← Адаб

Адаб · id 564

المحاسن والمساوئ

إبراهيم البيهقي

Полный текст (254 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم وله الأمان من الخذلان. الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد النبي الأميّ الهاشميّ الأبطحيّ المكيّ المدنيّ الهادي المهديّ السّراج المضيء والقمر المنير التقيّ النقيّ وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار السادة الأطهار المقسطين الأبرار الذين خلقوا من طينة واحدة وجبلوا على فطرته ودرجوا على حوزته ومُيّزوا بحكمته وعلى منهاجه وملته وفازوا بطاعته وسلم تسليماً كثيراً دائماً. محاسن الكتب قال الشيخ إبراهيم بن محمد البيهقي: قال مصعب بن الزبير: إن الناس يتحدثون بأحسن ما يحفظون ويحفظون أحسن ما يكتبون ويكتبون أحسن ما يسمعون، فإذا أخذت الأدب فخذه من أفواه الرجال فإنك لا تسمع منهم إلا مختاراً. وقال لقمان لابنه: يا بني تنافس في طلب الأدب فإنه ميراث غير مسلوب وقرين غير مغلوب ونفيس حظ في الناس مطلوب. وقال الزهري: الأدب ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال ولا يبغضه إلا مؤنثهم. وقيل: إذا سمعت أدباً فاكتبه ولو في حائط، قال: وقال المنصور بن المهدي للمأمون: أيحسن بمثلي طلب الأدب؟ قال: لأن تموت طالباً للأدب خير من أن تعيش قانعاً بالجهل. قال: فإلى متى يحسن بي ذلك؟ قال: ما حسنت بك الحياة. وقال الزهري: ما سمعت كلاماً أوجز من كلام عبد الملك بن مروان لولده حيث يقول: اطلبوا معيشة لا يقدر عليها سلطان جائر. قيل ما هي؟ قال: الأدب. وقال بزرجمهر: يا ليت شعري أي شيء أدرك من فاته الأدب أم أي شيء فات من أدرك الأدب ومادته من الكتب! وقد أهدى بعض الكتاب إلى صديق له دفتراً وكتب له: هديتي هذه، أعزك الله، تزكو عن الإنفاق وتربو على الكد، لا تفسدها العواري ولا تخلقها كثرة التقليب، وهي أُنس في الليل والنهار والسفر والحضر تصلح للدنيا والآخرة، تؤنس في الخلوة وتمتع في الوحدة، مسامر مساعد ومحدث مطواع ونديم صديق. وقال بعضهم: الكتب بساتين العلماء. وقال آخر: الكتاب جليس لا مؤنة له. وقال الفضل بن سهل للمأمون وهو بدمشق بدير مران مشرف على غوطتها: يا أمير المؤمنين هل رأيت في حسنها شبيهاً في شيء من ملك العرب؟ يعني الغوطة. قال: بلى والله، كتاب فيه أدب يجلو الأفهام ويذكي القلوب ويؤنس الأنفس أحسن منها.

стр. 2

وقال الجاحظ: الكتاب نعم الذخر والعقدة ونعم الجليس والقعدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل، الكتاب وعاء مليء علماً وظرفٌ حشي ظرفاً، إن شئت كان أعيا من باقل وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل وإن شئت ضحكت من نوادره وإن شئت بكيت من مواعظه، ومن لك بواعظٍ ملهٍ وبناسك فاتك وناطق أخرس، ومن لك بطبيب أعرابيّ وروميّ وهنديّ وفارسيّ ويونانيّ ونديم مولَّد ووصيف ممتّع، ومن لك بشيء يجمع الأول والآخر والناقص والوافي والشاهد والغائب والرفيع والوضيع والغث والسمين والشكل وخلافه والجنس وضده، وبعد فما رأيت بستاناً يحمل في ردن وروضة تنقل في حجر ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء غيره، ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ولا ينطق إلا بما تهوى، آمن من في الأرض وأكتم للسر من صاحب السر وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة، ولا أعلم جاراً أبر ولا خليطاً أنصف ولا رفيقاً أطوع ولا معلماً أخضع ولا صاحباً أظهر كفاية ولا عناية ولا أقل إملالاً وإبراماً ولا أبعد عن مراء ولا أترك لشغب ولا أزهد في جدال ولا أكف عن قتال من كتاب، ولا أعم بياناً ولا أحسن مؤاتاة ولا أعجل مكافأة ولا شجرة أطول عمراً ولا أطيب ثمراً ولا أقرب مجتنىً ولا أسرع إدراكاً ولا أوجد في كل إبان من كتاب، ولا أعلم نتاجاً في حداثة سنه وقرب ميلاده ورخص ثمنه وإمكان وجوده يجمع من التدابير العجيبة والعلوم الغريبة ومن آثار العقول الصحيحة ومحمود الأذهان اللطيفة ومن الحِكم الرفيعة والمذاهب القديمة والتجارب الحكيمة والأخبار عن القرون الماضية والبلاد المتراخيةو السائرة والأمم البائدة ما يجمع من كتاب ولولا الحكم المخطوطة والكتب المدونة لبَطل أكثر العلم ولغلب سلطان النسلن سلطان الذكر ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار، ولو لم يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع، ومن لك لا يبتدئك في حال شغلك ولا في أوقات عدم نشاطك ولا يحوجك إلى التجمل والتذمم، ومن لك بزائر إن شئت جعلت زيارته غِبّاً وورده خِمساً وإن شئت لزمك لزوم ظلك.

стр. 3

والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك والصديق الذي لا يقليك والرفيق الذي لا يملك والمستميح الذي لا يؤذيك والجار الذي لا يستبطئك والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق ولا يعاملك بالمكر ولا يخدعك بالنفاق. والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجود بيانك وفخم ألفاظك وعمّر صدرك وحباك تعظيم الأقوام ومنحك صداقة الملوك، يطيعك في الليل طاعته بالنهار، وفي السفر طاعته في الحضر، وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقّرك وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة وإن عزلت لم يدع طاعتك وإن هبت عليك ريح أعدائك لم ينقلب عليك، ومتى كنت متعلقاً به ومتصلاً منه بأدنى حبل لم يضرك منه وحشة الوحدة إلى جليس السوء، وإن أمثل ما يقطع به الفُرّاغ نهارهم وأصحاب الكفايات ساعة ليلهم نظرة في كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد أبداً في تجربة وعقل ومروءة وصون عرض وإصلاح دين ومال ورب صنيعة وابتداء إنعام، ولو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إليك إلا منعه لك من الجلوس على بابك ونظرك إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم ومن فضول النظر وملابسة صغار الناس ومن حضور ألفاظهم الساقطة ومعانيهم الفاسدة وأحوالهم الردية وطرائقهم المذمومة وأفعالهم الخبيثة القبيحة لكان في ذلك السلامة ثم الغنيمة وإحراز الأصل مع استفادة الفرع، ولو لم يكن في ذلك إلا السلامة ثم الغنيمة وإحراز الأصل مع استفادة الفرع، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك عن سخف المنى وعن اعتياد الراحة وعن اللعب وكل ما أشبهه، لقد كان في ذلك على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنة، وهو الذي يزيد في العقل ويشحذه ويداويه ويهذبه وينفي الخبث عنه ويفيد العلم ويصادق بينك وبين الحجة ويقودك للأخذ بالثقة ويُعمر الحال ويكسب المال، وهو منبهة للمورث وكنز عند الوارث غير أنه كنز لا زكاة فيه ولا حق للسلطان يخرج منه، هو كالضيعة التي لا تحتاج إلى سقي ولا إسجال بإيغاز ولا إلى شرط ولا أكار، وليس عليها عشر للسلطان ولا خراج، ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها وخلدت من عجيب حكمها ودونت من أنواع سيرها حتى شاهدناها بها من غاب عنا وفتحنا بها كل منغلق علينا فجمعنا في قليلنا كثيرهم وأدركنا ما لم ندركه إلا بهم لقد كان بُخِس حظنا منه، وأكثر من كتبهم نفعاً وأشرف منها حظاً وأحسن موقعاً كتب الله التي فيها الهدى والرحمة والإخبار عن كل عبرة وتعريف كل سيئة وحسنة، وما زالت كتب الله جل وعلا في الألواح والصحف والمصاحف، فقال جل ذكره: " أم لم يُنَبّأ بما في صُحف موسى وإبراهيم الذي وفّى "، فذكر صحف موسى الموجودة وصحف إبراهيم البائدة، وقال: " آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه "، وقال : " ما فرطنا في الكتاب من شيء "، وقال: " كراماً كاتبين "، وقال: " وأما من أُوتي كتابه وراء ظهره "، وقال: " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً "، ولو لم تكن تكتب أعمالهم لكانت محفوظة لا يدخل ذلك الحفظ نسيان ولكنه تعالى جده علم أن نسخه أوكد وأبلغ وأهيب في الصدور فقال جل ذكره: " إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون "، ولو شاء الله أن يجعل البشارات بالمرسلين على الألسنة ولم يودعها الكتب لفعل، ولكنه ﵎ علم أن ذلك أتم وأبلغ وأكمل وأجمع. وفي قول سليمان، ﵇: " اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم "، وقد كان عنده من يبلغ الرسالة على تمامها من عفريت وإنسي وغيرهما، فرأى الكتاب أبهى وأحسن وأكرم وأفخم وأنبل من الرسالة، ولو شاء النبي، ﷺ ، أن لا يكتب إلى قيصر وكسرى والنجاشي والمقوقس وإلى بني الجُلندي وإلى العباهلة من حمير وإلى هوذة والملوك العظماء والسادة النجباء لفعل ولوجد المبلغ المعصوم من الخطإ والزلل والتبدّل، ولكنه، ﵇، علم أن الكتاب أشبه بتلك الحالة وأليق بتلك المراتب وأبلغ في تعظيم ما حواه الكتاب، وحمله إن كثُر ورقه فليس مما يمل لأنه وإن كان كتاباً واحداً فإنه كتب كثيرة، فإن أراد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأول حتى يهجم على الثاني ولا الثالث حتى يهجم على الرابع، فهو أبداً مستفيد ومستطرف، وبعضه يكون حاثاً لبعض، ولا يزال نشاطه زائداً متى خرج من أثر صار في خبر حتى يخرج من خبر إلى شعر ومن الشعر إلى النوادر ومن النوادر إلى نتف وإلى مواعظ حتى يفضي به إلى

стр. 4

مزح وفكاهة وملح ومضاحك وخرافة. وكانوا يجعلون الكتاب نقراً في الصخور ونقشاً في الحجارة وحلقة مركبة في البنيان، وربما كان الكتاب هو الناتيء وربما كان الكتاب هو المحفور إذا كان ذلك تاريخاً لأمر جسيم أو عهداً لأمر عظيم أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على قبّة غُمدان وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقَّر وعلى الأبلق الفرد من تيماء وعلى باب الرهاء، يعمدون إلى المواضع الرفيعة المشهورة والأماكن المذكورة ويضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور وأمنعها من الدروس وأجدر أن يراها من مرّ ولا ينسى على مرور الدهور، وعمدوا إلى الرسوم ونقوش الخواتيم فجعلوها سبباً لحفظ الأموال والخزائن ولولاها لدخل على الناس الضرر الكبير، ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب أكثره ولبطلت معرفة التضاعيف، ونفع الحساب معلوم والخلة في موضع فقده معروفة. قال الله : " هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب "، ولولا الكتب المدونة والأخبار المجلدة والحكم المخطوطة التي تجمع الحساب وغير الحساب لبطل أكثر العلم، ولولا الكتاب لم يكن يعلم أهل الرقة والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في بياض يوم حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة فيعلمها أهل البصرة قبل المساء، وذلك مشهور في الحمام إذا أُرسلت، وكانت العرب تعمّد في مآثرها على الشعر الموزون والكلام المقفى وكان ذلك ديوانها على أن الشعر بقية فضيلة البيان على الشاعر الراغب وفضيلة الأثر على السيد المرغوب إليه، وكانت العجم تقيّد مآثرها بالبنيان فبنت مثل بناء أردشير وبناء إصطخر وبيضاء المدائن وشيرين والمدن والحصون والقناطر والجسور، ثم إن العرب شاركت العجم في البنيان وتفردت بالشعر، فلها من البنيان غُمدان وكعبة نجران وقصر مأرب وقصر شَعوب والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان، وتصنيف الكتب أشد تقييداً للمآثر على مر الأيام والدهور من البنيان لأن البنيان لا محالة يدرس وتعفو رسومه والكتاب باقٍ يقع من قرن إلى قرن فهو أبداً جديد والناظر فيه مستفيد وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير، وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر والعلماء بمخارج الملل وأرباب النِّحل وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء يكتبون كتب الظرفاء والملحاء وكتب الملاهي والفكاهات وكتب أصحاب المراء والخصومات وكتب أصحاب العصبية وحميّة الجاهلية فمنهم من يفرط في التعلم في أيام جهله وخمول ذكره وحداثة سنه، ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم ونازعت إلى حب الأدب وأنفت من حال الجهل وأن تكون في غمار الحشوة ويدخل عليهم الضرر والحقارة وسوء الحال بما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير، ولذلك قال عمر بن الخطاب: تفقهوا قبل أن تسودوا. وفكاهة وملح ومضاحك وخرافة. وكانوا يجعلون الكتاب نقراً في الصخور ونقشاً في الحجارة وحلقة مركبة في البنيان، وربما كان الكتاب هو الناتيء وربما كان الكتاب هو المحفور إذا كان ذلك تاريخاً لأمر جسيم أو عهداً لأمر عظيم أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على قبّة غُمدان وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقَّر وعلى الأبلق الفرد من تيماء وعلى باب الرهاء، يعمدون إلى المواضع الرفيعة المشهورة والأماكن المذكورة ويضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور وأمنعها من الدروس وأجدر أن يراها من مرّ ولا ينسى على مرور الدهور، وعمدوا إلى الرسوم ونقوش الخواتيم فجعلوها سبباً لحفظ الأموال والخزائن ولولاها لدخل على الناس الضرر الكبير، ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب أكثره ولبطلت معرفة التضاعيف، ونفع الحساب معلوم والخلة في موضع فقده معروفة. قال الله : " هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب "، ولولا الكتب المدونة والأخبار المجلدة والحكم المخطوطة التي تجمع الحساب وغير الحساب لبطل أكثر العلم، ولولا الكتاب لم يكن يعلم أهل الرقة والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في بياض يوم حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة فيعلمها أهل البصرة قبل المساء، وذلك مشهور في الحمام إذا أُرسلت، وكانت العرب تعمّد في مآثرها على الشعر الموزون والكلام المقفى وكان ذلك ديوانها على أن الشعر بقية فضيلة البيان على الشاعر الراغب وفضيلة الأثر على السيد المرغوب إليه، وكانت العجم تقيّد مآثرها بالبنيان فبنت مثل بناء أردشير وبناء إصطخر وبيضاء المدائن وشيرين والمدن والحصون والقناطر والجسور، ثم إن العرب شاركت العجم في البنيان وتفردت بالشعر، فلها من البنيان غُمدان وكعبة نجران وقصر مأرب وقصر شَعوب والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان، وتصنيف الكتب أشد تقييداً للمآثر على مر الأيام والدهور من البنيان لأن البنيان لا محالة يدرس وتعفو رسومه والكتاب باقٍ يقع من قرن إلى قرن فهو أبداً جديد والناظر فيه مستفيد وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير، وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر والعلماء بمخارج الملل وأرباب النِّحل وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء يكتبون كتب الظرفاء والملحاء وكتب الملاهي والفكاهات وكتب أصحاب المراء والخصومات وكتب أصحاب العصبية وحميّة الجاهلية فمنهم من يفرط في التعلم في أيام جهله وخمول ذكره وحداثة سنه، ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم ونازعت إلى حب الأدب وأنفت من حال الجهل وأن تكون في غمار الحشوة ويدخل عليهم الضرر والحقارة وسوء الحال بما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير، ولذلك قال عمر بن الخطاب: تفقهوا قبل أن تسودوا.

стр. 5

وقال بعض الحكماء: ذهبت المكارم إلا من الكتب. وقال الله : " اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم "، فوصف نفسه تعالى جده بأنه علم بالقلم كما وصف نفسه بالكرم واعتد بذلك في نعمه العظام وأياديه الجسام ووضع القلم في المكان الرفيع ونوه بذكره وأقسم به كما أقسم بما يخط به فقال: " ن والقلم وما يسطرون، والقلم أرجح من اللسان لأن كتابته تقرأ بكل مكان ويظهر ما فيه على كل لسان ويوجد مع كل زمان، ومناقلة اللسان وهديته لا تجاوزان مجلس صاحبه ومبلغ صوته، والكتاب يخاطبك من بعيد، وقد قالوا: القلم أحد اللسانين، وقالوا: كل من عرف النعمة في بيان اللسان كان أعرف لفضل النعمة في بيان القلم. وقد يعتري القلم ما يعتري المؤدب عند ضربه وعقابه، فما أكثر من يعزم على عشرة أسواط فيضرب مائة لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع فأراه السكون أن الصواب في الإقلال فلما ضرب تحرك دمه فأشاع الحرارة فيه وزاد في غضبه فأراه الغضب أن الرأي في الإكثار، وكذلك صاحب القلم فما أكثر من يبتديء الكتاب وهو يريد مقدار سطرين فيكتب عشرة. وقد قيل: القلم الشاهد والغائب يقرأ بكل لسان وفي كل زمان. وقالوا: ظاهر عقول الرجال في اختيارها ومدوّن في أطراف أقلامها، ومصباح الكلام حسن الاختيار. وقالوا: القلم مجهِّز جيوش الكلام، يخدم الإرادة ولا يمل الاستزادة، ويسكت واقفاً وينطق سائراً على الأرض، بياضه مظلم وسواده مضيء، وقال الشاعر: قومٌ إذا خافوا عداوة معشرٍ ... سفكوا الدمِّا بأسنة الأقلام ولَمَشقة من كاتب بمداده ... أمضى وأقطع من صنيع حسام وقال آخر أيضاً: ما السيف والسيف سيفُ الكميّ ... بأخوف من قلم الكاتب له غايةٌ إن تأمّلتها ... ظهرت على سَوءة الغائب أداة المنية في جانبيه ... فمِن مثلِه رهبة الراهب سنان المنيّة في جانبٍ ... وسيف المنيّة في جانب ألم تر في صدره كالسّنان ... وفي الردف كالمرهف القاضب فيجري به الكف في حالةٍ ... على هيئة الطاعن الضّارب وقال آخر أيضاً ملغزاً: وأعجف رجلاه في رأسه ... يطير حثيثاً على الأملس مطاياه من تحته الإصبعان ... ولولا مطاياه لم يلمس وقال آخر، سامحه الله: وأعجف مُنْشَقِّ الشِّباة مقلَّمِ ... موشّى القرا طاوي الحشا أسود الفم إذا هو أضحى في الدواة فأعجمٌ ... ويضحي فصيحاً في يدي غير أعجم يناجي مناجاةً أغرَّ مُرزّأً ... متى ما استمعْ معروفه يتبسمِ وقال آخر، ﵀: لك القلم الذي لم يجر لؤماً ... بغاية منطق فكبا بعِيِّ ومبتسمٌ عن القرطاس يأسو ... ويجرح وهو ذو بال رخيِّ فما المقداد أعضب مِن شَباهُ ... ولا الصمصام سيف المذحجيّ وقال وأجاد: أحسن من غفلة الرقيب ... ولحظة الوعد من حبيب والنغم والنقر من كعابٍ ... مصيبة العود والقضيب ومن بنات الكروم راحاً ... في راحتي شادنٍ ربيب كَتبُ أديبٍ إلى أديب ... طالت به مدة المغيب فنَمّقت كفه سطوراً ... تنمّقُ الصبر في القلوب تترك من سُطّرت إليه ... أطرب من عاشق طروب وقال آخر: إذا استمدّت صرفت الطرف عن يدها ... خوفاً عليها لما أخشى من التهم كأنما قابل القرطاس إذ مشقت ... منها ثلاثة أقلامٍ على قلم وقال أشجع في جعفر البرمكي: إذا أخذت أنامله ... تُبَيّن فضله القلما تطأطأ كلٌ مرتفعٍ ... لفضل الكَتْبِ مذ نجما يقدم ويؤخر، أراد: إذا أخذت أنامله القلم تبين فضله. وفي الخط قال: نظر المأمون إلى مؤامرة بخط حسن فقال: لله در القلم كيف يحوك وشي المملكة! وقال يحيى بن خالد البرمكي: الخط صورةٌ روحها البيان ويدها السرعة وقدماها التسوية وجوارحها معرفة الفصول، وقال في مثله، رحمه الله تعالى:

стр. 6

تقول وقد كتبت دقيق خطي: ... فديتك ممّ تجتنب الجليلا؟ فقلت لها: نَحَلْتُ فصار خطي ... دقيقاً مثل صاحبه نحيلا وقال علي بن الجهم في صفة الكتب: إذا غشيني النعاس في غير وقت النوم تناولت كتاباً فأجد اهتزازي فيه من الفوائد والأريحية التي تعتادني وتعتريني من سرور الاستنباه وعز التبيين أشد إيقاظاً من نهيق الحمار وهدة الهدم، وإني إذا استحسنت كتاباً واستجدته رجوت فيه فائدةً، فلو تراني ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقه مخافة استنفاده وانقطاع المادة من قبله، وإن كان الكتاب عظيم الحجم وكان الورق كبير القدر. وذكر له العتبي كتاباً لبعض القدماء وقال: لولا طوله لنسخته، فقال: ما رغبي إلا فيما زهدت عنه، وما قرأت كتاباً كبيراً فأخلاني من فائدةٍ ولا أحصي كم قرأت من صغار الكتب فخرجت منها كما دخلت فيها. قال ابن داحة: كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵁، لا يجالس الناس ونزل مقبرة من المقابر وكان لا يكاد يُرى إلا وفي يده كتاب يقرأ فيه، فسئل عن ذلك وعن نزوله المقبرة فقال: لم أر أوعظ من قبر ولا آنس من كتاب ولا أسلم من الوحدة. وقيل لابن داحة وقد أخرج إليه كتاب أبي الشمقمق وهو في جلود كوفية وورقتين طابقتين لا بخط عجيب فقال: لقد ضيع درهمه صاحب هذا الكتاب، وقال: والله إن القلم ليعطيكم مثل ما تعطونه ولو استطعت أن أتودعه سويداء قلبي وأجعله مخطوطاً على ناظريّ لفعلت. وقال بعضهم: كنت عند بعض العلماء وكنت أكتب عنه بعضاً وأدع بعضاً فقال لي: اكتب كل ما تسمع فإن أخس ما تسمع خير من مكانه أبيض، وقيل: أما لو أعي كل ما أسمع ... وأحفظ من ذاك ما أجمع ولم أستفد غير ما قد جمعت ... لقيل هو العالم المقنع ولكن نفسي إلى كل نوعٍ ... من العلم تسمعه تجزع فلا أنا أحفظ ما قد جمعت ... ولا أنا من جمعه أشبع ومن لثّ في علمه هكذا ... ترى دهره القهقرى يرجع إذا لم تكن حافظاً واعياً ... فجمعك للكتب لا ينفع وقال بعضهم: الحفظ مع الإقلال أمكن ومع الإكثار أبعد وهو للطبائع مع رطوبة القضيب أقبل، ومنها قول الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبي خالياً فتمكّنا وقيل: العلم في الصغر كالنقش في الحجر، فسمع ذلك الأحنف فقال: الكبير أكثر عقلاً ولكنه أكثر شغلاً، وكما قال: وإنّ مَن أدّبته في الصّبى ... كالعود يُسقى الماء في غرسه حتى تراه مورقاً ناضراً ... بعد الذي أبصرت من يبسه والصبيّ على الصّبَى أفهم وله آلف وإليه أنزع، وكذلك العالم على العلم والجاهل على الجهل، وقال الله ﵎: " ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً "، لأن الإنسان على الإنسان أفهم وطباعه بطباعه آنس، ومن التقط كتاباً جامعاً كان له غنمه وعلى مؤلفه غرمه، وكان له نفعة وعلى صاحبه كّده، ومتى ظفر بمثله صاحب علم فهو وادعٌ جامٌ ومؤلّفه متعوب مكدود وقد كفي مؤنة جمعه وتتبّعه وأغناه عن طول التفكير واستنفاد العمر، كان عليه أن يجعل ذلك من التوفيق والتسديد إذا بالغ صاحبه في تصنيفه وأجاد في اختياره، قال أبو هفّان: إذا آنس الناس ما يجمعون ... أنِست بما يجمع الدفتر له وطري وله لذّتي ... على الكأس والكأس لا تحضر تدور على الشرب محمودةً ... لها المورد الخِرْقُ والمصدر يغنّيهم ساحر المقلتين ... كشمس الضحى طرفه أحور وريحانهم طيب أخلاقهم ... وعندهم الورد والعبهر على أن همّتنا في الحروب ... فتلك الصناعة والمتجر قال: لمّا قلتها عرضتها على ابن دهقان فقال: إذا سمع بها الخليفة استغنى بها عن الندماء. وأنشدنا غيره: نِعم المحدِّث والرفيق كتابٌ ... تلهو به إن خانك الأصحاب لا مفشياً سراً إذا استودعته ... وتنال منه حكمةٌ وصواب وقال آخر: نِعم الجليس بعقب قعدة ضجرةٍ ... للملك والأدباء والكتّاب

стр. 7

ورقٌ تضمّن من خطوط أناملٍ ... مرعىً من الأخبار والأداب يخلو به من ملّ من أصحابه ... فيقال خلوٌ وهو في الأصحاب قال: وأنشدنا أبو الحسن علي بن هارون بن يحيى النديم، ﵀: إذا ما خلوت من المؤنسين ... جعلت المحدِّث لي دفتري فلم أخل من شاعرٍ محسنٍ ... ومن مضحكٍ طيّبٍ مندر ومن حكمٍ بين أثنائها ... فوائد للناظر المفكر وإن ضاق صدري بأسراره ... وأودعته السرّ لم يظهر وإن صرّح الشعر باسم الحبيب ... لما اختشيت ولم أحصَرِ وإن عذت من ضجرةٍ بالهجاء ... ولو في الخليفة لم أحذر فناديت منه كريم المغيب ... لندمانه طيّب المحضر فلست أرى مؤثراً ما حييت ... عليه نديماً إلى المحشر وقال في الذهن: إذا ما غدت طلاّبة العلم ما لها ... من العلم إلا ما يخلَّد في الكتب غدوت بتشميرٍ وجدٍّ عليهم ... ومحبرتي سمعي ودفترها قلبي وقال آخر: يا أيها الطالب الآداب مبتدراً ... لا تسهُ عن حملك الألواح للأدب فحملها أدبٌ تحوي به أدباً ... وسوف تنقل ما فيها إلى الكتب وليس في كلّ وقت ممكناً قلمٌ ... ودفترٌ يا عديم المثل في الحسب وكل ما تقدم ذكره من مناقب الكتب ووصف محاسنها فهو دون ما يستحقه كتابنا هذا فقد اشتمل على محاسن الأخبار وظرائف الآثار وترجمناه بكتاب المحاسن والمساوئ لأن المصلحة في ابتداء أمر الدنيا إلى انقضاء مدتها امتزاج الخير بالشر والضارّ بالنافع والمكروه بالمحبوب، ولو كان الشر صرفاً محضاً لهلك الخلق، ولو كان الخير محضاً لسقطت المحنة وتقطعت أسباب الفكرة، ومتى بطل التخيير وذهب التمييز لم يكن صبر على مكروه ولا شكرٌ على محبوب ولا تعامل ولا تنافس في درجة، وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل. محاسن رسول الله ﷺ

стр. 8

وافتتحنا كتابنا هذا بذكر النبي، ﷺ ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الأبرار الأخيار، لما رجونا فيه من الفضل والبركة واليمن والتوفيق، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وإخوته من النبيين وآله الطيبين أجمعين، اختار الله من خير أرومات العرب عنصراً ومن أعلى ذوائب قريش فرعاً من أكرم عيدان قصي مجداً تم لم يزل بلطفه لنبيه، ﷺ وآله، واختياره إياه بالآباء الأخائر والأمهات الطواهر حتى أخرجه في خير زمان وأفضل أوان، تفرّع من شجرة باسقة الندى، شامخة العلى، عربية الأصل، قرشية الأهل، منافية الأعطان، هاشمية الأغصان، ثمرتها القرآن، تندى بماء ينابيع العلم في رياض الحلم، لا يذوي عودها ولا تجفّ ثمرتها ولا يضلّ أهلها، أصلها ثابت وفرعها نابت، فيا لها من شجرة ناضرةٍ خضراء ناعمة غرست في جبل قفر وبلد وعر محل ضرعٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرّم وبلدك المكرّم فهو، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأخيار، كما قال بعض الحكماء: لئن كان سليمان، ﵇، أعطي الريح غدوها شهر ورواحها شهر لقد أعطي نبينا، ﷺ ، البُراق الذي هو أسرع من الريح، ولئن كان موسى، ﵇، أعطي حجراً تتفجر منه اثنتا عشرة عيناً لقد وضع أصابعه، عليه وعلى آله السلام، في الإناء والماء ينبع من بين أصابعه حتى ارتوى أصحابه، ﵃، وما لهم من الخيل، ولقد كان رديف عمه أبي طالب بذي المجاز فقال: يا ابن أخي قد عطشت، فقال: عطشت يا عم؟ قال: نعم، فثنى وركه فنزل وضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال: اشرب، فشرب حتى روي، ولئن كان عيسى، ﵇، أحيا النفس بإذن الله لقد رفع، ﷺ ، ذراعاً إلى فيه فأخبرته أنها مسمومة، وكان، ﷺ ، يخبر بما في الضمائر وما يأكلون فما يدخرون، ثم دعاؤه المستجاب الذي لا تأخير فيه، وذلك أن النبي، ﷺ ، لما لقي من قريش والعرب من شدة أذاهم له وتكذيبهم إياه واستعانتهم عليه بالأموال دعا أن تجدب بلادهم وأن يدخل الفقر بيوتهم، فقال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف! اللهم اشدد وطأتك على مضر! فأمسك الله عنهم القطر حتى مات الشجر وذهب الثمر وقلت المراعي فماتت المواشي حتى اشتووا القد وأكلوا العِلهز، فعند ذلك وفد حاجب بن زرارة إلى كسرى يشكو إليه الجهد والأزْل ويستأذنه في رعي السواد وهو حين ضمن عن قومه وأرهنه قوسه، فلما أصاب مضر خاصة الجهد ونهكهم الأزل وبلغت الحجة مبلغها وانتهت الموعظة منتهاها دعا بفضله، ﷺ ، الذي كان نداهم به فسأل ربه الخصب وإدرار الغيث فأتاهم منه ما هدم بيوتهم ومنعهم حوائجهم، فكلموه في ذلك فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فأمطر الله ما حولهم ودعا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، على المستهزئين بكتاب الله ، وكانوا اثني عشر رجلاً، فكفاه الله جل اسمه أمرهم، فقال: " إنا كفيناك المستهزئين "، وقصة عامر بن الطفيل ودعائه عليه، وناطقه، ﷺ ، ذئب، وأظلته غمامة، وحن إليه عود المنبر، وأطعم عسكراً من ثريدة في جسم قطاة، وسقى عامّاً ووضأهم من ميضأة جسم صاع، ورسوخ قوائم فرس سراقة بن جشعم في الأرض وإطلاقه له بعد إذ أخذ موثقه، ومَريه ضرع شاة حائل فعادت كالحامل، والتزاق الصخرة بيد أربد، وما أراه الله أبا جهل حين أهوى بالصخرة نحو رأس رسول الله، ﷺ ، وهو ساجد فظهر له فحل ليلقم رأسه فرمى بالصخرة ورجع يشد إلى أصحابه قد انتقع لونه، فقالوا له: ما بالك؟ فقال: رأيت فحلاً لم أر مثله يريد هامتي.

стр. 9

وأما ما أراه الله أعداءه من الآيات فأكثر من أن يحصى، منها ما رواه وهب بن منبه عن الليث بن سعد قال: أتى أربد بن ربيعة وعامر بن الطفيل إلى رسول الله، ﷺ ، فقال أحدهما للآخر: أنا أشغله بالكلام حتى تقتله، فوقف أحدهما على النبي، ﷺ ، فلما طال عليه انصرف فقال لصاحبه: ما صنعت شيئاً؟ قال: رأيت عنده شيئاً ورجله في الأرض ورأسه في السماء لو دنوت منه أهلكني، وأما أربد فأصابته صاعقة، وأنزل الله تعالى: " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، وأما عامر فإنه قال لرسول الله، ﷺ : لنا أهل الوبر ولكم أهل المدر، فقال، ﷺ : لكم الأعنة، فقال: لأملأنها خيلاً عليكم ورجلاً. فلما ولّى رسول الله، ﷺ ، قال: اللهم اكفنيه، فأخذته غدة فقتلته. وعن محمد بن عبد الله قال: بينا رسول الله، ﷺ ، قائم يصلي إذ رآه أبو جهل فقال لنفر من قريش: لأذهبن فأقتلن محمداً، فدنا منه قال: ورسول الله، ﷺ ، قائم يصلي ويقرأ: " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق "، حتى بلغ آخرها، فانصرف أبو جهل وهو يقول: هذا وأبيكم وعيد شديد، فلقي أصحابه فقالوا له: ما بالك لم تقتله؟ قال: والله إن بيني وبينه رجلاً له كتيت ككتيت الفحل يعدني يقول: ادْنُ ادن. وعن عبد الله أن أعرابياً جاء بعكّة من سمن فاشتراها أبو جهل فأمسك العكة وأمسك الثمن، فشكاه الأعرابي إلى قريش فكلموه فأبى عليهم، فقال بعض المستهزئين: يا أعرابي أتحب أن تأخذ عكتك وثمنها؟ قال: بلى، قال: أترى هذا الرجل المار؟ القه فكلمه، يعني النبي، ﷺ ، فأتاه الأعرابي وشكا إليه أمر العكة، فخرج عليه، ﷺ ، حتى وقف بباب أبي جهل فناداه باسمه، فخرج إليه ترعد فرائصه، فقال له: أد هذا عكته وثمنها، فدخل أبو جهل فدفع إلى الرجل العكة، فخرج الأعرابي إلى قريش وأخبرهم بذلك، ثم خرج أبو جهل، فقالت له قريش: كلمناك أن تؤدي الأعرابي حقه فأبيت ثم جاءك ابن عبد المطلب فدفعت إليه ذلك؟ فقال: إن معه لجملاً فاتحاً فاه ينظر ما أقول فيلتقم رأسي فما وجدت بداً من إعطائه حقه. وأما أنس الوحش به فمما حدثنا إسماعيل بن يحيى بن محمد عن سعيد بن سيف بن عمر عن أبي عمير عن الأسود قال: سأل رجل هند بن أبي هالة...... فقال: حدثينا بأعجب ما رأيت أو بلغك عن رسول الله، ﷺ ، فقالت: كل أمره كان عجباً، وأعجب ما رأيت أنه كان لي ربائب وحش كنت آنس بهن وآلفهن فإذا كان يومه الذي يكون فيه عندي لم يزلن قياماً صواف ينظرن إليه ولا يلهيهن عن النظر إليه شيء ولا ينظرن إلى غيره، فإذا شخص قائماً سمون إليه بأبصارهن، فإذا انطلق مولياً لاحظنه النظر، فإذا غاب شخصه عنهن ضربن بأذنابهن وآذانهن، وكان ذلك يعجبني. وعن عبد الملك بن عمير أن النبي، ﷺ ، مر بظبية عند قانص فقالت: يا رسول الله إن ضرعي قد امتلأ وتركت خشفين جائعين فخلني حتى أذهب وأرويهما ثم أعود إليك فتربطني، فقال: صيد قوم وربيطتهم! قالت: يا رسول الله فإني أعطيك عهد الله لأرجعن، فأخذ عليها عهد الله ثم أطلقها وأرسلها فما لبثت إلا يسيراً حتى جاءت وقد فرغت ما في ضرعها، فقال: ﷺ : لمن هذه الظبية؟ قالوا: لفلان، فاستوهبها منه ثم خلى سبيلها وقال: لو أن البهائم تعلم ما تعلمون من الموت ما أكلتم سمناً. وأما محاسن شهادات السباع له بالنبوة فمن ذلك ما روي أن أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية خرجا من مكة فإذا هما بذئب يكد ظبية حتى إن نَفسه كاد أن يبلغ ظهر الظبية أو شبيهاً بذلك إذ دخل الظبي الحرم فرجع الذئب، فقال أبو سفيان: ما أرض سكنها قوم أفضل من أرض أسكنها الله إيانا، أما رأيت ما صنع الذئب أعجب منه حين رجع! فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار. فقال أبو سفيان: واللات والعزى لئن ذكرت ذلك بمكة لنتركها خلواً.

стр. 10

وذكروا أن رافع بن عميرة بن جابر كان يرعى غنماً إذ غار الذئب عليها فاحتمل أعظم شاة منها فشد عليه رافع ليأخذها منه وقال: عجباً للذئب يحتمل ما حمل! قال: فأقعى الذئب غير بعيد وقال: أعجب منه أنت أخذت مني رزقاً رزقنيه الله تعالى. فقال رافع: يا عجباً للذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجب من ذلك الخارج من تهامة يدعوكم إلى الجنة وتأبون إلا دخول النار. فأقبل الرجل إلى النبي، ﷺ ، وقد جاءه جبريل، ﵇، فأنبأه بما كان، فقص النبي، ﷺ ، ما كان فآمن وصدق وقال: رعيت الضأن أحميها بنفسي ... من اللص الخفي وكل ذيب فلما أن رأيت الذئب يعوي ... وبشرني بأحمد من قريب يبشرني بدين الحق حتى ... تبينت الشريعة للمنيب رجعت له وقد شمرت ثوبي ... عن الكعبين معتمداً ركوبي فألفيت النبي يقول قولاً ... صواباً ليس بالهزل الكذوب ألا بلغ بني عمرو بن عوفٍ ... وأختهم جديلة أن أجيبي دعاء المصطفى لا شك فيه ... فإنك إن تجيبي لا تخيبي ومن محاسن رسول الله، ﷺ ، وبركته ما رواه محمد بن إسحاق عن سعيد بن مينا عن جابر بن عبد الله قال: عملنا مع رسول الله، ﷺ ، في الخندق وكانت عندي شويهة غير سمينة فقلت: والله لو صنعت هذه الشاة لرسول الله، ﷺ . قال: فأمرت امرأتي فطحنت شيئاً من شعير فصنعت له منه خبزاً وذبحت الشاة فشويتها، فلما أمسينا وأراد رسول الله، ﷺ ، الانصراف قلت: يا رسول الله إني صنعت لك شويهة وشيئاً من خبز الشعير وأحب أن تنصرف معي إلى منزلي، وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله، ﷺ ، وحده. فلما قلت له ذلك قال: نعم، ثم أمر بصارخ فصرخ: انصرفوا إلى بيت جابر. فقلت: أنا لله وإنا إليه راجعون. وأقبل رسول الله، ﷺ ، والناس معه، فأخرجتها إليه فسمى ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء قوم حتى صدر أهل الخندق عنها. وروي عن محمد بن إسحاق أن ابنة لبشير بن سعد قالت: دعتني أمي ابنة رواحة فأعطتني حفنة تمر في ثوبي وقالت: يا بنية اذهبي إلى أبيك بهذا. قالت: فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله، ﷺ ، وأنا ألتمس أبي فقال، ﵊: تعالي يا بنية، ما هذا معك؟ قلت: تمر بعثت به أمي إلى أبي بشير بن سعد. فقال: هاتي به. فصببته في كفي رسول الله، ﷺ ، فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده: ناد في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء. فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل هو يزداد حتى صدر أهل الخندق عليه وهو يسقط من أطراف الثوب. ومن آياته، ﷺ ، ما لا يعرفها إلا الخاصة وهي محاسن أخلاقه وأفعاله التي لم تجتمع لبشر من قبله ولا تجتمع لأحد من بعده، وذلك أنا لم نر ولم نسمع لأحد قط صبره وحلمه ووفاءه وزهده وجوده ونجدته وصدق لهجته وكرم عشيرته وتواضعه وعلمه وحفظه وصمته إذا صمت ونطقه إذا نطق ولا كعفوه وقلة امتنانه، ولم نجد شجاعاً قط إلا وقد فر مثل عامر فر عن أخيه الحكم يوم الرَّقم وعيينة فر عن أبيه يوم نسار وبسطام عن قومه يوم العظالى. وكان له، ﷺ ، وقائع مثل أحد وحنين وغيرهما فلا يستطيع منافق أن يقول هاب حرباً أو خاف. وأما زهده، ﷺ ، فإنه ملك من أقصى اليمن إلى شِحر عمان إلى أقصى الحجاز إلى عذار العراق ثم توفي، ﷺ ، وعليه دين ودرعه مرهون في ثمن طعام أهله، لم يبن داراً ولا شيد قصراً ولا غرس نخلاً ولا شق نهراً ولا استنبط عيناً واعتبر برديه اللذين كان يلبسهما وخاتمه.

стр. 11

وكان، ﷺ ، يأكل على الأرض ويلبس العباءة ويجالس الفقراء ويمشي في الأسواق ويتوسد يده ولا يأكل متكياً ويقتص من نفسه، وكان، ﷺ ، يقول: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأشرب كما يشرب، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت ولو أهدي إلي كراع لقبلت. ولم يأكل قط وحده ولا ضرب عبده، ولم ير، ﵊، أدار رجله بين يدي أحد ولا أخذ بيده أحد فانتزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسلها. وأما كرمه، ﷺ ، في فتح مكة وقد قتلوا أعمامه ورجاله وأولياءه وأنصاره وآذوه وأرادوا نفسه فكان يلتقي السفه بالحلم والأذى بالاحتمال، وكان متى كان أكرم وعنهم أصفح كانوا ألأم وعليه ألح، والعجب أنهم كانوا أحلم جيل إلا فيما بينهم وبينه فإنهم كانوا إذا ساروا إليه أفحشوا عليه وأفرطوا في السفه ورموه بالفرث والدماء وألقوا على طريقه الشوك وحثوا في وجهه التراب، وكان لا يتولى هذا منه إلا العظماء والأخوال والأعمام والأقرب فالأقرب، فإذا كانوا كذلك كان أشد للغيظ وأثبت للحقد، فلما دخل، ﵇، مكة قام فيهم خطيباً فحمد الله، ، وأثنى عليه ثم قال: أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. وأما محاسن قوله الحق فإنه ذكر زيد بن صوحان فقال: زيد وما زيد، يسبقه عضو منه إلى الجنة، فقطعت يده يوم نهاوند في سبيل الله ووعد أصحابه بيضاء إصطخر وبيضاء المدائن وقال لعدي بن حاتم: لا يمنعك ما ترى، يعني ضعف أصحابه وجهدهم، فكأنهم ببيضاء المدائن قد فتحت عليهم، وكأنهم بالظعينة تخرج من الحيرة حتى تأتي مكة بغير خفير، فأبصر ذلك كله عدي وقال لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية، فكان كما قال حتى قال معاوية: إنما قتله من أخرجه. وضلت ناقته، ﷺ ، فأقبل يسأل عنها فقال المنافقون: هذا محمد يخبرنا عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن رجلاً يقول في بيته إن محمداً يخبرنا عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، ألا وإني لا أعلم إلا ما علمني ربي وقد أخبرني أنها في وادي كذا وكذا تعلق زمامها بشجرة. فبادر الناس إليها وفيهم زيد بن أرقم وزيد بن اللصيت فإذا هي كذلك. ولما استأمن أبو سفيان بن حرب إليه، ﵊، أمر عمه العباس أن يأخذه إلى خيمته حتى يصبح، فلما صار في قبة العباس ندم على ما كان منه وقال في نفسه: ما صنعت؟ دفعت بيدي هكذا، ألا كنت أجمع جمعاً من الأحابيش وكنانة وألقاه بهم فلعلي كنت أهزمه! فناداه رسول الله، ﷺ ، من خيمته: إذاً كان الله يخزيك يا أبا سفيان. فقال أبو سفيان: يا عباس أدخلني على ابن أخيك. فقال له العباس: ويلك يا أبا سفيان ما آن لك ذلك. فأدخله على رسول الله، ﷺ ، فقال: يا رسول الله قد كان في النفس شيء وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله حقاً. وقوله، ﷺ ، لما يكون من بعده مما حدّث به محمد بن عبد الرحمن بن أذينة عن سلمان بن قيس عن سلمان بن عامر عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله، ﷺ : إني رأيت على منبري هذا اثني عشر رجلاً من قريش يخطب كلهم رجلان من ولد حرب بن أمية وعشرة من ولد أبي العاص بن أمية. ثم التفت إلى العباس وقال: هلاكهم على يدي ولدك. وأما جماله وبهاؤه ومحاسن ولادته، ﷺ ، فما روي عن عثمان بن أبي العاص قال: أخبرتني أمي أنها حضرت آمنة أم النبي، ﷺ ، لما ضربها المخاض، قالت: جعلت أنظر إلى النجوم تتدلى حتى قلت لتقعنّ عليّ، فلما وضعته خرج منها نور أضاء له البيت والدار حتى صرت لا أرى إلا نوراً. قال: وسمعت آمنة تقول: لقد رأيت وهو في بطني أنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، ثم ولد، ﷺ ، فخرج معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء كأنه يخطب أو يخاطب. وروي عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله، ﷺ ، أشجع الناس وأحسن الناس وأجود الناس، ما مسست بيدي ديباجاً ولا حريراً ولا خزّاً ألين من كف رسول الله، ﷺ .

стр. 12

وعن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله، ﷺ ، في ليلة البدر وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو أحسن في عينيّ من القمر. وعن جابر بن زيد عن أبيه قال: أتيت النبي، ﷺ ، في مسجد الخيف فناولني يده فإذا هي أطيب من المسك وأبرد من الثلج. ومن فضله الذي أبرّ على جميع الخلائق ومحاسنه ما روي عن وهب بن منبّه أنه قال: لما خلق الله الأرض ارتجت واضطربت فكتب في أطرافها محمد رسول الله فسكنت. وأما عقله، ﵊، فقد روي أن عقول جميع الخلائق من الأولين والآخرين في جنب عقل رسول الله، ﷺ ، كرملة من بين جميع رمال الدنيا. ومن محاسنه، ﷺ ، الإسراء ما روي عن الحسن بن أبي الحسن البصري، ﵀، يرفعه قال: قال رسول الله، ﷺ : إني لنائم في الحجر إذ جاء جبريل، ﵇، فغمزني برجله فجلست فلم أر شيئاً ثم عدت لمضجعي، فجاءني الثانية فغمزني فجلست وأخذ بعضدي فخرج بي إلى باب الصفا وإذا أنا بدابة أبيض بين الحمار والبغل له جناحان في فخذيه يضع حافره منتهى طرفه، فقال لي جبريل: اركب يا محمد، فدنوت إليه لأركب فتنحى عني. فقال له جبريل، ﵇: يا براق ما لك فوالله ما ركبك خير منه قط! فركبت وخرجت ومعي صاحبي لا أفوته ولا يفوتني حتى انتهى بي إلى بيت المقدس فوجدت فيه نفراً من الأنبياء قد جمعوا لي فأممتهم، ثم أُتيت بإناءين من خمر ولبن فتناولت اللبن وشربت منه وتركت الخمر. فقال جبريل، ﵇: هديت وهديت أمتك وحرمت عليهم الخمر، ثم أصبحت بمكة. قال: فلما ذكر رسول الله ذلك ارتد كثير ممن كان آمن به وقالوا: سبحان الله! أذهب محمد إلى الشام في ساعة من الليل ثم رجع والعير تطرد شهراً مدبرة وشهراً مقبلة! فبلغ ذلك أبا بكر، ﵁، فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله، ﷺ ، فقال: يا رسول الله ما يقول هؤلاء؟ يزعمون أنك حدثتهم بأنك قد أتيت الشام هذه الليلة ورجعت من ليلتك! قال: قد كان ذاك. قال: يا رسول الله فصف لي المسجد. فجعلت أصفه لأبي بكر، ﵀، وأنا أنظر إليه فكلما حدثته عن شيء قال: صدقت أشهد أنك رسول الله، حتى فرغت من صفته، فقال رسول الله يومئذ: فأنت الصدّيق يا أبا بكر. محاسن المعراج عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: أخبرنا نبي الله، ﷺ ، قال: بينا أنا بين اليقظان والنائم عند البيت إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فانطلق بي فشرح صدري واستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب فيه من ماء زمزم فغسل به ثم أعيد مكانه وحشي إيماناً وحكمة، ثم أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلقنا حتى أتينا السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتح لنا، قالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. فأتيت على آدم فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم. فسلمت عليه فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح. وانطلقنا حتى أتينا السماء الثانية فاستفتح جبريل، ﵇، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتح لنا وقالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. فأتيت على يحيى وعيسى فقلت: يا جبريل من هذان؟ قال: عيسى ويحيى. قال: فسلمت عليهما فقالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثالثة فكان مثل قولهم الأول، فأتيت على يوسف فسلمت عليه فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الرابعة، فأتيت على إدريس، ﵇، فسلمت عليه فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم أتينا السماء الخامسة فأتيت على هارون فسلمت عليه فقال مثل ذلك. ثم أتينا السماء السادسة فأتيت على موسى، ﵇، فقال مثل ذلك. ثم أتينا السماء السابعة فأتيت على إبراهيم، عليه وعلى آله السلام، فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح.

стр. 13

ثم رفع لنا البيت المعمور فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لا يعودون فيه. ثم رفعت لنا سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار يخرجن من أسفلها فقلت: يا جبريل ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الظاهران فالنيل والفرات، وأما الباطنان فنهران في الجنة. ثم أتيت بإناءين من خمر ولبن فاخترت اللبن. فقيل لي: أصبت أصاب الله بك أمتك على الفطرة. وفرضت علي خمسون صلاة فأقبلت بها حتى أتيت على موسى، ﵇، فقال: بم أمرت؟ قلت: بخمسين صلاة كل يوم، قال: أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك جل وعز فاسأله التخفيف. قال: فرجعت إلى ربي فحط عني خمساً، فأتيت على موسى، ﵇، فقال: بم أمرت؟ فأنبأته بما حط عني فقال مثل مقالته الأولى، فما زلت بين يدي ربي جل وعز أستحط حتى رجعت إلى خمس صلوات، فأتيت على موسى، ﵇، فقال: بم أمرت؟ فقلت: بخمس صلوات كل يوم. فقال: أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك جل ذكره واسأله التخفيف. فقلت: لقد رجعت إلى ربي ﵎ حتى استحييت، لا ولكني أرضى وأسلم. فلما جاوزت نوديت أني قد خففت عن عبادي وأمضيت فريضتي وجعلت بكل حسنة عشراً أمثالها. وانظر إلى رونق ألفاظه، ﵇، وصحة معانيه وموضع ذلك من القلوب مع قلة تعميقه وبعده من التكلف كقوله، ﷺ : زويت لي الأرض حياءً فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها، قوله زويت جمعت. ومثله: إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة في النار، ولا يكون الانزواء إلا بانحراف مع تقبّض. وقال: إن منبري هذا على ترعة من ترع الجنة، وهي الروضة تكون في المكان المرتفع. وقال: إن قريشاً قالت إني صنبور، وهي النخلة تبقى منفردة ويدق أصلها، تقول إنه فرد ليس له ولد فإذا مات انقطع ذكره. وقال في أبي بكر، ﵁: ما أحد من الناس عرضت عليهم الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم، أي لم ينتظر ولم يمكث، والكبوة مثل الوقعة. وقال في عمر، ﵀: لم أر عبقرياً يفري فريه، والعبقري السيد، يقال: هذا عبقري قومه أي سيدهم، ويفري فريه أي يعمل عمله. وقال في علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه: إن لك بيتاً في الجنة وإنك ذو قرنيها، يريد أنه ذو طرفيها. وقال في الحسين بن علي، رحمهما الله، حين بال عليه وهو طفل فأُخذ من حجره: لا تزرموا ابني، الازرام القطع، يقال للرجل يقطع بوله ازرم. وقال في الأنصار: إنهم كرشي وعيبتي ولولا الهجرة لكنت امرأً منهم، أي من الأنصار، الكِرش الجماعة، والعيبة أي هم موضع سري ومنه أُخذت العيبة. وقال، ﷺ : لعن الله النامصة والمتنمصة والواشرة والموتشرة والواصلة والموتصلة والواشمة والموتشمة، فالنامصة التي تنتف الشعر من الوجه، ومنه قيل للمنقاش المنماص، والمتنمصة التي تفعل بها ذلك، والواشرة التي تشر أسنانها وذلك أنها تفلجها وتحددها حتى يكون لها أشر، والأشر تحدّد ورقّة في أطراف الأسنان، والواصلة والموتصلة التي تصل شعرها بشعر غيرها، والواشمة المرأة تغرز ظهر كفها ومعصمها بإبرة حتى تؤثر فيه وتحشوه بالكحل. وذكر أيام التشريق فقال: هي أيام أكل وشرب وبعال، يعني النكاح. وقال: يحشر الناس يوم القيامة حفاة بهماً، وهو البهيم الذي لا يخلط لونه لون سواه من سوادٍ كان أو غيره، يقول: ليس فيهم شيء من الأمراض والعاهات التي تكون في الدنيا. وقال في صلح الحديبية: لا إغلال ولا إسلال، الإسلال السرقة، والإغلال الخيانة. وقال: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور، الحوب إذا كان بالباء والكون إذا كان بالنون تقول يكون في حالة جميلة فيرجع عنها، وإذا كانا جميعاً بالراء فهو النقصان بعد الزيادة. وقال، ﵇: خمّروا آنيتكم وأوكوا أسقيتكم وأجيفوا الأبواب وأطفئوا المصابيح واكفتوا صبيانكم فإن للشيطان انتشاراً وخطفة، يعني بالليل، التخمير التغطية، والإيكاء الشد، واسم الخيط الذي يشد به السقاء الوكاء، واكفتوا يعني ضمّوهم إليكم.

стр. 14

وقال في دعائه: لا ينفع ذا الجد منك الجد، بفتح الجيم الغنى والحظ في الرزق، ومنه قيل: لفلان في هذا الأمر جد إذا كان مرزوقاً. وقال: إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لا تموت حتى تستوفي أو تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، قوله نفث في روعي بضم الراء، النفث شبيه بالنفخ، وروعي يقول في خَلَدي. وقال، ﵇: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب وظلمة أو هبوة فأكملوا العدة، هبوة يعني غبرة. وقال، ﵇: إن العرش على منكب إسرافيل وإنه ليتواضع لله جل وعز حتى يصير مثل الوصع، الوصع ولد العصافير. فقال، ﵇، حين سئل أين كان ربنا ﷻ قبل أن يخلق السماوات والأرضين فقال: كان في عماء تحته هواء، العماء السحاب. وقال، ﵇: عم الرجل صنو أبيه، يعني أن أصلهما واحد، وأصل الصنو إنما هو في النخل، قال الله : " صنوانٌ وغير صنوان "، الصنوان المجتمع، وغير الصنوان المتفرق. وقال: من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم، أي مقطوع اليد. وقال لرجل أتاه وقال: يا رسول الله أيدالك الرجل امرأته بمهرها؟ قال لا إلا أن يكون مُلفَجاً. فقال له أبو بكر، ﵁: بأبي وأمي أنت يا رسول الله! إنما نشأت فيما بيننا ونحن قد سافرنا وأنت مقيم فنراك تكلم بكلام لا نعرفه ولا نفهمه! فقال، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن الله أدبني وأحسن أدبي، وهذا الرجل كلمني بكلامه فأجبته على حسبه، قال: أيدالك الرجل امرأته بمهرها؟ أي يماطلها، فقلت: لا إلا أن يكون ملفجاً، أي معدما. فكلامه، ﷺ ، وأخلاقه ومذاهبه تدل على أنه موافق لقول الله جل وعز: " الله أعلم حيث يجعل رسالته "، وكقوله: " ولقد اخترناهم على علم على العالمين ". وقال جل ذكره: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين "، فلما علم أنه قد قبل أدبه قال: " وإنك لعلى خلق عظيم "، فلما استحكم له ما أحب قال: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ". مساوئ من تنبى روي أن مسيلمة بن حبيب الكذاب كتب إلى رسول الله، ﷺ ، وذلك في آخر سنة عشر: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإني قد شوركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون. فقدم عليه رسولان من قبل مسيلمة بهذا الكتاب. فقال: أما والله لولا أن الرسل لا يقتلون لضربت أعناقكما. ثم كتب: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من عباده من يشاء والعاقبة للمتقين. قيل وأتاه الأحنف بن قيس مع عمه فلما خرجا من عنده قال الأحنف لعمه: كيف رأيته؟ قال: ليس بمتنبٍّ صادق ولا بكذاب حاذق. ومنهم طليحة تنبّى على عهد رسول الله، ﷺ ، وكان يقول إن ذا النون يأتيه، فقال النبي، ﷺ : لقد ذكر ملكاً عظيماً.

стр. 15

فلما كان أيام الردة بعث أبو بكر، رحمة الله عليه، خالد بن الوليد إليه، فلما انتهى إلى عسكره وجده قد ضربت له قبة من أُدم وأصحابه حوله، فقال: ليخرج إلي طليحة! فقالوا: لا تصغر نبياً هو طلحة، فخرج إليه فقال خالد: إن من عهد خليفتنا أن يدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فقال: يا خالد اشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فلما سمع خالد ذلك انصرف عنه وعسكره بالقرب منه على ميل، فقال عيينة بن حصن لطليحة: لا أبا لك! هل أنت مرينا بعض نبوتك؟ قال: نعم. وكان قد بعث عيوناً له حين سار خالد من المدينة مقبلاً إليهم فعرّفوه خبر خالد، فقال: لئن بعثتم فارسين على فرسين أغرّين محجّلين من بني نصر بن قُعين أتوكم من القوم بعين. فهيأوا فارسين فبعثوهما فخرجا يركضان فلقيا عيناً لخالد مقبلاً إليهم فقالا: ما خبر خالد؟ أو قالا: ما وراءك؟ قال: هذا خالد بن الوليد في المسلمين قد أقبل فزادهم فتنة، وقال: ألم أقل لكم؟ فلما كان في السحر نهض خالد إلى طليحة فيمن معه من أصحاب رسول الله، ﷺ ، فلما التقى الصفان تزمل طليحة في كساء له ينتظر زعم الوحي، فلما طال ذاك على أصحابه وألح عليهم المسلمون بالسيف، قال عيينة بن حصن: هل أتاك بعد؟ قال طليحة من تحت الكساء: لا والله ما جاء بعد! فقال عيينة: تباً لك آخر الدهر! ثم جذبه جذبة جاش منها وقال: قبح الله هذه من نبوة! فجلس طليحة، فقال له عيينة: ما قيل لك؟ قال: قيل لي إن لك رحاً كرحاه، وأمراً لا تنساه! فقال عيينة: قد علم الله أن سيكون لك أمر لا تنساه هذا كذاب ما بورك لنا ولا له فيما يطالب. ثم هرب عيينة وأخوه فأدركوه وأسروه وأفلت أخوه وخرج طليحة منهزماً وأسلمه شيطانه حتى قدم الشام فأقام عند بني جفنة الغسانيين حتى فتح الله أجنادين وتوفي أبو بكر وأسلم طليحة إسلاماً صحيحاً وقال: وإني من بعد الضلالة شاهد ... شهادة حقٍ لست فيها بملحد ومنهم من تنبّى بعد في أيام الرشيد رجل زعم أنه نوح، فقيل له: آنت نوح الذي كان أم نوح آخر؟ قال: أنا نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وقد بعثت إليكم لأفي الخمسين عاماً تمام الألف سنة، فأمر الرشيد بضربه وصلبه، فمر به بعض المخنثين وهو مصلوب فقال: صلى الله عليك يا أبانا، ما حصل في يدك من سفينتك إلا دقلها! وهو الذي يكون في وسط السفينة كجذع طويل. ومنهم رجل تنبّى في أيام المأمون فقال للحاجب: أبلغ أمير المؤمنين أن نبي الله بالباب. فأذن له، فقال ثمامة: ما دليل نبوتك؟ قال: تحضر لي أمك فأواقعها فتحمل من ساعتها وتأتي بغلام مثلك. فقال ثمامة: صلى الله عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته أهون علي من إحضارك أمي ومواقعتها! محاسن أبي بكر رضوان الله ورحمته عليه روي عن ابن عمر، ﵄، قال: دخل رسول الله، ﷺ ، المسجد وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله فقال: هكذا نبعث يوم القيامة. وقال، ﷺ : إن الله ﵎ أيدني من أهل السماء بجبريل وميكائيل ومن أهل الأرض بأبي بكر وعمر، ورآهما مقبلين فقال: هذان السمع والبصر. وروي عن ابن عمر، ﵄، أنه قال: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم. وروي عن عمر، ﵁، أنه قال: أمر رسول الله، ﷺ ، بالصدقة ووافق ذلك مالاً عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته، فجئته بنصف مالي، فقال رسول الله، ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قلت: النصف، وجاء أبو بكر بكل ماله، فقال له النبي ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قال: الله حقاً ورسوله، فقلت: والله لا أسبقك إلى شيء أبداً. وعن عمر، ﵁، أنه قال: وددت أني شعرة في صدر أبي بكر، ﵁. وعن عطاء عن أبي الدرداء أنه مشى بين يدي أبي بكر، ﵁، فقال له رسول الله، ﷺ : المشي بين يدي من هو خير منك، ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أحد أفضل من أبي بكر. وعن علي بن أبي طالب، رضوان الله ورحمته عليه، قال: قال النبي، ﷺ : يا علي هل تحب الشيخين؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: لا يجتمع حبك وحبهما إلا في قلب مؤمن.

стр. 16

وعن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله، ﷺ : رحم الله أبا بكر، زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وعتق بلالاً من ماله. وعن أنس عن أبي بكر، ﵁، قال: قلت للنبي، ﷺ ، ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر في قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله جل وعز ثالثهما! وعن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: خرج علينا رسول الله في مرضه الذي مات فيه وهو عاصب رأسه حتى صعد المنبر فقال: إني قائم الساعة على الحوض وإن عبداً عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة، فلم يفطن لها أحد إلا أبو بكر، ﵁ فقال: بأبي أنت وأمي بل نفديك بآبائنا وأبنائنا وأنفسنا وأموالنا! وبكى، فقال: لا تبك يا أبي بكر، إن من آمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً من الناس لاتخذت أبا بكر. ولكن أخي في الإسلام لا يبقى في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر. فبكى أبو بكر وقال: أنا ومالي لك يا رسول الله. وعن ابن المنكدر قال: قال رسول الله، ﷺ : دعوا لي صاحبي إني بعثت وقال الناس كلهم كذبت وقال لي صدقت، يعني أبا بكر، ﵁. وعن محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: بعث رسول الله، ﷺ ، عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل فجاء وقد ظهر، فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: لست أسألك عن النساء، قال: أبوها إذا تؤنس. وعن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ : يجيء يوم القيامة رجل إلى باب الجنة ليس منها باب إلا وعليه ملك يهتف به هلمّ هلمّ ادخل، فقال أبو بكر، ﵁: إن هذا لسعيد، قال: هو ابن أبي قحافة. وعن سليمان بن يسار أن رسول الله، ﷺ ، قال: في المؤمن ثلاثمائة وستون خصلة من الخير إذا جاء بواحدة دخل الجنة، قال أبو بكر، ﵁: بأبي أنت وأمي أفيّ منها شيء؟ قال: هي كلها فيك يا أبا بكر. وعن ابن عمر، ﵁، قال: بينا النبي، ﷺ ، جالس وعنده أبو بكر، ﵁، وعليه عباءة قد خلّها في صدره بخلال إذ نزل عليه جبريل، ﵇، فقال: يا رسول الله ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلّها في صدره؟ قال: أنفق ماله عليّ قبل الفتح، قال: فأقرئه من الله السلام وقل له يقول لك ربك ﵎: أراضٍ أنت عني في فقرك أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أعلى ربي أغضب! أنا عن ربي راضٍ. وعن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: كنت جالساً عند النبي، ﷺ ، إذ طلع أبو بكر وعمر، ﵄، فقال، ﵊: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ممن مضى وممن بقي إلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي. وعن جابر قال: كنت مع رسول الله، ﷺ ، فسمعته يقول: يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع أبو بكر، ﵁، ثم قال يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع عمر، ﵁، ثم قال: يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة، اللهم اجعله علياً! فطلع علي، ﵁. وعن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله ما أحسن هذه الآية! قال: أيتها؟ قال قوله ﵎: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي "، فقال: يا أبا بكر إن الملك سيقولها لك. وقيل: إنه لما أسلم أبو قحافة لم يعلم أبو بكر، ﵁، بإسلامه حتى دخل على النبي، ﷺ ، فقال: ألا أبشرك يا أبا بكر بما يسرك؟ قال: مثلك يا رسول الله من يبشر بالخير، فما هي؟ قال: أسلم أبو قحافة! قال: يا رسول الله لو بشرتني بإسلام أبي طالب كان أقر لعيني فإنه أقر لعينك، فبكى رسول الله، ﷺ ، حتى علا بكاؤه جزعاً لما فاته من إسلام أبي طالب وقال: رحمك الله يا أبا بكر، ثلاثاً. محاسن عمر بن الخطاب رضوان الله ورحمته عليه

стр. 17

عن أبي هريرة، ﵀، قال النبي، ﷺ : بينا أنا نائم إذ رأيتني على قليب وعليها دلو، فنزعت ما شاء الله ثم أخذها مني أبو بكر، أو قال ابن أبي قحافة: فنزع منها ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله جل وعز يغفر له، ثم أخذها عمر فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريّه حتى ضرب الناس بعطن. وروي أن امرأة في الجاهلية تسمى عاصية أسلمت فكرهت اسمها فأتت عمر، ﵀، فقالت: إني كرهت اسمي فسمّني. فقال: أنت جميلة. فغضبت وقالت: سميتني باسم الإماء! ثم أتت رسول الله، ﷺ ، فقالت: بأبي أنت وأمي إني كرهت اسمي فسمني! فقال: أنت جميلة، فقالت: يا رسول الله إني أتيت عمر سماني جميلة فغضبت. فقال: أوما علمت أن الله جل وعز عند لسان عمر ويده؟ وعن سعيد بن جبير في قوله : " وصالح المؤمنين "، قال: نزلت في عمر خاصة. وعن علي، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ : رحم الله عمر لقول الحق وإن كان مراً، تركه الحق ما له من صديق. وعن سعيد بن جبير قال: إن جبريل قال للنبي، ﷺ : اقرأ على عمر السلام وأعلمه أن غضبه عز ورضاه حكم. وعن عثمان بن مظعون قال: مر بنا عمر، ﵁، ونحن جلوس عند النبي، ﷺ ، فقال: هذا غلّق باب الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب ما عاش هذا بين أظهركم أو ظهرانيكم، فقال بيمينه وشبّك بين أصابعه. وعن ابن عباس عن النبي، ﷺ ، قال: جاءني جبريل، ﵇، حين أسلم عمر، ﵀، فقال لي: تباشرت الملائكة بإسلام عمر وعمر سراج أهل الجنة. وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله، ﷺ : بينا أنا في الجنة إذ رأيت داراً فأردت أن أدخلها فسألت لمن هي فقيل هي لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته فرجعت، فقال عمر: يا رسول الله لستَ ممن يغار عليه. وعن علي، ﵁: ما كنا نبعد أن السكينة كانت تنطق على لسان عمر. وعن عطاء عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين "، الآية، " ثم أنشأناه خلقاً آخر "، فقال عمر: تبارك الله أحسن الخالقين! فقال رسول الله، ﷺ : والذي نفسي بيده لقد ختمها الله بما قلت يا عمر. وعن سعد بن أبي وقاص، ﵀، قال: استأذن عمر على رسول الله، ﷺ ، وعنده نسوة من قريش قد علت أصواتهن فأذن له، فلما دخل بادرن الحجاب، فضحك رسول الله، ﷺ ، فقال عمر: أضحك الله سنك، بأبي أنت وأمي ممّ ضحكت؟ فقال: أعجب من اللواتي كن عندي لما سمعن صوتك بادرن الحجاب! فقال: أنت كنت أحق أن يهبن يا رسول الله. ثم أقبل عليهن وأغلظ لهن وقال: أتهبنني ولا تهبن رسول الله، ﷺ ؟ قلن: نعم إنك أفظ وأغلظ. فقال رسول الله، ﷺ : يا عمر والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك. محاسن عثمان بن عفان ﵁ ورحمه عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله، ﷺ ، في حائط من حيطان المدينة فجاء أبو بكر، ﵀، فقال: افتح له وبشره بالجنة، ثم جاء عمر، ﵀، فقال: افتح له وبشره بالجنة، ثم جاء علي، رضوان الله عليه ، فقال: افتح له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان، ﵁، فقال: افتح له وبشره بالجنة، فلما جاء عثمان، ﵀ ورحمهم أجمعين، وقد بدت من فخذ رسول الله، ﷺ ، ناحية فقال: افتح له وبشره بالجنة، فلما جاء عثمان، ﵀، غطاها، فقالوا: يا رسول الله ما لك لم تغطه حين جئنا؟ فقال: ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟ وعن النبي، ﷺ ، قال: إن الله جل وعز أمرني أن أزوج كريمتي عثمان بن عفان، ﵀. محاسن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال النبي، ﷺ : رحم الله علياً، اللهم أدر الحق معه حيث دار.

стр. 18

وعن علي قال: قال رسول الله، ﷺ : يا معشر قريش والله ليبعثن الله عليكم رجلاً منكم قد امتحن الله قلبه للإيمان يضرب رقابكم على الدين. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. فقال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل، وأنا أخصف نعل رسول الله، ﷺ . وعن جابر قال: قال رسول الله، ﷺ : لعليٌ هذا وليّكم بعدي إذا كانت فتنة. وعن مصعب عن أبيه قال: سمعت النبي، ﷺ ، يقول: ما لكم ولعلي، من آذى علياً فقد آذاني. وعن علي، ﵁، قال: هلك فيّ رجلان: عدو مبغض ومحب مفرط، قال: وقال ليحبّني أقوام حتى يدخلهم حبي النار ويبغضني أقوام حتى يدخلهم بغضي النار، هم الرافضة والناصبة. وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله، ﷺ : لا يحب علياً منافق ولا يبغض علياً مؤمن. وعن عمرو بن الأصم قال: قلت للحسن بن علي، رضوان الله عليهما: هؤلاء الشيعة يزعمون أن علياً مبعوث الآن. قال: كذبوا والله ما أولئك بشيعة ولو كان كما يقولون ما أنكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه. وعن فاطمة، ﵂، قالت: دخل عليَّ عليٌّ، ﵁، وأنا عند النبي، ﷺ ، فقال: ابشر يا أبا الحسن! أما إنك في الجنة وإن قوماً يزعمون أنهم يحبونك يرفضون الإسلام يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية لهم نبزٌ يقال لهم الرافضة فإن أدركتهم فقاتلهم فإنهم مشركون. قال: وحدثنا رجل حضر مجلس القاسم بن المجمّع وهو والي الأهواز قال: حضر مجلسه رجل من بني هاشم فقال: أصلح الله الأمير! ألا أحدثك بفضيلة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁؟ قال: نعم إن شئت. قال: حدثني أبي قال: حضرت مجلس محمد بن عائشة بالبصرة إذ قام إليه رجل من وسط الحلقة فقال: يا أبا عبد الرحمن من أفضل أصحاب رسول الله، ﷺ ؟ فقال: أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح. فقال له: فأين علي بن أبي طالب، ﵁؟ قال: يا هذا تستفتي عن أصحابه أم عن نفسه؟ قال: بل عن أصحابه. قال: إن الله ﵎ يقول: " قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم "، فكيف يكون أصحابه مثل نفسه؟ وعن عطاء قال: كان لعلي، ﵀، موقف من رسول الله، ﷺ ، يوم الجمعة إذا خرج أخذ بيده فلا يخطو خطوة إلا قال: اللهم هذا علي اتبع مرضاتك فارض عنه، حتى يصعد المنبر. وحدثنا إبراهيم بن أحمد الغضائري بإسناد يرفعه إلى أبي مالك الأشجعي رواه أن النبي، ﷺ ، قال: هبط علي جبريل، ﵇، يوم حنين فقال: يا محمد إن ربك ﵎ يقرئك السلام، وقال: ادفع هذه الأترجة إلى ابن عمك ووصيك علي بن أبي طالب، ﵁. فدفعتها إليه فوضعتها في كفه فانفلقت بنصفين فخرج منها رقّ أبيض مكتوب فيه بالنور: من الطالب الغالب إلى علي بن أبي طالب.

стр. 19

أبو عثمان قاضي الري عن الأعمش عن سعيد بن جبير قال: كان عبد الله بن عباس بمكة يحدث على شفير زمزم ونحن عنده، فلما قضى حديثه قام إليه رجل فقال: يا ابن عباس إني امرؤ من أهل الشام من أهل حمص، إنهم يتبرأون من علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، ويلعنونه. فقال: بل لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً، ألِبُعد قرابته من رسول الله، ﷺ ، وأنه لم يكن أول ذكران العالمين إيماناً بالله ورسوله وأول من صلى وركع وعمل بأعمال البر؟ قال الشامي: إنهم والله ما ينكرون قرابته وسابقته غير أنهم يزعمون أنه قتل الناس. فقال ابن عباس: ثكلتهم أمهاتهم! إن علياً أعرف بالله وبرسوله وبحكمهما منهم، فلم يقتل إلا من استحق القتل. قال: يا ابن عباس إن قومي جمعوا لي نفقة وأنا رسولهم إليك وأمينهم ولا يسعك أن تردني بغير حاجتي، فإن القوم هالكون في أمره ففرّج عنهم فرّج الله عنك. فقال ابن عباس: يا أخا أهل الشام إنما مثل علي في هذه الأمة في فضله وعلمه كمثل العبد الصالح الذي لقيه موسى، ﵇، لما انتهى إلى ساحل البحر فقال له: هل أتّبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً؟ قال العالم: إنك لن تستطيع معي صبراً، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً؟ قال موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً. قال له العالم: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً. فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها، وكان قد خرقها لله جل وعز رضىً ولأهلها صلاحاً، وكان عند موسى، ﵇، سخطاً وفساداً فلم يصبر موسى وترك ما ضمن له فقال: أخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئاً إمراً! قال له العالم: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً؟ قال موسى: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً. فكف عنه العالم، فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله، وكان قتله لله جل وعز رضىً ولأبويه صلاحاً، وكان عند موسى، ﵇، ذنباً عظيماً، قال موسى ولم يصبر: أقتلت نفساً زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئاً نكراً! قال العالم: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً؟ قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني عذراً. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه، وكان إقامته لله رضىً وللعالمين صلاحاً، فقال: لو شئت لاتخذت عليه أجراً، قال: هذا فراق بيني وبينك. وكان العالم أعلم بما يأتي موسى، ﵇، وكبر على موسى الحق وعظم إذ لم يكن يعرفه هذا وهو نبي مرسل من أولي العزم ممن قد أخذ الله جل وعز ميثاقه على النبوة، فكيف أنت يا أخا أهل الشام وأصحابك؟ إن علياً، ﵁، لم يقتل إلا من كان يستحل قتله، وإني أخبرك أن رسول الله، ﷺ ، كان عند أم سلمة بنت أبي أمية إذ أقبل علي، ﵇، يريد الدخول على النبي، ﷺ ، فنقر نقراً خفياً فعرف رسول الله، ﷺ ، نقره فقال: يا أم سلمة قومي فافتحي الباب. فقالت: يا رسول الله من هذا الذي يبلغ خطره أن استقبله بمحاسني ومعاصمي؟ فقال: يا أم سلمة إن طاعتي طاعة الله جل وعز، قال: " ومن يطع الرسول فقد أطاع الله " قومي يا أم سلمة فإن بالباب رجلاً ليس بالخرق ولا النزق ولا بالعجل في أمره يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يا أم سلمة إنه إن تفتحي الباب له فلن يدخل حتى يخفى عليه الوطء، فلم يدخل حتى غابت عنه وخفي عليه الوطء، فلما لم يحس لها حركة دفع الباب ودخل فسلم على النبي، ﷺ ، فردّ ﵇ وقال: يا أم سلمة هل تعرفين هذا؟ قالت: نعم هذا علي بن أبي طالب. فقال رسول الله، ﷺ : نعم هذا علي سيط لحمه بلحمي ودمه بدمي وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي يا أم سلمة، هذا علي سيد مبجَّل مؤمَّل المسلمين وأمير المؤمنين وموضع سرّي وعلمي وبابي الذي أُوِيَ إليه، وهو الوصيّ على أهل بيتي وعلى الأخيار من أمتي، وهو أخي في الدنيا والآخرة وهو معي في السّناء الأعلى، اشهدي يا أم سلمة أن علياً يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. قال ابن عباس: وقتلهم لله رضىً وللأمة صلاحٌ ولأهل الضلالة سخط. قال الشاميّ: يا ابن

стр. 20

عباس من الناكثون؟ قال: الذين بايعوا علياً بالمدينة ثم نكثوا فقاتلهم بالبصرة أصحاب الجمل، والقاسطون معاوية وأصحابه، والمارقون أهل النهروان ومن معهم. فقال الشاميّ: يا ابن عباس ملأت صدري نوراً وحكمة وفرجت عني فرج الله عنك، أشهد أن علياً، ﵁، مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. اس من الناكثون؟ قال: الذين بايعوا علياً بالمدينة ثم نكثوا فقاتلهم بالبصرة أصحاب الجمل، والقاسطون معاوية وأصحابه، والمارقون أهل النهروان ومن معهم. فقال الشاميّ: يا ابن عباس ملأت صدري نوراً وحكمة وفرجت عني فرج الله عنك، أشهد أن علياً، ﵁، مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. ويروى أن ابن عباس، ﵀، قال: عقم النساء أن يجئن بمثل عليّ بن أبي طالب، ﵁، ما رأيت مِحرباً يُزنّ به لرأيته يوم صفين وعلى رأسه عمامة بيضاء وكأن عينيه سراجاً سليط وهو يقف على شرذمة بعد شرذمة من الناس يعظهم ويحضهم ويحرضهم حتى انتهى إليّ وأنا في كثف من الناس فقال: معاشر المسلمين استشعروا الخشية وأكملوا اللأمة وتجلببوا بالسكينة وغضوا الأصوات والحظوا الشزر وأطعنوا الوجر وصلوا السيوف بالخطى والرماح بالنبل، فإنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله، ﷺ ، تقاتلون عدو الله عليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنّب، فاضربوا ثبجه فإن الشيطان راكس في كسره مفترش ذراعيه قد قدّم للوثبة يداً وأخّر للنّكوص رجلاً، فصمداً صمداً حتى ينجلي لكم الحق وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم. وعن ابن عباس أنه قال: لقد سبق لعلي، ﵁، سوابق لو أن سابقة منها قسمت على الناس لوسعتهم خيراً. وعنه قال: كان لعلي، ﵁، خصال ضوارس قواطع سِطةٌ في العشيرة وصهر بالرسول وعلمٌ بالتنزيل وفقه في التأويل وصبر عند النزال ومقاومة الأبطال، وكان ألدّ إذا أعضل، ذا رأي إذا أشكل. قيل: ودخل ابن عباس على معاوية فقال: يا ابن عباس صف لي علياً، قال: كأنك لم تره؟ قال: بلى ولكني أحب أن أسمع منك فيه مقالاً، قال: كان أمير المؤمنين، رضوان الله عليه، غزير الدمعة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب، يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا دعوناه، وكان مع تقربته إيانا وقربه منا لا نبدأه بالكلام حتى يتبسم فإذا هو تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، أما والله يا معاوية لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قابض على لحيته يبكي ويتململ تململ السليم وهو يقول: يا دنيا إيّاي تغرّين؟ أمثلي تشوقين؟ لا حان حينك بل زال زوالك، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعيشك حقير وعمرك قصير وخطرك يسير، آه آه من بُعد السفر ووحشة الطريق وقلة الزاد! قال: فأجهش معاوية ومن معه بالبكاء. وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين يصف محاسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن حضره، كرم الله وجهه، في قصيدة له: رأوا نعمةً لله ليست عليهم ... عليك وفضلاً بارعاً لا تنازعه فعضوا من الغيظ الطويل أكفهم ... عليك ومن لم يرض فالله خادعه من الدين والدنيا جميعاً لك المنى ... وفوق المنى أخلاقه وطبائعه

стр. 21

وروي أن عدي بن حاتم دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال: يا عدي أين الطَّرَفات؟ يعني بنيه طريفاً وطارفاً وطرفة. قال: قتلوا يوم صفين بين يدي علي بن أبي طالب، ﵁. فقال: ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدّم بينك وأخّر بنيه! قال: بل ما أنصفت أنا علياً إذ قُتل وبقيت! قال: صف لي علياً. فقال: إن رأيت أن تعفيني. قال: لا أعفيك. قال: كان والله بعيد المدى وشديد القوى، يقول عدلاً ويحكم فضلاً، تتفجّر الحكمة من جوانبه والعلم من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته، وكان والله غزير الدمعة طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلا ويقلب كفيه على ما مضى، يعجبه من اللباس القصير ومن المعاش الخشن، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويدنينا إذا أتيناه، ونحن مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته، فإن تبسّم فعن اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، يتحبب إلى المساكين، لا يخاف القويّ ظلمه ولا ييأس الضعيف من عدله، فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه وأرخى الليل سرباله وغارت نجومه ودموعه تتحادر على لحيته وهو يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا أإليّ تعرضت أم إليّ أقبلت؟ غرّي غيري، لا حان حينك، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعيشك حقير وخطرك يسير، آه من قلة الزاد وبعد السفر وقلة الأنيس! قال: فوكفت عينا معاوية ينشّفهما بكمّه ثم قال: يرحم الله أبا الحسن! كان كذا فكيف صبرك عنه؟ قال: كصبر من ذبح ولدها في حجرها فهي لا ترقأ دمعتها ولا تسكن عبرتها. قال: فكيف ذكرك له؟ قال: وهل يتركني الدهر أن أنساه! وهذا الخبر أتم من خبر ابن عباس، ﵀. محاسن من أمسك عن الوقوع في أصحاب النبي ﷺ قال: قدم عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان فقال له يحيى بن الحكم عم عبد الملك بن مروان، قال: ما تقول في علي وعثمان؟ قال: أقول ما قال من هو خير مني فيمن هو شر منهما: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم. عصام بن يزيد قال: كنت عند حمزة حتى أتاه رجل فسأله عن أصحاب رسول الله، ﷺ ، فقال: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون. وروي أنه كتب إسماعيل بن علي إلى الأعمش أن اكتب إلينا بمناقب علي ووجوه الطعن على عثمان، ﵄، فكتب: لو أن علياً لقي الله جل وعز بحسنات أهل الدنيا لم يزد ذلك في حسناتك، ولو لقيه عثمان، ﵁، بسيئات أهل الأرض لم ينقص ذلك من سيئاتك. وعن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قال: كان إياس بن معاوية لي صديقاً فدخلنا على عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصدّيق، ﵄، وعنده جماعة من قريش يتذاكرون السلف، ففضّل قوم أبا بكر وقوم عمر وآخرون علياً، ﵃ أجمعين، فقال إياس: إن علياً، ﵀، كان يرى أنه أحقّ الناس بالأمر، فلما بايع الناس أبا بكر ورأى أنهم قد اجتمعوا عليه وأن ذلك قد أصلح العامة اشترى صلاح العامة بنقض رأي الخاصة، يعني بني هاشم، ثم ولي عمر، ﵀، ففعل مثل ذلك به وبعثمان، ﵁، فلما قتل عثمان، ﵀، واختلف الناس وفسدت الخاصة والعامة وجد أعواناً فقام بالحقّ ودعا إليه. وقيل إنه حضر مجلس عمر بن عبد العزيز، ﵀، جماعةٌ من أهل العلم فذكروا علياً، ﵁، وعثمان وطلحة والزبير، ﵃ أجمعين، وما كان بينهم فأكثروا وعمر ساكت، قال القوم: ألا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أقول شيئاً، تلك دماءٌ طهر الله منها كفّي فلا أغمس فيها لساني. مساوئ تلك الحروب ومن تنقص علي بن أبي طالب رضوان الله ورحمته وبركاته عليه

стр. 22

أبو نعيم قال: حدثنا عبد الجبار بن العباس الهمداني عن عمار الدُّهني عن سالم بن أبي الجعد قال: ذكر النبي، ﷺ ، بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة، ﵁ ا، فقال: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت هي، ثم التفت إلى علي، رضوان الله عليه، فقال: انظر يا أبا الحسن إن وليت من أمرها شيئاً فارفق بها. وقال الزهري: لما سارت عائشة ومعها طلحة والزبير، ﵃، في سبع مائة من قريش كانت تنزل كلّ منزل فتسأل عنه حتى نبحتها كلاب الحوأب فقالت: ردوني، لا حاجة لي في مسيري هذا، فقد كان رسول الله، ﷺ ، نهاني فقال: كيف أنت يا حميراء لو قد نبحت عليك كلاب الحوأب أو أهل الحوأب في مسيرك تطلبين أمراً أنت عنه بمعزل؟ فقال عبد الله بن الزبير: ليس هذا بذلك المكان الذي ذكره رسول الله، ﷺ ، ودار على تلك المياه حتى جمع خمسين شيخاً قسامةً فشهدوا أنه ليس بالماء الذي تزعمه أنه نهيت عنه، فلما شهدوا قبلت وسارت حتى وافت البصرة، فلما كان حرب الجمل أقبلت في هودج من حديد وهي تنظر من منظر قد صُيّر لها في هودجها، فقالت لرجل من ضبّة وهو آخذ بخطام جملها أو بعيرها: أين ترى علي بن أبي طالب، ﵁؟ قال: ها هوذا واقف رافع يده إلى السماء، فنظرت فقالت: ما أشبهه بأخيه! قال الضبي: ومن أخوه؟ قالت: رسول الله، ﷺ ، قال: فلا أراني أقاتل رجلاً هو أخو رسول الله، ﷺ ، فنبذ خطام راحلتها من يده ومال إليه. وعن الحسن البصري، ﵀، أن الأحنف بن قيس قال لعائشة، رحمها الله، يوم الجمل: يا أم المؤمنين هل عهد عليك رسول الله، ﷺ ، هذا المسير؟ قالت: اللهم لا. قال: فهل وجدته في شيء من كتاب الله جل ذكره؟ قالت: ما نقرأ إلا ما تقرأون. قال: فهل رأيت رسول الله، ﷺ ، استعان بشيء من نسائه إذا كان في قلة والمشركون في كثرة؟ قالت: اللهم لا. قال الأحنف: فإذاً ما هو ذنبنا؟ قال: وقال الحسن البصري: تقلدت سيفي وذهبت لأنصر أم المؤمنين فلقيني الأحنف فقال: إلى أين تريد؟ فقلت: أنصر أم المؤمنين. فقال: والله ما قاتلت مع رسول الله، ﷺ ، المشركين فكيف تقاتل معها المؤمنين؟ قال: فرجعت إلى منزلي ووضعت سيفي. مساوئ من عادى علي بن أبي طالب رضي الله عنه

стр. 23

قال: ولما فرغ أمير المؤمنين، ﵇، من قتال أهل الجمل دخل عليه عبد الله بن الكواء وقيس بن عبادة السكري فقالا: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت يضرب الناس بعضهم رقاب بعض أرأياً رأيته حين تفرقت الأمة واختلفت الدعوة، فإن كان رأياً رأيته أجبناك في رأيك، وإن كان عهداً عهده إليك رسول الله، ﷺ ، فأنت الموثوق به المأمون فيما حدثت عنه. فقال: والله لئن كنت أول من صدق به لا أكون أول من كذب عليه، أمّا أن يكون عندي عهد من رسول الله، ﷺ ، فيه فلا والله لو كان عندي ما تركت أخا تيم وعدي على منبر رسول الله، ﷺ ، ولكن نبينا، ﵇، لم يُقتل قتلاً ولم يمت فُجاءةً ولكنه مرض ليالي وأياماً فأتاه بلال ليؤذنه بالصلاة فيقول: ائت أبا بكر وهو يرى مكاني، فلما قبض، ﷺ ، نظرنا في الأمر فإذا الصلاة علم الإسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله، ﷺ ، لديننا فولّينا أمورنا أبا بكر فأقام بين أظهرنا الكلمة واحدة والدين جامع، أو قال: الأمر جامع لا يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد منا أحد على أحد بالشرك، وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب الحدود بين يديه بسيفي وسوطي على كراهة منه لها، وودّ أبو بكر لو أن واحداً منا يكفيه، فلما حضرت أبا بكر، ﵀، الوفاة ظننت أنه لا يعدل عني لقرابتي من رسول الله، ﷺ ، وسابقتي وفضلي، فظن أبو بكر أن عمر أقوى مني عليها، ولو كانت اثرةً لآثر بها ولده، فولّى عمر على كراهة كثير من أصحابه، فكنت فيمن رضي لا فيمن كره، فوالله ما خرج عمر، ﵀، من الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، فأقام عمر، ﵀، بين أظهرنا الكلمة واحدة والأمر واحد لا يختلف عليه منا اثنان، فكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب الحدود بين يديه بسوطي وسيفي، أتّبع أثره اتّباع الفصيل أمه لا يعدل عن سبيل صاحبيه ولا يحيد عن سنتهما، فلما حضرت عمر، ﵁، الوفاة ظننت أنه لا يعدل عني لقرابتي وسابقتي وفضلي، فظن عمر أنه إن استخلف خليفة يعمل بخطيئة لحقته في قبره فأخرج منها ولده وأهل بيته وجعلها شورى في ستة رهط، منهم: عبد الرحمن بن عوف، فقال: هل لكم أن أدع لكم نصيبي على أن أختار لله ولرسوله؟ قلنا: نعم. فأخذ ميثاقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه، وأخذنا ميثاقه على من يختار لله ولرسوله، فوقع اختياره على عثمان، ﵁، فنظرت فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فاتّبعت عثمان وأدّيت إليه حقّه على أثرة منه وتقصير عن سنّة صاحبيه، فلما قتل عثمان، ﵁، نظرت فكنت أحق بها من جميع الناس. فقالا: صدقت وبررت، فأخبرنا عن طلحة والزبير بما استحللت قتالهما وقد شركاك في الهجرة مع رسول الله، ﷺ ، وفي الشورى من عمر، ﵏. فقال: قد شركاني في الهجرة وفي الشورى ولكنهما بايعاني بالحجاز وخلعاني بالعراق ولو فعلا ذلك بأبي بكر وعمر لقاتلاهما. فقالا: صدقت وبررت وأنت أمير المؤمنين. قال: ولما كان حرب صفين كتب أمير المؤمنين، رضوان الله عليه، إلى معاوية بن أبي سفيان: ما لك يُقتل الناس بيننا؟ ابرز لي فإن قتلتني استرحت مني وإن قتلتك استرحت منك. فقال له عمرو بن العاص: أنصفك الرجل فابرز إليه. قال: كلا يا عمرو، أردت أن أبرز له فيقتلني وتثب على الخلافة بعدي! قد علمت قريش أن ابن أبي طالب سيدها وأسدها. ثم أنشأ يقول: يا عمرو قد أسررت تهمة غادرٍ ... برضاك لي تحت العَجاج بِرَازي ما للملوك ولِلْبراز وإنها ... حتفُ المبارز خطفةً من بازي إن التي منّتك نفسك خالياً ... قتلي جزاك بما نويت الجازي فلقد كشفت قناعها مذمومةً ... ولقد لبست لها ثياب الخازي فأجابه عمرو بن العاص: معاويَ إنني لم أجن ذنباً ... وما أنا بالذي يُدعى بخازي فما ذنبي بأن نادى عليٌ ... وكبش القوم يدعى للبِراز فلو بارزته للقيت قِرناً ... حديد الناب شهماً ذا اعتزاز أجبناً في العشيرة يا ابن هندٍ ... وعند الباه كالتيس الحجازي

стр. 24

ثم كتب معاوية إلى علي، ﵀: أما بعد فإنا لو علمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا ما نرُمّ به ما مضى ونصلح ما بقي، وقد كنت سألتك الشام على أن تلزمني لك طاعة فأبيت ذلك علي وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس وإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو ولا خاف من الفناء إلا ما أخاف، وقد والله رقّت الأجناد وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لأحد منا على أحد فضل نستذلّ به عبداً أو نسترقّ به حراً. فأجابه علي: من علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد فقد جاءني كتابك وتذكر أنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، وأنا وإياك نلتمس غايةً لم نبلغها بعد، فأما طلبك الشام فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك عنه أمس، وأما استواؤنا في الخوف والرجاء فلستَ بأمضى على الشك مني على اليقين وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن وليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا الطليق كالمهاجر ولا المحق كالمبطل، في أيدينا فضل النبوة التي قبلنا بها العز ونفينا بها الخزي. عن الشعبي أن عمرو بن العاص دخل على معاوية وعنده ناس فلما رآه مقبلاً استضحك فقال: يا أمير المؤمنين أضحك الله سنك وأدام سرورك وأقر عينك، ما كل ما أرى يوجب الضحك! فقال معاوية: خطر ببالي يوم صفين يوم بارزت أهل العراق فحمل عليك عليّ بن أبي طالب، ﵁، فلما غشيك طرحت نفسك عن دابتك وأبديت عورتك كيف حضرك ذهنك في تلك الحال، أما والله لقد واقفته هاشميّاً منافيّاً ولو شاء أن يقتلك لقتلك! فقال عمرو: يا معاوية إن كان أضحكك شأني فمن نفسك فاضحك، أما والله لو بدا له من صفحتك مثل الذي بدا له من صفحتي لأوجع قذالك وأيتم عيالك وأنهب مالك وعزل سلطانك، غير أنك تحرزت منه بالرجال في أيديها العوالي، أما إني قد رأيتك يوم دعاك إلى البراز فاحولّت عيناك وأزبد شدقاك وتنشّر منخراك وعرق جبينك وبدا من أسفلك ما أكره ذكره. فقال معاوية: حسبك حيث بلغت لم نرد كل هذا. قال: وذكر أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، قال: زعم ابن النابغة أني تلعابةٌ تمزاحةٌ ذو دعابة، أعافس وأمارس، لا رأي لي في الحروب، هيهات يمنع من العفاس والمراس ذكر الموت والبعث، فمن كان له قلب ففي هذا عن هذا واعظ، أما وشر القول الكذب إنه ليحدّث فيكذب ويعِد فيخلف، فإذا كان البأس فأعظم مكيدته أن يمنح القوم استه. قال: وقال عمرو بن العاص لابنه عبد الله يوم صفين: تبين لي هل ترى علي بن أبي طالب، ﵁؟ قال عبد الله: فنظرت فرأيته فقلت: يا أبت ها هو ذاك على بغلة شهباء عليه قباء أبيض وقلنسوة بيضاء. قال: فاسترجع، وقال: والله ما هذا بيوم ذات السلاسل ولا بيوم اليرموك ولا يوم أجنادين، وددت أن بيني وبين موقفي بُعد المشرقين. فنزل سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو قالا: والله لئن كان صواباً إنه لعظيم مشكور، ولئن كان خطأً إنه لصغير مغفور. فقلت له: يا أبت فمن يمنعك من الذي فعلا؟ فوالله ما يحول بينك وبين ذلك أحد! فقال: إن يرجع الشيخ ولم يُعذّر إذ نزل القوم بضنك فانظر، ثم تأمل بعد هذا أو ذر. وقال بعض الشعراء في معاوية ومحاربته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: قد سرت سير كليبٍ في عشيرته ... لو كان فيهم غلامٌ مثل جسّاس الطاعن الطعنة النجلاء عاندها ... كطرّة البُرْدِ أعيا فتقها الآسي عبد الله بن السائب قال: جمع زياد أهل الكوفة يحرضهم على البراءة من علي، كرم الله وجهه، فملأ منهم المسجد والرحبة، قال: فغفوت غفوة فإذا أنا بشيء له عنق مثل عنق البعير أهدل أهدب، فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا النقّاد ذو الرقبة بُعثت إلى صاحب القصر. فانتبهت فزعاً، فما كان بأسرع إذ خرج علينا خارج من القصر فقال: انصرفوا فإن الأمير في شغل عنكم اليوم، فإذا هو قد فلج، فقال عبد الله في ذلك: ما كان منتهياً عما أراد بنا ... حتى تأتّى له النّقّادُ ذو الرقبه فأسقط الشقَّ منه ضربةٌ ثبتت ... لمّا تناول ظلماً صاحب الرّحبه أراد أنه قتل في رحبة المسجد.

стр. 25

الأصمعي قال: سمع عامر بن عبد الله بن الزبير ابنه ينال من عليّ، ﵁، فقال: يا بني إياك وذكر عليّ، ﵁، فإن بني أمية تنقصته ستين عاماً فما زاده الله بذلك إلا رفعة. قال: وقال عبد الملك بن مروان للحجاج بن يوسف: جنّبني دماء آل أبي طالب فإني رأيت بني حرب لما قتلوا الحسين، ﵇، نزع الله ملكهم. محاسن الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب، ﵃ روي عن أنس بن مالك أنه قال: لم يكن في أهل بيت رسول الله، ﷺ ، أحد أشبه به من الحسن، ﵇، وكان قال له رسول الله، ﷺ ، ابني هذا سيّد لعلّ الله جل وعز أن يصلح به بين فئتين من المسلمين. وكان بينه وبين أخيه الحسين، ﵇، طهْزٌ واحد، وكان أسخى أهل زمانه. وذكروا أنه أتاه رجل في حاجة فقال: اذهب فاكتب حاجتك في رقعة وارفعها إلينا نقضها لك. قال: فرفع إليه حاجته، فأضعفها له، فقال بعض جلسائه: ما كان أعظم بركة الرقعة عليه يا ابن رسول الله. فقال: بركتها علينا أعظم حين جعلنا للمعروف أهلاً، أما علمت أن المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة؟ فأما من أعطيته بعد مسألة فإنما أعطيته بما بذل لك من وجهه، وعسى أن يكون بات ليلته متململاً أرقاً يميل بين اليأس والرجاء لا يعلم لما يتوجه من حاجته أبكآبة الرد أم بسرور النجح فيأتيك وفرائصه ترعد وقلبه خائف يخفق، فإن قضيت له حاجته فيما بذل لك من وجهه فإن ذلك أعظم مما نال من معروفك. قيل: وكان لرجل على ابن أبي عتيق مال فتقاضاه فقال له: ائتني العشية في مجلس الولاية فسلني عن بيت قريش. فوافاه الغريم في ذلك المجلس، فقال له: إنا تلاحينا في بيت قريش ورضينا بك حكماً، فقال: آل حرب، قال: ثم من؟ قال: آل أبي العاص، والحسن بن علي، ﵁، حاضر، فشق ذلك عليه، فقال الرجل: فأين بنو عبد المطلب؟ قال: لم أكن أظن أن تسألني عن غير بيت الآدميين فأما إذا صرت تسألني عن بيت الملائكة وعن رسول الله رب العالمين وسيد كل شهيد والطيار مع الملائكة فمن يساوي هؤلاء فخراً إلا وهو منقطع دونهم. قال: فانجلى عن الحسن، ﵇، ثم قال: إني لأحسب أن لك حاجة. قال: نعم يا ابن رسول الله، لهذا علي كذا وكذا، فاحتملها عنه ووصله بمثلها، قال: وأتاه رجل آخر فقال: يا ابن رسول الله إني عصيت رسول الله، ﷺ . فقال: بئس ما صنعت، فماذا عصيته؟ قال: قال، ﵇: شاوروهن وخالفوهن، وإني أطعت صاحبتي فاشتريت غلاماً فأبق. قال له: اختر واحدة من ثلاث، إن شئت ثمن الغلام. قال: بأبي أنت وأمي قف على هذه ولا تجاوزها! قال: اعرض عليك الثلاث! فقال: حسبي هذه، فأمر له بثمن الغلام. وذكروا أن رجلين أحدهما من بني هاشم والآخر من بني أمية قال هذا: قومي أسمح، وقال هذا: قومي أسمح، قال: فسل أنت عشرة من قومك وأنا أسأل عشرة من قومي. فانطلق بني أمية فسأل عشرة فأعطاه كل واحد منهم عشرة آلاف درهم، وانطلق صاحب بني هاشم إلى الحسن بن علي، ﵁، فأمر له بمائة وخمسين ألف درهم، ثم أتى الحسين، ﵇، فقال: هل بدأت بأحد قبلي؟ قال: بدأت بالحسن، قال: ما كنت أستطيع أن أزيد على سيدي شيئاً، فأعطاه مائة وخمسين ألفاً من الدراهم، فجاء صاحب بني أمية فحمل مائة ألف درهم من عشرة أنفس، وجاء صاحب بني هاشم فحمل ثلاثمائة ألف درهم من نفسين، فغضب صاحب بني أمية فردها عليهم فقبلوها، وجاء صاحب بني هاشم فردها عليهما فأبيا أن يقبلاها وقالا: ما كنا نبالي أخذتها أم ألقيتها في الطريق، وكان الحسن بن علي، رضوان الله عليهما ، أشبه برسول الله، ﷺ ، من صدره إلى قدمه، وكان أيضاً أحد الأجواد، دخل على أسامة بن زيد وهو يجود بنفسه ويقول: واكرباه واحزناه! فقال: وما الذي أحزنك يا عم؟ قال: يا ابن رسول الله ستون ألف درهم دين عليّ لا أجد لها قضاء. قال: هي عليّ. قال: فك الله رهائنك يا ابن النبي، ﷺ ، الله أعلم حيث يجعل رسالاته. مساوئ قتلة الحسين بن علي رضوان الله عليهما

стр. 26

حدثنا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم عن يحيى بن معين عن الحجاج عن أبي معشر قال: لما مات معاوية بن أبي سفيان وذلك في النصف من رجب سنة ستين ورد خبره على أهل المدينة في أول شعبان وكان على المدينة يومئذ الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان غلاماً حدثاً يتحرج، فلما جاءه ما جاءه ضاق به صدره فأرسل إلى مروان بن الحكم، وهو الذي صرف به مروان عن المدينة، وكان في مروان حدة، فقال له الوليد: يا أبا عبد الملك إنه قد جاءنا اليوم شيء لم نكن نستغني معه عن استشارتك. قال: وما هو؟ قال: موت أمير المؤمنين. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات، ﵀! قال: نعم. قال: أتطيع أمري؟ قال: نعم. قال: أرسل إلى الحسين بن علي وإلى عبد الله بن الزبير فإن بايعا فخل سبيلهما وإن أبيا فاضرب أعناقهما، فأرسل إلى الحسين، رضوان الله عليه، وإلى عبد الله بن الزبير، ﵀، وبدأ بالحسين، ﵇، فمر الحسين في المسجد فأشار إليه ابن الزبير وهو قائم يصلي، فأتاه فقال للحرسيّ: تأخر أيها العبد. فتأخر الحرسي. فقال له: يا أبا عبد الله أتدري لأي شيء دعيت؟ قال: لا. قال: مات طاغيتهم فدعوك للبيعة فلا تبايع وقل له بالغداة على رؤوس الملإ. قال: فدخل الحسين، ﵇، فقال له الوليد: يا أبا عبد الله دعوناك لخير. قال: أي شيء هو؟ قال: مات أمير المؤمنين وقد عرفتم ولي عهدكم ومفزعكم وقد بايع أهل الشام والناس فادخل فيما دخل فيه الناس. قال: نعم بالغداة إن شاء الله. قال: لا بل الساعة. قال: ومثلي يبايع في جوف البيت! بالغداة أبايعك على رؤوس الناس. قال: لا بل الساعة. قال: ما أنا بفاعل. وخرج من عنده. فأرسل إلى ابن الزبير فقال: يا أبا بكر دعوناك لخير. قال: وما هو؟ قال: مات أمير المؤمنين. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليه! قال: فيجعل يردد الترحم عليه وقد نظر ابن الزبير قبل ذلك إلى مروان وهو يناجي الوليد فتلا هذه الآية: " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين "، فقال: يا أبا بكر قد عرفتم ولي عهدكم ومفزعكم وقد بايع أهل الشام والناس فادخل فيما دخل فيه الناس. قال: نعم بالغداة إن شاء الله. قال: لا بل الساعة قال: ومثلي يبايع في جوف البيت! أبايعك على رؤوس الملإ. قال: لا بل الساعة قال: ما أنا بفاعل. فقال مروان للوليد: ما تصنع؟ أطعني واضرب أعناقهما، لئن خرجا من البيت لا تراهما أبداً إلا في شر. وكان الوليد متحرجاً، فقال: ما كنت لأقتلهما. فقال ابن الزبير لمروان: يا ابن الزرقاء أوتقدر على قتلنا؟ فقال مروان: إنه والله لو أطاعني ما خرجت ولا صاحبك من البيت حتى تضرب أعناقكما. قال: فدعا الحسين، ﵇، برواحله فركب يتوجه نحو مكة على المنهج الأكبر وركب ابن الزبير، ﵀، دواب له وأخذ طريق الفُرع فأتى الحسين، ﵇، عبد الله بن مطيع وهو على بئره فنزل إليه وقال: يا أبا عبد الله أين تريد؟ قال: العراق، مات معاوية وجاءني أكثر من حمل صُحُف. قال: لا تفعل فوالله ما حفظوا أباك وكان خيراً منك، والله لئن قتلوك لا تبقى حرمةٌ بعدك إلا استحلت.

стр. 27

فمر الحسين، ﵇، حتى نزل مكة فأقام بها هو وابن الزبير، ﵀، وقدم عمرو بن سعيد بن العاص في رمضان أميراً على المدينة وعلى الموسم وعزل الوليد بن عتبة، فلما استوى على المنبر رعف فقال أعرابي: ما جاءنا والله بالدم. قال: فتلقاه رجل بعمامته فقال: ما عمّ الناس والله. ثم قام وخطب، فناولوه عصا لها شعبتان فقال: تشعب الناس والله. ثم خرج إلى مكة فقدمها قبل التروية بيوم، وخرج الحسين، ﵇، فقيل له: خرج الحسين. فقال: اركبوا كل بعير وفرس بين السماء والأرض في طلبه فاطلبوه. قال: فكان الناس يتعجبون من قوله هذا، فطلبوه فلم يدركوه، فأرسل عبد الله بن جعفر ابنيه عوناً ومحمداً ليردّا الحسين، فأبى الحسين أن يرجع وخرج بابني عبد الله معه، ورجع عمرو بن سعيد إلى المدينة وبعث بجيش يقاتلون ابن الزبير، وقدّم الحسين، ﵇، مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليأخذ عليهم البيعة، وكان على الكوفة حين مات معاوية النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري، فلما بلغه خبر الحسين، ﵇، قال: لابن بنت رسول الله، ﷺ ، أحب إلينا من ابن بنت بحدل. فبلغ ذلك يزيد فأراد أن يعزله فقال لأهل الشام: أشيروا علي من استعمل على الكوفة؟ فقالوا: أترضى برأي معاوية؟ قال: نعم. قالوا: فإن العهد بإمارة عبيد الله بن زياد على العراقين قد كتب في الديوان، فاستعمله على الكوفة. فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين، ﵇، وقد بايع مسلم بن عقيل أكثر من ثلاثين ألفاً من الرجال من أهل الكوفة، فخرجوا معه يريدون عبيد الله بن زياد، فجعلوا كلما انتهوا إلى زقاق انسلّ ناس منهم حتى بقي في شرذمة قليلة وجعل الناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت، فلما رأى ذلك دخل دار هانيء بن عروة المراديّ وكان له فيهم رأي، فقال له هانيء: إن لي من ابن زياد مكاناً وسوف أتمارض له، فإذا جاء يعودني فاضرب عنقه. فقيل لابن زياد: هانيء بن عروة شاكٍ يقيء الدم، وكان شرب المغرة فجعل يقيئها، فجاء ابن زياد يعوده، وقال: هانيء لمسلم: إذا قلت اسقوني ولو كانت فيه نفسي فاضرب عنقه. فقال: اسقوني، فأبطأوا عليه، فقال: ويحكم اسقوني ولو كانت فيه نفسي! قال: فخرج ابن زياد ولم يصنع الآخر شيئاً، وكان أشجع الناس ولكن أخذته كبوة. فقيل لابن زياد: والله إن في البيت رجلاً متسلحاً، فأرسل ابن زياد إلى هانيء فدعاه، فقال: إني شاكٍ. فقال: ائتوني به وإن كان شاكياً. قال: فأسرجت له دبة فركب وكانت معه عصاً وكان أعرج فجعل يسير قليلاً قليلاً ثم يقف ويقول: ما لي ولابن زياد! فما زال حتى دخل عليه. فقال: يا هانيء ما كانت يد زياد عندك بيضاء؟ قال: بلى. قال: فيدي؟ قال: بلى. فتناول العصا التي كانت في يد هانيء فضرب بها وجهه حتى كسر جبهته ثم قدّمه فضرب عنقه ثم أرسل إلى مسلم بن عقيل، فخرج عليهم بسيفه فما زال يناوشهم ويقاتلهم حتى جرح وأسر فعطش وقال: اسقوني ماء، ومعه رجل من آل أبي معيط ورجل من بني سُليم. فقال: شمر بن ذي جوشن: والله لا نسقيك إلا من البئر. وقال المعيطيّ: والله لا نسقيه إلا من الفرات. فأتاه غلام له بإبريق من ماء وقدح قوارير ومنديل فسقاه، فتمضمض فخرج الدم فما زال يمج الدم ولا يسيغ شيئاً حتى قال: أخّره عني، فلما أصبح دعاه عبيد الله ليضرب عنقه، فقال له: دعني أوصي. فقال: أوص. فنظر في وجوه الناس فقال لعمر بن سعد: ما أرى هاهنا أحداً من قريش غيرك فادن مني حتى أكلمك. قال: فدنا منه. فقال له: هل لك في أن تكون سيد قريش؟ قال نعم. قال: إنّ حسيناً ومن معه وهم تسعون إنساناً بين رجل وامرأة في الطريق فارددهم واكتب إليه بما أصابني. ثم أمر عبيد الله فضرب عنقه.

стр. 28

فقال عمر: أتدري ما قال؟ قال: اكتم على ابن عمك! قال: هو أعظم من ذاك، قال: اكتم على ابن عمك! قال: هو أعظم من ذاك. قال: أي شيء هو؟ قال: أخبرني أن حسيناً قد أقبل ومعه تسعون إنساناً بين رجل وامرأة. فقال: أما والله لو إلي أسرّ لرددتهم! لا والله لا يقاتلهم أحد غيرك. فبعث معه جيشاً، وجاء الحسين، ﵇، الخبر وهو بشراف فهمّ أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع، فقال بنو عقيل:أترجع وقد قتل أخونا؟ فقال الحسين، ﵇: ما لي عن هؤلاء من صبر، يعني بني عقيل. فأصاب أصحابه العطش فقالوا: يا ابن رسول الله اسقنا! فأخرج لكل فرس صحفة من ماء فسقاهم بقدر ما يمسك رمق أحدهم، ثم قالوا: سر بنا، وأخذوا به على الجرف حتى نزلوا كربلاء، فقال: هذا كربٌ وبلاء. فنزلوا وبينهم وبين الماء يسير، قال: فأراد الحسين، ﵇، وأصحابه الماء فحالوا بينهم وبينه. فقال له شمر بن ذي جوشن: لا تشربون أبداً حتى تشربون من الحميم. فقال العباس بن علي للحسين، ﵇: يا أبا عبد الله ألسنا على الحق؟ قال: نعم. فحمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وأسقوا، ثم بعث عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد أن قاتلهم. فقال الحسين، ﵇: يا عمر اختر مني إحدى ثلاث: تتركني أرجع كما جئت، وإن أبيت هذه فسيّرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت، وإن أبيت هذه فابعث بي إلى يزيد لأضع يدي في يده، وأرسل إلى ابن زياد بذلك. فهمّ أن يسيّره إلى يزيد، فقال له شمر بن ذي جوشن: قد أمكنك الله منه، أو قال: من عدوّك، وتسيّره إلى الأمان إلا أن ينزل على حكمك! فأرسل إليه بذلك، فقال: لا حباً ولا كرامة انزل على حكم ابن سميّة. وكان مع عمر ابن سعد قريب من ثلاثين رجلاً من أهل الكوفة فقالوا: يعرض عليكم ابن ابنة رسول الله، عليه وعلى آله السلام، ثلاث خصال لا تقبلون منها شيئاً! فتحولوا مع الحسين، ﵇، فقاتلوا حتى قتلوا وقتل الحسين، ﵁، وجميع من معه، ﵏، وحمل رأسه إلى عبيد الله بن زياد فوضع بين يديه على ترس فبعث به إلى يزيد، فأمر بغسله وجعله في حريرة وضرب عليه خيمة ووكّل به خمسين رجلاً. فقال واحد منهم: نمت وأنا مفكر في يزيد وقتله الحسين، ﵇، فبينا أنا كذلك إذ رأيت سحابة خضراء فيها نور قد أضاءت ما بين الخافقين وسمعت صهيل الخيل ومنادياً ينادي: يا أحمد اهبط، فهبط رسول الله، ﷺ ، ومعه جماعة من الأنبياء والملائكة فدخل الخيمة وأخذ الرأس فجعل يقبله ويبكي ويضمّه إلى صدره، ثم التفت إلى من معه فقال: انظروا إلى ما كان من أمّتي في ولدي، ما بالهم لم يحفظوا فيه وصيتي ولم يعرفوا حقي؟ لا أنالهم الله شفاعتي! قال: وإذا بعدّة من الملائكة يقولون: يا محمد الله ﵎ يقرئك السلام وقد أمرنا بأن نسمع لك ونطيع فمرنا أن نقلب البلاد عليهم. فقال، ﷺ : خلوا عن أمتي فإن لهم بلغةً وأمداً. قالوا: يا محمد إن الله جل ذكره أمرنا أن نقتل هؤلاء النفر! فقال: دونكم وما أمرتم به. قال: فرأيت كل واحد منهم قد رمى كل واحد منا بحربة، فقتل القوم في مضاجعهم غيري فإني صحت: يا محمد! فقال: وأنت مستيقظ؟ قلت: نعم. قال: خلوا عنه يعيش فقيراً ويموت مذموماً، فلما أصبحت دخلت على يزيد وهو منكسر مهموم فحدثته بما رأيت فقال: امض على وجهك وتب إلى ربك. أبو عبد الله غلام الخليل، ﵀، قال: حدثنا يعقوب بن سليمان قال: كنت في ضيعتي فصلينا العتمة وجعلنا نتذاكر قتل الحسين، ﵇، فقال رجل من القوم: ما أحد أعان عليه إلا أصابه بلاء قبل أن يموت، فقال شيخ كبير من القوم: أنا ممن شهدها وما أصابني أمر كرهته إلى ساعتي هذه، وخبا السراج فقام يصلحه فأخذته النار وخرج مبادراً إلى الفرات وألقى نفسه فيه فاشتعل وصار فحمة. قيل: ودخل سنان بن أنس على الحجاج بن يوسف فقال: أنت قتلت الحسين بن علي؟ قال: نعم. فقال: أما إنكما لن تجتمعا في الجنة، فذكروا أنهم رأوه موسوساً يلعب ببوله كما يلعب الصبيان. قال: وقال محمد بن سيرين: ما رؤيت هذه الحمرة في السماء إلا بعدما قتل الحسين، ﵇، ولم تطمث امرأة بالروم أربعة أشهر إلا أصابها وضحٌ. فكتب ملك الروم إلى ملك العرب: قتلتم نبياً أو ابن نبي.

стр. 29

وروي أنه لما قتل، ﵁، احمرّت آفاق السماء واقتسموا ورساً كان معه فصار رماداً، وكانت معه إبل فجزروها فصارت جمرة في منازلهم. مساوئ الحرة قال: ولما كان من أمر الحسين، ﵇، ما كان قدم عمرو بن حفص بن المغيرة وكان تزوج يزيد بن معاوية ابنته وأعطاه مالاً كثيراً، فلما قدم المدينة جاءه محمد بن عمرو بن حزم وعبيد الله بن حنظلة وعبد الله بن مطيع ابن الأسود وناس من وجوه أهل المدينة قالوا: ننشدك الله رب هذا البيت ورب صاحب هذا القبر ألا أخبرتنا عن يزيد؟ فقال: إنه ليشرب الخمر وينادم القردة ويفعل كذا ويصنع كذا. فقالوا: والله ما لنا بأهل الشام من طاقة ولكن ما يحل لنا أن نبايع رجلاً على هذه الحال. فقال محمد بن عمرو لأهله: هاتوا درعي. ثم خرج فخرج أهل المدينة وخلعوا يزيد وأخرجوا عثمان بن محمد بن أبي سفيان وبني أمية من المدينة، وكان عثمان والي المدينة، ثم قال محمد بن أبي جهم لأهل المدينة: أطيعوا أمري اليوم واعصوني الدهر، اقتلوا سبعة عشر رجلاً من بني أمية لا تروا شراً أبداً. فأبى أهل المدينة أن يقتلوهم وأخذوا عليهم المواثيق أن لا يرجعوا إلى المدينة مع جيش أبداً، فبعث عثمان بن محمد بن أبي سفيان قميصه مشقوقاً إلى يزيد وكتب إليه: واغوثاه! إن أهل المدينة أخرجوا قومي من المدينة وشقوا ثوبي وارتكبوا مني.

стр. 30

قال أبو معشر: حدثنا رجل قال: خرج علينا يزيد بعد العتمة ومعه شمعتان، شمعة عن يمينه وشمعة عن يساره، وعليه معصفرتان كأنهما قطرتا دم وإزار ورداء وقد نفش جمّته كأنها برسٌ فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل الشام فإنه كتب إلي عثمان بن محمد بن أبي سفيان أن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة، ووالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من هذا. قال: وكان معاوية أوصى يزيد: إن رابك من قومك ريب أو انتقض عليك منهم أحد فعليك بأعور بني مرة فاستشره، يعني مسلم بن عقبة. فلما كان تلك الليلة قال: أين مسلم بن عقبة؟ فقام فقال: ها أنا ذا، قال: كن معي. فجعل يزيد يعبّي الجيوش، وكان ابن سنان نازلاً على مسلم، فقال له: إن أمير المؤمنين قد بعثني إلى المدينة ومكة. قال: استعفه. قال: فاركب فيلاً أو فيلة وتكنّ أبا يكسوم. فمرض مسلم قبل خروجه من الشام، فدخل عليه يزيد بن معاوية فقال: قد كنت وجهتك لهذا البعث وأراك مُدنفاً؟ فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك الله أن تحرمني أجراً ساقه الله إلي، إنما هو أمر خفيف وليس علي من بأس! قال: فلم يطق من الوجع أن يركب بعيراً ولا دابة، قال: فوضع على سرير وحمله الرجال على أعناقهم حتى جاؤوا به مكاناً يقال له البتراء، فأراد النزول به، فقال: ما اسم هذا المكان؟ قيل: البتراء. قال لا تنزلوا به. فنزلوا بقهر ثم ارتحلوا حتى نزلوا الحرّة، فأرسل إلى أهل المدينة أن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول: أنتم الأصل والعشيرة فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا فإن لكم في عهد الله وميثاقه عطاءين في كل سنة: عطاء في الشتاء وعطاء في الصيف، ولكم عندي في عهد الله أن أجعل سعر الحنطة عندكم سعر الخَبَط، والخبط يومئذ سبعة أصوع بدرهم. فقالوا: نخلعه كما نخلع عمائمنا ونعالنا. فقاتلهم فهزمهم وقتل عبد الله بن حنظلة وابن حزم وبضعة عشر رجلاً من الوجوه وتسعون رجلاً من قريش وبضعة وسبعون رجلاً من الأنصار، وقتل من سائر الناس نحو أربعة آلاف رجل، وقتل ابنان لعبد الله بن جعفر، وقتل أربعة من ولد زيد بن ثابت، وقال مسلم لعبد الله بن جعفر: اخرج عن المدينة لا يقع بصري عليك. وأنهب المدينة ثلاثاً، فقتل الناس وضجّت النساء وذهبت الأموال، فلما فرغ مسلم من القتال انتقل إلى قصر ابن عامر فدعا أهل المدينة ليبايعوه، وكان ناس منهم قد تحصنوا في عرصة سعيد، منهم: محمد بن أبي جهم ونفر معه، فدعاهم للبيعة، فقال: تبايعون لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خَوَله مما أفاء الله عليه بأسياف المسلمين إن شاء وهب وإن شاء أعتق وإن شاء استرقّ؟ فبايعه ناس منهم على ذلك، وجاء عمرو بن عثمان بيزيد بن عبد الله بن زمعة، وجدته أم سلمة زوج النبي، ﷺ ، وكان عمرو بن عثمان قال لأم سلمة: أرسلي معي ابن ابنتك ولك مني عهد الله وميثاقه أن أردّه إليك كما أخذته منك، فجاء به إلى مسلم فجلس عمرو بن عثمان على طرف سريره، فلما تقدم يزيد بن عبد الله قال: تبايع ليزيد أمير المؤمنين على أنك من خوَلِه مما أفاء الله عليه بأسياف المسلمين إن شاء وهب وإن شاء أعتق وإن شاء استرق؟ فقال: لا. أنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك. فقال: والله لا أستقيلها منك أبداً! فقال عمرو بن عثمان: أنشدك الله! فإني أخذته من أم سلمة بعهد الله وميثاقه أن أردّه إليها، قال: فركله ورمى به من فوق السرير فقال: لو قلتها ما أقلتك. فقتل يزيد بن عبد الله، ثم أتي بمحمد بن أبي جهم فقال له: أنت القائل اقتلوا سبعة عشر من بني أمية لا تروا شراً أبداً؟ قال: قد قلتها ولكن لا يطاع لقصير أمر، أرسل يدي من غلّي وقد برئت مني الذمة. قال: لا حتى أقدّمك إلى النار. فضرب عنقه، ثم جاؤوه بمعقل بن سنان وكان جالساً في بيته فأتاه مائة رجل من قومه فقالوا: اذهب بنا إلى الأمير حتى نبايعه. فقال: إني قد قلت له كلمة وإني أتخوفه. قالوا: لا والله لا يصل إليك أبداً. فلما بلغوا الباب أدخلوا معقلاً وغلّقوا الباب، فلما نظر إليه مسلم قال: إني أرى الشيخ قد لغب، اسقوه من الثلج الذي زودنيه أمير المؤمنين. قال: فخاضوا له ثلجاً بعسل فشربه. وقال: أشربت؟ قال: نعم. قال: والله لا تبوله من مثانتك أبداً. أنت القائل اركب فيلاً أو فيلة وتكنّ أبا يكسوم؟ قال: أما والله لقد تخوفت ذلك منك ولكن

стр. 31

غلبتني عشيرتي. قال: فجعل يفزّر جبّة عليه من برود ويقول: أما والله يا أعداء الله ما شققتها جزعاً من الموت ولكني أخشى أن تسلبوا منها. فضربت عنقه. عشيرتي. قال: فجعل يفزّر جبّة عليه من برود ويقول: أما والله يا أعداء الله ما شققتها جزعاً من الموت ولكني أخشى أن تسلبوا منها. فضربت عنقه. ثم سار إلى مكة حتى إذا بلغ قفا المشلَّل دَنِف فدعا بحصين بن نمير الكندي فقال: يا بردعة الحمار والله ما خلق الله أحداً هو أبغض إلي منك، ولولا أن أمير المؤمنين أمرني أن أستخلفك ما استخلفتك، أتسمع؟ قال: نعم. قال: لا يكون إلا الوِقاف ثم الثقاف ثم الانصراف، لا تمكن أذنيك من قريش. ثم مات مسلم، لا ﵀، فدفن بقفا المشلَّل، وكانت أم يزيد بن عبد الله بن زمعة بأسناده فخرجت إليه فنبشته وأحرقته بالنار وأخذت أكفانه فشقّقتها وعلقتها بالشجرة. قال أبو معشر: أقبلت من مكة حتى إذا كنت بقفا المشلَّل عند قبر مسلم إذا رجل من أهل الشام ممّن حضر وقعة الحرّة يسايرني، فقلت له: هذا قبر مسلم بن عقبة. فقال: أحدثك بالعجب؟ كان مع مسلم رجل من أهل الشام يقال له أبو الغرّاء فإذا نصف شعره أسود ونصفه أبيض، فقلت له: ما شأنك؟ قال: لما كانت ليلة الحرّة جئت قُبَاء فدخلت بيتاً فإذا فيه امرأة جالسة معها صبي لها وليس عليها شيء إلا درع وقد ذُهب بكل شيء لها، فقلت لها: هل من مال؟ قالت: لا والله لقد بايعت رسول الله، ﷺ ، على أني لا أزني ولا أسرق ولا أقتل ولدي. قال: فأخذت برجل الصبي فضربت به الحائط. فنثر دماغه، فخرجت فإذا نصف رأسي أبيض ونصفه أسود كما ترى. محاسن ما قيل فيهم من الأشعار قال كعب بن زهير في الحسين بن علي، رحمة الله عليهما: مسح النبيُّ جبينه ... فله بياضٌ في الخدود وبوجهه ديباجةٌ ... كرم النبوة والجدود قال: وأنشد الحميريّ في الحسن والحسين: أتى حسناً والحسينَ الرسولُ ... وقد برزا حجرةً يلعبان فضمّهما وتفدّاهما ... وكانا لديه بذاك المكان ومر وتحتهما عاتقاه ... فنعم المطيّة والراكبان قال: وقال المأمون: أنصف شاعر الشيعة حيث يقول: أنا وإياكم نموت فلا ... أفلح بعد الممات من ندما وقال المأمون: ومن غاوٍ يغصُّ عليّ غيظاً ... إذا أدنيت أولاد الوصيّ يحاول أن نور الله يطفى ... ونور الله في حصن أبيّ فقلت أليس قد أوتيت علماً ... وبان لك الرشيد من الغوي وعُرّفتُ احتجاجي بالمثاني ... وبالمعقول والأثر القويّ بأية خلّةٍ وبأي معنىً ... تفضِّل ملحدين على عليّ عليّ أعظم الثقلين حقاً ... وأفضلهم سوى حق النبيّ قال غيره وأجاد: إن اليهود بحبها لنبيها ... أمنت معرّة دهرها الخوّان وذوو الصليب بحب عيسى أصبحوا ... يمشون زهواً في قرى نجران والمؤمنون بحب آل محمد ... يرمون في الآفاق بالنيران وقال آخر، سامحه الله: يا لك من متجرة كاسده ... بين شياطين عتت مارده إذا تذكّرت بني أحمدٍ ... تنافروا كالإبل الشارده فقل لمن يلحاك في حبهم ... خانتك في مولدك الوالده وقال دعبل، رحمه الله تعالى: قل لابن خائنة البعول ... وابن الجوادة والبخيل إن المذمة للوصيّ ... هي المذمة للرسول أتذمّ أولاد النبي ... وأنت من ولد النُّغُول الموصلي النصراني: عَدِي ونعيمٌ لا أحاول ذكرهم ... بسوءٍ ولكني محبٌ لهاشم وهل تأخُذَنّي في عليٍّ وحبه ... إذا لم أعِث يوماً ملامة لائم يقولون ما بال النصارى تحبه ... وأهل التقى من معربٍ وأعاجم فقلت لهم إني لأحسب حُبّهُ ... طواه إلهي في قلوب البهائم وفي بني أمية قيل: دخل خالد بن خليفة الأقطع على أبي العباس وعنده علي بن هشام بن عبد الملك فأشار إلى أبي العباس وهو يقول شعراً:

стр. 32

إن تعاقبهم على رقة الدّي ... ن فقد كان دينُهمْ سامريّا كان فحلاً زمانهم يرمح النا ... س فأضحى الزمانُ منهم خصيّا محاسن السبق إلى الإسلام روي عن عائشة، ﵂، قالت: خرج أبو بكر، ﵁، يريد رسول الله، ﷺ ، قبل الإسلام وكان له صديقاً في الجاهلية فلقيه فقال: يا أبا القاسم قعدت في مجالس قومك واتهموك بالعيب لآبائها وأديانها. فقال رسول الله، ﷺ : إني رسول الله أدعوك إلى الله. فما كان إلا أن سمع أبو بكر كلام رسول الله، ﷺ ، فشرح الله صدره فأسلم، فانصرف عنه رسول الله، ﷺ ، وما بين الأخشبين أحد أكثر سروراً بإسلام أبي بكر، ﵁، منه. ومضى أبو بكر حتى أتى طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، ثم عثمان بن مظعون وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم مع أبي بكر فأسلموا.

стр. 33

وأما إسلام عمر، ﵁، فإن قريشاً بعثت بعمر، ﵁، ليقتل النبي، ﷺ ، فخرج عمر متقلداً سيفه في أثر رسول الله، ﷺ ، وهو يومئذ في دار في أصل الصفا، فلقيه نعيم بن عبد الله بن أسيد وقد أسلم فقال: يا عمر أين أراك تريد؟ قال: أريد محمداً هذا الذي سفّه عقولنا وشتم آلهتنا وخالف جماعتنا لأقتلنه! قال نعيم: لبئس المشي والله مشيت يا عمر! ولقد أفرطت وأردت هلكة عدي بن كعب بمعاداتك بني هاشم، أوَترى أنك آمن من أعمامه وبني زهرة وقد قتلت محمداً افتخاراً؟ حتى ارتفعت أصواتهما. فقال له عمر: والله لأظنك قد صبوت ولو أعلم ذلك منك لبدأت بك. فلما رأى نعيم أنه غير منته قال: أما إن أهلك قد أسلموا وتركوك وما أنت عليه. فلما سمع ذلك نغر وقال: أيهم؟ قال: ختنك وابن عمك وأختك. فانطلق إلى أخته وقد كان رسول الله، ﷺ ، اجتمع عليه طائفة من ذوي الفاقة من أصحابه فقال لأولي السعة: يا فلان فليكن عندك فلان، فوافق ابن عم عمر وختنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قد دفع إليه رسول الله، ﷺ ، خبّاب بن الأرتّ مولى أم انمار حليف بني زهرة، وقد أنزلت سورة طه، فأقبل عمر حتى انتهى إلى باب دار أخته ليتعرف ما بلغه، فإذا خبّاب عند أخته يدرس عليها سورة طه، وإذا الشمس كوّرت، فلما دخل عمر أحذرته أخته وعرفت الشر في وجهه وخبأت الصحيفة، وراغ خبّاب فدخل البيت، فقال عمر لأخته: ما هذه الهينمة؟ قالت: حديث نتحدث به بيننا، فحلف أن لا يبرح حتى يتبين شأنها. فقال له زوجها: إنك لا تستطيع أن تجمع الناس على هواك يا عمي إن كان الحق سواه. فبطش به عمر ووطئه وطأً شديداً. فقامت أخت عمر تحجز بينهما فنفحها بيده فشجها. فلما رأت الدم قالت: هل تسمع يا عمر؟ أرأيت كل شيء بلغك عني مما يذكر من تركي آلهتك وكفري باللات والعزى فهو حق وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فاتمم أمرك واقض ما أنت قاض. فلما رأى عمر ذلك سقط في يده فقال لأخته: أرأيت ما كنت تدرسين آنفاً؟ أعطيك موثقاً لا أمحوه حتى أرده إليك ولا أخونك فيه. فلما رأت أخته حرصه على الكتاب رجت أن يكون ذلك لدعوة رسول الله، ﷺ ، فقالت له: إنك نجسٌ ولا يمسه إلا المطهرون. فقام واغتسل من الجنابة وأعطاها موثقاً، فاطمأنت به ودفعت إليه الصحيفة، فقرأ طه حتى بلغ: " إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كلُّ نفسٍ بما تسعى فلا يصدّنّك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى "، وقرأ: " إذا الشمس كُوّرت "، حتى انتهى إلى قوله: " علمت نفسٌ ما أحضرت "، فأسلم عند ذلك وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وخلع الأنداد وكفر باللات والعزى، فخرج خبّاب وكان داخلاً في البيت مكبّراً وقال: ابشر بكرامة الله يا عمر فإن رسول الله، ﷺ ، دعا أن يُعزّ الله بك الإسلام. فقال عمر: دلّوني على المنزل الذي فيه رسول الله، ﷺ . فقال له خبّاب: هو في الدار التي في أصل الصفا. فأقبل عمر وقد بلغ رسول الله، ﷺ ، أن عمر يطلبه ليقتله ولم يبلغه إسلامه، فلما انتهى عمر إلى الباب ليستفتح رآه رسول الله، ﷺ ، متقلداً سيفه فأشفقوا منه، فلما رآه حمزة وحده قال: افتحوا فإن كان الله يريد بعمر خيراً اتبع رسول الله، ﷺ ، وصدّقه، وإن كان غير ذلك قتلناه بسيفه ويكون قتله علينا هيّناً. فابتدره رجال من أصحاب رسول الله، ﷺ ، ورسول الله، ﷺ ، يوحى إليه، فسمع صوت عمر فخرج ليس عليه رداء حتى أخذ بمجمع رداء عمر وقميصه وقال له: أما والله ما أراك تنتهي يا عمر حتى ينزل الله جل وعز بك من الزجر ما أنزله بالوليد بن المغيرة. ثم قال: اللهم اهد عمر. فضحك عمر وقال: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك محمد عبده ورسوله فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها من وراء الدار والمسلمون يومئذ بضعة وأربعون رجلاً وإحدى عشرة امرأة، ثم قال عمر: يا رسول الله نحن بالإسلام أحق أن نبادى منا بالكفر فليظهرن دين الله بمكة. فخرج عمر وجلس في المسجد وصلى علانية وأظهر الإسلام، فلم يزل الدين عزيزاً منذ أسلم عمر، ﵁.

стр. 34

وأما إسلام عثمان فإنه روي أن عثمان بن عفان، ﵀، قال: دخلت على جدتي بنت عبد المطلب أعودها فإني لعندها إذ جاء رسول الله، ﷺ ، يعودها فجعلت أنظر إليه وقد نشر من شأنه حينئذ شيئاً، فأقبل علي فقال: ما شأنك يا عثمان؟ فجعل لي إلى الكلام سبيلاً، فقلت: أعجب منك ومن مكانك فينا وفي قومك وما يقال عليك، فقال: لا إله إلا الله، فالله يعلم أني اقشعررت. ثم قال: " وفي السماء رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون "، فقام فقمت في أثره، ﵇، فأسلمت. مساوئ من ارتد عن الإسلام منهم جبلة بن الأيهم الغساني، لما افتتحت الشام ونظر جبلة إلى هدي المسلمين ووقارهم أحب الدخول في الإسلام فسار نحو المدينة إلى عمر بن الخطاب، ﵀، فلما بلغ عمر قدومه قال للمهاجرين: استقبلوه وأظهروا تعظيمه وتبجيله فإنه قريب العهد بالملك. فاستقبله الناس وأظهروا بره، وأقبل جبلة حتى دخل على عمر، ﵁، فقرب مجلسه وأدناه ووعده من نفسه خيراً، فأسلم وأقام بالمدينة حتى إذا حضر أوان الموسم حج عمر، ﵀، وخرج معه جبلة، فبينا هو يطوف بالبيت محرماً وعليه إزاران قد تردى بواحد واتّزر بالآخر إذ وطيء رجل طرف إزاره فانحلّ عنه حتى بدت عورته، فغضب ووثب على الرجل فلطمه، فتعلق به الرجل وجماعة معه وانطلقوا به إلى عمر، ﵁، وشهدوا عليه. فقال عمر: أقِدِ الرجل أو استوهبه منه. فقال جبلة: وكذلك هذا الدين لا يفضل فيه شريف على وضيع ولا ملك على سوقة؟ قال عمر: قال الله تعالى، وقوله الحق: " إن أكرمكم عند الله أتقاكم "، إن الناس شريفهم ووضيعهم في الحق سواء. فانصرف جبلة، فلما جنّ عليه الليل خرج في حشمه وعياله حتى لحقوا بأرض الشام مرتداً عن الإسلام، فكتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح فأمره أن يستتيب جبلة فإن تاب وإلا ضرب عنقه، وبلغ ذلك جبلة فخرج من أرض الشام حتى دخل أرض الروم وأتى الملك فأخبره بأمره ورجوعه إلى النصرانية، فسرّ الملك بقدومه واستخلفه على ملكه وجعله جائز الأمر في سلطانه، فأقام عنده، فلما ولي معاوية بن أبي سفيان بعث رجلاً من الأنصار يقال له تميم بن بشر إلى قيصر ملك الروم في بعض أموره، قال تميم: فلما دخلت على قيصر أبلغته الرسالة وجلست عنده فحدثني مليّاً ثم قال: هل لك في لقاء رجل من العرب من أهل بيت الملك؟ فقلت: ومن هو؟ قال: جبلة بن الأيهم. قلت: إن لي في ذلك أملاً وإني لرجل من قومه، فبعث معي رجلاً حتى أدخلني عليه وهو في مجلس له يغشى العيون حسنه وكثرة تصاويره، مطلية حيطانه بماء الذهب والفضة، يتلألأ تلألؤاً وحوله نفر من بطارقة الروم، فسألني من أنا، فانتسبت له، فقال: حياك الله فإننا بنو عم. ثم أمر جلساءه فخرجوا من عنده وخلا بي يسألني عن العرب وأماكنها، فخبرته بجميع ما سألني عنه، فبكى حتى اخضلت لحيتَه الدموعُ ثم أنشأ يقول: تنصرت بعد الدين من عار لطمةٍ ... وما كان فيها لو صبرت لها ضررْ تكنّفني منها لجاجٌ ونخوةٌ ... فبعت بها العين الصحيحة بالعوَرْ ويا ليت أمي لم تلدني وليتني ... ثويتُ أسيراً في ربيعة أو مضر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرةٍ ... ولم أنكر القول الذي قاله عمر ويا ليت لي بالشأم أدنى معيشةٍ ... أجالس قومي في العشيات والبكر أدين لما دانوا به من شريعةٍ ... وقد يجلس العير الضجور على الدبُر قال: ثم دعا بغدائه فتغدينا، فلما فرغنا خرجت علينا جاريتان في يد إحداهما بربطٌ وفي يد الأخرى مزمار فجلستا، ثم خرجت علينا جاريتان في يد إحداهما جام فيه مسك مسحوق وفي يد الأخرى جام مملوء ماء ورد، ثم أقبل طائران كانا شبيهين بطاؤوسين أو تدرُجين فسقطا في الجام واحتملا المسك بجناحيهما فرشاه علينا، وقال جبلة للمغنيتين: غنيانا، فغنتاه: لمن الدار أقفرت بمُعان ... بين أعلى اليرموك فالمسربان ذاك مغنىً لآل جفنة في الده ... ر وحق ٌ تصرف الأزمان قد أراني هناك حقاً مكيناً ... عند ذي التاج مقعدي ومكاني قال: ثم بكى حتى اخضلت دموعه لحيته، ثم قال: غنياني، فغنتاه:

стр. 35

لله درُّ عصابةٍ نادمتهم ... يوماً بجلِّقَ في الزمان الأول أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المِفْضَل يسقون من هبط البريص عليهم ... بردى يُصفِّقُ بالرحيقِ السلسل يُغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شُمَّ الأنوفِ من الطراز الأول ثم قال لي: ما فعل ابن الفريعة؟ يعني حسان بن ثابت. قلت: حيّ إلا أنه كُفّ بصره. فوجد من ذلك وجداً شديداً وبكى وقال لخادم له: انطلق فأتني بأربعمائة دينار، فأتاه بها، فناولنيها وقال: أوصلها إلى حسان. ثم ودّعته وخرجت حتى أتيت معاوية فأخبرته بجواب رسالة قيصر ثم سرت من الشام حتى أتيت المدينة ولقيت حسان ودفعت إليه الدنانير، فقال: إن ابن جفنة من بقية معشرٍ ... لم يغذُهم آباؤهم باللُّوم لم ينسني بالشأم إذ هو ربها ... يوماً ولا متنصراً بالروم يعطي الجزيل فما يراه عنده ... إلا كبعض عطية المذموم ما جئته إلا وقرّب مجلسي ... ودعا بأفضل زاده المطعوم محاسن المفاخرة قال رسول الله، ﷺ : أنا سيد ولد آدم ولا فخر. وقال يوسف، ﵇: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظٌ عليمٌ. قيل: وسمع رسول الله، ﷺ ، رجلاً ينشد: إني امرؤٌ حِميريّ حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر فقال: ذلك ألأم لك وأبعد من الله ورسوله، وقال: ﷺ : إذا اختلف الناس فالحق مع مضر، وقال: إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بنصري خازمٌ وابن خازم عطست بأنفي شامخاً وتناولت ... يداي الثّريّا قاعداً غير قائم شعيب بن إبراهيم قال: حدثني سيف بن عمر عن علي بن يزيد عن عبد الله بن الحارث عن المطلب بن ربيعة قال: مر العباس بنفر من قريش وهم يقولون: إنما مثل محمد، ﷺ ، في أهله كمثل نخلة نبتت في كِباً، فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ ، فوجد منه وخرج حتى قام فيهم خطيباً فقال: أيها الناس من أنا؟ قالوا: أنت رسول الله. قال: فأنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق خلقه فجعلني من خير خلقه ثم جعل الخلق الذين أنا منهم فرقتين فجعلني من خير الفرقتين ثم جعلهم شعوباً فجعلني من خيرهم شعباً ثم جعلهم بيوتاً فجعلني من خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً وخيركم والداً، وإني مباه، قم يا عباس، فقام عن يمينه، ثم قال: قم يا سعد، فقام عن يساره، ثم قال: يقرّب امرؤ من الناس عمّاً مثل هذا أو خالاً مثل هذا. حدثنا سنان بن الحسن التستري قال: حدثنا إسماعيل بن مهران اليشكري قال: حدثنا أحمد بن محمد عن أبان بن عثمان عن عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: لما أمر رسول الله، ﷺ ، أن يعرض نفسه على القبائل خرج وأنا معه ومعه أبو بكر، وكان أبو بكر عالماً بأنساب العرب، فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب عليهم الوقار والسكينة، فتقدم أبو بكر وسلّم عليهم فردّوا ﵇، فقال: ممّن القوم؟ فقالوا: من ربيعة. فقال: أمن هامتها أم من لهازمها؟ قالوا: بل من هامتها العظمى. قال: وأي هاماتها؟ قالوا: ذُهْل. قال: أذُهل الأكبر أم ذهل الأصغر؟ قالوا: بل ذهل الأكبر. قال: أمنكم عوف الذي كان يقول لا حرّ بوادي عوف؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم بسطام بن قيس صاحب اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم جسّاس بن مرّة حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال: فلستم ذهل الأكبر إذاً أنتم ذهل الأصغر، فقام إليه غلام أعرابي حسن بَقَل وجهه فأخذ بزمام ناقته ورسول الله، ﷺ ، على ناقته يسمع مخاطبته، فقال: لنا على من سالنا أن نسأله ... والعِبءُ لن نعرفه أو تحمله

стр. 36

يا هذا إنك سألتنا أي مسألة شئت فلم نكتمك شيئاً فأخبرنا ممّن أنت؟ فقال أبو بكر، ﵁: من قريش. قال بخ بخ أهل الشرف والرئاسة، فأخبرني من أي قريش أنت؟ قال: من تميم بن مرّة. قال: أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمّع القبائل من فهر فكان يقال له مجمّع؟ قال أبو بكر: لا. قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف؟ قال أبو بكر: لا. قال: أفمنكم شيبة الحمد الذي كان وجهه قمراً يضيء ليلة الظلمة الداجية مطعم طير السماء؟ قال: لا. قال: أفمن المفيضين بالناس أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال: أما والله لو شئت لأخبرتك أنك لست من أشراف قريش، فاجتذب أبو بكر زمام ناقته منه كهيئة المغضب، فقال الأعرابي: صادف دَرَّ السيل درٌ يدفعه ... في هضبةٍ ترفعه وتضعه فتبسم رسول الله، ﷺ ، قال علي: فقلت: يا أبا بكر إنك لقد وقعت من هذا الأعرابي على باقعة! فقال: أجل يا أبا الحسن ما من طامّة إلا فوقها طامّة وإن البلاء موكّل بالمنطق. محاسن كلام الحسن بن علي ﵁ قيل: وأتى الحسن بن علي، ﵄، معاوية بن أبي سفيان وقد سبقه ابن عباس فأمر معاوية فأنزل، فبينا معاوية مع عمرو بن العاص ومروان ابن الحكم وزياد بن أبي سفيان يتحاورون في قديمهم وحديثهم ومجدهم، فقال معاوية: أكثرتم الفخر فلو حضركم الحسن بن علي وعبد الله بن العباس لقصّرا من أعنّتكما ما طال. فقال زياد: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين، ما يقومان لمروان ابن الحكم في غرب منطقه ولا لنا في بواذخنا؟ فابعث إليهما في غدٍ حتى نسمع كلامهما. فقال معاوية لعمرو: ما تقول؟ قال هذا: فابعث إليهما في غدٍ، فبعث إليهما معاوية ابنه يزيد، فأتياه ودخلا عليه وبدأ معاوية فقال: إني أُجلّكما وأرفع قدركما عن المسامرة بالليل ولا سيما أنت يا أبا محمد فإنك ابن رسول الله، ﷺ ، وسيد شباب أهل الجنة. فتشكّرا له، فلما استويا في مجلسهما وعلم عمرو أن الحدّة ستقع به قال: والله لا بدّ أن أقول فإن قَهرتُ فسبيل ذلك وإن قُهرتُ أكون قد ابتدأت. فقال: يا حسن إنا تفاوضنا فقلنا إن رجال بني أمية أصبر عند اللقاء وأمضى في الوغى وأوفى عهداً وأكرم خيماً وأمنع لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلب. ثم تكلم مروان فقال: وكيف لا تكون كذلك وقد قارعناكم فغلبناكم، وحاربناكم فملكناكم، فإن شئنا عفونا وإن شئنا بطشنا. ثم تكلم زياد فقال: ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله ويجحدوا الخير في مظانّه، نحن أهل الحملة في الحروب ولنا الفضل على سائر الناس قديماً وحديثاً. فتكلم الحسن، ﵁، فقال: ليس من العجز أن يصمت الرجل عند إيراد الحجة ولكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا ويصوّر الباطل بصورة الحق. يا عمرو أفتخاراً بالكذب وجراءة على الإفك! ما زلت أعرف مثالبك الخبيثة أبديها مرة وأمسك عنها أخرى فتأبى إلا انهماكاً في الضلالة، أتذكر مصابيح الدجى وأعلام الهدى وفرسان الطراد وحتوف الأقران وأبناء الطعان وربيع الضيفان ومعدن النبوة ومهبط العلم وزعمتم أنكم أحمى لما وراء ظهوركم وقد تبين ذلك يوم بدر حين نكصت الأبطال وتساورت الأقران واقتحمت الليوث واعتركت المنيّة وقامت رحاؤها على قطبها وفرّت عن نابها وطار شرار الحرب فقتلنا رجالكم ومنّ النبيّ، ﷺ ، على ذراريكم فكنتم لعمري في هذا اليوم غير مانعين لما وراء ظهوركم من بني عبد المطلب! ثم قال: وأما أنت يا مروان فما أنت والإكثار في قريش وأنت طليق وأبوك طريد يتقلّب من خزاية إلى سوءة ولقد جيء بك إلى أمير المؤمنين، فلما رأيت الضّرغام قد دميت براثنه واشتبكت أنيابه كنت كما قال: ليثٌ إذا سمع الليوث زئيرهُ ... بصبصنَ ثم قذفن بالأبعار ويروى رمين بالأبعار.

стр. 37

فلما منّ عليك بالعفو وأرخى خناقك بعدما ضاق عليك وغصِصت برِيقكَ لا تقعد معنا مقعد أهل الشكر ولكن تساوينا وتجارينا ونحن ممّن لا يدركنا عار ولا يلحقنا خزاية! ثم التفت إلى زياد فقال: وما أنت يا زياد وقريشاً لا أعرف لك فيها أديماً صحيحاً ولا فرعاً نابتاً ولا قديماً ثابتاً ولا منبتاً كريماً بل كانت أمّك بغيّاً تداولها رجال قريش وفجّار العرب فلما ولدت لم تعرف لك العرب والداً فادّعاك هذا، يعني معاوية، بعد ممات أبيه، ما لك افتخار تكفيك سُميّة ويكفينا رسول الله، ﷺ ، وأبي علي بن أبي طالب سيد المؤمنين الذي لم يرتد على عقبيه وعمي حمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار وأنا وأخي سيدا شباب أهل الجنة! ثم التفت إلى ابن عباس فقال: يا ابن العم إنما هي بغاث الطير انقضّ عليها أجدل. فأراد ابن عباس أن يتكلم فأقسم عليه معاوية أن يكف فكفّ ثم خرجا، فقال معاوية: أجاد عمرو الكلام لولا أن حجته دحضت وتكلم مروان لولا أنه نكص. ثم التفت إلى زياد وقال: ما دعاك إلى محاورته؟ ما كنت إلا كالحجل في كف البازي، فقال عمرو: ألاّ رميت من ورائنا؟ قال معاوية: إذاً كنت شريككم في الجهل، أفاخر رجلاً رسول الله جده وهو سيد من مضى ومن بقي وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين؟ ثم قال لعمرو: والله لئن سمع به أهل الشام لهي السوءة السَّوآء. فقال عمرو: لقد أبقى عليك ولكنه طحن مروان طحن الرحى بثفالها ووطئها وطء البازل القُراد بمنسِمه. فقال زياد: قد والله فعل ولكن معاوية يأبى إلا الإغراء بيننا وبينهم، لا جرم والله لا شهدت مجلساً يكونان فيه إلا كنت معهما على من فاخرهما. فخلا ابن عباس بالحسن فقبّل بين عينيه وقال: أفديك يا ابن عم، والله ما زال بحرك يزخر وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا. ثم إن الحسن، ﵁، غاب أياماً ثم رجع حتى دخل على معاوية وعنده عبد الله بن الزبير، فقال معاوية: يا أبا محمد إني أظنك تعباً نصباً فأتِ المنزل فأرح نفسك فيه. فقام الحسن، فلما خرج قال معاوية لعبد الله بن الزبير: لو افتخرت على الحسن فإنك ابن حواري رسول الله، ﷺ ، وابن عمته ولأبيك في الإسلام نصيب وافر. فقال ابن الزبير: أنا له! فرجع وهو يطلب ليلته الحجج، فلما أصبح دخل على معاوية، وجاء الحسن فحيّاه معاوية وسأله عن مبيته فقال: خير مبيت وأكرم مستفاض. فلما استوى في مجلسه قال ابن الزبير: لولا أنك خوّار في الحرب غير مقدام ما سلّمتَ لمعاوية الأمر وكنت لا تحتاج إلى اختراق السهوب وقطع المفاوز تطلب معروفه وتقوم ببابه، وكنت حريّاً أن لا تفعل ذلك وأنت ابن علي في بأسه ونجدته، فما أدري ما الذي حملك على ذلك، أضعف رأيٍ أم وهن نحيزة، فما أظن لك مخرجاً من هاتين الخلتين، أما والله لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أني ابن الزبير وأني لا أنكص عن الأبطال، وكيف لا أكون كذلك وجدّتي صفية بنت عبد المطلب وأبي الزبير حواريّ رسول الله، ﷺ ، وأشد الناس بأساً وأكرمهم حسباً في الجاهلية وأطوعهم لرسول الله، ﷺ ؟ فالتفت إليه الحسن وقال: أما والله لولا أن بني أمية تنسبني إلى العجز عن المقال لكففت عنك تهاوناً، واكن سأبين ذلك لك لتعلم أني لست بالعيّ ولا الكليل اللسان، إياي تعيّر وعليّ تفتخر ولم يكن لجدك بيت في الجاهلية ولا مكرمة فزوّجتْه جدتي صفية بنت عبد المطلب فبذخ على جميع العرب بها وشرف بمكانها، فكيف تفاخر من هو من القلادة واسطتها ومن الأشراف سادتها؟ نحن أكرم أهل الأرض زنداً، لنا الشرف الثاقب والكرم الغالب، ثم تزعم أني سلّمت الأمر لمعاوية، فكيف يكون ذلك ويحك كذلك وأنا ابن أشجع العرب وقد ولدتْني فاطمة سيدة نساء العالمين وخير الإماء؟ لم أفعل ذلك ويحك جُنباً ولا ضُعفاً ولكنه بايعني مثلك وهو يطلبني بِبرّة ويداجيني المودة ولم أثق بنصرته لأنكم أهل بيت غدر، وكيف لا يكون كما أقول وقد بايع أبوك أمير المؤمنين ثم نكث بيعته ونكص على عقبيه واختدع حشية من حشايا رسول الله، ﷺ ، ليضلّ بها الناس، فلما دلف نحو الأعنّة ورأى بريق الأسنّة قُتل مَضيعةً لا نَاصر له وأُتي بك أسيراً قد وطئتك الكماة بأظلافها والخيل بسنابكها واعتلاك الأشتر فغصصت بريقك وأقعيت على عقبيك كالكلب إذا احتوشته الليوث؟ فنحن

стр. 38

ويحك نور البلاد وأملاكها وبنا تفخر الأمة وإلينا تُلقى مقاليد الأزمّة، أنصول وأنت تختدع النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء؟ لم تزل الأقاويل منّا مقبولةً وعليك وعلى أبيك مردودةً، دخل الناس في دين جدّي طائعين وكارهين ثم بايعوا أمير المؤمنين، ﵁، فسار إلى أبيك وطلحة حين نكثا البيعة وخدعا عرس رسول الله، ﷺ ، فقتل أبوك وطلحة وأُتي بك أسيراً، فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي وأنا سيدك وسيد أبيك، فذق وبال أمرك! فقال ابن الزبير: اعذر يا أبا محمد فإنما حملني على محاورتك هذا وأحب الإغراء بيننا فهلاّ إذ جهلت أمسكت عني فإنكم أهل بيت سجيّتكم الحلم والعفو! فقال الحسن: يا معاوية انظر هل أكيع عن محاورة أحد، ويحك أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي؟ انتَه قبل أن أسمك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان، فقال ابن الزبير: هو لذلك أهل. فقال معاوية: أما إنه قد شفى بلابل صدري منك ورمى مقتلك فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب بك كيف أراد فلا أراك تفتخر على أحد بعدها. ويحك نور البلاد وأملاكها وبنا تفخر الأمة وإلينا تُلقى مقاليد الأزمّة، أنصول وأنت تختدع النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء؟ لم تزل الأقاويل منّا مقبولةً وعليك وعلى أبيك مردودةً، دخل الناس في دين جدّي طائعين وكارهين ثم بايعوا أمير المؤمنين، ﵁، فسار إلى أبيك وطلحة حين نكثا البيعة وخدعا عرس رسول الله، ﷺ ، فقتل أبوك وطلحة وأُتي بك أسيراً، فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي وأنا سيدك وسيد أبيك، فذق وبال أمرك! فقال ابن الزبير: اعذر يا أبا محمد فإنما حملني على محاورتك هذا وأحب الإغراء بيننا فهلاّ إذ جهلت أمسكت عني فإنكم أهل بيت سجيّتكم الحلم والعفو! فقال الحسن: يا معاوية انظر هل أكيع عن محاورة أحد، ويحك أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي؟ انتَه قبل أن أسمك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان، فقال ابن الزبير: هو لذلك أهل. فقال معاوية: أما إنه قد شفى بلابل صدري منك ورمى مقتلك فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب بك كيف أراد فلا أراك تفتخر على أحد بعدها. وذكروا أن الحسن بن علي دخل على معاوية فقال متمثلاً: فيم الكلام وقد سبقت مبرِّزاً ... سبق الجواد من المدى والمقيس فقال معاوية: إياي تعني؟ أما والله لأنبئنّك بما يعرفه قلبك ولا ينكره جلساؤك، أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أجودها جوداً وأكرمها جدوداً وأوفاها عهوداً، أنا ابن من ساد قريشاً ناشئاً وكهلاً. فقال الحسن، ﵁: أجل إياك أعني، أفعليّ تفتخر يا معاوية؟ أنا ابن ماء السماء وعروق الثرى وابن من ساد أهل الدنيا بالحسب الثابت والشرف الفائق والقديم السابق، أنا ابن من رضاه رضى الرحمن وسخطه سخط الرحمن، فهل لك أبٌ كأبي وقديم كقديمي؟ فإن قلت لا تُغلب وإن قلت نعم تكذب. فقال معاوية: أقول لا تصديقاً لقولك. فقال الحسن: الحقّ أبلج ما تخون سبيله ... والصدق يعرفه ذوو الألباب تخون أي ما تخون من سلكها، قال: وقال معاوية ذات يوم وعنده أشراف الناس من قريش وغيرهم: أخبروني بخير الناس أباً وأماً وعماً وعمة وخالاً وخالة وجداً وجدة. فقام مالك بن العجلان فأومأ إلى الحسن فقال: ها هوذا أبوه علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم، وأمه فاطمة بنت رسول الله، ﷺ ، وعمه جعفر الطيار في الجنان، وعمته أم هانيء بنت أبي طالب، ﷺ ، وخاله القاسم بن رسول الله، ﷺ ، وخالته بنت رسول الله، ﷺ ، زينب، وجده رسول الله، ﷺ ، وجدته خديجة بنت خويلد، ﵂. فسكت القوم ونهض الحسن، فأقبل عمرو بن العاص على مالك فقال: أحب بني هاشم حملك على أن تكلمت بالباطل؟ فقال ابن العجلان: ما قلت إلا حقاً وما أحد من الناس يطلب مرضاة مخلوق بمعصية الخالق إلا لم يعط أمنيته في دنياه وختم له بالشقاء في آخرته، بنو هاشم أنضرهم عوداً وأوراهم زنداً، كذلك يا معاوية. قال: اللهم نعم.

стр. 39

قيل: واستأذن الحسن بن علي، ﵁، على معاوية وعنده عبد الله ابن جعفر وعمرو بن العاص، فأذن له، فلما أقبل قال عمرو: قد جاءكم الأفَهّ العييّ الذي كان بين لحييه عبلة. فقال عبد الله بن جعفر: مه فوالله لقد رمت صخرة ململمة تنحطّ عنها السيول وتقصر دونها الوعول ولا تبلغها السهام، فإياك والحسن إياك، فإنك لا تزال راتعاً في لحم رجل من قريش ولقد رميت فما برح سهمك وقدحت فما أورى زندك. فسمع الحسن الكلام، فلما أخذ الناس مجالسهم قال: يا معاوية لا يزال عندك عبدٌ راتعاً في لحوم الناس، أما والله لو شئت ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الأمور وتحرّج منه الصدور، ثم أنشأ يقول: أتأمر يا معاويَ عبد سهمٍ ... بشتمي والملا منا شهود إذا أخذت مجالسها قريشٌ ... فقد علمت قريشٌ ما تريد قصدت إليّ تشتمني سفاهاً ... لضغنٍ ما يزول وما يبيد فما لك من أبٍ كأبي تسامي ... به من قد تسامي أو تكيد ولا جدٌّ كجدي يا ابن هندٍ ... رسول الله إن ذكر الجدود ولا أمٌ كأمي من قريشٍ ... إذا ما يحصل الحسب التليد فما مثلي تُهُكِّم يا ابن هندٍ ... ولا مثلي تجاريه العبيد فمهلاً لا تهج منا أموراً ... يشيب لها معاوية الوليد وذكروا أن عمرو بن العاص قال لمعاوية ذات يوم: ابعث إلى الحسن بن علي فمره أن يخطب على المنبر فلعله يحصر فيكون ذلك مما نعيّره به، فبعث إليه معاوية فأصعد المنبر وقد جمع له الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس من عرفني فأنا الذي يُعرف ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب بن عم النبيّ، ﷺ ، أنا ابن البشير النذير السراج المنير، أنا ابن من بعث رحمةً للعالمين وسخطاً على الكافرين، أنا ابن من بعث إلى الجن والإنس، أنا ابن المستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول من ينفض رأسه من التراب، أنا ابن أول من يقرع باب الجنة، أنا ابن من قاتلت معه الملائكة ونصر بالرعب من مسيرة شهر. فافتنّ في هذا الكلام ولم يزل حتى أظلمت الدنيا على معاوية، فقال: يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة ولست هناك. فقال الحسن: إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله، ﷺ ، وعمل بطاعة الله، وليس الخليفة من دان بالجور وعطّل السنن واتخذ الدنيا أباً وأماً، ولكن ذاك ملك أصاب مُلكاً يُمتَّع به قليلاً وكان قد انقطع عنه واستعجل لذّته وبقيت عليه تبعته فكان كما قال الله جل وعز: وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين، ثم انصرف، فقال معاوية لعمرو: والله ما أردت إلا هتكي! ما كان أهل الشام يرون أن أحداً مثلي حتى سمعوا من الحسن ما سمعوا.

стр. 40

قيل: وقدم الحسن بن علي، رضوان الله عليه، على معاوية، فلما دخل عليه وجد عنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وصناديد قومه ووجوه اليمن وأهل الشام، فلما نظر إليه معاوية أقعده على سريره وأقبل عليه بوجهه يريه السرور بمقدمه، فلما نظر مروان إلى ذلك حسده وكان معاوية قال لهم: لا تحاوروا هذين الرجلين فلقد قلدّاكم العار وفضحاكم عند أهل الشام، يعني الحسن بن علي، ﵄، وعبد الله بن العباس، ﵄، فقال مروان: يا حسن لولا حلم أمير المؤمنين وما قد بنى له آباؤه الكرام من المجد والعلاء ما أقعدك هذا المقعد ولقتلك وأنت له مستوجب بقودك الجماهير، فلما أحسست بنا وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام وصناديد بني أمية أذعنت بالطاعة واحتجرت بالبيعة وبعثت تطلب الأمان، أما والله لولا ذلك لأريق دمك، وعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى، فاحمد الله إذ ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه ثم صنع بك ما ترى، فنظر إليه الحسن فقال: ويحك يا مروان لقد تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها والمخاذلة عند مخالطتها، نحن، هَبِلتك الهوابل، لنا الحجج البوالغ ولنا إن شكرتم عليكم النعم السوابغ، ندعوكم إلى النجاة وتدعوننا إلى النار، فشتان ما بين المنزلتين، تفخر ببني أمية وتزعم أنهم صُبّر في الحروب أُسد عند اللقاء، ثكلتك أمك أولئك البهاليل السادة والحماة الذادة والكرام القادة بنو عبد المطلب، أما والله لقد رأيتهم وجميع من في هذا البيت ما هالتهم الأهوال ولم يحيدوا عن الأبطال كالليوث الضاربة الباسلة الحنقة، فعندها ولّيت هارباً وأُخذت أسيراً فقلّدت قومك العار لأنك في الحروب خوّار، أيراق دمي زعمت؟ أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل وأنت تثغو ثغاء النعجة وتنادي بالويل والثبور كالأمة اللكعاء، ألا دفعت عنه بيدٍ أو ناضلت عنه بسهم؟ لقد ارتعدت فرائصك وغشي بصرك فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربه، فأنجيتك من القتل ومنعتك منه ثم تحثّ معاوية على قتلي، ولو رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن عفان، أنت معه أقصر يداً وأضيق باعاً وأجبن قلباً من أن تجسر على ذلك ثم تزعم أني ابتُليت بحلم معاوية، أما والله لهو أعرف بشأنه وأشكر لما ولّيناه هذا الأمر فمتى بدا له فلا يغضينّ جفنه على القذى معك، فوالله لأثخننّ أهل الشام بجيش يضيق عنه فضاؤها ويستأصل فرسانها ثم لا ينفعك عند ذلك الهرب والروغان ولا يردّ عنك الطلب تدريجك الكلام، فنحن ممّن لا يجهل آباؤنا القدماء الأكابر وفروعنا السادة الأخيار، انطق إن كنت صادقاً. فقال عمرو: ينطق بالخنى وتنطق بالصدق. ثم أنشأ يقول: قد يضرط العير والمكواة تأخذه ... لا يضرط العير والمكواة في النار ذق وبال أمرك يا مروان. وأقبل عليه معاوية فقال: قد كنت نهيتك عن هذا الرجل وأنت تأبى إلا انهماكاً فيما لا يعنيك، اربع على نفسك فليس أبوك كأبيه ولا أنت مثله، أنت ابن الطريد الشريد وهو ابن رسول الله، ﷺ ، الكريم، ولكن رُبّ باحث عن حتفه وحافر عن مديته. فقال مروان: ارم من دون بيضتك وقم بحجة عشيرتك. ثم قال لعمرو: طعنك أبوه فوفيت نفسك بخصييك فلذلك تحذّره. وقام مغضباً. فقال معاوية: لا تُجار البحور فتغمرك ولا الجبال فتبهرك واسترح من الاعتذار.
следующие страницы →