← Адаб

Адаб · id 564

المحاسن والمساوئ

إبراهيم البيهقي

Полный текст (254 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يا هذا إنك سألتنا أي مسألة شئت فلم نكتمك شيئاً فأخبرنا ممّن أنت؟ فقال أبو بكر، ﵁: من قريش. قال بخ بخ أهل الشرف والرئاسة، فأخبرني من أي قريش أنت؟ قال: من تميم بن مرّة. قال: أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمّع القبائل من فهر فكان يقال له مجمّع؟ قال أبو بكر: لا. قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف؟ قال أبو بكر: لا. قال: أفمنكم شيبة الحمد الذي كان وجهه قمراً يضيء ليلة الظلمة الداجية مطعم طير السماء؟ قال: لا. قال: أفمن المفيضين بالناس أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال: أما والله لو شئت لأخبرتك أنك لست من أشراف قريش، فاجتذب أبو بكر زمام ناقته منه كهيئة المغضب، فقال الأعرابي: صادف دَرَّ السيل درٌ يدفعه ... في هضبةٍ ترفعه وتضعه فتبسم رسول الله، ﷺ ، قال علي: فقلت: يا أبا بكر إنك لقد وقعت من هذا الأعرابي على باقعة! فقال: أجل يا أبا الحسن ما من طامّة إلا فوقها طامّة وإن البلاء موكّل بالمنطق. محاسن كلام الحسن بن علي ﵁ قيل: وأتى الحسن بن علي، ﵄، معاوية بن أبي سفيان وقد سبقه ابن عباس فأمر معاوية فأنزل، فبينا معاوية مع عمرو بن العاص ومروان ابن الحكم وزياد بن أبي سفيان يتحاورون في قديمهم وحديثهم ومجدهم، فقال معاوية: أكثرتم الفخر فلو حضركم الحسن بن علي وعبد الله بن العباس لقصّرا من أعنّتكما ما طال. فقال زياد: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين، ما يقومان لمروان ابن الحكم في غرب منطقه ولا لنا في بواذخنا؟ فابعث إليهما في غدٍ حتى نسمع كلامهما. فقال معاوية لعمرو: ما تقول؟ قال هذا: فابعث إليهما في غدٍ، فبعث إليهما معاوية ابنه يزيد، فأتياه ودخلا عليه وبدأ معاوية فقال: إني أُجلّكما وأرفع قدركما عن المسامرة بالليل ولا سيما أنت يا أبا محمد فإنك ابن رسول الله، ﷺ ، وسيد شباب أهل الجنة. فتشكّرا له، فلما استويا في مجلسهما وعلم عمرو أن الحدّة ستقع به قال: والله لا بدّ أن أقول فإن قَهرتُ فسبيل ذلك وإن قُهرتُ أكون قد ابتدأت. فقال: يا حسن إنا تفاوضنا فقلنا إن رجال بني أمية أصبر عند اللقاء وأمضى في الوغى وأوفى عهداً وأكرم خيماً وأمنع لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلب. ثم تكلم مروان فقال: وكيف لا تكون كذلك وقد قارعناكم فغلبناكم، وحاربناكم فملكناكم، فإن شئنا عفونا وإن شئنا بطشنا. ثم تكلم زياد فقال: ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله ويجحدوا الخير في مظانّه، نحن أهل الحملة في الحروب ولنا الفضل على سائر الناس قديماً وحديثاً. فتكلم الحسن، ﵁، فقال: ليس من العجز أن يصمت الرجل عند إيراد الحجة ولكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا ويصوّر الباطل بصورة الحق. يا عمرو أفتخاراً بالكذب وجراءة على الإفك! ما زلت أعرف مثالبك الخبيثة أبديها مرة وأمسك عنها أخرى فتأبى إلا انهماكاً في الضلالة، أتذكر مصابيح الدجى وأعلام الهدى وفرسان الطراد وحتوف الأقران وأبناء الطعان وربيع الضيفان ومعدن النبوة ومهبط العلم وزعمتم أنكم أحمى لما وراء ظهوركم وقد تبين ذلك يوم بدر حين نكصت الأبطال وتساورت الأقران واقتحمت الليوث واعتركت المنيّة وقامت رحاؤها على قطبها وفرّت عن نابها وطار شرار الحرب فقتلنا رجالكم ومنّ النبيّ، ﷺ ، على ذراريكم فكنتم لعمري في هذا اليوم غير مانعين لما وراء ظهوركم من بني عبد المطلب! ثم قال: وأما أنت يا مروان فما أنت والإكثار في قريش وأنت طليق وأبوك طريد يتقلّب من خزاية إلى سوءة ولقد جيء بك إلى أمير المؤمنين، فلما رأيت الضّرغام قد دميت براثنه واشتبكت أنيابه كنت كما قال: ليثٌ إذا سمع الليوث زئيرهُ ... بصبصنَ ثم قذفن بالأبعار ويروى رمين بالأبعار.

стр. 37

فلما منّ عليك بالعفو وأرخى خناقك بعدما ضاق عليك وغصِصت برِيقكَ لا تقعد معنا مقعد أهل الشكر ولكن تساوينا وتجارينا ونحن ممّن لا يدركنا عار ولا يلحقنا خزاية! ثم التفت إلى زياد فقال: وما أنت يا زياد وقريشاً لا أعرف لك فيها أديماً صحيحاً ولا فرعاً نابتاً ولا قديماً ثابتاً ولا منبتاً كريماً بل كانت أمّك بغيّاً تداولها رجال قريش وفجّار العرب فلما ولدت لم تعرف لك العرب والداً فادّعاك هذا، يعني معاوية، بعد ممات أبيه، ما لك افتخار تكفيك سُميّة ويكفينا رسول الله، ﷺ ، وأبي علي بن أبي طالب سيد المؤمنين الذي لم يرتد على عقبيه وعمي حمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار وأنا وأخي سيدا شباب أهل الجنة! ثم التفت إلى ابن عباس فقال: يا ابن العم إنما هي بغاث الطير انقضّ عليها أجدل. فأراد ابن عباس أن يتكلم فأقسم عليه معاوية أن يكف فكفّ ثم خرجا، فقال معاوية: أجاد عمرو الكلام لولا أن حجته دحضت وتكلم مروان لولا أنه نكص. ثم التفت إلى زياد وقال: ما دعاك إلى محاورته؟ ما كنت إلا كالحجل في كف البازي، فقال عمرو: ألاّ رميت من ورائنا؟ قال معاوية: إذاً كنت شريككم في الجهل، أفاخر رجلاً رسول الله جده وهو سيد من مضى ومن بقي وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين؟ ثم قال لعمرو: والله لئن سمع به أهل الشام لهي السوءة السَّوآء. فقال عمرو: لقد أبقى عليك ولكنه طحن مروان طحن الرحى بثفالها ووطئها وطء البازل القُراد بمنسِمه. فقال زياد: قد والله فعل ولكن معاوية يأبى إلا الإغراء بيننا وبينهم، لا جرم والله لا شهدت مجلساً يكونان فيه إلا كنت معهما على من فاخرهما. فخلا ابن عباس بالحسن فقبّل بين عينيه وقال: أفديك يا ابن عم، والله ما زال بحرك يزخر وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا. ثم إن الحسن، ﵁، غاب أياماً ثم رجع حتى دخل على معاوية وعنده عبد الله بن الزبير، فقال معاوية: يا أبا محمد إني أظنك تعباً نصباً فأتِ المنزل فأرح نفسك فيه. فقام الحسن، فلما خرج قال معاوية لعبد الله بن الزبير: لو افتخرت على الحسن فإنك ابن حواري رسول الله، ﷺ ، وابن عمته ولأبيك في الإسلام نصيب وافر. فقال ابن الزبير: أنا له! فرجع وهو يطلب ليلته الحجج، فلما أصبح دخل على معاوية، وجاء الحسن فحيّاه معاوية وسأله عن مبيته فقال: خير مبيت وأكرم مستفاض. فلما استوى في مجلسه قال ابن الزبير: لولا أنك خوّار في الحرب غير مقدام ما سلّمتَ لمعاوية الأمر وكنت لا تحتاج إلى اختراق السهوب وقطع المفاوز تطلب معروفه وتقوم ببابه، وكنت حريّاً أن لا تفعل ذلك وأنت ابن علي في بأسه ونجدته، فما أدري ما الذي حملك على ذلك، أضعف رأيٍ أم وهن نحيزة، فما أظن لك مخرجاً من هاتين الخلتين، أما والله لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أني ابن الزبير وأني لا أنكص عن الأبطال، وكيف لا أكون كذلك وجدّتي صفية بنت عبد المطلب وأبي الزبير حواريّ رسول الله، ﷺ ، وأشد الناس بأساً وأكرمهم حسباً في الجاهلية وأطوعهم لرسول الله، ﷺ ؟ فالتفت إليه الحسن وقال: أما والله لولا أن بني أمية تنسبني إلى العجز عن المقال لكففت عنك تهاوناً، واكن سأبين ذلك لك لتعلم أني لست بالعيّ ولا الكليل اللسان، إياي تعيّر وعليّ تفتخر ولم يكن لجدك بيت في الجاهلية ولا مكرمة فزوّجتْه جدتي صفية بنت عبد المطلب فبذخ على جميع العرب بها وشرف بمكانها، فكيف تفاخر من هو من القلادة واسطتها ومن الأشراف سادتها؟ نحن أكرم أهل الأرض زنداً، لنا الشرف الثاقب والكرم الغالب، ثم تزعم أني سلّمت الأمر لمعاوية، فكيف يكون ذلك ويحك كذلك وأنا ابن أشجع العرب وقد ولدتْني فاطمة سيدة نساء العالمين وخير الإماء؟ لم أفعل ذلك ويحك جُنباً ولا ضُعفاً ولكنه بايعني مثلك وهو يطلبني بِبرّة ويداجيني المودة ولم أثق بنصرته لأنكم أهل بيت غدر، وكيف لا يكون كما أقول وقد بايع أبوك أمير المؤمنين ثم نكث بيعته ونكص على عقبيه واختدع حشية من حشايا رسول الله، ﷺ ، ليضلّ بها الناس، فلما دلف نحو الأعنّة ورأى بريق الأسنّة قُتل مَضيعةً لا نَاصر له وأُتي بك أسيراً قد وطئتك الكماة بأظلافها والخيل بسنابكها واعتلاك الأشتر فغصصت بريقك وأقعيت على عقبيك كالكلب إذا احتوشته الليوث؟ فنحن

стр. 38

ويحك نور البلاد وأملاكها وبنا تفخر الأمة وإلينا تُلقى مقاليد الأزمّة، أنصول وأنت تختدع النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء؟ لم تزل الأقاويل منّا مقبولةً وعليك وعلى أبيك مردودةً، دخل الناس في دين جدّي طائعين وكارهين ثم بايعوا أمير المؤمنين، ﵁، فسار إلى أبيك وطلحة حين نكثا البيعة وخدعا عرس رسول الله، ﷺ ، فقتل أبوك وطلحة وأُتي بك أسيراً، فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي وأنا سيدك وسيد أبيك، فذق وبال أمرك! فقال ابن الزبير: اعذر يا أبا محمد فإنما حملني على محاورتك هذا وأحب الإغراء بيننا فهلاّ إذ جهلت أمسكت عني فإنكم أهل بيت سجيّتكم الحلم والعفو! فقال الحسن: يا معاوية انظر هل أكيع عن محاورة أحد، ويحك أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي؟ انتَه قبل أن أسمك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان، فقال ابن الزبير: هو لذلك أهل. فقال معاوية: أما إنه قد شفى بلابل صدري منك ورمى مقتلك فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب بك كيف أراد فلا أراك تفتخر على أحد بعدها. ويحك نور البلاد وأملاكها وبنا تفخر الأمة وإلينا تُلقى مقاليد الأزمّة، أنصول وأنت تختدع النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء؟ لم تزل الأقاويل منّا مقبولةً وعليك وعلى أبيك مردودةً، دخل الناس في دين جدّي طائعين وكارهين ثم بايعوا أمير المؤمنين، ﵁، فسار إلى أبيك وطلحة حين نكثا البيعة وخدعا عرس رسول الله، ﷺ ، فقتل أبوك وطلحة وأُتي بك أسيراً، فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي وأنا سيدك وسيد أبيك، فذق وبال أمرك! فقال ابن الزبير: اعذر يا أبا محمد فإنما حملني على محاورتك هذا وأحب الإغراء بيننا فهلاّ إذ جهلت أمسكت عني فإنكم أهل بيت سجيّتكم الحلم والعفو! فقال الحسن: يا معاوية انظر هل أكيع عن محاورة أحد، ويحك أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي؟ انتَه قبل أن أسمك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان، فقال ابن الزبير: هو لذلك أهل. فقال معاوية: أما إنه قد شفى بلابل صدري منك ورمى مقتلك فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب بك كيف أراد فلا أراك تفتخر على أحد بعدها. وذكروا أن الحسن بن علي دخل على معاوية فقال متمثلاً: فيم الكلام وقد سبقت مبرِّزاً ... سبق الجواد من المدى والمقيس فقال معاوية: إياي تعني؟ أما والله لأنبئنّك بما يعرفه قلبك ولا ينكره جلساؤك، أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أجودها جوداً وأكرمها جدوداً وأوفاها عهوداً، أنا ابن من ساد قريشاً ناشئاً وكهلاً. فقال الحسن، ﵁: أجل إياك أعني، أفعليّ تفتخر يا معاوية؟ أنا ابن ماء السماء وعروق الثرى وابن من ساد أهل الدنيا بالحسب الثابت والشرف الفائق والقديم السابق، أنا ابن من رضاه رضى الرحمن وسخطه سخط الرحمن، فهل لك أبٌ كأبي وقديم كقديمي؟ فإن قلت لا تُغلب وإن قلت نعم تكذب. فقال معاوية: أقول لا تصديقاً لقولك. فقال الحسن: الحقّ أبلج ما تخون سبيله ... والصدق يعرفه ذوو الألباب تخون أي ما تخون من سلكها، قال: وقال معاوية ذات يوم وعنده أشراف الناس من قريش وغيرهم: أخبروني بخير الناس أباً وأماً وعماً وعمة وخالاً وخالة وجداً وجدة. فقام مالك بن العجلان فأومأ إلى الحسن فقال: ها هوذا أبوه علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم، وأمه فاطمة بنت رسول الله، ﷺ ، وعمه جعفر الطيار في الجنان، وعمته أم هانيء بنت أبي طالب، ﷺ ، وخاله القاسم بن رسول الله، ﷺ ، وخالته بنت رسول الله، ﷺ ، زينب، وجده رسول الله، ﷺ ، وجدته خديجة بنت خويلد، ﵂. فسكت القوم ونهض الحسن، فأقبل عمرو بن العاص على مالك فقال: أحب بني هاشم حملك على أن تكلمت بالباطل؟ فقال ابن العجلان: ما قلت إلا حقاً وما أحد من الناس يطلب مرضاة مخلوق بمعصية الخالق إلا لم يعط أمنيته في دنياه وختم له بالشقاء في آخرته، بنو هاشم أنضرهم عوداً وأوراهم زنداً، كذلك يا معاوية. قال: اللهم نعم.

стр. 39

قيل: واستأذن الحسن بن علي، ﵁، على معاوية وعنده عبد الله ابن جعفر وعمرو بن العاص، فأذن له، فلما أقبل قال عمرو: قد جاءكم الأفَهّ العييّ الذي كان بين لحييه عبلة. فقال عبد الله بن جعفر: مه فوالله لقد رمت صخرة ململمة تنحطّ عنها السيول وتقصر دونها الوعول ولا تبلغها السهام، فإياك والحسن إياك، فإنك لا تزال راتعاً في لحم رجل من قريش ولقد رميت فما برح سهمك وقدحت فما أورى زندك. فسمع الحسن الكلام، فلما أخذ الناس مجالسهم قال: يا معاوية لا يزال عندك عبدٌ راتعاً في لحوم الناس، أما والله لو شئت ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الأمور وتحرّج منه الصدور، ثم أنشأ يقول: أتأمر يا معاويَ عبد سهمٍ ... بشتمي والملا منا شهود إذا أخذت مجالسها قريشٌ ... فقد علمت قريشٌ ما تريد قصدت إليّ تشتمني سفاهاً ... لضغنٍ ما يزول وما يبيد فما لك من أبٍ كأبي تسامي ... به من قد تسامي أو تكيد ولا جدٌّ كجدي يا ابن هندٍ ... رسول الله إن ذكر الجدود ولا أمٌ كأمي من قريشٍ ... إذا ما يحصل الحسب التليد فما مثلي تُهُكِّم يا ابن هندٍ ... ولا مثلي تجاريه العبيد فمهلاً لا تهج منا أموراً ... يشيب لها معاوية الوليد وذكروا أن عمرو بن العاص قال لمعاوية ذات يوم: ابعث إلى الحسن بن علي فمره أن يخطب على المنبر فلعله يحصر فيكون ذلك مما نعيّره به، فبعث إليه معاوية فأصعد المنبر وقد جمع له الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس من عرفني فأنا الذي يُعرف ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب بن عم النبيّ، ﷺ ، أنا ابن البشير النذير السراج المنير، أنا ابن من بعث رحمةً للعالمين وسخطاً على الكافرين، أنا ابن من بعث إلى الجن والإنس، أنا ابن المستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول من ينفض رأسه من التراب، أنا ابن أول من يقرع باب الجنة، أنا ابن من قاتلت معه الملائكة ونصر بالرعب من مسيرة شهر. فافتنّ في هذا الكلام ولم يزل حتى أظلمت الدنيا على معاوية، فقال: يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة ولست هناك. فقال الحسن: إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله، ﷺ ، وعمل بطاعة الله، وليس الخليفة من دان بالجور وعطّل السنن واتخذ الدنيا أباً وأماً، ولكن ذاك ملك أصاب مُلكاً يُمتَّع به قليلاً وكان قد انقطع عنه واستعجل لذّته وبقيت عليه تبعته فكان كما قال الله جل وعز: وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين، ثم انصرف، فقال معاوية لعمرو: والله ما أردت إلا هتكي! ما كان أهل الشام يرون أن أحداً مثلي حتى سمعوا من الحسن ما سمعوا.

стр. 40

قيل: وقدم الحسن بن علي، رضوان الله عليه، على معاوية، فلما دخل عليه وجد عنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وصناديد قومه ووجوه اليمن وأهل الشام، فلما نظر إليه معاوية أقعده على سريره وأقبل عليه بوجهه يريه السرور بمقدمه، فلما نظر مروان إلى ذلك حسده وكان معاوية قال لهم: لا تحاوروا هذين الرجلين فلقد قلدّاكم العار وفضحاكم عند أهل الشام، يعني الحسن بن علي، ﵄، وعبد الله بن العباس، ﵄، فقال مروان: يا حسن لولا حلم أمير المؤمنين وما قد بنى له آباؤه الكرام من المجد والعلاء ما أقعدك هذا المقعد ولقتلك وأنت له مستوجب بقودك الجماهير، فلما أحسست بنا وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام وصناديد بني أمية أذعنت بالطاعة واحتجرت بالبيعة وبعثت تطلب الأمان، أما والله لولا ذلك لأريق دمك، وعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى، فاحمد الله إذ ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه ثم صنع بك ما ترى، فنظر إليه الحسن فقال: ويحك يا مروان لقد تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها والمخاذلة عند مخالطتها، نحن، هَبِلتك الهوابل، لنا الحجج البوالغ ولنا إن شكرتم عليكم النعم السوابغ، ندعوكم إلى النجاة وتدعوننا إلى النار، فشتان ما بين المنزلتين، تفخر ببني أمية وتزعم أنهم صُبّر في الحروب أُسد عند اللقاء، ثكلتك أمك أولئك البهاليل السادة والحماة الذادة والكرام القادة بنو عبد المطلب، أما والله لقد رأيتهم وجميع من في هذا البيت ما هالتهم الأهوال ولم يحيدوا عن الأبطال كالليوث الضاربة الباسلة الحنقة، فعندها ولّيت هارباً وأُخذت أسيراً فقلّدت قومك العار لأنك في الحروب خوّار، أيراق دمي زعمت؟ أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل وأنت تثغو ثغاء النعجة وتنادي بالويل والثبور كالأمة اللكعاء، ألا دفعت عنه بيدٍ أو ناضلت عنه بسهم؟ لقد ارتعدت فرائصك وغشي بصرك فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربه، فأنجيتك من القتل ومنعتك منه ثم تحثّ معاوية على قتلي، ولو رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن عفان، أنت معه أقصر يداً وأضيق باعاً وأجبن قلباً من أن تجسر على ذلك ثم تزعم أني ابتُليت بحلم معاوية، أما والله لهو أعرف بشأنه وأشكر لما ولّيناه هذا الأمر فمتى بدا له فلا يغضينّ جفنه على القذى معك، فوالله لأثخننّ أهل الشام بجيش يضيق عنه فضاؤها ويستأصل فرسانها ثم لا ينفعك عند ذلك الهرب والروغان ولا يردّ عنك الطلب تدريجك الكلام، فنحن ممّن لا يجهل آباؤنا القدماء الأكابر وفروعنا السادة الأخيار، انطق إن كنت صادقاً. فقال عمرو: ينطق بالخنى وتنطق بالصدق. ثم أنشأ يقول: قد يضرط العير والمكواة تأخذه ... لا يضرط العير والمكواة في النار ذق وبال أمرك يا مروان. وأقبل عليه معاوية فقال: قد كنت نهيتك عن هذا الرجل وأنت تأبى إلا انهماكاً فيما لا يعنيك، اربع على نفسك فليس أبوك كأبيه ولا أنت مثله، أنت ابن الطريد الشريد وهو ابن رسول الله، ﷺ ، الكريم، ولكن رُبّ باحث عن حتفه وحافر عن مديته. فقال مروان: ارم من دون بيضتك وقم بحجة عشيرتك. ثم قال لعمرو: طعنك أبوه فوفيت نفسك بخصييك فلذلك تحذّره. وقام مغضباً. فقال معاوية: لا تُجار البحور فتغمرك ولا الجبال فتبهرك واسترح من الاعتذار.

стр. 41

قيل: ولقي عمرو بن العاص الحسن بن علي، ﵀، في الطواف فقال: يا حسن أزعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك؟ فقد رأيت الله جل وعز أقامه بمعاوية فجعله راسياً بعد ميله وبيّناً بعد خفائه. أفرضي الله قتل عثمان أم من الحق أن تدور بالبيت كما يدور الجمل بالطحين؟ عليك ثياب كغِرْقىء البيض وأنت قاتل عثمان، والله إنه لألمّ للشعث وأسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك. فقال الحسن، ﵇: إن لأهل النار علامات يُعرفون بها وهي الإلحاد لأولياء الله والموالاة لأعداء الله. والله إنك لتعلم أن علياً، ﵁ ، لم يتريّب في الأمر ولم يشكّ في الله طرفة عينٍ. وايم الله لتنتهينّ يا ابن أم عمرو أو لأقرعنّ جبينك بكلام تبقى سمته عليك ما حييت! فإياك والإبراز عليّ فإني من قد عرفت لست بضعيف الغمزة ولا بهشّ المشاشة ولا بمريء المأكلة، وإني من قريش كأوسط القلادة، يُعرف حسبي ولا أدّعي لغير أبي، وقد تحاكمت فيك رجال قريش فغلب عليك ألأمهم نسباً وأظهرهم لعنة، فإياك عني فإنك رجس، وإنما نحن بيت الطهارة، أذهب الله عنّا الرجس وطهرنا تطهيراً. قيل: واجتمع الحسن بن علي وعمرو بن العاص فقال الحسن: قد علمت قريش بأسرها أني منها في عزّ أرومتها لم أُطبع على ضعف ولم أُعكس على خسف، أُعرف بشبهي وأدّعي لأبي. فقال عمرو: قد علمت قريش أنك من أقلها عقلاً وأكثرها جهلاً، وأنّ فيك خصالاً لو لم يكن فيك إلا واحدة منهنّ لشملك خزيها كما اشتمل البياض الحالك، لعمر الله لتنتهينّ عما أراك تصنع أو لأكبسن لك حافة كجلد العائط أرميك من خللها بأحرّ من وقع الأثافي أعرك منها أديمك عرك السلعة، فإنك طالما ركبت صعب المنحدر ونزلت في عراض الوعر التماساً للفرقة وإرصاداً للفتنة ولن يزيدك الله فيها إلا فظاعة. فقال الحسن، ﵇: أما والله لو كنت تسمو بحسبك وتعمل برأيك ما سلكت فجّ قصدٍ ولا حللت رابية مجدٍ. وايم الله لو أطاعني معاوية لجعلك بمنزلة العدو الكاشح، فإنه طالما طويت على هذا كشحك وأخفيته في صدرك وطمح بك الرجاء إلى الغاية القصوى التي لا يورق بها غصنك ولا يخضرّ لها مرعاك. أما والله ليوشكنّ يا ابن العاص أن تقع بين لحيي ضرغام من قريش قويّ متمنّع فروسٍ ذي لبد يضغطك ضغط الرحى للحب لا ينجيك منه الرّوَغان إذا التقت حلقتا البطان. محاسن كلام عبد الله بن العباس ﵁ أبو المنذر عن أبيه عن الشعبي عن ابن عباس أنه دخل المسجد وقد سار الحسين بن علي، ﵁، إلى العراق فإذا هو بابن الزبير في جماعة من قريش قد استعلاهم بالكلام، فجاء ابن عباس حتى ضرب بيده بين عضدي ابن الزبير وقال: أصبحت والله كما قال الأول: يا لك من حمَّرةٍ بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقّري ما شئت أن تنقّري ... قد رُفع الفخُّ فماذا تحذري خلت الحجاز من الحسين بن علي وأقبلت تهدر في جوانبها. فغضب ابن الزبير وقال: والله إنك لترى أنك أحق بهذا الأمر من غيرك. فقال ابن عباس: إنما يرى من كان في حال شكّ وأنا من ذاك على يقين. فقال: وبأي شيء تحقّق عندك أنك أحقّ بهذا الأمر مني؟ قال ابن عباس: لأنا أحقّ ممّن يدلّ بحقّه، وبأي شيء تحقق عندك أنك أحق بها من سائر العرب إلا بنا؟ فقال ابن الزبير: تحقق عندي أني أحقّ بها منكم لشرفي عليكم قديماً وحديثاً. فقال: أنت أشرف أم من قد شرفت به؟ فقال: إن من شرفت به زادني شرفاً إلى شرف قد كان لي قديماً وحديثاً. قال: أفمنّي الزيادة أم منك؟ قال: بل منك. فتبسم ابن عباس، فقال: يا ابن عباس دعني من لسانك هذا الذي تقلّبه كيف شئت، والله لا تحبّوننا يا بني هاشم أبداً. قال ابن عباس: صدقت، نحن أهل بيت مع الله لا نحب من أبغضه الله تعالى. فقال: يا ابن عباس ما ينبغي لك أن تصفح عن كلمة واحدة؟ قال: إنما أصفح عمّن أقرّ وأما عمّن هرّ فلا، والفضل لأهل الفضل. قال ابن الزبير: فأين الفضل؟ قال: عندنا أهل البيت لا تصرفه عن أهله فتظلم ولا تضعه في غير أهله فتندم. قال ابن الزبير: أفلست من أهله؟ قال: بلى إن نبذت الحسد ولزمت الجدد. وانقضى حديثهما، وقام القوم فتفرقوا.

стр. 42

وروي عن ابن عباس أنه قال: قدمت على معاوية وقد قعد على سريره وجمع أصحابه ووفود العرب عنده، فدخلت فسلّمت وقعدت، فقال: من الناس يا ابن عباس؟ فقلت: نحن. قال: فإذا غبتم؟ قلت: فلا أحد. قال: ترى أني قعدت هذا المقعد بكم؟ قلت: نعم، فبمن قعدت؟ قال: بمن كان مثل حرب بن أمية. قلت: من أكفأ عليه إناءه وأجاره بردائه. قال فغضب وقال: وارِ شخصك مني شهراً فقد أمرت لك بصلتك وأضعفتها لك. فلما خرج ابن عباس قال لخاصته: ألا تسألوني ما الذي أغضب معاوية؟ إنه لم يلتق أحد من رؤساء قريش في عقبة ولا مضيق مع قوم إلا لم يتقدمه أحد حتى يجوزه، فالتقى حرب بن أمية مع رجل من بني تميم في عقبة فتقدمه التميمي، فقال حرب: أنا حرب بن أمية، فلم يلتفت إليه وجازه، فقال: موعدك مكة. فبقي التميمي دهراً ثم أراد دخول مكة فقال: من يجيرني من حرب بن أمية؟ فقالوا: عبد المطلب. قال: عبد المطلب أجلّ قدراً من أن يجير على حرب، فأتى ليلاً دار الزبير بن عبد المطلب فدقّ عليه، فقال الزبير للغيداق: قد جاءنا رجل إمّا طالب حاجة وإما طالب قرىً وإما مستجير وقد أعطيناه ما أراد قال: فخرج إليه الزبير، فقال التميمي: لاقيت حرباً في الثنيّة مقبلاً ... والصبح أبلج ضوءه للساري فدعاً بصوتٍ واكتنى ليروعني ... ودعا بدعوته يريد فخاري فتركته كالكلب ينبح وحده ... وأتيت أهل معالمٍ وفخار ليثاً هزبراً يُستجار بقربه ... رحب المباءة مكرماً للجار ولقد حلفت بزمزمٍ وبمكةٍ ... والبيت ذي الأحجار والأستار إن الزبير لمانعي من خوفه ... ما كبّر الحجاج في الأمصار فقال: تقدّم فإنا لا نتقدّم من نُجيره. فتقدم التميمي فدخل المسجد، فرآه حرب فقام إليه فلطمه، فحمل عليه الزبير بالسيف فعدا حتى دخل دار عبد المطلب فقال: أجرني من الزبير، فأكفأ عليه جفنةً كان هاشم يطعم فيها الناس، فبقي هناك ساعة ثم قال له: اخرج. فقال: كيف أخرج وتسعة من ولدك قد احتبوا بسيوفهم على الباب؟ فألقى عليه رداء كان كساه إياه سيف بن ذي يزن له طرتان خضراوان، فخرج عليهم فعلموا أنه قد أجاره فتفرقوا عنه. قال: وحضر مجلس معاوية عبد الله بن عباس وابن العاص، فأقبل عبد الله بن جعفر فلما نظر إليه ابن العاص قال: قد جاءكم رجل كثير الخلوات بالتمني والطربات بالتغني، محبّ للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، صدوفٌ عن السنان، ظاهر الطيش، لين العيش، أخّاذ بالسلف، منفاق بالسرف. فقال ابن عباس: كذبت والله أنت وليس كما ذكرت، ولكنه لله ذكور، ولنعمائه شكور، وعن الخنا زجور، جواد كريم، سيد حليم، ماجد لهميمٌ، إن ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب، غير حصر ولا هيّاب، ولا فحاش عيّاب، حلّ من قريش في كريم النصاب، كالهزبر الضرغام، الجريء المقدام، في الحسب القمقام، ليس يدّعي لدعيّ، ولا يدني لدنيّ، كمن اختصم فيه من قريش شرارها فغلب عليه جزّارها، فأصبح ألأمها حسباً وأدناها منصباً، ينوء منها بالذليل ويأوي منها إلى القليل، يتذبذب بين الحيين كالساقط بين الفراشين، لا المضطر إليهم عرفوه ولا الظاعن عنهم فقدوه، وليت شعري بأي قدم تتعرض للرجال وبأي حسب تبارز عند النضال، أبنفسك فأنت الوغد الزنيم أم بمن تنتمي إليه، فأهل السفه والطيش والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهلية شهروا، ولا بقديم في الإسلام ذكروا، غير أنك تتكلم بغير لسانك، وتنطق بغير أزكانك، والله لكان أبين للفضل وأطهر للعدوان أن ينزلك معاوية منزلة البعيد السحيق، فإنه طالما سلس داؤك، وطمح بك رجاؤك إلى الغاية القصوى التي لم يخضرّ بها رعيك ولم يورق بها غصنك. قال عبد الله بن جعفر: أقسمت عليك لما أمسكت فإنك عني ناضلت ولي فاوضت. قال ابن عباس: دعني والعبد فإنه قد كان يهدر خالياً إذ لا يجد مرامياً، وقد أُتيح له ضيغم شرس، وللأقران مفترس، وللأرواح مختلس. فقال عمرو بن العاص: دعني يا أمير المؤمنين انتصف منه فوالله ما ترك شيئاً. قال ابن عباس: دعه فلا يُبقي المبقي إلا على نفسه، فوالله إن قلبي لشديد، وإن جوابي لعتيد، وبالله الثقة، فإني كما قال نابغة بني ذبيان: وقبلك ما قُذعتُ وقاذعوني ... فما نزر الكلام ولا شجاني

стр. 43

يصدّ الشاعر العرّاف عني ... صدود البكر عن قرمٍ هجان محاسن كلام غانمة بنت غانم في شرف بني هاشم وفخرهم قيل: ولما بلغ غانمة بنت غانم سبّ معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم قالت لأهل مكة: أيها الناس إن قريشاً لم تلد من رَقم ولا رُقم، سادت وجادت، وملّكت فملكت، وفُضّلت ففضلت، واصطُفيَت فاصطفت، ليس فيها كدر عيب ولا أفن ريب، ولا حشروا طاغين ولا حادوا نادمين، ولا المغضوب عليهم ولا الضالين، إن بني هاشم أطول الناس باعاً وأمجد الناس أصلاً وأحلم الناس حلماً وأكثر الناس عطاء، منّا عبد مناف الذي يقول فيه الشاعر: كانت قريشٌ بيضةً فتفلّقت ... فالمخ خالصها لعبد مناف وولده هاشم الذي هشم الثريد لقومه، وفيه يقول الشاعر: هشم الثريد لقومه وأجارهم ... ورجال مكة مسنتون عجاف ثم منا عبد المطلب الذي سُقينا به الغيث، وفيه يقال الشاعر: ونحن سنيَّ المحْل قام شفيعنا ... بمكة يدعو والمياه تغور وابنه أبو طالب عظيم قريش، وفيه يقول الشاعر: آتيته ملكاً فقام بحاجتي ... وترى العليّج خائباً مذموما ومنا العباس بن عبد المطلب أردفه رسول الله، ﷺ ، فأعطاه ماله، وفيه يقول الشاعر: رديف رسول الله لم أر مثله ... ولا مثله حتى القيامة يوجد ومنا حمزة سيد الشهداء، وفيه يقول الشاعر: أبا يعلى لك الأركان هدّت ... وأنت الماجد البرُّ الوصول ومنا جعفر ذو الجناحين أحسن الناس حسناً وأكملهم كمالاً، ليس بغدّارٍ ولا ختار، بدّله الله جل وعز له بكل يد له جناحاً يطير به في الجنة، وفيه يقول الشاعر: هاتوا كجعفرنا الطيار أو كعليّنا ... أليسا أعزَّ الناس عند الخلائق ومنا أبو الحسن علي بن أبي طالب، ﵁، أفرس بني هاشم وأكرم من احتفى وتنعّل بعد رسول الله، ﷺ ، ومن فضائله ما قصُر عنكم أنباؤها، وفيه يقول الشاعر: وهذا عليٌّ سيد الناس فاتقوا ... علياً بإسلام تقدم من قبل ومنا الحسن بن علي، ﵁، سبط رسول الله، ﷺ ، وسيد شباب أهل الجنة، وفيه يقول الشاعر: ومن يك جده حقاً نبياً ... فإن له الفضيلة في الأنام ومنا الحسين بن علي، رضوان الله عليه، حمله جبريل، ﵇، على عاتقه وكفى بذلك فخراً، وفيه يقول الشاعر: نفى عنه عيب الآدمييّن ربه ... ومن مجده مجد الحسين المطهَّر

стр. 44

ثم قالت: يا معشر قريش والله ما معاوية بأمير المؤمنين ولا هو كما يزعم، هو والله شانيء رسول الله، ﷺ ، إني آتية معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينه ويكثر منه عويله. فكتب عامل معاوية إليه بذلك، فلما بلغه أن غانمة قد قربت منه أمر بدار ضيافة فنظّفت وألقي فيها فرش، فلما قربت من المدينة استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه، فلما دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم فقال لها يزيد: إن أبا عبد الرحمن يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته، وكانت لا تعرفه، فقالت: من أنت كلأك الله؟ قال: يزيد بن معاوية. قالت: فلا رعاك الله يا ناقص لست بزائد، فتمعّر لون يزيد، فأتى أباه فأخبره، فقال: هي أسنّ قريش وأعظمهم. فلما قال يزيد: كم تعدّ لها يا أمير المؤمنين؟ قال: كانت تعدّ على رسول الله، ﷺ ، أربعمائة عام وهي من بقية الكرام. فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلّم عليها، فقالت: على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان. ثم قالت: من منكم ابن العاص؟ قال عمرو: ها أنا ذا. فقالت: وأنت تسبّ قريشاً وبني هاشم وأنت أهل السب وفيك السبّ وإليك يعود السبّ يا عمرو، إني والله لعارفة بعيوبك وعيوب أمك وإني أذكر لك ذلك عيباً عيبا. ولدت من أمة سوداء مجنونة حمقاء تبول من قيام ويعلوها اللئام، إذا لامسها الفحل كانت نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يوم واحد أربعون رجلاً، وأما أنت فقد رأيتك غاوياً غير راشد ومفسداً غير صالح، ولقد رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت، وأما أنت يا معاوية فما كنت في خير ولا ربيت في خير فما لك ولبني هاشم، أنساء بني أمية كنسائهم أم أعطى أمية ما أعطى هاشم في الجاهلية والإسلام؟ وكفى فخراً برسول الله، ﷺ . فقال معاوية: أيتها الكبيرة أنا كافٌّ عن بني هاشم. قالت: فإني أكتب عليك عهداً، كان رسول الله، ﷺ ، دعا ربه أن يستجيب لي خمس دعوات فأجعل تلك الدعوات كلها فيك. فخاف معاوية وحلف لها أن لا يسبّ بني هاشم أبداً. فهذا آخر ما كان بين معاوية وبني هاشم من المفاخرة، والله أعلم. محاسن مجالس أبي العباس السفاح في المفاخرة

стр. 45

قيل: كان أبو العباس يطيل السهر ويعجبه الفصاحة ومنازعة الرجال، فسهر ذات ليلة وعنده أناس من مضر وفهر وفيهم خالد بن صفوان بن الأهتم التميميّ وناس من اليمن فيهم إبراهيم بن مخرمة الكندي، فقال أبو العباس: هاتوا واقطعوا ليلتنا بمحادثتكم. فبدأ إبراهيم بن مخرمة وقال: يا أمير المؤمنين إن إخوالكم هم الناس وهم العرب الأول الذين دانت لهم الدنيا وكانت لهم اليد العليا، ما زالوا ملوكاً وأرباباً، توارثوا الرئاسة كابراً عن كابر وآخراً عن أول، يلبس آخرهم سرابيل أولهم، يعرفون بيت المجد ومآثر الحمد، منهم النعمانات والمنذرات والقابوسات، ومنهم غسيل الملائكة، ومنهم من اهتز لموته العرش، ومنهم مكلّم الذئب، ومنهم من كان يأخذ كل سفينة غصباً ويحوي في كل نائبة نهباً، ومنهم أصحاب التيجان وكماة الفرسان، ليس من شيء وإن عظم خطره وعرف أثره من فرس رائع وسيف قاطع أو مجنٍّ واق أو درع حصين أو درّة مكنونة إلا وهم أربابها وأصحابها، إن حلّ ضيف أقروه، وإن سألهم سائل أعطوه، لا يبلغهم مكاثر ولا يطاولهم مطاول ولا مفاخر، فمن مثلهم يا أمير المؤمنين؟ البيت يمانٍ والحجر يمان والركن يمان والسيف يمان. فقال أبو العباس: ما أرى مضر تقول بقولك هذا وما أظن خالداً يرضى بذلك. فقال خالد: إن أذن أمير المؤمنين وأمنت المواخذة تكلمت. فقال أبو العباس: تكلم ولا ترهب أحداً. فقال خالد: يا أمير المؤمنين خاب المتكلم وأخطأ المتقحّم إذ قال بغير علم ونطق بغير صواب، أوَيفخر على مضر ومنها النبي، ﷺ ، والخلفاء من أهل بيته؟ وهل أهل اليمن يا أمير المؤمنين إلا دابغ جلداً وقائد قرداً وحائك برداً؟ دل عليهم الهدهد وغرّقهم الجرذ وملكتهم أم ولد من قوم، والله يا أمير المؤمنين ما لهم ألسنة فصيحة ولا لغة صحيحة ولا حجة تدل على كتاب ولا يعرف بها صواب، وإنهم منّا لإحدى الخلتين إن حازوا ما قصدوا أُكلوا وإن حادوا عن حكمنا قُتلوا. ثم التفت إلى الكندي فقال: أتفخر بأكرم الأنام وخيرها محمد، ﷺ ، وبه افتخر من ذكرت، فالمنّ من الله عليكم إن كنتم أتباعه وأشياعه فمنا نبي الله المصطفى وخليفة الله المرتضى ولنا السودد والعلى وفينا الحلم والحِجَا ولنا الشرف المقدم والركن المكرم والبيت المعظم والجناب الأخضر والعدد الأكثر والعز الأكبر، ولنا البيت المعمور والمشعر المشهور والسقف المرفوع وزمزم وبطحاؤها وجبالها وصحراؤها وحياضها وغياضها وأحجارها وأعلامها ومنابرها وسقايتها وحجابتها وسدانة بيتها، فهل يعدلنا عادل ويبلغ فخرنا قائل، ومنا أعلم الناس ابن عباس أعلم البشر الطيبة أخباره الحسنة آثاره، ومنا الوصي وذو النور، ومنا الصدّيق والفاروق، ومنا أسد الله وسيف الله، ومنا سيد الشهداء وذو الجناحين، ومنا الكماة والفرسان، ومنا الفقهاء والعلماء، بنا عُرف الدين ومن عندنا أتاكم اليقين، فمن زاحمنا زاحمناه ومن عادانا اصطلمناه ومن فاخرنا فاخرناه ومن بدّل سنّتنا قتلناه. ثم التفت إلى الكندي وقال: كيف علمك بلغات قومك؟ قال: أنا بها عالم. قال: ما الجحمة في لغتكم؟ قال: العين. قال: فما الميزم؟ قال: السّنّ. قال: فالشناتر؟ قال: الإصبع. قال: فالصنانير؟ قال: الآذان. قال: فما القلوب؟ قال: الذئب. قال: فما الزُّبّ؟ قال: اللحية. قال: أفتقرأ كتاب الله ؟ قال: نعم. قال: فإن الله يقول: " إنا أنزلناه قرآناً عربياً "، وقال: بلسان عربي مبين، وقال جل ذكره: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه "، وقال : " العين بالعين "، ولم يقل الجحمة بالجحمة، وقال: " جعلوا أصابعهم في آذانهم "، ولم يقل شناترهم في صنانيرهم، وقال: السن بالسن، ولم يقل الميزم بالميزم، وقال: فأكله الذئب، ولم يقل القلوب، وقال: لا تأخذ بلحيتي، ولم يقل بزبي، وأنا سائلك يا ابن مخرمة عن ثلاث خصال فإن أنت أقررت بها قُهرت وإن جحدتها كفرت وإن أنكرت قتلت. قال: وما هي؟ قال: أتعلم أن فينا نبي الله المصطفى، ﷺ ؟ قال: اللهم نعم. قال: أتعلم أن فينا كتاب الله تعالى؟ قال: اللهم نعم. قال: أفتعلم أن فينا خليفة الله المرتضى؟ قال: اللهم نعم. قال: فأي شيء يعدل هذه الخصال؟ قال أبو العباس: اكفف عنه فوالله ما رأيت غلبة أنكر منها، والله ما فرغت من كلامك يا أخا مضر حتى إنه سيُعرج

стр. 46

بسريري إلى السماء. ثم أمر لخالد بمائة ألف درهم. ري إلى السماء. ثم أمر لخالد بمائة ألف درهم. وعن أبي بكر الهذلي قال: اجتمعنا عند أبي العباس أهل البصرة وأهل الكوفة ولم يكن من أهل البصرة غيري وكان من أهل الكوفة الحجاج بن أرطاة والحسن بن زيد وابن أبي ليلى فتذاكروا أهل الكوفة وأهل البصرة فقال ابن أبي ليلى: نحن والله يا أمير المؤمنين....... وكيف يكون لنا ذلك ولنا السند والهند وكرمان ومكران والفُرَض والعَرض والديار وسعة الأنهار؟ فقال ابن أبي ليلى: نحن أعلم منهم علماً وأكثر منهم فهماً، يقرّ بذلك أهل البصرة لأهل الكوفة. قلت: هم أكثر أنبياء وأقل أتقياء وأعظم كبرياء، منهم المغيرة الخبيث السريرة وبيان وأبو بيان، وتنسب فيهم الأنبياء والله ما أتانا إلا نبي واحد. قال الحسن بن زيد: أنتم أصحاب عليّ يوم سرنا إليه لنقتله فكف الله أيدينا عنه وسار إلى الكوفة فقتلوه فأينا أعظم ذنباً؟ فقال الحجاج: والله يا أمير المؤمنين لقد بلغني أن أهل البصرة كانوا يومئذ عشرين ألفاً وكان أهل الكوفة خمسة آلاف، فلما التقت حلقتا البطان وأخذت الرجال أقرانها شدّت خيلهم في صعيد واحد. فقلت: وكيف يكون ذلك وخرجت ربيعة سامعة مطيعة تعين علياً وخرج الأحنف بن قيس في سعد والرِّباب وهم السنام الأعظم والجمهور الأكبر يعين علياً؟ ولكن سل هؤلاء يا أمير المؤمنين كم كانت عدتهم يا أمير المؤمنين يوم استغاثوا بنا، فلما التقينا كانوا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. فقال ابن أبي ليلى: والله يا أمير المؤمنين إنا لأشرف منهم أشرافاً وأكثر منهم أسلافاً. قلت: معاذ الله يا أمير المؤمنين! هل كان في تميم الكوفة مثل الأحنف ابن قيس في تميم البصرة الذي فيه يقول الشاعر: إذا الأبصار أبصرت ابن قيسٍ ... ظللن مهابةً منه خشوعا وهل كان في قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم في قيس البصرة الذي يقول فيه الشاعر: كل عامٍ يحوي قتيبة نهباً ... ويزيد الأموال مالاً جديدا دوّخ الصغد بالقبائل حتى ... ترك الصغد بالعراء قعودا باهليٌ تعصّب التاج حتى ... شبن منه مفارقٌ كنّ سودا وهل كان في أزد الكوفة مثل مهلب بن أبي صفرة في أزد البصرة الذي يقول فيه الشاعر: إذا كان المهلب من ورائي ... هدا ليلي وقرّ له فؤادي ولم أخش الدنية من أناسٍ ... ولو صالوا بقوة قوم عاد وهل كان في بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع في بكر البصرة الذي يقول فيه الشاعر: إذا ما خشينا من أميرٍ ظلامةً ... أمرنا أبا غسان يوماً فعسكروا وهل كان في عبد قيس الكوفة مثل الحكم بن المنذر بن الجارود في عبد قيس البصرة الذي يقول فيه الشاعر: يا حكم بن المنذر بن الجارود ... أنت الجواد بن الجواد المحمود فضحك أبو العباس حتى ضرب برجله وقال: والله ما رأيت مثل هذه الغلبة قط! محاسن الافتخار بالنبي ﷺ قيل: كان علي بن عبد الله بن العباس، ﵁، عند عبد الملك بن مروان إذ فاخره عبد الملك فجعل يذكر أيام بني أمية، فبينا هو كذلك إذ نادى المنادي للأذان فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقال علي لعبد الملك: تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيبا بماءٍ فعادا بعد أبوالا فقال عبد الملك: الحق في هذا أبين من أن يكابر. علي بن محمد النديم قال: دخلت على المتوكل وعنده الرضي فقال: يا علي من أشعر الناس في زماننا؟ قلت: البحتريّ. قال: وبعده؟ قلت: ولد مروان بن أبي حفصة خدمك وعبيدك. فالتفت إلى الرضي وقال: يا ابن عم من أشعر زماننا؟ قال: علي بن محمد العلويّ. قال: وما تحفظ من شعره؟ قال قوله: لقد فاخرتنا من قريشٍ عصابةٌ ... بمطّ خدودٍ وامتداد الأصابع فلما تنازعنا القضاء قضى لنا ... عليهم بما نهوى نداء الصوامع يعني المساجد. قال المتوكل: وما معنى نداء الصوامع؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال: وأبيك إنه لأشعر الناس. محاسن ما قيل في ذلك من الشعر قال علي بن محمد العلويّ:

стр. 47

عصيت الهوى وهجرت النساء ... وكنت دواءً فأصبحت داء وما أنْس لا أنْس حتى الممات ... نزيب الظباء تجيب الظباء دعيني وصبري على نائباتٍ ... فبالصبر نلت الثرى والثواء وإن يك دهري لوى رأسه ... فقد لقي الدهر مني التواء ليالي أروي صدور القنا ... وأروي بهن الصدور الظماء ونحن إذا كان شرب المدام ... شربنا على الصافنات الدماء بلغنا السماء بأنسابنا ... ولولا السماء لجزنا السماء فحسبك من سوددٍ أننا ... بحسن البلاء كشفنا البلاء يطيب الثناء لآبائنا ... وذكر عليٍ يزين الثناء إذا ذكر الناس كنا ملوكاً ... وكانوا عبيداً وكانوا إماء هجاني قومٌ ولم أهجهم ... أبى الله لي أن أقول الهجاء وقال غيره: وإني من القوم الذين عرفتهم ... إذا مات منهم سيدٌ قام صاحبه نجوم السماء كلما انقض كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه فلا توعدني يا شريح فإنني ... كليث عرينٍ فرّ عنه ثعالبه يمشي بأوصال الرجال إذا ستا ... قد احمرّ من نضخ الدماء مخالبه وقال آخر: حلماء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه مقاولٌ لسن لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن وأحسن من ذلك كله قول رسول الله، ﷺ ، وقد أتاه أعرابي فقال: بأبي أنت وأمي أكرم الناس حسباً! فقال: أحسنهم خلقاً وأفضلهم تقوى، فانصرف الأعرابي. فقال: ردوه، ثم قال: يا أعرابي لعلك أردت نسباً؟ قال: نعم. قال: يوسف صدّيق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله فأين مثل هؤلاء الآباء في جميع الدنيا! ما كان فيها مثلهم أبداً. وقال الشاعر: ولم أر كالأسباط أبناء والدٍ ... ولا كأبيهم والداً حين ينسب ودخل عيينة بن حصن الفزاري على النبي، ﷺ ، فانتسب ثم قال: أنا ابن الأشياخ الأكارم، فقال، ﷺ : أنت إذاً يوسف صدّيق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، وقال، ﷺ : خير البشر آدم، ﵇، وخير العرب محمد، ﷺ ، وخير الفرس سلمان، وخير الروم صهيب، وخير الحبشة بلال، ﵏ أجمعين. مساوئ الافتخار روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ : لا تفخروا بآبائكم في الجاهلية، فوالذي نفسي بيده لما يُدحرج الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية. قيل: وكان الحسن البصري يقول: ابن آدم لم تفتخر وإنما خرجت من مسيل بولين نطفة مشجت بأقذار؟ وقال بعضهم لرجل يتبختر: يا هذا إن أولك نطفة قذرة وآخرك جيفة منتنة وأنت فيما بينهما وعاء عذرة فما هذه المشية؟ قال: وقيل لعامر بن قيس: ما تقول في الإنسان؟ قال: ما أقول فيمن إن جاع ضرع وإن شبع طغى. وروي عن ابن عباس أنه قال: يتفاضلون في الدنيا بالشرف والبيوتات والإمارات والعتاق والجمال والهيئة والمنطق ويتفاضلون في الآخرة بالتقوى واليقين، فأتقاهم أحسنهم يقيناً وأزكاهم عملاً وأرفعهم درجة أعقلهم، وقيل في ذلك: يزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظوراً عليه مكاسبه يشين الفتى في الناس قلة عقله ... وإن كرمت آباؤه ومناسبه وقال بعض الحكماء: لا يكون الشرف بالحسب والنسب، ألا ترى أن أخوين لأب وأم يكون أحدهما أشرف من الآخر؟ ولو كان ذلك من قبل النسب لما كان لأحد منهم على الآخر فضلٌ لأن نسبهما واحد ولكن ذلك من قبل الأفعال لأن الشرف إنما هو فيه لا في النسب، وقال الشاعر في ذلك: أبوك أبي والجدّ لا شك واحدٌ ... ولكننا عودان آسٌ وخروع

стр. 48

وبلغنا عن المدائني أنه قال: ليس السودد بالشرف وإنما ساد الأحنف بن قيس بحلمه وحضين بن المنذر برأيه ومالك بن مسمع بمحبته في العامة وسويد بن منجوف بعطفه على أرامل قومه، وساد المهلب بن أبي صفرة بجميع هذه الخصال. قيل: وسمع عمر بن الخطاب، ﵁، وهو خليفة صوتاً ولفظاً بالباب فقال لبعض من عنده: اخرج فانظر من كان من المهاجرين الأولين فأدخله. فخرج الرسول فأدخل بلالاً وصهيباً وسلمان، وكان أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو في عصابة من قريش جلوساً بالباب فقال أبو سفيان: يا معشر قريش أنتم صناديد العرب وأشرافها وفرسانها بالباب ويدخل حبشيّ وفارسيّ وروميّ؟ فقال سهيل: يا أبا سفيان أنفسكم فلوموا ولا تلوموا أمير المؤمنين، دعا القوم فأجابوا ودعيتم فأبيتم وهم يوم القيامة أعظم درجات وأكثر تفضيلاً. فقال أبو سفيان: لا خير في مكان يكون فيه بلال شريفاً. مساوئ أصحاب الصناعات قال المأمون وذكر أصحاب الصناعات: السوقة سفل والصناع أنذال والتجار بخلاء والكتاب ملوك على الناس. وقال المأمون: الناس أربعة: ذو سيادة أو صناعة، أو تجارة أو زراعة، فمن لم يكن منهم كان عيالاً عليهم، وذكروا أن أبا طالب كان يعالج العطر والبزّ، وكان أبو بكر الصدّيق، ﵁، بزّازاً، وكان عمر بن الخطاب بزازاً، وكان عبد الرحمن بن عوف بزازاً، وكان سعد بن أبي وقاص، ﵀، يأبر النخل، وكان أخوه عتبة، ﵀، نجاراً، وكان العاص بن هشام أخو أبي جهل بن هشام جزاراً، وكان الوليد بن المغيرة حداداً، وكان عقبة بن أبي معيط خمّاراً، وكان عثمان بن طلحة صاحب مفتاح البيت خياطاً، وكان أبو سفيان بن حرب يبيع الزيت والأدم، وكان أمية بن خلف يبيع البُرم، وكان عبد الله بن جدعان نخاساً، وكان العاص بن وائل أبو عمرو بن العاص يعالج الخيل والإبل، وكان جرير بن عمرو وقيس أبو الضحاك بن قيس ومعمر بن عثمان وسيرين أبو محمد بن سيرين كلهم حدادين، وكان المسيب أبو سعيد زياتاً، وكان ميمون بن مهران بزّازا، وكان مالك بن دينار ورّاقاً، وكان أبو حنيفة صاحب الرأي خزّازاً، وكان مجمع الزاهد حائكاً. قيل: واتخذ يزيد بن المهلب بستاناً في داره بخراسان، فلما ولي الأمر قتيبة بن مسلم جعله لإبله، فقال له مرزبان مرو: هذا كان بستاناً وقد اتخذته لإبلك! فقال قتيبة: كان أبي أشتربان وكان أبو يزيد بستانبان فمنهما صار ذلك كذلك. محاسن النتاج ذكروا أن جرهم من نتاج ما بين الملائكة وبنات آدم وأن الملأك من الملائكة كان إذا عصى ربه في السماء أهبطه إلى الأرض في صورة رجل في طبيعته ما في طبيعة بني آدم كما صنع بهاروت وماروت في خبرهما مع الزهرة حتى كان من شأنهما ما كان، فعصى بعض الملائكة ربنا جل ذكره فأهبطه إلى الأرض في صورة رجل فتزوج أم جرهم فولدت منه جرهم، فقال شاعرهم: لاهمّ إنّ جرهماً عبادكا ... الناس طرفٌ وهم تلادكا وكان ذو القرنين أمه قيرى آدمية وكان أبوه عيرى من الملائكة. وسمع عمر بن الخطاب، ﵁، رجلاً ينادي: يا ذا القرنين! فقال: فرغتم من أسماء الأنبياء فارتقيتم إلى أسماء الملائكة! وزعموا أن التناكح والتلاقح قد يقع بين الجن والإنس لقوله جل وعز: " وشاركهم في الأموال والأولاد ". ولأن الجنّيات إنما يعرضن لصرعى رجال الإنس على جهة العشق وطلب السفاد وكذلك رجال الجن لنساء بني آدم، ومن زعم أن الصرع من المرّة فقد رد قول الله : إن الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس "، وقال جل ذكره: " وشاركهم في الأموال والأولاد "، وقال عز وتعالى: " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان "، وكان عبد الله بن هلال سبط إبليس من قبل أمهاته. وروى أبو زيد النحوي أن سعلاةً أقامت في بني تميم حتى ولدت فيهم ورأت ذات يوم برقاً من شق بلاد السعالي فحنّت إلى وطنها وطارت إليهم. وقد قيل إن الواقواق من نتاج ما بين بعض النبات وبعض الحيوان. وقد قيل إن الثعلب يسفد الهرة الوحشية فيخرج من بينهما ولد فيه مشابهة منهما، قال حسان بن ثابت: أبوك أبوك وأنت ابنه ... وبئس البنيُّ وبئس الأب وأمك سوداء نوبيةٌ ... كأن أناملها العنظب

стр. 49

يبيت أبوك بها مغدفاً ... كما ساور الهرة الثعلب وقد يولد من بين الكلاب والثعالب هذه الكلاب السلوقية الماهرة بالصيد. وقيل: إنه يخرج من بين الذئب والكلبة ولد يسمّى الديسم، قال بشار: أديسم يا ابن الذئب من نجل زارعٍ ... أتروي هجائي سادراً غير مقصر وزارع اسم كلب يعرف بزارع. وزعموا أنه يخرج من بين الذئب والضبع ولد يسمى السمع كالحية لا يعرف العلل ولا يموت إلا بعرض يعرض له وأنه أشدّ عدواً وأسرع من الريح، قال الشاعر: مسبلٌ في الحيّ أحوى رفلُّ ... فإذا يغزو فسمعٌ أزلُّ ومن عجائب التركيب فوالج البخت إذا ضربت في إناث البخت لم يخرج الحوار إلا قصير العنق لا ينال كلأً ولا ماء، وإذا ضربت الفوالج في العراب جاءت هذه الجوامز والبخت الكريمة، ومتى ضربت فحول العراب في إناث البخت جاءت هذه الإبل القبيحة المنظر. وقد قيل في الإبل: إن فيها عرقاً من سفاد الجن وإن فيها إبلاً وحشية هي من بقايا إبل وبار، لما أهلكهم الله جل وعز بقيت إبلهم، وإن الجمل منها ربما صار إلى أعطان الإبل فضرب في ناقة فتجيء منه هذه المهرية والغسجدية التي تسمى الذهبية. وزعموا أن ببلاد الحبشة ذكر الضباع يعرض للناقة من الوحش فيسفدها فتلقح بولد على خلقة الناقة والضبع، فإن كان أنثى يعرض لها الثور الوحشي فيضربها فيصير الولد زرافة ويسمى بالفارسية اشتر كاوبلنك، أي خرج من بين الجمل والثور والضبع، وقد جحد الناس أن يكون الزرافة الأنثى تلقح من الزرافة الذكر. وأما النعامة فإنها لا تقع إلا من ذكر النعام وإناثها. ومن نتاج الطير ما رواه بعضهم أنه رأى طائراً له صوت حسن زعموا أنه من نتاج ما بين القمري والفاختة، وقُنّاص الطير يزعمون أن أجناساً من الطير تلتقي على المياه فتسافد وأنهم لا يزالون يرون أشكالاً لم يروها قط فيقدرون أنها من تلاقيح تلك المختلفة. مساوئ النتاج فأما من يخرج من بين بني آدم فإنه إذا تزوج خراساني بهندية خرج من بينهما الذهب الإبريز غير أنه يحتاج أن يحرس ولدهما إذا كان أنثى من زناء الهند وإذا كان ذكراً من لواط رجال خراسان. ومن خبث النتاج ابن المذكّرة من النساء والمؤنث من الرجال يكون أخبث نتاجاً من البغل وأفسد أعراقاً من السمع وأكثر عيوباً من كل خلق وأن يأخذ بأسوإ خصال أبيه وأردى خصال أمه فتجتمع فيه خصال الدواهي وأعيان المساوئ، وأنه إذا خرج كذلك لم ينجع فيه أدب ولم يطمع في علاجه طبيب، وقد رأينا في دور ثقيف فتى اجتمعت فيه هذه الخصال فما كان في الأرض يوم إلا وهم يتحدثون عنه بشيء يصغر في جنبه أكبر ذنب كان ينسب إليه، والخلاسي من الناس الذي يخرج من بين الحبشي والبيضاء، والبيسريّ من الناس الذي يخرج من بين البيض والهند ويكون من أحسن الناس وأجملهم. محاسن الوفاء قيل في المثل: هو أوفى من فكيهة، وهي امرأة من قيس بن ثعلبة كان من وفائها أن السُّلَيك بن السُّلَكة غزا بكر بن وائل فخرج جماعة من بكر فوجدوا أثر قدمٍ على الماء فقالوا: والله إنّ هذا لأثر قدم ترد الماء، فقعدوا له، فلما وافى حملوا عليه فعدا حتى ولج قبة فكيهة فاستجار بها، فأدخلته تحت درعها، فانتزعوا خمارها، ونادت إخوتها فجاؤوا عشرة فمنعوهم منها. قال: فكان السليك يقول: كأني أجد خشونة استها على ظهري حين أدخلتني درعها، وقال: لعمر أبيك والأنباء تنمي ... لنعم الجار أخت بني عوارا من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا فما ظلمت فكيهة حين قامت ... لنصل السيف وانتزعوا الخمارا وقيل أيضاً: هو أوفى من أم جميل، وهي من رهط أبي هريرة من دوس، وكان من وفائها أن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي قتل أبا أُزيهر رجلاً من الأزد فبلغ ذلك قومه بالسراة فوثبوا على ضرار بن الخطاب ليقتلوه فعدا حتى دخل بيت أم جميل وعاذ بها، فقامت في وجوههم ونادت قومها فمنعوه لها، فلما قام عمر بن الخطاب، ﵁، بالأمر ظنّت أنه أخوه فأتته بالمدينة، فلما انتسبت عرف القصة وقال: إني لست بأخيه إلا في الإسلام وهو غازٍ وقد عرفنا منّتك عليه، فأعطاها على أنها بنت سبيل.

стр. 50

ويقال: هو أوفى من السَّموأل بن عادياء، وكان من وفائه أن امرأ القيس بن حجر الكندي لما أراد الخروج إلى قيصر ملك الروم استودع السموأل دروعاً له، فلما مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام فتحرز منه السموأل، فأخذ الملك ابناً له ذكروا أنه كان متصيداً، فصاح به: يا سموأل هذا ابنك في يدي وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي وأنا أحق بميراثه فإن دفعت إليّ الدروع وإلا ذبحت ابنك. فقال: أجّلني، فأجّله. فجمع أهل بيته وشاورهم، فكلّ أشار عليه أن يدفع الدروع وأن يستنقذ ابنه، فلما أصبح أشرف فقال: ليس إلى دفع الدروع سبيل فاصنع ما أنت صانع! فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه، وكان يهودياً، فانصرف الملك، ووافى السموأل بالدروع الموسم فدفعها إلى ورثة امرىء القيس وقال في ذلك: وفيت بأدرع الكنديّ، إني ... إذا ما خان أقوام وفيت وقالوا عنده كنزٌ رغيبٌ ... فلا وأبيك أغدر ما مشيت بنى لي عادياً حصناً حصيناً ... وبئراً كلما شئت استقيت وقال الأعشى في ذلك: كن كالسموأل إذ سار الهمام له ... في جحفلٍ كسواد الليل جرار خيّرَه خطتي خسفٍ، فقال له ... إذبح أسيرك إني مانعٌ جاري وقيل: هو أوفى من الحارث بن عُباد، وكان من وفائه أنه أسر عدي بن ربيعة ولم يعرفه، فقال: دلني على عدي. فقال: إن أنا دللتك على عدي أتؤمنني؟ قال: نعم، قال: فأنا عدي. فخلاه وقال في ذلك: لهف نفسي على عديٍّ وقد أس ... قب للموت واحتوته اليدان ويقال: هو أوفى من عوف بن محلّم، وكان من وفائه أن مروان القرظ غزا بكر بن وائل ففضّوا جيشه وأسره رجل منهم وهو لا يعرفه، فأتى به أمه فقالت: إنك لتختال بأسيرك كأنك جئت بمروان القرظ! فقال لها مروان: وما ترجين من مروان؟ قالت: عظم فدائه. قال: وكم ترتجين من فدائه؟ قالت: مائة بعير. قال مروان: ذلك لك على أن ترديني إلى خماعة بنت عوف بن محلم. قالت: ومن لي بمائة من الإبل! فأخذ عوداً من الأرض فقال: هذا لك بها. فمضت به إلى عوف فاستجار بخماعة ابنته، فبعث عمرو بن هند أن يأتيه به، فقال: قد أجارته ابنتي وليس إليه سبيل. فقال عمرو: قد آليت أن لا أعفو عنه أو يضع يده في يدي. فقال عوف: يضع يده في يدك على أن تكون يدي بينهما، فأجابه عمرو إلى ذلك، فجاء عوف بمروان فأدخله عليه فوضع يده في يده ووضع عوف يده بين أيديهما فعفا عنه. ويقال: إن قُباذ أمر بقتل رجل من الطاعنين على المملكة، فقُتل، فوقف على رأسه رجل من جيرانه وصنائعه فقال: رحمك الله، إن كنت لتكرم الجار وتصبر على أذاه وتؤاسي أهل الخلّة وتقوم بالنائبة والعجب كيف وجد الشيطان فيك مساغاً حتى حملك على عصيان ملكك فخرجت من طاعته المفروضة إلى معصيته وقديماً ما تمكّن ممن هو أشد منك قوة وأثبت عزماً! فأخذ صاحب الشرطة الرجل فحبسه وأنهى كلامه إلى قباذ، فوقّع: يُحسَن إلى هذا الذي شكر إحساناً يُفضل به وتُرفع مَرتبته ويُزاد في عطائه.

стр. 51

قيل: ولما قتل كسرى النعمان بن المنذر كتب إلى إياس بن قبيصة يأمره أن يبعث إليه بولد النعمان بن المنذر وتركته من المال والإبل والخيل والسلاح، وكان النعمان أودع ذلك هانيء بن مسعود، فبعث إليه إياس يعلمه بما كتب به كسرى، فأبى أن يسلم شيئاً من تركة النعمان، فكتب إياس إلى كسرى يعلمه ذلك، فآلى على نفسه ليستأصلن بكر بن وائل، فكتب إلى إياس يأمره بالمسير إليهم لمحاربتهم فيمن معه من طيء وإياد وغيرهم، وكتب إلى قيس بن مسعود الشيباني المعروف بذي الجدّين، وكان عاملاً على سفَوان، يمنع العرب من دخول أطراف السواد ويأمره أن يسير بمن معه من قومه فيعين إياساً على محاربة بكر بن وائل، ثم عقد كسرى لقائد من قواده يسمى الهامرز في اثني عشر ألف رجل من أبطال أساورته ووجهه إلى إياس لمعاونته، ثم عقد أيضاً لهرمز جرابزين، وكان أعظم مرازبته في مثل ذلك، وأمره أن يقفو أثر الهامرز حتى يوافي إياس بن قبيصة، فسارت الجيوش إلى بكر بن وائل، وكانوا بمكان يسمى ذا قار منه إلى مدينة الرسول خمس مراحل مما يلي طريق البصرة، فأقبلت الجيوش حتى أناخت على بكر فأحدقت بهم، ثم إن عظماء بكر بن وائل اجتمعوا إلى هانيء بن مسعود المزدلف وقالوا: إن هذه الجيوش قد أحدقت بنا من كل ناحية فما ترى؟ قال: أرى أن تجعلوا حصونكم سيوفكم ورماحكم وتوطِّنوا أنفسكم على الموت. فقالوا: نعم والله لنفعلن! ثم إن قيس بن مسعود أقبل في سواد الليل من عسكر إياس حتى أتى هانيء بن مسعود فقال: يا ابن عم إنه قد حلّ بكم من الأمر ما قد ترون ففرّق خيل النعمان وسلاحه في أشدّاء قومك ليقووا بذلك على القتال فهي مأخوذة لا محالة إن قتلوا وإن سلموا أمرتهم فردّوها عليك، وعليك بالجدّ والصبر، وإياك ثم إياك أن تخفر ذمتك في تركة النعمان حتى تُقتل ويقتل معك جميع قومك! قال له هانيء: أوصيت يا ابن عم محافظاً فوصلتك رحم وأرجو أن لا ترى منا تقصيراً ولا فتوراً، فانصرف قيس ذو الجدين من عند هانيء كئيباً حزيناً باكياً خائفاً من هلاك قومه حتى أتى عسكر إياس وكان يريه أنه مجامع له على حرب قومه خوفاً أن يجد عليه كسرى فيقتله، فلما أصبح هانيء بن مسعود دعا بخيل النعمان وسلاحه ففرقه في أبطال قومه وأشدّائهم، فركبوا تلك الخيول، وكانت ستمائة فرس وستمائة درع، واستلأموا تلك الدروع، وكان ذلك في العام الذي هاجر فيه رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة، واتفقت بكر بن وائل أن تجعل شعارها باسم رسول الله، ﷺ ، محمدُ يا منصور، وذلك قبل أن يُسلموا، وبذلك الاسم نُصروا وقَهروا عدوهم، وعمد رجل من أشراف بني عجل يقال له حنظلة بن سيّار إلى حزم رحالات النساء فقطعها كلها، أراد بذلك أن يمنع قومه من الهرب إن وقعت الهزيمة، فسمّي بذلك مقطّع الوضين. وإن إياس بن قبيصة أرسل إلى بكر بن وائل يخيّرهم خصلة من ثلاث: إما أن يسلموا تركة النعمان، وإما أن يسيروا ليلاً في البراري فيعتلّ على كسرى أنهم هربوا، فإن أبوا هاتين الخلّتين خرجوا إلى الحرب. فتوامروا بينهم فقالوا: إما أن نسلم خفارتنا فلا يكون ذلك وإن نحن لحقنا بالفلاة أفضينا إلى بلاد تميم فيقطعون علينا ويأخذون ما معنا ويأسروننا وليست لنا حيلة إلا القتال، فاختاروا القتال ووجّهوا خمسمائة فارس من أبطالهم عليهم يزيد بن حارثة اليشكريّ وأمروهم أن يكمنوا للعجم، ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض وتقدّم الهامرز فوقف بين الصفين ونادى بالفارسية: مردى آمردى. فقال يزيد بن حارثة: ما يقول؟ قال: يدعو إلى البراز رجلاً لرجل. فقال: وأبيكم لقد أنصف! ثم خرج إليه فاختلف بينهما ضربتان فضربه يزيد ضربة بالسيف على منكبه فقدّ درعه حتى أفضى السيف إلى منكبه فأبانه فخرّ ميتاً الهامرز أول قتيل بين الصفين، وألقى الله الرعب في قلوب العجم فولّوا منهزمين، ولحق حنظلة بن سيّار العجلي بهرمز جرابزين قائد العجم فطعنه طعنة خرّ منها ميتاً، ودفع هانيء بن مسعود فرسه في طلب إياس بن قبيصة حتى لحقه ومعه قيس بن مسعود ذو الجدّين، فأراد هانيء قتل إياس فمنعه قيس وحال بينه وبين قتله، واتّبع العجم خمس مائة فارس من بني شيبان لا يلوون على شيء يقتلون يومهم ذلك من أدركوا منهم حتى جنهم الليل، وبلغت هزيمة الأعاجم كسرى بالمدائن، قال دغفل: فذكر هذا الحديث لرسول الله، صلى الله

стр. 52

عليه وسلم، فقال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نُصروا، يعني باسمه، ﷺ ، قال: وسقط في يد كسرى واغتاظ من ذلك غيظاً شديداً ووقعت الولولة والعويل بالمدائن، فندب كسرى الجنود وفرّق فيهم السلاح والمال لمعاودة حرب بكر بن وائل، تم إن بطارقة الروم خرجوا على ملكهم قيصر فقتلوه فاشتغل به عن معاودة حرب بكر بن وائل فكان هانيء بن مسعود المزدلف أحد الأوفياء. ليه وسلم، فقال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نُصروا، يعني باسمه، ﷺ ، قال: وسقط في يد كسرى واغتاظ من ذلك غيظاً شديداً ووقعت الولولة والعويل بالمدائن، فندب كسرى الجنود وفرّق فيهم السلاح والمال لمعاودة حرب بكر بن وائل، تم إن بطارقة الروم خرجوا على ملكهم قيصر فقتلوه فاشتغل به عن معاودة حرب بكر بن وائل فكان هانيء بن مسعود المزدلف أحد الأوفياء. ومنهم الطائي صاحب النعمان بن المنذر، وكان من حديثه أن النعمان بن المنذر ركب في يوم بؤسه، وكان له يومان يوم بؤس ويوم سعد، لم يلقه في يوم بؤسه أحدٌ إلا قتله وفي يوم سعده أحدٌ إلا حباه وأعطاه، فاستقبله في يوم بؤسه أعرابيّ من طيء فقال: حيا الله الملك، إن لي صبية صغاراً لم أوصِ بهم أحداً فإن يأذن لي الملك في إتيانهم وأعطيه عهد الله إني أرجع إليه إذا أوصيت بهم حتى أضع يدي في يده. فرقّ له النعمان فقال: لا إلا أن يضمنك رجل ممن معنا فإن لم تأت قتلناه، وشريك بن عمرو بن شرحبيل نديم النعمان معه، فقال الطائي: يا شريك يا ابن عمرٍو ... هل من الموت محاله يا أخا كلّ مضامٍ ... يا أخا من لا أخا له يا أخا النعمان فكّ ال ... يوم عن شيخٍ غلاله إن شيبان قبيلٌ ... أحسن الناس فعاله فقال شريك: هو علي أصلح الله الملك! فمرّ الطائي والنعمان يقول لشريك: إن صدر هذا اليوم قد ولّى ولا يرجع! وشريك يقول: ليس لك عليّ سبيل حتى نمسي، فلما أمسوا أقبل شخص والنعمان ينظر إلى شريك، فقال: ليس لك عليّ سبيل حتى يدنو الشخص، فبينا هم كذلك إذ أقبل الطائي فقال النعمان: والله ما رأيت أكرم منكما وما أدري أيكما أكرم! لا أكون والله ألأم الثلاثة، ألا إني قد رفعت يوم بؤسي! وخلّى سبيل الطائي، فأنشأ يقول: ولقد دعتني للخلاف عشيرتي ... فأبيت عند تجهّر الأقوال إني امرؤٌ مني الوفاء خليقةٌ ... وفعال كلّ مهذَّبٍ بذّال فقال النعمان: ما حملك على الوفاء؟ قال: ديني. قال: وما دينك! قال: النصرانية. قال: اعرضها عليّ! فعرضها عليه فتنصر النعمان.

стр. 53

ومنهم وزير ملك الصين، وكان حديثه أن شمر بن افريقيس بن أبرهة خرج في خمس مائة ألف مقاتل إلى أرض الصين، فلما قارب بلادهم بلغ ذلك ملك الصين فجمع وزراءه فاستشارهم، فقال رئيسهم: أيها الملك أثّر فيّ أثراً وخلّني ورائي. فأمر به فجدع أنفه، فقام هارباً مستقبلاً لشمر، فوافاه على أربعة منازل بعد خروجه من مفاوز الصين فدخل عليه وقال: إني أتيتك مستجيراً! قال شمر: ممن؟ قال: من ملك الصين لأني كنت رجلاً من خاصة وزرائه وإنه جمعنا لما بلغه مسيرك إليه فاستشارنا فأشار القوم جميعاً عليه بمحاربتك وخالفتهم في رأيهم وأشرت عليه أن يعطيك الطاعة ويحمل إليك الخراج، فاتهمني وقال: قد مالأت ملك العرب، وكان منه إليّ ما ترى ولم آمنه مع ذلك أن يقتلني فخرجت هارباً إليك، ففرح به شمر وأنزله معه في رحله وأوعده من نفسه خيراً، فلما أصبح وأراد أن يرحل قال لذلك الرجل: كيف علمك بالطريق؟ قال: أنا من أعلم الناس به. قال: فكم بيننا وبين الماء؟ قال: مسيرة ثلاثة أيام وأنا موردك يوم الرابع على الماء، فأمر جنوده بالرحيل ونادى فيهم أن لا تحملوا من الماء إلا لثلاثة أيام، ثم سار في جنوده والرجل بين يديه، فلما كان يوم الرابع انقطع بهم الماء واشتد الحر فقال: لا ماء وإنما كان ذلك مكرٌ مني لأدفعك بنفسي عن ملكي! فأمر به فضربت عنقه، فعطش القوم، وقد كان المنجمون قالوا لشمر عند مولده أنه يموت بين جبلي حديد، فوضع درعه تحت قدميه من شدة الرمضاء ووضع ترساً من حديد على رأسه من حرّ الرمضاء، فذكر ما كان قيل له في ولادته وقال للقوم: تفرقوا حيث أحببتم فقد أورطتكم، فهلك وجميع من كان معه. وحكي أنه لما حمل رأس مروان بن محمد الجعدي إلى أبي العباس وهو بالكوفة قعد له مجلساً عاماً وجاؤوا بالرأس فوضع بين يديه فقال لمن حضره: أمنكم أحد يعرف هذا الرأس؟ فقام سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة فأكبّ عليه وتأمله طويلاً ثم قال: هذا رأس أبي عبد الملك خليفتنا بالأمس، ﵀، وعاد إلى مجلسه، فوثب أبو العباس حتى خرج من المجلس وانصرف ابن جعدة وتحدث الناس بكلامه، فلامه بنوه وأهله وقالوا: عرضتنا ونفسك للبوار! فقال: اسكتوا قبحكم الله! ألستم أشرتم عليّ بالأمس بحرّان بالتخلف عن مروان ففعلت ذلك غير فعل ذي الوفاء والشكر وما كان ليغسل عار تلك الفعلة إلا هذه، وإنما أنا شيخٌ هامةٌ فإن نجوت يومي هذا من القتل متّ غداً! قال: وجعل بنوه يتوقعون رسل أبي العباس أن تطرقه في جوف الليل، فأصبحوا ولم يأته أحد وغدا الشيخ فإذا هو بسليمان بن مجالد فلما أبصره قال: يا ابن جعدة ألا أبشرك بحسن رأي أمير المؤمنين فيك؟ إنه ذكر في هذه الليلة ما كان منك. فقال: أما ما أخرج هذا الكلام من الشيخ إلا الوفاء ولهو أقرب بنا قرابة وأمسّ بنا رحماً منه بمروان إن أحسنّا إليه. قال: أجل. وذكر أن المنصور أرسل إلى شيخ من أهل الشام وكان من بطانة هشام بن عبد الملك بن مروان فسأله عن تدبير هشام في حروبه مع الخوارج فوصف الشيخ له ما دبّر، فقال: فعل، ﵀، كذا وصنع، ﵀، كذا. فقال المنصور: قم عليك لعنة الله! تطأ بساطي وتترحم على عدوي؟ فقام الرجل فقال وهو مولٍّ: إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلا غاسلي! فقال له المنصور: ارجع يا شيخ، فرجع. فقال: أشهد أنك نهيض حرّةٍ وغراس شريف، ارجع إلى حديثك. فعاد الشيخ في حديثه حتى إذا فرغ دعا له بمال فأخذه وقال: والله يا أمير المؤمنين ما لي إليه حاجة ولقد مات عني من كنت في ذكره فما أحوجني إلى وقوف على بابه أحد بعده ولولا جلالة أمير المؤمنين وإيثاري طاعته ما لبست نعمة أحدٍ بعده! فقال المنصور: إذا شئت لله أنت فلو لم يكن لقومك غيرك لكنت قد أبقيت لهم مجداً مخلداً وعزاً باقياً.

стр. 54

وعن أبي دفافة العبسي قال: حدّثت المنصور بحديث العجلان بن سهل وكان دخل على عبد العزيز بن القعقاع، فبينا هو جالس إذ دخل رجل متلطخ الثوب بالطين، فقال عبد العزيز: ما لك؟ قال: ركب هذا الأحول، يعني هشام بن عبد الملك، فنفرت ناقتي فسقطت، فانتزع العجلان سيفه فنفحه به ووثب الرجل فأخطأه السيف ووقع في وسادة فقطّعها وقال: يا لكع أعياك أن تسمّيه بأمير المؤمنين وباسمه الذي سماه به أبوه أو بكنيته ونظرت إلى الذي يعاب به فسميته به، أما والله لوددت أن السيف أخذ منك مآخذه! قال: فكان المنصور يستعيدني هذا الخبر كثيراً ويقول: كيف صنع العجلان بن سهل؟ مع مثله يطيب الملك. قال: وأخبرنا عطّاف قال: بينا عبد الله بن طاهر مقبل من منزل عبيد الله بن السّريّ بمصر حتى إذا دنا من بابه إذا بشيخ قد قام إليه فناوله رقعةً كانت معه وقال: أصلح الله الأمير! نصيحة واجبة فافهمها، فأخذ الرقعة ودخل، فما هو إلا أن دخل وخرج الحاجب فقال: أين صاحب الرقعة؟ فقام إليه الشيخ فأخذ بيده فأدخله إلى عبد الله فقال: قد فهمت رقعتك هذه وما تنصحت به إلينا فانصفني في مناظرتك. فقال الرجل: ليقل الأمير ما أحب. قال: أخبرني هل يجب شكر الناس بعضهم لبعض؟ قال: نعم. قال: وبم يجب؟ قال: بإحسان المحسن وبفضل المنعم. قال: صدقت، جئت إليّ وأنا على هذه الحال التي ترى خاتمي بفرغانة وآخر ببرقة وحكمي ونهيي وأمري جائز فيما بين هذين الطرفين وقد جمع لي من العمل ما لم يجمع لأحد قطّ من ولاءة المشرق والمغرب والشرطة وما خرج من هذه الطبقة ولست ألتفت إلا إلى نعمة هؤلاء القوم ومنّتهم، لا أستفيء إلا بظلها ولا أعرف غيرهم سادة ولا كبراء ولا أئمة ولا خلفاء، فأردت أن أكفر هذه النعمة وأجحد هذا المعروف وأبايع رجلاً ما امتحن للتقوى ولا أفاد علماً للهدى ولا جرت له على مِلّي ولا ذِمّيّ يد سالفة ولا نعمة سائرة، افترى على الله جل ذكره، ولو فعلت هذا الذي دعوتني إليه كنت ترضى به في مكارم الأخلاق وشكر المنعمين قال: فسكت الرجل ولم يحر جواباً، وكان دعاه إلى بيعة ابن طباطبا. وقال بعضهم: إنه كان دسيس المأمون. برون الكبير قال: وجّه إليّ المأمون وقد مضى من الليل الثلث فقال لي: يا برون قد أكثر علينا أصحاب الأخبار في أن شيخاً يرد خرابات البرامكة فيبكيهم ويندبهم وينشد أبياتاً من الشعر فاركب أنت وعليّ بن محمد ودينار بن عبد الله حتى تردوا هذه الخرابات فتصيروا من وراء جدرانها فإذا رأيتم الشيخ قد ورد وبكى وأنشد فأتوني به. قال برون: فركبت مع القوم حتى وردنا الخرابات، وإذا الخادم قد أتى ومعه زِلّيّة رومية وكرسيّ جديد، وإذا شيخ وسيم جميل له صلعة وهامة فجلس يبكي ويقول: ولما رأيت السيف قد قدّ جعفراً ... ونادى منادٍ للخليفة في يحيى بكيت على الدنيا وأيقنت أنه ... قصارى الفتى يوماً مفارقة الدنيا أجعفر إن تهلك فرُبّ عظيمةٍ ... كشفت ونعمى قد وصلت بها نعمى فقل للذي أبدى ليحيى وجعفرٍ ... شماتته أبشر لتأتيهم العقبى لئن زال غصن الملك عن آل برمكٍ ... فما زال حتى أثمر الغصن واستعلى وما الدهر إلا دولة بعد دولةٍ ... تبدل ذا ملكٍ وتعقب ذا بلوى على أنها ليست تدوم لأهلها ... ولو أنها دامت لكنتم بها أولى بني برمك كنتم نجوماً مضيئةً ... بها يهتدي في ظلمة الليل من أسرى لأيكم أبكي أللفضل ذي الندى ... أم الشيخ يحيى أم لمحبوسه موسى أم الملك المصلوب من بعد عزةٍ ... أم ابكي بكاء المعولات أم الثكلى لكلكم أبكي بعينٍ غزيرةٍ ... وقلبٍ قريحٍ لا يموت ولا يحيا

стр. 55

قال: فتراءينا له ثم قبضنا عليه، فجزع وفزع وقال: من القوم؟ فقال برون: أنا حاجب أمير المؤمنين وهذا فلان وفلان. قال: وما الذي تريدون؟ قال برون: فأعلمته ما أمر به أمير المؤمنين من أخذه إلى مجلسه. قال: ذرني أوص فإني لا آمنه، ثم تقدم إلى بعض العلافين في فرضة الفيل فأخذ بياضاً وأوصى فيه وصية خفيفة ودفعها إلى الغلام وسرنا به، فلما مثل بين يدي المأمون زبره وقال: من أنت وبماذا استوجب البرامكة ما تفعله في دورهم؟ قال: يا أمير المؤمنين للبرامكة عندي أيادٍ خضرة أفتأذن لي أن أحدّثك؟ فقال: سديداً. قال: أنا يا أمير المؤمنين المنذر بن المغيرة من أهل دمشق كنت بها من أولاد الملوك فزالت عني نعمتي كما تزول عن الرجال، فلما ركبتني الديون واحتجت إلى بيع مسقط رأسي ورؤوس آبائي أشاروا عليّ بالخروج إلى البرامكة، فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبياً وصبية وليس معنا ما يباع ولا ما يرهن حتى دخلت بغداد ونزلنا بباب الشام في بعض المساجد ودعوت بثويبات لي قد كنت أعددتها لأستميح بها الناس وتركتهم جياعاً وركبت شوارع بغداد فإذا أنا بمسجد مزخرف وفيه مائة شيخ قد طبّقوا طيالستهم بأحسن زي وزينة وبزة، وإذا خادمان على باب المسجد، فطمعت في القوم وولجت المسجد وجلست بين أيديهم وأنا أقدّم وأؤخر والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صناعتي، فأنا لكذلك إذا أنا بخادم قد أقبل وقال للخادمين: ازعجا القوم، فازعج القوم وأنا معهم فأدخلونا دار يحيى بن خالد ودخلت معهم، فإذا بيحيى جالساً على دكة له وسط بستان، فسلّمنا وهو يعدنا مائة رجل وواحداً، وبين يدي يحيى عشرة من ولده، وإذا غلام أمرد حين عذّر خداه قد أقبل من بعض المقاصير بين يديه مائة خادم متنطقون في وسط كل خادم منطقة من ألف مثقال مع كل خادم مجمرة من ذهب ورجل من ذهب في كل مجمرة قطعة من العود كهيأة الفهر قد ضم إليه مثله من العنبر السلطاني فوضعوه بين يدي الغلام وجلس الغلام إلى جنب يحيى ثم قال يحيى للزبرقيّ القاضي: تكلم فقد زوّجت ابنتي عائشة من ابن عمي هذا من بيت نار النوُّبهار.

стр. 56

فخطب القاضي وشهد القاضي والنفر وأقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك والعنبر، فالتقطت والله يا أمير المؤمنين ملء كمّي ونظرت وإذا يحيى في الدكّة ما بين المشايخ ويحيى وولده والغلام ونحن مائة رجل واثنا عشر رجلاً، فخرج إلينا مائة خادم واثنا عشر خادماً مع كل خادم صينية فضة عليها ألف دينار شامية، فوضع بين يدي كل رجل منا صينية، فرأيت القاضي والمشايخ يصبّون الدنانير في أكمامهم ويجعلون الصواني تحت آباطهم ويقوم الأول فالأول حتى بقيت وحدي بين يدي يحيى لا أجسر على الصينية، فغمز لي الخادم، فجسرت عليها وجعلتها في كمّي وأخذت الصينية وقمت وأنا أمر طول الصحن والتفتّ ورائي هل يتبعني أحد، فإني لكذلك أطاول الالتفات ويحيى يلحظني فقال للخادم: ائتني بالرجل، فرُددت إليه، فأمر، فسُلبتُ الدنانير والصينية، ثم أمرني بالجلوس فجلست، فقال: ممن الرجل؟ فقصصت عليه قصتي. فقال: علي بموسى، فأُتي به، فقال: يا بني هذا رجل غريب فخذه إليك اخلطه بنفسك ونعمتك. فقبض عليّ موسى وأخذني إلى بعض دوره فقصف عليّ يومي وليلتي، فلما أصبح دعا بأخيه العباس وقال له: إن الوزير أمرني بالقصف على هذا الفتى وقد علمت تشاغلي في دار أمير المؤمنين فاقبض عليه وقاصفه، فلما كان من غد تسلمني أحمد، ثم لم أزل وأيدي القوم تتداولني عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني في الأموات هم أم في الأحياء، فلما كان في اليوم العاشر دُفعت في يدي الفضل فقصف عليّ، فلما كان في الحادي عشر جاءني خادم مع عشرة من الخدم فقالوا: قم عافاك الله فاخرج إلى عيالك بسلام. فقلت: وا ويلاه سلبت الدنانير والصينية وقد تمزقت ثيابي واتسخت وأخرج على هذه الحالة! إنا لله وإنا إليه راجعون! فرُفع لي الستر الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس، فقبل أن رُفع السابع قال لي الخادم: تمنّ ما شئت، ورفع لي ستر عن حجرة كالشمس استقبلني منها رائحة العود والندّ ونفحات المسك، وإذا أنا بصبياني يتقلبون في الحرير والديباج وأنا قد حمل إليّ ألف ألف درهم مبدّرة وعشرة آلاف دينار وقبالتين بضيعتين وتلك الصينية مع الدنانير والبنادق، فبقيت يا أمير المؤمنين مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم من بيت نار النوبهار أو رجل غريب اصطنعوني، فلما جاء القوم البلية ونزلت بهم من الرشيد النازلة قصدني عمرو بن مسعدة وألزمني من الخراج في هاتين الضيعتين ما لا يفي دخلهما به، فلما تحامل عليّ الدهر كنت أنظر إلى خرابات القوم فأندبهم. فقال المأمون: علي بعمرو بن مسعدة، فلما أُتي به قال له: يا عمرو أتعرف الرجل؟ قال: نعم هو من بعض صنائع البرامكة. قال: كم ألزمته في ضيعته؟ قال: كذا وكذا. قال: ردّ عليه كل ما استأديته إياه في سنيه وأوغر ضيعتيه تكونان له ولعقبه من بعده، فعلا نحيب الرجل بالبكاء يرثي البرامكة، فلما طال بكاؤه قال له المأمون: فممّ بكاؤك وقد أحسنا إليك؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا أيضاً من صنائع البرامكة، أرأيتك يا أمير المؤمنين لو لم آت خرابات القوم فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري بأمير المؤمنين ففعل بي ما فعل من أين كنت أصل إلى ما وصلت إليه؟ قال إبراهيم بن ميمون: فلقد رأيت المأمون وقد دمعت عينه واشتد حزنه على القوم وقال: صدقت لعمري هذه أيضاً من صنائعهم، فعليهم فابك وإياهم فاشكر! مساوئ قلة الوفاء والسعاية يقال: إن رجلاً رفع رقعة إلى عمر بن الخطاب، ﵀، يسعى فيها ببعض أصحابه، فوقّع فيها: تقربت إلينا بما باعدك من الرحمن ولا ثواب لمن آثر عليه. قيل: ورفع منتصح رقعة إلى عبد الملك بن مروان، فوقّع فيها: إن كنت كاذباً عاقبناك، وإن كنت صادقاً مقتناك، وإن استقلتنا أقلناك. فاستقاله الرجل. قيل: وكتب صاحب بريد همذان إلى المأمون بخراسان يعلمه أن كاتب البريد المعزول أخبره أن صاحبه وصاحب الخراج كانا تواطآ على إخراج مائتي ألف درهم من بيت المال واقتسماها بينهما، فوقّع المأمون: إنا نرى قبول السعاية شراً كمن قبله وأجازه، فأنف الساعي عنك فلو كان في سعايته صادقاً لقد كان في صدقه لئيماً إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر على أخيه.

стр. 57

قال: وقال المأمون لولده: يا بني نزّهوا أقداركم وطهروا أحسابكم عن دنس الوشاة وتمويه سعايتهم فكل جانٍ يده في فيه وليس يشي إليكم إلا أحد الرجلين ثقة وظنين، أما الثقة فقد قيل إنه لا يبلغ ولا يشين بالوشاية قدره، وأما الظنين فأهل أن يتهم صدقه ويكذّب ظنه ويردّ باطله، وما سعى رجل برجل إليّ قط إلا انحط من قدره عندي ما لا يتلافاه أبداً، فلا تعطوا الوشاة أمانيهم فيمن يشون بهم، فقد قال بعض الملوك لرجل سعى بآخر: لو كنت أنت أنا ما كنت صانعاً به؟ قال: كنت أقتله. فقال: أما إذ لم تكن أنت أنا فإني غير قاتله ومع ذلك فلا تدعوا الفحص عما يلقى إليكم مما تحذرون رجوع ضرره عليكم. عوانة قال: قام رجل إلى سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين عندي نصحية. قال: وما نصيحتك هذه؟ قال: كان فلان عاملاً ليزيد والوليد وعبد الملك فخانهم فيما تولاه واقتطع أموالاً جليلة فمر باستخرجها منه. فقال: أنت شر منه وأخون حيث اطّلعت على أمره وأظهرته ولولا أني أنفّر أصحاب النصائح لعاقبتكم ولكن اختر مني خصلة من ثلاث. قال: اعرضهن يا أمير المؤمنين. قال: إن شئت فتّشت عما ذكرت فإن كنت صادقاً مقتناك، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن شئت أقلناك. قال: بل تقيلني يا أمير المؤمنين. قال: قد فعلت فلا تعودن بعدها إلى أن تظهر من ذي مروءة ما كتمه الله وستره. محاسن الشكر قال بعض الحكماء: صن شكرك عمّن لا يستحقه واستر ماء وجهك بالقناعة. وقال الفضل بن سهل: من أحب الازدياد من النعم فليشكر، ومن أحب المنزلة عند سلطانه فليكفه، ومن أحب بقاء عزه فليسقط دالّته ومكره. ومن ذلك قول رجل لرجل شكره في معروف: لقد ثبتت في القلب منك محبةٌ ... كما ثبتت في الراحتين الأصابع قال: واصطنع رجل رجلاً فسأله يوماً: أتحبني يا فلان؟ قال: نعم أحبك حباً لو كان فوقك لأظلك ولو كان تحتك لأقلك. وقال كسرى أنوشروان: المنعم أفضل من الشاكر لأنه جعل له السبيل إلى الشكر. واختصر حبيب بن أوس من هذا شيئاً في مصراع واحد فقال: لهان علينا أن نقول وتفعلا وقال بشار: أثني عليك ولي حالٌ تكذبني ... فيما أقول وأستحيي من الناس قد قلت إن أبا حفصٍ لأكرم من ... يمشي فخاصمني في ذاك إفلاسي ولأبي الهول في مثله: فإني إذ مدحتك يا ابن معنٍ ... رآني الناس في رمضان أزني فإن أك أُبتُ عنك بغير شيءٍ ... فلا تفرح كذلك كان ظني ولآخر في مثله: لحى الله قوماً أعجبتهم مدائحي ... فقالوا خفاتاً في ملامٍ وفي عتب: أبا حازمٍ تمدح، فقلت معذّراً: ... هبوني امرأً جربت سيفي على كلب ولبعض المحدثين: عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمنٍ ... لكنه يشتهي حمداً بمجّان والناس أكيس من أن يحمدوا أحداً ... حتى يروا قبله آثار إحسان وقال آخر: فلو كان يستغني عن الشكر سيدٌ ... لعزّة ملكٍ أو علو مكان لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروني أيها الثقلان الباهلي عن أبي فروة قال: أخبرني الحلبي قال: مكتوب في التوراة: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت ولا إقامة لها إذا كفرت والشكر زيادة في النعم وأمان من الغِيَر. قيل وقال رسول الله، ﷺ : خمس يعاجل صاحبهن بالعقوبة: البغي والغدر وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم ومعروف لا يشكر. وفي حديث مرفوع: دعاء المنعم على المنعَم عليه مستجاب. وقيل: أنشد عمر بن الخطاب، ﵁، الحطيئة هذا البيت وعنده كعب الأحبار: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس فقال كعب: يا أمير المؤمنين هذا البيت الذي قال مكتوب في التوراة! قال عمر: وكيف ذاك؟ قال: في التوراة مكتوب: من يصنع المعروف لا يضيع عندي، لا يذهب العرف بيني وبين عبدي. قيل: ودخل أبو مسلم صاحب الدولة على أبي العباس وأبو جعفر المنصور عنده، فقال أبو العباس لأبي مسلم: يا عبد الرحمن هذا أبو جعفر عبد الله بن محمد مولاك! قال: قد رأيت مجلسه يا أمير المؤمنين ولكنّ هذا مجلس لا يقضى فيه حق غيرك.

стр. 58

فصل لكاتبه في مثله: ولست أقابل أياديك ولا أستديم إحسانك إلا بالشكر الذي جعله الله جل وعز للنعم حارساً وللحق مؤدياً وللمزيد سبباً. وقيل لرسول الله، ﷺ : أليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً! وفي الحديث أن رجلاً قال في الصلاة خلف رسول الله، ﷺ : اللهم ربنا لك الحمد حمداً زاكياً طيباً مباركاً فيه. فلما انصرف رسول الله، ﷺ ، قال: أيكم صاحب الكلمة؟ قال أحدهم: أنا يا رسول الله. فقال: لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرون أيهم يكتبها أولاً، وقيل: نسيان النعمة أول درجات الكفر، ولابن المقفع: مننت على قومي فأبدوا عداوةً ... فقلت لهم كفؤ العداوة والشكر وقال آخر: ألا في سبيل الله وُدٌ بذلته ... لمن لم يكن عندي لمعشاره أهلا ولكن إذا فكّرت فيه وجدتني ... بحسني إليه قد أفدت به عقلا وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: لا تدع المعروف لكفر من كفره فإنه يشكرك عليه أشكر الشاكرين، وقد قيل في ذلك: يد المعروف غنمٌ حيث كانت ... تحمّلَها شكورٌ أم كفور فعند الشاكرين لها جزاءٌ ... وعند الله ما كفر الكفور قال بعضهم: ما أنعم الله على عبد نعمةً فشكر ذلك إلا لم يحاسبه على تلك النعمة، وقال بعض الحكماء: عند التراخي عن شكر المنعم تحلّ عظائم النقم. قيل: وكان رسول الله، ﷺ ، كثيراً ما يقول لعائشة، ﵂: ما فعل بيتك أو بيت اليهودي؟ فتقول: يجزيك أو يُثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى فيقول، عليه وعلى آله السلام: قد صدق يا عائشة، إن الله جل وعز إذا أجرى لرجل على يدي رجل خيراً فلم يشكره فليس لله بشاكر. قيل وقيل لذي الرمة: لم خصصت بلال بن أبي بردة بمدحك؟ فقال: لأنه وطّأ مضجعي وأكرم مجلسي فحق لكثير معروفه عندي أن يستولي على شكري. ومنهم من يقدم ترك مطالبة الشكر وينسبه إلى مكارم الأخلاق، من ذلك ما قاله بزرجمهر: من انتظر بمعروفه شكراً فقد استدعى عاجل المكافأة. وقال بعض الحكماء: كما أن الكفر يقطع مادة الإنعام فكذلك الاستطالة بالصنيعة تمحق الأجر. وقال علي بن عبيدة: من المكارم الظاهرة وسنن النفس الشريفة ترك طلب الشكر على الإحسان ورفع الهمة عن طلب المكافأة واستكثار القليل من الشكر واستقلال الكثير مما يبذل من نفسه. مساوئ الشكر قال بعض الحكماء: المعروف إلى الكرام يعقب خيراً والمعروف إلى اللئام يعقب شراً، ومثل ذلك مثل المطر يشرب منه الصداف فيعقب لؤلؤاً وتشرب منه الأفاعي فتعقب سماً. وقال سفيان: وجدنا أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام. قيل: وأثار جماعة من الأعراب ضبعاً فدخلت خباء شيخ منهم. فقالوا: اخرجها. فقال: ما كنت لأفعل وقد استجارت بي. فانصرفوا، وكانت هزيلة فأحضر لها لقاحاً فجعل يسقيها حتى عاشت، فنام الشيخ ذات يوم فوثبت عليه فقتلته، فقال شاعرهم في ذلك: ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير ام عامر أعد لها لما استجارت بقربه ... غداءً من البان اللقاح الغزائر وأسمنها حتى إذا ما تملأت ... فرته بأنياب لها وأظافر فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بمعروفٍ إلى غير شاكر قيل: وأصاب أعرابي جرو ذئب فاحتمله إلى خبائه وقرّب له شاةً فلم يزل يمتص من لبنها حتى سمن وكبر ثم شد على الشاة فقتلها، فقال الأعرابي: غذتك شويهتي ونشأت عندي ... فما أدراك أن أباك ذيب فجعت نُسيةً وصغار قومٍ ... بشاتهم وأنت لهم ربيب إذا غلبت طباع الشر فيه ... فليس لغيرها فيه نصيب ويروى: نشأت مع السخال وأنت جرو. ويضرب المثل بسنّمار، وكان بنى للنعمان بن المنذر الخورنق فأعجبه فكره أن يبني لغيره مثله فأمر به فرمي من أعلاه حتى مات، فقيل فيه: جزتنا بنو سعدٍ بحسن بلائنا ... جزاء سنمّارٍ ولم يك ذا ذنب ويروى: وما كان ذا ذنب، وفي المثل: سمن كلبك يأكلك. وقال بعضهم:

стр. 59

وإني وقيساً كالمسمن كلبه ... فخدّشه أنيابه وأظافره محاسن الدهاء والحيل ذكروا أنه لم يكن في ملوك العجم أدهى من كسرى أنوشروان، وأن الخزر كانت تغير في سلطان فارس حتى تبلغ همذان والموصل، فلما ملك أنوشروان كتب إلى ملكهم فخطب ابنته على أن يزوجه أيضاً ابنته ويتوادعا ويتفرغا إلى سائر أعدائهما، فأجابه إلى ذلك، وعمد أنوشروان إلى جارية من جواريه نفيسة فزفّها إلى صاحب الخزر وأهدى معها ما يشبه أن يهدى مع بنات الملوك وزفّ صاحب الخزر إلى أنوشروان ابنته، فلما وصلت إليه قال لوزرائه: اكتبوا إلى صاحب الخزر لو التقينا وأكدنا المودة بيننا، فأجابه إلى ذلك ووعده موضع الدرب، فالتقيا فكانا يخلوان في لذاتهما، ثم إن أنوشروان أمر قائداً من قواده أن يختار ثلاثمائة رجل من أشد أصحابه فإذا هدأت العيون أغار في ناحية من عسكر الخزر، ففعل ذلك، فلما أصبح بعث إليه صاحب الخزر: ما هذا ينهب عسكري البارحة؟ فأنكر ذلك وقال: لم تؤت من قبلي. فأمهله أياماً ثم عاد إلى مثلها، ففعل ذلك ثلاث مرات في كل ذلك يعتذر إليه أنوشروان ويسأله البحث فيبحث فلا يقف على شيء، فلما طال ذلك دعا صاحب الخزر بقائد من قواده وأمره بمثل ذلك، فلما أصبح بعث إليه أنوشروان: ما هذا أتستبيح عسكري البارحة؟ فأرسل إليه: ما أسرع ما ضجرت، قد فعل هذا بعسكري ثلاث مرات وإنما فُعل بك مرة واحدة! فبعث إليه أنوشروان: إن هذا عمل قوم يريدون أن يفسدوا بيننا وعندي رأي إن قبلته. فقال: وما هو؟ قال: تدعني أبني حائطاً بيني وبينك وأجعل عليه باباً فلا يدخل عليك إلا من تحب ولا يدخل عليّ إلا من أحب. فأجابه إلى ذلك وتحمّل ومضى، وأقام أنوشروان فأمر، فبني بالصخر والرصاص حائط عرضه ثلاثمائة ذراع حتى ألحقه برؤوس الجبال وجعل عليه أبواب حديد فكان يحرسه مائة رجل بعد أن كان يحتاج إلى خمسة آلاف رجل، فلما فرغ من السد وقُيّد الفند في البحر وأحكم الأمر سرّ سروراً شديداً فأمر أن ينصب على الفند سريره ويفرش له عليه، ثم قام فرقى إليه وأغفى عليه، فطلع طالع من البحر سد الأفق بطوله وأهوى نحو الفند، فثار الأساورة إلى قسيهم، فانتبه الملك فقال: ما شأنكم؟ أمسكوا، لم يكن الله جل وعز ليلهمني الشخوص عن وطني اثنتي عشرة سنة فأسد ثغراً يكون عزاً لرعيتنا وردءاً ومرتقى لعباده ثم يسلط عليّ دابة من دواب البحر. فتنحى الأساورة وأقبل الطالع نحو الفند، فذكر الموبذ أن الله جل وعز أنطق ذلك الحيوان فقال: أيها الملك أنا ساكن من سكان هذا البحر وقد رأيت هذا الفند مشدوداً سبع مرات وخراباً سبع مرات، وأوحى الله جل وعز إلينا معشر سكان هذا البحر أن ملكاً عصره عصرك وصورته صورتك يبعثه الله جل وعز يسد هذا الثغر إلى الأبد، وأنت ذلك الملك، فأحسن الله على البر معونتك. ثم غاب عن بصره كأنما غاب في البحر أو طار في الجو، وسأل أنوشروان عند فراغه من ذلك السد من ذلك البحر، فقيل: هو ثلاثمائة فرسخ في مثلها وبينه وبين بيضاء الخزر مسيرة أربعة أشهر على هذا الساحل ومن بيضاء الخزر إلى الفند الذي بناه أسفندياذ مسيرة شهرين. فقال أنوشروان: لا بد من الوقوف عليه والنظر إليه. قالوا: أيها الملك إنه طريق لا يطمع في سلوكه لموضع فيه يقال له دهان شير، يريد فم الأسد، وفيه دردور لا يكاد تسلم فيه سفينة. قال أنوشروان: لا بد من ركوب هذا البحر والنظر إلى هذا السد.

стр. 60

فقالوا: أيها الملك اتق الله في نفسك وفيمن معك! فقال: أتوكل على الله الذي خلق هذا البحر وهو جل وعز ينجينا من دردوره ولا أحسب أني أمسح ايران شهر شرقه وغربه وأعرف عدد جباله وأوديته إلا بعد ركوب هذا البحر وسلوكه إلى البر. فهيئت له السفن وركب معه عدة من النساك حتى لجّجوا في البحر ووافوا ذلك الذي يعرف بدهان شير فدفعوا إلى دردورٍ هائل فبقوا فيه متحيرين لا يرون مناراً يجعلونه علماً لهم ولا جبلاً يقيمونه أمارةً لمنصرفهم، فرجعوا على الملك باللوم والعيب. فقال: أخلصوا نياتكم لله جل وعز وتضرعوا إليه، ففعلوا، ونذر أنوشروان إن نجاه الله جل ذكره ليصّدّقن بخراج سبع سنين. قال: فرفعت له جزيرة تعلوها الأمواج وفوق الجزيرة أسد في عظم جبل يتشرب الماء مؤخره وينحطّ من فيه إلى ذلك الدردور، فبينا هم كذلك إذ بعث الله ﷻ سمكة عظيمة فطفرت حتى صارت في في الأسد، فسكن الدردور ونفذت السفينة حتى وصل إلى ما أراد ثم انصرف إلى دار مملكته. حمّاد قال: حدثني أبي قال: قال الأعشى في مدحه إياس بن قبيصة وذكره مسيره إلى الروم حيث لقيه كسرى أبرويز بساتيدما، وهو جبل يزعم أهل العلم أنه دون الجبال وأنه لا بد من أن يراق عليه دم كل يوم. قال الواقدي: بل هو محيط بالدنيا، وزعموا أنه ليس في الأرض يوم إلا ويسفك عليه دم، وإنما سمي ساتيدما معناه سيأتي دماً، فكان من خبر إياس بن قبيصة أن كسرى أبرويز كان رجلاً سيء الظن وأنه بعث شهربراز إلى الروم في جيش عظيم فأعطي من الظفر ما لم يعط أحد كان قبله، وهو الذي أصاب خزائن الملك التي كانت تسمى كنج بادآورد، أي الكنز الذي جاءت منه به الريح، وكانوا حملوها ليحرزوها، فضربتها الريح في الجزر من خليج البحر فأخذها وبعث بها إلى كسرى، فحسده كسرى وحذره وبعث إليه برجل تقدم إليه في قتله، وكان الذي أتاه رجل من أهل أذربيجان، فلما رأى جماله وهيئته قال: لا يصلح قتل هذا في غير جرم ولا حق، فأخبره بما أمره به، فأرسل شهربراز إلى قيصر: إني أريد أن ألقاك. فالتقيا، فقال له: إن هذا الخبيث قد أراد قتلي وإني والله لأريدن منه مثل الذي أراد مني، فاجعل لي ما أطمئن إليه وأعطيك مثل ذلك، ولئن قتلته لتجلعن لي ما أغلب عليه من الكور وأجعل لك أن لا أغزوك أبداً ولا أتناول شيئاً من أرضك وأن أعطيك من بيوت أموال كسرى مثل ما تنفق في مسيرك هذا، فأعطاه قيصر ما سأل، وسار قيصر في أربعين ألف مقاتل وخلّف شهربراز في أرض الروم وقد أخذ منه العهود والمواثيق، ولم يعلم كسرى بذلك حتى دنا منه قيصر، فلما بلغه ذلك علم أن شهربراز علم بما كان دبره من قتله، وكانت جنوده قد تفرقت في السواد وغيرها، وكان كسرى قد أبغضه أهل مملكته وملّوه وعرف حاله عند الناس، فاحتال بحيل الرجال واستعمل المكر والدهاء فبعث إلى قسّ عظيم من النصارى يثق ملك الروم بقوله فقال: إني أكتب معك كتاباً لطيفاً في حرير وأجعله في قناة إلى شهربراز وجائزتك عليّ ألف دينار، وقد عرف كسرى أن القسّ يذهب بالكتاب إلى ملك الروم، فكتب إلى شهربراز: إني كتبت إليك وقد دنا قيصر مني وقد أحسن الله جل وعز إليّ بصنيعك ونفوذ تدبيرك وقد فرقت لهم الجيوش وأنا تاركه حتى يدنو مني وأثب عليه وثبة أستأصل شأفته بها، وإذا كان ذلك اليوم وهو يوم كذا وكذا فأغر أنت عليّ من قبلك منهم فإنك تبيدهم وتهلكهم، وأرجو أن تكون لملك قيصر مصطلماً. فخرج القسّ بالكتاب حتى لقي قيصر، وقد كانت صوّرت لقيصر أرض العرب والعراق وصوّرت له النهروان بغير حين المدّ، فلما انتهى إليه في المد وليس عليه جسر وقرأ الكتاب من يد القسّ وقال: هذا هو الحق، ورجع منهزماً مفلولاً واتبعه كسرى بإياس بن قبيصة الطائي فأدركهم بساتيدما مرعوبين مفلولين من غير لقاء ولا قتال، فقتلوا قتل الكلاب ونجا قيصر في خواص من أصحابه، فمدح الأعشى إياس بن قبيصة وكان قد أصابه مرض فقال: ما تعيف اليوم في الطير الرَّوَح ... من غراب البين أو تيس برح جالساً في نفرٍ قد أيسوا ... في مقيل القدّ من صحب قزح

стр. 61

قال ابن الأعرابي وسأله حماد عن قوله: ما تعيف القوم في الطير الروح؟ فقال: تطيّر الأعشى من مرض إياس إلى الزجر والفأل فقال لنفسه ما تعيف منه، أي ما تكره منه، وهو آخر أمره إلى السلامة، فرجع قيصر وقد اتهم شهربراز فلم يزل به حتى أمكنته الفرصة منه فقتله وعامة رجاله وأفناهم. قيل: ولما تشاغل عبد الملك بن مروان بمقاتلة مصعب بن الزبير اجتمع وجوه الروم إلى ملكهم وقالوا له: قد أمكنتك الفرصة من العرب فقد تشاغل بعضهم ببعض ووقع بأسهم بينهم فالرأي أن تغزوهم في بلادهم فإنك تذلهم وتنال حاجتك منهم، فنهاهم عن ذلك فأبوا عليه إلا أن يفعل، فلما رأى ذلك دعا بكلبين فأرّش بينهما فاقتتلا قتالاً شديداً ثم دعا بثعلب فخلاّه بينهما، فلما رأى الكلبان الثعلب تركا ما كانا فيه وأقبلا على الثعلب حتى قتلاه، فقال ملك الروم: هكذا العرب تقتتل بينها فإذا رأونا وهم مجتمعون تركوا ذلك وأقبلوا علينا، فعرفوا صدقه ورجعوا عما كانوا عليه. وعن بكّار بن ماهويه قال: قال كسرى أبرويز لمنجمه: كيف يكون أجلي؟ فقيل له: تقتل. فقال: والله لأقتلن قاتلي! فأمر بسم فخلط في أدوية وكتب عليه: هذا دواء الجماع من أخذ منه وزن كذا جامع كذا مرة، وصيّره في خزانة الطب، فلما قتله ابنه شيرويه فتّش خزانة أبيه فمرّ بذلك السم فقال في نفسه: بهذا كان يقوى أبي على الجماع وعلى شيرين وغيرها، فأخذ منه فمات من ساعته. وعن الهيثم عن ابن عياش قال: كان الحجاج حسوداً لا تتم له صنيعة حتى يفسدها، فوجه عمارة بن تميم اللخمي إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فظفر به وصنع به ما صنع ورجع إلى الحجاج بالفتح فلم ير منه ما أحب وكره منافرته، وكان عاقلاً رفيقاً، فجعل يترفق به ويداريه ويقول: أنت أيها الأمير أشرف العرب فمن شرفته شرف ومن وضعته اتضع وما ينكر لك ذلك مع رفقك ويمنك ومشورتك ورأيك، وما كان هذا كله إلا بصنع الله وتدبيرك، وليس أحد أشكر لصنيعك مني، ومَن ابن الأشعث وما خطره! حتى عزم الحجاج على المضي إلى عبد الملك فأخرج عمارة معه، فوفد عليه وعمارة يومئذٍ على أهل فلسطين أمير، فلم يزل يلطف بالحجاج في مسيره ويعظمه حتى قدموا على عبد الملك، فلما قامت الخطباء بين يديه وأثنت على الحجاج، قام عمارة فقال: يا أمير المؤمنين سل الحجاج عن طاعتي ومناصحتي وبلائي. فقال الحجاج: يا أمير المؤمنين صنع وصنع، ومن بأسه ونجدته وعفافه ومكيدته كذا وكذا، هو أيمن الناس نقيبةً وأعلمهم بتدبير وسياسة، ولم يبق غاية في الثناء عليه. فقال عمارة: أرضيت يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، فرضي الله عنك، حتى قالها ثلاثاً في كلها يقول: قد رضيت، فقال عمارة: فلا رضي الله عن الحجاج يا أمير المؤمنين ولا حفظه ولا عافاه! فهو والله السيء التدبير الذي قد أفسد عليك أهل العراق وألّب عليك الناس، وما أُتيت إلا من قلة عقله وضعف رأيه وقلة بصره بالسياسة، ولك والله أمثالها إن لم تعزله! فقال الحجاج: مه يا عمارة! فقال: لا مه ولا كرامة يا أمير المؤمنين، كل امرأة له طالق وكل مملوك له حر إن سار تحت راية الحجاج أبداً! فقال عبد الملك: ما عندنا أوسع لك، فلما انصرف عمارة إلى منزله بعث إليه الحجاج وقال: أنا أعلم أنه ما خرج هذا عنك إلا معتبة ولك عندي الغنى ولك ولك. فأرسل إليه: ما كنت أظن أن عقلك على هذا. أرجع إليك بعد الذي كان من طعني وقولي عند أمير المؤمنين! لا ولا كرامة لك.

стр. 62

وعن الهيثم بن الحسن بن عمارة قال: قدم شيخ من خزاعة أيام المختار فنزل على عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، فلما رأى ما تصنع شيعة المختار به من الإعظام له جعل يقول: يا عباد الله أبالمختار يصنع هذا؟ والله لقد رأيته تبيع الإماء بالحجاز! فبلغ ذلك المختار فدعا به فقال: ما هذا الذي يبلغني عنك؟ قال: الباطل، فأمر بضرب عنقه، فقال: لا والله لا تقدر على ذلك! قال: ولم؟ قال: أما دون أن أنظر إليك وقد فتحت مدينة الدمشق حجراً حجراً وقتلت المقاتلة وسبيت الذرية ثم تصلبني على شجرة على نهر! والله إني لأعرف الشجرة الساعة وأعرف شاطيء ذلك النهر! قال: فالتفت المختار إلى أصحابه فقال لهم: أما إن الرجل قد عرف الشجرة، فحبس حتى إذا كان الليل بعث إليه فقال: يا أخا خزاعة ومزاح عند القتال! فقال: أنشدك الله أن أُقتل ضياعاً! قال: وما تطلب ها هنا؟ قال: أربعة آلاف درهم أقضي بها ديني. قال: ادفعوها إليه وإياك أن تصبح بالكوفة، فقبضها وخرج. وعنه قال: كان سراقة البارقي من ظرفاء أهل المدينة فأسره رجل من أصحاب المختار فأتى به المختار وقال: أسرت هذا، فقال: كذبت والله ما أسرني هذا إنما أسرني رجل عليه ثياب بيض على فرس أبلق! فقال المختار: أما إن الرجل قد عاين، يعني الملائكة، خلّوا سبيله، فلما أفلت أنشأ يقول: ألا أبلغ أبا إسحاق عني ... رأيت الدُّهم بلقاً مصمتات أري عينيّ ما لم تبصراه ... كلانا مولعٌ بالترهات كفرت بدينكم وجعلت نذراً ... عليّ قتالكم حتى الممات وعنه قال: خرج الأخوص بن جعفر المخزومي يتغدى في دير اللجّ وذلك في يوم شديد البرد ومعه حمزة بن بيض وسراقة البارقي، فلما كانا على ظهر الكوفة وعليه الوبر والخز وعليهما أطمار قال حمزة لسراقة: أين يذهب بنا هذا في هذا البرد ونحن في أطمارنا؟ قال سراقة: أن أكفكيه. فبينا هو يسير إذ لقيهم راكب مقبل فحرك سراقة دابته نحوه وافقه ساعةً ولحق بالأخوص، فقال: ما خبّرك به الراكب؟ قال: زعم أن خوارج خرجت بالقطقطانة، قال: بعيد. قال: إن الخوارج تسير في ليلة ثلاثين فرسخاً وأكثر، وكان الأخوص أحد الجبناء فثنى رأس دابته وقال: ردوا طعامنا نتغدى في المنزل، فلما حاذى منزله قال لأصحابه: ادخلوا، ومضى إلى خالد بن عبد الله القسري فقال: قد خرجت خارجة بالقطقطانة، فنادى خالد في العسكر فجمعهم ووجّه خيلاً تركض نحو دير اللج لتعرف الخبر، فانصرفوا وأعلموه أنه لا أصل للخبر، فقال للأخوص: من أعلمك هذا؟ قال: سراقة، قال: وأين هو؟ قال: في منزلي، فأرسل إليه من أتاه به فقال: أنت أخبرته عن الخارجة؟ قال: ما فعلت أصلح الله الأمير، فقال له الأخوص: أوتكذبني بين يدي الأمير؟ قال خالد: ويحك اصدقني! قال: نعم أخرجنا في هذا البرد وقد ظاهر الخز والوبر ونحن في أطمارنا هذه فأحببت أن أرده، فقال له خالد: ويحك وهذا مما يتلاعب به؟! وكان سراقة ظريفاً شاعراً وهو الذي يقول: قالوا سراقة عنّينٌ فقلت لهم: ... ألله يعلم أني غير عنّين فإن ظننتم بي الشيء الذي زعموا ... فقربوني من بنت ابن يامين وذكروا أن شبيب بن يزيد الخارجي مر بغلام مستنقع في ماء الفرات فقال له: يا غلام اخرج إليّ أسائلك، فعرفه الغلام، فقال: إني أخاف، أفآمن أنا إن خرجت حتى ألبس ثيابي؟ قال: نعم، فخرج وقال: والله لا ألبسها اليوم، فضحك شبيب وقال: خدعني ورب الكعبة! ووكل به رجلاً من أصحابه يحفظه ألا يصيبه أحد من أصحابه بمكروه. قال: وكان رجل من الخوارج قال في قصيدة له: ومنا يزيد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب فسار البيت حتى سمعه عبد الملك بن مروان فأمر بطلب قائله، فأُتي به، فلما وقف بين يديه قال: أنت القائل: ومنا أميرُ المؤمنين شبيب؟ قال: لم أقل هكذا يا أمير المؤمنين، قال: فكيف قلت؟ قال: قلت ومنا أميرَ المؤمنين شبيب، فضحك عبد الملك وأمر بتخلية سبيله، فتخلص بحيلته وفطنته لإزالة الإعراب عن الرفع إلى النصب.

стр. 63

وزعموا أن عمرو بن معدي كرب الزبيدي هجم في بعض غاراته على شابّة جميلة منفردة فأخذها، فلما أمعن بها بكت، فقال: ما يبكيك؟ قالت: أبكي لفراق بنات عمي، كن مثلي في الجمال وأفضل مني، خرجت معهن فانقطعنا عن الحي، قال: وأين هن؟ قالت: خلف ذلك الجبل ووددت إذ أخذتني أخذتهن، فأخذ إلى الموضع الذي وصفته فما شعر بشيء حتى هجم على فارس شاكٍّ في السلاح فعرض عليه المصارعة فصرعه الفارس ثم عرض عليه ضروباً من المناوشة فغلبه الفارس في كلها، فسأله عمرو عن اسمه فإذا هو ربيعة بن مكدم، فاستنقذ الجارية منه. وعن عطاء أن مخارق بن عفان ومعن بن زائدة لقيا رجلاً ببلاد الشرك ومعه جارية لم يريا مثلها شباباً وجمالاً فصاحا بها ليخلي عنها، ومعه قوس فرمى وهابا الإقدام عليه، ثم عاد ليرمي فانقطع وتره وسلّم الجارية وأسند في جبل كان قريباً منه، فابتدرا الجارية وفي أذنها قرط فيه درة فانتزعه بعضهما من أذنها، فقالت: وما قدر هذا؟ لو رأيتما درّتين معه في قلنسوته، وفي القلنسوة وتر قد أعده فنسيه من الدهش! فلما سمع قول المرأة ذكر الوتر فأخرجه وعقده في قوسه، فوليا ليست لهما همة إلا النجاء وخليا عن الجارية. قيل: واستودع رجل رجلاً مالاً ثم طالبه به فجحده، فخاصمه إلى إياس بن معاوية القاضي وقال: دفعت إليه مالاً في مكان كذا وكذا، قال: فأي شيء كان في ذلك الموضع؟ قال: شجرة، قال: فانطلق إلى ذلك الموضع وانظر إلى تلك الشجرة فلعل الله أن يوضح لك هناك ما تبين به حقك أو لعلك دفنت مالك عند الشجرة فنسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة، فمضى، وقال إياس للمطلوب منه: اجلس حتى يرجع صاحبك، فجلس وإياس يقضي وينظر إليه بين كل ساعة ثم قال: ترى صاحبك بلغ موضع الشجرة؟ قال: لا، فقال: يا عدو الله أنت الخائن! قال: أقلني أقالك الله! فأمر بحفظه حتى جاء خصمه فقال له: خذه بحقك فقد أقرّ. قال: واستودع رجل رجلاً كيساً فيه دنانير فغاب وطالت غيبته فشقّ المستودع الكيس من أسفله وأخذ الدنانير وجعل مكانها دراهم وخيطه والخاتم على حاله، فجاء الرجل بعد ست عشرة سنة فقال: مالي. وطالب به، فأعطاه الكيس بخاتمه، فنظر إليه وإذا ماله دراهم، فأحضره مجلس إياس، فقال إياس للطالب: ماذا تقول؟ قال: أعطيته كيساً فيه دنانير، فقال: منذ كم؟ قال: فإذا ست عشرة سنة، قال: فضّا الخاتم، ففضاه، فقال: انثرا ما فيه، فنثراه، فإذا هي دراهم بعضها من ضرب عشر سنين وأكثر وأقل، فأقر بالدنانير وألزمه إياها حتى خرج منها. قال: وأودع رجل رجلاً من أمناء إياس مالاً وحج، فلما رجع طالبه فجحده، فأتى إياساً فأخبره، فقال: أتعلم أنك أخبرت غيري بذلك؟ قال: لا، قال: فهل علم أنك أعلمتني؟ قال: لا، قال: أفنازعته بحضرة أحد؟ قال: لا، قال: فانصرف واكتم أمرك ثم عد إلي، ودعا إياس أمينه ذلك فقال: قد حضر مال كثير وقد رأيت أن أودعك إياه وأصيره عندك فارتد له موضعاً وأتني بمن يحمله معك. فمضى الأمين، وعاد الرجل إلى إياس فقال له: انطلق إلى صاحبك فطالبه بمالك فإن أعطاك وإلا فقل إنك تعلمني، فأتاه فقال له: اعطني مالي وإلا أتيت القاضي فأعلمته، فدفع إليه ماله، وصار إلى إياس فقال: قد رد مالي عليّ، وجاء الأمين إلى إياس في موعده فانتهره وقال: اخرج عني يا خائن. قال: وأراد معاوية أن يوجه ابنه يزيد إلى غزو الصائفة وكره يزيد ذلك وأنشأ يقول: تجنّى لا تزال تعدّ ذنباً ... لتقطع وصل حبلك عن حبالي فيوشك أن يريحك من أذاتي ... نزولي في المهالك وارتحالي

стр. 64

وخرج وخرج الناس معه، وفيمن خرج أبو أيوب الأنصاري، فلما قرب من قسطنطينية اشتكى أبو أيوب فأتاه يزيد عائداً، فقال له: ما حاجتك؟ قال: أما دنياكم فلا حاجة لي فيها ولكن سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: يدفن بجنب قسطنطينية رجل صالح وقد رجوت أن أكونه فقدمني ما قدرت عليه، فمات فلما فرغ من جهازه ووضع على سريره قدّم الكتائب بين يديه، فنظر قيصر ورأى أمراً عجيباً وشيئاً يحمل والناس بالسلاح تحته، فأرسل إليه: ما هذا الذي نرى؟ قال يزيد: هذا صاحب نبينا، ﷺ ، أوصى أن ندفنه إلى جنب مدينتكم ونحن ننفذ وصيته أو نموت دونه، فأرسل إليه: العجب من الناس! وما يذكرونه من دهاء أبيك وهو يبعثك في هذا البعث تدفن صاحب نبيك بجنب مدينتي فإذا ولّيت عنه نبشته فطرحته للكلاب، فأرسل إليه يزيد: إني ما أردت أن أُجنّه حتى أودع مسامعك كلامي، وكفرت بالذي أكرمتُ له هذا الميت، لئن تعرضت له لا تركت في أرض العرب نصرانياً إلا سفكت دمه واستصفيت ماله وسبيت حرمه، فأرسل إليه قيصر: كان أبوك أعرف لك مني وإني أحلف بحق المسيح، ﵇، لا يحرسه سنة أحد غيري.

стр. 65

وعن بعض مشايخ المدينة قال: كانت عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، رضوان الله عليهما، جارية مغنية يقال لها عُمارة، فلما وفد عبد الله على معاوية خرج بها معه فزاره يزيد ذات يوم وأقام عنده، فأخرجها إليه فلما نظر إليها وسمع غناءها وقعت في نفسه فأخذه عليها ما لم يملك نفسه معه وجعل يمنعه من أن يبوح به مكان أبيه مع يأسه من الظفر بها، فلم يزل يكاتمه إلى أن مات معاوية وأفضى إليه الأمر وتقلد الخلافة يزيد، فاستشار بعض من يثق به في أمرها فقال: إن أمر عبد الله لا يرام، وأنت لا تستجيز إكراهه ولا يبيعها بشيء أبداً وليس يغني في هذا الأمر إلا الحيلة، قال: اطلب لي رجلاً عاقلاً من أهل العراق ظريفاً أديباً له معرفة ودراية، فطلبوه فأتوه به، فلما دخل عليه استنطقه فرأى بياناً وحلاوة وفقهاً، فقال له: إني دعوتك لأمر إن ظفرت به فهو حظوتك آخر الدهر ويدٌ أكافيك عليها، ثم أخبره بأمره، فقال: يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن جعفر ما يرام ما قبله إلا بالخديعة وإن يقدر على ما سألت رجلٌ فأرجو أن أكونه والقوة بالله، فأعني يا أمير المؤمنين بالمال، قال: خذ ما أحببت، فأخذ واشترى من طُرف الشام وثياب مصر ومتاعها للتجارة ومن الرقيق والدواب وغير ذلك حاجته وشخص إلى المدينة فأناخ بعرصة عبد الله بن جعفر واكترى منزلاً إلى جانبه ثم توسل إليه وقال: أنا رجل من أهل العراق وقدمت بتجارة فأحببت أن أكون في جوارك وكنفك إلى أن أبيع ما جئت به، فبعث عبد الله إلى قهارمته وقال: أكرموا جارنا وأوسعوا عليه المنزل، فلما اطمأن العراقي وسلم عليه أياماً وعرّفه نفسه هيّأ له بغلة فارهة وثياباً من ثياب العراق وألطافاً وبعث بها إليه وكتب رقعة يقول فيها: يا سيدي أنا رجل تاجر ونعمة الله عليّ سابغة وعندي احتمال وقد بعثت إليك بشيء من اللطف وهو كذا ومن الثياب والعطر وبعثت إليك ببغلة خفيفة العنان وطية الظهر فاتخذها لرحلك وأنا أسألك بقرابتك من رسول الله، ﷺ ، إلا قبلت هديتي ولم توحشني بردها فإني أدين الله بحبك وحب أهل بيتك، وإن أفضل ما في سفري هذا أن أستفيد الأنس بك وأتشرف بمواصلتك، وأمر عبد الله بقبض هديته وخرج إلى الصلاة، فلما رجع مرّ بالعراقي في منزله فقام إليه وقبل يده وسلم عليه واستكثر منه، فرأى أدباً وظرفاً وحلاوة وفصاحة فأعجب به وسرّ بنزوله عليه، فجعل العراقي يبعث كل يوم بلطف إلى عبد الله وبطرف، فقال عبد الله: جزى الله ضيفنا هذا خيراً فقد ملأنا شكراً وأعيانا عن مجازاته، فإنهما لكذلك إذ دعاه عبد الله ودعا بعمارة وجواريه، فلما تعشيا وطاب لهما وسمع غناء عمارة تعجب وجعل يزيد في عجبه إذ رأى ذلك يسرّ عبد الله إلى أن قال له: رأيت مثل عمارة؟ قال: لا والله يا سيدي ما رأيت مثلها وما تصلح إلا لك وما ظننت أنه يكون في الدنيا مثل هذه حسن وجه وحذق عملٍ! قال: كم تساوي عندك؟ قال: ما لها ثمن إلا الخلافة، قال: تقول هذا لما ترى من رأيي فيها ولتجلب سروري! قال: والله يا سيدي إني لأحب سرورك وما قلت لك إلا الجدّ، وبعد فإني رجل تاجر أجمع الدرهم إلى الدرهم طلباً للربح ولو أعطيتها بعشرة آلاف دينار لأخذتها، قال عبد الله: بعشرة آلاف دينار؟ قال: نعم، ولم يكن في ذلك الزمان جارية بعشرة آلاف دينار، فقال عبد الله كالمازح: أنا أبيعكها بعشرة آلاف دينار! قال: قد أخذتها، قال: هي لك، قال: قد وجب البيع، وانصرف العراقي. فلما أصبح لم يشعر عبد الله إلا والمال قد وافاه، فقال عبد الله: بعث العراقي بالمال؟ قالوا: نعم بعشرة آلاف دينار وقال هذه ثمن عمارة، فردها إليه وقال: إنما كنت أمزح معك وما أعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها، قال: جعلت فداك إن الجد والهزل في البيع سواء! قال له عبد الله: ويحك لا أعلم موضع جارية تساوي ما بذلت ولو كنت بائعها من أحد لآثرتك ولكني كنت أمازحك وما أبيعها بملك الدنيا لحرمتها بي وموقعها من قلبي، قال له العراقي: فإن كنت مازحاً فإني كنت جاداً، وما اطلعت على ما نفسك، وقد ملكت الجارية وبعثت بالثمن وليست تحلّ لك وما من أخذها بدّ، فمنعه إياها، فخرج العراقي وهو يقول: أستحلفك في مجلس أمير المؤمنين، فلما رأى عبد الله الجد منه قال: بئس الضيف! ما طرقنا طارق ولا نزل بنا ضيف أعظم بلية علينا منك، تحلفني فيقول الناس اضطهده

стр. 66

وقهره وألجاه إلى أن استحلفه، أما والله ليعلمنّ أني سأبلي في هذا الأمر الصبر وحسن العزائم وجميل العزاء! ثم أمر قهرمانه بقبض المال وتجهيز الجارية بما يشبهها من الثياب والخدم والطيب والمركب، فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، ثم سلمها إلى قهرمانه وقال: أوصل الجارية إليه مع ما معها وقل هذا لك ولك عندنا عوضٌ مما ألطفتنا به، فقبض العراقي الجارية وخرج، فلما برز من المدينة قال لها: يا عمارة إني والله ما ملكتك قطّ ولا أنت لي ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار، وما كنت لأقدم على عبد الله بن جعفر فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي ولكني دسيس من قبل أمير المؤمنين يزيد وأنت له وفي طلبك بعثني فاستتري مني فإن دخلني الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي، ثم مضى بها حتى ورد دمشق فتلقاه الناس يحملون جنازة يزيد وقد استخلف ابنه معاوية، فأقام الرجل أياماً ثم تلطف للدخول عليه فشرح له القصة، فقال: هي لك، فارتحل العراقي وقال للجارية: إني قلت لك ما قلت حين أخرجتك من المدينة لأني لم أملكك وقد صرت الآن لي وأنا أشهدك أني قد وهبتك لعبد الله بن جعفر، فخرج بها حتى قدم المدينة فنزل قريباً من عبد الله، فدخل عليه بعض خدمه فقال: هذا العراقي ضيفك الصانع بنا ما صنع لا حياه الله قد نزل! فقال: مه أنزلوا الرجل واكرموا مثواه، فأرسل إلى عبد الله: إن أذنت، جعلت فداك، لي في الدخول عليك دخلة خفيفة أشافهك فيها بحاجتي وأخرج. فأذن له، فلما دخل عليه خبّره بالقصة وحلف له بالمحرجات من الأيمان أنه ما رأى لها وجهاً إلا عنده وها هي ذه، فأدخلها الدار، فلما رآها أهل الدار والحشم تصايحوا ونادوا: عمارة عمارة! فلما رأت عبد الله خرّت مغشياً عليها، وجعل عبد الله يمسح وجهها بكمّه ويقول: يا حبيبتي أحلم هذا؟ فقال له العراقي: بل ردها الله إليك بوفائك وكرمك، فقال عبد الله: قد علم الله كيف كان الأمر، فالحمد لله على كل حال، ثم أمر ببيع عير له بثلاثة عشر ألف دينار وأمر بها للعراقي، فانصرف إلى العراق وافر العرض والمال. هره وألجاه إلى أن استحلفه، أما والله ليعلمنّ أني سأبلي في هذا الأمر الصبر وحسن العزائم وجميل العزاء! ثم أمر قهرمانه بقبض المال وتجهيز الجارية بما يشبهها من الثياب والخدم والطيب والمركب، فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، ثم سلمها إلى قهرمانه وقال: أوصل الجارية إليه مع ما معها وقل هذا لك ولك عندنا عوضٌ مما ألطفتنا به، فقبض العراقي الجارية وخرج، فلما برز من المدينة قال لها: يا عمارة إني والله ما ملكتك قطّ ولا أنت لي ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار، وما كنت لأقدم على عبد الله بن جعفر فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي ولكني دسيس من قبل أمير المؤمنين يزيد وأنت له وفي طلبك بعثني فاستتري مني فإن دخلني الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي، ثم مضى بها حتى ورد دمشق فتلقاه الناس يحملون جنازة يزيد وقد استخلف ابنه معاوية، فأقام الرجل أياماً ثم تلطف للدخول عليه فشرح له القصة، فقال: هي لك، فارتحل العراقي وقال للجارية: إني قلت لك ما قلت حين أخرجتك من المدينة لأني لم أملكك وقد صرت الآن لي وأنا أشهدك أني قد وهبتك لعبد الله بن جعفر، فخرج بها حتى قدم المدينة فنزل قريباً من عبد الله، فدخل عليه بعض خدمه فقال: هذا العراقي ضيفك الصانع بنا ما صنع لا حياه الله قد نزل! فقال: مه أنزلوا الرجل واكرموا مثواه، فأرسل إلى عبد الله: إن أذنت، جعلت فداك، لي في الدخول عليك دخلة خفيفة أشافهك فيها بحاجتي وأخرج. فأذن له، فلما دخل عليه خبّره بالقصة وحلف له بالمحرجات من الأيمان أنه ما رأى لها وجهاً إلا عنده وها هي ذه، فأدخلها الدار، فلما رآها أهل الدار والحشم تصايحوا ونادوا: عمارة عمارة! فلما رأت عبد الله خرّت مغشياً عليها، وجعل عبد الله يمسح وجهها بكمّه ويقول: يا حبيبتي أحلم هذا؟ فقال له العراقي: بل ردها الله إليك بوفائك وكرمك، فقال عبد الله: قد علم الله كيف كان الأمر، فالحمد لله على كل حال، ثم أمر ببيع عير له بثلاثة عشر ألف دينار وأمر بها للعراقي، فانصرف إلى العراق وافر العرض والمال.

стр. 67

أبو محارب قال: قال معاوية بن أبي سفيان: إن عمرو بن العاص قد احتجن عنا خراج مصر، فعزله واستعمل أبا الأعور السلمي، فبلغ عمراً الخبر فدعا وردان مولاه وقال له: ويحك عزلني أمير المؤمنين! قال: فمن استعمل؟ قال: أبا الأعور، قال: دعني وإياه أصنع له طعاماً ولا ينظر في كتابه حتى يأكل، قال: نعم، فلما قدم عليه أخرج الكتاب بتسليم العمل إليه، فقال عمرو: ما تصنع بالكتاب؟ لو جئتنا برسالة لقبلنا ذلك منك، فقال وردان: ضع الكتاب وكل، فقال أبو الأعور لعمرو: انظر في الكتاب، قال: ما أنا بناظر فيه حتى تأكل، فوضعه إلى جانبه وجعل يأكل، فاستدار وردان فاتخذه، فلما فرغ أبو الأعور من غدائه طلب الكتاب فلم يجده فقال: أين كتابي؟ فقال له عمرو: أوليس جئتنا زائراً لنحسن إليك؟ قال: بل استعملني أمير المؤمنين وعزلك! قال: مهلاً لا يظهرن هذا منك فإنه قبيح ونحن نصلك ونحسن إليك، فرضي بالصلة، وبلغ معاوية الخبر فاستضحك وتعجب من فعله وأقرّ عمراً على عمله. وعن الشعبي قال: كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية، وكان خاف العزل: قد كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وسفهني سفهاء قريش وأمير المؤمنين أولى بعمله. فكتب إليه معاوية: أما ما ذكرت من كبر سنك فأنت أكلت عمرك، وأما اقتراب أجلك فلو أستطيع دفع الموت عن أحد دفعته عن نفسي وعن آل أبي سفيان، وما ذكرت من سفهاء قريش فحلماؤها أنزلتك هذه المنزلة، وأما العمل فاصبر رويداً يدرك الهيجاء حمل. فاستأذنه في القدوم عليه فأذن له، فوافاه، فقال له معاوية: يا مغيرة كبرت سنك واقترب أجلك ولم يبق منك شيء وسأستبدل بك، فانصرف فرأى أصحابه الكآبة في وجهه فقالوا: ما لك؟ قال: قال لي كيت وكيت، قالوا له: فما تريد أن تصنع؟ قال: ستعلمون، قال: فأتى معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين إن الإنسان يغدو ويروح، ولستَ في زمن أبي بكر ولا عمر، فلو أنك نصبت لنا إنساناً نصير إليه بعدك، كان الرأي على أني قد كنت دعوت أهل العراق إلى يزيد، قال: يا أبا محمد انصرف إلى عملك واحكم هذا الأمر لابن أخيك. قال: فأقبل على البريد يركض وقال: قد والله وضعت رجله في ركاب طويل الركض، قال: فذاك هو الذي بعث معاوية على أخذ البيعة ليزيد. مساوئ العيّ وضعف العقل

стр. 68

قال ثمامة صاحب الكلام: كان المأمون قد همّ بلعن معاوية وأن يكتب بذلك كتاباً في الطعن عليه، قال: ففثأه عن ذلك يحيى بن أكثم وقال: يا أمير المؤمنين العامة لا تحتمل هذا ولا سيما أهل خراسان ولا تأمن أن يكون لهم نفرةٌ ونبوةٌ لا تستقال ولا يُدرى ما تكون عاقبتها، والرأي أن تدع الناس على ما هم عليه ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق فإن ذلك أصلح في السياسة وآمن في العاقبة وأجرى في التدبير، فركن إلى قوله، فلما دخلت عليه قال: يا ثمامة قد علمت ما كنا دبّرناه في أمر معاوية وقد عارضنا رأيٌ هو أصلح في تدبير المملكة وأبقى ذكراً في العامة، ثم أخبرني أن يحيى بن أكثم حذّره وأخبره بنفور العامة عن مثل هذا الرأي، فقلت: يا أمير المؤمنين والعامة عندك في هذا الموضع الذي وضعها فيه يحيى، والله لو بعثت إليها إنساناً على عاتقه سوادٌ ومعه عصاً لساق إليك منها عشرة آلاف! والله يا أمير المؤمنين ما رضي الله جل وعز أن سوّاها بالأنعام حتى جعلها أضل سبيلاً، فقال ﵎: " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً "، والله لقد مررت يا أمير المؤمنين منذ أيام في شارع الخلد وأنا أريد الدار فإذا إنسان قد بسط كساءه وألقى عليه أدوية وهو قائم ينادي: هذا الدواء للبياض في العين والغشاوة والظلمة وضعف البصر، وإن إحدى عينيه لمطموسة والأخرى مؤلَمة، وقد تألبوا عليه واحتفلوا إليه، فنزلت عن دابتي ودخلت بين تلك الجماعة فقلت: يا هذا أرى عينيك أحوج الأعين إلى العلاج وأنت تصف هذا الدواء وتخبر أنه شفاء! فما بالك يا هذا لا تستعمله؟ قال: أنا في هذا الموضع منذ عشرين سنة ما رأيت شيخاً قط أجهل منك ولا أحمق! قلت: وكيف ذاك؟ قال: يا جاهل أتدري أين اشتكت عيني؟ قلت: لا، قال: بمصر، فأقبل عليّ الجماعة فقالت: صدق والله أنت جاهل، وهمّوا بي، فقلت: والله ما علمت أن عينه اشتكت بمصر! فتخلصت منهم بهذه الحجة. قال: فضحك المأمون وقال: ما لقيت من الله جل ذكره من سوء الثناء وقبح الذكر أكثر، قلت: أجل. وقيل: إنه كان رجل من المعتزلة وكان له جار يرى رأي الخوارج، وكان كثير الصلاة والصيام حسن العبادة، فقال المعتزلي لرجلين من أصحابه: مرّا بنا إلى هذا الرجل فنكلمه لعل الله جل وعز ينقذه من الهلكة بنا ويهديه من الضلالة، فأتوه وكلّموه فأصغى إلى كلامهم، فلما سكتوا انتعل وقام ومعه القوم حتى وقف على باب المسجد فرفع صوته بالقراءة واجتمع إليه الناس، وقعد الرجل وصاحباه، فقرأ ساعةً حتى أبكى الناس ثم وعظ فأحسن ثم ذكر الحجاج فقال: أحرق المصاحف وهدم الكعبة وفعل وفعل فالعنوه لعنه الله! فلعنه الناس ورفعوا أصواتهم، ثم قال: يا قوم وما علينا من ذنوب الحجاج ومن أن يغفر الله له ولنا معه فإنا كلنا مذنبون، لقد كان الحجاج غيوراً على حرم المسلمين تاركاً للغدر ضابطاً للسبيل عفيفاً عن المال لم يتخذ ضيعةً ولم يكن له مال فما علينا إن نترحم عليه فإن الله رحيم يحب الراحمين، ثم رفع يده ودعا بالمغفرة للحجاج ورفع القوم أيديهم وارتفعت الأصوات بالاستغفار ملياً، قال الرجل المعتزلي وهو يلاحظني، فلما فرغ وانصرف ضرب بيده إلى منكبي وقال: هل رأيت مثل هؤلاء القوم لعنوه واستغفروا له في ساعة واحدة، أتنهى عن دماء أمثال هؤلاء؟ والله لأجاهدنهم مع كل من أعانني عليهم. محاسن التيقظ قيل: كان أردشير من أشد خلق الله فحصاً وبحثاً عن سرائر خاصته وعامته وإذكاءً للعيون عليهم وعلى الرعية، وكان يقول: إنما سمي الملك راعياً ليفحص عن دفائن رعيته، ومتى غفل الملك عن تعرفه ذلك فليس له من رسم الراعي إلا اسمه ومن الملك إلا ذكره، ويقال: إنه كان يصبح فيعلم كل شيء جرى في دار مملكته خير أم شر ويمسي فيعلم كل شيء أصبحوا عليه، فكان متى شاء قال لأرفعهم وأوضعهم: كان عندك في هذه الليلة كيت وكيت، ثم يحدّثه بكل ما كان فيه إلى أن أصبح، وكان بعضهم يقول: يأتيه ملك من السماء فيخبره، وما كان ذلك إلا لتيقظه وكثرة تعهده لأمور رعيته.

стр. 69

ويقال: إن الأمم كلها، أولها وآخرها، قديمها وحديثها، لم تخف ملوكها خوفها أردشير من ملوك العجم وعمر بن الخطاب، ﵁، من ملوك العرب والإسلام، فإن عمر، ﵁، كان علمه بمن نأى من عماله ورعيته كعلمه بمن بات معه على مهاد، فلم يكن له في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي أمير ولا عامل إلا وله عليه عين لا يفارقه، فكان أخبار النواحي كلها عنده كل صباح ومساء، حتى إن العامل كان يتوهم على أقرب الخلق إليه وأخصهم به، فساس الرعية سياسة أردشير في الفحص عنها وعن أسرارها، ثم اقتفى معاوية فعله وطلب أثره، فانتظم له أمره وطالت في الملك مدّته. وكذا كان زياد بن أبي سفيان يحتذي فعل معاوية كاحتذاء معاوية فعل عمر، ﵀، في تعرف أمور رعيته وممالكه، وفي ما يُحكى عنه أن رجلاً كلمه في حاجة له فتعرف إليه وهو يظن أنه لا يعرفه فقال: أصلح الله الأمير، أنا فلان بن فلان، فتبسم زياد وقال: أتتعرف إلي وأنا أعرف منك بنفسك؟ والله إني لأعرفك وأعرف أباك وأمك وجدك وجدتك وأعرف هذا البُرد الذي عليك وهو لفلان! فبهت الرجل وأُرعد حتى كاد يغشى عليه. وعلى هذا كان عبد الملك بن مروان والحجاج ولم يكن بعد هؤلاء الثلاثة أحد في مثل هذه السياسة حتى ملك المنصور فكان أكبر الأمور عنده معرفة الرجال حتى عرف العدو من الولي والموادع والمسالم من المشاغب فساس الرعية على ذلك، ثم درست هذه السياسة حتى ملك الرشيد فكان أشد الملوك بحثاً عن أسرار رعيته وأكثرهم بها عناية وأحزمهم فيها أمراً. وعلى هذا كان المأمون في أيامه، والدليل على أمر المأمون رسالته إلى إسحاق بن إبراهيم في الفقهاء وأصحاب الحديث وهو بالشام خبّر فيها عن عيب واحد واحدٍ وعن نحلته وعن أموره التي خفيت أو أكثرها على القريب والبعيد، ولم يكن أحد من ذوي السلطان الأعظم أشد فحصاً وبحثاً عن أمور الناس حتى بلغ هذا المبلغ في الاستقصاء وجعله أكبر شُغله وأكثره في ليله ونهاره من إسحاق بن إبراهيم. حدثني موسى بن صالح بن شيخ قال: كلمته في امرأة من بعض أهلنا وسألته النظر لها فقال: يا أبا محمد من قصة هذا المرأة ومن فعلها، قال: فوالله ما زال يحدثني ويخبرني عن قصتها ويصف أحوالها حتى بُهتّ. وحدّث أبو البرق الشاعر قال: كان يجري عليّ أرزاقاً فدخلت عليه فقال بعد أن أنشدته: كم عيالك؟ تحتاج في كل شهر من الدقيق إلى كذا ومن الحطب إلى كذا، فأخبرني بشيء من أمر منزلي جهلت بعضه وعلمه كله. وحدث بعض من كان في ناحتيه قال: رفعت إليه قصة أسأله فيها أجراً وأرزاقاً، فقال: كم عيالك؟ فزدت في العدد، فقال: كذبت، فبهتّ وقلت: يا نفس من أين علم أني كذبت! فأقمت سنة أخرى لا أجسر على كلامه ثم رفعت إليه القصة، فقال: كم عيالك؟ فقلت: كذا، قال: صدقت، ووقع في القصة: يجرى على عياله كذا وكذا.

стр. 70

ويقال: إن كسرى أبرويز كان نصب رجلاً يمتحن به من فسدت عليه نيته من رعيته وطعن في المملكة، فكان الرجل يُظهر التأله والدعاء إلى التخلي من الدنيا والرغبة في الآخرة وترك أبواب الملوك، وكان يقص على الناس ويبكيهم ويشوب كلامه في خلال ذلك بذم الملك وتركه شرائع ملته وسنن سيرته ودينه الذي كان عليه، وكان هذا الرجل يمتثل ما حدّه له أبرويز ليمتحن بذلك خاصته، وكان من يسعى يخبر أبرويز بذلك، فيضحك ويقول: فلان في عقله ضعف وأنا أعلم أنه وإن كان بتكلم بما يتكلم لا يقصدني بسوء ولا المملكة بما يوهنها، ويظهر الاستهانة بأمره والثقة به والطمأنينة إليه، ثم توجه إليه في خلال ذلك من يدعوه فيأبى أن يجيبه ويقول: لا ينبغي لمن خاف الله أن يخاف أحداً سواه، فكان الطاعن على الملك والمملكة يكثر الخلوة بهذا الرجل والزيارة له والأنس به، فإذا خلوا تذاكرا أمر الملك فابتدأ الناسك فطعن فيه وأعانه الخائن وطابقه على ذلك وشايعه، فيقول الناسك: إياك وأن يظهر هذا الجبار على كلامك فإنه لا يحتمل لك ما يحتمله لي، فحصّ منه دمك، فيزداد الآخر إليه استنامة وبه ثقة، فإذا علم الناسك أنه قد بلغ من الطعن على الملك ما يستوجب به العقوبة في الشريعة قال لمن بحضرته: إني قاعد غداً مجلساً للناس أقص عليهم فاحضروه، ويقول لمن هو أشد به ثقة: احضر أنت فإنك رجل رقيق عند الذكر حسن النية ساكن الريح بعيد الصوت وإن الناس إذا رأوك قد حضرت زادت نياتهم خيراً وسارعوا إلى استجابتي، فيقول الرجل: إني أخاف من هذا الجبار فلا تذكره إن حضرت، وكانت العلامة بينه وبين أبرويز أن أبرويز قد كان وضع عيوناً يحضرون متى جلس، فكان الناسك يقصّ على العامة ويزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة والخائن حاضر، فيأخذ الناسك في ذكر الملك، فينهض الخائن، وتجيء عيون أبرويز فتخبره بما كان، فإذا زال الشك عنه في أمره وجّهه إلى بعض البلدان وكتب إلى عامله: قد وجهت إليك برجل وهو قادم عليك بعد كتابي هذا فأظهر بره والأنس به والثقة إليه والسكون إلى ناحيته فإذا اطمأنت به الدار فاقتله قتلةً تحيي بها بيت النار وتصل بها حرمة النوبهار، فإن من فسدت نيته بغير علة في الخاصة والعامة لم يصلح بعلة، ومن فسدت نيته بعلة صلحت بخلافها.

стр. 71

قال: وحدثنا الوضّاح بن محمد بن عبد الله قال: سمعت أبا بديل بن حبيب يقول: كنا إذا خرجنا من عند أبي جعفر المنصور صرنا إلى المهدي وهو يومئذٍ ولي عهد، ففعلنا ذلك يوماً فأبرز لي المنصور يده فانكببت عليها فقبلتها، فضرب يدي بيده، فعلمت أنه لم يفعل ذلك إلا لشيء في يده، فوضع في يدي كتاباً صغيراً تستره الكف، فلما خرجت قرأت الكتاب فإذا فيه: إذا قرأت كتابي هذا فاستأذن إلى ضياعك بالري، فرجعت فاستأذنت فقلت: يا أمير المؤمنين ضياعي بالري قد اختلت ولي حاجة إلى مطالعتها. فقال: لا ولا كرامة، فخرجت ثم عدت إليه اليوم الثاني فكلمته، فردّ عليّ مثل الجواب الأول، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما أردت صلاحها لأقوى بها على خدمتك، فقال: إذا شئت، فقلت: يا أمير المؤمنين فلي حاجة أذكرها. قال: قلت: أحتاج إلى خلوة، فنهض القوم وبقي الربيع، فقلت أحلني، قال: ومن الربيع؟ قلت نعم، فتنحى الربيع فقال: إن جدت لي بدمك ومالك، فقلت: يا أمير المؤمنين وهل أنا ومالي إلا من نعمتك؟ حقنت دمي ورددت علي مالي وآثرتني بصحبتك، فقال: إنه يهجس في نفسي أن المرار بن جهور على خلعي وليس لي غيرك لما أعرف بينكما فاظهر إذا صرت إليه الوقيعة فيّ والتنقّص لي حتى تعرف ما عنده فإذا رأيته يهمّ بخلعي فاكتب إليّ ولا تكتبن على بريد ولا مع رسول ولا يفوتني خبرك في كل يوم فقد نصبت لك فلاناً القطان في دار القطن فهو يوصل كتبك، قال: فمضيت حتى أتيت الري فدخلت على مرّار فقال: أفلتّ؟ قلت: نعم والحمد لله، ثم أقبلت أؤنسه بالوقيعة في المنصور حتى أظهر ما كان المنصور ظن به، فكتبت إليه بذلك، فلما وصلت منه إلى ما أردت أتيت ضياعي ثم رجعت إليه بعد أيام، فقال: نجّاك الله من الفاجر؟ قلت: نعم، وأرجو أن تقع عينه عليّ أبداً، فكنت أعرّض به فيزيدني مما عنده، ثم قال لي: هل لك أن تخرج إلى متنزه طيب؟ قلت: نعم، فخرجت أنا وهو نتساير حتى صرنا إلى موضع مشرف قد بنيت له عليه قبة، فأحدّ النظر إلى ما هناك ثم قال: يا أبا بديل أترى الفاجر يظن أني أعطيه طاعة أبداً ما عشت؟ اشهد أني قد خلعته كما خلعت خفّي هذا من رجلي! قال: فرجعت إلى منزلي وأنا في كل يوم أكتب بخبره، قال: وقد كنت أعددت تسعة فرسان من بني يربوع ورجلاً من بني أسد فواطأتهم أن نبطش به وكتبت إلى المصمغان أن يأتيه في جنده إلى الموضع الذي اتفقنا عليه، قال: وأخذ المرّار الدواء في ذلك اليوم، وسبق إليه الأسدي بالخبر وقال: احذر فقد اتخذ لك كيت وكيت، قال: فدخلت عليه فإذا هو على كرسي، فعرفت الشر في وجهه والمنكر في نظره، فقال: هيه يا أبا بديل مع إكرامي لك أردت أن تقتلني؟ قال فتضاحكت وقلت: بلغ من مكره أن دس إليك هذا الأسدي، لقد علمت فيك حيلته! ثم حرّكه بطنه فقام إلى الخلاء وقال: لا ترم، فلما ولى وثبت وخرجت مسرعاً، فقال الحاجب: أسرعت. قلت: نعم في حاجة للأمير، وركبت فرسي فرأيت القوم قد وافوا كلهم إلا الأسدي، فعلمت أنه صاحبي، فلما خرج سأل عني فأخبر بمضييّ، فوجّه خيلاً في طلبي، فمال اليربوعيون فدفعهم، ومضيت حتى صرت إلى المصمغان وكتبت إلى أبي جعفر المنصور كتاباً مكشوفاً، فكتب: إني قد عرفت ما وصفته وقد صح الأمر، ثم كتب إلى خازم بن خزيمة فصار إليه حتى أخذه.

стр. 72

عليّ بن بريهة الهاشمي قال: قال صاحب عذاب أبي جعفر: دعاني أبو جعفر المنصور ذات يوم وإذا بين يديه جارية صفراء وقد دعا لها بأنواع العذاب وهو يقول لها: ويلك اصدقيني فوالله ما أريد إلا الألفة ولئن صدقتني لأصلن الرحم ولأتابعن البرّ إليه، وإذا هو يسائلها عن محمد بن عبد الله وهي تقول: ما أعرف مكانه، ودعا بالدَّهق وأمر به فوضع عليها فلما كادت نفسها أن تتلف قال: امسكوا عنها، وكره ما رأى وقال لأصحاب العذاب: ما دواء مثلها إذا صار إلى مثل حالها؟ قالوا: الطيب تشمه والماء البارد يصب على وجهها وتسقى السويق، فأمر لها بذلك وعالج بعضه بيده وقال لأصحاب العذاب: ألا أعلمتموني بما ينالها فأكف عنها؟ قالوا: قد علمنا أنها لا تقوى على هذا ولكنا هبناك، فما زالوا يردون عليها نفسها حتى أفاقت، وأعاد عليها المسألة فأبت إلا الجحود، فقال لها: أتعرفين فلانة الحجامة؟ فاسود وجهها وتغيرت، فقالت: نعم يا أمير المؤمنين تلك في بني سليم، قال: صدقت، هي والله أمتي ابتعتها بمالي ورزقي يجري عليها في كل شهر وكسوة شتائها وصيفها، أمرتها أن تدخل منازلكم وتحجمكم وتتعرف أخباركم، ثم قال: أوتعرفين فلاناً البقال؟ قالت: نعم هو في بني فلان، قال: هو والله مضاربي بخمسة دنانير أمرته أن يبتاع بها كل ما يحتاج إليه من البيوع فأخبرني أن أمةً لكم يوم كذا وكذا من شهر كذا صلاة المغرب جاءت تسأله حناء وورقاً، فقال لها: ما تصنيعن بهذا؟ فقالت: كان محمد بن عبد الله في بعض ضياعه بناحية البقيع وهو يدخل الليلة فأردنا هذا لتتخذ منه النساء ما يحتجن إليه عند دخول أزواجهن من المغيب، فأسقط في يدها وأذعنت بكل ما أراد. قيل: وإن أبا جعفر كتب في حمل عبد الله بن الحسن وأهل بيته من المدينة إلى حضرته، فلما أُخرجوا كثر عليهم البكاء، فقال عبد الله: أفيقوا من البكاء وأوغلوا في الدعاء، فإني أشهد الله على ما أردت من إحياء الحق وإماتة الباطل، فجرى القدر بما جرى، فجدي الحسن والحسين قتلا بسم وسيف، فالحمد لله الذي جعل منايانا جهاداً ولم يجعلها مهاداً. وأخبرنا إبراهيم بن السندي بن شاهك وكان من العلماء بأمر الدولة قال: قال لي المأمون: نُبئت أنك عالم بأمر الدولة ورجال الدعوة. قلت: ذلك الذي يلزمني يا أمير المؤمنين بعد الفرض أن أعرف أيام مواليّ ومحاسن ساداتي، قال: فهات ما عندك، ثم أنشأ يحادثني ويسائلني عن أمور خفية لم تخطر ببالي قط، فكان منها أن قال: ما اسم أم قحطبة بن شبيب؟ قلت: لا أعلم، قال: لبابة بنت سنان. ثم قال: ما اسم أبي عون؟ قلت: لا أدري، قال: فلان. فوالله ما زال يسائلني عن خفيّ أمر الدولة ولا يجد عندي جواباً ولا يزيدني على أن تبسم، فكلما فعل ذلك زاد في عينيّ وضعفت عند نفسي، قال فكان آخر ما قال: أخبرك أن بعض أهلنا ذات يوم رأت وهي حامل متمّ كأنه أتاها آتٍ في منامها فقال لها: يولد في هذه الليلة خليفة ويموت خليفة ويستخلف خليفة، فمات الهادي في تلك الليلة واستخلف الرشيد وولدت أنا.

стр. 73

وعن إبراهيم بن السندي بن شاهك قال: لما اختار يحيى بن أكثم العشرة من الفقهاء وأحضرهم مجلس المأمون لمذاكرة الفقه جعل له يوماً في الجمعة يحضرون مجلسه، فقال لي المأمون: يا إبراهيم احضر فلست بدون أكبرهم، فكنت أحضر، وكان قد اختار من أيام الجمعة يوم الثلاثاء، قال: فحضرت يوماً فلما أمسك المأمون عن المسائل نهض القوم، وكان ذلك إذنه بانصرافهم، فوثبت معهم، فقال بيده: مكانك يا إبراهيم، فقعدت وقام يحيى وساءه تخلفي، فقال لي ودخل إبراهيم بن المهدي: هات ذكر من في عسكرنا ممن يطلب ما عندنا بالرياء، فقلت ما عندي، وقال إبراهيم ما عنده، فقال: ما أرى عند أحد ما يبلغ إرادتي، ثم أنشأ يحدث عن أهل عسكره حتى والله لو كان قد أقام في رحل كل رجل حولاً لما زاد على معرفته، وقال: إنه كان مما حفظت عنه في ثلب أصحابه أنه قال: تسبيح حميد الطوسي وصلاة قحطبة وصيام النوشجاني ووضوء بشر المريسي وبناء مالك بن شاهك المساجد وبكاء إبراهيم بن بريهة على المنبر وجمَع الحسين بن قريش القيامي وقصص مرجّا وصدقة علي بن هشام وحملان إسحاق بن إبراهيم في سبيل الله وصلاة أبي رجاء الضحى، فقال لي رجل من عظماء العسكر حين خرجنا من الدار: هل رأيت أو سمعت قط أعلم برعيته وأشد تنقيراً من هذا؟ قلت: اللهم لا! فحدثت بهذا الحديث بعض أهل الخطر، فقال: وما تصنع بهذا وقد كتب إلى إسحاق بن إبراهيم في الفقهاء بمعايبهم رجلاً رجلاً حتى إنه أعلم بما في منازلهم منهم؟ قال: وحدثنا سليمان بن علي النوفلي قال: سمعت عمرو بن مسعدة يقول: قال لنا المأمون يوماً من الأيام: من أنبل من تعلمون نبلاً وأعفهم عفة؟ قال: فقلنا وأكثرنا، فبعضنا مدحه وقرظه وقدمه على كل خليفة وإمام وعدّدنا ما نعرف من مكارم الأخلاق، فقال: ما كمال المناقب إلا لبني هاشم غير أنّا لم نردها ولا أردنا خلفاءها، قال علي بن صالح: اعرف القصة في عمر بن الخطاب، ﵀، فأشاح بوجهه وأعرض وذكر كلاماً ليس من جنس هذا الكتاب فنذكره، ثم قال: ذاك والله أبو العباس عبد الله بن طاهر دخل مصر وهي كالعروس الكاملة فيها خراجها وبها أموالها جمّة ثم خرج عنها فلو شاء الله أن يخرج عنها بعشرة آلاف ألف دينار لفعل، ولقد كان لي عليه عين ترعاه، فكتب إليّ أنه عرضت عليه أموال لو عرضت عليّ أو بعضها لشرهت إليها نفسي، فما علمته خرج عن ذلك البلد إلا وهو بالصفة التي قدمه فيها إلا مائة ثوب وحمارين وأربعة أفراس، فمن رأى أو سمع بمثل هذا الفتى في الإسلام؟ فالحمد لله الذي جعله غرس يدي وخرّيج نعمتي.

стр. 74

وقال بشر بن الوليد: كان والله المأمون الملك حقاً، ما رأيت خليفة قط كان الكذب عليه أشد منه على المأمون، وكان يحتمل كل آفة تكون بالإنسان إلا الكذب، قال فقال لي يوماً: صف لي أبا يوسف القاضي فإني لم أره، فوصفته له، فاستحسن صفته وقال: وددت أن مثل هذا بحضرتنا فنتزين به، ثم أقبل عليّ وقال: ما في الخلافة شيء إلا وأنا أحسن أن أدبّره وأبلغ منه حيث أريد وأقوى عليه إلا أمر أصحابك، يعني القضاة، وما ظنك بشيء يتحرج منه علي بن هشام ويتوقى سوء عاقبته ويكالب عليه الفقهاء وأهل التصنع؟ قال قلت: يا أمير المؤمنين ما أدري ما تقصده فأجيب عنه! قال: لكني أدريه وأُدريك ولا والله ما تجيبني عنه ولا فيه بجواب مقنع، ثم قال: ولينا رجلاً أشرتَ به قضاء الأبلّة وأجرينا عليه في الشهر ألف درهم وما له صناعة ولا تجارة ولا كان له مال قبل ولايتنا إياه...... وولينا رجلاً آخر قضاء دمشق وأجرينا عليه ألف درهم في الشهر أشار به إلي محمد بن سماعة، فأقام بها أربعة عشر شهراً، فوجهنا من يتبع أمواله في السر والعلانية ويتعرف حاله، فأخبر أنه وجد ما ظهر من ماله في هذا المقدار من دابة وغلام وجارية وفرش وأثاث قيمته ثلاثة آلاف دينار، وولينا رجلاً أشار به إلي فلان نهاوند فأقام بها أربعة وعشرين شهراً، فوجهنا من يتبع أمواله فأخبرنا أن في منزله خدماً وخصياناً بقيمة ألف وخمس مائة دينار سوى نتاج قد اتخذه، فهات ما عندك من الجواب! فقلت: ما عندي يا أمير المؤمنين جواب، قال: ألم أعلمك؟ ثم قال: وأكبر من هذا وأطم أني فزعت إلى علي بن هشام في رجل أوليه القضاء فقال: قد أصبت واحداً والله يشهد أنه سرني ورجوت أن يكون بحيث أحب، قلت: فاغدُ به عليّ، قال: أفعل، ثم غدا، فقلت: أين الرجل؟ فقال: لم أجده في الفقه بالموضع الذي يجب أن يتصل صاحبه بأمير المؤمنين، قال: فأنكرت عليه وأظهرت الغضب، فقال: يا أمير المؤمنين إن الرجل الذي ذكرته لك بالأمس هو علي بن مقاتل وكان عندي من أهل العفاف والستر، فانصرفت بالأمس على أن أحضره، فوجهت إليه وأنا لا أشك أنه سيظهر الكراهية في ما أراد له أمير المؤمنين وإن كان يستبطن غيرها ويستعفي كفعل من يتصنع أو يكره ذلك بالحقيقة، فلما جاءني ألقيت إليه الذي أردته له فما تمالك أن وثب فقبّل رأسي، فعلمت أنه لا خير عنده وأنه لو كان من أهل الفضل والخير لعدّ الذي دعي إليه إحدى المصائب، فلم أر لنفسي أن أحضره ولا أن يستعان بمثله، فقلت: جزاك الله خيراً عن إمامك أحسن ما جزى امرأً عن إمامه وهم دينك ونفسك، قال بشر: فبهتّ وانقطعت ولم أُحر كلمةً..... فقال: لا ولكن إن أردت العفيف النظيف الزاكي التقي الطاهر فقاضي الري هو بالحالة التي فارقته عليها والله ما غير ولا بدّل، فأما قولكم في يحيى بن أكثم فما ندري ما عيبه إلا أن ظاهره أنه أعف خلق الله عن الصفراء والبيضاء، ميل إلينا من أموال الحشوية أربع مائة ألف دينار، فأي نفس تسخو بهذا؟ قال بشر: فقلت يا أمير المؤمنين ما لك في الخلفاء شبيه إلا عمر بن الخطاب فإنه كان يفحص عن عمّاله وعن دفين أسرار حكّامه فحصاً شافياً، فكان لا يخفى عليه ما يفيد كل امريء وما ينفق، وكان من نأى عنه كمن دنا منه في بحثه وتنقيره، فقال المأمون: إن أهمّ الأمور كلها أمور القضاة والحكام إذ كنا قد ألزمناهم النظر في الدماء والأموال والفروج والأحكام فوددت أني أجد مائة حاكم وأني أجوع يوماً وأشبع يوماً.

стр. 75

حمدون بن إسماعيل النديم قال: حضر العيد فعبّى المعتصم بالله خيله تعبيةً لم يسمع بمثلها ولم ير لأحد من ولد العباس شبيهٌ بها، وأمر بالطريق فمسح من باب قصره إلى المصلى ثم قسم ذلك على القوّاد وأعطى كلّ واحد منهم مصافّه، فلما كان قبل الفطر بيوم حضر القوّاد وأصحابهم في أجمل زيّ وأحسن هيأة فلزموا مصافّهم منذ وقت الظهر إلى أن ركب المعتصم بالله إلى المصلى، فكان الموضع الذي وقع لإبراهيم بن المهدي من بعد الحرسيّ بحذاء مسجد الخوارزمي وإبراهيم واقف وأصحابه في المصاف، فلما أصبح المعتصم أمر القواد الذين لم يرتبوا في المصاف بالمصير إلى المصلى على التعبية التي حدّها، ولبس ثيابه وجلس على كرسيّ ينتظر مضيّ القواد، فلما انقضى أمرهم تقدّم إلى الرجّالة في المسير بين يديه فتقدّم منهم سبعة آلاف ناشب من الموالي كل ثلاثمائة منهم في زيّ مخالف لزيّ الباقين وأربعة آلاف من المغاربة وأمر الشيعة فكانوا وراءه بالأعمدة وعدّتهم أربعة آلاف، وركبت لا أدري منزلتي أين هي ولا أعرف مرتبتي ولم أعلم أين أسير من الموكب، فلما وضع رجله في الركاب واستوى على سرجه التفت إليّ وقال: يا حمدون كن أنت خلفي، فلزمت مؤخر دابته، فلما خرج من باب القصر تلقّاه القواد وأصحاب المصافّ يخرج الرجل من مصافه فإذا قرب نزل وسلم عليه بالخلافة فيأمره بالركوب ويمضي حتى وصل إلى إبراهيم بن المهدي فنزل وسلم عليه بالخلافة فردّ ﵇ فقال: كيف أنت يا إبراهيم وكيف حالك وكيف كنت في أيامك؟ اركب، فركب، فلما جاوزه التفت إليّ فقال: يا حمدون! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: تذكر، قلت: أي والله يا سيدي، وأمسك، فنظرت في ما قال فلم أجدني أذكر شيئاً في ذلك الموضع مما يشبه ما كنا فيه، فنغص عليّ يومي وما رأيت من حسنه وسروري بالمرتبة التي أهلني بها، وقلت: الخلفاء لا يعاملون بالكذب ولا يجوز أن يسألني عند انصرافي عن هذا الأمر فلا يكون له عندي جواب ولا حقيقة، وتخوفت أن ينالني منه مكروه، فلم أزل واجماً في طريقي إلى وقت انصرافه ثم أجمعت على مغالطته إن أمكنني وأعمل الحيلة في التخلص إن يسألني، فلما استقر في مجلسه وبسط السماط وجلس القوّاد على مراتبهم للطعام أقبلت أخدم وأختلف ليست لي همة غير ما كان قاله لي لا أغفل عن ذلك حتى انقضى أمر السماط ورفع الستر ونهض أمير المؤمنين ودخل الحجرة ومضى إلى المرقد، فلم ألبث أن جاء الخادم وقال لي: أجب أمير المؤمنين، فمضيت فلما دخلت ضحك إليّ وقال: يا حمدون رأيت؟ قلت: نعم يا سيدي قد رأيت، فالحمد لله الذي بلغ بي هذا اليوم وأرانيه فما رأيت ولاسمعت لأحد من الخلفاء والملوك بأجلّ منه ولا أبهى ولا أحسن، قال: ويحك رأيت إبراهيم بن المهدي؟ قلت: نعم يا سيدي، قال: رأيت سلامه عليّ وردّي عليه ونزوله إليّ؟ قلت: نعم، فقال: إنه لما كان من أمره ما كان، يعني الخلافة، قسم الطريق في يوم عيد من منزله إلى المصلّى كقسمتي إياه في هذا اليوم بين قواده، فوقع موضعي منه الموضع الذي كان به هذا اليوم، فلما حاذاني نزلت فسلّمت عليه فردّ عليّ مثل ما رددته حرفاً حرفاً على ما قال لي، قال: فدعوت له وانفرج عني ما كنت فيه وتخلّى عني الغمّ والكرب، ثم قال: يا حمدون إني لم آكل شيئاً وأنا أنتظر أن تأكل معي فامض إلى حجرة الندماء فإنك تجد إبراهيم هنالك فاجلس إليه وعابثه وضاحكه وأجر له هذا الحديث وقل له إنك رأيته في ذلك اليوم فعل بي فعلي به في هذا اليوم وانظر إلى وجهه وكلامه وما يكون منه فعرفنيه على حقيقته واصدقني عنه وعجّل ولا تحتبس، قلت: نعم يا سيدي، فمضيت وقد دُفعتُ إلى أغلظ مما كنت فيه لعلمي بأن إبراهيم لو كان من حجرٍ لأثر فيه هذا القول وتغيّر وظهر منه ما يكره، وخفت أن يكون يأتي بما يسفك به دمه فمضيت حتى دخلت الحجرة فجلست إلى إبراهيم وفعلت ما أمرني به وأنا مبادر خوفاً من خادم يلحقني أو رسول فلا يمكنني معه تحسين الأمر وما يظهر لي منه، فقلت لإبراهيم: كيف رأيت يا سيدي هذا اليوم، أما أعجبك حسنه وما كان من تعبية أمير المؤمنين؟ قال: بلى والله إنه أعجبني فالحمد لله الذي بلّغنيه وأرانيه، وأطنب في الدعاء للمعتصم، فلما أمسك قلت: يا سيدي أذكرك في أيامك وقد ركبت فعبّيت شبيهاً بهذه التعبية وقسمت الطريق مثل هذه القسمة فوقع لأمير المؤمنين الموضع الذي
следующие страницы →