وحياة، فليهنيء أمير المؤمنين فوائد تطوّل الله عليه وليعزه عن أخيه الرضى بما يؤول إليه أهل الأرض والسماء من الانقراض والفناء. فكان المأمون يقول: والله لسروري بتعزيته أوقع بقلبي من تهنئته. قال: وكتب إليه الفضل بن سهل: أما بعد فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة فقد فرّق الكتاب بينه وبينه في الولاية والحرمة لقول الله جل وعز فيما اقتص علينا من نبإ نوح حيث يقول: إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح، ولا صلة لأحد في معصية الله ولا قطيعة فيما كانت القطيعة في ذات الله. وكتبت إلى أمير المؤمنين: وقد قتل الله جل وعز المخلوع ورداه رداء نكثه وعجّل لأمير المؤمنين ما كان ينتظر من وعده، فالحمد لله الذي رد إلى أمير المؤمنين معلوم حقه، وكبت المكايد له في خفر عهده ونقض عقده حتى رد بذلك أعلام الدين إلى سبيلها بعد دروسها والسلام.

стр. 193

قال: وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر: أما بعد فإن المأمون أحله الله دار كرامته رآك لأكثر الذي أنت له فيه أهلاً وقد جمع الله لك إلى حسن رأيه كان فيك جميل رأيي لما محضته من حسن الطاعة وكرم الوفاء وشكر الإحسان، وقد اتصلت الأخبار بأنك في كفاية من أولياء أمير المؤمنين وأموال خراسان وفي منعة من خاصتك وعامتك عن أن ينالك عدوك أو أحد ممن يخالفك بسوء، فاكتب بشرح ذلك إلى أمير المؤمنين ليعرفه إن شاء الله. فلما وصل كتابه قال عبد الملك لكاتبه إسماعيل بن حماد: ما تقول في هذا الكتاب؟ قال: كتاب تعريض بأنك خارج من طاعته مالك أمر نفسك دونه. قال: فأجبه عنه. فكتب إليه: أما بعد يا أمير المؤمنين فإن حزب الله وإن قلوا وأنصار المؤمنين وإن ضعفوا فهم الغالبون، وما أنا بشيء في ملاقاة عدو أوثق مني بعز دولة أمير المؤمنين، فأما الأيدي فقليلة والأموال فنزرة وفي الله وفي أمير المؤمنين أعظم الغنى. فقبل عذره وحسن موقع كتابه منه. قال: وكتب أحمد بن إسرائيل إلى الواثق، وقد عزله عن ديوان الخراج وأمر بتقييده ليصحح حساباته: يا أمير المؤمنين بم يستحق الإذلال من أنت بعد الله ورسوله موئل عزه وإليك مفزع أمله، ولم تزل نفسه راجية لابتداء إحسانك إليه وتتابع نعمك لديه، وعينه طامحة إلى تطولك عليه ورفعك منه والزيادة في الضيعة إليه، فهب له يا أمير المؤمنين ما يزينك واعف عما لا يشينك، فما به عنك معدل ولا على غيرك معول. فأمر بإطلاقه. قال: وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من العمل: شكري لك على ما أريد الخروج منه شكر من نال الدخول فيه. وكتب عليّ بن هشام إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ما أدري كيف أصنع، أغيب فأشتاق وألتقي فلا أشتفي ثم يحدث لي اللقاء نوعاً من الحرقة للوعة الفرقة. وكتب معقل إلى أبي دلف: فلان جميل الحال عند كرام الرجال وأنت إن لم ترتبطه بفضلك عليه غلبك فضل غيرك عليه. وكتب رجل إلى أخ له: أما بعد فقد بان لنا من فضل الله جل وعز ما لا نحصيه لكثرة ما نعصيه وما ندري ما نشكر أجميل ما نشر أم قبيح ما ستر أم عظيم ما أبلى أم كثير ما عفا، غير أنه يلزمنا في الأمور شكره ويجب علينا حمده، فاستزد الله من حسن بلائه بشكرك إياه على حسن آلائه. وكتب رجل إلى أخ له: أوصيك بتقوى الله الذي ابتدأك بإحسانه وأتم عليك نعمه بأفضاله وصبر عليك مع اقتداره ولا يغررك إمهاله فإنه ربما كان استدراجاً، عافانا الله وإياك من الاغترار بالامهال فإنه ربما كان استدراجاً، عافانا الله وإياك من الاغترار بالامهال والاستدراج بالإحسان. قال: وكتب أبو هاشم الحراني إلى بعض الأمراء: عوضي من أمل الأمير متأخر، والصبر على الحرمان متعذر. وكتب رجل إلى محمد بن عبد الله: إن من النعمة على المثني عليك أن يخاف الإفراط ولا يأمن التقصير ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب ولاينتهي من المدح إلى غاية إلا وجد في فضلك عوناً على تجاوزها، ومن سعادة جدك أن الداعي لك لا يعدم كثرة المادحين ومساعدة من النية على ظاهر القول. وكتب رجل إلى أبي عبد الله بن يحيى: رأيتني فيما أتعاطاه من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر المضيء الزاهر الذي لا يخفى على ناظر، وأيقنت أني حيث أنتهي من القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن إثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك. قال: وكتب المهلب بن أبي صفرة إلى عبد الملك بن مروان لما هزم الشراة: أما بعد فإنا لقينا المارقة ببلاد الأهواز وكانت للناس جولة ثم ثاب أهل الدين والمروءة ونصرنا الله جل وعز عليهم ونزل القضاء بأمر جاوزت النعمة فيه الأمل فصاروا ردية رماحنا وضرائب سيوفنا وقتل رئيسهم في جماعة من حماتهم وذوي النيات منهم وجلا الباقون عن عسكرهم، وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأولها تماماً وكمالاً، والسلام. وكتب المهلب إلى الحجاج في فتح الأزارقة: الحمد لله الكافي بالإسلام ما وراءه الذي لا تنقطع مواد نعمته حتى ينقطع من خلقه مواد الشكر، وإنا كنا أُعطينا من الله جل وعز على عدونا حالين يسرنا منهم أكثر مما يسوءنا ويسوءهم منا أكثر مما يسرهم، فلم يزل الله جل وعز يزيدنا وينقصهم ويعزنا ويخذلهم حتى بلغ الكتاب أجله وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.

стр. 194

أخبرنا ابن أبي السرح أن الحجاج أغزى جيشاً فظفروا وأن صاحب جيشه كتب إليه: الحمد لله الذي جعل لأوليائه أمام نصره موعداً قوّى به قلوبهم وقدم إلى أعدائه بين يدي خذلانه إياهم وعيداً أرعب به مفاصلهم وزعزع معه قلوبهم. فلما بلغ هذا الموضع طوى ما كان نشره من الكتاب ولم يقرأ ما بعده ثم التفت إلى الرسول فقال: غيّرنا هذا الكلام المبتدأ به، إن العدو ولّى من غير حرب! فقال: صدق الأمير صدّق الله ظنه وأصاب أصاب الله رأيه. قال: وكتب مروان بن محمد إلى عبد الله بن علي يوصيه بحرمة، فكتب إليه عبد الله: يا مائق إن الحق لنا في دمك والحق علينا في حرمك. وكتب علي، رضوان الله عليه، إلى زياد ابن أبيه: لئن بلغتني عنك خيانة لأشدنّ عليك شدة أدعك فيها قليل الوفر ثقيل الظهر. قال: وكتب رجل إلى أبي مسلم حين خرج: أحسن الله لك الصحبة وعصمك بالتقوى وألهمك التوفيق، إن الأرض لله يورثها من عباده من يشاء والعاقبة للمتقين، فسر فيها راغباً إلى الله ورسوله والرضى من هذه الأمة بالكتاب والسنة. واعلم أن التقوى أسّ ما تبني عليه أمرك، فإن ضعف الأساس تداعى البنيان ودخل الأعداء من كل مكان، فتألف الأعلام من الرجال وسرواتهم وتصفّح عقولهم ومروءاتهم، فكلما ارتضيت رجلاً ففره عن عزائم رأيه واصرف نظرك إلى تصرّف حاله، وإن وجدته على خلاف ما أنت عليه فلا تعجل بإلقاء أمرك إليه فتدخل الوحشة منك والنفور عنك، لكن اقرعه بالحجة في رفق وسقه إلى شرك المحجة في لين حتى يتكشف لك ثوب الظلمة عن النور وتظهر لك وجوه الأمور، فإنه سيكثر أعوانك على الحق ويسهل لك منهاج الطرق. فإذا كثرت العدة من أصحابك وأمكنتك الشدة على أعدائك فحارب الفئة الباغية والأئمة الطاغية الذين أباحوا حمى المسلمين وأجروا عليهم أحكام الفاسقين وقادوهم بجرائر المهن واستذلوهم في البر والبحر. واعلم أن من عرف الله جل وعز لم ير لأهل البغي جماعة ولا لأئمة الضلالة طاعة. وكلما غلبت على بلدة فامسك عن القتل وأظهر في أهله العدل لتسكن إليك النفوس ويثوب نحوك الناس وينتشر فعلك في الخاصة والعامة فتستدعي أهواءها وتستميل آراءها وتهش إليك من الآفاق نفوس عرانين الكرم ومصابيح الظلَم من ذوي الأحساب الكريمة والبيوت القديمة التي شرفها الإسلام وزينها الإيمان لتزرع بذلك لك المحبة في قلوب العباد ويكونوا لك دواعي في نواحي البلاد. تمم الله لك أمرك وأعلى كعبك. قال: ولما استقامت المملكة لأبرويز وانقضى ما بينه وبين بهرام جوبين أمر أن تكتب تلك الحروب والوقائع إلى منتهاها ففعلت الكتبة ذلك وعرضته على أبرويز فلم يرض صدره. فقال غلام من أولاد الكتّاب: إن أمر الملك كتبت صدره. فقال: شأنك. فتناول القلم وكتب: إن الدهر لم يخل في تارات عقبه وتصرفه ووجوه تنقله في حالات من العجائب ولم تنصرم فيه فنونها على طول مداه ولم يزل في تقلب عصريه وصفحات أزمنته وطبقات أحايينه تحدث فيه جلائل الأمور وغرائب الأنباء وتنجم فيه قرون وتعقب فيه أعقاب بعد أسلاف وتعفو آثار، وله في تلونه تصريف أنباء معجبة وأحاديث فيها معتبر وعظة ومختبر، ومن أعاجيب ذلك أمر بهرام بن بهرام ولقبه جوبين، فعرضه على أبرويز فأعجبه ذلك وأمر برفع درجته وتقديمه وتعظيمه. مساوئ المكاتبات قال الجاحظ: كتب ابن المراكبي إلى بعض ملوك بغداد: جعلت فداك برحمته. وقرأت على عنوان كتاب لأبي الحسين السمّري: للموت أنا قبله. وقرأت أيضاً على عنوان كتاب: إلى ذاك الذي كتب إليّ. وكتب بعضهم إلى ابن له عليل: يا بني اكتب إليّ بما تشتهي. فكتب إليه: أشتهي قلنسوة. فكتب إليه: إنما سألتك أن تخبرني بما تشتهي من الغداء. فكتب إليه: أشتهي دهن خل وزيت. فكتب إليه: أنزل الله عليك الموت فإنك ثقيل! قال: ونقش بشر بن عبد الله على خاتمه: بشر بن عبد الله بالرحمن لا يشرك. فقال أبوه: هذا والله أقبح من الشرك! محاسن الخطب قال: خطب خالد بن صفوان خطبة نكاح فقال: الحمد لله جامعاً للحمد كله وصلى الله على محمد وآله. أما بعد فقد قلتم ما سمعنا وبذلتم فقبلنا وخطبتم فأنكحنا فبارك الله لنا ولكم.

стр. 195

قال: وخطب محمد بن الوليد بن عتبة إلى عمر بن عبد العزيز أخته فزوّجه وخطب فقال: الحمد لله ذي العزة والكبرياء، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء، وقد زوجتك على ما في كتاب الله جل وعز: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وخطب عبد الله بن جعفر فقال: الحمد لله الذي ليس من دونه احتراز ولا لذاهب عنه مجاز، السميع المنيع ذي الجلال الرفيع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه ولا سمي له في برهانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﷺ . أما بعد فإن لكل شيء سبباً مضت به الأقدار وأُحصيت فيه الآثار على وقوع أقضيته وحلول مدته، والصهر نسب شابك يجمع المختلف ويقرّب المؤتلف، وفلان بن فلان قد بذل لكم الموجود ووعدكم الوفاء المحمود فأجيبوه إلى ما رغب فيه تحمدوا العاقبة وتذخروا الأجر للآخرة. وخطب أبو عبيدة خطبة نكاح بالبصرة وحضره أعرابي فقال: الحمد لله أكثر مما حمدتم، وربنا أعظم مما وصفتم، ندع الفصول ونتبع الأصول كفعل ذوي العقول، وقد سمعنا مقالتكم وشفّعنا خاطبكم وقبلنا ما بذلتم، والسلام عليكم. وخطب أعرابيّ إلى قوم فقال: الحمد لله ولي الأنعام وصلى الله على محمد خير الأنام وعلى آله وسلم. أما بعد فإني إليكم معشر الأكفاء خاطبٌ، وفي سبب الألفة بيننا وبينكم راغب، ولكم عليّ فيمن خطبت أحسن ما يجب للصاحب على الصاحب، فأجيبوني جواب من يرى نفسه لرغبتي محلاً ولما دعتني الطلبة إليه أهلاً. فأجابه أعرابي آخر: أما بعد فقد توسلت بحرمة وذكرت حقاً وأملت مرجواً، فحبلك موصول، وعرضك مقبول، وقد أنكحنا وسلمنا والحمد لله على ذلك. قال: وكان الحسن البصري يقول في خطبة النكاح بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد فإن الله جمع بهذا النكاح الأرحام المنقطعة والأنساب المتفرقة وجعل ذلك في سنّة من دينه ومنهاج واضح من أمره، وقد تزوج فلان بن فلان بفلانة ابنة فلان وبذل لها من الصداق كذا وكذا، فاستخيروا الله وردوا خيراً. قال: وحضر المأمون إملاكاً فسأله بعض من حضر أن يخطب فقال: الحمد لله والمصطفى رسول الله، عليه وعلى آله السلام، وخير ما عمل به كتاب الله، قال الله جل وعز: " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسعٌ عليم "، ولو لم يكن النكاح آيةً منزلة وسنّة متبعة إلا لما جعل لله جل اسمه في ذلك من تأليف البعيد وإدناء الغريب لسارع إليه العاقل المصيب وبادر إليه المختار اللبيب، وفلان من قد عرفتموه في نسب لم تجهلوه يخطب إليكم فتاتكم فلانة ويبذل لها من الصداق كذا، فشفّعوا شافعنا وأنكحوا خاطبكم وقولوا خيراً تحمدوا عليه وتُؤجروا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. مساوئ الخطب قيل: واستعمل الوليد بن عبد الملك أعرابياً على بعض مدن الشام، فلما صعد المنبر قال: الحمد لله، أحمده وأستعينه، من يهد الله فليس بضال ومن يضلل فأبعده الله. أما بعد فوالله لقد ذكر لي أنكم تأتون الأندرين فتشربون من خمورها، وما الذي عرّضكم أخزاكم الله لما يشين أعراضكم؟ فإن كنتم لا بد فاعلين فليشرب الرجل قعباً أو قعبين أو ثلاثة إن كان طيباً. ولقد بلغني أنكم تأتون بالليل النساء اللواتي قد غاب أزواجهن، وإني أعطي الله عهداً أني لا أجد رجلاً يأتي امرأة ليلاً إلا قطعت ظهره بالسياط، فإذا قدم عليهن أزواجهن فأتوهن حلالاً، وأيما رجل أصاب في بيته رجلاً فليأخذ سلبه. فقال له كاتبه: أيهما يأخذ سلب صاحبه أيها الأمير؟ فقال: أيهما غلب. فكانت المرأة تقول لزوجها: قد أحل لنا الأمير الزناء. وحكي عن جحا أن أباه قال له: دع ما أنت عليه من الجنون والمجون والخلاعة وترزن حتى أخطب لك بعض بنات أهل الثروة والشرف. فقال: نعم يا أبتاه، فتزيّن وتبخر وصار إلى مجمع الناس فقعد وهو صامت وقد حضر أشراف الناس وعظماؤهم، فقال له أبوه: تكلم يا بني، فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه وأشرك به حي على الصلاة حي على الفلاح. فقال أبوه: يا بني لا تقم الصلاة فإني على غير وضوء. محاسن الأمثال آتيه في البردين، يعني قبل أن يشتد الحر وبعدما يسكن، والمعنى فيه أيضاً: بالغداة والعشي، قال الشاعر: يسرن الليل والبردين حتى ... إذا أظهرن رفّعن الظلالا

стр. 196

وقولهم: همك في الأحمرين، يعنون اللحم والخمر. وقولهم: إنه لطويل النجادين، يريدون كماله وتمامه في جسمه. وقولهم: إنه لغمز الرداء، أي كثير المعروف. وأنشد الأصمعي: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... غلقت بضحكته رقاب المال وقولهم: إنه لسبط البنان، إذا كان شجاعاً سخياً. وقولهم: شديد الجفن، إذا كان صبوراً على السهر. وقولهم: إنه لطيب الحجزة، إذا كان عفيفاً، قال النابغة: رقاق النعال طيبٌ حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب وقولهم: إنه لطاهر الثياب، أي ليس في قلبه غش، وقد روي في تفسير قول الله جل وعز: وثيابك فطهر، أي طهر قلبك. وأنشد: ثياب بني عوفٍ طهارى نقيةٌ ... وأوجههم بيض المشافر غرّان يعنون بثيابهم قلوبهم. وقولهم: إنه لطيب الأثواب، أي طاهر الأخلاق. قال بعض الأنصار: ومواعظٌ من ربنا تهدي لنا ... بلسان أزهر طيب الأثواب وقولهم: تحسبها حمقاء وهي بأحسن، يضرب مثلاً لمن يظن به الجهل فإذا اختبرته وجدته عاقلاً. وقولهم: من أجدب انتجع، أي من احتاج طلب. ويقال: إن صعصعة ابن صوحان كان يأكل مع معاوية فجعل معاوية يأكل من دجاجة بين يديه، فمدّ صعصعة يده فجذب الدجاجة، فقال له معاوية: انتجعت! فقال: من أجدب انتجع. وقولهم: من لي بالسانح بعد البارح، يضرب مثلاً لرجل يسيء إليه إنسان فيقال له: احتمل فإنه سيحسن فيما بعد. وأصل ذلك أن رجلاً مرّت به ظباء بارحةً فتطيّر منها فقيل له: لا تتطير فإنها سوف تسنح لك، فقال: من لي بالسانح بعد البارح! وذلك أن العرب كانت إذا خرجت فمرّت بها ظباء عن يمينها قالت: يمن وبركة، فإذا مرت عن يسارها تشاءمت بها وقالت: هذا يوم نحس. والسانح ما جاء عن يمينك. والبارح ما جاء عن يسارك. والقعيد ما جاء من ورائك. والناطح ما استقبلك. مساوئ الأمثال قولهم: ذهب منه الأطيبان، يعنون الشباب والطعم. وقالوا: هو الأكل والنكاح. وقولهم: نعوذ بالله من الأمرّين، يعنون الفقر والهرم. ويقال: وقيت شرّ الأجوفين، يعنون البطن والفرج. وقولهم: أماطله العصرين، يعنون الغداة والعشي. وقال الشاعر: أماطله العصرين حتى يملني ... ويرضى بنصف الدين والأنف راغم وقولهم: أفناه الملوان، يعنون الدهر ومقاساة الغم. وقولهم: أبلاه الجديدان، يعنون الليل والنهار. وقال الشاعر: إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا ينقصان ولكن ينقص الناس وقولهم: فلان قصير يد سرباله، أي أنه قليل المعروف. وأنشد الأصمعي: لا تنكحي إن فرّق الدهر بيننا ... قصير يد السربال مثل أبان وقولهم: إنه لجعد البنان، وهو بخيل. وقولهم: الحمى أضرعتني لك وإليك، يقول: الحاجة أذلتني إليك ولك. وقولهم: من مدحنا فليقصد، يقول: من مدحنا فليقل الحق فإن المادح بالباطل غير ممتدح. وقولهم: إنك تشجّ وتأسو، أي إنك تصلح وتفسد. وتأسو تداوي. قال الشاعر: يدٌ تشجُّ وأخرى منك تأسوني وقولهم: سكت ألفاً ونطق خلفاً، يضرب مثلاً للرجل العيّ الذي يسكته العيّ عن الكلام. والخلف من الكلام الذي يشين صاحبه مثل خلف السوء، يقال: فلانٌ خلفٌ من أبيه إذا كان صالحاً، فإذا كان رديئاً قيل خلف، قال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلفٍ كجلد الأجرب وقولهم: شر الرأي الدَّبريّ، يروى ذلك لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، وهو أن يعرف الرجل وجه نجاح حاجته بعد فوت الحاجة. وقولهم: أحُشّك وتروثني، أي أوليك خيراً وتوليني شراً. والأصل في ذلك أن رجلاً كان يحتشّ لفرسه وفرسه بقربه فراث على رأسه، فقال له: أحُشّك وتروثني! وقولهم: إن الخبيث عينه فراره، أي يتبين الخبث في الخبيث من غير اختبار. وقد قيل: إن الجواد عينه فراره، أي يتبين فيه الجودة من غير اختبار. يقال: فرس جواد بيّن الجودة. ونظر أعرابي إلى صياد فقال: إن الخبيث عينه فراره ... في فمه شفرته وناره ممشاه ممشى الكلب وازدجاره ... أطلس يخفي شخصه غباره

стр. 197

ويقال: إن رجلاً ضاف امرأة بالبادية وللمرأة ابنة فقالت لها: يا أمه لا تضيفيه فإن الخبيث عينه فراره، فلما أظلم الليل راود المرأة عن نفسها، وكانت عفيفة، فقالت لأمها: لولا حق الضيافة لانقلبت محروباً، فاستحيا الرجل فولّى وهو يقول: تقول أم عامرٍ للغمر قل ... فإن تقل فعندنا ماءٌ وظلٌ ولبنٌ تنهل منه وتعل ... أما الذي سألتنا فلا يحل وقولهم: خلا لك الجو فبيضي واصفري ... ونقّري ما شئت أن تنقري قد رفع الفخ فماذا تحذري قيل: كان طرفة بن العبد البكري مع عمه وهو صغير في بعض أسفارهما فنزلا على ماء فنصب طرفة فخه للقنابر وقعد لها وهنّ يحذرن الفخّ وينفرن مما حوله، فقال: قاتلكن الله من قنابر ... منتبذاتٍ في الفلا نوافر وأخذ فخه ورجع إلى عمه. فلما تحملوا أقبلت القنابر تلتقط ما كان ألقاه لهن من الحب، فالتفت فرآهن فقال: يا لك من حمّرةٍ بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري وقولهم: لو ترك القطا لنام، كانت حذام بنت الريان ملك معدّ وإن رجلاً من حمير سار إلى أبيها في حمير، فلقيهم الريان في أحياء ربيعة فالتقوا في أرض تدعى المرامة فاقتتلوا يومين وليلتين ثم رجع الحميري إلى عسكره وهرب الريان وسار يومه وليلته، فلما أصبح الحميري ورأى عسكر الريان سار في طلبه، وجعلوا يمرون ويثيرون القطا وجعلت القطا تمر على عسكر الريان، فانتبهت ابنته فقالت لقومها: ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا ليلاً لناما فارتحلوا واعتصموا برؤوس الجبال ورجع القوم، ففي ذلك يقول حميد: إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام محاسن الجواب قيل: دخل رجل على كسرى أبرويز فشكا عاملاً له غصبه على ضيعة له. قال كسرى: منذ كم هي في يدك؟ قال: منذ أربعين سنة. فقال: أنت تأكلها منذ أربعين سنة ما عليك أن يأكل منها عاملي سنة! فقال: ما كان على الملك أن يأكل بهرام جوبين الملك سنة واحدة! فقال: ادفعوا في قفاه واخرجوه. فأُخرج، فأمكنته التفاتة فقال: دخلت بمظلمة وخرجت بثنتين. فقال كسرى: ردوه، وأمر برد ضيعته وجعله في خاصته. ويقال: إن سعيد بن مرة الكندي حين أتى معاوية قال له: أنت سعيد؟ فقال: أمير المؤمنين سعيد وأنا ابن مرة. قيل: ودخل السيد بن أنس الأزدي على المأمون فقال: أنت السيد؟ فقال: أنت السيد يا أمير المؤمنين وأنا ابن أنس. وقيل للعباس بن عبد المطلب: أنت أكبر أم رسول الله، ﷺ ؟ فقال: هو، ﵇، أكبر مني وولدت قبله. وقيل: إنه قال وأنا أسنّ منه. قيل: وقال الحجاج للمهلب: أنا أطول أم أنت؟ فقال: الأمير أطول وأنا أبسط قامة. قال: ووقف المهدي على امرأة من بني ثعل فقال لها: ممن العجوز؟ قالت: من طيء. قال: ما منع طيئاً أن يكون فيها آخر مثل حاتم؟ فقالت: الذي منع العرب أن يكون فيها آخر مثلك. فأُعجب بقولها ووصلها. قال: وقدم وفدٌ من العراق على عمر بن عبد العزيز، فنظر عمر إلى شابٍّ فيهم يريد الكلام، فقال عمر: أولو الأسنان أولى. فقال الفتى: يا أمير المؤمنين إن الأمر ليس بالسن ولو كان كذلك لكان في المسلمين من هو أسن منك، فقال: صدقت، تكلم. قال: يا أمير المؤمنين إنا لم نأتك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فقدمت علينا في بلادنا، وأما الرهبة فقد آمننا الله بعدلك من جورك. قال: فما أنتم؟ قال: وفد الشكر. قال: لله أنت ما أحسن منطقك! وقيل: إنه لما استوسق أمر العراق لعبد الله بن الزبير وجّه مصعب إليه وفداً، فلما قدم عليه الوفد قال: وددت أن لي بكل خمسة منكم رجلاً منهم. فقال رجل من أهل الشام: بل وددت أن لي بكل عشرة منكم رجلاً منهم. فقال رجل من أهل العراق: يا أمير المؤمنين علقناك وعلقت بأهل الشام وعلق أهل الشام آل مروان، فما أعرف لنا ولك مثلاً إلا قول الأعشى: عُلّقتها عرضاً وعلقت رجلاً ... غيري وعُلّق أخرى غيرها الرجل فما وجدنا جواباً أحسن من هذا.

стр. 198

وقيل: إنه عزم الفضل بن الربيع على تطهير بعض ولده فأتى الرشيد فقال: يا سيدي قد عزم عبدك على تطهير ولده خدمك فإن رأى أمير المؤمنين أن يزين عبده بنفسه ويصل نعمته هذه بنعمته المتقدمة ويتم سروره فعل متفضلاً على عبده متمنناً بذلك. فقال: نعم. فغدا إليه وقد أصلح جميع ما يحتاج إليه ووضعت الموائد وقعد الناس يأكلون وأقبل الرشيد يدور في داره، فرأى صبياً صغيراً أول ما نطق فقال: يا صبي أيما أحسن داركم هذه أم دار أمير المؤمنين؟ فقال: دارنا هذه أحسن ما دام أمير المؤمنين فيها فإذا صار أمير المؤمنين إلى داره فداره أحسن. فضحك منه الرشيد وتعجب من نجابته ووهب له عشر قريات ومائة ألف درهم. وقال مسلمة بن عبد الملك: ما شيء يؤتاه العبد بعد الإيمان بالله أحب إليّ من جواب حاضر، فإن الجواب إذا تعقب لم يك شيئاً. وأنشد في مثله في مالك بن أنس صاحب الفقه: يأبى الجواب فما يراجع هيبةً ... والسائلون نواكس الأذقان هذا التقي وعز سلطان التقى ... فهو المطاع وليس ذا سلطان مساوئ الجواب قيل: إنه اجتمع عند رسول الله، ﷺ ، الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، فذكر عمرو الزبرقان فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنه لمطاع في أدانيه شديد العارضة جواد الكف مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله إنه ليعرف مني أكثر من هذا ولكنه يحسدني. فقال عمرو: والله يا نبي الله إنه لزمر المروءة ضيق العطن لئيم العم أحمق الخال، والله ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى ولكني رضيت فقلت بأحسن ما أعلم وسخطت فقلت بأسوإ ما أعلم. فقال رسول الله، ﷺ : إن من البيان لسحراً. وذكروا أن الوليد بن عقبة قال لعقيل بن أبي طالب: غلبك أبو تراب على الثروة والعدد. فقال له: نعم وسبقني وإياك إلى الجنة. فقال الوليد: أما والله إن شدقيك لمتوضمتان من دم عثمان. فقال عقيل: ما لك ولقريش وإنما أنت فيهم كمنيح الميسر. فقال الوليد: والله إني لأرى لو أن أهل الأرض اشتركوا في قتله لوردوا صعوداً. فقال له عقيل: كلا ما ترغب له عن صحبة أبيك. قال: وقال المنصور لقواده: صدق القائل أجع كلبك يتبعك. فقال أبو العباس الطوسي: يا أمير المؤمنين أخاف أن يلوّح له رجل برغيف فيتبعه ويدعك. قال: وقال رجل من قريش لخالد بن صفوان: ما اسمك؟ قال: خالد بن صفوان بن الأهتم. قال: إن اسمك لكذب ما أنت بخالد، وإن أباك لصفوان وهو حجر، وإن جدك لأهتم والصحيح خير من الأهتم. فقال له خالد: من أي قريش أنت؟ قال: من بني عبد الدار من هاشم. قال: لقد هشمتك هاشم، وأمتك أمية، وجمحت بك جمح، وخزمتك مخزوم، وأقصتك قصي فجعلتك عبدها وعبد دارها تفتح إذا دخلوا وتغلق إذا خرجوا. قيل: ومرّ الفرزدق بالمربد فرأى خلف بن خليفة الشاعر، فقال للفرزدق: يا أبا فراس من القائل: هو القين وابن القين لا قين مثله ... لقطع المساحي أو لقدّ الأداهم فقال الفرزدق: الذي يقول: هو اللص وابن اللص لا لص مثله ... لقطع جدارٍ أو لطرّ دراهم قيل: ودخل أبو العتاهية على المأمون حين قدم العراق فأنشده شعراً يمدحه به، فأمر له بمال جزيل وأقبل عليه يحدثه إذ ذكر أبو العتاهية القدرية، فقال: يا أمير المؤمنين ما في الأرض فئة أجهل ولا أضعف حجة من هذه العصابة. فقال المأمون: أنت رجل شاعر وأنت بصناعتك أعلم فلا تتخطها إلى غيرها فلست تعرف الكلام. فقال: إن جمع أمير المؤمنين بيني وبين رجل منهم وقف على ما عندي من الكلام. قال ثمامة: فوجّه إليّ رسولاً، فلما دخلت قال: يا ثمامة زعم هذا أنه لا حجة لك ولا لأصحابك! قلت: فليسل عما بدا له. فقال المأمون: سله يا إسماعيل. قال: أقطعه يا أمير المؤمنين بحرف واحد.

стр. 199

قال: شأنك. فأخرج أبو العتاهية يده من كمه وحركها وقال: يا ثمامة من حرّك يدي هذه؟ قلت: حركها من أمه زانية. قال: فضحك المأمون حتى فحص برجله وتمرّغ على فراشه وقال: زعمت أنك تقطعه بكلمة واحدة! فقال أبو العتاهية: شتمني يا أمير المؤمنين. قلت: ناقضت يا عاضّ بظر أمه! قال: فعاد المأمون في الضحك حتى خفت عليه من ضحكه وشدة ما ذهب له، ثم قلت: يا جاهل تحرك يدك وتقول من حركها! فإن كنت أنت المحرك لها فهو قولي وإن تكن الأخرى فما شتمتك! فقال المأمون: يا إسماعيل عندك زيادة في الكلام؟ فإن الجواب قد مضى فيما سألت. فما نطق بحرف حتى انصرف. محاسن المسايرة قال: فيما يُحكى عن أنوشروان أنه بينا هو في مسيرة له كان لا يسايره أحد من الخلق مبتدئاً وأهل المراتب على مراتبهم، فإن التفت يميناً دنا منه صاحب الحرس وإن التفت شمالاً دنا منه الموبذ فأمره بإحضار من أراد مسايرته. فالتفت في مسيره هذا يمينه فدنا منه صاحب الحرس فقال: فلان. فأحضره. فقال: عرفت حديث أردشير حين واقع ملك الخزر؟ وكان الرجل قد سمع من أنوشروان هذا الحديث مرة فاستعجم عليه وأوهمه أنه لا يعرفه، فحدثه أنوشراون هذا بالحديث وأصغى إليه الرجل بجوارحه كلها، وكان مسيرهما على شاطيء نهر، وترك الرجل النظر إلى موطيء قوائم دابته لإقباله على حديث أنوشروان، فزلّت إحدى رجلي دابته فمالت بالرجل إلى النهر فوقع في الماء ونفرت دابته فابتدرها حاشية الملك وغلمانه حتى أزالوها عن الرجل وجذبوه من تحتها وحملوه على أيديهم، فاغتم لذلك أنوشروان ونزل عن دابته وبُسط له هناك وأقام حتى تغدّى موضعه ذلك ودعا للرجل بثياب من خاص كسوته وألقيت عليه وأكل معه. وقال: كيف أغفلت النظر إلى موطيء حافر دابتك؟ قال: أيها الملك إن الله جل وعز إذا أنعم على عبد بنعمة قابله بمحنة، وإنه جل ذكره أنعم عليّ نعمتين عظيمتين منهما إقبال الملك عليّ بوجهه من بين هذا السواد الأعظم، والأخرى هذه الفائدة وإقبال هذا الجيش الذي حدّث فيه عن أردشير، حتى لو رحلت من حيث تطلع الشمس إلى حيث تغرب فيه كنت رابحاً، فلما اجتمعت عليّ هاتان النعمتان الجليلتان في وقت واحد قابلتهما هذه المحنة، ولولا أساورة الملك وخدمه كنت بعرض هلكةٍ، ولو غرقت حتى أذهب عن جديد الأرض كان الملك قد أبقى لي ذكراً مخلداً باقياً ما بقي الضياء والظلام. فسر بذلك أنوشروان وقال: ما ظننتك بهذه المنزلة! فحشا فمه جوهراً ودراً ثميناً واستبطنه حتى غلب على أكثر أمره. وحكي عن يزيد بن شجرة الرهاوي أنه بينا هو يسير مع معاوية ومعاوية يحدثه عن خزاعة ويومها وبني مخزوم وقريش، وكل هذا قبل الهجرة وكان يوم إشراف الفريقين على الهلكة حتى جاءهم أبو سفيان فارتفع ببعيره على رايته ثم أومأ بكمه إلى الفريقين فانصرفوا، فبينا معاوية يحدث يزيد بن شجرة بهذا الحديث إذ صك وجه يزيد حجر عائر فأدماه وجعلت الدماء تسيل من وجهه على ثوبه ما يمسحه. فقال له معاوية: لله أنت! أما ترى ما نزل بك؟ قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا دم وجهك يسيل على ثوبك! فقال: أعتق ما أملك إن لم يكن حديث أمير المؤمنين ألهاني حتى غمر فكري وغطى على قلبي فما شعرت بشيء حتى نبهني له أمير المؤمنين. فقال له معاوية: لقد ظلمك من جعلك في ألف من العطاء وأخرجك عن عطاء أبناء المهاجرين وحماة أهل صفين. وأمر له بمائة ألف درهم وزاد في عطائه ألف درهم وجعله بين ثوبه وجلده. وحكي عن أبي بكر الهذلي أنه كان يساير أبا العباس السفاح إذ تحدث أبو العباس بحديث من أحاديث الفرس فعصفت الريح فرمت طستاً من سطح إلى طريق أبي العباس فارتاع من معه ولم يتحرك أبو بكر لذلك ولم تزل عينه مطابقة لعين أبي العباس. فقال له: ما أعجب شأنك يا هذا! لم ترع مما راعنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن الله جل وعز يقول: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وإنما للمرء قلب واحد، فلما غمر السرور قلبي بفائدة أمير المؤمنين لم يكن لحادث فيه مجال، وإن الله جل وعز إذا تفرد بكرامة أحد وأحب أن يبقي له ذكرها جعل ذلك على لسان نبيه أو خليفته، وهذه كرامة خصصت بها مال إليها ذهني وشغل بها فكري، فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما أحسست بها. فقال أبو العباس: لئن بقيت لك لأرفعن منك ما لا تطيف به السباع ولا تنحط عليه العقبان.

стр. 200

وحكي عن قباذ أنه ركب ذات يوم والموبذ يسايره إذ راث دابة الموبذ وفطن قباذ لذلك فغمّ ذلك الموبذ، فقال له قباذ في أول كلام مرّ: ما أول ما يستدل به على سخف الرجل؟ قال: أن يعلف دابته في الليلة التي يركب الملك في صبيحتها. فضحك قباذ وقال له: لله أنت ما أحسن ما ضمّنت كلامك بفعل دابتك! وبحق ما قدمتك الملوك وجعلت أحكامهم في يدك! ووقف ودعا له بدابة من خاص مراكبه وقال: تحول من هذا الجاني عليك إلى ظهر هذا الطائع لك. وحكي عن معاوية بن أبي سفيان أنه بينا هو يسير وشرحبيل بن السمط يسايره إذ راث دابة شرحبيل وساءه ذلك. فقال معاوية: يا أبا يزيد إنه كان يقال إن الهامة إذا عظمت دلت على وفور الدماغ وصحة العقل. قال: نعم يا أمير المؤمنين إلا هامتي فإنها عظيمة وعقلي ضعيف ناقص، فتبسم معاوية وقال: كيف ذاك لله أنت؟ قال: لإعلافي دابتي مكوكين من شعير. فتبسم معاوية وحمله على دابة من مراكبه. ويقال: إن سعيد بن سلم بينا هو يساير موسى الهادي وعبد الله بن مالك أمامه والحربة بيده فكانت الريح تسفي التراب الذي تثيره دابة عبد الله في وجه موسى وعبد الله في خلال ذلك يلحظ موضع مسير موسى فيطلب أن يحاذيه فإذا حاذاه ناله من ذلك التراب ما يؤذيه حتى إذا كثر ذلك من عبد الله قال موسى لسعيد: أما ترى ما لقينا من هذا الخائن في مسيرنا هذا؟ فقال له سعيد: والله يا أمير المؤمنين ما قصر في الاجتهاد ولكنه حرم حظ التوفيق. مساوئ المسايرة ذكر عن عبد الله بن الحسن أنه بينا هو يساير أبا العباس السفاح بظهر مدينة الأنبار وهو ينظر إلى بناء قد بناه إذ قال أبو العباس: هات ما عندك يا أبا محمد. وهو يستطعمه الحديث بالأنس منه. فأنشده: ألم تر حوشباً أمسى يبنّي ... بناءً نفعه لبني بقيله يرجّي أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كل ليله فتبسم أبو العباس وقال: لو علمنا لاشترطنا حق المسايرة. فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين بوادر الخواطر وأعقال المشايخ. قال: صدقت خذ في غير هذا. وذكر عن المدائني قال: بينا عيسى بن موسى يساير أبا مسلم في منصرفه عن أبي جعفر في اليوم الذي قتل فيه إذ أنشد: سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت ... وما حلّ في أكناف عادٍ وجرهم ومن كان أسنى منك عزاً ومفخراً ... وأنهض بالجيش اللُّهام العرمرم فقال أبو مسلم: هذا مع الأمان الذي أعطيت. فقال عيسى: عتق ما يملك إن كان هذا لشيء من أمرك وما هو إلا خاطر. قال: فبئس والله الخاطر! محاسن المسامرة قال الكسائي: دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال كثير قد شق عنه البدر شقاً وأمر بتفريقه في خدم الخاصة وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمله، وكان كثيراً ما يحدثني، فقال: هل علمت من أول من سنّ هذه الكتابة في الذهب والفضة؟ قلت: يا سيدي هذا عبد الملك بن مروان. قال: فما كان السبب في ذلك؟ قلت: لا علم لي غير أنه أول من أحدث هذه الكتابة. فقال: سأخبرك، كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانياً على دين الملك ملك الروم، وكانت تطرّز بالرومية وكان طرازها أبا وبنا وروحا قديشا. فلم يزل كذلك صدر الإسلام كله يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك فتنبه عليه وكان فطناً، فبينا هو ذات يوم إذ مرّ به قرطاس فنظر إلى طرازه فأمر أن يترجم بالعربية ففُعل ذلك فأنكره وقال: ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام أن يكون طراز القراطيس وهي تحمل في الأواني والثياب وهما تعملان بمصر وغير ذلك مما يطرّز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد على سعته وكثرة ماله وأهله تخرج منه هذه القراطيس فتدور في الآفاق والبلاد وقد طرّزت بشرك مثبت عليها! فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز بن مروان، وكان عامله بمصر، بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرّز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك وأن يأخذ صنّاع القراطيس بتطريزها بصورة التوحيد: وشهد الله أنه لا إله إلا هو. وهذا طراز القراطيس خاصة إلى هذا الوقت لم ينقص ولم يزد ولم يتغير. وكتب إلى عمّال الآفاق جميعاً بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم ومعاقبة من وُجد عنده بعد هذا النهي شيء منها بالضرب الوجيع والحبس الطويل.

стр. 201

فلما أُثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد وحمل إلى بلاد الروم منها انتشر خبرها ووصل إلى ملكهم فترجم له ذلك الطراز فأنكره وغلظ عليه فاستشاط غضباً وكتب إلى عبد الملك: إن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم ولم يزل يطرز بطراز الروم إلى أن أبطلته، فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت، وإن كنت قد أصبت فقد أخطأوا، فاختر من هاتين الخلتين أيتهما شئت وأحببت، وقد بعثت إليك بهدية تشبه محلك وأحببت أن تجعل رد ذلك الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كان يطرز من أصناف الأعلاق حاجة أشكرك عليها وتأمر بقبض الهدية. وكانت عظيمة القدر. فلما قرأ عبد الملك كتابه رد الرسول وأعلمه أن لا جواب له ولم يقبل الهدية. فانصرف بها إلى صاحبه، فلما وافاه أضعف الهدية ورد الرسول إلى عبد الملك وقال: إني ظننتك استقللت الهدية فلم تقبلها ولم تجبني عن كتابي فأضعفت لك الهدية وأنا أرغب إليك في مثل ما رغبت فيه من رد هذا الطراز إلى ما كان عليه أولاً. فقرأ عبد الملك الكتاب ولم يجبه ورد الهدية. فكتب إليه ملك الروم يقتضي أجوبة كتبه ويقول: إنك قد استخففت بجوابي وهديتي ولم تسعفني بحاجتي فتوهّمتك استقللت الهدية فأضعفتها فجريت على سبيلك الأول وقد أضعفتها ثالثة، وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه أو لآمرن بنقش الدنانير والدراهم، فإنك تعلم أنه لا ينقش شيء منها إلا ما ينقش في بلادي. ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام. فينقش عليها مِن شتم نبيك ما إذا قرأته ارفض جبينك له عرقاً، فأُحب أن تقبل هديتي وترد الطراز إلى ما كان عليه وتجعل ذلك هدية بررتني بها ونبقى على الحال بيني وبينك. فلما قرأ عبد الملك الكتاب غلظ عليه وضاقت به الأرض وقال: احسبني أشأم مولود ولد في الإسلام لأني جنيت على رسول الله، ﷺ ، من شتم هذا الكافر ما يبقى غابر الدهر ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب. إذ كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم. وجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأياً يعمل به. فقال له روح بن زنباع: إنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه. فقال: ويحك من؟ قال: الباقر من أهل بيت النبي، ﷺ ! قال: صدقت ولكنه أرتج عليّ الرأي فيه. فكتب إلى عامله بالمدينة: أن أشخص إليّ محمد بن علي بن الحسين مكرماً ومتّعه بمائتي ألف درهم لجهازه وبثلاثمائة ألف درهم لنفقته وأزح علته في جهازه وجهاز من يخرج معه من أصحابه واحتبس الرسول قبله إلى موافاته عليّ. فلما وافى أخبره الخبر فقال له عليّ: لا يعظمنّ هذا عليك، فإنه ليس بشيء من جهتين: إحداهما أن الله جل وعز لم يكن ليطلق ما يهددك به صاحب الروم في رسول الله، ﷺ ، والأخرى وجود الحيلة فيه. قال: وما هي؟ قال: تدعو في هذه الساعة بصناع يضربون بين يديك سككاً للدراهم والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد وذكر رسول الله، ﷺ ، أحدهما في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي يضرب فيها تلك الدراهم والدنانير، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهماً عدداً من الثلاثة الأصناف التي العشرة منها عشرة مثاقيل وعشرة منها وزن ستة مثاقيل وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل فتكون أوزانها جميعاً واحداً وعشرين مثقالاً فتجزئها من الثلاثين فتصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل، وتصب سنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان فتضرب الدراهم على وزن عشرة والدنانير على وزن سبعة مثاقيل. وكانت الدراهم في ذلك الوقت إنما هي الكسروية التي يقال لها اليوم البغلية لأن رأس البغل ضربها لعمر بن الخطاب، ﵀، بسكة كسروية في الإسلام مكتوب عليها صورة الملك وتحت الكرسي مكتوب بالفارسية: نوش خر، أي كل هنئياً. وكان وزن الدرهم منها قبل الإسلام مثقالاً. والدراهم التي كان وزن العشرة منها وزن ستة مثاقيل والعشرة وزن خمسة مثاقيل هي السميرية الخفاف والثقال، ونقشها نقش فارس.

стр. 202

ففعل عبد الملك ذلك. وأمره محمد بن علي بن الحسين أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام وأن يتقدم إلى الناس في التعامل بها وأن يتهددوا بقتل من يتعامل بغير هذه السكك من الدراهم والدنانير وغيرها وأن تبطل وترد إلى موضع العمل حتى تعاد على السكك الإسلامية. ففعل عبد الملك ذلك وردّ رسول ملك الروم إليه يعلمه بذلك ويقول: إن الله جل وعز مانعك مما قدرت أن تفعله، وقد تقدمت إلى عمالي في أقطار الأرض بكذا وكذا وبإبطال السكك والطراز الرومية. فقيل لملك الروم: افعل ما كنت تهددت به ملك العرب. فقال: إنما أردت أن أغيظه بما كتبت به إليه لأني كنت قادراً عليه والمال وغيره برسوم الروم، فأما الآن فلا أفعل لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام. وامتنع من الذي قال وثبت ما أشار به محمد بن علي بن الحسين إلى اليوم. قال: ثم رمى الدرهم إلى بعض الخدم وقال: عليّ بالخازن. فأقبل الخازن. فقال: ائتني بالجبل. فأتاه بحُقّ فيه خاتم ياقوت يتّقد كأنه مصباح، فقال للخادم: ضع لنا هذا على هذا الدرهم الذي معك وليكن على مقدار إصبعي. ثم قال: أتعرف هذا الخاتم؟ فقلت: لا يا سيدي. قال: إن ملك الترك كان غزا في زمن أبي مسلم سمرقند وعليها عامل له يقال له صبيح بن إسماعيل ومع ملك الترك قائد لملك الصين كان جليلاً عنده عظيم القدر بمنزلة ولي العهد أمدّه به لصهرٍ كان بينهما في سبعين ألف رجل، وإن صبيح بن إسماعيل ظفر بعسكر التركي وهزمه وغنم عامة ما فيه وأسر رجاله كافة وأسر القائد الصيني فيمن أسر فكان هذا الخاتم في إصبعه فأخذه منه وبعث به إلى أبي مسلم فبعث به أبو مسلم إلى أبي العباس فأعجب به إعجاباً شديداً ودعا له من يبصره من الجوهريين والمقومين وسألهم عن قيمته فلم يحسنوا أن يقوموه، فلم يزل مرفوعاً في خزانته إلى أن مات، فلما أخرج ما كان في خزانته من الجواهر والذخائر لتباع أُخرج هذا الخاتم فنودي عليه وطلبه المنصور وعيسى ابن موسى وتزايدا عليه فبلغ به المنصور أربعين ألف دينار وحرص على شرائه واشتدت عليه مزايدة عيسى إياه فيه، فلما رأى عيسى أن ذلك قد أغاظه أمسك عن مزايدته فاشتراه المنصور بأربعين أفل دينار، فما ظنك بشيء يشتريه المنصور بهذه الجملة في ذلك الزمان وكان الدرهم أعز من الدينار في زماننا؟ فلم يزل في خزانته إلى أن ولي المهدي فأخرجه ووهبه لي من دون أخي الهادي، وذلك أنه جعل ولايه العهد له فأرضاني عن ولاية العهد بهذا الخاتم وبأشياء أخر، فلما ولي الهادي طلب مني الخاتم فمنعته ولجّ فيه لجاجاً شديداً وبعث إليّ سعيد ابن سلم الباهلي يدعوني فعلمت لماذا يدعوني فأخذت هذا الخاتم وأخرجته من إصبعي، فلما توسطت الجسر قلت لسعيد: انظر إلى هذا الخاتم، ثم رميت به في دجلة. ومضى سعيد إلى الدار فأخبر الهادي بما كان مني. فبعث بالغواصين إلى الموضع الذي ألقيت فيه الخاتم فطلبوه أشد طلب فلم يقدروا عليه. فلما صار الأمر إلينا بعثنا بالغواصين فأخرجوه فها هوذا عندي. ثم قال: يا علي أتعبناك بذكر هذه الأموال وقد عوضناك لإصغائك إلينا بخمسين ألف درهم. فحملت بين يدي. وحكي بعد ذلك أن هذا الخاتم صار إلى المأمون فوهبه لبوران ابنة الحسن بن سهل ذي الرياستين ثم صار إلى المعتصم ثم إلى المعتز والمستعين فنقشه المستعين ثم صار كل خليفة ينقش عليه اسمه حتى نقصت قيمته، وهو الآن عند الخليفة المقتدر بالله. مساوئ المسامرة

стр. 203

علي بن محمد بن سليمان الهاشمي قال: حدثني أبي عن سليمان بن عبد الله قال: وفدت على أبي العباس، فكان يدعوني في كل ليلة مقامي عنده ويعقب بين أصحابه وأهل الأقدار والأدب ومن يحضر بابه فيسامرونه، فإذا كانت الليلة التي يحضره فيها سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة المخزومي وجدّته أم هانيء بنت أبي طالب، وكانت قد كبرت سنّه وشهد عامة سلطان بني أمية، وكانت السن قد أرعشته، فقال له: يا سعيد حدّث عن بني أمية فإنك لا تزال تحدث عنهم وعن جوهرهم. فقال: يا أمير المؤمنين حضرت الجمعة ونحن مع الوليد بن يزيد فمضينا نريد الجمعة فإذا سرادق قد ضُمّت إليه سرادقات ومدت الحجر في جنبتيه ووضع المنبر وأخذ الناس يتطوعون وينتظرون الفريضة، فلما زالت الشمس أذّن المؤذن فأذنه بالصلاة، فإذا أصوات الملاهي والمعازف والمزامير مقبلة من مضربه نحونا، فما راعنا إلا به على هذا الذي يسميه اللعابون الداربازي عليه غلالة وإزار مصبوغان بالزعفران لا يواريان عورته متشح بإزار وهو متخلق في فمه مزمار حتى أشرف علينا وهو يقول: طوط طوط. وحكاه الشيخ برعشته، فضحك أبو العباس حتى استلقى على فراشه وضرب مرافقه برجليه. محاسن الإغضاء حُكي عن بهرام جور أنه خرج يوماً لطلب الصيد فاحتمله فرسه حتى دفع إلى راعٍ تحت شجرة وهو حاقن. فقال للراعي: احفظ عليّ عنان فرسي حتى أريق ماء. فأخذ بركابه حتى نزل وقبض على عنان الفرس، وكان عنانه ملبساً ذهباً، فوجد الراعي غفلة من بهرام فأخرج من خفه سكيناً فقطع به أطراف اللجام، فرفع بهرام رأسه فنظر إليه فاستحيا ورمى بطرفه إلى الأرض وأطال الاستبراء ليأخذ الراعي حاجته من اللجام، وجعل الراعي يفرح بإبطائه عنه حتى إذا ظن أنه قد فرغ وأخذ من اللجام حاجته قال: يا راعي قدّم إليّ فرسي فإنه سقط في عينيّ شيء. وغمض عينه لئلا يوهمه أنه يتفقد حلية اللجام، فقرب الراعي منه فرسه فركبه. فلما ولى قال له الراعي: أيها العظيم كيف آخذ إلى موضع كذا وكذا مكاناً بعيداً؟ قال بهرام: وما سؤالك عن هذا الموضع؟ قال: هناك منزلي وما وطئت هذه الناحية قط غير يومي هذا ولا أراني أعود إليه أبداً. فضحك بهرام وفطن لما أراده الراعي وقال: أنا رجل مسافر وأنا أحق بأن لا أعود إلى ما ها هنا أبداً. ثم مضى، فلما نزل عن فرسه قال لصاحب مراكبه: إن معاليق اللجام وهبتها لسائل مرّ بي فلا تتهم أحداً. وحكي عن أنوشروان أنه قعد في يوم نيروز أو مهرجان ووضعت الموائد ودخل وجوه الناس وكسرى بحيث يراهم ولا يرونه. فلما فرغ الناس من الطعام وجاؤوا بالشراب في آنية الفضة وجامات الذهب فشرب الأساورة وأهل الطبقة العالية في آنية الذهب. فلما انصرف الناس ورفعت الموائد أخذ بعض أولئك القوم جام ذهب فأخفاه في قبائه وأنوشروان يلحظه فصرف وجهه عنه، وافتقد صاحب الشراب الجام فصاح: لا يخرجن أحد من الدار حتى يُفتش! فقال كسرى: لا يعرضنّ لأحد. وانصرف الناس. فقال صاحب الشرب: إنا قد فقدنا بعض آنية الذهب. فقال الملك: صدقت، أخذها من لا يردها ورآها من لا يخبرك بها. وحكي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قعد للناس في يوم عيد ووضعت الموائد وبدر الدراهم للجوائز والصلات. فجاء رجل من الجماعة فقعد على كيس فيه دنانير والناس يأكلون. فصاح به الخدم: تنحّ فليس لك هذا الموضع! فسمع معاوية وقال: دعوا الرجل يقعد حيث أحب. وأخذ الكيس وقام فلم يجسر أحد أن يدنو منه. فقال الخدم: أصلح الله الأمير! إنه قد نقص من المال كيس فيه دنانير! فقال: أنا صاحبه وهو محسوب عليّ لكم. وأحسن من هذا ما فعله جعفر بن سليمان بن عليّ وقد عثر برجل أخذ درّة رائعة ثمينة من بين يديه فطلب بعد أيام فلم يوجد فباعها الرجل ببغداد، وقد كانت وصفت لأصحاب الجوهر فأُخذ وحمل إلى جعفر، فلما رآه وبصر به استحيا منه وقال: ألم تكن طلبت هذه الدرة مني فوهبتها؟ قال: نعم. فقال: لا تعرضوا له. فباعها الرجل بألوف الدنانير. مساوئ الإغضاء قال: بعث زياد إلى رجال من بني تميم وجمع العرفاء فقال: أخبروني بصلحاء كل ناحية. فأخبروه. فاختار منهم رجالاً فضمّنهم الطريق وحدّ لكل واحد منهم حداً، فكان يقول: لو ضاع بيني وبين خراسان شيء لعلمت من أخذه. وكان يدفن النباش حياً وينزع أضلاع اللصوص.

стр. 204

قيل: وقال عبد الملك للحجاج: كيف تسير في الناس؟ قال: أنظر إلى عجوز أدركت زياداً فأسألها عن سيرته ثم أعمل بها. قال عوف الأعرابي: فأخذ والله بسيء أخلاقه وترك أحسنها. قال: واختصم إلى زياد رجلان فقال أحدهما: أصلح الله الأمير! هذا يدل عليّ بخاصة زعم أنها له منك. فقال: صدق وسأخبرك، إن كان الحق لك عليه قضيت عليه وقضيت عنه، وإن كان الحق له عليك أخذتك به أخذاً عنيفاً. محاسن التأني قال بعض الحكماء: التؤدة يمن وفي اليمن النجح. وأنشد في ذلك القطامي: قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل وقال النبي، ﷺ : من حرم الرفق فقد حرم الخير. ولأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁: اصبر على مضض الإدلاج بالسحر ... وفي الرواح على الحاجات والبكر لا تضجرنّ ولا يعجزك مطلبها ... فالنجح يتلف بين العجز والضجر إني وجدت، وفي الأيام تجربةٌ، ... للصبر عاقبةً محمودة الأثر وقلّ من جدّ في أمرٍ يحاوله ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر وقال النبي، ﷺ ، لعائشة، ﵂: عليك بالرفق فإن الرفق لا يخالط شيئاً إلا زانه ولا يفارق شيئاً إلا شانه، وخلق الله جلّ وعز السموات والأرض في ستة أيام ولو شاء جل وعز قال لها كوني فكانت، وفي المثل: رب عجلة تهب ريثاً، يقول: رب عجلة يراد بها صلاح الأمر فتفسده حتى لا يصلح إلا بعد مدة طويلة، فكأنها كانت ريثاً. وهذا قريب من قول بزرجمهر: إن شراً من التواني الاجتهاد في غير حينه. وأنشدنا ابن حمزة: الخرق شؤمٌ والأناة سعادةٌ ... فاستأن حلمك في أمورك تسلم وكان يقال: إن من الحزم الأناة والتثبيت فإن العجلة لا تزال تورث أهلها حسرة وندامة. وأنشد: الرفق يمنٌ والأناة سعادةٌ ... فاستأن في رفقٍ تلاق نجاحا مساوئ العجلة والحدة قيل: سأل المأمون أحمد بن أبي خالد عن أخلاق أبي عباد ثابت الكاتب فقال: هو يا أمير المؤمنين أحدّ من سيف سعيد بن العاص وأنزق من مجنون البكرات، قال: ما أتبين ذلك فيه. قال: لموضع الخلافة وعلى ذاك فإن حركته تحرك. فأراد المأمون أن يمتحنه فدخل عليه فعرض ما معه من الحوائج فأمره أن يوقع فيها ثم خرج. فلما صار بالباب قال: ردوه. فرجع. فقال: افعل في الأهوازيين ما قلت لك ولا تعرض فيه رقعة. قال: نعم. ثم خرج. فلما صار بالباب قال: ردوه. فأتاه الرسول فقال: ارجع. فرجع. فقال: قل لعمرو بن مسعدة أخّر أمر أبي دلف حتى آمرك بما أريد. ثم خرج. فلما صار بالباب قال: ردوه. فأتاه الرسول فقال: ارجع. فتناول الدواة وقال: الساعة والله أضرب بها وجهك القبيح يا ابن الخبيثة! قال الغلام: ما ذنبي؟ قال: ينبغي أن تقول قد ذهب إلى النار. ورجع فقال: ارفع في غدٍ فيما تعرض قصة الهاشميّين. قال: نعم. ثم قال: والله لا أرجع بعدها! فضحك المأمون حتى أمسك بطنه وقال: انطلق راشداً. قال: وقعد المأمون ذات يوم وأبو عباد يكتب بين يديه إذ دخلت شعرة بين سنّي القلم فأهوى لإخراجها بأسنانه ثم كتب فإذا هي على حالها، فأهوى إليها ثانية فقطع طرفها وبقي أصلها ثم كتب فإذا هي قد أعمّت حروفه، فأخذ القلم فاتكى عليه بأسنانه وكسره وقال: لعنك الله ولعن من يراك ولعن من أنت له! فضحك المأمون وقال: بحقّ قيل فيك ما قيل. محاسن المكافأة قال بعض الحكماء: لا يكونن سلاحك على عدوك أن تكثر سبّه وشتمه فإنك إنما تخبر عن خبره فيك وعجزك عنه، ولكن عامله بالكظم وساتره بالحيلة، فإن أقدمت أقدمت مع الفرصة وإن غلبت على الظفر لم تغلب على ستر العجز. وقيل: الأدب الصبر على كظم الغيظ حتى تملك الفرصة.

стр. 205

وقال أبو عمرو بن العلاء: لما قدم عبد الملك المدينة خطب فقال: يا أهل المدينة إنا والله ما نحبكم ما ذكرنا ما فعلتم بنا ولا تحبّونا ما ذكرتم ما فعلنا بكم! وإنما مثلنا ومثلكم كمثل حية كانت في جحر إلى جنبها خباء رجل فوثبت عليه فلسعته فقتلته فجاء أخو المقتول يطلب بثأر فقالت له الحية: لا تقتلني حتى أؤدي إليك دية أخيك. ففارقها على ذلك وعاهدها فكانت تؤدي إليه في كل يومين مالاً، فلما استوفى أكثر الدية قال: والله لو قتلتها كنت قد أدركت ثأري وأخذت الدية. فعمل فأساً وحددها، فلما خرجت إليه أهوى إليها بالفأس فأخطأها ورجعت إلى جحرها فأُسقط في يده. فقالت: والله ما الثأر أدركت ولا الدية استوفيت! فقال: تعالي أعاقدك أن لا ينداك مني مكروه حتى أستوفي منك الدية. فقالت: أما ما رأيت قبر أخيك تجاهك وذكرت أنا الضربة فلن أثق بك ولن تثق بي. ثم أنشده: ألا هل لنا مولىً يحب صلاحنا ... فيعذرنا من مرة المتناصره وأنشد في مثله: ظلمت الناس فاعترفوا بظلمي ... فتبت فأزمعوا أن يظلموني فلست بصابرٍ إلا قليلاً ... فإن لم ينتهوا راجعت ديني ولآخر: إياك من ظلم الكريم فإنه ... مرُّ مذاقته كطعم العلقم إن الكريم إذا رآك ظلمته ... ذكر الظلامة بعد نوم النُّوَّم فجفا الفراش وبات يطلب ثأره ... أنفاً وإن أغضى ولم يتكلم محاسن الشدة ذكروا أن جندب بن العنبر كان شديد البأس وأن عوانة بن زيد عيّره يوماً فقال: هل يسود الفتى إذا قبح الوج ... هـ وأمسى تراه غير عتيد وإذا ما تكلم القوم يوماً ... في الندى قال قولاً غير سديد وكان جندب فيه دمامة مع إمساك غير أنه كان ليثاً في الحرب، فأجابه: ليس زين الفتى الجمال ولكن ... زينه الضرب بالحسام التليد وكان جندب عائفاً فقال: والله لا تموت حتى تنصر عليك ظعينة. وإن عوانة خرج يوماً يتصيد على فرسه ومعه قوسه فسار غير قليل إذ عرضت له جارية قد حملت وطباً من لبن فهمّ بها فدنا فقال: تمكّنيني طائعة أو تُقهرين؟ فقالت: لا إحداهما. فنزل إليها فأخذت ساعديه بإحدى يديها فما زالت تعصرهما حتى تركتهما وما يستطيع أن يحركهما ثم كتفته بوتر قوسه وشدت حبل الفرس في جيده ثم قالت: خذ بنا نحو محلة جندب. فمرّ يقود الفرس في جيده حبل. فلما قارب الحي بصر بجندب مقبلاً فناداه: أيها المرؤ الكريم انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً! فذهب مثلاً، فأطلقه. ومنهم كليب بن شؤبوب الأزدي كان أخبث أهل زمانه في قطع الطريق وحده، وكان كثير الغارة على طيء، فدعا حارثة بن لأم الطائي رجلاً من قومه يقال له عبرم، وكان شجاعاً، فقال له: أما تستطيع أن تكفينا هذا؟ قال: نعم. فأرسل العيون حتى علم مكانه فانطلق إليه حتى وجده نائماً في ظل أراكة وفرسه مشدودٌ عنده، فنزل عبرم ورجل معه فمشيا حتى أخذ كل واحد منهما بإحدى يديه، فانتبه ونزع يده اليمنى فقبض على حلق صاحب اليسرى وهو عبرم فما زال يخنقه حتى قتله. وقد كان أعدّ قوماً فلحقوه وهم عشرة فوجدوه قتيلاً، وأخذوا كليباً فكتفوه وساقوه، وأنشأ خوذة بن عبرم يرثي أباه ويقول: إلى الله أشكو أن أؤوب وقد ثوى ... قتيلاً وأودى سيد القوم عبرم فمات ضياعاً هكذا بيد امريءٍ ... لئيمٍ فلو أدمي لما كنت أثلم ولكن ثوى لم يكلم السيف جيده ... ولا ناله رمحٌ ولم يرق الدم فأنت ابن شؤبوبٍ فيا لهفتا له ... وما جزّ من أظفاره منك أكرم سأسقيك قبل الموت كأساً مزاجها ... ذعافٌ من السم النقيع وعلقم فأجابه كليب: أخوذة إن تفخر وتزعم بأنني ... لئيمٌ ويأبى لي قتالي عبرم فأقسم بالبيت المحرم من منىً ... وبرّ يميني صادقاً حين أقسم لضبٌّ بقفرٍ من قفارٍ وضبعةٍ ... خموعٌ ويربوع الفلا منك أكرم ألا عجباً من فخر هذا وأمه ... سواديةٌ والجد علجٌ مكدّم أتوعدني بالمنكرات وإنني ... صبور على ما ناب جلد مصمم

стр. 206

واعلم أني ميتٌ لا محالةً ... فلا جزعاً إن كنت ذلك تعلم فأراد خوذة قتله فمنعه أصحابه حتى يذهبوا به إلى حارثة. فلما انتهوا إليه قال له حارثة: يا كليب أنت أسير. فقال: من ير يوماً ير به! فذهبت مثلاً. فدفعه إلى خوذة فخنقه حتى مات. ومنهم هدبة بن خشرم قتل ابن عم له يسمى زيادة بن زيد فحبس ليقاد به، فلم يزل محبوساً حتى شبّ ابن المقتول فدخل عليه السجن وهو يلاعب صاحباً له بالشطرنج فقيل له: قم إلى القتل! فقال: حتى أفرغ من لعبتي. فلما فرغ خرج وجعل يهرول. فقيل له: ما بالك تأتي الموت هكذا؟ فقال: لا آتيه إلا شداً. فلقيه عبد الرحمن بن حسان فقال: أنشدني. فأنشده: ألا عللاني قبل نوح النوائح ... وقبل اطلاع النفس بين الجوانح وقبل غدٍ يا لهف نفسي على غدٍ ... إذا راح أصحابي ولست برائح إذا راح أصحابي وخُلّفت ثاوياً ... بداويةٍ بين المتان الضحاضح قال: ثم أقعد ليقاد فنظر إلى أبويه فقال: أبلياني اليوم صبراً منكما ... إن حزناً منكما بادٍ لشرّ لا أرى ذا الموت يبقي أحداً ... إن بعد الموت دار المستقرّ ثم نظر إلى امرأته فقال لها: لا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا وكوني حبيساً أو لأروع ماجدٍ ... إذا ضنّ أغساس الرجال تبرُّعا فمالت زوجته إلى جزار فأخذت مديته فقطعت بها أنفها وجاءته مجدوعة فقالت: أتخاف أن يكون بعد هذا نكاح؟ فرسف في قيوده وقال: الآن طاب الموت. فلما قُدّم ليقاد بابن عمه وأخذ ابن زيادة السيف فضوعفت له الدية حتى بلغت مائة ألف درهم، فخافت أم الغلام أن يقبل ابنها الدية ولا يقتله فقالت: أعطي الله عهداً لئن لم تقتله لأتزوجنه فيكون قد قتل أباك ونكح أمك! فقتله. قال: ولما واقع طلحة والزبير عثمان بن حنيف عامل علي بن أبي طالب، ﵁، على البصرة خرج حكيم بن جبلة العبدي فشدّ عليه رجل من أصحاب طلحة فقطع رجله، فزحف إلى رجله حتى أخذها ورمى بها قاطعها فقتله، ويقول: يا رجل لا تراعي، فإن معي ذراعي. ثم حبا إلى المقتول فاتكأ عليه. فقيل له: يا حُكيم من ضربك؟ فقال: وسادتي. وعن معاذ بن الجموح قال: سمعت الناس يوم بدر يقولون: أبو الحكم لا يخلصنّ إليه. يريدون أبا جهل. فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطننت قدمه بنصف ساقه، فوالله ما شبّهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضحة النوى. قال: وضربني عكرمة بن أبي جهل على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي فأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها حتى طرحتها. قيل: ولما حمل رأس محمد بن عبد الله بن الحسن إلى المنصور من مدينة الرسول، عليه وعلى آله السلام، قال لمطير بن عبد الله: أما تشهد أن محمداً بايعني؟ قال: أشهد بالله لقد أخبرتني أن محمداً خير بني هاشم وأنك بايعت له. قال: يا ابن الزانية أنا قلت؟ قال: الزانية ولدتك. قال: يا ابن الزانية الفاعلة أتدري ما تقول؟ قال: التي تعني خير من أمك. فأمر به فوتّد في عينيه فما نطق. قيل: وقدم أعرابي على عمر بن الخطاب، ﵁، يستحمله فقال: خذ بعيراً من إبل الصدقة. فنظر إلى بعير منها فتعلق بذنبه ونازعه البعير فاقتلع ذنبه. فقال عمر: هل رأيت أشدّ منك؟ قال: نعم، خرجت بامرأة من أهلي أريد بها زوجها فنزلت منزلاً أهله خلوف، فدنوت من الحوض فإذا رجل قد أقبل ومعه ذود له فصرف ذوده إلى الحوض وأقبل نحو المرأة ولا أدري ما يريد، فلما قرب منها ساورها فنادتني فلما انتهيت إليه كان قد خالطها فجئت أدفعه فأخذ رأسي فوضعه بين ذراعه وجنبه فما استطعت أن أتحرك حتى قضى ما أراد، ثم قام فاضطجع وقالت: نعم الفحل هذا لو كانت لنا منه سخلة. فأمهلت حتى امتلأ نوماً ثم قمت إليه فضربت ساقه بالسيف فأطننتها، فوثب فهربت وغلبه الدم فرماني بساقه فأخطأني وأصاب بعيري فقتله. فقال عمر: فما فعلت المرأة؟ فقال: هذا حديث الرجل. فكرر عليه مراراً كل هذا يقول هذا حديث الرجل.

стр. 207

عمر بن شبّة النميري أبو زيد قال: كان علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم أجمعين، من آل الأفطس وكان يلقب بالجزري، فتزوج رقية بنت عمرو العثمانية وكانت تحت المهدي، فبلغ ذلك الهادي فأرسل إليه فحمله وقال: أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين! فقال: ما حرم الله على خلق إلا نساء جدي، ﷺ ، فأما غيرهن فلا ولا كرامة. فشجه بمخصرة كانت في يده وأمر بضربه خمس مائة سوط وأراد على أن يطلقها فلم يفعل، فحمل من بين يديه في نطع فألقي ناحية، وكان في يده خاتم سريّ فرآه بعض الخدم وقد غشي عليه فأهوى إلى الخاتم، فقبض على يد الخادم فدقّها، فصاح: الموت دقّ يدي! فسمعه الهادي فدعاه فرأى ما به فاستشاط فقال: تفعل هذا بخادمي مع استخفافك بي وقولك لي؟ قال: قل له وسله ومره أن يضع يده مرة على رأسك ليصدقنّ. ففعل ذلك موسى فصدقه الخادم. فقال: أحسن والله! أنا أشهد أنه ابن عمي، لو لم يفعل ذلك لانتفيت منه. وأمر بإطلاقه ووصله بمائة ألف درهم. قيل: وخطب علي بن أبي طالب، ﵁، فقال: تقول قريش جزع ابن أبي طالب من الموت، والله لعلي آنس بالموت من الطفل بثدي أمه. قيل: ولما كان في حرب صفين والناس في أشد ما يكون من الحرب قال علي: رضوان الله عليه: ألا ماء فأشتريه؟ فأتاه شاب من بني هاشم بشربة من عسل، فتناوله وقال: يا فتى عسلك هذا طائفيّ. قال: سبحان الله! في هذا الوقت تعرف الطائفي من غيره! فقال: إنه لم يملأ صدر ابن عمك شيء قط. وحكي عنه، رضوان الله عليه، أنه قال: ما أبالي وقعت في الموت أو وقع الموت عليّ. حدثنا الوضاحي عن معمر بن وهيب قال: قال عبد الملك بن مروان عند موته للوليد وهو يبكي عند رأسه: ما هذا البكاء وحنين النساء ثكلتك أمك! ألا تتأهب للخلافة بشدة سطوتك وقلة رحمتك لناقض بيعتك وتجريد سيفك للمبدي ذات طويته؟ فقال له قبيصة بن ذؤيب: ليس هذا أمر الله جل وعز. فقال: ما كنت لآمر بغيره. ثم قال: بنو الحرب لا نعيا بشيءٍ نريده ... ولسنا على ما أحدث الدهر نجزع جلادٌ على ريب الزمان فلن ترى ... على هالكٍ عيناً لنا الدهر تدمع وأنشدنا غيره في مثله: وإنا لقومٌ ما تفيض دموعنا ... على هالكٍ منا وإن قصم الظهرا ولسنا كمن يبكي أخاه بعبرةٍ ... فيعصرها من جفن مقلته عصرا ولكننا نشفي الفؤاد بغارةٍ ... تلهّب من قطري جوانبه جمرا ولآخر في مثله: سقياً ورعياً وإيماناً ومغفرةً ... للباكيات علينا يوم نرتحل يبكي علينا ولا نبكي على أحدٍ ... لنحن أغلظ أكباداً من الإبل ولآخر في نحوه: إذا استلب الخوف الرجال قلوبها ... صبرنا على الموت النفوس الغواليا حذار الأحاديث التي غبّ يومها ... عقدن بأعناق الرجال المخازيا ولآخر في مثله: مقتَّلون وقتّالون ميتتهم ... كما تُقتّل أسد الغاب في الأجم والقتل عادتهم والقتل مكرمةٌ ... ولا يموتون من داءٍ ولا هرم وبالوجوه جراحٌ ما تشينهم ... وما بهم طعنةٌ في ظهر منهزم ولآخر في مثله: سدِكت أنامله بقائم سيفه ... وبنشر فائدةٍ وذروة منبر ما إن يزال إذا الرماح شجرنه ... متسربلاً سربال طيب العنصر يلقى الرماح بصدره وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر أوما إلى الكوماء هذا طارقٌ ... نحرتني الأعداء إن لم تُنحر وللمأمون: نحن الذين إذا تخمّط عصبةٌ ... من معشرٍ كنا لها أنكالا وترى القروم مخافةٌ لقرومنا ... قبل اللقاء تقطّر الأبوالا نرد المنية لا نخاف ورودها ... تحت العجاجة والعيون تلالا نعطي الجزيل فلا نمنّ عطاءنا ... قبل السؤال ونحمل الأثقالا وإذا البلاد على العباد تزلزلت ... كنا لزلزلة البلاد جبالا مساوئ الجبن

стр. 208

قيل في المثل: هو أجبن من هجرس، وهو القرد، وذلك أنه لا ينام إلا في يده حجر مخافة أن يأكله الذئب. وحدثنا رجل بمكة قال: إذا كان الليل رأيت القرود تجتمع في موضع واحد ثم تبيت مستطيلة واحداً في إثر واحد في يد كل واحد منها حجر لئلا ترقد فيأتيها الذئب فيأكلها، فإن نام واحد وسقط الحجر من يده فزعت فتحول الآخر فصار قدّامها فلا تزال كذلك طول الليل فتصبح وقد صارت من الموضع الذي باتت فيه على ثلاثة أميال وأقل وأكثر جبناً. وقيل أيضاً: هو أجبن من صافر، وهو طائر يتعلق برجليه وينكس رأسه ثم يصفر ليلته كلها خوفاً من أن ينام فيؤخذ. ويقال أيضاً: إن الصافر هو الذي يصفر لريبة. وذكروا أن رجلاً كان يأتي امرأة وهي جالسة مع بنيها وزوجها فيصفر لها فتقوم وتُخرج عجزها من وراء الباب وهي تحدث ولدها فتقضي حاجتها وحاجته وينصرف. فعلم بذلك بعض بنيها فغاب عنها يومها ثم جاء في ذلك الوقت وصفر ومعه مسمار محمىً، فلما جاءت لعادتها كواها به، فجاء الرجل بعد ذلك فصفر فقالت: قد قلينا صفيركم، فضربه الكميت مثلاً في قوله: أرجو لكم أن تكونوا في مودتكم ... كلباً كورهاء تقلي كلّ صفار لما أجابت صفيراً كان يألفها ... من قابسٍ شيّط الوجعاء بالنار وقيل أيضاً: هو أجبن من المنزوف ضرطاً، وكان من جبنه أن نسوة من العرب لم يكن لهن رجل فتزوجت واحدة منهن برجل كان ينام إلى الضحى فإذا أتينه بصبوحه قلن له: قم فاصطبح، فيقول: لو لعادية تنبهنني، فقلن: هذه نواصي الخيل. فجعل يقول: الخيل الخيل! ويضرط حتى مات، فضرب به المثل. قيل: وخرج رهم بن خشرم الهلالي ومعه أهله وماله يريد النُّقلة من بلد إلى بلد، فلقيه قوم من بني تغلب فدهش ورعب رعباً شديداً فقال: يا بني تغلب شأنكم المال وخلّوا عن الظعينة. فقالوا: رضينا إن ألقيت الرمح. فرجع إليه عقله وقال: أومعي رمح! وحمل عليهم فقتل منهم رجلاً ثم صرع آخر وأنشأ يقول: ردّا على آخرها الأتاليا ... إن لها بالمشرفي حاذيا ذكرتني الطّعن وكنت ناسيا فانهزم الباقون ونجا هو بالمال والظعينة ومرّ نحو وطنه سالماً. قيل: وكان في بني ليث رجل جبان فخرج رهطه وبلغ ذلك ناساً من بني سُليم كانوا أعداءهم فلم يشعر الرجل إلا بخيل قد أحاطت بهم فذهب يفرّ فلم يجد مفراً ووجدهم قد أخذوا عليه كل وجه، فلما رأى ذلك جلس ثم أبرز كنانته وأخذ قوسه وقال: ما علّتي وأنا جلدٌ عابل ... والقوس من نبعٍ لها بلابل يرنّ فيها وترٌ عنابل ... إن لا أقاتلكم فأمّي هابل أكُلّ يومٍ أنا عنكم ناكل ... لا أطعن القوم ولا أقاتل الموت حقٌّ والحياة باطل فقاتلهم فانهزموا فصار بعد ذلك أشجع قومه. قيل: وخرج أبو دلامة مع روح بن حاتم إلى بعض الحروب، فلما التقى الجمعان قال أبو دلامة لروح: أصلح الله الأمير! لو أن تحتي فرساً من خيلك وفي وسطي ألف دينار لأشجيت أعداءك نجدة وإقداماً. فقال روح: ادفعوا إليه ذلك. فدفع إليه فلما أخذه أنشأ يقول: إني أعوذ بروحٍ أن يقدمني ... إلى القتال فيشقى بي بنو أسدٍ إن المهلب حبَّ الموت أورثكم ... ولم أرث نجدةً في الموت من أحد فأجابه روح: هون عليك فلن أريدك في الوغى ... لتطاعنٍ وتنازلٍ وضراب كن آخراً في القوم تنظر واقفاً ... فإن انهزمت مشيت في الهراب فأجابه أبو دلامة: هذي السيوف رأيتها مشهورةً ... فتركتها ومضيت في الهرّاب ماذا تقول لما يجيء ولا يرى ... من بادرات الموت من نشّاب فضحك روح فأعفاه وانصرف.

стр. 209

وحدثني أبو مالك عبد الله بن محمد قال: لما توفي أبو العباس السفاح دخل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور والناس عنده يعزونه فقال: يا أمير المؤمنين كان أبو العباس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوباً وهو مريض فلم أقبضها. فقال المنصور للخازن: ادفعها إليه وسيره إلى هذا الطاغية، يعني عبد الله بن عليّ. فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن أخرج معهم فإني والله مشؤوم! فقال: لعله يغلب شؤمك فاخرج مع العسكر. فقال: والله ما أحب لك يا أمير المؤمنين أن تجرّب ذلك فإني لا أدري على أي الفريقين يكون. فقال أبو جعفر: دعني من هذا ما نريد غير المسير. فقال: يا أمير المؤمنين والله لأصدقنك، إني شهدت تسعة عساكر كلها هزمت فأنا أعيذك بالله أن تكون العاشر. فاستفرغ أبو جعفر ضحكاً وأمره أن يتخلف. قال: وقيل لجبان: انهزمت فغضب عليك الأمير. فقال: يغضب عليّ الأمير وأنا حيّ أحبّ إليّ من يرضى عني وأنا ميت. قال: وقيل لبعض المجّان: ما لك لا تغزو؟ فقال: والله إني لأبغض الموت على فراشي فكيف أمرّ إليه ركضاً! قال: وقال الحجاج لحميد الأرقط وقد أنشده قصيدة يصف فيها الحرب: يا حميد هل قاتلت قط؟ قال: لا أيها الأمير إلا في النوم. قال: وكيف كان وقعتك؟ قال: انتبهت وأنا منهزم. وقال عمرو بن بحر الجاحظ: سمعت بلالاً يحكي عن أصحابه أن رئيسهم كان يسمى ابريقياء وأنهم خرجوا في سفر فإذا بعشرة نفر من اللصوص قد تعرّضوا لهم، قال: وكان أشدّ أصحابنا والمنظور إليه منا فتىً يقال له دومني بطل شديد لا يهوله شيء مطاعن مسابق، فحمل على رجل منهم فعطف عليه الرجل فقطع أنف دومني ونزع خصييه وكسر أسنانه فرجع منهزماً، فغاظني ذلك فوثبت وأخذت كسائي وطويته بطاقين ولففته على يديّ وأخذت عصاي وأخذ آخر ملحفة والدته فلفها على ذراعيه وأخذ آخر طبقاً كبيراً من أطباق الفاكهة فستر به وجهه وخرجنا وتقدم رئيسنا ابريقياء وقد لفّ على يده قطيفة وهو يقول: إن تنكروني فأنا ابن كلب فقال له بعض اللصوص: ما ننكر ذلك عليك. فشدّ عليه ابريقياء بأسفل دنٍّ كان معه فلم يُحِك فيه، فأخذ اللص أسفل الدن فرمى به ابريقياء فهشم وجهه وكسر أسنانه، وتنحّى ابريقياء وأقبل منا آخر يسمى لقوة وأنشأ يقول: إن عصايَ فاعلموا مقيّره ... أضرب بها وجه اللصوص الكفره ثم شد على واحد منهم فضرب مفرق رأسه فلم يحك فيه واستلب العصا منه وطلاه بها طلياً فإذا هو قد خلع منكبه وكسر أضلاعه وبقي لا يحلّي ولا يُمرّ. ثم أقبل فتى من أصحابنا وفي يده مجرفة وهو يقول: أنا ابن الكهل في يدي مجرفه ... والله لو كان بكفّي مغرفه وهي لعمري قد كستني ملحفه ... والدتي كريمةٌ منظفه قتلتكم فكيف عندي مجرفه فضرب بالمجرفة واحداً من اللصوص فأخطأه وعطف عليه اللص فأخذها من يده ثم ضربه بها ضربة فدار سبع مرات وسقط وقد غشي عليه. فلما رأيت ذلك عدت إلى الطعان وأنا أقول: أنا فلان سيد الفتيان ... أنا ابن حمران فتى الميدان أحلف بالله وبالفرقان ... لأضربنّ القوم بالمميان ضرب غلامٍ ماجدٍ كشحان ... والعجز منسوبٌ إلى الجبان فأشدّ على واحد منهم فأضرب كفيه، فوثب قبل أن تصل إليه الضربة فضربني فهشم أنفي وكسر أسناني وخررت مغشياً عليّ ثم فتحت عيني فلم أر منهم أحداً ولا أدري كيف أخذوا، فالحمد لله على الظفر. ما قيل في ذلك من الشعر ما أحسن الضربة في وجهه ... إن لم تكن رمحة برذون ولآخر: ويحسبها الشجاع قراع سيفٍ ... ويحسبها الجبان قراع ثور ولآخر: جبان اللقاء وعند الخوا - ن أمضى وأشجع من رستم فلو كنت تفعل ذا في الحروب ... أغرت على الترك والديلم كاتب الحسن بن زيد: ظلت تشجعني ضلاًّ بتضليل ... وللشجاعة خطبٌ غير مجهول هاتي شجاعاً بغير القتل مصرعه ... أوجدك ألف جبان غير مقتول الحرب توسع من يصلى بها حرباً ... يُتم البنين وإثكال المثاكيل واسم الوغى اشتُقّ من غوغاء تبصرها ... يغدون للموت كالطير الأبابيل

стр. 210

والله لو أن جبريلاً تكفل لي ... بالنصر ما خاطرت نفسي بجبريل هل غير أن يعذلوني أنني فشلٌ ... فكلّ هذا نعم فاغروا بتعذيلي إن أعتذر من فراري في الوغى أبداً ... فكان ذلك عذراً غير مقبول اسمع أخبرك عن بأسي بذي سلمٍ ... خلاف بأس المساعير البهاليل لما بدت منهم نحوي عشوْزنةٌ ... تشرّع الموت في عرضي وفي طولي فقلت: ويحكم لا تذهبوا جلدي ... رمحي كسيرٌ وسيفي غير مسلول لما اتقيتهم طوراً بذات يدٍ ... وانصعت أطوي الفر ميلاً إلى ميل الله خلّصني منهم وفلسفتي ... حتى تخلّصت مخضوب السراويل ولآخر: أضحت تشجعني هندٌ وقد علمت ... أن الشجاعة مقرونٌ بها العطب لا والذي حجّت الأنصار كعبته ... ما يشتهي الموت عندي من له أرب للحرب قومٌ أضلّ الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى حوماتها وثبوا ولست منهم ولا أهوى فعالهم ... لا القتل يعجبني منهم ولا السلب قطرب النحوي: ما لي وما لك قد كلّفتني شططاً ... حمل السلاح وقول الدّارعين قف أمن رجال المنايا خلتني رجلاً ... يمسي ويصبح مشتاقاً إلى التلف تمشي المنون إلى غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها عاري الكتف هل خلت أن سواد الليل غيّرني ... وأن قلبي في جنبي أبي دلف محاسن النظر في المظالم قال: دخل رجل في جماعة من الناس على سليمان بن عبد الملك وهو جالس للعامة فقال: يا سليمان أذكّرك يوم الأذان. قال: فارتاع لما دعاه باسمه وقال: ويحك وما يوم الأذان؟ قال: قول الله جل ذكره: " فأذّن مؤذنٌ بينهم أن لعنة الله على الظالمين ". فبكى سليمان وقال له: ما حاجتك؟ فقال: أنا جار في ضيعتك الفلانية وقد ظلمني وكيلك فأضرّ ذلك بي وبعيالي. قال: قد وهبت لك الضيعة. وكتب إلى وكيله بتسليمها إليه. قيل: وقدم رجل من حلوان مصر على عمر بن عبد العزيز، ﵀، فقال: يا أمير المؤمنين إن والدك وليَ بلادنا فكتب إلى عبد الملك يخبره أن حلوان صافية وهي أرض خراج فأقطعها إياه فورثتها أنت وإخوتك فاتق الله ولا تظلمنا كما ظلمنا أبوك فإنه كان شيخاً ضعيف الخرج وأنت رجل مخرج. فقال عمر: إن كان أبي كما ذكرت فهو أبي لا أبوك، نازعني منازعة جميلة ولا تشتم عرضي فإن لي فيها شركاء إخوة وأخوات لا يرضون أن أقضي فيها بغير قضاء قاضٍ، أقوم معك إلى القاضي فإن قضى لي اصطبرت وإن قضى لك سلّمت. قال: إن قمت معي إلى القاضي فقد أنصفتني. فقاما جميعاً إلى القاضي فقعدا بين يديه، فتكلم عمر بحجته وتكلم الرجل، فقضى القاضي للرجل. فقال عمر: إن عبد العزيز قد أنفق عليها ألف ألف درهم. فقال القاضي: قد أكلتم من غلتها بقدر ذلك. فقال عمر: وهل القضاء إلا هذا؟ لو قضيت لي وما وليت لي عملاً أبداً. فخرج إلى الرجل من حقه. قال: ودخل نفر من القراء وفيهم رجل ذكر ظلامة له على عمر فقال: يا أمير المؤمنين اذكر مقامي هذا فإنه مقام لا يشغل الله جل وعز عنه كثرة من تخاصم إليه من الخلائق يوم تلقاه بلا ثقة من العمل ولا براءة من الذنوب. فقال عمر: ويحك اردد كلامك! فرده عليه، فجعل يبكي وينتحب حتى إذا أفاق قال: ما حاجتك؟ قال: عاملك على أذربيجان ظلمني وأخذ من مالي عشرة آلاف درهم، فكتب بردّ ذلك عليه وبعزل عامله وقال: انظروا هل اخلولق له من ثوب أو تقطّع له من حذاء. فحسب ذلك فبلغ عشرين ديناراً فأمر بدفعها إليه. قال: وبينا عمر، ﵀، يسير على بغلته إذ جاء رجل فتعلق بلجامها فقال: أتيتك بعيد الدار مظلوماً! قال له: من أين أنت؟ قال: من حضرموت أرضي وأرض آبائي أخذها الوليد وسليمان فأكلاها. فنزل عمر عن بغلته يبكي حتى جلس على الأرض ثم قال: من يعلم ذلك؟ قال: أهل البلد قاطبة.

стр. 211

قال: يكفيني من ذلك شاهداً عدلٍ، اكتبوا له إلى بلاده إن أقام شاهدي عدلٍ أن الأرض له ولآبائه فادفعوها إليه. فلما ولى الرجل قال: انظروا هل هلكت له راحلة أم نفد له زاد أو تخرّق له من حذاء. فحسبوا ذلك فبلغ ثلاثين ديناراً فأُتي بها فعُدّت في يده. قال ابن عياش: وخرج عمر ذات يوم من منزله على بغلة له وعليه قميص وملاءة إذ جاء رجل على راحلة حتى أناخها وسأل عن عمر فقيل له: قد خرج وهو راجع الآن. فأقبل عمر ومعه رجل يسايره، فقيل للرجل: هذا أمير المؤمنين. فقام فشكا إليه عدي بن أرطاة في أرض له، فقال عمر: قاتله الله! أما والله ما غرنا إلا بعمامته السوداء، أما إني قد كتبت إليه فضلاً عن وصيتي إن من أتاك ببينة على حق له فسلمه إليه، ثم قد عنّاك إليّ. فكتب إلى عديّ بردّ أرضه وقال للرجل: كم أنفقت؟ قال: تسألني عن نفقتي وقد رددت عليّ أرضاً هي خير من مائة ألف درهم! قال: إنما ردها عليك حقك، أخبرني كم أنفقت؟ قال: ما أدري. قال: احرزوه، فإذا هو ستون درهماً، فأمر له بها من بيت المال، فلما ولّى صاح به فرجع فقال: وهذه خمسة دراهم من مالي فكل بها لحماً حتى تبلغ. الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت قال: أخبرني دهقان السيلحين قال: كان لسعيد بن مالك إلى جنبي ضيعة وكان رجلاً حديداً فأتيته فقلت له: أعدني على نفسك. فأمر بي فوُجئت في عنقي، فقلت: لأرحلن إلى عمر. فدخلت على امرأتي فأعلمتها ذلك فقالت: إني أخاف أن لا تصنع شيئاً ويجتريء عليك. فقلت: إني أكره أن تحدث العجم بأني قلت شيئاً لم أفعله. قال: فخرجت حتى قدمت المدينة فسألت عن عمر، ﵀، فدُللت عليه وأُرشدت إليه. فلما أتيت منزله دخلت فإذا عمر، ﵁، جالس على عباءة، فرفع رأسه إليّ وقال: كأنك لست من أهل الملة. فقلت: أنا رجل من أهل الذمة. قال: فما حاجتك؟ قلت: لسعيد بن مالك ضيعة إلى جانبي وإني أتيته أستعديه على نفسه فأمر بي فوُجئت في عنقي فقلت لأرحلنّ إلى عمر. فقال: يا يرفا ائتني بالدواة والمكتب. فأتاه بجراب، فأدخل يده وأخرج صحيفةً فكتب فيها، ثم أخرج سيراً يشدّها به فلم يقدر عليه فتناول خيطاً من العباءة التي تحته وقد تنشّرت جوانبها فشدّها به، فأردت أن لا آخذها ثم تناولتها متثاقلاً، فكأنه عرف ما في نفسي فقال: ائته فإن كفاك وإلا فأقم واكتب إليّ. قال: فخرجت حتى قدمت على أهلي فقالوا: ما صنعت؟ قلت: أتيت رجلاً لم يقدر على سير يشدّ به صحيفته حتى تناول خيطاً من عباءة كانت تحته قد تفزّزت وتنشّرت جوانبها فشدّها به. قالوا: وما عليك من ذلك إن نفذ أمره؟ قال: فأتيت سعيداً فناولته الكتاب، فلما قرأه أُرعدت فرائصه حتى سقط الكتاب من يده وقال: ويلك ما صنعت؟ اذهب فالأرض لك. فقلت: لا أقبلها. فقال: لا والله لا أخذتها أبداً. قال: وكان نسخة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحمن. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى سعيد بن مالك. سلام عليك. أما بعد فإن مهرزاد دهقان السيلحين ذكر أن له ضيعة إلى جانبك وأنه أتاك يستعديك على نفسك فأمرت به فوجئت عنقه فإذا جاءك كتابي هذا فأرضه من حقه وإلا فأقبل إلي راحلاً، والسلام. قيل: ولما ولي المأمون الخلافة عرضت عليه سيرة أبي بكر، ﵀، وفي آخرها: وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها. فقال: أمير المؤمنين لا يطيق ذلك. ثم عُرضت عليه سيرة عمر، ﵁، وفي آخرها: وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها فقال: أمير المؤمنين لا يطيق هذا. ثم عُرضت عليه سيرة عثمان، ﵀، وفي آخرها: وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها. فقال: أمير المؤمنين لا يطيق هذا. ثم عرضت عليه سيرة علي، ﵁. وفي آخرها: وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها. فقال: أمير المؤمنين لا يطيق هذا. ثم عرضت عليه سيرة معاوية بن أبي سفيان وفي آخرها: وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها كيف شاء. فقال: إن كان فهذا.

стр. 212

وأخبرنا بعض أصحابنا قال: شهدت المأمون يوماً وقد خرج من باب البستان ببغداد فصاح به رجل بصريّ: يا أمير المؤمنين إني تزوجت بامرأة من آل زياد وإن أبا الرازي فرّق بيننا وقال هي امرأة من قريش. قال: فأمر عمرو بن مسعدة فكتب إلى أبي الرازي: إنه قد بلغ أمير المؤمنين ما كان من الزيادية وخلعك إياها إذ كانت من قريش، فمتى تحاكمت إليك العرب لا أم لك في أنسابها، ومتى وكلتك قريش يا ابن اللخناء بأن تُلصق بها من ليس منها؟ فخلّ بين الرجل وامرأته، فلئن كان زياد من قريش إنه لابن سمية بغي عاهرةٍ لا يفتخر بقرابتها ولا يتطاول بولادتها، ولئن كان ابن عبيد لقد باء بأمر عظيم إذ ادعى إلى غير أبيه لحظٍّ تعجّله ومُلكٍ قهره. وحدثنا غيره قال: شهدت المأمون يوماً وقد ركب بالشماسية وخلف ظهره أحمد بن هشام، فصاح به رجل من أهل فارس: الله الله يا أمير المؤمنين! فإن أحمد بن هشام ظلمني واعتدى عليّ! فقال: كن بالباب حتى أرجع فأنظر في أمرك. فلما مضى التفت إلى أحمد بن هشام فقال: ما يؤمنك منا أن نوقفك وصاحبك هذا على رؤوس هذه الجماعة وتقعد مع خصمك حيث يقعد ثم يكون محقاً وتكون مبطلاً! فكيف إن كنت في صفته وكان في صفتك؟ فوجّه إليه من يحوّله عن بابنا إلى رحلك وأنصفه من نفسك وأعطه ما أنفق في طريقه إلينا، ولا تجعل لنا ذريعة إلى لائمتك، فوالله لو ظلمت العباس ابني كان أهون عليّ من ظلمك ضعيفاً لا يجدني في كل وقت ولا يخلو له وجهي، ولا سيما من كان يتجشم السفر البعيد ويكابد حر الهواجر وطول المسافة. قال: فوجه إليه أحمد بن هشام فحوّله إلى مضربه وكتب إلى عامله بردّ ما أخذ منه، ووصل الرجل بأربعة آلاف درهم. قال: وتنازع رجلان بباب الجسر أحدهما من العظماء والآخر من السوقة فقنّعه الرجل فصاح السوقي: وا عمراه ذهب الإسلام! فأُخذ الرجل وكتب بخبره إلى المأمون، فدعاه وقال له: ما كانت حالك؟ فأخبره. وأحضر خصمه وقال له: لم قنّعت هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا رجل معاملي وكان سيء المعاملة وكنت صبوراً على ذلك منه، فلما كان في هذا اليوم مررت بباب الجسر فأخذ بلجام دابتي وقال: لا أفارقك حتى تخرج إليّ حقي. فقلت له: إني أبادر إلى باب إسحاق بن إبراهيم. فقال: والله لو جاء إسحاق ومن ولّى إسحاق ما فارقتك. فما صبرت حين عرّض بالخلافة أن قنّعته فصاح: وا عمراه ذهب الإسلام منذ ذهب عمر. فقال للرجل: ما تقول؟ قال: كذب عليّ وقال الباطل. فقال الرجل: لي جماعة يشهدون على مقالته يا أمير المؤمنين، فإن أذنت لي أحضرتهم. قال المأمون للرجل: من أين أنت؟ قال: من أهل فامية. فقال: أما إن عمر بن الخطاب، ﵁، كان يقول: من كان جاره نبطياً واحتاج إلى ثمنه فليبعه. فإن كنت إنما طلبت سيرته فهذا حكمه في أهل فامية. ثم أمر له بألف درهم وأمر صاحبه أن ينصفه. وحدثنا أبو الفضل الهاشمي عن قحطبة بن حميد بن قحطبة قال: قعد المأمون للمظالم ذات يوم فلم يزل قاعداً إلى أن قلنا قد فاتته الصلاة، فكان آخر من دعي امرأة فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم فقال: وعليكِ السلام، تكلمي يا أمة الله. فقالت: يا خير منتصفٍ يُهدى به الرشد ... ويا إماماً به قد أشرق البلد أشكو إليك عقيد الملك أرملةً ... عدا عليها فلا تقوى به الأسد فابتز مني ضياعي واستبد بها ... ففارق العيش مني الأهل والولد فقال المأمون: في دون ما قلت عيل الصبر والجلد ... وقد تقطّع مني القلب والكبد هذا أوان صلاة الظهر فانصرفي ... وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد والمجلس السبت إن يُقض الجلوس لنا ... ننصفك فيه وإلا المجلس الأحد

стр. 213

قال: فانصرفت فلما كان يوم الأحد جلس فكان أول من دعا به المرأة، فسلمت فرد المأمون ﵍ وقال: أين الخصم، رحمك الله؟ قالت: هو واقف على رأسك وقد حيل بيني وبينه. وأومأت إلى العباس ابنه. فقال: يا أحمد بن أبي خالد خذ بيده فأقعده معها. قال: ففعل ذلك. فجعلت تعلو على العباس بصوتها وتقول: ظلمتني واعتديت عليّ وأخذت ضيعتي. فقال لها أحمد: ما هذا الصياح؟ إنك بين يدي أمير المؤمنين تناظرين الأمير! فقال المأمون: دعها يا أحمد فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه. فلم يزالا يتناظران حتى حكم المأمون لها برد ضيعتها ثم قال: يا أحمد اردد عليها ما جباه العباس من ضيعتها وادفع إليها عشرة آلاف درهم ترمّ بها ما أراه من سوء حالها واكتب إلى والينا وقاضينا بإرفاقها والنظر في أمرها وأوغر لها خراج ضيعتها بالشيء الطفيف وليكن ذلك في يومنا هذا. فما برحت حتى قضيت حوائجها وخرجت. وعن الحسن بن سهل قال: جلس المأمون ذات يوم للمظالم وإذا هو برجل قد مثل بين يديه وفي يده رقعة فيها سطران: بسم الله الرحمن الرحيم. مظلمة من أمير المؤمنين أطال الله بقاءه. فقال: أمظلمة مني! قال: أفأخاطب بالخلافة سواك؟ قال له: وما ظلامتك هذه؟ قال: ثلاثون ألف دينار. قال: وما وجهها؟ قال: إن سعيداً وكيلك اشترى مني جوهراً بثلاثين ألف دينار وحمله إلى منزلك ولم يوفر عليّ المال. قال: فإذا اشترى سعيد منك الجوهر تشكو الظلامة مني! قال: نعم إذا كانت الوكالة قد صحت له منك. قال: إن كلامك هذا يحتمل ثلاث جهات: أما أول ذلك فلعل سعيداً قد اشترى هذا الجوهر منك كما زعمت وحمله إلينا وأخذ المال من بيت المال ولم يوفّره عليك، أو لعله قد وفّره وادعيت باطلاً، أو اشتراه لنفسه. أما في العاجل فلا يلزمني لك حق ولا أعرف لك ظلامة. فقال الرجلك إن الله جل وعز قد أهّلك لموضع رفيع واختصك بنسب جعلك أولى الخلق معه بالانصاف فإنك مناسب لرسول الله، ﷺ ، واسترعاك على خلقه فهلا تحملني على كتاب الله جل وعز وسنّة ابن عمك رسول الله، ﷺ ، وسنة عمر بن الخطاب، ﵁، في رسالته إلى أبي موسى الأشعري وهي التي اتخذتموها صدور أحكامكم ووصية لقضاتكم إذ يقول: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. قال المأمون: فإنك والله قد عدمت البينة فما يجب لك إلا حلفةٌ ولئن حلفتها لأنا صادق إذ كنت لا أعرف لك حقاً يلزمني. قال: فإذاً أدعوك إلى الحاكم الذي نصبته لرعيتك. قال: نعم، يا غلام عليّ بيحيى بن أكثم. فإذا هو قد مثل بين يديه. فقال: يا يحيى! قال: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: اقض بيننا. قال: في حكم وقضية! قال: نعم. قال: لا أفعل. قال: ولم؟ قال: لأن أمير المؤمنين لم يجعل داره مجلس قضائي. قال: قد فعلت. قال: فإني أبدأ بالعامة أولاً ليصبح المجلس للقضاء. قال: افعل. ففتح الباب وقعد في ناحية من الدار وأذن للعامة ونادى المنادي وأخذ الرقاع ودعا بالناس ثم دعا الرجل المتظلم فقال له يحيى: ما تقول؟ قال: أقول أن تدعو بخصمي أمير المؤمنين المأمون. فنادى المنادي فإذا المأمون قد خرج في رداء وقميص وسراويل قد أرسلها على عقبيها في نعل رقيق ومعه غلام يحمل مصلى حتى وقف على يحيى وهو جالس. فقال له: اجلس. فطرح المصلى ليقعد عليه. فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين لا تأخذ على خصمك شرف المجلس. فطرح له مصلى آخر فجلس عليه. وقال له يحيى: ما تقول؟ فقال: لي على هذا ثلاثون ألف دينار. قال: ومن هذا؟ قال: أمير المؤمنين المأمون بالله. قال له يحيى: يا أمير المؤمنين قد سمعت ما يقول؟ قال: سله ما وجهها. فأعاد خبر الوكيل. فقال المأمون: ما أعرف له حقاً. فأقبل على الرجل فقال: قد سمعت، ألك بينة؟ قال: لا. قال: فما تريد؟ قال: ما يوجبه الحكم لمن عدم البينة. قال المأمون: ويحك قد لججت في اليمين! قال: يا أمير المؤمنين أتحلف؟ قال: إي والله ولا أوطيء نفسي العشوة في إعطاء رجل ما لا يجب له ظلماً. فقال: قل والله. فاستحلفه غموساً.

стр. 214

ثم وثب يحيى عند فراغ المأمون من يمينه فقام على رجليه. فقال له المأمون: ما أقامك؟ فقال: إني كنت في حق الله جل وعز حتى أخذته منك وليس الآن من حقك أن أتصدر عليك. وقبض على الرجل لئلا يخرج. فقال المأمون: ارفقوا به. ثم قال: يا غلام أحضرني ما ادّعى من المال. فلما أحضر قال: خذه إليك والله ما كنت أحلف على فجرة ثم اسمح لك فأفسد ديني ودنياي، والله يعلم ما دفعتُ إليك هذا المال إلا خوفاً من هذه الرعية لعلها ترى أن تناولتك من وجه القدرة وأني منعتك واجبك بالاستطالة عليك وإنها لتعلم الآن ما كنت أسمح لك باليمين. فقال: يا أمير المؤمنين أفأُحاط في المال حتى أصل إلى حيث آمن عليه؟ قال: إي والله ولو بالتُّغزغز وأسبيجاب. فأخرج الرجل مع المال وبذرق به إلى أن بلغ مأمنه ومنه روايات وروي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: إن الرجل إذا ظُلم فلم ينتصر ولم يجد من ينصره فرفع طرفه إلى السماء ودعا قال الله، جل وعز: لبيك عبدي أنصرك عاجلاً وآجلاً. وقال رسول الله، ﷺ ، في قولهم: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه. قال: وقال الفضيل بن عياض: بكى ابني فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي على من ظلمني وأخذ مالي ارحمه غداً إذا وقف بين يدي الله وسأله فلا تكون له حجة. قال: وقال الحسن البصري: يا أيها المصَّدّق على السائل ترحمه ارحم أولاً من ظلمت. وروي عن عبد الله بن سلام أنه قال: قرأت في بعض الكتب قال ﵎: إذا عصاني من يعرفني سلّطت عليه من لا يعرفني. وقال خالد:إياكم ومجانيق الضعفاء، يريد الدعاء. ومنه توقيعات قال: وقّع المأمون في كتاب متظلم من أحمد بن هشام: اكفني أمر هذا الرجل وإلا كفيته أمرك. ووقّع في رقعة رجل من العامة تظلّم من عليّ بن هشام: يا أبا الحسن الشريف من يظلم من فوقه ويظلمه من دونه فاعلمني أي الرجلين أنت. وقال عمرو بن مسعدة: كتبت إلى عامل دستبى كتاباً أطلته فأخذه المأمون من يدي وكتب: قد كثر شاكوك فإما عدلت وإما اعتزلت. ووقّع في رقعة رجل تظلّم من الرستميّ: ليس من البر أن تكون آنيتك ذهباً وقدورك فضة وجارك يطوي وغريمك يعوي. قال: ووقّع هشام بن عبد الملك في رقعة متظلّم من العامة: أتاك الغوث إن كنت صادقاً وحلّ بك النكال إن كنت كاذباً، فتأخر أو تقدم. قال: ورفع رجل إلى المنصور قصة يتظلم فيها من عامل فارس فوقّع له: إن آثرت العدل صحبتك السلامة. ووقّع لقوم متظلمين شكوا سيرة واليهم: كما تكونون يولّى عليكم. ووقّع يحيى بن خالد لمتظلم من بعض الولاة: أنصف من وليت أمره وإلا أنصفهم من ولي أمرك. ووقّع بعضهم إلى صاحب مظالم: ما أراني سالماً من المآثم بتوليتي إياك المظالم. يا رديء المختبر اعتزل غير محمود الأثر. قيل: وقال رجل للمعتصم: يا أمير المؤمنين ظلمني من وافق اسمه فعله. فقال المعتصم لبغا: سله ممن يتظلم فإني أراه يتظلم من ظلوم. فسأله فقال: من ظلوم. فتبسم المعتصم وقال لابن أبي دؤاد: ما أبعد الرجل في قوله، قل لها بحياتي أنصفيه. قال: وأخبرنا إبراهيم بن محمد قال: كنا مع المتوكل في بعض متنزهاته فوقف على تلٍّ كله حصى قد غسله المطر فاستحسنه فنزل فصلى وسبّح ثم قال في دعائه: اللهم إنك خلقتني ولم أك شيئاً ثم صيرتني فوق هذا الخلق وأنت قادر أن تزيل هذا كله فارزقني العدل والنصفة وألق في قلبي لهم الرأفة والرحمة. ثم بكى وأخذ كفاً من ذلك الحصى فجعله على رأسه وجعل يقلب خده ووجهه على الأرض ثم قام فركب. مساوئ أخذ الجار بالجار قال: قال الحجاج بن يوسف: لآخذن السميّ بالسميّ والولي بالولي والجار بالجار، وقد لعن الناس قائل هذا البيتك أرى أخذ البريّ بغير جرمٍ ... تجنُّب ما يحاذره السقيم وقال الحارث بن عباد في هذا المعنى: لم أكن من جناتها علم الل ... هـ وإني بحرّها اليوم صالي وقيل: لعل له عذراً وأنت تلوم وأنشد في مثله النابغة: فحمّلْتني ذنب امريءٍ وتركته ... كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع

стр. 215

وكانوا إذا أصاب إبلهم العرّ كووا السليم ليذهب العرّ عن السقيم فأسقموا الصحيح من غير أن يبرأ السقيم. وكانوا إذا أوردوا البقر الماء فلم تشرب ضربوا الثور ليقتحم الماء فتتبعه البقر، فقال الشاعر في ذلك: هجوني إذ هجرت جبال سلمى ... كضرب الثور للبقر الظماء وقال غيره: كما ضرب اليعسوب إن عاف باقرٌ ... وما ذنبه إن عافت الماء باقر وقال غيره: إذا عركت عجلٌ بنا ذنب طيّءٍ ... عركنا بتيم اللات ذنب بني عجل وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: وإن امرأً يمسي ويصبح سالماً ... من الناس إلا ما جنى لسعيد قيل: وأُتي عبد الصمد بن علي بأناسٍ من الشطار فأمر بضربهم وحلق رؤوسهم ولحاهم. ففعل بهم ذلك، وكان فيهم رجلٌ سناطٌ فقيل له: إن هذا ليست له لحية فهل تزيده في الضرب؟ قال: لا ولكن احلقوا لحية هذا الشرطي مكانه. محاسن السطوة قيل: وبلغ من عدل هرمز بن كسرى أنوشروان أنه ركب ذات يوم إلى ساباط المدائن متنزهاً وكان ممرّه على كروم وبساتين وأن رجلاً من أساورته اطّلع على كرم فرأى فيه حصرماً غضاً فأمر غلامه فنزل إليه وأخذ من عناقيد، وقال له: انطلق به إلى المنزل ليطبخ مرقةً حصرمية. فأقبل حافظ ذلك الكرم فتعلّق بالغلام وصاح حتى بلغ ذلك صاحبه ففزع وتخوّف عقوبة الملك فدفع منطقته إلى حافظ ذلك الكرم، وكانت محلاة بالذهب مرصعة بالجوهر، فافتدى بها نفسه من عقوبة الملك ورأى أن لحافظ ذلك الكرم عليه الفضل. وبلغ من عدله أيضاً أن ابنه أبرويز وقع مركب من مراكبه في بعض مسيرته في زرع على طريقه فأفسده فأقبل صاحب الزرع إلى ذلك المركب فأخذه وصار إلى الموكل بالنظر في مظالم الرعية فرفع أمره إلى الملك، فأمر الملك بالفرس أن تجدع أذناه ويقطع ذنبه ويغرّم صاحبه كسرى أبرويز مقدار مائة ضعف مما أفسد من ذلك الزرع. فخرج الموكل بذلك من عند الملك لينفذ أمر الملك في فرس ابنه، فتحمّل عليه ابنه بنفرٍ من عظماء المرازبة وسألوه أن يصفح عما أمر به الملك على أن يغرّم كسرى لصاحب الزرع ألفي ضعف ما أفسد المركب من زرعه. فلم يجبهم الموكل إلى ذلك وأخذ الفرس فجدع أذنيه وقطع ذنبه وغرّم كسرة مائة ضعف ما أفسد المركب من زرع الرجل وردّه عليه. وحكي عن بهرام جوبين أن رجلاً من خاصته في مسيره إلى ملك الترك أخذ من امرأة أكّار سبذ تبن، فشكت ذلك إلى بهرام. فأمر الرجل فضربت عنقه ودفع سلبه إلى المرأة بدلاً من تبنها. قيل: وبلغ من عدل كسرى أنوشروان أنه اتخذ وصيفتين وأمر أن تقوم واحدة عن يمينه وتقوم الأخرى عن شماله بأيديهما قضيبان من ذهب وهو جالس لينظر في أمور الناس. فكان إذا كاد أن تسهو حركتاه بالقضيب وقالتا له والرعية يسمعون: أيها الملك انتبه أنت مخلوق لا خالق، أنت عبد لا مولى، أنت فانٍ لا باقٍ، ليس بينك وبين الله جل وعز قرابة فانظر لنفسك وانصف الناس. فمضى على هذا حتى أتاه اليقين. وقال أردشير: تعطيل الحدود تضرية للمجرمين، ويوم العدل على الظالم أمرّ من يوم الظالم على المظلوم. المدائني قال: مرّ رجل من الدهاقين أيام زياد بحمار قد حُمل عليه خمر، فأخذه الحرس وقالوا: ألم تعلم أن الأمير قد نهى عن إدخال الخمر إلى مصر؟ قال: بلى، وهذا الخمر للأمير. فلما بلغ زياداً ذلك قال: هذا رجل احتال للوصول إليّ. فدعا به وقال: ما أمرك؟ قال: لي أرض عند نهر المرأة فيها نخل، فأرسل ابن المرأة غلمانه ليصرموا بعض النخل فقلت لهم خذوا حاجتكم منها ولا تفسدوا، فأخذوا ما أرادوا وأتوه فأخبروه مقالتي، فأرسل إليّ وضربني وعقر نخلي. فأرسل زياد معه رجلاً وقال له: انطلق به فإذا كنت قريباً من الأرض التي يذكر فسل من لقيت من رجل وامرأة عما يقول فإن اجتمعوا على مقالة واحدة ورأيت النخل قد عقر فخذ الذي أمر بقطعها فأجّله ثلاث ساعات، فإن أتاك بقيمة النخل لكل نخلة ألف درهم فخلّ سبيله، وإن مضت الثلاث الساعات ولم يأتك بذلك فاضرب عنقه وأتني برأسه. ومضى الرسول فسأل فكان الأمر كما حكاه، فأغرم قاطع النخل أربعين ألف درهم وحمل المال إلى زياد، فقال: لو أتيتني برأسه كان أحبّ إليّ. ودفع المال إلى صاحب النخل. محاسن العفو
следующие страницы →