← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال الطوفي: " سمعت بعض مشايخنا، يحكي عن بعض مشايخه أنه كان يقول: إن ثبت القول بالجوهر الفرد، أمكن القول بالمعاد، وبعث الأجساد وإلا فلا " (١). ولا شك أن هذا القول وأمثاله، مما جر الويلات على عقائد المسلمين فإنهم جعلوه أصلا للإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وأنه دين المسلمين الذي يُعد منكره خارجا عن الدين، يقول الإمام ابن تيمية: " وأعجب من هذا أنهم يجعلون إثبات الجوهر الفرد دين المسلمين، حتى يُعد منكره خارجا عن الدين " (٢)، ويقول أيضا: " وبعض المصنفين في الكلام، يجعل إثبات الجوهر الفرد هو قول المسلمين، وأن نفيه هو قول الملحدين " (٣). ومن العجب أن المتكلمين حكوا الإجماع على إثبات الجوهر الفرد: يقول الإمام الجويني: " اتفق الإسلاميون على أن الأجسام تتناهى في تجزيئها حتى تصير أفرادا، وكل جزء لا يتجزأ، فليس له طرف وحد شائع لا يتميز " (٤) ويقول البغدادي: " واجمعوا على ان كل جَوْهَر جُزْء لَا يتَجَزَّأ واكفروا النظام والفلاسفة الَّذين قَالُوا بانقسام كل جُزْء الى أَجزَاء بِلَا نِهَايَة لَان هَذَا يقتضى الا تكون اجزاؤها محصورة عِنْد الله تَعَالَى وَفِي هَذَا رد قَوْله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن:٢٨] " (٥). ويقول التفتازاني: " نعم في إثبات الجوهر الفرد نجاة عن كثير من ظلمات الفلاسفة، مثل إثبات الهيولى والصورة المؤدي إلى قدم العالم، ونفي حشر الأجساد " (٦).

стр. 72

وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الإجماع المدعى، وقال ضمن ردوده على من حكى هذا الإجماع: " وهذا لأن هؤلاء لم يعرفوا من الأقوال المنسوبة إلى المسلمين إلا ما وجدوه في كتب شيوخهم أهل الكلام المحدث في الدين الذي ذمه السلف والأئمة " (١). وقال أيضا: " ولكن حاكي هذا الإجماع لما لم يعرف أصول الدين إلا ما في كتب الكلام، ولم يجد إلا من يقول بذلك، اعتقد هذا إجماع المسلمين: " (٢). فهذه الإجماعات التي تُحكى لا قيمة لها؛ لأنهم قد يحكون الإجماع على ما يعتقدونه من لوازم أقوالهم، يقول شيخ الإسلام في معرض الرد على أمثال هذه الإجماعات: " وهذا القول الذي يحكيه هذا وأمثاله من إجماع المسلمين أو إجماع المليين في مواضع كثيرة، يحكونه بحسب ما يعتقدونه من لوازم أقوالهم، وكثير من الإجماعات التي يحكيها أهل الكلام هي من هذا الباب فإن أحدهم قد يرى أن صحة الإسلام لا تقوم إلا بذلك الدليل، وهم يعلمون أن المسلمين متفقون على صحة الإسلام، فيحكون الإجماع على ما يظنونه من لوازم الإسلام، كما يحكون الإجماع على المقدمات التي يظنون أن صحة الإسلام مستلزمة لصحتها، وأن صحتها من لوازم صحة الإسلام ... أو يكونون لم يعرفوا من المسلمين إلا قولين أو ثلاثة، فيحكون الإجماع على نفي ما سواها " (٣). ٤ - رد نظرية الجوهر الفرد: من الأمور التي تُقوِّض (٤) نظرية الجوهر الفرد، وتنقضها وتقضي عليها ما يلي:

стр. 73

أ- أن هذه النظرية مبنية على أسس متهالكة، لا قوام لها. ولذا أصبح المتكلمون أنفسهم في حيرة تجاه هذه النظرية، وقد صرح إمام الحرمين الجويني، بأن هذه المسألة من محارات العقول (١)، هذا جانب، وجانب آخر وهو أن أذكياء الطوائف من هؤلاء المتكلمين قد توقفوا في آخر أمرهم عن إثبات الجوهر الفرد؛ قال الإمام ابن تيمية: " وأذكياء المتأخرين، مثل أبي الحسين البصري، وأبي المعالي الجويني، وأبي عبدالله الرازي، كانوا متوقفين في آخر أمرهم في إثبات الجوهر الفرد " (٢)، وقال في موضع آخر: " ثم هؤلاء الذين ادعوا توقف الإيمان بالله واليوم الآخر على ثبوته، قد شكوا فيه، وقد توقفوا في آخر عمرهم كإمام المتأخرين من المعتزلة أبي الحسين البصري وإمام المتأخرين من الأشعرية أبي المعالي الجويني، وإمام المتأخرين من الفلاسفة والمتكلمين أبي عبد الله الرازي " (٣). فهؤلاء الذين حاروا في هذه مسألة الجوهر الفرد " توقفوا فيها تارة، وإن كانوا قد يجزمون بها أخري، فإن الواحد من هؤلاء تارة يجزم بالقولين المتناقضين في كتابين أو كتاب واحد، وتارة يحار فيها، مع دعواهم أن القول الذي يقولونه قطعي برهاني عقلي لا يحتمل النقيض " (٤).

стр. 74

فأمثال هذه النظريات العقلية التي سلكوها بعقولهم، وظنوا موافقتها للشرع، انتهت بهم إلى الحيرة والاضطراب، يقول الإمام ابن القيم: " أما المتكلمون الذين عدلوا عن الاستدلال بالأدلة السمعية إلى الأدلة العقلية، في المسائل الكبار كمسألة حدوث العالم، ... ومسألة الجوهر الفرد، وهل الأجسام مركبة منه أم لا؟ ومسالة الكلام وحقيقته، وأضعاف ذلك من المسائل التي عولوا فيها على مجرد عقل أفضلهم، وأشدهم حيرة وتناقضا واضطرابا فيها لا يثبت له فيها قول، بل تارة يقول بالقول ويجزم به، وتارة يقول بضده ويجزم به، وتارة يحار ويقف وتتعارض عنده الأدلة العقلية " (١) ومما يدل على التناقض حيال هذه النظرية: أن المتكلمين " لما كان أصل رأيهم في ابتداء الخلق إثبات الجوهر الفرد وجعلوه أيضًا في المعاد والبعث، ولكن اختلفوا بين رأيين: أحدهها: تعدم الجواهر ثم تعاد. الثاني: تتفرق الأجزاء ثم تجتمع. ولكن هذين الرأيين أثارا صعوبات أمامهم، في مواجهة الفلاسفة المنكرين لبعث الأبدان، حيث تساءل هؤلاء الفلاسفة عن الآتي: (١) - الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان آخر، فإن الأجزاء في هذه الأجساد قد اختلطت. (٢) - إن الإنسان يتحلل دائمًا، فما الذي يعاد، أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن أجيب بالإيجاب، لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك ليس بعض الأبدان بأولى من بعض أي أنها تتفاوت في القوة والضعف. واضطر المتكلمون أمام هذه الصعوبات إلى القول: بأن الله تعالى يخلق بدنًا آخر تعود إليه الروح، فالمقصود تنعيم الروح وتعذيبها سواء كانت في هذا البدن أو في غيره.

стр. 75

وهذا أيضًا يخالف النصوص الصريحة بإعادة هذا البدن، كما يخالف عقائد السلف للأجسام التي يشاهد حدوثها أنه يقلبها ويحيلها من جسم إلى جسم (١) ب - أن السواد الأعظم من المسلمين على إنكار هذه النظرية، فقد " أطبق أئمة الإسلام على ذم من بنى دينه على الكلام في الجواهر والأعراض " (٢). فهذه النظرية التي اعتمدوا عليها قد أنكرها " أئمة السلف، والفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية، وجمهور العقلاء، وكثير من طوائف أهل الكلام كالهشامية، والضرارية، والنجارية، والكلابية، وكثير من الكرامية (٣). والقول بمعاد الأبدان مما اتفق عليه أهل الملل، فكيف يكون القول بمعاد الأبدان مستلزما للقول بالجوهر الفرد؟ " (٤). وبهذا يُعلم بطلان ما ذهب إليه بعض المتكلمين من أن القول بإثبات الجوهر الفرد هو مذهب المسلمين، وربما ذكر إجماع المسلمين عليه، فإنه " قول لم يقل به أحد من سلف الأمة ولا جمهور الأمة؛ بل جمهور الأمة حتى من طوائف أهل الكلام ينكرون الجوهر الفرد وتركب الأجسام من الجواهر" (٥). ومن الفلاسفة المتأخرين الذين فندوا هذه النظرية ابن رشد الحفيد (٦).

стр. 76

ج - أن هذه النظرية لا زالت عاجزة عن تفسير بعض قضاياها، " مثل مسألة ما إذا كانت الذرات ذات ثقل، ومسألة المصدر الأصلي للحركة ومسألة الضرورة، فما زالت موضعا للتخمين " (١). د - مما استدل به شيخ الإسلام على فساد هذه النظرية، أن ما يسمونه بالجوهر الفرد ممتنع وجوده على تفسير المتكلمين له، فيقول: " وإذا كان لكل شيء مخلوق قيام وقدر، دل ذلك على فساد قول من أثبت الجوهر الفرد، ومن قال: العرض لا يبقى زمانين. فإن الذين يقولون بالجوهر الفرد يثبتون شيئا لا تتميز يمينه عن يساره، ولا يعرف بالحس، وهو ممتنع وجوده، فإن وجود ما لا يتميز منه جانب عن جانب ممتنع، وإنما يفرضونه في الذهن. وعلى قولهم لا قدر له، والله تعالى قد جعل لكل شيء قدرا، فما لا قدر له لم يخلق، بل هو ممتنع " (٢). وانطلق شيخ الإسلام من هذا التفسير للجواهر الفردة، المخالفة للعقل في الرد عليهم فقال: " وأما مخالفة العقل: فإثبات الجوهر الفرد، إثبات شيء موجود لا يتميز منه شيء عن شيء، فإذا وضع جوهر بين جوهرين، فإن كان الذي يماس هذا الجانب فقد التقى الجوهران، وإن كان غيره فقد ثبت الانقسام " (٣). ويذهب الإمام ابن تيمية إلى مذهب آخر للرد عليهم، وإبطال نظريتهم في الجوهر الفرد، وذلك أن مذهب القائلين بالجواهر الفردة: أن الذوات لا تستحيل عندهم، بل تلك الجواهر التي كانت في الأول هي بعينها في الثاني! وذكر الإمام أن الفقهاء متفقون على استحالة بعض الأجسام إلى بعض كاستحالة العذرة إلى رماد، والخنزير إلى ملح. (٤)

стр. 77

ثم قال رحمه الله تعالى: " فنحن نشاهد الهواء يستحيل ماء إذا وضع في الزجاج ونحوه ثلج صار عليه ماء يقطر، ومعلوم أن الثلج لم يثقب الزجاج بل الهواء الذي أحاط به برد فاستحال ماء، كما يحيل الله سحابا وماء ... وكذلك الهواء يستحيل نارا، فإذا قرب ذبالة المصباح إلى النار أوقد، مع أنه لم يخرج من تلك النار شيء، ولكن الهواء المحيط بالذبالة استحال نارا لما سخن سخونة شديدة. فالهواء يبرد فيستحيل ماء، ويسخن فيستحيل نارا " (١). فيرى شيخ الإسلام أن الأجزاء إذا تصغرت استحالت، فأجزاء الماء إذا تصغرت فإنها تستحيل فتصير هواء، فما دامت موجودة فإنه يتميز منها جانب عن جانب، فلا يوجد شيء لا يتميز بعضه عن بعض (٢). على أن علماء الفيزياء الذرية، والكيمياء الحيوية، في موافقة ومواءمة مع هذه القضية. فعلم الكيمياء الحديث، يقوم على تحويل بعض المركبات المعينة، ذات الصفات الخاصة، إلى مركبات أخرى ذات خصائص وصفات مختلفة عن الأولى. وعلم الفيزياء الذرية يقرر إمكانية تحطيم الذرة، وتحويلها إلى عناصر أخرى، بل وتحويلها إلى طاقة، وهذا كله موافق لما ذهب إليه شيخ الإسلام إلى استحالة الأجزاء متى تصغرت. هـ - ظهور آلة تحطيم الجوهر الفرد، يقول الشيخ الشعراوي: " لم يكن أحد يعرف أن هناك ما هو أصغر من الذرة، وكنا جميعاً حتى ما قبل الحرب العالمية الأولى، لا نعلم أن هناك شيئاً أصغر من الذرة، وكان العلماء يعتقدون أن الذرة هي الجزء الذي لا يتجزَّأ؛ لأنها أصغر ما يقع عليه البصر فضرب الله مثلاً ... بالأقل في زمن نزول القرآن.

стр. 78

ولما تقدم العلم بعد الحرب العالمية الأولى، واخترعت ألمانيا آلةً لتحطيم الذرة، قيل عنها: إنها آلة تحطيم الجوهر الفرد، أي: الشيء الذي لا ينقسم وهذه الآلة مكونة من اسطوانتين مثل اسطوانتي عَصَّارة القصب، والمسافة بين الاسطوانتين لا تكاد تُرَى، وحين حَطَّمت ألمانيا ما قيل عنه «الجوهر الفرد» تحول إلى ما هو أقل منه، وتفتَّتت الذرّة " (١)، ونجحوا، وأصبح هناك شيء آخر أقل من الذرة. والعلم الحديث يُؤكد " أن الأجسام مركبة من ذرات، لكن الذرات ليست متماثلة، فليست ذرة الأكسجين هي ذرة الهيدروجين، ولا ذرة الحديد هي ذرة الزئبق. ثم إن هذه الذرات ليست هي أصغر شيء، بل هي مركبة من إليكترون، ونيكترون، ونواة، ففيها شحنات كهربائية متعادلة " (٢). ولذا قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: " جاء العلم الحديث ففتت الذرة وجعل لها أجزاء " (٣)، وقال د. الزنيدي: " ثم انهارت نظرية الجوهر الفرد وتجزأ الجزء الذي لا يتجزأ إلى طاقة، حينما فجرت الذرة، وكان هذا انهياراً لعلم الكلام القائم على هذه النظرية، ولو كان علم الكلام هو الحامل للواء الإسلام حينما فجرت الذرة، لكان ذلك سلاحاً بيد أعداء الإسلام، لتأكيد بطلانه نتيجة هذا الفساد لأساسه " (٤). و- أن هذه النظرية مخالفة للعقل والحس والفطرة، كإنكار الأسباب والزعم بأن الأجسام متماثلة في الجواهر مختلفة في الأعراض فقط، فمثلاً الثلج مماثل للنار من كل وجه، ولذا فقد أبطل بعضهم علم الهندسة لأجل هذه النظرية ومن هنا يقول التفتازاني: " إن الأجسام متماثلة، أي متحدة الحقيقة، وإنما الاختلاف بالعوارض، وهذا أصل يبتني عليه كثير من قواعد الإسلام كإثبات القادر المختار، وكثير من أحوال النبوة والمعاد " (٥). ٥ - الخلاصة:

стр. 79

أن عقيدة اليوم الآخر والمعاد، عقيدة حق لا ريب فيها، جاءت نصوصها متوافرة متضافرة في الكتاب والسنة، دونما أي إشارة إلى نظرية الجوهر الفرد. في حين بنى المتكلمون هذه العقيدة على نظرية الجوهر الفرد، فخالفوا بذلك الحس والعقل والقرآن، حين زعموا: أن أحدا لا يعلم حدوث عين من الأعيان بالمشاهدة، ولا بضرورة العقل، وأنما يعلم ذلك بالاستدلال ويقولون: لا يشهد أن الله تعالى أحدث في هذا العالم شيئا من الجواهر، وإنما أحدث تأليفها وتركيبها فقط، قالوا: وكذلك المعاد، لأنه سبحانه يفرق أجزاء العالم، وهو إعدامه ثم يُؤلفها ويجمعها، وهو المعاد. وهم بهذا خالفوا جمهور العقلاء من الطوائف حين قالوا: " بأن الرب جل وعلا، لا يزال يحدث الأعيان، كما دل على ذلك الحس والعقل والقرآن. فإن الأجسام الحادثة بالمشاهدة، ذواتها وأجزاؤها حادثة بعد إن لم تكن جواهر مفرقة فاجتمعت، ومن قال غير ذلك فقد كابر الحس والعقل، فإن كون الإنسان والحيوان مخلوقا محدثا كائنا بعد أن لم يكن، أمر معلوم بالضرورة لجميع الناس، وكل أحد يعلم أنه حدث في بطن أمه بعد أن لم يكن، وأن عينه حدثت كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم:٩]، وليس هذا عندهم مما يستدل عليه، بل يستدل به، كما هي طريقة القرآن، فإنه جعل حدوث الإنسان وخلقه دليلا لا مدلولا عليه " (١). وخلاصة الأمر كما يقول الإمام ابن تيمية: " ومعلوم أن أكثر العقلاء من بني آدم، لا يتصور الجوهر الفرد، والذين يتصورونه أكثرهم لا يثبتونه والذين أثبتوه إنما يثبتونه بطرق خفية طويلة بعيدة، فيمتنع أن يكون اللفظ الشائع في اللغة التي ينطق بها خواصها وعوامها، أرادوا به هذا. وقد علم بالاضطرار، أن أحدا من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، لم ينطق بإثبات الجوهر الفرد ولا بما يدل على ثبوته عنده، بل ولا العرب قبلهم، ولا سائر الأمم الباقين على الفطرة، ولا أتباع الرسل " (٢).

стр. 80

فهذه المسألة قطعا ليست من أصول الدين، وإذا لم تكن من أصول الدين فإن المتكلمين " إذا أثبتوا من أصول الدين، ما يعلم بالاضطرار أنه ليس من أصول الدين، لزم قطعًا تغيير الدين وتبديله. ولهذا زاد أهل هذا الفن في الدين ونقصوا منه علمًا وعملاً، وإذا كان كذلك لم يكن الخوض في هذه المسألة مما يبنى عليه الدين، بل مسألة من مسائل الأمور الطبيعية، كالقول في غيرها من أحكام الأجسام الكلية " (١)، ومن هنا " أطبق أئمة الإسلام على ذم من بنى دينه على الكلام في الجواهر والأعراض " (٢). فالنجاة التمسك بما كان عليه الصدر الأول، الذين كانوا " أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأحسنها حالا، وأقومها هديا. فإنهم جاؤوا بما يكفي وما يشفي، ولم يحدث بعدهم خير كامن لم يعلموه " (٣)، ولذا " قال أَبُو الوفاء بْن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فَإِن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بَكْر وعمر، فبئس مَا رأيت "

стр. 81

المطلب الثاني اتفاق الشرائع على الإيمان باليوم الآخر اتفقت كل الشرائع على الأصول، والآداب العامة، يقول الله تعالى: ... ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى:١ - ١٩]. اشتملت هذه السورة العظيمة على أصول العقائد " فقد ذكر فى أولها التوحيد وفى وسطها النبوة وفى آخرها المعاد. ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ أي إن المقصود من إنزال جميع الكتب الإلهية ليس إلا هذه المطالب الثلاثة العالية التي لا تتم السعادة إلا بها، ولا الفوز بالنعيم فى الدارين إلا بسلوكها " (١). " فالمبادئ العامة من العقائد والأخلاق، والعدل الإلهي، وقصص الانبياء، كلها أمور ثابتة في كل الكتب، وعند جميع الأنبياء، ولا يتغير إلا الأحكام من كتاب لآخر، لتناسب العصر والأوان الذي جاءتْ فيه " (٢).

стр. 82

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ «(١)، فيظهر جليا من هذا الحديث الشريف وحدة المعتقد، التي تدل على وحدة المصدر. قال الإمام النووي: " قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَصْلُ إِيمَانِهِمْ وَاحِدٌ وَشَرَائِعُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أُصُولِ التَّوْحِيدِ، وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف " (٢)، وقال الحافظ ابن حجر: " ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع " (٣)، وقال القاضي عياض: " وقوله (ودينهم واحد): إنما يرجع إلى التوحيد الذي هم مجمعون عليه، أو على طاعة الله، واتباع شرائعه على الجملة، وأما شرائعهم فمختلفة " (٤). " والحاصل أن الغاية القصوى من البعثة التي بعثوا جميعا لأجلها، دعوة الخلق إلى معرفة الحق، وإرشادهم إلى ما به ينتظم معاشهم، ويحسن معادهم فهم متفقون في هذا الأصل، وإن اختلفوا في تفاريع الشرائع " (٥).

стр. 83

ومن جملة ما اتفقت عليه الشرائع: اليوم الآخر الذي هو أس العقيدة وأصل أركان الدين والإيمان، بعد الإيمان بالله تعالى. فهذا الإيمان الجازم والفرض اللازم، باليوم الآخر الحاسم، الذي يُحكم بكفر منكره، وردة جاحده، هو الذي اتفقت عليه جميع الشرائع، وجاء بالدعوة إليه سائر الأنبياء والمرسلين يقول الإمام ابن تيمية: " ولا ريب أن هذه الأصول الثلاثة هي أصول الإيمان الخبرية العلمية، وهي جميعها داخلة في كل ملة وفي إرسال كل رسول فجميع الرسل اتفقت عليها، كما اتفقت على أصول الإيمان العملية أيضا، مثل: إيجاب عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وإيجاب الصدق، والعدل، وبر الوالدين، وتحريم الكذب، والظلم، والفواحش فإن هذه الأصول الكلية علما وعملا هي الأصول التي اتفقت عليها الرسل كلهم " (١). ويقول في موضع آخر: " بل هم - اليهود والنصارى والمسلمون - متفقون على الإيمان باليوم الآخر، وقد تنازعوا في بعض معانيها " (٢). وقد استفاضت نصوص علماء الإسلام واشتهرت، في بيان هذا المبدأ الذي تواردت عليه جميع الشرائع، يقول الإمام الشوكاني: " والحاصل أن هذا أمر اتفقت عليه الشرائع، ونطقت به كتب الله ، سابقها ولاحقها وتطابقت عليه الرسل، أولهم وآخرهم، ولم يخالف فيه أحد منهم، وهكذا اتفق على ذلك أتباع جميع الأنبياء من أهل الملل، ولم يسمع عن أحد منهم أنه أنكر ذلك قط " (٣). ومعلوم أن الله تعالى جعل لقيام الساعة علامات وأمارات، قال : ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] فقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي: أماراتها وعلاماتها (٤)، قال مقاتل: " يعني: أعلامها، يعني: انشقاق القمر، وخروج الدجال، وخروج النبي ﷺ " (٥).

стр. 84

وإذا كانت أشراط الساعة، دليل على قرب القيامة والدار الآخرة، فإن الأنبياء جميعا حذروا أممهم من فتنة المسيح الدجال، الذي يخرج في آخر الزمان، فيعيث في الأرض فسادا، وخروجه دليل على قرب الساعة، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ «(١) ففي الحديث الشريف إشارة إلى اتفاق الأنبياء على إثبات اليوم الآخر لأن أماراتها دليل عليها. وفي قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦)﴾ [العنكبوت:٣٦]، " إشارة تبيِّن وحدة الدعوة. ولباب العقيدة (اعبدوا الله)، وعبادة الله الواحد هي قاعدة العقيدة، ورجاء اليوم الآخر كفيل بتحويلهم عما كانوا يرجونه في هذه الحياة الدنيا من الكسب المادي الحرام " (٢). فأهل الملل متفقون على إثبات اليوم الآخر: يقول الإمام ابن القيم: ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى " (٣)، وقال الجلال الديواني: " هو بإجماع أهل الملل، وبشهادة نصوص القرآن، بحيث لا يقبل التأويل " (٤)، وقال الإمام ابن تيمية: " ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين واليهود والنصارى، وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة " (٥).

стр. 85

فأهل الملل من اليهود والنصارى، "يقرون بالعبادات، وبأن الله هو المستحق للعبادة، ويقرون بالثواب والعقاب المنفصلين مع القيامة الكبرى ومعاد الأبدان مع معاد النفوس، إلى غير ذلك مما جاءت به الرسل، لكن بدلوا بعض ما جاءت به الرسل " (١). فوقوع اليوم الآخر و معاد الأبدان، معلوم بالاضطرار من دين الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وقد انطوى عصر الصحابة ﵃ والتابعين، وتابعيهم، وهم القرون المفضلة على ذلك من غير اختلاف بينهم (٢). المطلب الثالث القدر المجزئ من الإيمان باليوم الآخر الإيمان المجمل والمفصل: في سؤال ورد إلى العلامة أبي عبدالله الشريف مفاده: هل يُطلب الإيمان بالمعاد على سبيل الجملة، أو على التفصيل؟ وأجاب بما حاصله: " أنه قد تقرر في الشرع، ألا تكليف إلا بما هو مقدور للعبد، ومعلوم له. وأن المعاد وأحواله، وصفاته، غير معلوم لنا، فتحصل من ذلك أمران: ١ - أن المُكَلَفَ به لا بد أن يكون معلوما. ٢ - أن أحوال المعاد وتفاصيله، وما هو عليه، ليس بمعلوم لنا، وليس في قوتنا الإحاطة به. وبهاتين المقدمتين يتبين: أن المكلف به في حديث المعاد، الإيمان به على الجملة من غير تعرض إلى ما عدا ذلك. ويتبين أيضا: مع هذا صحة قول القائل: آمنا به على ما جاء به الوحي، وأن هذه العبارة أحسن ما يجعل عنوانا على الدلالة على المطلوب من الإيمان بالمعاد، وهو الإيمان بالجملة" (٣).

стр. 86

فالإيمان المجمل: هو القدر المجزئ الذي يتحقق به الإيمان بهذا الركن العظيم، وبيان ذلك: أن الإيمان باليوم الآخر له مقامان: مقام إجمالي، ومقام تفصيلي (١): - فالمقام التفصيلي: يتبع العلم بما جاء في الكتاب والسنة، من أحوال اليوم الآخر. فمن جهل الإيمان التفصيلي باليوم الآخر فهو معذور ويكفيه الإيمان المجمل حتى يُعرَّف بالنصوص الشرعية التفصيلية فإن عرف وأنكر وكذب، كان مكذبا للقرآن والسنة. - وأما المقام الإجمالي: فهو أن يُوقن العبد، ويُؤمن، ويُصدق بأن هناك يوما يُبعث الله تعالى فيه العباد، فيجزي المحسن بإحسانه، والمسيئ بإساءته. وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية: " من لقي الله بالإيمان بجميع ما جاء به الرسول مجملا، مقرا بما بلغه من تفصيل الجملة، غير جاحد لشيء من تفاصيلها، أنه يكون بذلك من المؤمنين؛ إذ الإيمان بكل فرد من تفصيل ما أخبر به الرسول، وأمر به غير مقدور للعباد، إذ لا يوجد أحد إلا وقد خفي عليه بعض ما قاله الرسول " (٢)، وقال: " فإن الإيمان المجمل بما جاء به الرسول من صفات الرب، وأمر المعاد، يكفي فيه ما لم ينقض الجملة بالتفصيل، ولهذا اكتفوا في هذه العقائد بالجمل، وكرهوا فيها التفصيل المفضي إلى القتال والفتنة، بخلاف الشرائع المأمور بها، فإنه لا يكتفي فيها بالجمل، بل لا بد من تفصيلها علما وعملا " (٣).

стр. 87

وهذا الإيمان المجمل لا يُشترط فيه العلم بمعنى كل ما أخبر به النبي ﷺ وهذا لا ريب فيه. فكل من اشتبه عليه آية من القرآن، ولم يعرف معناها وجب عليه الإيمان بها، وأن يكل معناها إلى الله تعالى، فيقول: الله أعلم وهذا متفق عليه بين السلف والخلف (١). قال ابن أبي العز: " ولا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية " (٢). والإيمان المجمل ليس كالإيمان المفصل، فإن " الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به الرسول ﷺ مفصلا، ليس مثل الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملا، فإنه لا بد في الإيمان من تصديق الرسول في كل ما أخبر ... لكن من صدق الرسول، ومات عقب ذلك، لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك " (٣). يقول العلامة ابن باز: " وهكذا الأصل الخامس، وهو الإيمان باليوم الآخر نُؤمن به إجمالا وتفصيلا، فنؤمن بما سمى الله تعالى من أمر الآخرة كالجنة والنار، والصراط والميزان، وغير ذلك، وما سوى ذلك مما لم يرد في الآيات والأحاديث تفصيله، نُؤمن به على سبيل الإجمال " (٤). فالإيمان المجمل: هو القدر الذي لا يقبل نقصا، فأي نقص فيه، يعني انخرام أصل الدين. والإيمان المفصل: يشمل المعنى السابق للإيمان المجمل مضافا إليه الالتزام بما بلغه من الشرائع، والانقياد لها (٥).

стр. 88

المبحث الثالث الترتيب بين أركان الإسلام وفيه مطلبان المطلب الأول: التلازم والترابط بين الأركان. المطلب الثاني: سر الاقتران بين ركني الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر.

стр. 89

المطلب الأول التلازم والترابط بين الأركان: أركان الإيمان ستة، ورد ذكرها، والإشارة إليها في القرآن والسنة. ففي القرآن الكريم يقول المولى جل شأنه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧]، وقال : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. فذكر الله في هذه الآيات خمسة أركان، وأشار إلى السادس في قوله جل وعلا: ... ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر:٤٩]. ونص الله ﵎ على هذه الأركان في موضع آخر من كتابه الكريم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء:١٣٦]. " فهذه هي أصول الإيمان، وهي أصول الدين، فإن الإيمان هو الدين كله وهو الإسلام، وهو الهدى، وهو البر والتقوى، وهو ما بعث الله به رسوله ﷺ من العلم النافع، والعمل الصالح، كله يسمى إيمانا " (١).

стр. 90

وهذه الأركان والأصول " كلها مترابطة ارتباطا وثيقا، يكمل كل منها الآخر ويرتبط به، بحيث لو حصل إخلال بواحد منها أو إنكار له، كان تأثيره على سائرها واضحا، بل إن هذه الأركان تتجمع وتتضامّ حول الركن الرئيسي وهو الإيمان بالله تعالى. ومن هنا تأتي أركان الإيمان كلها في سياق واحد يحقق صفة الإيمان لصاحبها " (١). والناظر يرى تنوعا في ذكر هذه الأركان في الكتاب العزيز، ففي " مواضع يذكر الإيمان بالله وحده؛ لأن جميع ما ذكر في الآيات الأخرى داخل في ضمن الإيمان بالله، وفي بعضها الإيمان بالله ورسوله، وفي بعضها الإيمان بالله واليوم الآخر فقط، وما ذاك إلا لأن البقية داخلة في ذلك، فإذا ذكر الإيمان بالله دخل فيه بقية الأشياء التي ذكرها في الآيات الأخرى، كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر " (٢). فالإيمان " بهذه العقائد الست يستتبع بعضها بعضا - بمعنى أن من آمن ببعضها وكفر ولو بواحدة منها - كان كافرا بالجميع - وكثيرا ما تطلق كلمة الإيمان، أو يذكر بعض متعلقاتها اكتفاء - ويكون المراد: الإيمان بهذه الأركان كلها لتلازمها، فيقال: (آمنوا، أو آمنوا بالله واليوم الآخر، أو آمنوا بالله ورسوله، أو آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ... ) وهكذا قد تُذكر المتعلقات كلها أو بعضها، أو لا تُذكر؛ للعلم بها " (٣).

стр. 91

ولما كان الإيمان بالله هو أس هذه الأركان والأصول، ورأس هرمها والركن الركين فيها، ابتُدِأَ به. وبالإيمان به تعالى يتحقق الإيمان ببقية الأركان قال العلامة الرازي: " واعلم أنه قد دخل في الإيمان بالله، الإيمان بما أوجبه أعني الإيمان برسله. ودخل في الإيمان باليوم الآخر، جميع أحكام الآخرة. ... فهذان القولان قد جمعا كل ما يتصل بالأديان في حال التكليف، وفي حال الآخرة من ثواب وعقاب " (١). وكثر الاقتران والتلازم بين بعض الأركان دون بعض، يقول الإمام ابن تيمية مبينا التلازم بين التوحيد، والإيمان بالرسل واليوم الآخر: " وهذا في القرآن في مواضع أخر: يبين فيها أن الرسل كلهم أمروا بالتوحيد بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه، أو اتخاذه إلها. ويخبر أن أهل السعادة هم أهل التوحيد، وأن المشركين هم أهل الشقاوة. وذكر هذا عن عامة الرسل، ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل مشركون. فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان. وكذلك الإيمان باليوم الآخر هو والإيمان بالرسل متلازمان. فالثلاثة متلازمة " (٢). وفي سؤال وجه إلى العلامة: صالح الفوزان، عن حكمة الترتيب بين أركان الإيمان؟ فأجاب: "هناك حكمة - الله أعلم - في ترتيب أركان الإيمان في الآيات والأحاديث؛ وإن كانت الواو لا تقتضي ترتيبا؛ فقد بدأت هذه الأركان بالإيمان بالله، لأن الإيمان بالله هو الأساس وما سواه من الأركان تابع له.

стр. 92

ثم ذكر الإيمان بالملائكة والرسل؛ لأنهم الواسطة بين الله وخلقه في تبليغ رسالاته؛ فالملائكة تنزل بالوحي على الرسل، والرسل يبلغون ذلك للناس قال تعالى في سورة النحل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ ثم ذكر الإيمان بالكتب؛ لأنها الحُجّة والمرجع الذي جاءت به الرُّسل، من الملائكة والنبيِّين من عند الله؛ للحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٣]. ثم ذكر الإيمان باليوم الآخر؛ لأنه ميعاد الجزاء على الأعمال التي هي نتيجة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، أو التكذيب بذلك؛ فكان مقتضى العدالة الإلهية، إقامة هذا اليوم؛ للفصل بين الظالم والمظلوم، وإقامة العدل بين الناس ثم ذكر الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأهميته في دفع المؤمن إلى العمل الصالح واتخاذ الأسباب النافعة، مع الاعتماد على الله سبحانه، وبيان أنه لا تناقض بين شرع الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه وبين قضائه وقدره ... " (١).

стр. 93

المطلب الثاني سر الاقتران بين ركني الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر ورد هذا الاقتران والتلازم في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله ﵊ كثيرا، ومن شواهده في القرآن الكريم، قول المولى : - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٦]. - ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾ [النساء:٣٩]. - ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ [التوبة (١٨ - ١٩] - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. ومن شواهده في السنة المطهرة، قول النبي ﷺ : - «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً «(١). - «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ «(٢).

стр. 94

- «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا «(١). - «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ «(٢). - «لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ «(٣). دلت هذه النصوص الشرعية الشريفة المنيفة على قضيتين: الأولى: ما نبه عليه بعض أهل العلم والفضل: من أن الإشارة إلى اليوم الآخر في هذه النصوص، متضمن للإيمان بالأنبياء والكتب. قال الإمام ابن عطية: " وفي الإيمان باليوم الآخر اندرج الإيمان بالرسل والكتب، ومنه يتفهم، لأن البعث لم يعلم إلا بإخبار رسل الله عنه ﵎ " (٤)، وقال أيضا: " وفي الإيمان باليوم الآخر إيمان بالأنبياء، لأنه من جائزات العقل التي أثبتها السمع من الأنبياء " (٥). وكذا أشار إلى هذا المعنى الإمام أبو حيان فقال: " وقد اندرج في الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالرسل؛ إذ البعث لا يُعرف إلا من جهة الرسل " (٦).

стр. 95

وقد دل الإيمان باليوم الآخر، على بقية الإركان بدلالة اللزوم، يقول العلامة المناوي: " واكتفى بهما عن الإيمان بالرسل والكتب وغيرهما لأن الإيمان باليوم الآخر على ما هو عليه يستلزمه " (١). الثانية: ما أشار إليه العلماء، من أسرار وحِكَم تخصيص اقتران الإيمان بالله تعالى باليوم الآخر أكثر من غيره، فقد ذكروا أوجها متعددة في سر هذا الاقتران يجمعها قوة اللفظ والتعبير، الموجب للخوف والتغيير. فلفظ اليوم الآخر يُشعر برهبة مع طُمأنينة، وارتعاد مع سكون، ووجل مع حذر فيحرك النفس، ويُحفز الوجدان، ويقود الجوارح؛ للاستعداد والعمل. وإن الدوافع الفطرية الجامحة التي فُطر عليها البشر، من حب للبقاء والأخذ والنماء، والتملك والارتقاء، التي ربما جنح المرء فيها عن طريق الصواب ليحصلها، فأمام هذه الدوافع والمغريات، تقف التجارب البشرية عاجزة لضبطها ووقف زحفها، وحينها " لا شيء يمكن أن يعين الإنسان على ضبط هذه الدوافع، والوقوف بها عند الحدود المأمونة التي فرضها الله، قدر ما يعينه الإيمان باليوم الآخر، الذي يعوض فيه الإنسان عن كل حرمان تعرض له في الأرض، بنعيم دائم لا ينفد، فضلًا عن كونه نعيمًا أجمل وأصفى وأجود " (٢). فالتذكير باليوم الآخر " يقوي الوازع النفسي الذي يصد الإنسان عن الباطل والشر، والظلم والبغي، ويُرغبه في التزام الحق، والخير وعمل البر " (٣).

стр. 96

وإن كفر " الإنسان بهذا الركن من أركان الإيمان، يستلزم كفره بحكمة ربه وعدله في خلقه، وكفره بنعمته بخلقه في أحسن تقويم، وتفضيله على أهل علله (الأرض)، حيث سخرها وكل ما فيها لمنافعه ... ، ومن لوازم هذا الكفر والجهل كله، احتقاره لنفسه باعتقاده أنه خلق عبثا لا لحكمة بالغة، وأن وجوده في الأرض موقوت محدود بهذا العمر القصير، المنغص بالهموم والمصائب والظلم والبغي والآثام، وأنه يترك سدى لا يجزى كل ظالم من أفراده بظلمه وكل عادل بعدله وفضله، وإذ كان هذا الجزاء غير مطرد في الدنيا لجميع الأفراد تعين أن يكون جزاء الآخرة هو المظهر الأكبر للعدل العام " (١). وقد تباينت ألفاظ العلماء في التعبير عن سر هذا التخصيص، مع اتفاقهم على ... المعنى العام الذي أشرنا إليه: قال الإمام النسفي في سر هذا الاقتران: " لأن حاصل المسائل الاعتقادية يرجع إلى مسائل المبدأ، وهي العلم بالصانع وصفاته وأسمائه ومسائل المعاد وهي العلم بالنشور، والبعث من القبور، والصراط، والميزان، وسائر أحوال الآخرة " (٢). وقال الإمام أبو حيان: " وذكر الإيمان بالله لأنه ... هو الذي يحصل به التخويف، وتجنى فيه ثمرة مخالفة النهي " (٣)، وقال في موضع آخر: وذكر اليوم الآخر؛ لأن فيه ظهور آثار عبادة الله من الجزاء الجزيل " (٤). وقال العلامة علي القاري: " تخصيص اليوم الآخر بالذكر دون شيء من مكملات الإيمان بالله ; لأن الخير والمثوبة، ورجاء الثواب والعقاب، كلها راجعة إلى الإيمان باليوم الآخر، فمن لا يعتقده لا يرتدع عن شر، ولا يقدم على خير " (٥). ففي تخصيص ذكر الإيمان باليوم الآخر؛ تنبيه وإرشاد؛ لإيقاظ النفس وتحرك الهمم؛ للمبادرة والامتثال (٦).

стр. 97

وقال العلامة العثيمين: " وكثيراً ما يقرن الله الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر لأن الإيمان باليوم الآخر يحدو بالإنسان أن يعمل العمل الصالح، وأن يبتعد عن العمل السيء لأنه يؤمن أن هناك يوماً آخر يجازى فيه الإنسان المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته " (١)، وقال في موضع آخر: " ولهذا الله يقرن الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر دائما؛ لأن الإيمان بالله ابتداء، والإيمان باليوم الآخر انتهاء فتؤمن بالله، ثم تعمل لليوم الآخر الذي هو المقر " (٢) وقال الشيخ عبد المحسن العباد: " جمع رسول الله ﷺ بين ذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر في هذه الأمور الثلاثة؛ لأنَّ الإيمانَ بالله هو الأساسُ في كلِّ شيء يجب الإيمانُ به، فإنَّ أيَّ شيء يجب الإيمان به تابعٌ للإيمان بالله، وأمَّا الإيمانُ باليوم الآخر، ففيه التذكير بالمعَاد، والجزاء على الأعمال، إن خيراً فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ " (٣). وقد رد الشيخ شهاب الدين الخفاجي على من ذهب إلى أنه لا تخصيص في مثل هذا الاقتران، فقال: " وما قيل: من أنه لا تخصيص هنا؛ لأنّ قوله: (بالله ... إلخ)، قسم منهم أو منه تعالى، عدول عن جادّة الصواب بلا داع كما لا يخفى، وما تكلفه لتوجيهه غنيّ عن الردّ. وكون الإيمان بالله، والحشر، والنشر أعظم المقاصد الاعتقادية وأجلها ظاهر، مع أنّ من آمن بالله على ما يليق بجلال ذاته، آمن بكتبه ورسله وشرائعه، ومن علم أنّ إليه المصير استعدّ لذلك بالأعمال الصالحة " (٤).

стр. 98

ومن هنا نعلم أن " الإيمان باليوم الآخر آكد أركان الإيمان، فهو آكد من الإيمان بالكتب، ومن الإيمان بالرسل، ومن الإيمان بالملائكة؛ لأن الخلاف في الإيمان بها قليل، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن المنكرين له كثير، ولما كان الأمر كذلك، جاءت الأدلة الكثيرة عليه " (١). قال العلامة ابن أبي العز الحنفي: " الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة، والعقل، والفطرة السليمة. فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه العزيز وأقام الدليل عليه، ورد على المنكرين، في غالب سور القرآن. وذلك: أن الأنبياء كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر بالرب، إلا من عاند، كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون " (٢). ولما كان الإيمان بالله تعالى أمرا فطريا، لا تستطيع الفطر السوية، ولا العقل السليم جحوده، سلَّم به الكثيرون. ولكن مع اجتماع النفس الأمارة بالسوء وغلبة الهوى والعناد، وفساد الاعتقاد، والرغبة في التفلت عن التكاليف الشرعية، وفقدان الوازع الإيماني، أنكر الكثير من الناس الإيمان بالمعاد، ولم يُسلِّموا به؛ ليسلموا من تبعات التسليم والقبول والانقياد بهذه القضية. " ولذا فإن المناهج الأرضية الحديثة، لا وجود للمعالم الأخروية فيها فضلا عن مراعاتها. فالمناهج الإنسانية المعاصرة قامت على نظرة إلحادية في الأصل، تجعل الحياة الدنيا هي المستقر والمآل، والغاية التي تنتهي عندها حياة الفرد، فيسعى لتحقيق كل أمنياته، وأهدافه فيها " (٣).

стр. 99

أما المنهج الشرعي القرآني فهو يقوم على تربية النفس، وتقوية الوازع الديني الإيماني، فتجعل من الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، ومعبرا إليها ... تذكره كل لحظة بقضية الجزاء العادل يوم الدين، إذ " الحكمة والعدل يقضيان بالحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما يقضيان بأن ينال المحسن إحسانه، والمسيء إساءته ... حتى يُطَهَّر المسيء من دنس النفس، ويكون أهلا لرحمة الله الكاملة ... وقد تعرّض أحد القضاة الفرنسيين لتاريخ القضاء في فرنسا، وأصدر كتابا ذكر فيه عددا من الحالات، حكم فيها بالإعدام أو الإدانة على متّهمين، ثم برّأتهم الأيّام والحقائق، وأحصى عددا من الحالات، برّأ القضاء فيها متّهمين ثم أثبتت الأيام وحقائق الأحداث أنّهم مدانون. ثم عقّب القاضي بقوله: إنه لا بدّ من جزاء وحساب أمام قاض آخر، لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه حادثة، في دار أخرى؛ ليعوّض الناس عن أخطاء القضاء في الدنيا، وليكون حكمه فيصلا ومنصفا للمظلومين، ورادعا للمجرمين " (١).

стр. 100

المبحث الرابع اختلاف موازيين الدنيا وقوانينها عن موازين الآخرة وقوانينها وفيه مطلبان: المطلب الأول: اختلاف قوانين الدنيا عن الآخرة. المطلب الثاني: أمثلة تبين حقيقة الاختلاف في الموازيين والقوانين الدنيوية والأخروية.

стр. 101

المطلب الأول اختلاف قوانين الدنيا عن قوانين الاخرة وسننها " لقد جئنا من عالم، وسننتقل إلى عالم الغيب مرة أخرى، ولكل عالم سننه الخاصة به، والانتقال من عالم إلى عالم، يصحبه تحول في السنن التي تحكمنا أثناء ذلك الانتقال. ألا ترى أن السنن التي تحكمنا ونحن أجنة في بطون أمهاتنا، تختلف عن السنن التي تنتظرنا خارج الرحم، بل إن السنن التي تحكم سكان الأرض على سطحها، تختلف عن السنن التي تحكم رواد الفضاء خارج الأرض فكيف بالسنن التي تنتظرنا بعد موتنا، وخروجنا من الحياة الدنيا " (١). فالحياة الآخرة لها " قوانين ونواميس وخصائص، تتناسب معها، ومع صلاحيتها للبقاء الأبدي، وأن السنن التي تسير عليها حياتنا في هذه الدنيا لا تتحكم في حياتنا الآخرة والأبدية، لأنها نشأة أخرى، لا نعرف من تفاصيلها، ولا من سننها ونواميسها، وما تكون عليه، إلا ما علمناه ربنا بوحيه " (٢) ومن أبرز الشواهد الدالة على اختلاف الموازين والسنن الدنيوية، عن الموازين والسنن الأخروية - المسؤولية الذاتية الفردية -، فموازين الدنيا وقوانينها قد تجد فيها مدخلا لتحمل التبعات عن الجاني، فالعاقلة تحمل عن القاتل دية قتل الخطأ، في حين أن المسؤولية في الآخرة فردية، قال : ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم:٩٥]، وقال جل شأنه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:١٨]. وقد يحكم الحاكم في القضية، على ظاهر ما يسمع من الشهود، وقد يصدر منهم الصدق أوالكذب، والأمانة أو الغش والخداع، أما في الدار الآخرة فالشهود صادقة، يُعبِّر كل شاهد عما لامس ووقع، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت (١٩ - ٢٣].

стр. 102

ولذا قال الإمام ابن عبد البر في شرحه لحديث القبر وفتنته: " أحكام الآخرة لا مدخل فيها للقياس والاجتهاد، ولا للنظر والاحتجاج، والله يفعل ما يشاء لا شريك له " (١). " وقد ورد في السمع عن الصادق ﷺ أمور تُوصف بها الآخرة، على خلاف أمور الدنيا، كخبر الصراط، ومرور الناس عليه، وخبر الميزان وتجسيم الأعمال ووزنها، ووصف أحوال أهل الجنة والنار، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾ [النجم:٤٧]، أي: خِلقة غير هذه النشأة الدنيوية " (٢)، فوجب الإيمان والتسليم، قال الإمام القرطبي: " وهذا الباب ليس فيه مدخل للقياس، ولا مجال للنظر فيه، وإنما التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد " (٣). قال الحافظ ابن حجر معززا هذا المعنى: " ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة أن ليس للعقل فيها مجال، ولا يعترض عليها بعقل، ولا قياس، ولاعادة وإنما يؤخذ بالقبول، ويدخل تحت الإيمان بالغيب، ومن توقف في ذلك دل على خسرانه وحرمانه " (٤). ومن هنا يُعلم أن " العوالم الأخروية من أحوال الموت فما بعده، إلى الجنة والنار، ليست متولدة من الدنيا تولدا طبيعيا، بانقلاب الأطوار المتناسبة فيدركه العقل بالقواعد والقياسات والتنظير بما يراه من المكتشفات، وكذا يقال في سائر الغيبيات التي أثبتها الشرع، كالملائكة، والجن، ما في السماوات، وغيرها ليست متولدة من الأشياء التي للقواعد بها ارتباط وللعقل فيها مجال " (٥).

стр. 103

المطلب الثاني أمثلة تبين حقيقة الاختلاف في الموازيين والقوانين الدنيوية والأخروية في الصحيحين عن أنس ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ يُحْشَرُ الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ ﷺ : «ألَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا (١)، وهذا المشي على حقيقته، قال الحافظ ابن حجر: " وقد تقدم في التفسير أن الحاكم أخرجه من وجه آخر عن أنس بلفظ كيف يحشر أهل النار على وجوههم قوله أليس الذي أمشاه إلخ ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته ... فالجواب الصادر عن النبي ﷺ ظاهر في تقرير المشي على حقيقته " (٢). وذهب مجاهد إلى أن المراد به: مثل يُراد به الضال (٣)، قال الإمام ابن الملقن: "وقيل: هو مثل الكافر والمؤمن، أن هذا ضال وهذا مهتد، وهذا قول مجاهد في تفسير قوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك:٢٢]، وقال قتادة في تفسير الآية، بل هو حقيقة، وظاهر الحديث هنا حجة له " (٤). وقيل في الحكمة من حشر الكافر على وجهه: " أنه عوقب على عدم السجود لله في الدنيا، بأن يسحب على وجهه في القيامة؛ إظهارا لهوانه بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات " (٥). فـ " من هذا الحديث علمنا: أنه يجب فيما يرد من الأخبار عن اليوم الآخر أن يحمل على ظاهره، ولو كان غير معتاد في الدنيا؛ لأن أحوال العالم الآخر لا تقاس على أحوال هذا العالم " (٦).

стр. 104

" والحاصل: أنه لابد من الإيمان بالغيب في أحوال الآخرة، والآن ربما استبعد العبد شيئا من ذلك حيث لم يدركه بعقله، فحوّل يقينه إلى الظن وربما وصل الأمر به إلى جحود شيء من ذلك فيكفر، والعياذ بالله تعالى " (١). ومن هنا قال الإمام ابن رجب: " ومما يدخل في النهي عن التعمق والبحث عنه: أمور الغيب الخبرية التي أمر بالإيمان بها، ولم يبين كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العالم المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يعني، وهو مما ينهى عنه، وقد يوجب الحيرة والشك، ويرتقي إلى التكذيب " (٢). وقال الشيخ العثيمين مقررا هذه الحقيقة في مسائل الغيب: " فالحاصل: أن هذه المسائل على الإنسان أن يُسلِّم بها، ولا يعارضها بعقل؛ لأن العقول أقصر من أن تدرك ذلك " (٣). ويكفي في إدراك حقيقة هذه القضية، أن الإنسان لو تصور قول الله في عقاب أهل النار - أعاذنا الله تعالى منها -: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾ [الحج:١٩ - ٢٢]، فلو تصور " كيف تقطع النار ثيابا؟ كيف تصهر الأمعاء والأحشاء بالحميم الذي يصب من فوق الرؤوس؟ وهل يبقى فيهم بعد انصهارهم ما يضرب بمقامع الحديد؟ كيف؟

стр. 105

إن الأمر لو كان على سنن الدنيا وقوانينها؛ لأدى إلى موتهم، ولكن ذلك يحقق لهم طلبتهم من مالك خازن جحيمهم، والله لا يريد أن يخفف عنهم من عذابها، ولا أن يقضي عليهم فيموتوا، ولذلك جعل لهذه الحياة الأبدية نظاما وسننا غير التي نعرفها في هذه الحياة الدنيا " (١).

стр. 106

ومن هنا يتبين أن " حقائق وطبائع الأشياء الدنيوية، مختلفة عن حقائق وطبائع الأشياء الأخروية " (١) وإن اتفقت في الأسماء. ومن كمال الشوق إلى الجنة أن القرآن الكريم حين أخبرنا عن نعيم الجنة، أخبرنا بما هو معلوم لنا كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد:١٥]، وفي حديث النبي ﷺ الذي أخبر فيه عن إدام أهل الجنة، وفيه: ... «تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ»، فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا القَاسِمِ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: «بَلَى» قَالَ: تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ؟ قَالَ: إِدَامُهُمْ بَالَامٌ وَنُونٌ، قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: ثَوْرٌ وَنُونٌ، يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا «(٢). " فهل عسل الدنيا كعسل الآخرة؟ وهل خمر الدنيا كخمر الآخرة؟ وهل المساكن والنساء في الدنيا، كالمساكن والنساء في الآخرة؟ بينهما فرق عظيم:

стр. 107

- العسل في الجنة أنهار، وفي الدنيا يخرج من بطون النحل. - واللبن في الجنة أنهار، وفي الدنيا يخرج من ضروع البهائم. - والنساء لا يمتخطون، ولا يتغوطون، ولا يتبولون، بخلاف نساء الدنيا " (١). - إذن: " فإن الله أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات: من أصناف المطاعم، والملابس، والمناكح، والمساكن؛ فأخبرنا أن فيها لبنا، وعسلا، وخمرا، وماء، ولحما، وحريرا، وذهبا، وفضة، وفاكهة وحورا، وقصورا، وقد قال ابن عباس ﵄: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء " (٢). فهذه الأمور كلها حق، وهي موافقة في الاسم لما في الدنيا من حيث المعنى لا في الحقيقة، " أما موافقته لما في الدنيا في المعنى فلأن الله تعالى قال عن القرآن: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف:٣]،ولولا موافقته له في المعنى؛ ما فهمناه ولا عقلناه. وأما مخالفته له في الحقيقة فلقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة:١٧]، وقوله في الحديث القدسي: ... ﴿أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ﴾ قال ابن عباس ﵄: " ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء " (٣). فالاتفاق يكون في الأسماء والمعنى العام المشترك، أما الحقائق فهي مختلفة. فإن قيل: ما الداعي لإثبات قدر مشترك بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة؟ فالجواب: لو لم نثبت القدر المشترك، وهو الاتفاق في الاسم، وفي المعنى الكلي العام، لما فهم الخطاب (٤).

стр. 108

ويقول الشيخ العثيمين في شرحه لحديث الثور والنون في صحيح البخاري: " ولكن لاحظ أن الثور الذي ذُكر هنا ليس كالثور الذي نشاهده؛ لأن ما في الجنة من الأسماء، يتفق مع ما في الدنيا في الاسم فقط، أما الحقيقة فبينهما تباين عظيم " (١). فـ " عالم الغيب عالم عجيب، لا نعرف عنه إلا ما أخبرنا به الوحي الصادق وليس لنا معه إلا الإيمان والتصديق، دون القياس والتجريب؛ لأن المسألة خارجة عن قوانين عالمنا الحسي " (٢)

стр. 109

المبحث الخامس أقسام الناس في الإيمان باليوم الآخر وفيه مطلبان: المطلب الأول: مذهب أهل السنة والجماعة في اليوم الآخر. المطلب الثاني: مذهب طوائف أهل الكلام في اليوم الآخر.

стр. 110

المطلب الأول مذهب أهل السنة والجماعة في اليوم الآخر الناس مختلفون في الإيمان باليوم الآخر، مع كثرة أدلته، ووضوح دلالته ووفرة الشواهد الحسية والعقلية على وقوعه وحتميته، ومع تأييد نبض النفس البشرية، والفطرة الإنسانية على حقيقته. رغم ذلك انحرفت بعض الفطر، وضلت بعض العقول، فأصبحت تعيش بأجسادها تهيم كالأنعام بل هم أضل. ومع أن هذا المقام الغيبي، واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار، إلا أن طوائف أنكرت، وأخرى تأولت، وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية: " افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق: - فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا، وبين ما في الآخرة وأن مباينة الله لخلقه أعظم - والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة، من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرا مما أخبر به من الصفات، مثل طوائف من أهل الكلام.
следующие страницы →