← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أنه متى قال: أنا اليوم أفعل كذا، لا يريدون يوماً بعينه، ولكنهم يريدون الوقت الحاضر، ومتى قال: اليوم يومك: يريدون التشنيع وتعظيم الأمر (١). وتقول العرب لليوم الشديد: يوم ذو أيام، ويوم ذو أياييم؛ لطول شره على أهله " (٢). ويأتي اليوم مضافا إلى لفظ الجلالة كما قال جل شأنه: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٥]، " قال سفيان بن عيينة: الدهر عند الله تعالى يومان: أحدهما اليوم الذي هو مدة العمر , فشأنه فيها الأمر والنهي، والإماتة والإحياء والإعطاء والمنع، والآخر هو يوم القيامة، فشأنه فيه الحساب والجزاء " (٣) يقول العلامة الراغب الأصفهاني ﵀: " فإضافة الأيام إلى الله تعالى تشريف لأمرها؛ لما أفاض عليهم من نعمه فيها " (٤) واليوم له معنى في الشرع واللغة والعرف (٥): ففي الشرع: زمان ممتد من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. بخلاف النهار: فإنه زمان ممتد من طلوع الشمس إلى غروبها، ولذلك يقال: صمت اليوم، ولا يُقال: صمت النهار. وفي اللغة: موضوع للوقت المطلق ليلاً أو غيره، كيوم الدين؛ لعدم الطلوع والغروب حينئذ. فهو في اللغة:" الزمن الذي يمتاز بما يحصل فيه عن غيره كامتياز أيامنا بما يحدها من النور والظلام، وأيام العرب بما يقع فيها من الحرب والخصام " (٦) وفي العرف: مدة كون الشمس فوق الأرض. وخلاصة القول: - أن اليوم المراد به: اليوم الذي أنت فيه، وأمس اليوم الذي أمضيت (٧)

стр. 37

- وأن اليوم يأتي مقروناً ومفرداً، وحقيقة ومجازاً، كما يقال " طويل اليوم: لمن جد في عمل يومه " (١). - ويأتي بمعنى في الشرع يختلف عن معناه في اللغة والعرف. - وقد يراد باليوم: " الوقت مطلقاً ومنه الحديث " تلك أيام الهرج " أي وقته ولا يختص بالنهار دون الليل " (٢). المسألة الثانية: معنى كلمة (الآخر): الآخر صفة لليوم، وهو مقابل الأول، وهو في المعدودات اسم للفرد اللاحق. فالآخرة: تأنيث آخر المقابل للأول، والآخرة صفة في الأصل، ولكن غلبتها الاسمية فصارت اسماً. والآخرة صفة، والموصوف محذوف، والتقدير: الدار الآخرة أو النشأة الآخرة (٣) وقد صُرِّح بهذين الاسمين الموصوفين في القرآن الكريم قال : ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت ٢٠]. يقول الإمام أبو حيان ﵀: " وأصل الوصف: تلك الدار الآخرة، ثم صارت من الصفات الغالبة " (٤). و " الآخرة تأتي غالباً مقابل الدنيا، والمعنى الأول في المادة هو التأخير، كما أن المعنى في الدنيا هو الدنو، فإذا اقترنت الآخرة بالدار أو باليوم، غلب أنها اليوم الآخر، أما إذا أطلقت فهي ذات دلالة أعم، يدخل فيها: النهاية والمصير والعقبى، سواء في هذه الحياة أو فيما بعدها " (٥).

стр. 38

المسألة الثالثة: معنى (اليوم الآخر): اليوم الآخر له مرادان: ١ - إما أن يراد به: الوقت الذي لا حد له، و هو الأبد الدائم الذي لا يتقطع ٢ - و إما أن يراد به: الوقت المحدود المعهود. و المراد باليوم الآخر: يوم القيامة، و هو اليوم الذي لا آخر له؛ لتأخره عن أيام الدنيا، و اختلف العلماء في منتهى اليوم الآخر بعد اتفاقهم على مبتداه: "فمبدؤه من النفخة الثانية وهي نفخة البعث باتفاق" (١)؛ يقول العلامة أبو محمد القصري ﵀: "وأوله النفخة الثانية في الصور" (٢)، و لذا قال العلامة أبو السعود ﵀: " الدنيا تنتهي عند النفخة الأولى " (٣). فمبدؤ اليوم الآخر: من النفخة الثانية التي يقوم فيها الناس لرب العالمين. ومما يبين هذا المقام أن المولى قال في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾ [النبأ:١٧]، أي ميقاتًا "للبعث الذي هم فيه مختلفون " (٤). قال العلامة البيضاوي ﵀: "إن يوم الفصل كان في علم الله، أو في حكمه ميقاتًا، حدًا تؤقت به الدنيا و تنتهي عنده " (٥)؛ قال العلامة الشهاب ﵀ في حاشيته: "إذ هو أول أيام الآخرة، وهو يوم القضاء بين الخلق أو يوم الثواب و العقاب، و هو اليوم الآخر الذي يجب الإيمان به " (٦).

стр. 39

وهذا المعنى هو أحد معاني هذه الآية الكريمة، ومن معانيها ما ذكره العلامة أبو السعود في تفسيره وعقب عليه فقال: "وقيل: حدًا تؤقت به الدنيا و تنتهي عنده، أو حدا للخلائق ينتهون فيه. ولا ريب في أنهما بمعزل من التقريب الذي أشير إليه، على أن الدنيا تنتهي عند النفخة الأولى " (١) ورجح في المعنى العام للآية أن " يوم فصل الله بين الخلائق، كان في علمه و تقديره ميقاتا وميعادا لبعث الأولين والآخرين، وما يترتب عليه من الجزاء ثوابا وعقابا، لا يكاد يتخطاه بالتقدم و التأخر" (٢). ومما يُنبه إليه في هذا المقام أن المولى اتبع الآية السابقة بقوله تعالى: ... ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ [النبأ ١٧ - ١٨] فذكر أهل الإعراب أن هذه الآية تعرب بدلا أو بيانا ليوم الفصل. ومما يترتب عليه ما قاله العلامة الشهاب ﵀ في حاشيته: " فإن نَفخَ الصور، واتصال الأرواح بالأجساد، و الحشر في الآخرة (أي: تكون في الآخرة)، فظهر فساد ما قيل: من أنه نهاية أيام الدنيا وآخر مخلوقاته؛ لأنه لا يخلق بعده شيء منها، ولذا يقال له: اليوم الآخر" (٣). وهو كأنما يُعَرِّض بالقائلين: إن اليوم الآخر هو آخر أيام الدنيا، قال العلامة الحليمي ﵀: "فاليوم الآخر هو آخر أيام الحياة الدنيا؛ فإذا نفخ في الصور، وصعق من في الأرض فلم يبق منهم أحد، فيومهم الذي انقضت فيه حياتهم، هو يومهم الآخر. وإذا نفخ في الصور نفخة الأحياء فبعثوا، فذلك يوم القيامة " (٤).

стр. 40

وقال العلامة الطوفي ﵀: "وأما اليوم الآخر فأوله ساعة الموت إلى المحشر ثم إلى الأبد إما في نعيم مخلد، وإما في في عذاب شديد " (١) وهنا يمكن أن يقال جمعا بين ما قيل: إن بداية اليوم الآخر لكل إنسان بحسبه، فالقيامة والساعة منها خاصة و عامة؛ دلت عليها النصوص الشرعية المنيفة قال جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وهذه الساعة يراد بها الساعة الأخيرة من ساعات الدنيا؛ لقوله سبحانه: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [لأعراف: ١٨٧]. وأما قوله جل وعلا: ... ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] فهي الساعة الأولى من ساعات الآخرة حيث يبعث من في القبور (٢). يقول الإمام ابن القيم ﵀: "وقد ذكر الله هاتين القيامتين، وهما الصغرى والكبرى في سورة المؤمنين، وسورة الواقعة وسورة القيامة، وسورة المطففين، وسورة الفجر، وغيرها من السور" (٣) فالقيامة الخاصة: هي موت كل إنسان بحسبه، فمن مات فقد قامت قيامته، ومن شواهده ما جاء في الحديث الشريف أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ «(٤)

стр. 41

وفي حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان رجال من الأعراب يأتون النبي ﷺ -فيسألونه عن الساعة، فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: «إنْ يَعِشْ هَذَا لا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ، حتَّى تقُومَ عَليْكُمْ سَاعتُكم «(١) قال الإمام ابن كثير ﵀: "و المراد انخرام قرنهم ودخولهم في عالم الآخرة فإن كل من مات فقد دخل في حكم الآخرة، فبعض الناس يقول: من مات فقد قامت قيامته، وهذا الكلام بهذا المعنى صحيح " (٢). ومما يؤكد هذا المعنى قول الإمام ابن القيم ﵀: "إن الموت معاد وبعث أول، فإن الله تعالى جعل لابن آدم معادين وبعثين، يجزي فيهما الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين آمنوا بالحسنى، فالبعث الأول مفارقة الروح للبدن ومصيرها إلى دار الجزاء الأول " (٣) ومما ذُكر يتبين أن القيامة صغرى و كبرى، ولكن مدلول اليوم الآخر في القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة تدلان على المعنى المتبادر إلى الذهن وهو يوم القيامة يوم الحساب و الجزاء، و لذا قال العلامة الحليمي ﵀: "وما بينهما لا من الدنيا و لا من الآخرة، و هو البرزخ" (٤). وبعد هذا البيان يرد تساؤل حول المفهوم العام لليوم الآخر: هل هو خاص بما ذكرناه و أشرنا إليه: من أنه يبدأ من النفخة الثانية، إلى الاستقرار في الجنة أو النار , أو هو شامل لما قبل ذلك مما يكون بعد الموت من أحداث؟!

стр. 42

قرّر الإمام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية المعنى الثاني , وهو أن الإيمان باليوم الآخر يشمل ما بعد الموت فقال: " ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ -مما يكون بعد الموت , فيؤمنون بفتنة الموت وبعذاب القبر ونعيمه ... ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم , وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى , فتعاد الأرواح إلى الأجساد , وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه , وعلى لسان رسوله , وأجمع عليها المسلمون " (١) ويفيد كلام الإمام ابن تيمية ﵀ أن ما بعد الموت من أحداث داخل في مسمى الإيمان باليوم الآخر. قال العلامة العيني ﵀ في بيان شعب الإيمان: " السابعة: الإيمان باليوم الآخر , ويدخل فيه السؤال بالقبر وعذابه والبعث والنشور، والحساب، والميزان، والصراط" (٢) " وعلى هذا فالمراد باليوم الآخر أمران: الأول: فناء هذه العوالم كلها , وانتهاء هذه الحياة بكاملها الثاني: إقبال الحياة الآخرة وابتداؤها " (٣) منتهى اليوم الآخر: وأما منتهى اليوم الآخر فقد اختلف العلماء فيه على قولين: الأول: أنه لا آخر له , فاليوم الآخر يبتدئ من النفخة الأولى، إلى ما لا نهاية له قال العلامة الباجوري ﵀: " يبدأ من وقت الحشر، إلى ما لا يتناهى على الصحيح " (٤) الثاني: آخره استقرار الخلق في الدارين , قال العلامة أبو محمد القصري ﵀: " وآخره الاستقرار في الجنة والنار " (٥) , وقال العلامة ابن غنام ﵀: " ورجح بعض العلماء: أن مبدأها من النفخة الثانية إلى استقرار الخلق في الدارين " (٦)،

стр. 43

وقال العلامة العثيمين ﵀ عن اليوم الآخر: " وسُمي بذلك؛ لأنه لا يوم بعده , حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم , وأهل النار في منازلهم " (١) المطلب الثاني: حقيقة اليوم الآخر والإيمان به وفي هذا المطلب مسألتان: المسألة الأولى: حقيقة اليوم الآخر والإيمان به . المسألة الثانية: أسماء اليوم الآخر. المسألة الأولى: حقيقة اليوم الآخر والإيمان به الإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور (٢): ١ - الإيمان بالبعث. ٢ - الإيمان بالحساب والجزاء. ٣ - الإيمان بالجنة والنار وهذا الإيمان هو الذي عبّر عنه الإمام ابن القيم ﵀ بالبعث الثاني , فذكر أن "البعث الأول مفارقة الروح للبدن , ومصيرها إلى دار الجزاء الأول , والبعث الثاني يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها ويبعثها من قبورها إلى الجنة أو النار , وهو الحشر الثاني , ولهذا في الحديث الصحيح ... (وتؤمن بالبعث الآخر)، فإن البعث الأول لا يذكره أحد، وإن أنكر كثير من الناس الجزاء فيه والنعيم والعذاب " (٣) فالإيمان باليوم الآخر ركن ركين، وأصل متين في عقيدة المسلمين، "بل هو ضرورة لازمة؛ لإنصاف الخلائق، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل. لذا أخبر الله تعالى عنه إخبارا مطلقا لجميع العالم، بالحشر والبعث من القبور " (٤) "والإيمان بالبعث والحشر , وبالحساب والجزاء , عنصر أصيل في العقيدة لا يستقيم منهجها إلا به , فلا بد من عالم مرتقب , يكمل فيه الجزاء ... ويتناسق فيه العمل والأجر , ويتعلق به القلب , وتحسب حسابه النفس ويقيم الإنسان نشاطه في هذه الأرض , على أساس ما ينتظره هناك " (٥). والإيمان باليوم الآخر من أعظم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله تعالى , ولذا كثيرا ما يُقرن الله جل وعلا، الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر , وهذا يدل على أهميته.

стр. 44

ولذا اختص الله , بملكه فقال : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وهنا يرد التساؤل: ما وجه الاختصاص؟ مع كونه مالكاً لكل الأشياء؟ قيل: تهويلاً وتعظيماً لشأنه. وقيل: لأنه ينفرد في ذلك اليوم بالحكم , بخلاف الدنيا فإنه يحكم فيها الولاة والقضاة , ولا يملك أحد الحكم في ذلك اليوم إلا الله . (١) وقيل: لأنه اليوم الذي يضطر فيه المخلوقون إلى أن يعرفوا أن الأمر كله لله ألا تراه يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار: ١٩]، فهو اليوم الذي لا يملك فيه أحد لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا (٢). وقيل: لأنهم في الدنيا كانوا منازعين لله تعالى في الملك, كفرعون والنمرود وغيرهما, وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، فالكل خاضع له (٣). وقيل: لأن ملك الدنيا قد اندرج في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ ... [الفاتحة] فأثبت أنه مالك الآخرة بقوله:" مالك يوم الدين"؛ ليعلم أنه الملك في الدارين (٤). فالله ﷻ ، وتقدست أسماؤه وتعالى جده , وتعاظم أمره , لا منازع له في الملك , ولا مغالب له في الأمر سبحانه وبحمده. ولذا كان أخنع وأذل وأوضع وأفجر اسم في الدنيا رجل يسمى بملك الأملاك، فإنه لا مالك إلا الله سبحانه , فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى: مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَالِكَ إِلَّا اللهُ «(٥)

стр. 45

وفي رواية لمسلم: «أغْيَظُ رجلٍ على اللهِ يومَ القيامةِ، وأخبثُه وأغيظُه عليه رجلٌ كان يسمَّى ملِكَ الأملاكِ لا ملِك إلا اللهُ «(١)،وفي رواية: ... «اشْتَدَّ غضبُ اللهِ على من زعم أنه ملِكُ الأملاكِ، لا ملِكَ إلا اللهُ «(٢) فإنه" لا مالك لجميع الخلائق إلا الله وحده , ومالكية الغير مستردة إلى ملك الملوك, فمن تسمى بذلك نازع الله في رداء كبريائه , واستنكف أن يكون عبدا له " (٣) " فالذي تسمى بهذا الاسم، قد كذب وفجر وارتقى إلى ما ليس له بأهل, بل هو حقيق برب العالمين, فإنه الملك في الحقيقة , فلذا كان أذل الناس عند الله يوم القيامة " (٤) ولذا لما كان بعض الخليقة تنازعه نفسه للملك , المؤدي للتعالي والكبرياء, قال مذكرا أن هذا الملك زائل , وأنه جل وعلا هو المتفرد به قال سبحانه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، فليس فيه مَلِكٌ سواه سبحانه. وعليه: فإن " المعاد أصل لازم للتصديق بدعوات الأنبياء المشحونة بالنصوص القاطعة بإثباته, وهو أيضا لازم وعد الله بالثواب , والوعيد بالعقاب , وهما من لوازم التكليف، ولوازم العدل الإلهي، ولوازم الغائية والهدفية في الحياة المنافية للعبث الذي لا محل له للحكمة والعدل الإلهيين" (٥) والمراد بالإيمان باليوم الآخر " التصديق بما يقع فيه من الحساب والجزاء والجنة و النار" (٦).

стр. 46

قال العلامة الحليمي ﵀:" معناه: التصديق بأن لأيام الدنيا آخرا أي: أن الدنيا منقضية , وهذا العالم يوما بعد يوم ينقص صنعه, وينحل تركيبه" (١). " فهو التصديق الجازم بإتيانه , وبجميع تفاصيله , والعمل بموجب ذلك" (٢). وهو يعني: " اليوم الذي سيعيد الله تعالى البشر-كل البشر - إلى الحياة من جديد، في عالم غير عالمنا هذا , بعد أن يأتي الفناء على الكون والإنسان". (٣) إن معالم هذا التصديق القلبي تنعكس على جوارح المُصدِّق, فمن أيقن أن هذا الكون الفسيح العامر , الذي يعيش في أرجائه ويتنفس من هوائه , ويستمتع بأجوائه , سيلحقه الفناء، أورث في قلبه خوفا وخشية، قادته إلى إعمار هذا الكون الفسيح بالطاعة , وقَللت رغبات النفس الجامحة للركون إليه فارتسمت أمامه معالم الطريق الصحيح للسير والمسير إلى الله تعالى. المسألة الثانية: أسماء اليوم الآخر: اليوم الآخر اسم من أسماء يوم القيامة, وأسماء يوم القيامة جاءت على أنحاء متعددة: -فنحوٌ منه "ملاحظ فيها التسمية باليوم؛ أخذا من الظرف الزماني المرافق لهذه الحياة - وأسماء أخرى ملاحظ فيها التسمية بالدار؛ أخذا من الظرف المكاني المستلزم لهذه الحياة المادية الثانية. - وأسماء أخرى ملاحظ فيها معنى تحقق وقوع ذلك اليوم (٤). وأسماء اليوم الآخر كثيرة, قد تتبعها العلماء, وسردوها , وبينوا معانيها. وقد اهتم بها جماعة من أهل العلم والفضل , كالغزالي في الإحياء، والقرطبي في التذكرة، وابن كثير في النهاية، وابن العربي في سراج المريدين، وغيرهم كثيرون.

стр. 47

قال الإمام الغزالي ﵀:"وقد وصف الله بعض دواهيها , وأكثر من أساميها؛ لنقف بكثرة أساميها على كثرة معانيها , فليس المقصود بكثرة الأسامي تكرير الأسامي والألقاب، بل الغرض تنبيه أولي الألباب. فتحت كل اسم من أسماء يوم القيامة سر , وفي كل نعت من نعوتها معنى , فاحرص على معرفة معانيها " (١) وقال الإمام القرطبي ﵀: " ولِعِظَمِها أكثر الناس السؤال عنها .... وكل ما عظم شأنه تعددت صفاته وكذا أسماؤه. وهذا جميع كلام العرب ... فالقيامة لما عظم أمرها , وكثرت أهوالها , سماها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة " (٢) وقال العلامة ابن عماد الأفقهسي ﵀: " ولا جرم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى , أو على عظمه , أو تهويل أمره , ولهذا أقسم الله به " (٣) وقال الإمام السيوطي ﵀: " اعلم أن الله تعالى، سمى يوم القيامة في كتابه العزيز بأسماء كثيرة، نحو مائة اسم منها ما هو في القرآن بلفظه , ومنها ما أخذ بطريق الاشتقاق , وكثرة الأسماء دالة على عظم المسمّى " (٤) وقال العلامة البرديسي ﵀: " اعلم أن العرب تسمي الشيء بأسماء كثيرة , وتجعل له ألقاباً عديدة؛ تعظيماً لشأنه , وإكباراً لأمره , وقد سمى الله يوم القيامة أسماء كثيرة " (٥) فأسماؤها حين تطرق السمع , يقع أثرها في القلب. فهل يوم القيامة بهذا الشأن العظيم، حتى تكثر أسماؤه , وتتعدد صفاته؟!

стр. 48

بنظرة تأمل واحدة في كتاب الله , يجد المرء إجابة شافية على تساؤله، فالله خوّف عباده بهذا اليوم , وذكّرهم وبيّن لهم بعض أخباره وأحواله وأهواله، قال جل شأنه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ ... [الزلزلة:١] , فهذا مشهد من مشاهد القيامة، متى تأمله الإنسان بحق، رق قلبه، وخفق فؤاده، ورعدت فرائصه؛ لأنه يرى ويناظر أثر الزلازل المدمرة في هذا العالم المشهود. فهذه الأرض المستقرة، يتغير شأنها، ويتبدل حالها وتزلزل بمن فيها، ولذا يقول المولى سبحانه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾، أي:" إذا تحركت الأرض بأهلها، فزلزلت من نواحيها، وارتجت من مشرقها ومغربها، فلا تزال كذلك حتى يكسر ما على ظهرها من جبل وبناء فلا تسكن حتى يدخل في بطنها جميع ما يخرج منها. وزلزلتها من شدة صوت إسرافيل ﵇ وذلك إذا فرغت أحيان الدنيا وساعاتها وشهورها وأوقاتها وأعوامها وأيامها وحلالها وحرامها " (١) ومع خلاف العلماء في هذه الزلزلة , هل هي بعد النفخة الثانية وقيام الناس من قبورهم , أو قبلها عند النفخة الأولى؟ (٢) إلا أن هول المطلع , وشدة المفزع , وذهول المرضع , وإسقاط الحامل الموجع دليل على شدة هذا اليوم وعظيم هوله. ولذا ليس عجباً أن يسمى بهذه الأسماء المفزعة , ويوصف بهذه الأوصاف المخيفة، فهو يوم الطامة والصآخة والقارعة والواقعة. فالله جل وعلا يذّكر ... ويخوّف بهذا اليوم العظيم؛ " لينتهوا عما نهاهم عنه من العصيان، ويمتثلوا ما أمرهم به من الطاعة والإيمان. وخوفهم من يوم القيامة؛ ليستعدوا لها، ولعظيم أهوالها " (٣) المطلب الثالث: سبب تسمية اليوم الآخر بهذا الاسم:

стр. 49

إذا أدبرت الدنيا حلت الآخرة , التي هي آخر مراحل الإنسان , فتنقضي الأزمان , وتفنى الأعوام , وتختفي المعالم. فهو يوم لا ليل بعده، لذا وصف بالآخر؛ لأنه لا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل (١) وذكر العلماء في سبب تسمية اليوم الآخر بهذا الاسم عدة أوجه: قال الإمام الطبري ﵀: " فكذلك الدار الآخرة , سميت آخرة؛ لتقدم الدار الأولى أمامها , فصارت التالية لها آخرة , وقد يجوز أن تكون سميت آخرة؛ لتأخرها عن الخلق , كما سميت الدنيا " دنيا " لدنوها من الخلق " (٢) وقال العلامة السمرقندي ﵀: " لأنه لا يكون بعده ليل , فيصير بمنزلة يوم واحد " (٣) وقال الإمام البغوي ﵀: " وسميت الآخرة آخرة؛ لتأخرها , وكونها بعد فناء الدنيا " (٤) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " وأما اليوم الآخر فقيل له ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا , أو آخر الأزمنة المحدودة " (٥) وقال العلامة ابن باز ﵀: " سمي الآخر؛ لأنه دبر الدنيا , الدنيا ثم يوم القيامة " (٦)، وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: " لأنه لا يوم بعده " (٧) فاليوم الآخر يوم طويل , لا يكون حتى تفنى الدنيا وما عليها. تقف فيه الخلائق حتى يُقضى بينها، ففريق في الجنة وفريق في السعير. وقد فاز من حاز الدول الثلاث فيها , قال أبوبكر الواسطي: " الدول ثلاث: دولة الحياة ودولة الموت , ودولة يوم القيامة. فأما دولة الحياة: فإنه يعيش فيها في طاعة الله تعالى. وأما دولته عند الموت: بأن تخرج روحة عند شهادة أن لا إله إلا الله. وأما الدولة الصحيحة: فدولة يوم القيامة البشرى , فحين يخرج من القبر يأتيه البشير بالجنة " (٨) * * *

стр. 50

المبحث الثاني حكم الإيمان باليوم الآخر وتحته المطالب التالية: المطلب الأول: حكم الإيمان باليوم الآخر، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: حكم الإيمان باليوم الآخر، وحكم منكره؟ المسألة الثانية: قصر المتكلمين أدلة إثبات اليوم الآخر في السمعيات فقط. المسألة الثالثة: ظن المتكلمين أن القول بالبعث والمعاد متوقف على نظرية الجوهر الفرد. المطلب الثاني: اتفاق الشرائع على الإيمان باليوم الآخر. المطلب الثالث: القدر المجزئ في الإيمان باليوم الآخر؟

стр. 51

المبحث الثاني حكم الإيمان باليوم الآخر: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حكم الإيمان باليوم الآخر، وحكم منكره ؟ وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: حكم الإيمان باليوم الآخر، وحكم منكره ؟: الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول العقيدة، وركن من أركان الإيمان. وقد استفاضت نصوص الوحيين بذكر أخباره وأحداثه، والرد على منكريه " فالعلم به من ضروريات الإيمان " (١). وقال جل شأنه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] ... والبر بمعنى: التقوى والإيمان، واليوم الآخر من البر، فهو من الإيمان. (٢) فالإيمان باليوم الآخر حتم لازم، لا يتم إيمان العبد إلا به، قال : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء:١٣٦].

стр. 52

وصرح الأئمة - رحمهم الله تعالى - على كفر من كفر بواحدة منها: يقول الإمام الطبري: " فإن معناه: ومن يكفر بمحمد ﷺ وبما جاء به من عند الله؛ لأن جحود شيء من ذلك بمعنى جحود جميعه؛ ولأنه لا يصح إيمان أحد من الخلق إلا بالإيمان بما أمره الله بالإيمان به، والكفر بشيء منه كفر بجميعه " (١) ويقول العلامة النسفي: " ومن يكفر بشيء من ذلك ﴿الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ لأن الكفر ببعضه كفر بكله " (٢). ويقول الإمام ابن تيمية: " فإن من كفر بالله فقد كفر بهذا كله، فالمعطوف لازم للمعطوف عليه " (٣). ويقول العلامة القاسمي: " فإن الكفر بكل واحد من هذه الأصول يستلزم الكفر بغيره. فمن كفر بالله كفر بالجميع، ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل فكان كافرا بالله، إذ كذب رسله وكتبه، وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل، فكان كافرا " (٤)، وأشار إلى خطورة الكفر باليوم الآخر، إذ الكفر " باليوم الآخر كفر بدوام ربوبيته وعدله " ، وأن الكفر به يدعو إلى " الاجتراء على القبائح " (٥). ويقول العلامة السعدي: " واعلم أن الكفر بشيء من هذه الأمور المذكورة كالكفر بجميعها؛ لتلازمها، وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض " (٦) وقد عبر القرآن الكريم عن الكفر بهذه الأركان بالضلال البعيد، " والتعبير بالضلال البعيد غالبا يحمل معنى الإبعاد في الضلال الذي لا يرجى معه هدى، ولا يرتقب بعده مآب " (٧).

стр. 53

يقول الإمام الطبري عن معنى الضلال البعيد: " فإنه يعني: فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار عن محجة الطريق إلى المهالك، ذهابا وجورا بعيدا؛ لأن كفر من كفر بذلك، خروج منه عن دين الله الذي شرعه لعباده، والخروج عن دين الله الهلاك الذي فيه البوار، والضلال عن الهدى هو الضلال " (١). فالإيمان باليوم الآخر ركن ركين، وأصل أصيل، فـ " يجب على المكلف أن يُؤمن بالله ورسوله، ويقر بجميع ما جاء به الرسول ﷺ من أمر الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر " (٢)، ولذا فإن الإيمان بمعاد الأبدان من أصول الإيمان (٣). يقول الإمام الطحاوي: " والإيمان هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله تعالى ونحن نُؤمن بذلك كله " (٤)، ويقول الإمام ابن قدامة: " ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه، أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه ... والبعث بعد الموت حق " (٥). ويقول العلامة الطوفي: " فيجب الإيمان بما بين الموت إلى دخول إحدى الدارين فما بعد ذلك، مما صحت به نصوص الشرع " (٦). ويقول الشيخ النابلسي: " واعلم - يأخي - أن اليوم الآخر وجميع ما فيه من الموت إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، مما وردت به الأخبار الصحيحة، حق لا شبهة فيه. يفترض الإيمان به من غير تصور ولا تخيل لشيء منه؛ ولأن ذلك خارج عن معقولنا الدنيوي ومحسوسنا " (٧)

стр. 54

فهذه النصوص وغيرها تدل على وجوب الإيمان باليوم الآخر، ووجوب اعتقاده والتصديق به، فمن أنكره فهو كافر، يقول جل وعلا: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن:٧] ففي هذه الآية الكريمة أكد المولى الإخبار باليوم الآخر باليمين لأن التهديد به أعظم في القلب، فكأنه قيل لهم: ما تنكرونه واقع لا محالة أُقسم لكم بربي، (ثم لتُنبئن بما عملتم) أي: لتحاسبن ولتجزون بأعمالكم من خير وشر، (وذلك) البعث والجزاء، (على الله يسير) لتحقق القدرة. (١) وإن إنكار المعاد واليوم الآخر، سبب لإنكار ما عداه، " فإن منشأ إنكار المشركين لوحدانية الله، وتكذيبهم برسالة النبي ﷺ وطعنهم بالقرآن هو: إنكار يوم القيامة، وعدم الإيمان باليوم الآخر؛ لأن من آمن به تبصر وتدبر ولم يكن متهورا في سوء الاعتقاد " (٢). وذكر أن عدم الإيمان باليوم الآخر سبب من أسباب عدم قبول الحق الذي دعوا إليه، فقال جل وعلا: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ [النحل:٢٢] " فذكر سببين حائلين بينهم، وبين قبول الحق الذي دعوا إليه، فالأول: عدم الإيمان باليوم الآخر ... والثاني: التكبر، وهو حال الأكثرين، كما قد عُرف من حال الأمم " (٣) فكفر منكر اليوم الآخر ظاهر، يقول الإمام أبو حيان: " فمن أنكر الملائكة، أو القيامة فهو كافر " (٤).

стр. 55

وقد ذكر أبو الفرج الشيرازي في جزئه الموسوم (امتحان السني من البدعي) أن من أنكر البعث واليوم الآخر فهو كافر فقال: " يُسأل عن البعث بعد الموت، فإن آمن فهو سني، وإن أنكره فهو حشيشي معطلي دهري " (١). " فالإيمان باليوم الآخر فرع عن الإيمان بالله، وكذلك التكذيب بهذا اليوم كفرا بالله " (٢)، ومعلوم أن طوائف من الكفار والمشركين وغيرهم، قد أنكروا هذا المعاد بالكلية، فلا يقرون لا بمعاد الأرواح، ولا بمعاد الأجساد. (٣) ... فحال من أنكر البعث كحال البهائم، ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف:١٧٩]، فـ " يكون أكبر همه لذات الدنيا وشهواتها وحظوظها، وذلك أصل لشقاء الدنيا قبل شقاء الآخرة " (٤).

стр. 56

فالواجب على المكلف الإيمان بهذا الركن العظيم، يقول العلامة السفاريني: " واعلم أنه يجب الجزم شرعا، أن الله تعالى يبعث جميع العباد، ويعيدهم بعد إيجادهم بجميع أجزائهم الأصلية، وهي التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره، ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء. فإن هذا حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، مع كونه من الممكنات التي أخبر بها الشارع، وكل ما هو كذلك فهو ثابت، والإخبار عنه مطابق " (١). وهذا مقتضى الإيمان بقوله : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، وهو يعم الآخرة، ولكن ذكرها المولى ، ونصَّ عليها ثانيا؛ " لِعِظَمِها والتنبيه على وجوب اعتقادها والرد على الكفرة الجاحدين لها " (٢). ونُشير في هذا المقام: إلى انحراف المتكلمين، وجنوحهم عن طريق الهدى وبعدهم عن الصواب في باب اليوم الآخر، وذلك من جهتين: الأولى: قصرهم أدلة إثبات اليوم الآخر، وأحواله، وأهواله في السمعيات فقط. الثانية: ظنهم أن القول باليوم الآخر، لا يُعرف إلا بإثبات نظرية الجوهر الفرد. وهاتان الجهتان هما موضوع المسألة الثانية والثالثة. المسألة الثانية: قصرُ المتكلمين أدلة إثبات اليوم الآخر في السمعيات فقط: بيان حكم هذه المسألة في النقاط التالية: ١ - المراد بالسمعيات (الغيبيات): السمعيات في مقابل العقليات والنظريات، فما كان طريق العلم به العقل يُسمى: العقليات أو النظريات، ولهذا يُقال لعلماء هذا الشأن: النُظار. فالسمعيات: ما كان طريق العلم به السمع الوارد في الكتاب، أو السنة ... أو الآثار مما ليس للعقل فيه مجال. (٣)

стр. 57

وربما سُمي هذا المصطلح بالدليل السمعي، أو الدليل النقلي، أو الأدلة المأثورة، أو الأدلة الخبرية، أو الأدلة الشرعية، ونحو هذا، وكلها تدل على معنى واحد، وهو: الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، التي لا مجال للعقل فيها. (١) جاء في الموسوعة الفقهية: " السمعيات: هي الأمور التي يتوقف عليها السمع كالمعاد، وأسباب السعادة والشقاء من الإيمان والطاعة، والكفر والمعصية " (٢). وقال الإمام الجصاص: " السمعيات طريقها السمع، ولا مدخل للعقل في إثباته " (٣)، " فأما الأمور التي يتوقف عليها ثبوت الكتاب والسنة فهي مباحث النبوة، وما يتعلق بها؛ إذ لا يمكن التصديق بالكتاب والسنة إلا بعد التصديق برسالة من جاء بهما. وأما الأمور التي تتوقف على الكتاب والسنة فهي الأمور الغيبية التي لا يمكن لعقل أن يستقل بإدراكها، كالصراط، والميزان، والحشر ... ، فالسمعيات هي: الاعتقادات التي لا يستقل العقل بإثباتها، وإنما يتوقف إثباتها على الأدلة السمعية " (٤). وقال الإمام ابن تيمية: " أما المتكلمة المتبعون للنبوات، فغرضهم في الغالب إنما هو إثبات صانع هذا العالم، والصفات التي بها ثبتت النبوة على طريقهم، ثم إذا أثبتوا النبوة تلقوا منها السمعيات وهي الكتاب والسنة والإجماع، وفروع ذلك " (٥). وقسم إمام الحرمين الجويني الأدلة إلى قسمين: أدلة عقلية، وأدلة سمعية وأشار إلى المميز بينهما فقال: " والمميز بينها وبين العقليات: أنها لا تدل بأنفسها ولكن تدل بنصب ناصب لها أدلة " (٦).

стр. 58

ثم ذكر العلماء أن الضابط في السمعيات: " أن العقل لا يمنعها ولا يحيلها ولا يقدر على ذلك، ولا يقدر أن يوجبها، ولا يحار في ذلك " (١). فالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إنما يُخبرون بما تحار فيه العقول، لا بما تُحيله، يقول الإمام ابن تيمية: " يجب الفرق بين ما يقصر العقل عن دركه وما يعلم العقل استحالته. بين ما لا يعلم العقل ثبوته، وبين ما يعلم العقل انتفاءه، بين محارات العقول، ومحالات العقول. فإن الرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - قد يخبرون بمحارات العقول، وهو ما تعجز العقول عن معرفته، ولا يخبرون بمحالات العقول، وهو ما يعلم العقل استحالته " (٢). وقال في موضع آخر: " يجب الفرق بين ما يعلم العقل بطلانه وامتناعه وبين ما يعجز العقل عن تصوره ومعرفته. فالأول: من محالات العقول والثاني: من محارات العقول، والرسل يخبرون بالثاني " (٣). وعليه يُعرف أن: " السمعيات: كل ما ثبت بالسمع، أي: بطريق الشرع ولم يكن للعقل فيها مدخل " (٤)، وتسمى بالغيبيات؛ " لأنها أمور غائبة عنا ولا أثر لها في حياتنا يدل عليها دلالة قطعية " (٥). ٢ - العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح:

стр. 59

إذا عُلم أن السمعيات هي: أدلة الشرع التي لا مدخل للعقل فيها، فلا يدل ذلك على تنافيها مع العقل، أو تناقضها معه، بل " الأدلة السمعية التي جاءت بها الأنبياء لا تتناقض، وكذلك الأدلة الصحيحة العقلية، ولا تتناقض السمعيات والعقليات " (١)، وشرط صحة عدم التناقض: أن يكون الدليل النقلي صحيحا، وأن يكون الدليل العقلي صريحا، " والعقل الصريح: هو الخالي من الشبهات والشهوات، والنقل الصحيح: هو السالم من العلل والقوادح " (٢)، ولذا قال الإمام ابن تيمية: " وهذا الموضع غلط فيه طائفتان من الناس: غالية غلت في المعقولات، حتى جعلت ما ليس معقولا من المعقول، وقدمته على الحس ونصوص الرسول ﷺ ، وطائفة جفت عنه فردت المعقولات الصريحة، وقدمت عليها ما ظنته من السمعيات والحسيات، وهكذا الناس في السمعيات نوعان، وكذلك هم في الحسيات الباطنة والظاهرة نوعان. فيجب ان يُعلم أن الحق لا ينقض بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، وأن ما عُلم بمعقول صريح، لا يخالفه قط خبر صحيح، ولا حس صحيح. وكذلك ما عُلم بالسمع الصحيح، لا يعارضه عقل وحس وكذلك ما عُلم بالحس الصحيح، لا يناقضه خبر ولا معقول " (٣). وقد انبرى بعض المتكلمين حين أعيتهم الحيلة، للجمع بين نصوص الشرع الصحيحة، ومؤيدات العقل الصريحة، وحين لم يُسلموا لظواهر نصوص الشرع المطهر، فسنوا قانونا زعموا أنه كلي يُرجع إليه حين تتعارض النصوص النقلية مع العقل، وجعلوها من المتشابهات. ونحن حين نعتقد، أنه لا يمكن أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح كما قال علماء أهل السنة، " فلا يُتصور أن يتعارض عقل صريح، ونقل صحيح أبدا " (٤)، نجد أن بعض علماء الكلام أطروا وسطروا قوانينهم التي يظنون أنها مؤيدة للعقل، والعقل منها براء.

стр. 60

ومن القوانين التي سطروها، ما ذكره الرازي في كتابه (أساس التقديس) من القانون الذي ظن أنه المرجوع إليه في جميع المتشابهات. ويُعرف هذا القانون بقانون التأويل؛ لزعمه أن الدلائل السمعية متوقفة على الأصول العقلية. (١) قال الرازي في بيان هذا القانون: " اعلم أن الدلائل القطعية العقلية، إذا قامت على ثبوث شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين وهو محال. وإما أن يبطل، فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال. وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل ... لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية، إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول ﷺ وظهور المعجزات على محمد ﷺ -ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية، صار العقل متهما غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم نثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معا، وإنه باطل. ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة، بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال: إنها غير صحيحة، أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها. ثم إن جوزنا التأويل واشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى. فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات. وبالله التوفيق " (٢). هذا هو القانون الذي ألغوا به الكثير من نصوص الوحيين؛ لأن نتيجة التعارض الموهوم لديهم، أنه متى حصل التعارض بين العقل والنقل والعقل أصل النقل، وجب تقديم العقل عليه، وحينها يكون الموقف من النصوص المعارضة له إما: الرد، أو التأويل، أو التفويض.

стр. 61

يقول اللقاني في منظومته جوهرة التوحيد (١): وكل نص أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورُم تنزيها وقد بنوا هذا المانع العقلي المعارض للنصوص، على دليل حدوث الأجسام فقالوا: " إن القول بما دل عليه السمع من إثبات الصفات والأفعال، يقدح في أصل الدليل الذي به علمنا صدق الرسول، وقالوا: إنه لا يمكن تصديق الرسول - لو قُدر أنه يُخبر بذلك -؛ لأن صدقه لا يُعلم إلا بعد أن يُثبت العلم بالصانع، ولا طريق إلى إثبات العلم بالصانع إلا القول بحدوث الأجسام " (٢). قال الإمام ابن تيمية: " فهذه هي أعظم القواطع التي يعارضون بها الكتب الإلهية، والنصوص النبوية، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها " (٣). وابتلي بهذا القانون جماعات، حتى صار " منهجا لمعظم المتكلمين المعارضين لصحيح المنقول بشبهاتهم العقلية، حيث توارثوه جيلا، فكل من أراد أن يُؤول أو يرد نصا من نصوص الصفات، فلا بد أن يُشير إليه " (٤). وقد انبرى شيخ الإسلام ابن تيمية للرد على هذه الشبهة، " فذكر في الجواب تسعة عشر وجها، مفصلة أتم تفصيل، في بيان أن صريح المعقول لا يخالف صحيح المنقول. وفيه الذب عن الشريعة الغراء، وأنها وافية بكل ما يستوجب سعادة الدارين، ليس لها حاجة بإكمالها بالقواعد التي وضعها علماء الكلام من أعداء الله ورسوله ﷺ وأن جميع ما جاءت به الشريعة الغراء مما يوافق ما تقتضيه العقول السليمة، وأن نصوصها لا تُؤول لأجل تطبيقها على ما اخترعوه من الآراء الفاسدة، والأقوال الكاسدة " (٥). وذكر الإمام ابن تيمية أن أكثر الناس صوابا في العقليات، أقربهم إلى طريقة السلف والأئمة، فطريقهم أكمل الطرق وأصحها؛ لأنها موافقة للطرق التي دل عليها القرآن وأرشد إليها.

стр. 62

وكما أن أكثرهم صوابا في السمعيات، أقربهم لطريقة السلف؛ إذ العقل الصريح، لا يخالف السمع الصحيح، بل يصدقه ويوافقه (١). وعدَّ الإمام ابن القيم هذا القانون الفاسد طاغوتا؛ لما جر على الأمة من الويلات والتبعات، ولذا كسر هذا الطاغوت بمئتين وأربعين وجها، ومع ذلك فهو يقول: " وقد أشفى شيخ الإسلام في هذا الباب بما لا مزيد عليه وبيَّن بطلان هذه الشبهة، وكسر هذا الطاغوت في كتابه الكبير - درء تعارض العقل والنقل -، فنحن نشير إلى كلمات يسيرة هي قطرة من بحره " (٢). ٣ - التصنيف العقدي عند المتكلمين: إن الناظر في تآليف المتكلمين في العقائد، يجد أنهم يُقسمون العقائد إلى ثلاثة أقسام: (الإلهيات - النبوات - السمعيات) فيبدأ المتكلمون تصانيفهم العقدية بالحديث عن الإلهيات، وهي تُعنى بتقرير أمور تسبق إثبات النبوة، كإثبات أن الله واجب الوجود بذاته والدليل على ذلك، ثم إثبات توحده، وهو كونه واحدا والدليل عليه، فمتى ثبتت هذه القضايا، ساغ للنبي أن يقول إنه مرسل من ربه، فيبلغ شرعه، مع إتيانه بالمعجزة. ثم يُفصلون في السمعيات، وهي كل ما يتعلق بتفاصيل الآخرة والعجب أنهم " في باب الإلهيات والنبوات لا يقبلون نصوص الكتاب والسنة ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية وأما باب السمعيات - أي: البعث والحشر، والجنة والنار، والوعد والوعيد - فهم يقبلون فيه النصوص الشرعية " (٣). وهذا الترتيب في التصنيف العقائدي عند المتكلمين مبني على أمرين:

стр. 63

الأول: أن " الأصل في السمعيات كلام الله تعالى، وهو مستند قول النبي ﷺ ، ولكن لا يثبت كلام الله تعالى، إلا من جهة من يثبت صدقه بالمعجزة إذا أخبر عن كلام الله تعالى، فمال السمع إلى كلام الله تعالى، وهو متلقى من جهة رسول الله ﷺ ومستند الثقة بالتلقي منه، ثبوت صدقه، والدال على صدقه المعجزة " (١). ومعنى هذا: أن السمعيات لا تعتبر ما لم تأت من جهة الرسول، ولا بد في إثبات السمعيات من إثبات صدق الرسول، ولا يثبت صدق الرسول إلا بتقرير أمور تسبق إثباته، وهي ما تُعرف عند المتكلمين بالإلهيات. ولذا لما عدَّ إمام الحرمين مدارك العلوم الثلاثة وهي: العقول، والمعجزات والسمعيات، قال: " والتحقيق في ذلك يستدعي تقديم أصلين، ثم بعدهما نعد السمعيات " (٢). الثاني: ظنهم أن هذه الطريقة في التأليف - التي انفردوا بها - موافقة لطريقة القرآن الكريم. وذلك أن الله " قال في صدر سورة البقرة - بعد أن صنَّف الخلق ثلاثة أصناف: مؤمن وكافر ومنافق - فقال بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة:٢١] وذكر آلاءه التي تتضمن نعمته وقدرته، ثم اتبع لك بتقرير النبوة بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣]. والمتكلم يستحسن مثل هذا التأليف ويستعظمه، حيث قررت الربوبية ثم الرسالة ويظن أن هذا موافق لطريقته الكلامية في نظره في القضايا العقليات أولا: من تقرير الربوبية، ثم تقرير النبوة، ثم تلقي السمعيات من النبوة، كما هي الطريقة المشهورة الكلامية للمعتزلة، والكرامية، والكلابية، والأشعرية " (٣)

стр. 64

ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن عمدة كلامهم ومعظمه في إثبات الصانع ثم إثبات صفاته، مبني على ما يُعرف عندهم بالعقليات، التي هي من أصول دينهم. ولذا لحقهم الذم من جهتين: " من جهة ضعف المقاييس التي بنوا عليها، ومن جهة ردهم لما جاءت به السنة " (١)، ثم بين الشيخ خطأ المتكلمين في ظنهم أن طريقة القرآن تُوافق طريقهم من وجوه. ٤ - تقسيم العقائد عند المتكلمين: أشرنا إلى أن المتكلمين قسموا العقائد إلى: إلهيات، ونبوات، وسمعيات وأن السمعيات تبحث في مسائل المعاد واليوم الآخر، والأسماء والأحكام والإمامة ونحوها (٢). وأن السمعيات هي الأمور الثابتة بطريق الشرع، فلا مجال للعقل فيها ولذا فإن المعاد، وما يتعلق بأحوال اليوم الآخر، لا يُعلم إلا بالسمع. ومن هنا قسَّم المتكلمون قضايا العقائد إلى ثلاثة أقسام (٣): ١ - ما لا يدرك إلا بالعقل، ولا تُقبل فيه الدلالة السمعية، وهو ما يحكم العقل بوجوبه. ٢ - ما لا يدرك إلا بالسمع، ولا تُقبل فيه الدلالة العقلية، وهو ما لا يحكم العقل باستحالته. ٣ - ما تشترك فيه الدلالتان السمعية والعقلية، وهو ما يحكم العقل بجوازه استقلالا، أو بمعاضدة الوحي. فما لا يدرك ولا يثبت إلا بالسمع، كالمعاد، وأخبار اليوم الآخر، لا يقبلون فيه الدلالة العقلية، ولكن شرطوا: تجويز العقل لها، ولذا قال إمام الحرمين: " ... وأما ما لا يدرك إلا بالسمع: فوقوع الجائزات وانتفاؤها " (٤).

стр. 65

فأخبار اليوم الآخر لا تعلم إلا بالأدلة السمعية، ولا تقبل فيها دلالة العقل عندهم، بل قال شيخ الإسلام: " وكثير من هؤلاء يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يُعلم بالعقل كالمعاد " (١)، وأشار الشيخ إلى حصر الأشاعرة أمر المعاد في السمعيات فقال: " وأما أمر المعاد فيجعلونه كله من باب السمعيات؛ لأنه ممكن في العقل، والصادق قد أخبره به " (٢). واختلف الناس في أمر المعاد هل يُعلم بالعقل أم لا؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فذهب كثير من أهل الكلام، وذهب أكثر الناس إلى أن المعاد من الأمور السمعية التي لا تعلم إلا بالسمع، وهو قول كثير من أصحابنا والأشعرية وغيرهم. وذهب طائفة إلى أنه يعلم بالعقل ثم تنوعت مسالكهم: فمنهم من بناه على وجوب العدل، ومنهم من بناه على أن الروح غير البدن " (٣). وصوَّب الشيخ: " أن معرفته بالسمع واجبة، وأما بالعقل فقد تُعرف وقد لا تعرف، فليست معرفته بالعقل ممتنعة، ولا هي أيضا واجبة " (٤) " فالإيمان باليوم الآخر أصل كل السمعيات، ليس هو في مذهب أهل السنة والجماعة سمعيا فقط، بل الأدلة عليه من القرآن هي في نفسها عقلية، كما أن الفطر السليمة تشهد به، فهو حقيقة مركوزة في أذهان البشر، ما لم يحرفهم عنها حارف. لكن لو أن العقل حكم باستحالة شيء من تفصيلاته - فرضا وجدلا - فحكمه مردود. وليس إيماننا به متوقفا على حكم العقل، وغاية الأمر: أن العقل قد يعجز عن تصوره، أما أن يحكم باستحالته فغير وارد " (٥).

стр. 66

وفي هذا المقام أشار الإمام ابن تيمية في القاعدة السابعة من رسالته إلى أهل تدمر: " أن كثيرا مما يدل عليه السمع يُعلم بالعقل أيضا، والقرآن يُبيِّن ما يستدل به العقل، ويرشد إليه، وينبه عليه " (١)، وأشار الشيخ إلى أن التوحيد والنبوة والمعاد سمعية عقلية فقال: " فهذه المطالب هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع أخبر بها، ومن جهة أنه بيَّن الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها " (٢). وخلاصة القول في هذه المسألة: أن ما يتعلق بالمعاد له جانبان: الأول: جانب يتعلق بالإمكان، فهذا الجانب قد أقام القرآن الكريم الأدلة ... العقلية على جوازه، وإمكانه، وعدم استحالته، واستخدم عدة أدلة منها: - قياس الأولى. - وقياس المثل. - والاستدلال بصحة الشيء على صحة مثله. - والاستدلال بصفة القدرة الإلهية. - والاستدلال بالأدلة الحسية الواقعية. فهذه الأدلة كلها تصب في جانب الإمكان والجواز. الثاني: جانب يتعلق بالوقوع والتفاصيل: فأما وقوعه: فكذلك العقل يدل عليه، وذلك: بالنظر إلى حكمة الله تعالى وعدله، فإذا نظرت إلى حكمة الله تعالى وعدله، ثم رأيت تظالم الناس، قادك ذلك إلى أنه لا بد من يوم يجازى فيه الناس ويحاسبون. وأما تفاصيله وأخباره: فهذا سمعي بحت، كالأخبار المتعلقة بعذاب القبر، والحشر، والميزان، والصراط، ونحوها من تفاصيل اليوم الآخر. ... فكما أن الإيمان باليوم الآخر ضرورة عقلية إلا أن هذا العقل المجرد يعجز عن معرفة تفاصيل الآخرة، فإن هذه الأمور لا تعرف إلا عن طريق الوحي. (٣)

стр. 67

ومن هنا قال الإمام ابن تيمية: " وأما المعتزلة والفلاسفة والكرامية وغيرهم، وكثير من أهل الحديث والفقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، وكثير من الصوفية، وسلف الأمة وأئمتها: فيجعلون المعاد أيضا من العقليات، ويثبتونه بالعقل " (١). * * * المسألة الثالثة: ظنُّ المتكلمين أن القول بالبعث والمعاد لا يعرف إلا بإثبات نظرية الجوهر الفرد: بيان هذه المسألة في النقاط التالية: ١ - معنى هذه النظرية: إن البحث في نظرية الجوهر الفرد عند المتكلمين، تعتبر من دقيق الكلام الذي يبحث عن هذا العالم في مادته، وصفاته، وتحولاته، وتفاعلاته، وحركاته وسكناته، والمكان والزمان، والوجود والعدم، والصفات الطبيعية والظاهرية، ونحو ذلك، فخرجوا برؤية شاملة قامت على جملة مبادئ وأسس عقلية واصطلحوا على تسمية هذه المباحث التي تُعنى بالأمور الطبيعية بدقيق الكلام. في حين اصطلحوا على تسمية المباحث المتعلقة بالإلهيات وما يتبعه من مسائل القدر والمعاد، بجليل الكلام. ومن المبادئ الأساسية عند المتكلمين في مباحث دقيق الكلام، مبدأ التجزئة والانفصال، وهو ما يعرف بالجواهر الفردة، والتي تقوم على تصور أن الأشياء يمكن أن تتجزأ أجزاء حتى تصير إلى جزء لا يتجزأ، وهو الوحدة الأساسية لبناء ذلك الشيء. (٢)

стр. 68

وقد قسم المتكلمون المحدثات إلى: جسم، وجوهر (١)، وعرض. والجواهر - عند المتكلمين - لها خصائص وأحوال. وبعيدا عن الخوض في هذه الخصائص والأحوال، فإن الأجسام عند المتكلمين لها خصيصة الانقسام والتجزئة إلى ما لا نهاية. وهذا الجزء الذي تتوقف عنده، يُعرف عندهم بالجوهر الفرد. وقد أشار الإمام ابن تيمية إلى أن لفظ الجوهر " ليس من لغة العرب، وإنما هو معرب " (٢) على ما قيل، وأن الموجودات على تقسيم المتكلمين تنقسم إلى جوهر وعرض،"وهؤلاء منهم من يريد بالجوهر المتحيز، فيكون الجسم المتحيزعندهم جوهرا، وقد يريدون به الجوهر الفرد الذي لا يتجزأ " (٣). فالجوهر الفرد أو المفرد هو: الجزء الذي لا يمكن تقسيمه، أي: لا يقبل القسمة والانقسام مطلقا، ويقال له: الجزء الذي لا يتجزأ، أي: لا ينحل. ويراد بالمفرد: أي: الجزء المتفرد الذي لا ينقسم إلى جزئين فصاعدا (٤)، فلو أنك قسمت الشيء إلى قسمين، وتتابع هذا التقسيم، فلا بد أن يصل إلى جزء لا ينقسم، هذا الجزء الذي لا ينقسم، ولا يقبل التجزئة يسمونه: الجوهر الفرد. وهم يرون أن جميع الأجسام متركبة من الجواهر الفردة، وأن الجواهر متماثلة (٥) " فالجوهر لدى المتكلمين: هو الجزء الفرد المتميز الذي لا ينقسم، أما المنقسم فيسمونه جسما لا جوهرا. ولهذا السبب يمتنعون عن إطلاق اسم الجوهر على المبدأ الأول " (٦). ٢ - نشأة القول بالجوهر الفرد عند المتكلمين:

стр. 69

نشأ القول بالجوهر الفرد عند المتكلمين، نتيجة ما عُرف عن الفلاسفة من القول بعدم التناهي في الأجزاء المنقسمة. وقد اختلف متقدمو الفلاسفة عن متأخريهم في أصل العالم؟ فمتقدموهم على أن أصل العالم مادي، في حين زعم متأخروهم أن أصل العالم الجواهر الفردة، أو الذرات التي لا نهاية لعددها وحدِّها، وهي غير قابلة للتغير والفساد، وعُلم هذا القول عن انكساغوريس، ديموقريطس ... وهيرقليطس، وأبيقور (١). واتفق المتكلمون مع متأخري الفلاسفة على القول بالجواهر الفردة، إلا أن الفرق " بين قول المتكلمين في الجواهر الفردة، وبين قول ديموفريطس وأبيقور وغيرهما، هو أن أهل الكلام يرون حدوثه، ويستدلون به على حدوث العالم ويرى اليونان أنه قديم " (٢). فإثبات نظرية الجوهر الفرد عند المتكلمين، " مرتبط بالقول بتناهي الأجسام فهو يؤيد قولهم بحدوث العالم حين يردون على الفلاسفة. وتأتي فكرة الجوهر الفرد، في مقابل ما ذهب إليه النظام، من القول بإمكان تجزؤ الأجسام إلى ما لا نهاية، مما يؤدي إلى تقرير القول بقدم العالم " (٣). قال القاضي أحمد نكري: " وإنما ذهب المتكلمون إلى إثبات الجوهر الفرد وتركيب الجسم منه، ونفي الهيولى؛ لئلا يلزم قِدم العالم، والعالم بجميع أجزائه محدث عندهم " (٤).

стр. 70

وقد نص البعض على أن أصول القول الجوهر الفرد مستورد من أصول يونانية، وقيل: إن أصوله هندية، وقيل: هو من بقايا مذاهب الغنوصية (١). ٣ - القول بالبعث والمعاد مبني على نظرية الجوهر الفرد: ظن المتكلمون " أن القول بإثبات الصانع، وبأنه سيخلق السموات والأرض، وبأنه يقيم القيامة، ويبعث الناس من القبور، لا يتم إلا بإثبات الجوهر الفرد، فجعلوه أصلا للإيمان بالله واليوم الآخر " (٢). فهنا يُبيِّن شيخ الإسلام أن الأصل الذي بنى عليه المتكلمون إثبات المبدأ والمعاد، هو القول بإثبات الجوهر الفرد، ثم فرعوا عليه من المقالات التي يعلم العقلاء فسادها ببديهة العقل (٣). وبيَّن الإمام ابن القيم هذه الحقيقة فقال: " وأما اليوم الآخر فإن جمهورهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد، وقالوا: لا يتأتى التصديق بالمعاد إلا بإثباته " (٤). ويقول التفتازاني في تقرير هذه القضية: " ومبنى هذا الأصل عند المتكلمين أن أجزاء الجسم ليست إلا الجواهر الفردة "، ثم يقول فيما يتعلق بأحكام الجسم: " أن الأجسام متماثلة، أي متحدة الحقيقة، وإنما الاختلاف في العوارض وهذا أصل يبتني عليه كثير من من قواعد الإسلام، كإثبات القادر المختار، وكثير من أحوال النبوة والمعاد " (٥). وذكر شيخ الإسلام عن الإمام الرازي قوله: " قال من قال من هؤلاء: إن إثبات المعاد موقوف على ثبوت الجوهر الفرد، وهذا قول أبي عبدالله الرازي وغيره " (٦).

стр. 71

وقال الطوفي: " سمعت بعض مشايخنا، يحكي عن بعض مشايخه أنه كان يقول: إن ثبت القول بالجوهر الفرد، أمكن القول بالمعاد، وبعث الأجساد وإلا فلا " (١). ولا شك أن هذا القول وأمثاله، مما جر الويلات على عقائد المسلمين فإنهم جعلوه أصلا للإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وأنه دين المسلمين الذي يُعد منكره خارجا عن الدين، يقول الإمام ابن تيمية: " وأعجب من هذا أنهم يجعلون إثبات الجوهر الفرد دين المسلمين، حتى يُعد منكره خارجا عن الدين " (٢)، ويقول أيضا: " وبعض المصنفين في الكلام، يجعل إثبات الجوهر الفرد هو قول المسلمين، وأن نفيه هو قول الملحدين " (٣). ومن العجب أن المتكلمين حكوا الإجماع على إثبات الجوهر الفرد: يقول الإمام الجويني: " اتفق الإسلاميون على أن الأجسام تتناهى في تجزيئها حتى تصير أفرادا، وكل جزء لا يتجزأ، فليس له طرف وحد شائع لا يتميز " (٤) ويقول البغدادي: " واجمعوا على ان كل جَوْهَر جُزْء لَا يتَجَزَّأ واكفروا النظام والفلاسفة الَّذين قَالُوا بانقسام كل جُزْء الى أَجزَاء بِلَا نِهَايَة لَان هَذَا يقتضى الا تكون اجزاؤها محصورة عِنْد الله تَعَالَى وَفِي هَذَا رد قَوْله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن:٢٨] " (٥). ويقول التفتازاني: " نعم في إثبات الجوهر الفرد نجاة عن كثير من ظلمات الفلاسفة، مثل إثبات الهيولى والصورة المؤدي إلى قدم العالم، ونفي حشر الأجساد " (٦).

стр. 72

وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الإجماع المدعى، وقال ضمن ردوده على من حكى هذا الإجماع: " وهذا لأن هؤلاء لم يعرفوا من الأقوال المنسوبة إلى المسلمين إلا ما وجدوه في كتب شيوخهم أهل الكلام المحدث في الدين الذي ذمه السلف والأئمة " (١). وقال أيضا: " ولكن حاكي هذا الإجماع لما لم يعرف أصول الدين إلا ما في كتب الكلام، ولم يجد إلا من يقول بذلك، اعتقد هذا إجماع المسلمين: " (٢). فهذه الإجماعات التي تُحكى لا قيمة لها؛ لأنهم قد يحكون الإجماع على ما يعتقدونه من لوازم أقوالهم، يقول شيخ الإسلام في معرض الرد على أمثال هذه الإجماعات: " وهذا القول الذي يحكيه هذا وأمثاله من إجماع المسلمين أو إجماع المليين في مواضع كثيرة، يحكونه بحسب ما يعتقدونه من لوازم أقوالهم، وكثير من الإجماعات التي يحكيها أهل الكلام هي من هذا الباب فإن أحدهم قد يرى أن صحة الإسلام لا تقوم إلا بذلك الدليل، وهم يعلمون أن المسلمين متفقون على صحة الإسلام، فيحكون الإجماع على ما يظنونه من لوازم الإسلام، كما يحكون الإجماع على المقدمات التي يظنون أن صحة الإسلام مستلزمة لصحتها، وأن صحتها من لوازم صحة الإسلام ... أو يكونون لم يعرفوا من المسلمين إلا قولين أو ثلاثة، فيحكون الإجماع على نفي ما سواها " (٣). ٤ - رد نظرية الجوهر الفرد: من الأمور التي تُقوِّض (٤) نظرية الجوهر الفرد، وتنقضها وتقضي عليها ما يلي:

стр. 73

أ- أن هذه النظرية مبنية على أسس متهالكة، لا قوام لها. ولذا أصبح المتكلمون أنفسهم في حيرة تجاه هذه النظرية، وقد صرح إمام الحرمين الجويني، بأن هذه المسألة من محارات العقول (١)، هذا جانب، وجانب آخر وهو أن أذكياء الطوائف من هؤلاء المتكلمين قد توقفوا في آخر أمرهم عن إثبات الجوهر الفرد؛ قال الإمام ابن تيمية: " وأذكياء المتأخرين، مثل أبي الحسين البصري، وأبي المعالي الجويني، وأبي عبدالله الرازي، كانوا متوقفين في آخر أمرهم في إثبات الجوهر الفرد " (٢)، وقال في موضع آخر: " ثم هؤلاء الذين ادعوا توقف الإيمان بالله واليوم الآخر على ثبوته، قد شكوا فيه، وقد توقفوا في آخر عمرهم كإمام المتأخرين من المعتزلة أبي الحسين البصري وإمام المتأخرين من الأشعرية أبي المعالي الجويني، وإمام المتأخرين من الفلاسفة والمتكلمين أبي عبد الله الرازي " (٣). فهؤلاء الذين حاروا في هذه مسألة الجوهر الفرد " توقفوا فيها تارة، وإن كانوا قد يجزمون بها أخري، فإن الواحد من هؤلاء تارة يجزم بالقولين المتناقضين في كتابين أو كتاب واحد، وتارة يحار فيها، مع دعواهم أن القول الذي يقولونه قطعي برهاني عقلي لا يحتمل النقيض " (٤).

стр. 74

فأمثال هذه النظريات العقلية التي سلكوها بعقولهم، وظنوا موافقتها للشرع، انتهت بهم إلى الحيرة والاضطراب، يقول الإمام ابن القيم: " أما المتكلمون الذين عدلوا عن الاستدلال بالأدلة السمعية إلى الأدلة العقلية، في المسائل الكبار كمسألة حدوث العالم، ... ومسألة الجوهر الفرد، وهل الأجسام مركبة منه أم لا؟ ومسالة الكلام وحقيقته، وأضعاف ذلك من المسائل التي عولوا فيها على مجرد عقل أفضلهم، وأشدهم حيرة وتناقضا واضطرابا فيها لا يثبت له فيها قول، بل تارة يقول بالقول ويجزم به، وتارة يقول بضده ويجزم به، وتارة يحار ويقف وتتعارض عنده الأدلة العقلية " (١) ومما يدل على التناقض حيال هذه النظرية: أن المتكلمين " لما كان أصل رأيهم في ابتداء الخلق إثبات الجوهر الفرد وجعلوه أيضًا في المعاد والبعث، ولكن اختلفوا بين رأيين: أحدهها: تعدم الجواهر ثم تعاد. الثاني: تتفرق الأجزاء ثم تجتمع. ولكن هذين الرأيين أثارا صعوبات أمامهم، في مواجهة الفلاسفة المنكرين لبعث الأبدان، حيث تساءل هؤلاء الفلاسفة عن الآتي: (١) - الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان آخر، فإن الأجزاء في هذه الأجساد قد اختلطت. (٢) - إن الإنسان يتحلل دائمًا، فما الذي يعاد، أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن أجيب بالإيجاب، لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك ليس بعض الأبدان بأولى من بعض أي أنها تتفاوت في القوة والضعف. واضطر المتكلمون أمام هذه الصعوبات إلى القول: بأن الله تعالى يخلق بدنًا آخر تعود إليه الروح، فالمقصود تنعيم الروح وتعذيبها سواء كانت في هذا البدن أو في غيره.

стр. 75

وهذا أيضًا يخالف النصوص الصريحة بإعادة هذا البدن، كما يخالف عقائد السلف للأجسام التي يشاهد حدوثها أنه يقلبها ويحيلها من جسم إلى جسم (١) ب - أن السواد الأعظم من المسلمين على إنكار هذه النظرية، فقد " أطبق أئمة الإسلام على ذم من بنى دينه على الكلام في الجواهر والأعراض " (٢). فهذه النظرية التي اعتمدوا عليها قد أنكرها " أئمة السلف، والفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية، وجمهور العقلاء، وكثير من طوائف أهل الكلام كالهشامية، والضرارية، والنجارية، والكلابية، وكثير من الكرامية (٣). والقول بمعاد الأبدان مما اتفق عليه أهل الملل، فكيف يكون القول بمعاد الأبدان مستلزما للقول بالجوهر الفرد؟ " (٤). وبهذا يُعلم بطلان ما ذهب إليه بعض المتكلمين من أن القول بإثبات الجوهر الفرد هو مذهب المسلمين، وربما ذكر إجماع المسلمين عليه، فإنه " قول لم يقل به أحد من سلف الأمة ولا جمهور الأمة؛ بل جمهور الأمة حتى من طوائف أهل الكلام ينكرون الجوهر الفرد وتركب الأجسام من الجواهر" (٥). ومن الفلاسفة المتأخرين الذين فندوا هذه النظرية ابن رشد الحفيد (٦).
следующие страницы →