← Адаб

Адаб · id 564

المحاسن والمساوئ

إبراهيم البيهقي

Полный текст (254 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولم يبينوا لنوىً قذافةٍ ... تقطع حبلي من وصال حبلهم فليت شعري هل لهم من مطلب ... أو أجدنّ ذات يوم بدلهم أو يعذرنّ بالبكاء إن بكى ... صبٌّ معنًّى مستحق إثرهم مكلّفٌ بالشوق لا ينساهم ... يمنحهم ودّاً ويرعى عهدهم وينذر النذور إن رآهم ... وعاد يوماً عيشه وعيشهم ولا رب العرش لا يلقاهم ... ولا يعود عيده وعيدهم وكيف يلقاهم كبيرٌ سنه ... وقد مضى الدهر وطاح نجمهم هيهات عدِّ النفس عن ذكراهم ... واقصد لنحو آخرين غيرهم هذا وقد رأيتني فلم ألُم ... رأيي إذا لام الرجال رأيهم أدعو ابن سهلٍ حسناً ومجده ... حين تعيّا بعيالي أمرهم أظل أدعو باسمه ودونه ... قومٌ كثيرٌ رغبةً تركتهم تخيراً إخترته عليهم ... ولا بهم بأس ولا ذممتهم ناموا فلما أن رأيت نومهم ... عني تحملت فما أيقظتهم يا ابن كرامٍ كابراً عن كابرٍ ... زانوك زيناً باقياً وزنتهم كانوا هم الأشراف سادوا كلهم ... ما في جميع العالمين مثلهم بنوا جميع المجد فيما قد مضى ... وأنت تبنيه كذاك بعدهم في شرفٍ مؤيّدٍ أركانه ... لم يبنه بانٍ سواهم قبلهم فيا ابن سهلٍ وابن آباءٍ له ... كانوا مناجيب قديماً فضلهم والله ما تصبح بين معشرٍ ... إلا وأنت شمسهم وبدرهم والناس آخاذٌ وماءٌ ناقعٌ ... وغدُرٌ تجري وأنت بحرهم والناس أجناس كما قد مُثلوا ... وفيهم الخير وأنت خيرهم حاشا أمير المؤمنين إنه ... خليفة الله وأنت صهرهم إليك أشكو صِبيةً وأمهم ... لا يشبعون وأبوهم مثلهم قد أكلوا الوحش فلم يشبعهم ... وشربوا الماء فطال شربهم وامتذقوا المذاق فيا دنياهم ... والمضغ إن نالوه فهو حسُّهم لا يعرفون الخير إلا ذكره ... والدهر هيهات فليس عندهم وما رأوا فاكهةً في عيصها ... ولا رأوها وهي تهوي نحوهم وما لهم من كاسبٍ علمته ... على جديد الأرض غير جحشهم وجحشهم قد بات منهوي القرى ... ومثل أعواد الشكاعى كلبهم كأنني فيهم وإن وليتهم ... كانوا مواليّ وكنت عبدهم مجتهداً بالنصر لا آلوهم ... أدعو لهم يا رب سلم أمرهم وتارة أقول مما قد أرى ... يا رب باعدهم وباعد دارهم يأوون بالليل إذا ما أحرجوا ... وهي إلى ذرى اللهَيْم وهي قدرهم بها يطوفون إذا ما اجرنثموا ... وهي أبوهم عندهم وأمهم زغب الرؤوس قُرعت هاماتهم ... من البلاء وأسمأدّ سمعهم بل لو تراهم لعلمت أنهم ... قومٌ مساغيب قليلٌ نومهم وكالسعالي في مسوكها. .. ... فلو يعضّون لذكّى سمُّهم قد جرّسوا الدهر وقد بلاهم ... هذا وهذا دأبه ودأبهم ولا يعيشون بعيشٍ سابغٍ ... ولا يموتون وذاك قصرهم وقد رجونا يا ابن سهلٍ نائلاً ... منك يرمّ فقرهم وبؤسهم فإنما أنت حيا أمثالهم ... فجد لهم بنائلٍ لا تنسهم وأسْدِ نعماك إليهم واتخذ ... حمداً وشكراً كل ذاك عندهم هذا وأنت قد حرمت حظهم ... فلا تجودن لخلقٍ بعدهم

стр. 142

فقال له الحسن: سل ما شئت وتمن ما أحببت، فلو خرجت إليك من ملكي كله ما كافأتك. فقال: تشتري لي غنيمات وتردني إلى البادية. فقال: نحن إلى مكان تصفه بهذه الصفة. قال: الوطن الوطن. فاشترى له ألف شاة وأعطاه عشرين ألف درهم ورده إلى وطنه. ومما قيل فيمن كره الغربة قال ابن أبي السرج: قرأت على حائط خانٍ بالأهواز: إن الغريب ولو يكون ببلدةٍ ... يُجبى إليه خراجها لغريب وأقل ما يلقى الغريب من الأذى ... أن يُستذلّ وقوله مكذوب قال: وقرأت على حائط خان بعسكر مكرم من الأهواز: إن الغريب إذا ينادي موجعاً ... عند الشدائد كان غير مُجاب فإذا نظرت إلى الغريب فكن به ... متراحماً لتباعد الأحباب قال: وقرأت على حائط خان ببغداد في الجانب الغربي: غريب الدار ليس له صديق ... جميع سؤاله كيف الطريق تعلّق بالسؤال بكل شيءٍ ... كما يتعلق الرجل الغريق فلا تجزع فكل فتىً ستأتي ... على حالاته سعةٌ وضيق قال: ووجدت على بابٍ مكتوباً: عليك سلام الله يا خير منزلٍ ... رحلنا وخلفناك غير ذميم فإن تكن الأيام فرّقن بيننا ... فما أحدٌ من ريبها بسليم وأنشد: أقمنا مكرهين بها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا وما حب البلاد بنا ولكن ... أمرُّ العيش فرقة من هوينا ولآخر: أقمت بأرضكم بالكره مني ... فلما طاب لي فيها المقيل وأوطنت البلاد وحنّ قلبي ... بغزلانٍ بها أزف الرحيل ولآخر: وإن اغتراب المرء من غير فاقةٍ ... ولا حاجةٍ يسمو لها لعجيب فحسب الفتى بخساً وإن أدرك الغنى ... ونال ثراءً أن يقال غريب ولآخر: أيّ سرورٍ لعيش مغتربٍ ... فردٍ وحيدٍ نأى عن الوطن لا تطمع النفس في هواه ولا ... يكحل عيناً بمنظرٍ حسن ولآخر: سل الله الإياب من المغيب ... فكم قد ردّ مثلك من غريب وسل الحزن عنك بحسن ظنٍّ ... ولا تيأس من الفرج القريب ولآخر: تصبّر ولا تعجل وُقيت من الردى ... لعل إياب الظاعنين قريب فقلت وفي قلبي جوىً لفراقها ... ألا لا تعزّيني فلست أُجيب أعاذل حبي للغريب سجيةٌ ... وكلُّ غريبٍ للغريب حبيب لئن قلت لم أجزع من البين إن مضوا ... لطيّتهم إني إذاً لكذوب بلى غُبَّرات الشوق أضرمت الحشا ... ففاضت لها من مقلتيّ غروب ولآخر: إذا اغترب الكريم رأى أموراً ... محجلةً يشيب لها الوليد قال أبو الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل: أنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: ما كنتُ أحسب أن يكو ... ن كذا تفرقنا سريعا بخل الزمان عليّ أن ... نبقى كما كنّا جميعا فأحلّني في بلدةٍ ... وأحلّك البلد الشسيعا قد كنت أنتظر الوصا ... ل فصرت أنتظر الرجوعا ولآخر: إلفان كانا لهذا الحب قد خلقا ... داما عليه فتمّ الوصل واتفقا كنا كغصنين في عودٍ فغالهما ... ريب الزمان وصرف الدهر فافترقا فاصفرّ عودهما من بعد خضرته ... وأسقط البين من عوديهما الورقا ولآخر: أتظعنُ والذي تهوى مقيم ... لعمرك إن ذا خطبٌ عظيم إذا ما كنت للحدثان عوناً ... عليك وللفراق فمن تلوم ولآخر: لقد شفّني أني أدور ببلدةٍ ... أخلايَ منها نازحون بعيد أُقلّبُ طرفي في البلاد فلا أرى ... وجوه أخلاي الذين أريد ولآخر: قف بالمنازل وقفة المشتاق ... واسفح بها من دمعك المهراق لا تبخلنّ على الديار بأدمعٍ ... يجرين بين محاجرٍ ومآقي تلك الديار كما عهدت عميرةٌ ... لكنها صفرٌ من الطرّاق

стр. 143

لم يبقها أمدٌ تقادم عهده ... فالدمع ينطق والرسوم بواقي لهفي على زمنٍ مضت أيامه ... والعيش غضٌّ مورق الأوراق أيامنا ما كانت إلا خلسةً ... كسف الهلال عراه وجه محاق أو نظرةً من خائفٍ لم ينجه ... خوفٌ الحذار وشدة الإشفاق وكذاك أيام السرور قصيرةٌ ... لكن أيام البلاء بواقي كيف اللقاء وقد تطاوحت النوى ... شتان بين مشائمٍ وعراق يا ليت شعري كيف عهد أحبتي ... لما أظلهم وشيك فراقي ظني بهم حسنٌ وكيف بأوبةٍ ... تروي غليل متيمٍ مشتاق ومنها نجديات: ألا هل أرى حوراً تبرقعن بالحمى ... وهل أجتني بالعين من خدهم وردا لعلي أرى نجداً ومن حلّ بالحمى ... فأحسب من نجدٍ على كبدي بردا خليليّ قد داويت عقلاً سلبته ... بشحط النوى والبعد من قربهم عمدا فلم أر بعد الدار يشفي من الجوى ... ولا القرب أيضاً من ديارهم أجدى بلى إن في النأي التقطع والأسى ... وحبُّ سليمى القلب من بينهم أودى ولآخر: نسيم الخزامى والرياح التي جرت ... بليل على نجدٍ تذكرني نجدا أتاني نسيم السِّدر طيباً من الحمى ... فذكّرني نجداً وقطّعني وجدا ولآخر: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بصحراء من نجران ذات ثرىً مندي وهل أردنّ الدهر حصن مجاشعٍ ... وقد ضربته نفحةٌ من صبا نجد ولآخر: أقول لصاحبي والعيس تخدي ... بنا بين المنيفة والضمار تمتع من شميم عرار نجدٍ ... فما بعد العشية من عرار ألا يا حبذا نفحات نجدٍ ... وريّا روضه غبَّ القطار شهورٌ ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهن ولا سرار وأما ليلهن فخير ليلٍ ... وأنضر ما يكون من النهار قال: وقال الفتح بن خاقان: ورد عليّ أعرابي من البادية نجديّ فصيحٌ فبات ليلةً عندي على سطح مشرف على بستان، فسمع فيه صوت الدواليب فقال: ما أشبه هذا إلا بحنين الإبل، وأنشدني: بكرتْ تحنّ وما بها وجدي ... وأحنّ من شوقٍ إلى نجد فدموعها تحيا الرياض بها ... ودموع عيني أحرقت خدي محاسن الدعاء للمسافر بأيمن طالع وأسرّ طائر، لا كبا بك مركبٌ ولا أشتّ بك مذهبٌ ولا تعذّر عليك مطلب، سهّل الله لك السير ويسر لك القصد وطوى البعد بمسرة الظفر وكرامة المذخر بأيمن طائر وأسعد جدّ على الطائر الميمون والكوكب السعد. وفي رسالة للبحتري: إلى حيث تتقاصر أيدي الحوادث عنك وتتقاعس نوائب الأيام دونك. فصل: وخصصت بسهولة المطلب ونجاح المنقلب، كان الله لك في سفرك خفيراً وفي حضرك ظهيراً. آخر: بسعيٍ نجيح وأوبٍ سريع وسريح. آخر: قصّر الله محلّه وهدى رحله وسرّ بأوبته أهله ولا زال آمناً مقيماً وظاعناً. آخر: بأسعد جدٍّ وأنجح مطلب وأسرّ منقلب وأكرم بدأةٍ وأحمد عاقبة. فصل: فاشخص مصحوباً بالسلامة والكلاءة، آئباً بالنجح والغبطة، محوطاً فيما تطالعه بالعناية والشفقة في ودائع الله وضمانه وكنفه وجواره وستره وأمانه وحفظه وذماره. وقال رجل للنبي، ﷺ : إني أريد سفراً. فقال: في حفظ الله وكنفه، زودك الله التقوى ووجهّك إلى الخير حيث كنت. كتب أبو العيناء: استخلف الله فيك واستخلفه منك. لابن أبي السرح: في كنف الله وفي ستره ... من ليس يخلو القلب من ذكره وأنشد الآخر: فارحل أبا بشرٍ بأيمن طائرٍ ... وعلى السعادة والسلامة فانزل مساوئ الدعاء للمسافر بالبارح الأشأم والسانح الأعضب والصرد الأنكد للسفر الأبعد، لا استمرّت مطيته واستتبت أمنيته، ولا تراخت منيّته بنحسٍ مستمرٍ وعيش مرّ، لا قرى إن استضاف ولا أمن إن خاف.

стр. 144

ويقال: إن علياً لما اتصل به مسير معاوية قال: لا أرشد الله قائده ولا أسعد رائده ولا أصاب غيثاً ولا سار إلا ريثاً ولا وافق إلا ليثاً، أبعده الله وأسحقه وأوقد ناراً على أثره، لا حط الله رحله ولا كشف محلّه ولا بشّر به أهله، لا زكا له مطلب ولا رحب له فيه مذهب، لا سقاه الله غماماً ولا يسّر له مراماً، لا فرّج الله همه ولا سرّى غمّه، ولا حلّ عقده ولا أورى زنده، جعله الله سفر الفراق وعصا الشقاق، وأنشد: بأنكد طائرٍ وبشرّ قال ... لأبعد غايةٍ وأخس حال بحدّ السند حيث يكون مني ... كما بين الجنوب إلى الشمال غريباً تمتطي قدميك دهراً ... على خوف تحنّ إلى العيال الباهلي: إذا استقلت بك الركاب ... فحيث لا درّت السحاب وحيث لا يُبتغى فلاحٌ ... وحيث لا يُرتجى إياب ابن أبي السرح: فسر بالنحوس إلى بلدةٍ ... تُعمّر فيها ولا ترزق ولا تمرع الأرض من نهرها ... ولا يثمر الشجر المورق تغيض البحار بها مرةً ... ويكدي السحاب بها المغدق الباهلي: أدنى خطاك الهند والصين ... وكلُّ نحسٍ بك مقرون بحيث لا يأنس مستأنسٌ ... وحيث لا يفرج محزون تهوي بك الأرض إلى بلدةٍ ... ليس بها ماءٌ ولا طين محاسن الرؤيا حدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد قال: كان المأمون يبطّل الرؤيا ويقول: ليست بشيء ولو كانت على الحقيقة كنا نراها ولا يسقط منها شيء، فلما رأينا إنما يصحّ منها الحرف والحرفان من الكثير علمنا أنها باطل وأن أكثرها لا يصح، وكان بعث بابنه العباس إلى بلاد الروم فأبطأ عليه خبره فصلّى ذات يوم الصبح وخفق وانتبه ودعا بدابته وركب وقال: أحدثكم بأعجوبة، رأيت الساعة كأن شيخاً أبيض الرأس واللحية عليه فروة وكساؤه في عنقه ومعه عصاً وفي يده كتاب فدنا مني وقد ركبت فقلت: من أنت؟ فقال: رسول العباس بالسلامة، وناولني كتابه. فقال المعتصم: أرجو أن يخفق الله رؤيا أمير المؤمنين ويسره بسلامته. قال: ثم نهض فوالله ما هو إلا أن خرج فسار قليلاً إلا وبصر بشيخ قد أقبل نحوه في تلك الحال، فقال المأمون: هذا والله الذي رأيته في منامي وهذه صفته. قال: فدنا منه الرجل فنحّاه خدمه وصاحوا به. فقال: دعوه. فجاء الشيخ، فقال له: من أنت؟ قال: رسول العباس وهذا كتابه. قال: فبهتنا وطال منه تعجبنا. فقلت: يا أمير المؤمنين أتبطل الرؤيا بعد هذه؟ قال: لا. وحدثنا عليّ بن محمد قال: حدثني أبي عن محمد بن عبد الله قال: رأيت فيما يرى النائم في آخر سلطان بني أمية كأني دخلت مسجد رسول الله، ﷺ ، فرفعت رأسي ونظرت إلى الكتاب الذي فوق المحراب فإذا فيه ما أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، فإذا قائل يقول: يمحي هذا الكتاب ويكتب مكانه اسم رجل من بني هاشم يقال له محمد. فقلت: فأنا محمد، فابن من؟ قال: ابن عليّ. قلت: فأنا ابن علي، فابن من؟ قال: ابن عبد الله. قلت: فأنا ابن عبد الله، فابن من؟ قال: ابن عباس. فلو لم أكن بلغت العباس ما شككت أني صاحب الأمر، فتحدثت بهذه الرؤيا في ذلك الدهر ولا نعرف نحن المهدي فتحدث الناس بها حتى ولي المهدي فدخل مسجد رسول الله، ﷺ ، فرفع رأسه فإذا اسم الوليد، وإني لأرى اسم الوليد في مسجد رسول الله، ﷺ ، إلى اليوم، فدعا بكرسيّ فألقي له في صحن المسجد، فقال: ما أنا ببارحٍ حتى يُمحى ويكتب اسمي مكانه. فأمر بأن يحضر العمّال والسلاليم وما يحتاج إليه لذلك، فلم يبرح حتى غُيّر وكتب اسمه. قال: ورأى رجل أبا دلف فيما يراه النائم فقال: ما حالك؟ فقال: فلو أنا إذا متنا تُركنا ... لكان الموت راحة كل حيّ ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيء قال: ورأى رجل الحجاج بن يوسف فيما يراه النائم فقال له: ما حالك؟ فقال: ما أنت وذاك لا أم لك! فقال: سفيهٌ في الدنيا سفيه في الآخرة!

стр. 145

وعن إسحاق بن إسماعيل بن علي قال: حدثني عمي عيسى بن علي قال: دخلت على المنصور فقال: يا أبا العباس أتذكر رؤياي بالشراة؟ قلت: يا أمير المؤمنين أي الرؤيا؟ قال: مثلك ينساها؟ كان يجب أن تكتبها بقلم من ذهبٍ في رقٍّ وتوصي بها بنيك وبني بنيك! قلت: فأخبرني بها يا أمير المؤمنين! قال: رأيت كأني بمكة إذ فُتح باب الكعبة فخرج رجل فقال: عبد الله بن محمد. فقمت وقام أخي. فقال الرجل: ابن الحارثية. فدخل أخي فأبطأ هنيهةً ثم خرج وفي يده لواء فخطا خطىً خمساً ثم سقط اللواء من يده. ثم خرج الرجل بعينه فقال: عبد الله، فقمت وقام عمي عبد الله بن علي وصعد الدرجة فزحمته ببعض أركاني فسبقت فإذا بأبي وإذا رسول الله، ﷺ . فقال لي الرجل: ابدأ برسول الله، ﷺ ، فسلمت عليه فدعا بلواء فعقده لي ثم قال: هاك فيك وفي ولدك حتى تقتلوا به الرجال. فخطوت خطىً لو شئت أن أخبركم بها لأخبرتكم. وحدثنا محمد بن يونس قال: أخبرني منصور بن أبي مزاحم عن طيفور مولى أبي جعفر قال: قال المنصور: رأيت في السنة التي وليَ فيها هشام بن عبد الملك كأني راكب حمار أسود وعليه حمل تبن عظيم، وكان بالموصل رجلٌ يعبر الرؤيا، وحججت تلك السنة فرأيته بمنىً وقصصت عليه الرؤيا. فقال: أخبرني لمن هذه الرؤيا. فقلت: لرجل من أفناء الناس. قال: ما قلت الحق، اصدقني وأصدقك! فقلت: لرجلٍ من بني هاشم. قال: الآن جئت بالحق، إن صدقت الرؤيا صار صاحبها خليفةً. قال: فانسلكت كالهارب خوفاً أن يظهر من قولي وقوله شيء. قال: فبينا الربيع ذات يوم قد دخل فقال: يا أمير المؤمنين رجل بالباب معبّر يستأذن. قال: أدخله. فأدخله فلما رآه تبسّم وقال: هذا صاحبي. فدنا منه وقبّل يده. فقال: أتذكر رؤياي؟ قال: نعم، وهي التي حملتني إليك. قال: كيف كنت تأولتها؟ قال: قلت راكب حمار أسود والحمار جدّ الرجل وسواده سودد، قلت وكان على الحمار تبن فقلت الحنطة والشعير يخرجان من التبن وقعد عليه ومن صار مالكه فقد ملك الأقوات فهذا رجل يملك الناس. قال: لله أبوك ما أحسن ما عبّرت وأسرع ما صححت! وأمر له بصلةٍ وقال: أقم عندنا وحوّل عيالك فإنا نأمر لك بأرزاق تسعك وإياهم. ففعل ذلك. وبلغنا عن مزاحم مولى فاطمة قالت: كنت مع عمر بن عبد العزيز وهو نائم فانتبه وقال: يا فاطمة لقد رأيت رؤيا ما رأيت أحسن منها. قلت: حدثني بها يا أمير المؤمنين. قال: حتى أصبح. قال: فجاء المنادي فناداه بالصلاة فقام فصلّى بالناس الفجر ثم رجع إلى مجلسه. فأتيته فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني بالرؤيا. فقال: رأيت كأني في أرض خضراء لم أر أرضاً أحسن منها، ورأيت في تلك الأرض قصور زبرجد ورأيت جميع الخلائق حول ذلك القصر، فبينا أنا كذلك إذ نادى مناد من القصر: أين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ فقام النبي، ﷺ ، فدخل القصر، فقلت: سبحان الله! إنا في ملإ فيهم رسول الله، ﷺ ، ولم أسلّم عليه! فلم ألبث إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين أبو بكر الصديق؟ فقام أبو بكر، ﵀، فدخل، فما لبثت إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن الخطاب؟ فقام عمر فدخل، فقلت: سبحان الله! إنا في جمع فيهم أبي ولم أسلّم عليه! فما لبث إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين عثمان بن عفان؟ فقام عثمان، ﵀، فدخل، فما لبثت إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين علي بن أبي طالب؟ فقام عليّ فدخل، فما لبثت إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن عبد العزيز؟ فقمت فدخلت فرأيت النبي، ﷺ ، قاعداً ورأيت أبا بكر عن يمينه وعمر عن يساره وعثمان وعلياً بين يديه، فقلت: أين أقعد؟ لا أقعد إلا إلى جنب أبي، قال: فقعدت عند عمر بن الخطاب، فرأيت فيما بين النبي، ﷺ ، وأبي بكر شاباً حسن الوجه، فقلت: يا أبة من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ﵇. قال: فما لبثت إلا قليلاً حتى سمعت منادياً ينادي: يا عمر بن عبد العزيز اثبت على ما أنت عليه. قال: ثم قمت فخرجت فلم ألبث إلا قليلاً حتى خرج عليّ عثمان وهو يقول: الحمد لله الذي نصرني. ثم لم ألبث إلا قليلاً حتى خرج عليّ بن أبي طالب ﵁، فقال: الحمد لله الذي غفر لي! مساوئ الرؤيا

стр. 146

روي عن عمر بن حبيب القاضي أن رجلاً كان بالبصرة وكانت له امرأة وله منها ابنان فمات وترك لهم شاة، فرأت المرأة في النوم كأن أحد ابنيها يقول: يا أمه أما ترين هذا الجدي قد أفنى علينا لبن هذه الشاة وليس بدّ من أن أقوم فأذبحه! فقالت: لا تفعل يا بني. قال: لا بد من أذبحه. فقام فذبحه وسمطه وشواه وأخرجه من التنور فقعد هو وأخوه يأكلان، فكلمه أخوه بشيء، فأخذ السكين فشق بطنه، فانتبهت فزعة وإذا ابنها يقول: يا أمه أما ترين هذا الجدي قد أفنى علينا لبن هذه الشاة أقوم فأذبحه؟ فقالت: لا تفعل يا بني. فجعلت تتعجب من تصديق الرؤيا فأخذت بيد أخيه فدخلت بيتاً وأغلقت الباب من داخل، فبينا هي مفكرة مغتمة إذ غقت فرأت النبي، ﷺ ، في النوم، فقال: ما شأنك؟ فخبرته الخبر. فنادى: يا رؤيا! فإذا الحائط قد انصدع وخرجت امرأة جميلة بارعة الجمال. فقال لها النبي، ﷺ : ما أردت إلى هذه المسكينة؟ قالت: لا والذي بعثك بالحق نبياً ما أتيتها في منامها! فنادى: يا أضغاث أحلام! فخرجت امرأة دونها. فقال: ما أردت إلى هذه المسكينة؟ قالت: رأيتهم بخير فحسدتهم فأردت أن أغمهم. فقال، ﷺ : ليس عليك بأس. فانتبهت وأكلت مع ابنيها ولم يزالوا بخير. محاسن الازكان قال: نظر إياس بن معاوية إلى نسوة قد فزعن من بعير فأشار إليهن فقال: هذه بكر وهذه حامل وهذه مرضع. فقام إليهن رجل فسألهن فكن كما قال. فقيل له: كيف علمته؟ قال: رأيتهن لما فزعن وضعت كل واحدة منهن يدها على أهم المواضع إليها، فوضعت الحامل يدها على بطنها، ووضعت المرضع يدها على ثديها، ووضعت البكر يدها على قبُلها. قال: ونظر إياس يوماً إلى رجل متأبط شيئاً فقال: معه سكر وقد ولد له غلام. فاتبعه الرجل فسأله فإذا هو كما قال. فقيل له في ذلك، فقال: رأيت الذباب قد أطافت به فقلت معه حلاوة وهو سكر، ورأيته نشيطاً فقلت ولد له غلام. مساوئ الازكان قال: واستقبل إياس رجلاً فقال: خذوه فإنه سرق وسيأتي من يطلبه. فأخذوه فلم يتجاوز ساعة حتى جاء قوم يطلبونه فأخذوه فقيل له في ذلك، فقال: رأيته يرعد ويعدو مدلها متغير اللون يكثر الالتفات فزكنت فيه هذا وأنه لص. قال: ورأى رجلاً على عاتقه جرة عسل فقال: فيها سم أو حية. فنظروا فإذا حية، فسئل عن ذلك فقال: رأيت الذباب تحوم حوله ولا تسقط عليه فعلمت أنه حية أو سم. محاسن الفأل والزجر حدثنا الحسن بن وهب قال: حدثني صالح بن علي بن عطية قال: كان المنصور ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم ونذر دمه فيها وأجلّه ثلاثة أيام. فقال خالد ليحيى ابنه: إني قد طولبت بما ليس عندي وإنما يراد بذلك دمي فانصرف إلى حرمتك وأهلك فما كنت فاعلاً بعد موتي فافعله، ثم قال: يا بني ولا يمنعنك ذلك من أن تلقى إخواننا فتعلمهم حالنا. قال يحيى: فأتيت إخوان والدي فمنهم من جبهني بالرد ثم بعث إليّ بمال جليل، ومنهم من لم يأذن لي وبعث بمال في أثري لكيلا يُخبر به المنصور. قال: فدخلت على عمارة بن حمزة وهو مقابل بوجهه إلى الحائط فسلمت فرد رداً ضعيفاً. قال يحيى: فضاقت بي الأرض، ثم كلمته فيما كنت أتيته فيه. فقال: إن أمكننا شيء فسيأتيك. فانصرفت عنه وصرت إلى أبي فأعلمته ذلك وقلت: أراك تثق من عمارة بما لا يوثق به. فوالله إني لفي ذلك الحديث إذ طلع علينا رسول عمارة بمائة ألف درهم ورسول صاحب المصلى بمائة ألف درهم ورسول مبارك التركي بمائتي ألف درهم. فجمعنا في يومين ألفي ألف درهم وسبع مائة ألف درهم وبقيت ثلاثمائة ألف درهم، فتعذر ذلك. قال يحيى: فوالله إني لمارّ بالجسر مهموماً مغموماً إذ وثب إليّ زاجر فقال: فرّخ الطير قف أخبرك! فطويته ولم ألتفت إليه، فلحقني وتعلّق بي. فقلت: ويحك اذهب عني فإني مشغول عنك! فقال: أنت والله مهموم ووالله ليُفرجنّ همك وتمن باللواء غداً في هذا الموضع بين يديك. فأقبلت أعجب من قوله. فقال لي: إن كان ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم! قلت: نعم. ولو قال خمسين ألف درهم لقلت نعم لبعد ذلك عني.

стр. 147

ثم مضيت فوالله ما انصرفت حتى ورد على المنصور الخبر بانتقاض أمر الموصل وانتشار الأكراد بها. فقال المنصور: ويحكم من لها! وكان المسيب بن زهير عند المنصور وكان صديقاً لخالد فقال: عندي والله من يكفيكه وأنا أعلم أنك ستلقاني بما أكره ولكني لا أدع على حال نصحك، فقال المنصور: قل فلست أردّ عليك. قال: يا أمير المؤمنين ما ترميها بمثل خالد. فقال المنصور: ويحك وتراه يصلح لنا بعد ما أتيناه إليه؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين وأنا زعيمه بذلك والضامن عليه. فتبسم المنصور وقال: صدقت والله ما لها غيره، فليحضر غداً. فأُحضر فصفح له عن الثلاث المائة الألف الدرهم الباقية عليه وعقد له. قال يحيى: فنمرّ والله بالزاجر واللواء بين يدي، فلما رآني قال: أنا ها هنا أنتظرك منذ غدوة! قال: فتبسمت إليه فقال: امض. فمضى معي ودفعت إليه الخمسة الآلاف الدرهم. مساوئ الفأل قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: حضرت مجلس المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين ألا أحدثك عن الفضل بن يحيى؟ قال: بلى. فقلت: دخلت دار الرشيد وإذا الفضل بن يحيى وإسماعيل بن صبيح وعبد الملك بن صالح في بعض تلك الأروقة يتحدثون، فلما بصر بي الفضل أومأ إلي وقال: يا إسحاق انتظرناك منذ الغداة لتساعد على ما نحن فيه من المذاكرة! فقلت: يا سيدي أنا السكيت إذا أجريت الجياد وفاز السابق والمصلّي. فقال: هيهات عندها مدحت نفسك ولما تكذّب. فلما فرغ عبد الملك من حديثه قال الفضل: إن لقسٍّ حديثاً سمعته من الخليل بن أحمد فهل عند واحد منكم له ذكر؟ فسكت القوم. فقلت: يا سيدي ما نعرف له حديثاً إلا حديث خطبته بعكاظ. قال: ذاك شيء قد فهمته العامة واختبرته الخاصة. ثم أطرق ساعة. فقلنا: إن رأيت أن تحدثنا. فقال: حدثني الخليل بن أحمد أن قيصر ملك الروم بعث إلى قس بن ساعدة أسقف نجران وكان حكيماً طبيباً بليغاً في منطقه، فلما دخل عليه ومثل بين يديه حمد الله وأثنى عليه، فأمره بالجلوس فجلس، فرحب به وأدنى مجلسه وقال: ما زلت مشتاقاً إليك معما أحببت من مناظرتك في الطب. فكان أول ما سأله عن الشراب لعجبه به، فقال: أي الأشربة أفضل عاقبة في البدن؟ قال: ما صفا في العين واشتد على اللسان وطابت رائحته في الأنف من شراب الكرم. قال: فما تقول في مطبوخه؟ قال: مرعىً ولا كالسعدان. قال: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: ميت أحيي وفيه بعض المتعة وما يكاد يقوى شيء بعد الموت. قال: فما تقول في نبيذ العسل؟ قال: نِعم شراب الشيخ للابردة والمعدة الفاسدة. قال: فما تقول في أنبذة التمر؟ قال: أوساخ يطيب مذاقها في اللهوات وتسوء عاقبتها في البدن وتولّد الأرواح في البطن لرقتها. قال: فمن أي شيء يكون الثمل الذي يذهب الغم ويطيب النفس؟ قال: زعموا أن العقل تصعده سورة الشراب إلى الدماغ الذي هو أصله بقوة الروح الذي جُعل فيه، فإذا صعدت السورة إلى الدماغ الذي هو أصله فاحتوت عليه حتى تغشاه حجب العقل عن منافعه فاحتجب البصر بغير عمى والسمع بغير صمم واللسان بغير خرس، والدليل على ذلك أن السكران لا يرى في نومه شيئاً ولا تصيبه جنابة فلا يزال العقل كذلك محتجباً حتى تفكه الطبيعة من إسار السكر إما بقوة فيعجل وإما بضعف فيبطيء. قال: فمن أي شيء الخمار من بعد صحو السكران؟ قال: من إعياء الطبيعة عن مجاهدة السورة في افتكاك العقل وتخلّصه حتى يردها النوم إلى هدوء وما أشبهه. قال: الصرف أفضل أم الممزوج؟ قال: الصرف سلطان جائر والجائر مستفسد مذموم والممزوج سلطان عادل والعادل مستصلح محمود. قال: فصف لي الأطعمة. قال: الأطعمة كثيرة مختلفة وجملة ما آمرك به الإمساك عن غاية الإكثار فإن ذلك من أفضل ما بلوناه من الأدوية ورأس ما نأمر به من الحمية.

стр. 148

قال له: عمن حملت الحكمة؟ قال: عن عدة من الفلاسفة. قال: فما أفضل الحكمة؟ قال: معرفة المرء بقدره. قال: فما تقول في الحلم؟ قال: حلم الإنسان ماء وجهه. قال: فما تقول في المال وفضله؟ قال: أفضل المال ما أعطي منه الحق. قال: فما أفضل العطية؟ قال: أن يعطى قبل السؤال. قال: فأخبرني عما بلوت من الزمان وتصرّفه ورأيت من أخلاق أهله. قال: بلونا الزمان فوجدناه صاحباً ولا يعتب من عاتبه، ووجدنا الإنسان صورة من صور الحيوان يتفاضلون بالعقول، ووجدنا الأحساب ليست بالآباء والأمهات ولكنها هي أخلاق محمودة، وفي ذلك يقول، أو قال أقول: لقد حلبت الزمان أشطره ... ثم محضت الصريح من حلب فلم أر الفضل والمعال في ... قول الفتى إنني من العرب حتى نرى سامياً إلى خلقٍ ... يذود محموده عن النسب ما ينفع المرء في فكاهته ... من عقل جدٍّ مضى وعقل أب ما المرء إلا ابن نفسه فبها ... يعرف عند التحصيل للنوب حتى إذ المرء غال مهجته ... ألفيته تربةً من الترب ووجدنا أبلغ العظات النظر إلى محل الأموات، وأحمد البلاغة الصمت، ووجدنا لأهل الحزم حذاراً شديداً وبذلك نجوٌ من المكروه، والكرم حسن الاصطبار، والعز سرعة الانتصار، والتجربة طول الاعتبار، قال: خبرني هل نظرت في النجوم؟ قال: ما نظرت فيها إلا فيما أردت به الهداية ولم أنظر فيما أردت به الكهانة، وقد قلت في النجوم: علم النجوم على العقول وبال ... وطلاب شيءٍ لا ينال ضلال ماذا طلابك علم شيءٍ أُغلقت ... من دونه الأفلاك ليس يُنال هيهات ما أحدٌ بغامض قدره ... يدري كم الأرزاق والآجال إلا الذي فوق السماء مكانه ... فلوجهه الإكرام والإجلال قال: فهل نظرت في زجر الطير؟ قال: نحن معاشر العرب مولعون بزجر الطير. قال: فما أعجب ما رأيته منه؟ قال: شخصت أنا وصاحب لي من العرب إلى بعض الملوك فألفيناه يريد غزو قومٍ كانوا على دين النصرانية فخرج حتى إذا كان على فراسخ من مدينته أمر بضرب فساطيطه وأروقته لتتوافى إليه جنوده وضرب به فسطاط على شاطيء نهر وأمر بخباء فضرب لي ولصاحبي، فبينا نحن كذلك إذ أقبل طائران أسود وأبيض وأنا وصاحبي نرمقها حتى إذا كانا رأسه رفرفا وشرشرا ثم غابا ثم رجعا أيضاً حتى إذا كانا قريباً منه طوياه ثم أقبلا نحونا فوقفا ثم رتعا. فقال صاحبي: ما رأيت كاليوم طائرين أعجب منهما فأيهما أنت مختار؟ فقلت: الأسود. قال: الأبيض أعجبهما إليّ، فما تأوّلتهما؟ قلت: الليل والنهار يطويان هذا الرجل في سفره فيموت، وتأولت اختيارك الأبيض أنك تنصرف بيد بيضاء مخفقة من المال. فإذا هو قد غضب. فلما جن الليل بعث إلينا الملك لنسمر عنده فإذا صاحبي قد أخبره بالخبر، فسألني فأخبرته وصدقته. فغضب وقال: هذه حمية منك لأهل دينك. فقلت: أما أنا فقد صدقتك. فأمر بحبسي ومضى لوجهه، فلم يتجاوز إلا قليلاً حتى مات، فأوصى لي بعشرين ناقة وقال: قاتل الله قساً! لقد محضني النصيحة. فانصرفت من سفري ذلك بعدة من الإبل وانصرف صاحبي مخفقاً من المال. قال الملك: وما رأيت أيضاً من الزجر أعجب؟ قلت: رأيت مرة عند الملك الهمام أبي قابوس وقد خرج عليه خارج من مضر يريد ملكه وقد حشد له فبعث إلى بعض عماله في توجيه أربعمائة فارس ووجهني مع الرسول وأمرنا بالشد على أيديهم في جمع الخيل والرجال، وكان الرسول شاعراً، فبينا نحن نسير إذ سنحت لنا ظباء أعنزٌ فيها تيس يقدمها، وكان أبو قابوس يواعد للقائه في يوم كذا وكذا، فنحن نقول إن كان الملك قد خرج في يوم كذا فهو اليوم في موضع كذا وقد أقبلنا ونحن نقود جيشاً عرمرماً، فأنشأ الرسول يقول: ألا ليت شعري ما تقول السوانح ... أغادٍ أبو قابوس أم هو رائح قال: فنظرت إلى التيس عند فراغه من هذا البيت قد دخل في مكنسه حتى توارى فيه، فدخلني من ذلك ما لم أقدر على أن أمسك نفسي حتى استرجعت.

стр. 149

فقال لي رفيقي: ما لك؟ قلت: إن صدق الزجر فصاحبك قد ثوى في التراب والتحف عليه أطباق الثرى. قال: كيف ذلك؟ قلت: وافق فراغك من البيت دخول التيس في مكنسه. فأعرض عني فلما أصبحت في اليوم الذي واعدنا للقائه لم يواف ولم يكن بأوشك من أن أتانا الخبر بهلاكه وقعود ابنه، فأكرمه قيصر وأحسن جائزته. قلنا: أيّد الله الوزير! لقد بلغت باستحقاق ولقد حزت قصبة الرهان في كل منقبة. فتبسم وقال: عز الشريف أدبه. وإذا رسول الرشيد قد وافاه فنهض نحوه وتصدع المجلس وانصرفنا. فلما مضى من الليل بعضه إذ أنا بطارق قد طرقني وبين يديه غلمان على أعناقهم البدر وإذا رسول الفضل وقد حمل إلي مائة ألف درهم وقال: الوزير يقرأ عليك السلام ويقول: ضجرت باستماع الحديث وأوجبت عليّ بذلك منّةً وهذه صلة وتحةٌ في جنب قدرك عندي فخذها ولا تعتد بها. فقلت: سبحان الله الذي خلق هذا الرجل وجبله على كرم بذّ به من مضى ومن غبر! وإذا هو قد وجه إلى أصحابي الذين كانوا معي بمثل الذي وجّه به إليّ، فغدوت إليه وأردت أن أشكره فقال: والله لئن ذهبت تكشف ما ستر الله لأجفونك! فكأنما ألقمني بذلك حجراً، فاحتبسني عنده فطعمت وشربت ورحت وقد حملني على عدة أفراس بسروج مذهبةٍ ولجم مذهبة ووجه معي بعشرة تخوت ثياب وعشر بدر. قال فقال المأمون: ويحك يا إسحاق! ثواب حديثك ضعف ما أمر لك به الفضل وقد أمرت لك بمائة ألف درهم. فقبضت ذلك وانصرفت. قال: وكان محمد بن حازم قال قصيدته التي يقول فيها: فيا شامتاً مهلاً فكم من شماتة ... تكون لها العقبى لقاصمة الظهر فاعتل محمد ولم يكن يرثه إلا أخوه وكان بسر من رأى، فوجهت إليه جاريته تعلمه بشدة علته، فقدم أخوه ومحمد لمآبه فأدخل الجارية بيتاً في الدار ووطئها قبل وفاة أخيه. فلما مات حمل المال والأثاث والجارية إلى منزله بسر من رأى وأخذ في الشراب، فانصرف ليلةً ثملاً فأراد المبيت على سطح الدار فمنع من ذلك فامتنع، فلما صار في أعلى الدرجة سقط وانقصف ظهره فجعلنا نتذاكر شعر أخيه. قيل: ووفدت عزة كثيّر على عبد الملك بن مروان، فلما دخلت سلّمت فردّ ﵍ ورحّب بها وقال: ما أقدمك يا عزة؟ قالت: شدة الزمان وكثرة الألوان واحتباس القطر وقلة المطر. قال: هل تروين لكثير: وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عزّ لا يتغير قالت: لا أروي له هذا، ولكني أروي له قوله: كأني أنادي صخرةً حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلّت فقال: ما كنت لتصيري إلى حاجة أو تهبي نفسك لي فأزوجك منه. قالت: الأمر إليك يا أمير المؤمنين، ما كنت لأزهد في هذا الشرف الباقي لي ما دامت الدنيا أن يكون أمير المؤمنين وليي. فعظم بذلك قدرها عنده وأمر لها بمال وكتب إلى كثير وهو بالكوفة: أم اركب البريد وعجّل فإني مزوجك عزة. فأتاه الكتاب وهو مضنىً من الشوق إليها فرحل فأقبل نحوها، فلما كان في بعض الطريق إذا هو بغراب على شجرة بانة وإذا هو ينتف ريشه ويطايره، وكان شديد الطيرة، فلما رآه تطير وهم بالانصراف ثم غلبه شوقه فمضى وهو مكروب لما رأى، حتى أتى ماءً لبني نهد، فإذا هو برجل يسقي إبله فنزل عن راحلته واستظل بشجرة هناك فأبصر النهدي، فأتاه وسأله عن اسمه ونسبه فانتسب، فرحب به، فأخبره عما رأى في طريقه، فقال: أما الغراب فغربة، وأنا البانة فبينٌ، وأما نتف ريشه ففرقة. فاستطير لذلك، ومضى حتى دنا من دمشق فإذا بجنازة فاستعبر وقال: أسأل الله خير ما هو كائن! فسأل عن الميت فإذا هي عزة، فخرّ مغشياً عليه، فعُرف وصب عليه الماء فكان مجهوده أن بلغ القبر، فلما دفنت انكب على القبر وهو يقول: سراج الدجى ضمر الحشى منتهى المنى ... كشمس الضحى نوامة حين تصبح إذا ما مشت بين البيوت تخزلت ... ومالت كما مال النزيف المرنح تعلّقتُ عزاً وهي رؤدٌ شبابها ... علاقة حبٍ كاد بالقلب يرجح أقول ونضوي واقفٌ عند رمسها ... عليك سلام الله والعين تسفح فهلا فداك الموت من أنت دونه ... ومن هو أسوأ منك ذلاً وأقبح على أم بكرٍ رحمة وتحيةٌ ... لها منك والنائي يودّ وينصح

стр. 150

منعّمةٌ لو يدرج الذرُّ بينها ... وبين حواشي بردها كاد يجرح وما نظرت عيني إلى ذي بشاشةٍ ... من الناس إلا أنت في العين أملح ثم بكى حتى غشي عليه، فأفاق وهو يقول: ما أعيف النهدي لا در رده ... وأزجره للطير لا طار طائره رأيت غراباً ساقطاً فوق بانةٍ ... ينتّف أعلى ريشه ويطايره فقال غرابٌ اغترابٌ من النوى ... وبانة بينٌ من حبيب تعاشره ثم لم يزل باكياً حتى أدركه الموت ولم ير ضاحكاً بعدها، وقيل فيه من الشعر: تنادى الطائران ببين سلمى ... على غصنين من غربٍ وبان فكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغتراب غير داني أخذه أبو الشيص فقال: أشاقك والليل ملقي الجران ... غرابٌ ينوح على غصن بان أحصُّ الجناح شديد الصياح ... يبكي بعينين ما تدمعان وفي نعبات الغراب اغترابٌ ... وفي البان بينٌ بعيد التداني ولآخر: أقول يوم تلاقِينا وقد سجعت ... حمامتان على غصنين من بان الآن أعلم أن الغصن لي غصصٌ ... والبان بينٌ قريبٌ عاجلٌ داني فقمت تخفضني أرضٌ وترفعني ... حتى وثبت وهذا السير إزكاني ولآخر: أقول وقد صاح ابن دأية غدوةً ... بوشك النوى لا أخطأتك الشوابك أفي كل يومٍ رائعي منك روعةٌ ... ببينونة الأحباب عرسك فارك فلا بضت في خضراء ما عشت بيضةً ... وضاقت برحبيها عليك المسالك محاسن الشعر في هذا الفن لبعضهم: وقالوا عقابٌ قلت عقبى لهم من النوى ... دنت بعد شحطٍ منهم ونزوح وقالوا حمامٌ قلت حُمَّ لقاؤها ... وعادت لنا ريح الوصال تفوح وقالوا دمٌ دامت مودة بيننا ... وطلحٌ فنيلت والمطيُّ طلوح وقالوا تغنّى هدهدٌ فوق أيكةٍ ... فقلت هدىً تغدو بنا وتروح وحكي عن النعمان بن المنذر أنه خرج يتصيد ومعه عديّ بن زيد فمرّ بآرامٍ، وهي القبور، فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: إنها تقول: أيها الركب المخبو ... ن على الأرض تمرون فكما كنتم فكنا ... وكما نحن تكونون قال: أعد. فأعاد، فرجع كئيباً وترك صيده. قال: ثم خرج معه خرجة أخرى فوقف على آرام بظهر الكوفة، فقال: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: فإنها تقول: رُبّ ركبٍ قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالاً بعد حال فانصرف وترك صيده. عبد الله بن مسلم قال: حدثت عن معاوية أنه سأل عبيد بن شرية الجرهمي عن أعجب شيء رآه فقال: نزلت بحيّ من قضاعة في الجاهلية فأخرجوا جنازة لرجل من بني عذرة فخرجت معهم حتى إذا واروه تنحيت جانباً وعيناي تذرفان ثم تمثلت بأبيات من شعر كنت رُوّيتها قبل ذلك الزمان: استقدر الله خيراً وارضينّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ ... إذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور حتى كأن لم يكن إلا تذكُّره ... والدهر أيتما حالٍ دهارير قال: وإلى جانبي رجل يسمع ما أقول، فقال: أتدري من قائل هذه الأبيات؟ قلت: لا والله. قال: والذي يُحلف به أنه لصاحب هذا القبر وهذا ذو قرابته أسرّ الناس بموته وأنت الغريب تبكي عليه! فعجبت مما ذكره في شعره والذي صار إليه من قوله كأنه نظر إلى نفسه بعد موته. قال: ولما بعث أبو بكر الصديق، ﵁، خالد بن الوليد إلى أهل الردة انتهى إلى حيّ من تغلب فأغار عليهم وقتلهم، وكان رجل منهم جالساً على شراب له وهو يغني بهذه الأبيات: ألا عللاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريبٌ وما ندري

стр. 151

فوقف عليه رجل من أصحاب خالد فضرب عنقه وإذا رأسه في الجفنة التي كان يشرب منها، ولذلك قيل: إن البلاء موكل بالمنطق وحدثنا الحسين بن الضحاك قال: شهدت الواثق وكان قاعداً في مجلس كان أول مجلس قعده فكان أول ما تغنى من الغناء في ذلك المجلس صوت إبراهيم بن المهدي فغنت به شارية جارية إبراهيم: ما درى الحاملون يوم استقلوا ... نعشةً للثواء أم للقاء فلتقل فيك باكياتٌ كما شئ ... ن صباحاً وعند كل مساء قال: فبكى والله وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه، ثم اندفع بعض المغنين فغنى: ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل قال: فازداد والله في البكاء، ثم قال: أسمعت كاليوم قط تعزية بأب ونعي نفس؟ ثم ارفضّ ذلك المجلس. وحدثنا ابن المكي عن أبيه قال: قال محمد الأمين في آخر أيامه: يا مكي والله أحب أن أقعد يوماً قبل أن يحال بيننا وبين ما نريد. فقلت: يا أمير المؤمنين افعل ذلك، فقال: اغد عليّ في غد. قال: فانصرفت وغدا عليّ رسوله في السحر فجئت إليه وهو في صحن داره وعليه جبة وشي مذهبة تأتلق وعمامة مثلها ما رأيت لأحد قط مثل ذلك وتحته كرسي من ذهب مرصّع بالجوهر. فدعا بكرسي فجلست عليه عن يساره. ثم قال لخادم على رأسه: ادع لي فلانة وفلانة، حتى عدّ أربع جوار ما منهن جارية إلا وأنا أعرف حذقها وجودة غنائها. فخرجن وجلسن عن يمينه. ثم قال: يا غلام عليّ برطلٍ، فأتي برطل وقدح بلّور مكلل بالجوهر. فالتفت إلى التي تليه فقال لها: غني، فضربت ضرباً حسناً وتغنت بشعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط: هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما قتلت كسرى بليل مرازبه بني هاشمٍ ردوا سلاح أخيكم ... ولا تنهبوه لا تحلّ مناهبه قال: فرمى بالقدح في وسط الدار ثم قال: لعنك الله! ما هذا؟ قالت: لا والله يا سيدي ما جاء على لساني غير هذا. ثم التفت إلى الغلام فقال: اسقني. فأتاه بقدح مثل الأول. وقال للأخرى: غني. فغنت ما قيل في كليب وائل: كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضُرّج بالدم فرمى بالقدح في صحن الدار وكسره ثم قال: يا غلام عليّ برطل. وقال للثالثة: غني، فغنت: أتقتل عمراً لا أبا لك شارداً ... وتزعم بعد القتل أنك هارب فلو كنت بالأقطار ما فتّ ضربتي ... وكيف تفوت الحين والدم طالب قال: فرماها بالقدح وقال: يا غلام عليّ برطل. وقال للرابعة: غني. فغنت: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العوائر قال: فالتفت إلي وقال: قد سمعت هذا أمر يريده الله جل وعز. قال: فما مضت أيام حتى رأيت رأسه بين شرفتين من شرف قصره. محاسن ترك التطير روي عن عكرمة قال: كنا جلوساً عند ابن العباس وابن عمر فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير! فقال ابن العباس: لا خير ولا شر، وأنشد في مثله: ما فرق الأحباب بع ... د الله إلا الإبل والناس يلحون غرا ... ب البين لما جهلوا وما على ظهر غرا ... ب البين تطوى الرحل ولا إذا صاح غرا ... بٌ في الديار احتملوا وما غراب البين إ ... لا ناقةٌ أو جمل ولآخر: أترحل عمن أنت صبٌّ بمثله ... وتلحى غراب البين إنك ذو ظلم أقم فغراب البين غير مفرّقٍ ... ولا نازل إلا على أفضل الحكم ولآخر: غلط الذين رأيتهم بجهالةٍ ... يلحون كلهم غراباً ينعق ما الذنب إلا للجمال فإنها ... مما يشتِّت جمعهم ويفرق إن الغراب بيمنه يدني النوى ... وتشتت الشمل الجميع الأينق محاسن المواعظ

стр. 152

قال: وحكي عن الأوزاعي قال: بعث إليّ المنصور فقال: لم تبطيء عنا؟ قلت: وما تريد منا؟ قال: لآخذ عنكم وأقتبس منكم. فقلت له: مهلاً فإن عروة بن رويم أخبرني أن نبي الله، ﷺ ، قال: من جاءته موعظة من ربه فقبلها شكر الله له ذلك، ومن جاءته فلم يقبلها كانت حجة عليه يوم القيامة، مهلاً فإن مثلك لا ينبغي له أن ينام. إنما جُعلت الأنبياء رعاة لعلمهم بالرعية يجبرون الكسير ويسمنون الهزيلة ويردون الضالة فكيف من يسفك دماء المسلمين ويأخذ أموالهم! أُعيذك بالله أن تقول إن قرابتك من رسول الله، ﷺ ، تدعوك إلى الجنة، إن رسول الله، ﷺ ، كانت في يده جريدة يستاك بها فضرب بها قرن أعرابي فنزل عليه جبريل، ﵇، فقال: يا محمد إن الله ﵎ لم يبعثك جباراً مؤيساً مقنطاً تكسر قرون أمتك، ألق الجريدة عن يدك، فدعا الأعرابي إلى القصاص من نفسه فكيف بمن يسفك دماء المسلمين؟ إن الله أوحى إلى من هو خير منك إلى داود، ﵇: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق. وأوحى إليه: يا داود إذا أتاك الخصمان فلا يكونن لأحدهما على صاحبه الفضل فأمحوك من ديوان نبوتي. اعلم أن ثوباً من ثياب أهل النار لو علق بين السماء والأرض لمات أهل الأرض من نتن ريحه، فكيف بمن تقمّصه؟ ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبال الدنيا لذابت كما يذوب الرصاص حتى تنتهي إلى الأرض السابعة، فكيف بمن تقلدها؟ قال: ودخل عمرو بن عبيد على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين إن الله يقفك ويسائلك عن مثقال ذرة من الخير والشر، وإن الأمة خصماؤك يوم القيامة، وإن الله جل وعز لا يرضى منك إلا ما ترضاه لنفسك، ألا وإنك لا ترضى لنفسك إلا بأن يعدل عليك وإن الله جل وعز لا يرضى منك إلا بأن تعدل على الرعية، يا أمير المؤمنين، إن وراء بابك نيراناً تتأجج من الجور، والله ما يُحكم وراء بابك بكتاب ولا بسنة نبيه، ﷺ ، قال: فبكى المنصور. فقال سليمان بن مجالد وهو واقف على رأس المنصور: يا عمرو قد شققت على أمير المؤمنين! فقال عمرو: يا أمير المؤمنين من هذا؟ قال: أخوك سليمان بن مجالد. قال عمرو: ويلك يا سليمان! إن أمير المؤمنين يموت وإن كل ما تراه ينفد وإنك جيفة غداً بالفناء لا ينفعك إلا عمل صالح قدّمته، ولقرب هذا الجدار أنفع لأمير المؤمنين من قربك إذ كنت تطوي عنه النصيحة وتنهى من ينصحه، يا أمير المؤمنين إن هؤلاء اتخذوك سلماً إلى شهواتهم. قال المنصور: فأصنع ماذا؟ ادع لي أصحابك أولهم! قال: ادعهم أنت بعمل صالح تحدثه ومر بهذا الخناق فليرفع عن أعناق الناس واستعمل في اليوم الواحد عمالاً كلما رابك منهم ريب أو أنكرت على رجل عزلته ووليت غيره، فوالله لئن لم تقبل منهم إلا العدل ليتقربن به إليك من لا نية له فيه. وحدث محمد بن عبد الله قال: قال المنصور لجعفر بن حنظلة البهراني: عظني. قال فقلت: يا أمير المؤمنين أدركت عمر بن عبد العزيز سنتين لم يتخذ مالاً ولم ينشيء عيناً ولم يستخرج أرضاً ولم يضع لبنة على لبنة ولا أُحصي كم من ولده تحمل الحمالات وحمل على الخيل، وولي هشام بن عبد الملك ثماني عشرة سنة ما منها سنة إلا وهو ينشيء فيها عيوناً ويتخذ فيها أموالاً ويقطع لولده القطائع، ولا أعرف اليوم من ولده رجلاً يشبع. فقال: والله لقد وعظت وأحسنت. قال جعفر: ففرحت أن نجعت عظتي في أمير المؤمنين. قال: فأطرق ساعة ثم قال: يا غلام ادع لي سليمان بن مجالد. فدعاه فقال: يا سليمان علق أصحاب قيليا بأرجلهم حتى يؤدوا ما عليهم. وكان قد جعلها لصالح ابنه، فعلمت أن عظتي لم تنفع قليلاً ولا كثيراً.

стр. 153

وحدث محمد بن عبد الله الخراساني قال: حدثني المفضل الضبّي قال: سمعت المسيب بن زهير يقول: بينا المنصور يطوف بالبيت وأنا قدامه إذا رجل مستلم الركن فقلت له: تنحّ فقد جاء أمير المؤمنين، كرتين أو ثلاثاً، فلم يبرح حتى رمقه المنصور وسمعه وهو يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور الجور والبغي والفساد في الأرض وما يحول بين المرء وقلبه من الطمع. فلما سمعه قال لي: يا مسيب عليّ بالرجل. فقلت له: أما إذ قد ابتليت بك فأجب. قال: حتى أتم طوافي. فلما أتم طوافه قلت له: أجب الآن فقد فرغت من طوافك، قال: حتى أصلي ركعتين. قلت: نعم فصلّ. فصلى ركعتين ثم أدخلته على المنصور، فلما رآه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! قال: وعليك السلام، ما هذا الكلام الذي سمعتك تلفّظ به آنفاً عند الركن؟ قال: أوسمعته يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: هو ذاك، ألست بان عم رسول الله، ﷺ ، ألست الخليفة ما بقيت غاية إلا وقد بلغتها، أتطمع أن تنال ما عند الله جل وعز بما أنت فيه؟ قال: وفيما أنا؟ قال: أخبرك بما لا تقدر أن تدفعه. قال: وما هو؟ قال: عمدت إلى الطين فأوقدت عليه فصيرت منه الآجر قم عمدت إلى الرمل وأوقدت عليه فصيرت منه الجص وصيرت بعضه فوق بعض فبنيت لك منها الحصون المشيدة والقصور العالية ثم غلقت عليها أبواب الحديد فاحتجبت عن الناس أجمعين ثم أقعدت على الأبواب أقواماً عبدوك من دون الله. فلما قال له ذلك استوى جالساً ثم قال: أنا! قال: نعم أنت، أما سمعت الله جل ذكره يقول: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ما صلّوا لهم ولا صاموا ولكنهم أمروهم فأطاعوهم في كل ما أرادوا ولم يخالفوهم، فكانت تلك ربوبتهم؟ ثم اتخذت بطانة يسيرة وقلت لا يدخل عليّ فلان وفلان، فرفع أولئك إليك من أمور المسلمين ما هان عليهم وخف عليك، فإذا جاء المظلوم إلى الباب لم يصل إليك فصار إلى بعض من يصل إليك فقال ارفع قصتي هذه إلى أمير المؤمنين، قال: نعم، فدفعها إليه فإذا هو يتظلم من بعض من يصل إليك، فأرسل إليه الظالم الذي ظلم صاحب القصة: والله لئن رفعت قصة فلان إلى أمير المؤمنين لأرفعن قصة فلان الذي ظلمته في كذا وكذا، فأمسك القصة ولم يرفعها، فعند ذلك اقتطعت حقوق الناس دونك وأنت محصور في قصرك تظن أنك في شيء أو على شيء والناس وراء بابك يقتلون ويؤكلون. والله لقد دُفعت إلى جزيرة من جزائر البحر وإذا ملك تلك البلاد مشرك وصنمه في كمه وتسمى البلاد الصين فرأيته ذات يوم وهو يبكي في مجلسه، فقام إليه وجوه مملكته فقالوا: ما يبكيك أدام الله ملكك وأعزك أيها الملك، أليس قد مكن الله لك، أليس قد مهد الله لك؟ قال: أبكي الصمم قد اعتراني أخاف أن لا أسمع صوت مظلوم وصارخ بالباب، ألا وقد آليت عليكم أن لا يركب منكم الفيل ولا يلبس ثوباً أحمر إلا مظلوم حتى أعرفه. قال: فلقد والله رأيته يركب بالغداة والعشي يتصفح الوجوه هل يرى مظلوماً فينصفه، فهذا لا يعرف الله جل وعز ولا يريد بذلك رفعة عند الله جل وعز ولا زلفى لديه ولا رجاء ثواب ولا مخافة عقاب ولكن شفقةً على ملكه وخوفاً من أن ينتشر عليه أمره فيخاف أن يذهب ملكه، وهو مشرك يفعل هذا ويتفقده من نفسه ورعيته، وأنت ابن عم رسول الله، ﷺ ، وكنت أولى بهذا الفعل من ذلك المشرك! قال: صدقت قد عرفت الذي قلت وفهمت ما وصفت والأمر على ما ذكرت، ولكن كيف أصنع وقد بليت بأمر الأمة ودعوت الفقهاء فلاناً وفلاناً على أن أستعين بهم على ما أنا فيه فهربوا مني؟ قال: إنهم لم يهربوا منك ولكن لم يعلموا أنك تريدهم للعمل بالحق وكان العمل معك ومعونتك أوجب عليهم من الصلاة والصيام والحج والنوافل ولكنهم هربوا خوفاً على أبدانهم من عذاب الله وذلك أنهم تخوفوا أن تحملهم على مثل رأيك. قال المنصور: فهذا عمي عيسى بن علي الضامن عليّ أنك إن تأتيني بهم أطلقت أيديهم في إنصاف الناس ولا أخالف أمرهم. فقال الرجل: أكذا يا عيسى أنت الضامن على ما قال الخليفة؟ قال: نعم. قال: الله، حتى قالها ثلاثاً. قال: وأقيمت الصلاة فافترقنا، فلما صلينا طلب الرجل فلم يوجد فكانوا يرون أنه الخضر، ﵇، أو ملك أرسل إليه.

стр. 154

وحكي عن الحجاج قال: حججت فنزلت ضرية فإذا أعرابي قد كور عمامته على رأسه وتنكب قوسه وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنما الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر فخذوا من ممركم لمقركم ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، أما بعد فإنه لم يستقبل أحد يوماً من عمره إلا بفراق آخر من أجله، فاستصلحوا لأنفسكم ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه وراقبوا من ترجعون إليه، فإنه لا قوي أقوى من خالق ولا ضعيف أضعف من مخلوق ولا مهرب من الله إلا إليه، وكيف يهرب من يتقلب في يدي طالبه، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. وقال بعض الأعراب: إن الموت ليقحم على الشيب تقحّم الشيب على الشباب، ومن عرف الدنيا لم يفرح فيها برخاء ولم يحزن فيها على بلوى، ولا طالب أغشم من الموت، ومن عطف عليه الليل والنهار أردياه، ومن وكل به الموت أفناه. وقال أعرابي: كيف تفرح بعمرٍ تنقصه الساعات وسلامة بدنٍ معرّض للآفات؟ ولقد عجبت من المؤمن يفر من الموت وهو سبيله إلى الثواب، ولا أرى أحداً إلا سيدركه الموت وهو منه آبق. وقال عتيق بن عبد الله بن عامر بن الزبير: كنت عند سليمان بن عبد الملك فدخل عليه عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين بالباب أعرابي له حزم ودين ولسان. فقال: يؤذن له. فلما دخل قال له سليمان: تكلم. قال: يا أمير المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله إن كرهته فإن وراءه ما تحب. قال: يا أعرابي إنا لنحتمل عمّن لا ينصح وأنت الناصح جيباً والمأمون غيباً. فقال: أما إذ أمنت بادرة غضبك فإني سأطلق من لساني ما خرست عنه الألسن تأدية لحق الله جل ذكره، وحق إمامتك يا أمير المؤمنين إنه قد تكنّفك قوم قد أساؤوا الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، حربٌ للآخرة سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله جل وعز فإنهم لا يألون للأمانة تضييعاً وللأمة خسفاً وعسفاً، وأنت مسؤول محاسب على ما اجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبناً بائع آخرته بدنيا غيره! فقال سليمان: يا أعرابي إن لسانك لأقطع من سيفك! قال: أجل يا أمير المؤمنين هو لك لا عليك. فقال له: هل لك حاجة في ذات نفسك؟ قال: لا حاجة لي في شيء خاص دون عام.

стр. 155

وعن أبي بكر الهذلي قال: بعث عمر بن هبيرة إلى الحسن البصري وابن سيرين والشعبي فقدموا عليه وهو بواسط، وكان رجلاً يحب حسن السيرة ويسمع من الفقهاء، فلما دخلوا عليه ألطفهم وأمر لهم بنزل وحسن ضيافة، فأقاموا على بابه شهراً، فغدا عليهم حسن بن هبيرة ذات يوم فقال: إن الأمير داخل عليكم، فجاء يتوكأ على عكاز له حتى دخل فسلم ثم قال: إن يزيد بن عبد الملك عبد من عبيد الله أخذ عهودهم وأعطاهم عهده كي يسمعوا له ويطيعوا، وإنه يأتيني منه كتب أعرف في تنفيذها الهلكة فإن أطعته عصيت الله، فماذا تأمرون؟ فقال الحسن: يا ابن سيرين أجب الأمير. فسكت. فقال للشعبي: أجب الأمير. فتكلم بكلام هيبةٍ، فقال: يا أبا سعيد ما تقول؟ فقال: أما إذ سألتني فإنه يحق عليّ أن أجيبك: إن الله جل وعز مانعك من يزيد ولن يمنعك يزيد من الله، وإنه يوشك أن ينزل بك ملك من السماء فيستنزلك من سريرك وسعة قصورك إلى باحة دارك ثم يخرجك من باحة دارك إلى ضيق قبرك ثم لا يوسع عليك إلا عملك. يا ابن هبيرة إني أنهاك عن الله جل وعز، فإنما جعل الله جل وعز السلطان ناصراً لعباده ودينه فلا تركبوا عباد الله سلطان الله فتذلوهم فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. يا ابن هبيرة لا تأمنن أن ينظر الله جل وعز إليك عند أقبح ما تعمل في طاعته نظرة مقت فيغلق عنك باب الرحمة. يا ابن هبيرة إني قد أدركت أناساً من صدور هذه الأمة كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم، وكانوا لحسناتهم أن لا تقبل أخوف منكم لسيئاتكم أن لا تغفر، وكانوا لثواب الآخرة أبصر منكم لمتاع الدنيا بأعينكم، وكانوا على الدنيا وهي عليهم مقبلة أشد إدباراً من إقبالكم عليها وهي عنكم مدبرة. يا عمر إني أخوفك مقاماً خوفك الله جل وعز من نفسه فقال: ذلك أن خاف مقامي وخاف وعيدي. يا عمر إن تكن مع الله على يزيد يكفك الله بائقته، وإن تكن مع يزيد الله على الله يكلك الله إليه. قال: فبكى ابن هبيرة وقام في عبرته وانصرف وأرسل إليهم من الغد بجوائزهم وأعطى الحسن أربعة آلاف درهم وابن سيرين والشعبي ألفين ألفين. فخرج الشعبي إلى المسجد وقال: من قدر منكم أن يؤثر الله جل وعز على خلقه فليفعل، فإن ابن هبيرة أرسل إليّ وإلى الحسن وابن سيرين فسألنا عن أمر. والله ما علم الحسن شيئاً جهلته ولا علمت شيئاً جهله ابن سيرين ولكنا أردنا وجه ابن هبيرة فأقصانا الله جل وعز وقصّر بنا، وأراد الحسن وجه الله فحباه تبارك اسمه وزاده. وعن المدائني عن علي بن حرب قال: قال الشعبي: جمعنا عمر بن هبيرة بواسط وفينا الحسن البصري فقال: أنا وليّ هذه الرعية وربما كان مني الشيء الذي لا أرضاه وأمور ترد عليّ من أمير المؤمنين أكره إمضاءها وإنفاذها. فقال الشعبي: لا عليك أيها الأمير، إنما الوالي والد يخطيء ويصيب، وما يرد عليك من رأي أمير المؤمنين فإن استطعت أن ترده فاردده وإلا فلا ضير عليك. فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال الحسن: قال رسول الله، ﷺ ، من استرعاه الله جل وعز رعية فلم يحط من ورائها بالنصيحة حرّم الله عليه الجنة، وأما رأي أمير المؤمنين فإذا ورد عليك فاعرضه على كتاب الله وإن وافقه فأمضه وإن خالفه فاردده، فإن الله جل وعز يمنعك من يزيد ولن يمنعك يزيد من الله. ثم أقبل الحسن على الشعبي فقال: ويلك يا شعبي! يقول الناس إن الشعبي فقيه أهل الكوفة فدخل على جبار من الجبابرة فيزين له المعصية! فقال: والله يا أبا سعيد لقد قلت وأنا أعلم ما فيه! قال: ذلك أوكد للحجة عليك وأبعد لك من العذر. قيل: ووجد في كتب بزرجمهر صحيفة فيها: إن حاجة الله جل وعز إلى عباده أن يعرفوه، فمن عرفه لم يعصه طرفة عين. كيف البقاء بعد الفناء؟ كيف يأسى المرء على ما فاته والموت يطلبه؟ فقال كسرى: لم يكن من حق عليه أن يُقتل وأنا نادم على ذلك. قيل: وحضرت الوفاة رجلاً من حكماء فارس فقيل له: كيف حالك؟ فقال: كيف يكون حال من يريد سفراً بعيداً بغير زاد ويقدم على ملك عادل بغير حجة ويسكن قبراً موحشاً بغير أنيس؟! مساوئ المواعظ

стр. 156

قال: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جزع عليه عمر جزعاً شديداً، فقال ذات يوم لمن حضره: هل من منشد شعراً أتعزى به أو واعظ يخفف عني فأتعزى وأتسلى؟ فقال رجل من أهل الشام: يا أمير المؤمنين كلّ خليل مفارق خليله بأن يموت أو بأن يذهب إلى مكان. فتبسم عمر، ﵀، ثم قال: ويحك! مصيبتي فيك زادتني مصيبة. قيل: وأصيب الحجاج بمصيبة وعنده رسول عبد الملك بن مروان فقال: ليت أني وجدت إنساناً يخفف عني مصيبتي! فقال رجل ممن حضر: أقول؟ قال: قل. فقال: كل إنسان يفارق صاحبه يموت أو يصلب أو يقع من فوق البيت أو يقع البيت عليه أو يسقط في بئر أو يغشى عليه أو يكون شيء لا يعرفه. فضحك الحجاج وقال: مصيبتي في أمير المؤمنين أعظم حيث وجه بمثلك رسولاً! محاسن ما قيل في المراثي قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى التيمي: أحسن مناطق الشعر المراثي والبكاء على الشيب، وكان بنو مروان لا يقبلون الشاعر إلا أن يكون راوية للمراثي، ويقولون: إن فيها ذكر معالي الأمور. وقيل لأبي عبيدة: ما أجود الشعر؟ فقال: النمط الأوسط، يعني المراثي. قال: وسألت أعرابياً: ما أجود الشعر عندكم؟ قال: ما رثينا به آباءنا وأولادنا، وذلك أنا نقولها وأكبادنا تحترق. قيل: وقال المأمون لبعض جلسائه: ما أحسن ما قيل في المراثي؟ فقال قوله: فتىً لم تكذّب موته نادباته ... بما قلن فيه لا ولا المادح المطري فتىً لم يزل مذ شدّ عقد إزاره ... مشيد المعالي أو مقيماً على ثغر قال الأصمعي: قدم علينا أعرابي فأقام عندنا أياماً ثم رجع إلى البادية فسأل عن إخوانه وأترابه فأُخبر أن الدهر أبادهم وأفناهم فبكى وأنشأ يقول: ألا يا موت لم منك بداً ... أتيت فما تحيد ولا تحابي كأنك قد هجمت على مشيي ... كما هجم المشيب على شبابي قال أبو العيناء: ابن أبي طاهر أشعر الناس في بيتيه حيث يقول: اذهبا بي إن لم يكن لكما عق ... رٌ إلى ترب قبره فاعقراني وانصحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان وقال في مثله: إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت ... حميمك فاعلم أنها ستعود وإن امرأً ينجو من النار بعدما ... تزوّد من أعمالها لسعيد عبد الرحمن بن عيسى بن حماد الهمذاني في حمولة كاتب أحمد بن عبد العزيز: حسنت لفقدك كثرة الأحزان ... بل هان بعدك نائب الحدثان ما كان حقك أن تصير إلى البلى ... وأعيش لولا قسوة الإنسان ولآخر: إذا ما الدهر جرّ على أناسٍ ... كلاكله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا ولعبدة بن الطبيب في قيس بن عاصم: عليك سلام الله قيس بن عاصمٍ ... ورحمته ما شاء أن يترحما سلام امريءٍ وليته منك نعمةً ... إذا زار عن شحطٍ بلادك سلّما فما كان قيسٌ هلكه هلك واحدٍ ... ولكنه بنيان قوم تهدما البسّامي يرثي عبيد الله بن سليمان بن وهب: قد انقضى العيش ومات الكمال ... وقال صرف الدهر أين الرجال هذا أبو القاسم في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال وله فيه: لست مستسقياً لقبرك غيثاً ... كيف يظما وقد تضمن بحرا أنت أولى بأن تعزى من النا ... س فقد مات بعدك الناس طرّا ولأبي الحسين بن أبي البغل: بعدت ديارك غير أني موجعٌ ... والهم مني في الحشا متداني فاذهب فقد عمرت بشخصك حفرةٌ ... فضلت على متشامخ البنيان ولئن صبرت فما صبرت تسليا ... لكن ذلك غاية الولهان مساوئ ما قيل في المراثي القاسم بن عبيد الله عند موته: لا تأمننّ الدهر إني أمنته ... فلم يبق لي حالاً ولم يرع لي حقا قتلت صناديد الرجال فلم أدع ... عدواً ولم أترك على ظهرها خلقا وأفنيت دار الملك من كل بارع ... فشتتُّهم غرباً وشدرتهم شرقا

стр. 157

فلما بلغت النجم عزاً ورفعةً ... وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا رماني الردى سهماً فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي ميتاً ألقى ولم يغن عني ما جمعت ولم أجد ... لدى قابض الأرواح في فعله رفقا ولبعضهم في القاسم بن عبيد الله: خرجت من الدنيا ذميماً إلى القبر ... فلا أحدٌ يأسى ولا عبرةٌ تجري وترت رسول الله في أهل بيته ... فكيف رأيت الله طالب بالوتر الجاحظ قال: مررت بقبرين مكتوب على أحدهما: أنا ابن سافك الدماء، وعلى الآخر: أنا ابن ساجن الريح، فسألت عنهما فقيل: كان أحدهما حجاماً والآخر حداداً. قال الكسروي: مررت بناووس في الري فإذا عليه مكتوب: وما نارٌ بمحرقةٍ جواداً ... وإن كان كان الجواد من المجوس ورأيت على ناووس ذكر أنه ناووس مهيار بن مهفيروز: أيا ميتاً قد كان في أهل دينه ... مكان سنان الرمح لما تقدما لقد كنت أرجو الدهر أن يسعف النوى ... وأرجو المنايا أن توافيك مسلما فإن بخست آمالنا فيك ضلةٌ ... سعادة جدٍ ما أجلّ وأعظما محاسن ما قيل في الشيب قال: دخل منصور النميري على الرشيد فأنشده: ما كنت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى مضى فإذا الدنيا له تبع فبكى الرشيد وقال: يا نميري لا خير في دنيا لا يخطر فيها بحلاوة الشباب ويستمتع بأيامه، وأنشد: ولو ان الشيب رزءٌ حل بي ... وقت ما استحققت شيباً لم أبل بل أتاني والصبا يرمقني ... مثل ما يأتي الكبير المكتهل وأنشد: حسرت عني القناع ظلوم ... وتولت ودمعها مسجوم أنكرت ما رأت برأسي فقالت ... أمشيبٌ أم لؤلؤٌ منظوم قلت شيبٌ وليس عيباً، فأنّت ... أنّةً يستثيرها المهموم واكتست لون مرطها ثم قالت ... هكذا من توسدته الهموم إن أمراً جنى عليك مشيب ال ... رأس في جمعه لأمر عظيم شدّ ما أنكرت تصرف دهرٍ ... لم يداوم وأي شيءٍ يدوم لابن المعتز: لما رأت شيباً يلوح بعارضي ... صدت صدود مغاضبٍ متحمّل نظرت إلي بعين من لم يعدل ... لما تمكن طرفها من مقتلي ما زلت أطلب وصلها بتذلل ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي ولابن المعتز أيضاً في الشيب: قالت وقد راعها مشيبي ... كنت ابن عمٍ فصرت عما واستهزأت بي فقلت أيضاً ... قد كنت بنتاً فصرت أما كفّي ولا تكثري ملامي ... ولا تزيدي العليل سقما من شاب أبصر الغواني ... بعين من قد عمي وصمّا لو قيل لي اختر عمىً وشيباً ... أيهما شئت قلت أعمى ولآخر: رأت طالعاً للشيب أغفلت أمره ... ولم تتعهده أكفُّ الخواضب فقالت: أشيباً ماأرى؟ قلت: شامةٌ ... فقالت: لقد شامتك بين الحبائب ولآخر: شكوت من الشيب حتى ضجرت ... فدبّ إلى عارضي واشتعل وسوّد وجهي فسودته ... فعلت به مثل ما قد فعل ولآخر: إذا راقهنّ خدين الشباب ... عطفن كما تعطف الوالده وإن هنّ عاينّ ذا شيبةٍ ... فيا لك من مقلٍ زاهده فويح الشباب وويح المشيب ... عدوّان دارهما واحده لابن المعتز: صرحت بالجفاء أمُّ حباب ... حين باشرتها ببعض الخطاب قلت: لم ذا وقد رأيتك حيناً ... لا تملّين عشرتي وعتابي؟ قالت الشيب قد أتاك فأقصر ... عن عتابي فلست من أصحابي فتعلّلت بالخضاب لأحظى ... عندها ساعةً بلون الخضاب فرأته فأعرضت ثم قالت: ... ستر سوءٍ على خرابٍ يباب ولابن المعتز أيضاً: رفعت طرفها إليّ عبوساً ... واستثارت من المآقي الرسيما

стр. 158

ورأتني أسرّج العاج بالعا ... ج فظلّت تستحسن الأبنوسا ليس شيبي إذا تأملت شيباً ... إنما الشيب ما أشاب النفوسا وله: ضحكت إذ رأت مشيبي قد لا ... ح وقالت قد فُضّض الأبنوس قلت: إن الشباب فيّ لباقٍ ... بعد، قالت: هذا شبابٌ لبيس قال: استقبل يونس النحوي عدواً له وهو يتهادى في مشيه ويقارب خطوه. فقال: يا يونس بلغت ما أرى! فقال: هذا الذي كنت آمله فقد بلغته فلا بلغته! فاستحسن ابن الزيات قوله فجعله شعراً وقال: وعائبٍ عابني بشيبٍ ... لم يعد لمّا ألمّ وقته فقلت إذ عابني بشيبٍ: ... يا عائب الشيب لا بلغته ولغيره: إن المسيب رداء الحلم والأدب ... كما الشباب رداء الجهل واللعب تعجبت إذ رأت شيبي فقلت لها ... لا تعجبي من يطل عمرٌ به يشب فينا لكُنّ وإن شيبٌ بدا أربٌ ... وليس فيكنّ بعد الشيب من أرب شيب الرجال لهم عزّ ومكرمةٌ ... وشيبكن لكن الذل فاكتئبي ولآخر: الشيب في رأس الفتى حلمٌ به ... والشيب في رأس الفتاة قبيح والخال في خدّ الفتى عيبٌ به ... والخال في خدّ الفتاة مليح محاسن الورع محمد بن الحسين عن أبي همّام وكان يخدم ضيغماً قال: كنت معه في طريق مكة، فلما صرنا في الرمل نظر إلى ما تلقى الإبل من شدة الحر فبكى. فقلت له: لو دعوت الله أن يمطر علينا كان أخف على هذه الإبل. قال: فنظر إلى السماء وقال: إن شاء ربي فعل. فوالله ما كان إلا أن تكلم حتى نشأت سحابة وهطلت. وعن عطاء أن أبا مسلم الخولاني خرج إلى السوق بدرهم يشتري لأهله دقيقاً فعرض له سائل فأعطاه بعضه ثم عرض له آخر فأعطاه الباقي وأتى إلى النجارين فملأ مزوده من نشارة الخشب وأتى به منزله وخرج هارباً من أهله، فأخذت المرأة المزود فإذا دقيق حوّارى فعجنته وخبزت. فلما جاء قال: من أين هذا؟ قالت: الدقيق الذي جئت به. وعن أبي عبد الله القرشي عن رجل قال: دخلت بئر زمزم فإذا أنا بشخص ينزع الدلو مما يلي الركن، فلما شرب أرسل الدلو فأخذته فشربت فضلته فإذا هو سويق لوزٍ لم أر سويق اللوز أطيب منه، فلما كانت القابلة في ذلك الوقت دخل الرجل وقد أسبل ثوبه على وجهه ونزع الدلو وشرب وأرسل الدلو، فأخذته وشربت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالعسل لم أشرب شيئاً قط أطيب منه، فأردت أن آخذ طرف ثوبه فأنظر من هو ففاتني، فلما كان في السنة الثالثة قعدت قبالة زمزم فلما كان في ذلك الوقت جاء الرجل وقد أسبل ثوبه على وجهه فدخل فأخذت طرف ثوبه، فلما شرب من الدلو وأرسلها قلت: يا هذا أسألك برب هذه البنيّة من أنت؟ قال: تكتم عليّ حتى أموت؟ قلت: نعم. قال: أنا سفيان، وهو الثوري، فتناولت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالسكر الطبرزد لم أر قط أطيب منه، فكانت تلك الشربة تكفيني إذا شربتها إلى مثلها من الوقت لا أجد جوعاً ولا عطشاً. وقال الأصمعي: رأيت أعرابياً يكدح جبينه بالأرض يريد أن يجعل سجادة فقلت: ما تصنع؟ قال: إني وجدتها نعم الأثر في وجه الرجل الصالح. ومما قيل من الشعر من هذا الفن منهم بشار حيث يقول: كيف يبكي لمحبسٍ في طلول ... من سيقضي ليوم حبسٍ طويل إن في البعث والحساب لشغلاً ... عن وقوفٍ برسم دارٍ محيلٍ ولمحمد بن بشير: ويلٌ لمن لم يرحم الله ... ومن تكون النار مثواه يا حسرتا في كل يومٍ أتى ... يذكرني الموت وأنساه كأنه قد قيل في مجلسٍ ... قد كنت أتيه وأغشاه صار البشيري إلى ربه ... يرحمنا الله وإياه ولجرير: إن الشقي الذي في النار منزله ... والفوز فوز الذي ينجو من النار يا رب قد أسرفت نفسي وقد علمت ... علماً يقيناً لقد أحصيت أثاري فاغفر ذنوباً إلهي قد أحطت بها ... رب العباد وزحزحني عن النار ولذي الرمة بيت: إن تنج منها تنج من ذي عظيمةٍ ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا ولآخر:

стр. 159

أستغفر الله مما يعلم الله ... إن الشقي لمن لم يرحم الله هبه تجاوز لي عن كل سيئةٍ ... وا سوءتاه من حيائي يوم ألقاه ولإسماعيل بن القاسم: تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محالٌ في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع ولآخر: أيا عجباً كيف يعصي الإل ... هـ أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيءٍ له قدرةٌ ... تدلّ على أنه واحد ولله في كل تحريكةٍ ... وتسكينةٍ أبداً شاهد ولأبي نواس الحسن بن هانيء: سبحان من خلق الخل ... ق من ضعيفٍ مهين يسوقهم من قرارٍ ... إلى قرارٍ مكين يحور خلقاً فخلقاً ... في الحجب دون العيون حتى بدت حركاتٌ ... مخلوقة من سكون ولآخر: أخي ما بال قلبك ليس ينقى ... كأنك لا تظنّ الموت حقا ألا يا ابن الذين مضوا وبادوا ... أما والله ما ذهبوا لتبقى وما لك غير تقوى الله زادٌ ... إذا جعلت إلى اللهوات ترقى ولآخر: يا قلب مهلاً وكن على حذر ... فقد لعمري أمرت بالحذر ما لك بالترهات مشتغلاً ... أفي يديك الأمان من سقر ولآخر: إن كنت توقن بالقيا ... مة واجترأت إلى الخطيه فلقد هلكت وإن جحد ... ت فذاك أعظم للبليه ولآخر: وأفنية الملوك محجباتٌ ... وباب الله مبذول الفناء فمن أرجو سواه لكشف ضرٍّ ... وبلوى حين أجهد في الدعاء وشكوائي إلى ملك عظيمٍ ... جليلٍ لا يصمّ عن الدعاء مساوئ من لم يتورع ابن أبي العرجاء قال: أراد موسى بن داود بن علي بن عبد الله بن العباس الخروج إلى الحج فدعا بأبي دلامة فقال له: تهيأ حتى تخرج معنا، وأعطاه عشرة آلاف درهم وقال: خلّف لعيالك ما يكفيهم. وإنما أراد موسى أن يأنس به في طريقه ويحدثه بنوادره وملحه ويسامره بالليل والنهار وينشده الأشعار. وكان أبو دلامة يفي بذلك كله مع ظرف كان فيه ولطف، وكان من ابراز الملوك. فلما حضر خروج موسى هرب إلى السواد بالكوفة فجعل يشرب من خمرها ويتمتع في نزهتها، وقد سأل عنه موسى فقيل له: استتر، فطلبه تحت كل حجر فلم يقدر عليه فخاف أن يفوته الحج فلما أيس منه قال: اتركوه إلى نار الله وحرّ سقره، وخرج، فلما شارف القادسية نظر إلى أبي دلامة قد خرج من قرية يريد أخرى، فبصروا به وأتوه به. فقال: قيدوه وألقوه في المحمل، ففعل به ذلك، وأنشأ يقول: يا معشر الناس قولوا أجمعين معاً ... صلى الإله على موسى بن داود أما أبوك فعين الجود تعرفه ... وأنت أشبه خلق الله بالجود نُبّئت أن طريق الحج معطشةٌ ... من الطلاء وما شربي بتصريد والله ما بي من خيرٍ فتطلبه ... في المسلمين ولا ديني بمحمود كأن ديباجتي خدّيه من ذهبٍ ... إذا تكسّر في أثوابه السود إني أعوذ بداودٍ وتربته ... من أن أحج بكرهٍ يا ابن داود فقال موسى: ألقوه من المحمل عليه لعنة الله ودعوه يذهب إلى سقر الله! فأُلقي عن المحمل ومضى موسى لوجهه. فما زال أبو دلامة بالسواد يشرب من خمرها ويتمتع في نزهتها حتى أتلف العشرة الآلاف الدرهم مع إخوانه وندمائه، وانصرف موسى فدخل عليه أبو دلامة يهنئه، فلما بصر به قال: يا محارف أتدري ما فاتك؟ فقال: والله يا سيدي ما فاتني ليل ولا نهار، يعني اللهو والقصف، ثم أنشده مديحاً له فيه، فاستحسنه وأمر له بجائزة. قيل: وكان جندي بقزوين يصلي في بعض المساجد فافتقده المؤذن أياماً فقرع عليه الباب فخرج إليه. فقال له المؤذن: أبو من؟ قال: أبو الجحيم. قال: بس ردّ يا هذا الباب. قال وقيل للقيني: ما أيسر ذنبك؟ قال: ليلة الدير. قيل: وما ليلة الدير؟ قال: نزلت بديرانية فأكلت عندها طفيشلاً بلحم خنزير وشربت خمرها وسرقت كساءها وخرجت. ما قيل فيه من الشعر قال بشار:

стр. 160

وإنني في الصلاة أحضرها ... ضحكة أهل الصلاة إن شهدوا أقعد في سجدةٍ إذا ركعوا ... وأرفع الرأس إن هم سجدوا أسجد والقوم راكعون معاً ... وأسرع الوثب إن هم قعدوا فلست أدري إذا إمامهم ... سلّم كم كان ذلك العدد ولآخر: نعم الفتى لو كان يعرف ربه ... ويقيم وقت صلاته حمّاد عدلت مشافره الدنان وأنفه ... مثل القدوم يسنه الحداد وابيض من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد ولآخر: إن قرأ العاديات في رجب ... فليس يأتي بها إلى رجب بل هو لا يستطيع في سنةٍ ... يختم تبّت يدا أبي لهب محاسن صفة الدنيا قال علي بن أبي طالب: الدنيا دار صدقٍ لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنىً لمن تزود منها، مسجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها ونعت نفسها فشوّقت بسرورها إلى السرور ببلائها إلى البلاء تخويفاً وتحذيراً وترغيباً وترهيباً، فأيها الذام للدنيا والمتعلل بتغريرها متى غرتك، أبمصارع آبائك في البلى أم بمضاجع أمهاتك في الثرى؟ كم عللت بكفيك وكم مرّضت بيديك تبتغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء وتلتمس لهم الدواء لم ينفعهم تطلّبك ذلك ولم يشفهم دواؤك! مثلت لك الدنيا مصرعك ومضجعك حيث لا ينفعك بكاؤك ولا يغني عنك أحباؤك، ثم وقف على أهل القبور فقال: يا أهل الثروة والعز إن الأزواج بعدكم قد نُكحت والأموال قد قُسمت والدور قد سُكنت، فهذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما والله لو أذن لهم لقالوا: إن خير الزاد التقوى. وفي خبرٍ أن علياً وقف على المقابر ثم قال: اعتبروا بأهل الديار التي طُبِّق بالخراب فناؤها وشيد في التراب بناؤها، فمحلها مقترب وساكنها مغترب، لا يتزاورون تزاور الإخوان ولا يتواصلون تواصل الجيران، قد طحنهم بكلكله البلى وأكلتهم الجنادل والثرى. ثم قال: إن الأزواج بعدكم قد نُكحت، إلى آخر الخبر. مساوئ صفة الدنيا قال الحسن البصري: بينا أنا أطوف بالبيت إذا أنا بعجوز متعبدة، فقلت: من أنت؟ فقالت: من بنات ملوك غسان. قلت: فمن أين طعامك؟ قالت: إذا كان آخر النهار في كل يوم تجيئني امرأة متزينة فتضع بين يدي كوزاً من ماء ورغيفين. قلت لها: أتعرفين المرأة؟ قالت: اللهم لا. قلت: هذه الدنيا خدمت ربك جل وعز فبعث إليك بالدنيا فخدمتك على رغم أنفها. وزعموا أن زياد ابن أبيه مرّ بالحيرة فنظر إلى دير هناك فقال لحاجبه: ما هذا؟ قال: دير حرقة بنت النعمان بن المنذر. فقال: ميلوا بنا إليها نسمع كلامها. فجاءت إلى وراء الباب فكلمها الخادم فقال لها: كلمي الأمير. فقالت: أوجز أم أطيل؟ قال: بل أوجزي. قالت: كنا أهل بيتٍ طلعت الشمس وما على الأرض أعزّ منا فما عابت تلك الشمس حتى رحمنا عدونا. قال: فأمر لها بأوساق من شعير. فقالت: أطعمتك يدٌ شبعى جاعت ولا أطعمتك يدٌ جوعى شبعت. فسّر زياد بكلامها وقال لشاعر: قيد هذا الكلام لا يدرس. فقال: سل الخير أهل الخير قدماً ولا تسل ... فتىً ذاق طعم الخير منذ قريب وفي مثل هذا قول أعرابي وقد دعا لرجل برّه: مسّتك يدٌ أصابت فقراً بعد غنىً ولا مسّتك يدٌ أصابت غنىً بعد فقر. ويقال: إن فروة بن إياس بن قبيصة انتهى إلى دير حرقة بنت النعمان فألفاها وهي تبكي. فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما من دار امتلأت سروراً إلا امتلأت ثبوراً، ثم قالت: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقةٌ نتقسم وقالت: فأفٍّ لدنيا لا يدوم نعيمها ... وأفٍّ لعيشٍ لا يزال يُهضّم قال: وقالت حرقة بنت النعمان لسعد بن أبي وقاص: لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة وعقد لك المنن في أعناق الكرام، ولا أزال بك عن كريم نعمةً، ولا أزالها بغيرك إلا جعلها السبب لردها عليه.

стр. 161

قال وقال عبد الملك بن مروان لسلمة بن زيد الفهمي: أي الزمان أدركت أفضل وأي الملوك؟ فقال: أما الملوك فلم أر إلا ذاماً أو حامداً، وأما الزمان فيضع قوماً ويرفع آخرين وكلهم يذمّ زمانه لأنه يبلي جديدهم ويطوي أعمارهم ويهرم صغيرهم وكل ما فيه منقطع إلا الأمل. قال: فأخبرني عن فهم. قال: هم كما قال الشاعر: درج الليل والنهار على فه ... م بن عمرو فأصبحوا كالرميم وخلت دارهم فأضحت يباباً ... بعد عزٍّ وثروةٍ ونعيم وكذاك الزمان يذهب بالنا ... س وتبقى ديارهم كالرسوم قال: فمن يقول منكم: رأيت الناس مذ خلقوا وكانوا ... يحبّون الغنيّ من الرجال وإن كان الغنيّ أقل خيراً ... بخيلاً بالقليل من النوال فما أدري علام وفيم هذا ... وماذا يرتجون من البخال أللدنيا فليس هناك دنيا ... ولا يُرجى لحادثة الليالي قال: أنا وقد كتمتها. قال: ولما دخل عليّ بن أبي طالب، ﵁، المدائن نظر إلى إيوان كسرى فأنشده بعض من حضره قول الأسود بن يعفر: ماذا أؤمل بعد آل محرِّقٍ ... تركوا منازلهم وبعد إياد أهل الخورنق والسدير وبارقٍ ... والقصر ذي الشرفات من سنداد نزلوا بأنقرةٍ يسيل عليهم ... ماء الفرات يسيل من أطواد أرضٌ تخيّرها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أمّ دؤاد جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد فأرى النعيم وكلُّ ما يلهى به ... يوماً يصير إلى بلىً ونفاد فقال علي، ﵁: أبلغ من ذلك قول الله جل وعز: " كم تركوا من جناتٍ وعيون وزروعٍ ومقامٍ كريمٍ ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوماً آخرين ". وقال عبد الملك ببن المعتز: أهل الدنيا كصورة في صحيفة كلما نُشر بعضها طوي بعضها. وقال: أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام. وقال بعضهم: طلاق الدنيا مهر الجنة. وذكر أعرابي الدنيا فقال: هي جمّة المصائب رنقة المشارب لا تمتعك الدهر بصاحب. وقال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على الله جل وعز أنه لا يُعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها. وقيل: إذا أقبلت الدنيا على امريء أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. ما قيل فيه من الشعر قال الأصمعي: ووجد في قبة لسليمان بن داود، ﵇، مكتوب: ومن يحمد الدنيا لشيء يناله ... فسوف لعمري عن قليلٍ يلومها إذا أدبرت كانت على الناس حسرةً ... وإن أقبلت كانت كثيراً همومها وكان إبراهيم بن أدهم ينشد: نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع وقال أبو العتاهية: يا من ترفّع بالدنيا وزينتها ... ليس الترفّع رفع الطين بالطين إذا أردت شريف القوم كلهم ... فانظر إلى ملكٍ في زي مسكين ولآخر: هب الدنيا تساق إليك عفواً ... أليس مصير ذاك الزوال فما ترجو بشيءٍ ليس يبقى ... وشيكاً ما تغيره الليالي محمود الورّاق: هي الدنيا فلا يغررك منها ... مخايل تستفزّ ذوي العقول أقل قليلها يكفيك منها ... ولكن ليس تقنع بالقليل تشيد وتبتني في كل يومٍ ... وأنت على التجهّز والرحيل ومن هذا الذي يُبقي عليها ... مضاربه بمدرجة السيول ولآخر: أيا دنيا حسرت لنا قناعاً ... وكان جمال وجهك في النقاب ديارٌ طال ما حجبت وعزّت ... فأصبح إذنها سهل الحجاب وقد كانت لها الأيام ذلّت ... فقد قُرنت بأيام صعاب كأن العيش فيها كان ظلاً ... يُقلّبه الزمان إلى ذهاب ولآخر: دنيا تداولها العباد ذميمةٌ ... شيبت بأكره من نقيع الحنظل وثبات دنيا لا تزال ملمةً ... منها فجائع مثل وقع الجندل ولآخر بيت:

стр. 162

حتى متى أنت في دنياك مشتغلٌ ... وعامل الله بالرحمان مشغول أبو نواس: دع الحرص على الدنيا ... وفي العيش فلا تطمع ولا تجمع من المال ... فما تدري لمن تجمع ولا تدري أفي أرض ... ك أم في غيرها تصرع قال: وقال الأصمعي قال أبو عمرو بن العلاء: بينا أنا أدور في بعض البوادي إذا أنا بصوت: وإنّ امرأً دنياه أكثر همه ... لممتسك منها بحبل غرور قال: فنقشته على خاتمي. قال: وسمع يحيى بن خالد البرمكي بيت العدويّ في صفة الدنيا حيث يقول: حتوفها رصدٌ وعيشها نكدٌ ... وشربها رنقٌ وملكها دول فقال: لقد انتظم في هذا البيت صفة الدنيا. قيل: وسمع المأمون بيت أبي نواس: إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفت ... له عن عدوٍّ في ثياب صديق فقال: لو سئلت الدنيا عن نفسها لما وصفت كما وصفها به أبو نواس. وقال أبو حازم: الدنيا طالبة ومطلوبة وطالب الدنيا يطلبه الموت حتى يخرجه منها وطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى توفيه رزقه. قال: وقيل للحسن البصري: ما تقول في الدنيا؟ فقال: ما عسى أن أقول؟ حلالها حساب وحرامها عذاب. فقيل: ما سمعنا كلاماً أوجز من هذا! قال: بلى كلام عمر بن عبد العزيز، كتب إليه عدي بن أرطاة وهو على حمص أن مدينة حمص قد تهدمت واحتاجت إلى إصلاح حيطانها، فكتب إليه: حصنها بالعدل ونقّ طرفها من الظلم. محاسن معرفة الأوائل حدثنا زيد بن أخزم قال: حدثنا عبد الصمد عن سعيد عن المغيرة قال: سمعت سماك بن سلمة يقول: أول من خط بالقلم إدريس، ﵇. وهو أول من خاط الثياب ولبسها وكانوا من قبله يلبسون الجلود. وأول قرية بنيت في الأرض قرية تسمى ثمانين ابتناها نوح، ﵇. وأول من عمل الصابون سليمان بن داود، ﵇. وأول من باع فيمن يزيد حلساً وقدحاً رسول الله، ﷺ . وأول من اتخذ القراطيس يوسف، ﵇. وأول من خبز له الرقاق نمرود بن كنعان لعنه الله وأول من حكم في الخنثى عامر بن الظرب العدواني. وأول من خضب بالسواد عبد المطلب بن هاشم. وأول من سنّ الدية من الإبل أبو سيارة العدواني وأقره رسول الله، ﷺ ، في الإسلام. وأول من خلع نعله لدخول الكعبة الوليد بن المغيرة فخلع الناس نعالهم في الإسلام. وهو أول من قضى بالقسامة في الجاهلية فأقرها رسول الله، ﷺ ، في الإسلام. وهو أول من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية فأقرها رسول الله، ﷺ ، في الإسلام. وهو أول من قطع في السرقة في الجاهلية فقطع رسول الله في الإسلام. وأول من سلّم عليه بالإمرة المغيرة بن شعبة. وأول من أرّخ الكتب وختم على الطين عمر بن الخطاب، ﵁. وأول من كتب بالعربية مرامر بن مروة من أهل الأنبار فانتشر من الأنبار في الناس. وأول من مشت الرجال معه وهو راكب الأشعث بن قيس. وأول من اتخذ المقصورة في المسجد معاوية بن أبي سفيان وذلك أنه بصر كلباً على منبره. وأول من لبس الخفاف وثياب الكتان زياد بن أبي سفيان، وأول من لبس الطيلسان جبير بن مطعم. وأول من لبس الخز الطاروني عبد الله بن عامر فقال الناس: لبس الأمير جلد دب. وأول من نقش على الدراهم عبد الملك بن مروان وأول من سمّي عبد الملك. وأول من ابتنى مدينة في الإسلام الحجاج بن يوسف بنى مدينة واسط، وهو أول من قعد على سرير في حرب وأول من اتخذ المحامل، فقال فيه حميد الأرقط: أخزى الإله عاجلاً وآجلا أول عبدٍ عمل المحاملا عبد ثقيفٍ ذاك أزلاً آزلا وهو أول من عُلق له الخيش ونقل له الثلج. وأول من أطعم على ألف مائدة على كل مائدة عشرة رجال وأجاز بألف ألف درهم ولبس الدراريع السود المختار بن أبي عبيد. وأول من حذا النعال جذيمة الأبرش، وهو أول من وضع المنجنيق ورفعت له الشموع ونادم الفرقدين. وأول من حدا رجلٌ من مضر. وأول رأس حمل من بلد إلى بلدٍ رأس عمرو بن الحمق الخزاعي. وأول من عمل له النعش زينب بنت جحش زوجة رسول الله، ﷺ ، فقال عمر بن الخطاب: نعم خباء الظعينة!

стр. 163

وأول من قطع نهر بلخ سعيد بن عثمان بن عفان. وأول من ضرب بسيفه باب قسطنطينية وأذّن في بلاد الروم عبد الله بن طليب من بني عامر بن صعصعة وكان مع مسلمة بن عبد الملك فأراد قيصر قتله فقال: والله لئن قتلتني لا تبقى بيعة في بلدان الإسلام إلا هدمت! فكفّ عنه. وأول من جمّع جمعة مصعب بن عمير جمّعهم بالمدينة وكانوا اثني عشر رجلاً. وروى أبو هلال عن أبي حمزة قال: أول من رأينا بالبصرة يتوضأ بالماء عبيد الله بن أبي بكرة فقلنا: انظروا إلى هذا الشيخ يلوط استه، أي يستنجي بالماء. وأول مولود ولد في الإسلام عبد الله بن الزبير. وأول من رشا في الإسلام المغيرة بن شعبة. وأول رام رمى في الإسلام سعد بن أبي وقاص. وأول قاضٍ قضى أبو قرّة الكندي. وأول من اتّخذ الجمّازات أم جعفر. مساوئ الأوائل أول من اتخذ الود رجلٌ يقال له لَمَك ولد له على كبر سنه ابن فأصيب به واشتد وجده عليه فعمد إلى عود واتخذ كهيأة الصبي شبه صدر العود بالفخذ وإبريقه بالقدم والملاوي بالأصابع والأوتار بالعروق ثم ضرب به، وكانت له ابنة يقال لها ملاهي، وهي أول من اتخذت المعازف والطبول. وأول من عمل الطنابير قوم لوط كانوا يستميلون بها الغلمان المرد. وأما الزمر وشبهه فللرعاء والأكراد. وكان أول من غنّى من العرب جذيمة بن سعد الخزاعي وذلك بعد جرادتي عاد، وكان من أحسن الناس صوتاً فسمي المصطلق فغنى بالركبانية، ويقال إن أول من غنى باليمن رجل من حمير يقال له عنبس: وأول من غنى بالحرمين طويس. وأول امرأة قطعت يدها في الإسلام في السرق بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم قطعها رسول الله، ﷺ ، وقال: لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها. ومن الرجال الخيار بن عدي بن نوفل. محاسن الدلائل روي عن النبي، ﷺ ، أنه قال لعلي بن أبي طالب، ﵁: إن المؤمن إذا أتت عليه ستون سنة أحبه أهل السماء والأرض، وإذا أتت عليه سبعون سنة كتبت حسناته ومحيت سيئاته، وإذا أتت عليه ثمانون سنة غفر له ما تقدم من ذنبه، وإذا أتت عليه تسعون سنة شفّع في أهل بيته وأهله، وإذا أتت عليه مائة سنة كتب اسمه عند الله أسير الله في أرضه. وقال عمرو بن العاص: يتغير الغلام لسبع، ويحتلم لأربع عشرة سنة، ويتم خلقه لإحدى وعشرين، ويجتمع عقله لثمان وعشرين، وما بعد ذلك فتجارب. وقال وهشابور: يستحب من الربيع الزهرة، ومن الخريف الخصب، ومن الغريب الانقباض، ومن القاريء البيان، ومن الغلام الكياسة، ومن الجارية الملاحة. ومنه باب آخر قيل: إذا جارت الولاة قحطت السماء، وإذا منعت الزكاة هلكت الماشية، وإذا ظهر الربا ظهر الفقر والمسكنة، وإذا خفرت الذمة أُديل العدو. وعن ابن عباس قال: إذا رأيتم السيوف قد أعريت والدماء قد أُريقت فاعلموا أن حكم الله جل وعز قد ضيّع وانتقم من بعضهم ببعض، وإذا رأيتم الرثاء قد فشا فاعلموا أن الربا قد فشا، وإذا منعتم القطر فاعلموا أن الناس قد منعوا ما عندهم من الزكاة فمنع الله جل وعز ما عنده. محاسن المشورة كان يقال: إذا استحار الرجل ربه واستشار نصيحة وأجهد رأيه فقد قضى ما عليه ويقضي الله جل وعز في أمره ما يحب. وقال آخر: حسن المشورة من المشير قضاء لحق النعمة. وقيل: إذا استشرت فانصح وإذا تركت فاصفح. وقال آخر: من وعظ أخاه سراً زانه ومن وعظه علانية شانه. وقال آخر: الاعتصام بالمشورة نجاة. وقال آخر: نصف عقلك مع أخيك فاستشره. وقال آخر: إذا أراد الله بعبد هلاكاً أهلكه برأيه. وقال آخر: إن المشورة تقوّم اعوجاج الرأي. وقال: إياك ومشورة النساء فإن رأيهن إلى الإفن وعزمهن إلى الوهن. وروي عن ابن عباس، ﵁، أنه قال: كان بين العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، ﵁، مباعدة فلقيت علياً، ﵀، فقلت له: إن كان لك في النظر إلى عمك حاجة فأته وما أراك تلقاه.

стр. 164

فوجم لها ثم قال: تقدمني. فتقدمته فأذن له فاعتنق كل واحد منهما صاحبه وأقبل عليّ على يده ورجله يقبلهما ويقول: يا عم ارض عني رضي الله عنك! قال: قد رضيت عنك، ثم قال: يا ابن أخي قد كنت أشرت عليك بأشياء فلم تقبل مني فرأيت في عاقبتها ما كرهت وها أنا أشير عليك برأي آخر فإن قبلته وإلا نالك ما نالك. فقال: وما الذي كنت أشرت به يا عم؟ قال: أشرت عليك لما قُبض رسول الله، ﷺ ، أن تسأله فإن كان الأمر فينا أعطاناه وإن كان في غيرنا أوصى بنا. فقلت: إن منعناه لم يعطنا أحد بعده. فمضت تلك، فلما قبض رسول الله، ﷺ ، أتانا سفيان بن حرب تلك الساعة فدعوناك إلى أن نبايعك فقلت: ابسط يدك حتى نبايعك، فإنا إن بايعناك لم يختلف عليك منافيّ وإن بايعك بنو عبد مناف لم يختلف عليك قرشي وإن بايعتك لم يختلف قريش لم يختلف عليك أحد من العرب. فقلت: في جهاز رسول الله، ﷺ ، شغلٌ وليس عليّ فوت. فلم نلبث أن سمعنا التكبير من سقيفة بني ساعدة فقلت: ما هذا يا عم؟ فقلت: هذا ما دعوناك إليه فأبيته! قلت: سبحان الله ويكون هذا! قلت وهل رد مثل هذا؟ ثم أشرت عليك حين طُعن عمر، ﵀، أن لا تدخل نفسك في الشورى فإنك إن اعتزلتهم قدّموك وإن ساويتهم تقدموك. فدخلت معهم فكان ما رأيت. وها أنا أقول لك الآن: أرى هذا الرجل، يعني عثمان بن عفان، ﵀، يأخذ في أمور ولكأني بالعرب قد سارت إليه حتى يُنحر كما ينحر الجزور، والله لئن كان ذاك وأنت بالمدينة ليرمينك الناس بدمه ولئن فعلوا لا تنال من هذا الأمر شيئاً إلا بشر لا خير معه. قال ابن عباس: فلما قتل عثمان، ﵁، خرج عليّ وهو على بغلة رسول الله، ﷺ . وأنا عن يمينه وابن القاريء عن يساره، وكان من أمر طلحة والزبير ما كان، وقتل طلحة عشية ذلك اليوم وأنا أرى الكراهية في وجه عليّ، ﵁. فقال: أما والله لقد كنت أكره أن أرى قريشاً صرعى تحت بطون الكواكب، ولكن نظرت إلى ما بين الدفتين فلم أر يسعني إلا قتالهم أو الكفر، ولئن كان قال هؤلاء ما سمعت في طلحة لقد كان كما قال أخو جعفى: فتىً كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر ورحم الله عمي فكأنما يطلع إلى الغيب من ستر رقيق، صدق والله ما نلت من هذا الأمر شيئاً إلا بعد شر لا خير معه. قال: وقال ابن عباس لعلي، ﵁: اجعلني السفير بينك وبين معاوية في الحكمين فوالله لأفتلنّ له حبلاً لا ينقطع وسطه ولا ينتشر طرفاه. قال علي، ﵀: لست من كيدك وكيد معاوية في شيء، والله لا أعطيه إلا السيف حتى يدخل في الحق. قال ابن عباس: وهو والله لا يعطيك إلا السيف حتى يغلب بباطله حقك. قال علي، ﵁: وكيف ذاك؟ قال: لأنك تطاع اليوم وتعصى غداً وإنه يُطاع فلا يعصى. فلما انتشر على عليّ، ﵁، أصحابه وابن عباس بالبصرة قال: لله ابن عباس إنه لينظر إلى الغيب من ستر دقيق. ومثله خبر عمر بن الخطاب، ﵁، حين قال لأصحابه: دلوني على رجل أستعمله على أمرٍ قد أهمني. قالوا: فلان. قال. لا حاجة لنا فيه. قالوا: فمن تريد؟ قال: أريد رجلاً إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم. قالوا: ما نعرف هذه الصفة إلا في الربيع بن زياد الحارثي. قال: صدقتم. فولاه. ومنه خبر صاحب الأمين، فإنه حكي أنه كان بمدينة السلام شيخ من الكتاب مسنّ قد اعتزل لأمور وكان يوصف بجودة الرأي، فدعاه محمد الأمين وشاوره في أمر أخيه المأمون وما ينبغي أن يعامله حتى يقع في يده. فقال: إن استعجلت لم تنتفع بفعل ولا رأي، وإن تمهلت وقبلت مشورتي تمكنت من أخيك وذاك أنك تدعو بحُجاج خراسان إذا قدموا مدينة السلام وتجلس مجلساً حافلاً وتقول لهم: إن أخي كتب إلي يحمدكم ويذكر سمعكم وطاعتكم وجميل مذاهبكم، وتجزيهم الخير ثم تقول: قد أسقطت عنكم خراج سنة، وأخوك في بلد رجال بلا مال وليس له في نقض قولك حيلة وسيناله من ذلك خلل شديد حتى ينتقض أكثر أمره، ثم تفعل مثل ذلك في السنة المقبلة وترفع عنهم خراج سنتين، فإن لم يأتوك بأخيك في وثاق وكنت حياً فاضرب عنقي.

стр. 165

فلم يقبل الأمين ذلك للأمر المقدور والقضاء السابق وعجّل إلى خلع المأمون في عقد الأمر لابنه حتى كان ما كان. وليس يبلغ شيء في الملك والدولة خاصة مبلغ الرأي لأن الرأي لا يحتاج إلى السلاح والسلاح يحتاج أهله إلى الرأي وإلا كانت عدتهم عليهم ضرراً إذا لم يصيبوا في استعمالها وجه الرأي. مساوئ من يستشير قال بعض أهل العلم: لو لم يكن في المشورة إلا الاستحقار من صاحبها لك وظهور فقرك إليه لوجب اطّراح ما تفيده المشورة وإلقاء ما تكسبه الإنسان، وما استشرت أحداً قط إلا كبر عندي وتصاغرت له ودخلته العزة ودخلتني الذلة، فإياك والمشورة وإن ضاقت بك المذاهب واختلفت عليك المسالك وأداك الاستبهام إلى الخطإ الفادح، فإن صاحبها أبداً مستذل مستضعف، وعليك بالاستبداد فإن صاحبها أبداً جليل في العيون مهيب في الصدور، ولن تزال كذلك ما استغنت عن العقول، فإذا افتقرت إليها حقرتك العيون ورجفت بك أركانك وتضعضع شأنك وفسد تدبيرك واستحقرك الصغير واستخف بك الكبير وعُرفت بالحاجة إليهم، وقد قيل: نعم المستشار العلم ونعم الوزير العقل. وممن اقتصر على رأيه دون المشاورة أبو جعفر المنصور، فإنه لما حدث من أمر إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن ما حدث أمسك المنصور عن المشاورة واستبدّ برأيه وأقبل على السهر والخلوة ولم يذكر أمرهما لأحد من أهله، وكان تحته مصلّى قد تفزّز لحمته وسداه وكان جلوسه ومبيته عليه فلم يغيره، وعليه جبّة خزّ دكناء قد درن جيبها فلم يغيّرها حتى ظفر، وكان يقول في تلك الحال: إياك والمشورة فإن عثرتها لا تستقال وزلتها لا تُستدرك، فكم قد رأيت من نصيح عاد نصحه غشاً! ومنهم الرشيد فإنه حُكي عنه أنه بعث ذات ليلة إلى جعفر بن يحيى: إني قد سهرت فوجّه إليّ بعض سمّارك. فوجه إليه بسمير له كوفيّ، فسامره ليلته، فلما أن رجع سأله جعفر عن خبره. فقال: سامرته ليلتي كلها فأنشدته فما رأيته استحلى إلا بيتين من شعر أنشدتهما إياه فإنه أولع بهما وما زال يأمرني بتكريرهما عليه حتى حفظهما. فقال جعفر: وما هما؟ قال: ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد واستبدت مرةً واحدةً ... إنما العاجز من لا يستبد فقال له جعفر: أهلكني والله وأهلكت نفسك! قال: وكيف ذاك؟ قال: إنه كان لا غنى به عني وعن مشورتي ولم يكرر البيتين إلا وقد عزم على ترك مشاورتي والاستبداد بالرأي. فقتله بعد حول. وقال الشاعر في مثله: بديهته وفكرته سواءٌ ... إذا ما نابه الخطب الكبير وأحزم ما يكون الدهر رأياً ... إذا عمي المشاور والمشير وصدرٌ فيه للهمم اتساعٌ ... إذا ضاقت بما فيه الصدور ومنهم الشعبي، فإنه ذكر أنه كان صديقاً لابن أبي مسلم كاتب الحجاج وأنه لما قدم به على الحجاج لعنه، فقال له: أشر عليّ. فقال: ما أدري بما أشير ولكن اعتذر بما قدرت عليه. وأشار عليه بذلك جميع أصحابه. قال الشعبي: فلما دخلت خالفت مشورتهم ورأيت والله غير الذي قالوا، فسلمت عليه بالإمرة ثم قلت: أصلح الله الأمير! إن الناس قد أمروني أن أعتذر بغير ما يعلم الله أنه الحق، وأيم الله لا أقول في مقامي هذا إلا الحق! قد جهدنا وحرّضنا فما كنا بالأقوياء الفجرة ولا بالأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا وإن عفوت فبحلمك والجحة لك علينا. فقال الحجاج: أنت والله أحب إلينا قولاً ممن يدخل علينا وسيفه يقطر من دمائنا ويقول: والله ما فعلت وما شهدت، أنت آمن يا شعبي! فقلت: أيها الأمير اكتحلت والله بعدك بالسهر واستحلست الخوف وقطعت صالح الإخوان ولم أجد من الأمير خلقاً. فقال: صدقت فانصرف. فانصرفت. محاسن كتمان السر قال: كان المنصور يقول: الملوك تحتمل كل شيء من أصحابهم إلا ثلاثاً: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك. وكان يقول: سرك من دمك فانظر من تملكه. وكان يقول: سرك لا يطلع عليه غيرك. إن من أنفذ البصائر كتمان السر حتى يبرم المبروم. وقيل لأبي مسلم صاحب الدولة: بأي شيء أدركت هذا الأمر؟ فقال: ارتديت بالكتمان واتزرت بالحزم وحالفت الصبر وساعدت المقادير فأدركت ظني وحزت حدّ بغيتي، وأنشد:

стр. 166

أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه الملوك بني مروان إذ حشدوا مازلت أسعى عليهم في ديارهم ... والقوم في غفلة بالشأم قد رقدوا حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومةٍ لم ينمها قبلهم أحد ومن رعى غنماً في أرض مسبعةٍ ... ونام عنها تولى رعيها الأسد قال: وقال عبد الملك بن مروان للشعبي، لما دخل عليه: جنبني خصالاً أربعاً: لا تطرينّي في وجهي، ولا تجرينّ علي كذبة، ولا تغتابن عندي أحداً، ولا تفشين لي سراً. وقال النبي، ﷺ : استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود. وأنشد المنقري في ذلك: النجم أقرب من سرٍ إذا اشتملت ... مني على السر أضلاعٌ وأحشاء وقال غيره: ونفسك فاحفظها ولا تفش للورى ... من السر ما يطوي عليه ضميرها فما يحفظ المكتوم من سر أهله ... إذا عقد الأسرار ضاع كبيرها من القوم إلا ذو عفافٍ يعينه ... على ذاك منه صدق نفسٍ وخيرها قال وقال معاوية بن أبي سفيان: أعنت على عليّ، ﵁، في أربع خصال: كان رجلاً ظهرةً علنةً أي لم يكتم سراً، وكنت كتوماً لأمري، وكان لا يسعى حتى يفاجئه الأمر مفاجأة، وكنت أبادر إلى ذلك، وكان في أخبث جند وأشدهم خلافاً، وكنت في أطوع جند وأقلهم خلافاً، وكنت أحب إلى قريش منه فقلت ما شئت من جامع إلي ومفرق عنه. وكان يقال لكاتم سره: من كتمانه إحدى خصلتين وفضيلتين الظفر بحاجته والسلامة من شره. من أحسن فليحمد الله وله المنة عليه، ومن أساء فليستغفر الله جل وعز وله الحجة عليه. وقال بعضهم: كتمانك سرك يعقبك السلامة وإفشاؤك سرك يعقبك التبعة، والصبر على كتمان السر أيسر من الندم على إفشائه. وقال بعضهم: ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده اللصوص فيخفيه ثم يمكن عدوّه من نفسه بإفشاء سره إليه وإظهار ما في قلبه له أو أن يظهره على سر أخيه، ومن عجز عن تقويم أمره فلا يلومن من لا يستقيم له. وكان معاوية يقول: ما أفشيت سري إلى أحد إلا أعقبني طول الندم وشدة الأسف، ولا أودعته جوانح صدري فخطمته بين أضلاعي إلا كسّبني ذلك مجداً وذكراً وسناء ورفعة. فقيل له: ولا ابن العاص؟ فقال: ولا ابن العاص. وكان يقول: ما كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك. وقال النبي، ﷺ : من كتم سره كانت الخيرة في يده، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، وضع أمر أخيك على أحسنه ولا تظنن بكلمة خرجت منه سوءاً إذا كنت واجداً لها في الخير مذهباً، وما كافأت من عصى الله فيك بأكثر من أن تطيع الله جل ذكره فيه، وعليك بإخوان الصدق فإنهم زينة عند الرخاء وعصمة عند البلاء. وحدث إبراهيم بن عيسى قال: ذاكرت المنصور ذات يوم أمر أبي مسلم وصونه لذلك السر حتى فعل ما فعله. فقال: تقسمني أمران لم أقتحمهما ... بحرصٍ ولم تعركهما لي الكراكر وما ساور الأحشاء مثل دفينةٍ ... من الهم ردتها إليك المقادر وقد علمت أفناء عدنان أنني ... لدى ما عرا مقدامةٌ متجاسر وقال غيره: صن السر بالكتمان يرضك غبه ... فقد يظهر السر المضيع فيندم ولا تفشين سراً إلى غير أهله ... فيظهر خرق السر من حيث يكتم وما زلت في الكتمان حتى كأنني ... برجع جواب السائلي عنك أعجم لأسلم من قول الوشاة وتسلمي ... سلمت وهل حيٌّ على الناس يسلم؟ ولآخر: أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفر ولو لم أصنه لبقيا عليك ... نظرت لنفسي كما تنظر ولآخر: لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نموم لسري مذيع فلولا الدموع كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع ولآخر: إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فسرك عند الناس أفشى وأضيع أبو نواس: لا تفش أسرارك للناس ... وداو أحزانك بالكاس فإن إبليس على ما به ... أرأف بالناس من الناس

стр. 167

وقال المبرد: أحسن ما سمعت في حفظ السر ما روي لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁: فلا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا فإني رأيت بغاة الرجا ... ل لا يتركون أديماً صحيحا قال العتبي: ولي صاحبٌ سري المكتم عنده ... مخاريق نيران بليلٍ تُحرَّق عطفت على أسراره فكسوتها ... ثياباً من الكتمان ما تتخرق فمن تكن الأسرار تطفو بصدره ... فأسرار نفسي بالأحاديث تغرق فلا تودعن الدهر سرك جاهلاً ... فإنك إن أودعته منه أحمق وحسبك في سر الأحاديث واعظاً ... من القول ما قال الأديب الموفق إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق ولآخر: ولربما اكتتم الوقور فصرّحت ... حركاته عن كتمانه ولربما رزق الفتى بسكوته ... ولربما حرم الفتى ببيانه ولآخر: لا يكتم السر إلا كل ذي خطرٍ ... والسر عند كرام الناس مكتوم والسر عندي في بيت له علقٌ ... قد ضاع مفتاحه والباب مردوم قال: ودخل أبو العتاهية على المهدي وقد ذاع شعره في عتبة فقال: ما أحسنت في حبك ولا أجملت في إذاعة سرك. فقال أبو العتاهية: من كان يزعم أن سيكتم حبه ... أو يستطيع الستر فهو كذوب إذا بدا سر اللبيب فإنه ... يبد إلا والفتى مغلوب الحب أغلب للرجال بقهره ... من أن يرى للسر فيه نصيب إني لأحسد ذا هوىً مستحفظاً ... لم تتهمه أعينٌ وقلوب فاستحسن المهدي شعره وقال: قد عذرناك في إذاعة سرك ووصلناك على حسن عذرك على أن كتمان ذلك أحسن من إذاعته. وقال المهلب بن أبي صفرة: ما ضاقت صدور الرجال عن شيء كما ضاقت عن السر. وقال زياد: لكل مستشير ثقة ولكل سر مستودع، وإن الناس قد أبدعت بهم خصلتان: إذاعة السر وترك النصيحة، وليس موضع السر إلا أحد رجلين: رجل آخريّ يرجو ثواب الله، ورجل دنيوي له شرف في نفسه وعقل يصون به حسه، وهما معدومان في هذا الدهر. محاسن حفظ اللسان قال أكثم بن صيفي: مقتل الرجل بين فكيه، يعني لسانه. وقال الشاعر: رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثاً مغارا ومنه قول أكثم: رب قولٍ أشد من صول. وقوله: لكل ساقطة لاقطة. الساقطة من الكلام لها لاقطة من الناس. وقال المهلب لبنيه: اتقوا زلة اللسان فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من عثرته ويزل لسانه فيكون فيه هلاكه. وقال يونس بن عبيد: ليست خلة من خلال الخير تكون في الرجل هي أحرى أن تكون جامعة لأنواع الخير كلها من حفظ اللسان. وقال قسامة بن زهير: يا معشر الناس إن كلامكم أعثر من صمتكم فاستعينوا على الكلام بالصمت وعلى الصواب بالفكر. وقال الجاحظ: جرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم كلام، فما زال أبو مسلم يقاوله إلى أن قال شهرام: يا لقيط! فصمت أبو مسلم، وندم شهرام، فما زال مقبلاً عليه معتذراً وخاضعاً متنصلاً. فلما رأى ذلك أبو مسلم قال: لسان سبق ووهم أخطأ وإنما الغضب شيطان وما جرأك غيري بطول احتمالي فإن كنت متعمداً للذنب فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوباً فالعذر سبقك، وقد غفرنا لك على كل حال. فقال شهرام: أيها الأمير عفو مثلك لا يكون غروراً. قال: أجل. قال: فإن عظم ذنبي لا يدع قلبي أن يسكن. ولجّ في الاعتذار. فقال لأبو مسلم: يا عجبا! كنت تسيء وأنا أحسن فإذا أحسنتَ أُسيء. وشتم رجل المهلب فلم يجبه. فقيل له: حلمت عنه؟ فقال: لم أعرف مساويه فكرهت أن أبهته بما ليس فيه. سلمة بن القاسم عن الزبير قال: حُملت إلى المتوكل فأُدخلت عليه فقال: يا عبد الله الزم أبا عبد الله، يعني المعتز، حتى تعلّمه من فقه المدنيين. فأُدخلت إلى حجرة فإذا أنا بالمعتز قد أتى في رجله نعل من ذهب، فعثر حتى دميت رجله، فأتي بإبريق من ذهب وطست من ذهب وجعل يغسل ذلك الدم وهو يقول: يُصاب الفتى من عثرةٍ بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرِّجل وعثرته من فيه ترمي برأسه ... وعثرته في الرجل تبرا على مهل

стр. 168

فقلت في نفسي: ضُممت إلى من أريد أن أتعلم منه. وكان يقال: ينبغي للعاقل أن يحفظ لسانه كما يحفظ موضع قدمه، وقيل: من لم يحفظ لسانه فقد سلطه على هلاكه. وقال الشاعر: عليك حفظ اللسان مجتهداً ... فإن جل الهلاك في زلله ولآخر: وجرح السيف تدمله فيبرا ... وجرح الدهر ما جَرح اللسان جراحات الطعان لها التئامٌ ... ولا يلتام ما جرح اللسان ولآخر: وجرح اللسان كجرح اليد ولآخر: وجرح السيف يأسوه المداوي ... وجرح القول طول الدهر دامي مساوئ جناية اللسان أحمد بن إبراهيم الهاشمي قال: لما عفا أبو العباس السفاح عن سليمان بن هشام بن عبد الملك وعن ابنيه قرّبهم وأدناهم وبسطهم حتى كانوا يسمرون عنده بالليل، وكان سليمان إذا دخل ثنيت له وسادة وكذلك لابنيه وربما طرحت لهم نمارق ونصبت لهم كراسي، فإنهم عنده ذات ليلة أو ذات يوم إذ دخل إليه أبو غسان الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين بالباب رجل متلثم أناخ راحلته وقال: استأذن لي على أمير المؤمنين. فقلت: ضع عنك ثياب سفرك. فقال: لا أحط رحلي ولا أسفر عمتي حتى أنظر إلى وجه أمير المؤمنين. فقال أبو العباس: فهل سألته من هو؟ قال: قد فعلت فذكر أنه سديف مولاك. فقال: سديف سديف! ائذن له فدخل رجل أحم طويل يتثنى عليه ممطر حرٍ ومعه محجن يتوكأ عليه، فلما نظر إلى أبي العباس سفر عن وجهه ثم سلم ودنا وقبل يده ثم انصرف إلى خلفه. فقام مقام مثله وأنشده: أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس لا تقيلن عبد شمسٍ عثارا ... واقطعن كلّ رقلة وغراس ولقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي أنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بدار الهوان والإتعاس واذكروا مصرع الحسين وزيدٍ ... وقتيلاً بجانب المهراس والقتيل الذي بحران أمسى ... ثاوياً بين غربةٍ وتناسي نعم شبل الهراش مولاك لولا ... آودٌ من حبائل الإفلاس فقام سليمان بن هشام فقال: يا أمير المؤمنين إن مولاك هذا مثل بين يديك يبعثك على قتلي وقتل ابني ويحدوك على طلب ثأرك منا، وقد بلغني أنك تريد اغتيالي. فقال أبو العباس: والله ما كان عزمي أن أقتلك ولا أن أسيء بك ولا أطالبك بشيء مما طالبت به أهل بيتك، فأما إذ وقع في خلدك إني أغتالك فيا جاهل من يحول بين وبينك وبين قتلك حتى أغتالك؟ ثم أمر بقتله وقتل ابنيه. فقال سليمان لقاتله أبي الجهم: إنك قد أمرت بأمر لا بد لك من إنفاذه وحاجتي إليك أن تقدم ابني حتى أحتسبهما، ففعل. وخرج سديف وقد وصله العباس بخمسة آلاف دينار وهو يقول: قد قرّت العينان واشتفت النفس فلله الحمد والشكر! وحكي عن شيرويه بن أبرويز أن رجلاً من الرعية وقف له يوماً وقد خرج من الميدان فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يدك وملكك ما كنت أحق به منه وأراح آل ساسان من جبريته وعتوّه وبخله ونكده، فإنه كان يأخذ بالإحنة، ويقتل بالظن، ويخيف البريّ، ويعمل بالهوى. فقال شيرويه لبعض حجابه: احمله إلي. فحمل. فقال له: كم كانت أرزاقك في حياة أبرويز؟ قال: كنت في كفاية العيش. قال: فكم رزقك بما سمعت اليوم؟ قال: ما زيد في رزقي شيء. قال: فهل وترك أبرويز فانتصرت منه بما سمعت من كلامك؟ قال: لا. قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه ولم يقطع عنك مادة رزقك ولا وترك في نفسك، وما للعامة والوقوع في الملوك وهم رعية؟ وأمر أن ينزع لسانه من قفاه، وقال: حق ما يقال: الخرس خير من البيان بما لا يجب. وقال بعض الشعراء في مثله: يا ليت أني لا أموت بغصتي ... حتى أرى رجلاً يقول فيصدق احفظ لسانك لا تقول فتبتلى ... إن البلاء موكّل بالمنطق ولآخر: لعمرك ما شيءٌ علمت مكانه ... أحق بسجنٍ من لسان مذلل على فيك مما ليس يعنيك قوله ... بقفلٍ شديدٍ حيث ما كنت فاقفل ولآخر: إذا الأمر أعيا اليوم فانظر به غداً ... لعل عسيراً في غدٍ يتيسر ولا تعد قولاً من لسانك لم يرض ... مواقعه من قبل ذاك التفكر

стр. 169

ولا تصر من حبل امريءٍ في رضى امريء ... فيتصلا يوماً وحبلك أبتر محاسن الصدق قال بعض الحكماء: عليك بالصدق فما السيف القاطع في كف الرجل الشجاع بأعز من الصدق، والصدق عز وإن كان فيه ما تكره، والكذب ذلّ وإن كان فيه ما تحب، ومن عرف بالكذب اتهم في الصدق. وقيل: الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل، والكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور. وقال ابن السماك: ما أحسبني أؤجر على ترك الكذب لأني أتركه أنفة. وقال الشعبي: عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك فإنه ينفعك، واجتنب الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك. وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله، ﷺ : لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: كذب الرجل لأهله ليرضيها، وإصلاح بين الناس، وكذب في حرب. وقال بعض الحكماء: الصدق عز والكذب خضوع. وقال آخر: لو لم يترك العاقل الكذب إلا مروءةً لقد كان حقيقاً بذلك فكيف وفيه المأثم والعار! ومن المعروفين بالصدق أبو ذر الغفاري، قال النبي، ﷺ : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على أصدق ذي لهجة من أبي ذر. ومنهم العباس بن عبد المطلب، حدثنا الحكم بن عيسى عن الأعمش عن الشعبي قال: اطلع العباس على النبي، ﷺ ، وعنده جبريل، ﵇، فقال له جبريل، ﵇: هذا عمك العباس؟ قال: نعم. قال: إن الله جل وعز يأمرك أن تقرأ ﵇، وتعلمه أن اسمه عبد الله الصادق وأن له شفاعة يوم القيامة. فأخبره، ﷺ ، بذلك، فتبسم العباس. فقال له النبي، ﷺ : إن شئت أخبرتك مما تبسمت وإن شئت أن تقول فقل. قال: بل تعلمني يا رسول الله. قال: لأنك لم تحلف يميناً في جاهلية ولا إسلام برةً ولا فاجرةً ولم تقل لسائل لا. قال: والذي بعثك بالحق ما تبسمت إلا لذلك. ومنهم علي بن أبي طالب، ﵁، قال يوم النهروان لأصحابه: شدوا عليهم فوالله لا يقتلون عشرة ولا ينجو منهم عشرة. فشدوا عليهم فوالله ما قتل من أصحابه تمام عشرة ولا نجا منهم تمام عشرة. ثم قال: اطلبوا ذا الثديّة. فطلبوه فقالوا: لم نجده. فقال: والله ما كذبت قط ولا كُذبت، والله لقد أخبرني رسول الله، ﷺ ، أنه يقتل مع شر جيلٍ يقتلهم خير جيل. ثم دعا ببغلة رسول الله، ﷺ ، فركبها فسار حتى وقفت على قليب فيه قتلى فقال: اقلبوا القتلى واطلبوه بينهم. فإذا هو سابع سبعةٍ، فلما أخرجه قال: الله أكبر! لولا أن تنكلوا فتتركوا العمل لأخبرتكم بما جعل الله جل وعز لمن قتلهم على لسان نبيه، ﷺ . ومن الأخبار في مثله قيل: دخل هشام بن عروة على المنصور فقال له: يا أبا المنذر أتذكر حيث دخلت عليك أنا وأخي مع أبي الخلائف وأنت تشرب سويقاً بقصبة يراعٍ فلما خرجنا من عندك قال أبي: استوصوا بالشيخ خيراً واعرفوا حقه فلا يزال في قومكم بقية ما بقي؟ قال: ما أُثبت ذاك يا أمير المؤمنين. فلامه بعض أهله وقالوا: يذكّرك أمير المؤمنين ما يمتّ به إليك وتقول له لا أذكره؟ فقال: لم أذكره ولم يعودني الله في الصدق إلا خيراً. قال: قدم زياد على معاوية، فلما طال بهم المجلس حدثه زياد بحديث، فقال له معاوية: كذبت. فقال: مهلاً يا أمير المؤمنين فوالله ما حللت للكلام حبوة إلا على بيعة الصدق ولم أكذب، وحياة الكذب عندي موت المروءة، فاستحياه معاوية وقال: يغفر الله لك يا أخي، فكأني أرى بك حرب بن أمية في جميل شيمه وكرم أخلاقه. قال: وكان الفضلبن الربيع يخاطب الرشيد فقال له الرشيد: كذبت. فقال: يا أمير المؤمنين وجه الكذب لا يقابل وجهك ولسانه لا يقابل جوابك. محاسن الكذب روي عن المغيرة بن إبراهيم قال: لم يرخص لأحد في الكذب إلا للحجاج بن علاط، فإنه لما فتحت خيبر قال لرسول الله: إن لي عند امرأة من قريش وديعة فإن أذن لي رسول الله، ﷺ ، أن أكذب كذبة فلعلي أن أستلّ وديعتي. قال: فرخص له. فقدم مكة فأخبرهم أنه ترك رسول الله، ﷺ ، أسيراً في أيديهم يأتمرون فيه، قائل يقول يقتل وقائل يقول لا بل يبعث إلى قومه فيكون ذلك منّة.

стр. 170

فجعل المشركون يتباشرون بذلك ويوئسون العباس عم النبي، ﷺ ، منه والعباس يريهم التجلد. وأخذ الرجل وديعته، فاستقبله العباس فقال: ويحك ما الذي أخبرت به؟! فأعمله السبب ثم أخبره أن رسول الله، ﷺ ، قد فتح خيبر واستنكح صفية بنت حيي بن أخطب وقتل أباها وزوجها، وقال له: اكتم عليّ اليوم وغداً حتى أمضي، ففعل ذلك. فلما مضى أخبرهم العباس بالذي أخبره فكبتوا. وروي أن رجلاً أتى رسول الله، ﷺ ، فقال: يا رسول الله إتي أستسرّ بخلال أربع: الزناء والسرق وشرب الخمر والكذب، فأيهن أحببت تركته لك سراً. فقال: دع الكذب. فمضى الرجل فهمّ بالزناء فقال: يسألني رسول الله، ﷺ ، فإن جحدت نقضت ما جعلته له وإن أقررت حددت، فلم يزن، ثم همّ بالسرقة وبشرب الخمر ففكر في مثل ذلك فرجع إلى رسول الله، ﷺ ، فقال له، ﵇: تركتهن أجمع. ومن مُلح الكذب قيل: إنه كان بين يحيى بن خالد البرمكي وبين عبد الله بن مالك الخزاعي عداوة وتحاسد وكان كل واحد منهما ينتظر لصاحبه الدوائر، فلما ولي عبد الله بن مالك أذربيجان وأرمينية ضاق برجل من الدهاقين بالعراق الأمر وتعذرت عليه المطالب فحمل نفسه على أن افتعل على لسان يحيى بن خالد إلى عبد الله بن مالك بالوصاة به وأكد بمعاونته كل التأكيد، ولم يعلم ما بينهما من التباعد، فشخص من مدينة السلام إلى أذربيجان وصار إلى باب عبد الله بن مالك بالكتاب، فأوصله الحاجب، فقال له عبد الله: أدخل صاحب هذا الكتاب. فأدخله. فقال له عبد الله: إن كتابك هذا مفتعل ولكنك قد تجشمت هذه الشقة البعيدة ولسنا نخيبك. فقال الرجل: أما كتابي فليس بمفتعل وإن كنت إنما تقصده بهذه التهمة لتصرفه فالله جل وعز حسبي وعليه أتوكل. فقال عبد الله: أفترى أن تُحبس في دار وتزاح علتك إلى أن أكتب وأستطلع الرأي وأعرف نبأ هذا الكتاب فإن كان مزوراً عاقبتك وإن كان صحيحاً خيرتك بين الصلات والولايات فأيها اخترت سوغتكه؟ قال: نعم. فأمر عبد الله بحبسه وإزاحة علته وكتب إلى وكيله بالعراق: إن رجلاً يسمى فلان بن فلان أورد عليّ كتاباً من أبي عليّ يحيى بن خالد البرمكي فتعرّف لي أمر هذا الكتاب واكتب إلي بالحال فيه. فصار الوكيل بكتاب عبد الله إلى يحيى بن خالد فقرأه عليه، فدعا بالدواة وكتب إليه بخطه: فلان من أخص من يليني وأوجبهم حقاً وقد أخبرني صاحبك بشكك في أمره فأزل، جعلت فداك، الشك وليكن صرفه إلي معجلاً بما يشبهك. فلما خرج الوكيل قال يحيى لأصحابه: ما تقولون في رجل افتعل عليّ كتاباً إلى عبد الله بن مالك وصل به من مدينة السلام إلى أذربيجان؟ فقالوا جميعاً: نرى أن تفضحه وتكشف ستره وتعلن أمره ليرتدع به غيره ويصير نكالاً وأحدوثة للعالمين. قال: لا والله، وهذا رأيكم؟ قالوا: نعم. فقال: قبح الله هذا من رأي فما أقله وأنذله! ويحكم هذا رجل ضاق به الرزق فأمّل فيّ خيراً ووثق بي وشخص إلى أذربيجان مع بعد شقتها وصعوبة طريقها أتشيرون عليّ أن أحرمه ما أمّله في حتى يسيء ظنه بي وقد عرفتم قدر عبد الله وحاله عند أمير المؤمنين وأني لم أكن أحتال لهذه المنزلة إلا بالخطير من المال، أفتريدون أن أردّ الأمر بيني وبينه بعد الألفة الواقعة إلى الحشمة؟ هذا والله النكد طول الأبد وغاية الضعف ونهاية أسباب الانتكاس! ثم أخبرهم بما كتب به إلى عبد الله فتعجبوا من كرمه واحتماله الكذب. وورد الكتاب بخطه على عبد الله فدعا بالرجل وقد سقط في يده لاعتراض سوء الظن بقلبه، فلما دخل عليه قال. هذا كتاب أخي قد ورد عليّ بصحة أمرك وسألني تعجيل صرفك إليه. فدعا له بمائتي ألف درهم وبما يتبعها من الدواب والبغال والجواري والغلمان والخلع وسائر الآلة ثم أصدره. فلما حضر باب يحيى بن خالد أدخل ذلك أجمع إليه وعرضه عليه، فأمر له يحيى بمثل ذلك وأثبته في خاصته.

стр. 171

قيل: وكان رجال من أهل المدينة من فقيه وراوية وشاعر يأتون بغداد فيرجعون بحظوة وحال حسنة، فاجتمع عدة منهم يوماً فقالوا لصديق لهم لم يكن عنده شيء من الآداب: لو أتيت العراق فلعلك كنت تصيب شيئاً. فقال: أنتم أصحاب آداب تلتمسون بها! قالوا: نحن نحتال لك، فجهزوه وقدم بغداد وطلب الاتصال بعلي بن يقطين بن موسى وشكا إليه الحاجة! فقال: ما عندك من الأدب؟ قال: ليس عندي من الآداب شيء غير أني أكذب الكذبة فأخيّل إلى من سمعها أني صادق. وكان ظريفاً مليحاً، فأُعجب به وعرض عليه مالاً فأبى أن يقبله وقال: لست أريد منك إلا أن تسهّل إذني وتدني مجلسي. قال: ذاك لك. فكان من أقرب الناس إليه مجلساً حتى عرف بذلك. وكان المهدي غضب على رجل من القواد حتى استصفى ماله فكان يختلف إلى علي بن يقطين رجاء أن يكلم له المهدي، وكان يرى قرب المدني منه ومكانه، فأتى المدني القائد عشاء وقال له: ما البشرى؟ فقال: لك البشرى وحكمك، قال: قد أرسلني إليك علي بن يقطين وهو يقرئك السلام ويقول: قد كلمت أمير المؤمنين في أمرك ورضي عنك وأمر برد مالك وضياعك ويأمرك بالغدو عليه لتغدو معه إلى أمير المؤمنين متشكراً، فدعا له الرجل بألف دينار وثياب وكسوة وحملان ودفعها إليه، وغدا على عليّ مع جماعة من وجوه العسكر متشكراً. فقال له عليّ: وما ذاك؟ فقال: أخبرني أبو فلان، وهو إلى جنبه، بكلامك لأمير المؤمنين في أمري ورضاه عني! فالتفت إلى المدني فقال: ما هذا؟ فقال: أصلحك الله! هذا بعض ذلك المتاع نشرناه. فضحك عليّ وقال: عليّ بدابتي، فركب إلى المهدي وحدثه بالحديث فضحك المهدي وقال لعلي: فإنا قد رضينا عن الرجل ورددنا عليه ماله فأجر على المدني رزقاً واسعاً واستوص به خيراً. فأجرى عليه ووصله، وكان يٌعرف بكذّاب الخليفة. قال: وكتب عبد الملك بن مروان إلى عمر بن محمد صاحب البلقاء أن اخطب عليّ الشقراء بنت شبيب بن عوانة الطائية وهو يومئذ في بادية له ومعه عدة من أصحابه. فأرسل إليه عمر: إن أمير المؤمنين كتب إليّ أن أخطب عليه الشقراء ابنتك فاحضر فارسل إليه. فقال: ما لنا إليكم حاجة، فإن كانت لأمير المؤمنين إلينا حاجة فليأت أو يرسل رسولاً. فقال عمر: سيروا بنا إليه. فسار في جماعة من وجوه البلقاء. قال: فدفعنا إلى أعرابي بفناء خيمته فسلمنا فرد السلام، وتكلم عمر فقال الأعرابي: أرسول أمير المؤمنين أنت؟ قال: نعم، قال: فإنا قد زوجناه على صداق نسائنا مائة من الإبل وما يتبعها من الثياب والخدم. فقلت: نعم. ثم جاءنا بثلاث جفان من كسور خبز ولبن فأكلنا ثم انصرفنا، فكتبت إلى عبد الملك بن مروان فأرسل إليه بمائة من الإبل وعشرة آلاف درهم وما يتبع ذلك من الطيب والخدم والأثاث. فجهزها ثم حملها إلى عبد الملك وما معها من ذلك شيء إلا البعير الذي ركبته ومعها نسوة من بنات عمها. فلما وافت عبد الملك أمر فأُدخلت إلى دار فأقامت أياماً ثم إن عبد الملك بنى بها فكان كثيراً ما يقول: ما رأيت مثل هذه الأعرابية ظرفاً وخلقاً ومنطقاً. فاشتد ذلك على عاتكة بنت يزيد بن معاوية فأرسلت إلى روح بن زنباع، وكان من أخص الناس بعبد الملك، فقالت: يا أبا زرعة قد علمت رأي أمير المؤمنين معاوية كان فيك ورأي يزيد من بعده وأن أمير المؤمنين قد أعجبه أمر هذه الأعرابية وغلبت على قلبه فشأنك في إفساد ذلك عنده. قال: نعم ونعمة عينٍ. ثم خلا بعبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين كيف ترى الأعرابية؟ قال: قد جمعت ما جمع النساء الحاضرة والبادية. قال: يا أمير المؤمنين إنك من الأعرابية كما قال الأول: وإذا تسرك من تميم خلةٌ ... فلما يسوءك من تميم أكثر فقال له: لا تقل ذلك، قال: كأنك بها قد حالت إلى غير ما هي عليه. فكثر ذلك منه. ثم إن عبد الملك دخل عليها فقال: يا شقراء أعلمت أن روحاً قال لي كذا وكذا؟ قالت: ولم ذاك وحال عشيرتي وعشيرته كما تعلم؟ قال: هو علي ما قلت لك وإن أحببت أسمعتك ذلك منه! فقالت: قد أحببت.

стр. 172

فأمرها أن تجلس خلف الستر وأرسل إلى روح، فلما دخل عليه قال: هيه يا أبا زرعة والله لقد وقع كلامك مني موقعاً! قال: نعم يا أمير المؤمنين إن الأعرابية تنتكث كانتكاث الحبل ثم لا تدري ما أنت عليه منها. فعجّلت ورفعت الستر وقالت: أنت فلا حياك الله ولا وصل رحمك قد كان يبلغني هذا عنك فما كنت أصدق! فوثب روح وقال: يا هذه إن هذا أرسل إليّ فأعلمني أنك خلف الستر وعزم عليّ أن أتكلم بهذا فلم أجد بداً من أبرّ عزيمته، وأما أنت فلا يسوءك الله! قالت: صدق والله ابن عمي وأنت الذي حملته على ما قال. فقال عبد الملك: ويلك يا شقراء ألا تقبلي منه! قالت: هو عندي أصدق منك. وجعل روح يقول وهو مولٍّ: هو والله الحق كما أقول. فخرج ووقع الكلام بينهما. وقال خالد بن صفوان: دخلت على أبي العباس وهو خالي المجلس فقلت: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأمر بحفظ الستر لألقي إليك شيئاً أنصحك به أو قال فيه. فأمر بذلك. فقلت: يا أمير المؤمنين فكّرت في هذا الأمر الذي ساقه الله إليك ومنّ به عليك فرأيتك أبعد الناس من لذّاته وأتعب الخلق فيه؟ قال: وكيف ذاك يا خالد؟ قلت: باقتصارك من الدنيا على امرأة واحدة وتركك البيضاء المشتهاة لبياضها والخضرة التي تراد لخضرتها والسمينة المشتهاة لوطائها وذكرت الرشيقة الرخيمة والجعدة السبطة، فقال: يا خالد هذا أمر ما مرّ بسمعي! فاستأذن في الانصراف فأذن له. وخرجت إليه أم سلمة وهو ينكت بالقلم على دواة بين يديه، فقالت: يا أمير المؤمنين أراك مفكراً، أنتقض عليك عدو؟ قال: كلا ولكن كلام ألقاه إلي خالد بن صفوان فيه نصيحتي. وشرح ذلك لها. قالت: فما قلت لابن الزانية؟ قال: ينصحني وتشتمينه! فقامت عنه وبعثت إلى مائة من مواليها فقالت: لهذا اليوم اتخذتكم وأعددتكم! امضوا إلى خالد بن صفوان فحيث وجدتم خالداً فاهووا إلى أعضائه عضواً عضواً فرضّوها. فطلبت ومررت بقوم أحدّثهم إذ أقبل القوم فدخلت في جملتهم ولجأت إلى دار ووقعت البغلة فرضّوها بالأعمدة وبقيت لا تظلني سماء ولا تقلني أرض. فإني جالس ذات يوم إذ هجم عليّ قوم فقالوا: أجب أمير المؤمنين. فقمت ولا أملك من نفسي شيئاً حتى دخلت عليه وهو في ذلك المجلس وأنا أسمع حركة من وراء الستر فقلت أم سلمة والله. فقال: يا خالد من أين تُرى؟ قلت: كنت في غلة لي. ثم قال: الكلام الذي كنت ألقيته إليّ في بعض الأيام أعده عليّ. قلت: نعم يا أمير المؤمنين، إن العرب اشتقت اسم الضر من اسم الضرتين، وإن الضرائر شر الذخائر، والإماء آفة المنازل، ولم يجمع رجل بين امرأتين إلا كان بين جمرتين تحرقه واحدة بنارها وتلحقها أخرى بشرارها. قال: ليس هذا هو! قلت: بلى. قال: ففكر. قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الثلاث إذا اجتمعن كن كالأثافي المحرقة، وأن الأربع يتغايرن فلا يصبرن ويتعالين فلا يهوين، وإن أُعطين لم يرضين. قال: لا والله ما هو هذا. قلت: يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الأربع همّ ونصب وضجر وصخب إنما صاحبهن بين حاجة تطلب وبلية تترقب، إن خلا بواحدة منهن خاف شر الباقيات، وإن آثرها كن له أعدى من الحيات، وأخبرتك أن الجواري رجال لا خصى لهن وخرقٌ لا حياة معهن. قال: لا والله ما هو هذا! قلت: بلى إن بني مخزوم ريحانة العرب وكنانة بيت قريش، وعندك ريحانة الرياحين وسيدة نساء العالمين، وحدثتني أنك تهم بالتزوج فقلت لك هيهات تضرب في حديد بارد ليس ذلك بكائن آخر الزمان المعاين! قال: ويلك أتستعمل الكذب؟ قلت: فمع السيوف لعب! قال: فاذهب فإنك أكذب العرب، قلت: فأيهما أصلح، أكذب أم تقتلني أم سلمة؟ فاستلقى ضاحكاً وقال: اخرج قبحك الله! وارتفع الضحك من وراء الستر وانصرفت إلى منزلي فإذا خادم لأم سلمة ومعه خمس بدر وخمسة تخوت وقال: الزم ما سمعناه منك.

стр. 173

قال الأصمعي: قال الخليل بن سهل: يا أبا سعيد أعلمت أن طول رمح رستم كان سبعين ذراعاً من حديد مصمت في غلظ الراقود؟ قال: فقلت ها هنا أعرابي له معرفة فاذهب بنا إليه نحدثه بهذا. فذهبت به إلى الأعرابي فقال له ذلك فقال الأعرابي: قد سمعنا بهذا وقد بلغنا أن رستم هذا واسفنديار أتيا لقمان بن عاد بالبادية فوجداه نائماً ورأسه في حجر أمه فقالت لهما: ما شأنكما؟ فقالا: بلغنا شدة هذا الرجل فأتيناه، فانتبه فزعاً من كلامهما فنفخهما فألقاهما إلى أصفهان فقبورهما اليوم بها. فقال الخليل: قبحك الله ما أكذبك! فقال: يا ابن أخي ما بيننا شيء إلا وهو دون الراقود. قيل: وقدم بعض العمال من عمل فدعا قوماً إلى طعامه وجعل يحدثهم بالكذب فقال بعضهم: نحن كما قال الله : سمّاعون للكذب أكالون للسحت. وممن ذم الكذب قيل: إنه وجد في كتب الهند: ليس لكذوب مروءة ولا لضجور رياسة ولا لملول وفاء ولا لبخيل صديق. وقال قتيبة بن مسلم لبنيه: لا تطلبوا الحوائج من كذوب فإنه يقرّبها وإن كانت بعيدة ويبعدها وإن كانت قريبة، ولا من رجل قد جعل المسألة مأكلة فإنه يقدم حاجته قبلها ويجعل حاجتك وقاية لها، ولا من أحمق فإنه يريد نفعك فيضرك. وقيل: أمران لا ينفكان من كذب: كثرة المواعيد وشدة الاعتذار. وقال: كفاك موبخاً على الكذب علمك بأنك كاذب. وقال رجل لأبي حنيفة: ما كذبت قط. فقال: أما هذه فواحدة. وفي المثل: هو أكذب من أسير السند، وذلك أنه يؤخذ الخسيس منهم فيزعم أنه ابن الملك. ويقال: هو أكذب من الشيخ الغريب، وذلك أنه يتزوج في الغربة وهو ابن سبعين سنة فيظن أنه ابن أربعين سنة. وقيل: هو أكذب من مسيلمة. ومما قيل في ذلك من الشعر: حسب الكذوب من البل ... ية بعض ما يحكى عليه ما إن سمعت بكذبةٍ ... من غيره نسبت إليه ولآخر: لقد أخلفتني وحلفت حتى ... إخالك قد كذبت وإن صدقتا ألا لا تحلفن على يمينٍ ... فأكذب ما تكون إذا حلفتا ولآخر: كلام أبي خلفٍ كله ... نداء الفواخت جاء الرطب وليس وإن كنّ يشبهنه ... يقاربنه أبداً في الكذب ولآخر: قد كنت أنجز دهراً ما وعدت إلى ... أن أتلف الوعد ما جمعت من نشب فإن أكن صرت في وعدي أخا كذبٍ ... فنصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب محاسن فضل المنطق سئل بعض الحكماء عن المنطق والصمت فقال: إنك تمدح الصمت بالمنطق ولا تمدح المنطق بالصمت وما عبّر عن شيء فهو أفضل منه. وسئل آخر عنها فقال: أخزى الله المساكنة فما أفسدها للسان وأجلبها للعيّ والحصر، والله للمماراة في استخراج حق أسرع في هدم العيّ من النار في يابس العرفج. فقيل له: قد عرفت ما في المماراة من الذم. فقال: إن ما فيها أقل ضرراً من السكتة التي تورث عللاً وتولد أدواء أيسرها العيّ. وقال بعض الحكماء: اللسان عضوٌ فإن مرنته مرن وإن تركته حزن. محاسن الصمت الهيثم بن عدي قال بعض الحكماء: تكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات رميت عن قوس واحدة فقال كسرى: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر مني على رد ما قد قلت. وقال ملك الهند: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني وإن كنت أملكها. وقال قيصر: لا أندم على ما لم أقل وقد أندم على ما قد قلت. وقال ملك الصين: عاقبة ما قد جرى به القول أشد من الندم على ترك القول. وقال بعضهم: من حصافة الإنسان أن يكون الاستماع أحب إليه من المنطق إذا وجد من يكفيه، فإنه لن يعدم في الاستماع والصمت سلامة وزيادة في العلم. وقال بعض الحكماء: من قدر أن يقول فيحسن قادر أن يصمت فيحسن، وليس كل من صمت فأحسن قادر أن يقول فيحسن. وقال أبو عبيد الله كاتب المهدي: كن على التماس الحظ بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام. وكان يقال: من سكت فسلم كان كمن قال فغنم. وقال علي بن عبيدة: الصمت أمان من تحريف اللفظ وعصمة من زيغ المنطق وسلامة من فضول القول. وقال رسول الله، ﷺ ، إن الله جل وعز يكره الانبعاق في الكلام، فرحم الله امرأً أوجز في كلامه واقتصر على حاجته.

стр. 174

قيل: وكلم رجل سقراط بكلام أطاله فقال: أنساني أول كلامك طول عهده وفارق آخره فهمي بتفاوته. قيل: ولما قدم ليُقتل بكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: تُقتل ظلماً. قال: وكنت تحبين أن أقتل حقاً! قيل: ودخل رجل على معاوية ومعه ابن له يتوكأ عليه فقال: من هذا الغلام معك؟ قال: ابن لي يتيم. قال: حق لمن كنت أباه أن يكون يتيماً. محاسن الكلام في الحكمة اصبر محتسباً مأجوراً وإلا صبرت مضطراً مأزوراً. المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين إن بقيت لم يبق الهمّ. إذا حضر الأجل افتضح الأمل. الأمل يتخطى الأجل. من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة. لا يُستبطأ الدعاء بالإجابة وقد سدت طريقه بالذنوب. واجد لا يكتفي وطالب لا يجد. الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له بخيل بما لا يملكه. شكرك نعمةً سالفة يقتضي لك نعمة مستأنفة. من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم. لولا من يقبل الجور لم يكن من يجور. من مدحك بما ليس فيك فحقيق بأن يذمك بما ليس فيك. من تكلف ما لا يعنيه فاته ما يعنيه. من أحسّ بضعف حيلته عن الاكتساب بخل. عالم معاند خير من جاهل منصف. أطع من هو أكبر منك ولو بليلة. حافظ على الصديق ولو في حريق. أعظم المصائب انقطاع الرجاء. إذا كُفيت فاكتفِ. الليل أخفى للويل. عين عرفت فذرفت. لم يفت من لم يمت. أصدع الفراق بين الرفاق. محاسن البلاغة يقال في المثل: هو أبلغ من قُسٍّ، وكان من حكماء العرب، وهو أول من كتب من فلان إلى فلان، وأقر بالبعث من غير نبي، وأول من قال البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. وقال فيه الأعشى: وأبلغ من قسٍّ وأجرا من الذي ... بذي الغيل من خفّان أصبح خادرا قال: وسئل أرسطاطاليس عن البلاغة فقال: أن تجعل في المعنى الكثير كلاماً قليلاً وفي القليل كلاماً كثيراً. ووصف آخر بلاغة رجل فقال: كيف قادهم الله بأزمة أنوفهم إلى مصارع حتوفهم. وقال اليوناني: البلاغة تصحيح الأقسام واختيار الكلام. وقال الرومي: البلاغة حسن الاقتصاد عند البديهة والاقلال عند الإطالة. وقال الهندي: البلاغة وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة. وقال الفارسي: البلاغة أن تعرف الفصل من الوصل. وقال إبراهيم الإمام: يكفي من حظ البلاغة أن يُؤتى السامع من سوء إفهام الناطق ولا يُؤتى الناطق من سوء إفهام السامع. وسُئل آخر عن البلاغة فقال: أن تجعل بينك وبين الإكثار مسورة للاختصار. وقال أحنف: البلاغة الوقوف عند الكفاية وبلوغ الحاجة بالاقتصاد. وقال معاوية لصحارٍ العبدي: ما البلاغة؟ فقال: أن تجيب فلا تبطيء وتقول فلا تخطيء. وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: أن لا تبطيء ولا تخطيء. وقيل: البليغ من أغناك عن التفسير. وقال خالد بن صفوان: ليست البلاغة بخفة اللسان ولا كثرة الهذيان ولكنها إصابة المعنى والقصد للحجة. محاسن الأدب قال علي بن أبي طالب، ﵁: كفى بالأدب شرفاً أنه يدّعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب نسب إليه، وكفى بالجهل خمولاً أنه يتبرأ منه وينفيه عن نفسه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه. فأخذ بعض المولدين معنى قوله فقال: ويكفي خمولاً بالجهالة أنني ... أراع متى أُنسب إليها وأغضب وقال، رحمة الله عليه: قيمة مل امريءٍ ما يحسن. فرواه بعض المحدثين شعراً فقال: قال علي بن أبي طالب ... وهو اللبيب الفطن المتقن كلّ امريءٍ قيمته عندنا ... وعند أهل العلم ما يحسن وأنشد أبو الحسن بن طباطبا العلوي لنفسه: حسودٌ مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحي كئيب البال عندي حزينه يلوم على أن رحت في العلم راغباً ... وأجمع من عند الرواة فنونه فأعرف أبكار الكلام وعونها ... وأحفظ مما أستفيد عيونه ويزعم أن العلم لا يجلب الغنى ... ويحسن بالجهل الذميم ظنونه فيا لائمي دعني أُغالي بقيمتي ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه وقيل: الأدب حياة القلب ولا مثيبة أعظم من الجهل. وأنشدنا الكسروي: عِيّ الشريف يزين منصبه ... وترى الوضيع يزينه أدبه

стр. 175

قال: وسمع بعض الحكماء رجلاً يقول: إني غريب. فقال: الغريب من لا أدب له. وكان يقال: من قعد به حسبه نهض به أدبه. وقال علي بن أبي طالب، ﵁: العلم خير من المال لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال يبيده الإنفاق، والعلم يزكو على الإنفاق، والعلم حاكم والمال محكوم عليه. وقيل لبزرجمهر: الأدب أفضل أم المال؟ قال: بل الأدب. قيل له: فما بال الأدباء بباب الأغنياء ولا نرى الأغنياء بباب الأدباء؟ فقال: لعلم الأدباء بمقدار فضل المال وجهل الأغنياء بمقدار الأدب. وقال بعض الحكماء: إن كان الرزق لا بد مطلوباً بسبب فأفضل أسبابه ما افتتح بالأدب، ونظرنا فلم نره اجتمع لشيء من أصناف الصناعات كما اجتمع للكتبة لأنها لا تكمل لأحد حتى يبتدئها برياضة نفسه في الأدب فينفذ في الخط والبلاغة في الكتب والفصاحة في المنطق والبصر بصواب الكلام من خطابه والعلم بالشريعة وأحكامها والمعرفة بالسياسة والتدبير. المناظرات في الأدب حدثنا أبو ناظرة البصري عن المازني قال: بينا أنا قاعد في المسجد إذا صاحب بريد قد دخل وهو يسأل عني ويقول: أيكم المازني؟ فأشار الناس إليّ، فقال: أجب، قلت: من ومن أجيب؟ قال: الخليفة، فذعرت منه وكنت رجلاً فاطمياً فظننت أن اسمي رُفع فيهم فقلت: أصلحك الله! تأذن لي أن أدخل منزلي فأودع أهلي وأتأهب لسفري؟ فقال: افعل. فعلمت أنه لو كان شراً لما أذن لي فسكنت إلى قوله ودخلت المنزل فودّعتهم وخرجت إليه، فحملني على دابة من دواب البريد حتى وافى بي باب الواثق، فما كان إلا قليلاً حتى أذن لي فدخلت إلى بهوٍ وإذا رجل قاعد وعلى رأسه سبعون وصيفاً. فذهبت أسلّم عليه بالخلافة. فقيل لي: هذا بغا. ثم تقدمت إلى بهو آخر فإذا رجل قاعد على كرسي وبين يديه سبعون وصيفاً. فذهبت أسلم عليه بالخلافة فقيل: هذا وصيف. حتى دفعت إلى الستر فما زال يقول: اذهب ادن ادن، حتى حاذاني بسريره، ثم قال: ما اسمك؟ قلت: بكر بن محمد. قال: ممن سمعتها؟ يعني اللغة. قلت: من مزاحم العقيلي، فقال حدثني. فلم أدر بما أحدثه وقلت: لعل حديثي على البديهة يعجبه، قلت: يا أمير المؤمنين قال رؤبة بن العجاج: لا تعلواها وادلواها دلوا ... إنّ مع اليوم أخاه غدوا فكأنه فطن لما أردت فقال: أجل أتدري لم دعوناك؟ قلت: لا. قال: وقع بيني وبين جارية لي شجار في بيت أردت لها إعرابه فامنتعت عليّ وقالت: سل المازني. قلت: فأسمعني يا أمير المؤمنين. قال: نعم. وأومأ إلى خادم بين يديه فضرب ستارة كادت عيني تلتمع من كثرة ذهبها ثم سمعت وراءها نقراً لولا جلالة أمير المؤمنين لرقصت عليه، ثم غنت: أظليم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحيةً ظلم فقال: كيف ما سمعت؟ قلت: صواب. قال: فقد أخطأنا إذاً، قلت: وكيف؟ قال أمير المؤمنين قلت: أظليم إن مصابكم رجلٌ ... أهدى السلام تحيةً ظلم فقلت: وأصاب أمير المؤمنين. قال: فكاد يقوم إليّ فرحاً، ثم أدخل رأسه في الستارة فأومأ إليّ الخادم في الخروج فخرجت فناولني صرةً فيها خمسمائة دينار وحملت على البريد حتى رددت إلى منزلي بالبصرة. والشعر لأبي دهبل الجمحي يقول فيه: عُقم النساء فلا يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عُقْم فلا يلدن شبيهه أجود. وحدثنا علي بن يزيد عن إسحاق بن المسيب بن زهير قال: حدثني المفضل قال: كنت يوماً عند الصراة ببغداد وكنت في الصحابة فأتاني رسول المهدي فقال لي: أجب. فخفت أن يكون ساعٍ سعى بي، فدخلت منزلي ولبست ثيابي وهممت أن أخبر أهلي ثم قلت: لم أعجل لهم الهمّ؟ إن كان خير سيأتيهم وإن كان غير ذلك فلا أكون عجّلته لهم. فمضيت حتى دخلت عليه وأنا مرعوب فسلمت عليه ورد السلام، وإذا عنده الفضل بن الربيع وعلي بن يقطين وغيرهما، فقال: إن هؤلاء زعموا أنك أعلم الناس بالشعر فأخبرني ما أشعر بيت قالته العرب؟ فوقعت في شيء لم أدر كيف هو فجهدت والله أن أنشده بيتاً من شعر فما قدرت عليه. فقال لي: ما لك لا تتكلم؟ فجرى على لساني ذكر الخنساء فقلت: لقد أحسنت الخنساء في قولها: وإن صخراً لمولانا وسيدنا ... وإن صخراً إذا نشتوا لنحّار وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار

стр. 176

قال: فاستبشر بذلك، وسر سروراً شديداً، ثم قال: أنت والله أعلم الناس وقد قلت هذا لهؤلاء فأبوا عليّ. فقال القوم: كان أمير المؤمنين أولى بالصواب. فقال لي: يا مفضّل أسهرتني البارحة أبيات حسين بن مطير الأسدي. قلت: وأي أبياته؟ قال قوله: وقد تغدر الدنيا فيضحي غنيها ... فقيراً ويغنى بعد بؤسٍ فقيرها وكم قد رأينا من تغير عيشةٍ ... وأخرى صفا بعد اكدرار غديرها قلت: مثل هذه فليسهرك يا أمير المؤمنين زادك الله توفيقاً وتسديداً! قال: حدثني يا مفضّل. قلت: أي الأحاديث تحب؟ قال: أحاديث الأعراب. فما زلت أحدثه حتى بلغت الشمس منه، ثم قال: ما لك، قلت: يا سيدي ما تسأل عن رجل مأخوذ بعشرة آلاف درهم ليست عنده! قال: عليك عشرة آلاف درهم؟ قلت: نعم. فقال: يا ربيع احمل إليه عشرة آلاف درهم لقضاء دينه وعشرة آلاف درهم يبني بها داره وعشرة آلاف ينفقها على عياله، فرجعت ومعي ثلاثون ألف درهم. وقال النضر بن شميل: دخلت على المأمون بمرو وهو في بهو له في يوم صائف وعليّ قميص مرقوع فقال: يا نضر تدخل على أمير المؤمنين في خلقان ثيابك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين حرّ مرو وأنا شيخ كبير لا أحتمل الحر ولا البرد. ثم أنشدته: لو يُشترى الشباب لاشتريته ... شبابي النضر الذي أبليته بكل ما لي ثم ما استغليته ثم أجرينا الحديث فقال: يا نضر أي النساء أحب إليك؟ قلت: البيضاء الفرعاء المديدة، فقال: حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان له فيها سداد من عوزٍ. قلت: صدق هشيم. حدثني عوف عن الحسن عن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله، ﷺ : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها كان له فيها سداد من عوز. قال: يا نضر والسداد خطأٌ؟ قلت: خطأٌ يا أمير المؤمنين! قال: وما يدريك؟ قلت: السَّداد بالفتح القصد في الدين وفي السبيل، والسِّداد البلغة، وكل شيء سددت به شيئاً فهو سداد. قال: أتعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان، ﵀، حيث يقول: أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسِداد ثغر فاستوى جالساً وقال: قبح الله من لا أدب له! ثم أقبل عليّ فقال: أخبرني بأخلب بيت قالته العرب، قلت: قول ابن بيض في الحكم بن مروان: تقول لي والعيون هاجعةٌ ... أقم علينا يوماً فلم أقم متى يقل صاحب السرادق هـ ... ذا ابن بيضٍ بالباب يبتسم قد كنت أسلمت فيك مقتبلاً ... فهات أُدخل وأعطني سلمي قال: لقد أحسن وأجاد، فأخبرني بأنصف بيت قالته العرب، قال: قول أبي عروبة: إني وإن كان ابن عمي واغداً ... لمداهنٌ من خلفه وورائه ومفيده نصري وإن كان امرأً ... متباعداً من أرضه وسمائه فأكون والي سرّه وأصونه ... حتى يحين عليّ وقت أدائه وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قرّبتُ جلّتنا إلى جربائه وإذا دعا باسمي ليركب مركباً ... صعباً ركبت له على سيسائه وإذا رأيت عليه برداً ناضراً ... لم يلفني متمنياً لردائه فقال: لقد أحسن وأجاد، فأخبرني عن أعز بيت قالته العرب. قلت: قول راعي الإبل: أطلب ما يطلب الكريم من ال ... رزق لنفسي وأُجمل الطلبا وأحلب الثرّة الصفيّ ولا ... أطلب في غير خلفها حلبا إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغّبته في صنيعه رغبا والنذل لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئاً إلا إذا رهبا مثل الحمار الموقّع السوء لا ... يحسن مشياً إلا إذا ضربا

стр. 177

فقال: والله لقد أحسن وأجاد. ودعا بالدواة فما أدري ما يكتب ثم قال: يا نضر كيف تقول من الإتراب؟ قلت: أقول اترب القرطاسَ والقرطاسُ متروب. قال: فلم كسرت الألف؟ قلت: لأنها ألف وصل تسقط في التصغير. قلت: فكيف تقول من الطين؟ قلت: طِن الكتاب والكتابُ مطينٌ. قال: هذه أحسن من الأولى. ثم دفع ما كتب إلى خادم ووجهه معي إلى ذي الرياستين الحسن بن سهل، فقال لي ذو الرياستين: ما الذي جرى بينك وبين أمير المؤمنين؟ فقد أمر لك بخمسين ألف درهم. فقصصت عليه القصة. فقال ويحك لحّنت أمير المؤمنين. قلت: معاذ الله بل لحّنت هشيماً لأنه كان لحّانة، فوقّع لي أيضاً من عنده بثلاثين ألف درهم فانصرفت بثمانين ألف درهم في حرف واحد سِداد وسَداد. قال أبو سعيد الضرير: سمعت ابن الأعرابي يقول: بعث إليّ المأمون فصرت إليه وإذا هو مع يحيى بن أكثم يطوفان في حديقة، فلما نظر إليّ ولاني ظهره فجلست فلما أقبل قمت قائماً فأسرّ إلى يحيى بشيء ما فهمت كله إلا ما قال: ما أحسن أدبه! وقد أقبل إلى مجلسه ثم التفت إليّ فقال: يا محمد بن زياد من أشعر العرب في وصف الخمر؟ فقلت: الذي يقول: تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق فقال: أحسن الناس قولاً في صفة الخمر الذي يقول: فتمشّت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم فعلت في البيت إذ مُزجت ... مثل فعل الصبح في الظلم فاهتدى ساري الظلام بها ... كاهتداء السفر بالعلم قلت: فائدة أمير المؤمنين. ثم قال: ما معنى قول هند: نحن بنات طارق ... نمشي على نمارق إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق فراق غير وامق ففكرت في نسبها ونسب أبيها فلم أجد طارقاً فقلت: ما أعرف طارقاً يا أمير المؤمنين. فقال: إنما قالت إنها في العلو والشرف بمنزلة الطارق وهو النجم، من قول الله، ، والسماء والطارق، قلت: فائدة يا أمير المؤمنين ثانية. ثم التفت إلى يحيى بن أكثم فقال: أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبئه. فلم أدر ما قال وقمت لأخرج. فلما نظر إليّ وقد قمت رمى إليّ بعنبرة كانت في يده بعتها بخمسة آلاف درهم، قال: فرجعت إلى كتبي فنظرت فيها لأعرف ما قال فوقعت على هذه الأبيات لبعض الأعراب: كأنما بنت أبي المحيريه ... قاعدةٌ في إتبها لُؤيليه قد فاقت البؤبؤ والبؤيبيه فعملت أنه عنى السيد وابن السيد. قال أبو عبد الله الأسواري: دخلت على المأمون في حديقة له وفي يده مقراص ذهب وهو يقرص به ما طال من أوراق تلك الروضة ويقوّم ما بدا من أغصانها، فسلمت وقلت: يا أمير المؤمنين، جعلت فداك، إنك لمستهتر بهذه الحديقة حتى إنك لا تأمن عليها أحداً. قال: نعم يا أسواري فهل يحضرك في ذلك شيء؟ قلت: نعم، وأنشدته: أوائل رسلٍ للربيع تقدمت ... على طيب وجه الأرض خير قدوم فراقت لها بعد الممات حدائقٌ ... كواسٍ وكانت مثل ظهر أديم إذا اقتصها طرف البصير بلحظةٍ ... توهّمها مفروشةً برقوم كأن اخضرار الزهر والروض طالعٌ ... عليه سماءٌ زينت بنجوم تردت بظلٍّ دائمٍ فتضاحكت ... كضحك بروقٍ في بكاء غيوم وأوردها فحل السحاب عرائساً ... ضعاف القوى من مرضعٍ وفطيم إذا برزت منهن بكرٌ حسبتها ... تراك وإن أضحت بعين سقيم كمثل نشاوى الراح يلثم ذاك ذا ... أو الريح جادت بينها بنسيم تخال وقوع الطل فيهن أدمعاً ... رنت بعيونٍ غير ذات سجوم قال: أحسنت يا أسواري، يا غلام اسقنا على هذا. ثم جلس على كرسي مغشّىً بالحرير وإذا غلام قد أقبل يهتز كأنه القضيب المائل حين اخضر شاربه وبدا عذاره وفي يده كأسٌ وإبريق فصبّ في الكأس من الإبريق ثم مزجه وناوله إياه، فأخذه في يده ساعة وجعل ينظر إلى الغلام ما يرد بصره عنه، ثم قال: يا أسواري هل يحضرك في صفة مثل هذا شيء؟ قلت: نعم يا سيدي، وأنشدته: ثجاج مزنٍ شجّ كأس رحيق ... ريق المهفهف فيه أعذب ريق

стр. 178

أذرى لخوف البين حرّ مدامعٍ ... في در خدٍّ فيه ذوب عقيق هو في تناهي صدق حسنٍ فائقٌ ... في حسن صورة يوسف الصديق قامت على رجلٍ به الدنيا لنا ... إن قام بالمنديل والإبريق فرأى على قلبي لواحظ طرفه ... وتلا كتاب الحب بالتحقيق إن دام ذا في حسنه أبداً لنا ... سمّي فقيه العصر بالزنديق قال: فقال المأمون: أحسنت ويحك فمن صاحب هذه الأبيات؟ قلت: فلانٌ يا أمير المؤمنين. فقال: أشعر والله منه في هذا المعنى شيخ الشعراء أبو نواس حيث يقول: كُفّي فلست لعاذلٍ بمطيق ... بلغ الهوى بي غاية التحقيق قطع الهوى فرط الشباب بباطلٍ ... أيدي الزمان وألسن التصديق وجداولٌ موصولةٌ بجداولٍ ... من صوب غاديةٍ ولمع بروق تكسو مدامعه الرياض عرائساً ... من نرجسٍ متكاثفٍ وشقيق باكرتها قبل الصباح بسحرةٍ ... قبل ابتكار مجرة العيّوق من كف أحور ذي عذارٍ أخضرٍ ... يسبي القلوب بقدّه الممشوق فكأن ما في الكأس من إبريقه ... نارٌ تسلل من فم الإبريق وكأنها والماء يأخذ جسمها ... درٌّ يُنثر فوق أرض عقيق وتضوع مسكاً في الزجاجة أذفراً ... ذوب الشباب معصفراً بخلوق قمرٌ عليه من البدائع حلةٌ ... يسقيك كأس هوىً وكأس رحيق ما طاب عيش فتىً يطيب بغيرها ... لا سيما إن شجها بالريق يغنيك عن ورد الرياض وزهرها ... منه تورّد خدّه المعشوق قال فقلت: يا أمير المؤمنين قد حضرني في هذا المعنى شيء فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاده؟ قال: هات. فقلت: جسمٌ مركَّبه في العين إنسيُّ ... وفي اللطافة والأجناس عدنيُّ ما يعرف الطرف من أعراض جوهره ... إلا الذي يخبر الفكر القياسي وكلّ من غاص في إدراك صورته ... فإنما نطقه في ذاك وهميّ حاز المحاسن والأنوار أجمعها ... فالحسن من حسنه في الخلق جزئي إذا العيون تراءته تراهقها ... من حسن صورته اللحظ الظلامي ما دبّ في فطن الأوهام من حسنٍ ... إلا وكان له الحظ الخصوصي كأن جبهته من تحت طرته ... بدرٌ يتوجه الليل البهيمي كأن عينيه خرطا جزعتي يمنٍ ... من كل حافاتها سهم صيابيّ كأن صدغيه قافا كاتبٍ مشقا ... من فوق ياقوتةٍ والخد وردي كأنما الثغر منه في تبسمه ... درٌ تفلّق عنه البحر لجيّ كأنما الردف منه إذ يميس به ... موجٌ يكفكفه الريح الجنوبي لو مس أجبال ماهان لفجّرها ... بالماء يسعده الطلّ الغمامي أو لامس الماء لانسابت أنامله ... كالثلج حلّ به الودق السخامي جنسيُّ نورٍ على كنهيّ جوهرةٍ ... من روح قدسٍ أو الأنوار بريّ يسقي بجوهرةٍ في جوف جوهرةٍ ... من نور جوهرةٍ واللون جنسي ماءٌ وماءٌ وفي ماءٍ يديرهما ... ماءٌ خلافهما والطيب تيهيّ قد جلّ عن طيب أهل الأرض عنبره ... ومسكه فهو الطيب السماويّ إذا رأته عيون الخلق أحسرها ... نوراً ولاحظها الحسن الهوائيّ كادت محاسنه من لطف رقته ... تصير عيباً وما للعيب كيفيّ سبحان خالقه ماذا أراد به ... لولاه لم يكن الفعل السريريّ إذا أدار علينا الكأس جمّشه ... من ودّ أسرارنا ودٌّ حقيقي مصورٌ طرفت عين الزمان به ... واكتنّه من جناح الخفض علويّ

стр. 179

قال: فتبسم المأمون وقال: أحسنت والله يا أسواري، فلمن هذا ويحك؟ قلت: لعبدك النظّام. فقال: أحسن فيما وصف وأحسنت في تعبيرك عنه. ثم سقاني وأمر لي بخمسين ألف درهم وأمر للنظام بمثلها. أحمد بن القاسم قال: كنت أنا وعبد الله بن طاهر عند المأمون وهو مستلقٍ على قفاه فقال لعبد الله: يا أبا العباس من أشعر الناس في زماننا؟ فقال: أمير المؤمنين أعرف بهذا مني. قال: على حالٍ. قال الذي يقول: أيا قبر معنٍ كنت أول حفرةٍ ... من الأرض خطّت للمكارم أجمعا قال أحمد: فقلت أشعرهم الذي يقول: أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم فقال المأمون: أين أنتما عن قول أبي نواس: يا شقيق النفس من حكمٍ ... نمت عن ليلي ولم أنم قال: وقال المأمون لعبد الله بن طاهر في الحلبة وقد ارتفعت أصوات العامة: يا أبا العباس سكّن العامة. قال عبد الله: فوثتب أنا ومن معي فارتفع من أصواتنا وضجيجنا أكثر مما كان، فقال لي: أتدلّ بالرياسة ولا بصر لك بالسياسة، هكذا تسكّن العامة؟ هلا ناديت الأقربين لينادي الأقربون الأبعدين! قال: فوالله ما ميزّت بين تأديبه وبين نغرانه. قال: وقال الحسن بن الفضل بن الربيع: خرج علينا المهديّ متنكراً ومعه الربيع والمسيّب بن زهير يطوف في الأسواق إذ نظر إلى أعرابي ينشد فقال الربيع: أخبرني عن أرق بيت قالته العرب، قال: بيت امريء القيس بن حجر: وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلبٍ مقتّل فقال المهدي: بيت قد داسته العامة وفيه غلطٌ. ثم قال للمسيب: هات ما عندك. فقال: ومما شجاني أنها يوم أعرضت ... تولت وماء العين في الجفن حائر فلما أعادت من بعيد بنظرةٍ ... إليّ التفاتاً أسلمتها المحاجر وسلمتها أيضاً. فقال: وإن هذا قريبٌ من ذاك. وخلفهم شابّ من أهل المدينة له أدب وظرف وقدم متظلماً فطال مقامه على باب المهدي، فلما سمع ذلك منهم حمله ظرف الأدب على أن أدخل نفسه بينهم واتصل بهم وقال: أتأذنون أن أخوض معكم فيما أنتم فيه؟ قالوا: ماذا؟ قال قال الأحوص: إذا قلت إني مشتفٍ بلقائها ... فحمُّ التلاقي بيننا زادني وجدا فقال المهدي: أحسنت يا فتى، فمن أنت؟ قال: أنا رجل من أهل المدينة. قال: وما أقدمك العراق؟ قال: مظلمة لي أنا مقيم عليها بباب الخليفة منذ كذا وكذا وقد أضرّ بي ذلك. فقال للربيع: عليك بالرجل. فأخذه معه وسامره أياماً ثم أمر بردّ مظلمته وقضى حوائجه وأمر له بصلة عشرة آلاف درهم. قال النضر بن شميل: حدثني الفرّاء عن الكسائي قال: دعاني الرشيد ذات يوم وما عنده إلا حاشيته فقال: يا علي أتحب أن ترى محمداً وعبد الله؟ قلت: ما أشوقني إليهما يا أمير المؤمنين وأسرّ إليّ معاينة نعمة الله جل وعز على أمير المؤمنين فيهما وبهما، فأمر بإحضارهما، فأقبلا كأنهما كوكبا أفقٍ يزينهما هديهما ووقارهما، قد غضا أبصارهما وقاربا خطوهما، حتى وقفا بباب المجلس فسلما بالخلافة ثم قالا: تمم الله على أمير المؤمنين نعمه وشفعها بشكره وجعل ما قلّده من هذا الأمر أحمد عاقبة ما يؤول إليه أمر حمداً اختصه به وأخلصه له بالبقاء وكثّره لديه بالنماء ولا كدّر عليه منه ما صفا ولا خالط مسروره الردى، فقد صرت للمسلمين ثقة ومستراحاً إليك يفزعون في أمورهم ويقصدون في حوائجهم، فأمرهما بالدنو وصيّر محمداً عن يمينه وعبد الله عن يساره ثم التفت إلي ّفقال: يا علي ما زلت ساهراً مفكراً في معاني أبيات قد خفيت عليّ. قلت: إن رأي أمير المؤمنين أن ينشدنيها؟ فأنشدني: قد قلت قولاً للغراب إذ حجل ... عليك بالقود المسانيف الأول تغدّ ما شئت على غير عجل فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، إن العير إذا فصلت من خيبر وعليها التمر يقع الغراب على آخر العير فيطردها السواق، يقول هذا: تقدم إلى أوائل العير فكل على غير عجل، والقود الطوال الأعناق، والمسانيف المقدمة. ثم أنشدني: لعمري لئن عشّرت من خشية الردى ... نهاق الحمار إنني لجهول

стр. 180

قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الرجل من العرب إذا دخل خيبر أكبّ على أربع وعشر تعشير الحمار، وهو أن ينهق عشر نهقات متتابعات، يفعل ذلك ليدفع عن نفسه حمّى خيبر. ثم أنشدني في قول الآخر: أجاعلٌ أنت بيقوراً مضرّمةً ... ذريعةً لك بين الله والمطر قلت: نعم، كانت العرب إذا أبطأ المطر تشد العشر والسلع، وهما ضربان من النبت، في أذناب البقر وألهبوا فيه النار وشردوا بالبقر تفاؤلاً بالبرق والمطر، ثم أنشدني: لعمرك ما لام الفتى مثل نفسه ... إذا كانت الأحياء تعدى ثيابها وآذن بالتصفيق من ساء ظنه ... فلم يدر من أي اليدين جوابها قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الرجل إذا ضلّ في المفازة قلب ثيابه وصاح كأنه يوميء إلى إنسان ويشتد شدة ويصفق بيديه فيهتدي الطريق. ثم أنشدني: قوداء تملك رحلها ... مثل اليتيم من الأرانب قلت: نعم، يقول: هذه ناقة مثل اليتيم من الاكام، واليتيم الواحد من كل شيء، والأرانب الاكام. ثم أنشدني لآخر أيضاً: إلى الله أشكو هجمةً هجريةً ... تعاورها مرُّ السنين العوابر فعادت رذايا تحمل الطبن بعدما ... تكون قرىً للمعتفين المفاقر قلت: هذا رجل في بستانه نخيل أتى عليها الدهر فجفّت فقطعها وصيرها أجذاعاً وسقّف بها البيوت، فقال: هذه الأجذاع كانت تحمل الرطب، فأُكل وأطعم الأضياف فجفّت فقطعتها وسقّف بها البيوت فهي تحمل الطين، يعني ما فوقها من اللبن والتراب وغير ذلك. ثم أنشدني لرجل آخر: وسربٌ ملاحٍ قد رأيت وجوههم ... إناثٌ أدانيه ذكورٌ أواخره يعني الأضراس، ثم أنشدني لآخر: فإني إذاً كالثور يضرب جنبه ... إذا لم يعف شرباً وعافت صواحبه قلت: نعم، كانت العرب إذا أودت البقر الماء فشربت الثيران وأبت البقر ضربت الثيران حتى تشرب البقر، وهو كما قال: كالثور يُضرب لما عافت البقر. ثم أنشدني: ومنحدرٍ من رأس برقاء حطه ... مخافة بينٍ أو حبيبٌ مزايل قلت: نعم، يعني الدموع، والبرقاء العين لأن فيها سواداً وبياضاً، حطه أسأله، حبيب محبوب، مزايل مفارق. قال فوثب الرشيد فجذبني إلى صدره وقال: لله در أهل الأدب! ثم دعا بجارية فقال لها: احملي إلى منزل الكسائي خمس بدر على أعناق خمسة أعبد يلزمون خدمته، ثم قال: استنشدهما، يعني ابنيه، فأنشدني محمد الأمين: وإني لعفُّ الفقر مشترك الغنى ... وتارك شكلٍ لا يوافقه شكلي وشكلي شكلٌ لا يقوم بمثله ... من الناس إلا كلُّ ذي نيقةٍ مثلي ولي نيقةٌ في المجد والبذل لم يكن ... تأنقها فيما مضى أحدٌ قبلي وأجعل مالي دون عرضي جُنّةً ... لنفسي وأستغني بما كان من فضلي وأنشدني عبد الله المأمون: بكرت تلومك مطلع الفجر ... ولقد تلوم بغير ما تدري ما إن ملكت مصيبةً نزلت ... إذ لا يُحكّم طائعاً أمري ملك الملوك عليّ مقتدرٌ ... يعطي إذا ما شاء من يسر فلرب مغتبطٍ بمرزئةٍ ... ومفجّعٍ بنوائب الدهر ومكاشح لي قد مددت له ... نحراً بلا ضرعٍ ولا غمر حتى يقول لنفسه لهفاً: ... في أي مذهب غايةٍ أجري وترى قناتي حين يغمزها ... غمز الثقاف بطيئة الكسر فقال: يا علي فكيف تراهما؟ فقلت: أرى قمري أفقٍ وفرعي بشامةٍ ... يزينهما عرقٌ كريمٌ ومحتد يسدان آفاق السماء بشيمةٍ ... يؤيدها حزمٌ وعضبٌ مهند سليلي أمير المؤمنين وحائزي ... مواريث ما أبقى النبي محمد
следующие страницы →