Полный текст (74 стр.). Показаны 36–74 · переход к 41.
стр. 36
وقال عبد الملك بن قريب الأصمعي كنت عند أبي عمرو بن العلا فجاء عمرو بن عبيد فقال يا أبا عمرو، الله يخلف الميعاد؟ قال لا، قال فإذا وعد على عمل ثوابا أنجزه؟ قال نعم قال وإذا وعد على عمل عقابا أنجزه؟ قال إن الوعد عند العرب غير الوعيد، إن العرب لا تعد خلفا أن تعد الشر فلا تفي به، إنما الخلف عندهم أن يعد الخير فلا يفي به، أما سمعت قول الشاعر:
وَلا يَرهبُ اِبن العَمِ وَالجارُ صولَتي ... وَلا انثَنى مِ، صولَةِ المُتَهَدِدِ
وَإِني إذا أَوعَدتُهُ وَوَعَدتُه ... لِيُكَذبَ إِيعادي وَيَصدُقَ موعدي
أخرجه الخرايطي في مكارم الاخلاق.
стр. 37
وفي الجزء الثالث عشر من المجالسة من طريق المدايني قال ذكر حيان بن سليم عامر بن الطفيل فقال كان والله إذا وعد الخير وفاو إذا أوعد الشر أخلف، قال وأنشد أبو عمرو بن العلا في نحو هذا المعنى فذكرهما بلفظ
وَلا يَرهَب اِبنُ العَمِ ما شِئتَ صولَتي ... وَيَأمَنُ مِني صولَة المُتَهَدِدِ
وَإِني إِذا أَوعَدتُهُ أَو وَعَدتُهُ ... لِيُكَذبَ إِيعادي ويَصدُقَ موعدي
وهو موافق لصنيعهم في الفرق بين الخير والشر حيث يقال في الخير وعدته وفي الشر أوعدته لكن هذا محله فيما إذا أسقط الفعل أما إذا أثبت فلا فرق، فقد قال صاحب المحكم: يقال وعدته خيرا، ووعدته شرا، قال فإذا أسقطوا الفعل قالوا في الخير وعدته، وفي الشر أوعدته على
стр. 38
أن ابن الاعرابي قد حكى في نوادره أوعدته خيرا بالهمز أيضا وأنشدن ابن قتيبة لرجل في الحجاج بن يوسف كما في الثالث عشر من المجالسة.
كَأنَّ فُؤَادي بَينَ أَظفارٍ وَطائِرٍ ... مِنَ الخَوفِ في جَوِ السَما مُحلِق
حِذارَ امرءا قَد كُنتُ أَعلَمُ أَنّهُ ... مَتى ما يُعَدُ مِن نَفسِهِ الشَرُ يَصدُقُ
وقال تعالى: (وَإِن يَك صادِقا يُصِبكُم بَعضَ الَّذي يَعِدُكُم) ، ومن آيات الوعد: (أَفَمَن وَعدناهُ وَعداً حَسناً فَهُو لاقيهِ) ، (وَعَدكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثيرَةً تَأخُذُونَها فَعَجَلَ لَكُم هَذِهِ وَكَف أيديَ الناسِ عًنكُم) .
ورابعها
في الاحاديث والآثار الواردة في الوفاء بالوعد
وقد كان ﷺ أعظم خلق الله وفاءا بالوعد حتى جاء عن عبد الله بن أبي الحمسا
стр. 39
رضي الله عنه أنه قال: (بايعت النبي قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه فقال يا فتى لقد شققت على أنا ههنا منذ ثلاث انتظرك) رواه أبو داود في سننه وفي سنده خلف وقد ذكر الواحدي
стр. 40
عند تفسير قوله تعالى عن إسماعيل ﵇ أنه كان صادق الوعد نقلا عن مقاتل أنه قام ينتظر إنسانا لميعاد ثلاثة أيام، وهذا أورده في أنيس المنقطعين فقال حكى أن إسماعيل ﵇ وعد إنسانا أن ينتظره في مكان فمضى ذلك الإنسان ونسي وعده فعاد إليه بعد ثلاثة أيام أو أكثر، وإسماعيل ﵇ ينتظره في ذلك المكان فتعجب الرجل، ومدح إسماعيل رب العرش فقال إنه كان صادق الوعد، انتهى بل قال الكلبي أنه أقام حتى حال عليه الحول، وهذا حكاه الزمخشري فقال: وعن ابن عباس ﵄ أن إسماعيل ﵇ وعد
стр. 41
صاحبا له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة ورواه ابن أبي حاتم من طريق الثوري أنه بلغه أن إسماعيل ﵇ دخل قرية هو ورجل فأرسله في حاجة وقال إنه ينتظره فأقام حولا كاملا في انتظاره وعنده أيضا من طريق ابن شوذب أنه اتخذ ذلك مسكنا فسمى من يومئذ صادق الوعد، وفي الإحياء يقال أن إسماعيل ﵇ واعد إنسانا في موضع فلم يرجع إليه فبقى اثنين وعشرين يوما في انتظاره وهذا خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت
стр. 42
من حديث يزيد الرقاشي أن إسماعيل نبي الله وعد رجلا ميعادا فجلس له إسماعيل ﵇ اثنين وعشرين يوما مكانه لا يبرح للميعاد، ولها الآخر عن ذلك حتى جاء بعد ذلك قلت ويجمع بينهما على تقدير الصحة في كلها بالتعدد، وقد روى عن مجاهد أن إسماعيل ﵇ لم يعد بشيء إلا وفى به، وهذه الآية أوردها البخاري حيث ترجم في صحيحه باب من أمر بإنجاز الوعد.
وجاء عن محمد بن سيرين أنه انتظر أيضا فعند ابن أبي الدنيا في الصمت من طريق ابن عبد ربه القصاب قال واعدت محمد بن سيرين أن
стр. 43
اشترى له أضاحي فنسيت موعده لشغل ثم ذكرت بعد فأتيته قريبا من نصف النهار وإذا محمد ينتظرني فسلمت عليه فرفع رأسه فقال أما أنه قد يقبل أهون ذنب منك فقلت شغلت وعنفني أصحابي في المجيء إليك، وقالوا قد ذهب ولم يقعد إلى الساعة فقال لو لم تج حتى تغرب الشمس ما قمت من مقعدي هذا إلا للصلاة أو حاجة لا بد منها، وأقت بعضهم الانتظار بحد فإن لم يجد فارق وروى ابن أبي الدنيا أيضا عن الحسن بن عبيد الله النخعي قال قلت لإبراهيم النخعي يواعد الرجل الميعاد ولا يجىء قال لينتظره ما بينه وبين أن يدخل وقت الصلاة التي تجىء وأشار إليه الغزالي في الإحياء.
ومن الأدلة في الوفاء بالوعد ما أورده البخاري في الباب السابق عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس رضي الله
стр. 44
عنهما أي الأجلين أي المشار إليهما في قوله تعالى (ثَماني حُجَج فَإِن أَتمَمت عَشرا فَمِن عِندكَ) قضى موسى ﵇ فقال قضى أكثرهما وأطيبهما يعني عشر سنين إن رسول الله ﷺ إذا قال فعل.
وكذا رواه حكيم بن جبير وغيره عن سعيد ولفظ حكيم إن النبي ﷺ إذا وعد لم يخلف، والمراد برسول الله ﷺ أو نبي الله من اتصف بذلك ولم يرد شخصا بعينه، ووجه الاستدلال من هذا أن موسى ﵇ لم يجزم بوفا العشر في قوله (ذَلِكَ بَيني وبَينَكَ أَيَما الأَجَلَينِ قَضيتَ) بعد قوله له (عَلى أَن تَأجُرَني ثَماني حُجَج فَإِن أَتمَمتَ عَشرا فَمِن عِندَكَ) ، ومع عدم جزمه ﵇ وفاها فكيف لو جزم قال
стр. 45
ابن الجوزي لما رأى موسى ﵇ تلفت شعيب ﵇ متعلقا للزيادة لم يقتض كريم أخلاقه أن يخيب ظنه فيه. انتهى.
ويروي في داود ﵇ بخصوصه أنه كان لا يخلف وعدا وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال دخلت على عبد الله بن عمرو ﵄ فسايلني وهو يظن أني لأم كلثوم ابنة عقبة، فقلت إنما أنا للكلبية فقال عبد الله دخل على رسول الله ﷺ فقال ألم أخبر أنك تقرأ القرآن في كل يوم وليلة، صم صوم داود، صم يوما وأفطر يوما فإنه أعدل الصيام وكان لا يخلف الوعد، رواه أحمد وهو في الصحيح
стр. 46
ولكن بدون المقصود منه، وعن عبد الرحمن ابن أبزى قال كان داود ﵇ يقول لا تعدن أخاك شيئا لا تنجزه له فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة أخرجه الخرائطي ولكون الأنبياء لا يخلفون الوعد كان النبي ﷺ فيما قاله الغزالي في الإحياء إذا وعد وعدا قال عسى لكن قال مخرجه إنه لم يجده، وكذا كان بعض التابعين ﵏ يستثنى فروى ابن أبي الدنيا عن أبي اسحاق قال كان أصحاب عبد الله يعني ابن مسعود يقولون إذا وعد فقال إن شاء الله لم يخلف وأشار إليه الغزالي في الإحياء، قال وهو الأولى وربما توقف صلى الله عليه وسلم
стр. 47
عن الالتزام بالوعد، كما رواه الخرايطي في المكارم عن الحسن البصري مرسلا أن امرأة سألت رسول الله ﷺ شيئا فلم تجده فقالت عدني فقال رسول الله ﷺ إن العدة عطية وهو في المراسيل لأبي داود وكذا الصمت لابن أبي الدنيا من حديث يونس بن عبيد البصري عن الحسن أن النبي ﷺ قال العدة عطية.
وكذا هو في أول الفوائد التي بآخر مسند عمر للنجاد من حديث يونس ابن عبيد عن الحسن قال سأل رجل النبي ﷺ فقال ما عندي ما أعطيك فقال تعدني فقال رسول الله ﷺ العدة واجبة، وهذا المتن قد روى عن
стр. 48
قباث بن أشيم الليثي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ العدة عطية رواه الطبراني في الأوسط وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لا يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز له فإن رسول الله ﷺ قال العدة عطية) رواه القضاعي في مسند الشهاب والطبراني في الأوسط وغيرهما ولفظه عند أبي نعيم في الحلية إذا وعد أحدكم صبيه فلينجز له فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (العدة عطية والموقوف منه) رواه البخاري في الأدب المفرد.
стр. 49
ومن حديث أبي معمر عن ابن مسعود ﵁ أنه قال لا يصلح الكذب في جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم ولده شيئا ثم لا ينجز له، وجاء في ذلك حديث مرفوع فعن عبد الله بن عامر بن ربيعة ﵁ قال جاء رسول الله إلى بيتنا وأنا صبي صغير فذهبت لألعب فقالت أمي يا عبد الله تعال أعطيك فقال رسول الله ﷺ (ما أردت أن تعطيه قالت أردت أعطيه تمرا لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة) رواه أحمد والبخاري في تاريخه وابن سعد والطبراني والذهلي والخرائطي وآخرون.
стр. 50
ومن شواهد حديث (العدة عطية) ما روى بنحوه عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عدة المؤمن دين وعدة المؤمن كالأخذ باليد) أخرجه الديلمي في مسنده وهو عنده وكذا الطبراني وغيرهما عن علي ﵄ أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: (العدة دين ويل لمن وعد ثم أخلف ويل له ويل له ثلاثا) ورواه القضاعي في مسنده مقتصرا على قوله (العدة دين) وعن ابن المبارك عن ابن لهيعة
стр. 51
معضلا أن رسول الله ﷺ قال الوأي يعني الوعد مثل الدين أو أفضل أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وهو عند الديلمي في مسنده بسند ضعيف عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: (الواعد بالعدة مثل الدين أو أشد) وهذه الطرق يؤكد بعضها بعضا.
وفي الأمر بالوفاء بالوعد والهي عن الخلف فيه أحاديث أيضا منها عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم) رواه ابن حبان في صحيحه، وكذا الحاكم في
стр. 52
مستدركه وغيرهما، وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال أخبرني أبو سفيان ﵁ أن هرقل قال له سألتك ماذا يأمركم فزعمت (أنه يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة قال وهذه صفة نبي) أخرجه البخاري في باب من أمر بإنجاز الوعد من صحيحه، وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (تقبلوا لي بست اتقبل لكم بالجنة، قالوا وما هي قال: إذا وعد أحدكم فلا يخلف
стр. 53
وذكر باقيها) أخرجه أحمد بن منيع والحسن بن سفيان وابو يعلى في مسانيدهم وآخرون منهم الحاكم في مستدركه واقتصر بعضهم منه على قوله إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا وعد فلا يخلف) .
وعن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اكفلوا لي ست خصال اضمن لكم الجنة..) وذكر منها الوفاء بالوعد أخرجه الطبراني وهو عندنا بعلو في عشاريات شيخنا وفي الباب عن أبي هريرة
стр. 54
رضي الله عنه عند الطبراني في الأوسط.
وعن الزبير بن عدي مرسلا عند سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب وعن الحسن مرسلا أيضا عن سعيد فقط، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه) أخرجه البخاري في الادب المفرد.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده
стр. 55
عن الحسين بن علي عن النبي ﷺ قال: (من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو من كملت مرؤته وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحرمت غيبته) أخرجه العسكري في الامثال والديلمي في مسنده.
وجاء في التنفير من إخلاف الوعد (من حديث أبي بكر الصديق، وابن مسعود، وابن عمرو، وأنس، وجابر وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري وغيرهم
стр. 56
من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ ما هو أشدن مما تقدم حيث عده منافقا، وهو كما قال حجة الاسلام محمول على من وعد وهو على عزم الخلف أو ترك الوفاء من غير عذر، فأما من عزم على الوفا، وعن له عذر منعه من الوفاء لم يكن منافقا وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق، ولكن يحترز من صورة النفاق كما يحترز من حقيقته قال ولا ينبغي أن يجعل نفسه معذورا من غير ضرورة، فقد روي أن النبي ﷺ كان قد وعد أبا الهيثم ابن التيهان خادما فأتي بثلاثة من السبي فأعطى اثنين وبقى واحد فجاءت فاطمة ابنة رسول الله تطلب منه خادما، وهي تقول ألا ترى أثر الرحا يا رسول الله في يدي فذكر موعده لأبي الهيثم فجعل يقول كيف بموعدي لأبي الهيثم فآثره به على فاطمة
стр. 57
لما سبق من موعده له مع إنها كانت تدير الرحا بيدها.
ولقد كان رسول الله ﷺ جالسا يقسم غنائم هوازن بحنين فوقف عليه رجل من الناس فقال إن لي عندك موعدا يا رسول الله فقال صدقت فاحتكم ما شئت، فقال احتكم ثمانين ضائنة وراعيها فقال رسول الله ﷺ هي لك، ولقد احتكمت يسيرا، فلصاحبة موسى ﵇ التي دلته على عظام يوسف ﵇ كانت أحزم وأجزل حكما منك حين حكمها موسى ﵇ فقالت حكمي ان تردني شابة وادخل معك الجنة، قال فكان الناس يضعفون ما احتكم به حتى جعل مثلا يقولون أقنع من صاحب الثمانين والراعي.
стр. 58
انتهى كلام الغزالي.
وقصة أبي الهيثم عند الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ لكن بدون ذكر ما هنا من قصة فاطمة ﵂ وأما حديث الذي جاءه وهو يقسم غنائم هوازن بحنين فاخرجه ابن حبان والحاكم في المستدرك وصحح إسناده من حديث أبي موسى ﵁ وفيه
стр. 59
نظر كما قال العراقي شيخ شيخي رحمهما الله مع اختلاف في سنده ثم إن المحمل الذي حمل الغزالي عليه الأحاديث التي في التنفير قد جاء مقيدا به في حديث رويناه في الطبراني من حديث أبي وقاص عن سلمان الفارسي ﵁ أن النبي ﷺ قال في حديث طويل إذا وعد أحدكم وهو يحدث نفسه أنه يخلف وهو في سنن أبي
стр. 60
داود والترمذي وقال: حديث غريب من حديث أبي وقاص المذكور عن زيد بن أرقم ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف ولم يجى للميعاد فلا إثم عليه وقد أشار الغزالي إليه وقوله لم يجى للميعاد ليست عند الترمذي ومعناها لم
стр. 61
يجى الوقت الذي قدر الله وقوعها فيه.
وعن حذيفة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من شرط لأخيه شرطا لا يريد أن يفي له فهو كالمدلي جاره إلى غير منعه) أخرجه أحمد وللخوف من هذا الترهيب بادر عبد الله بن عمرو ﵄ كما أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت من حديث هارون بن رئاب قال لما حضرت عبد الله بن عمرو بن العاص الوفاة قال إنه قد كان خطب إلي إبنتي رجل من قريش وقد كان مني غليه شبيه بالوعد فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق اشهدوا أنى قد زوجتها إياه.
стр. 62
وهكذا أورده الغزالي في الاحياء لكنه كما في النسخة التي وقفت عليها جعله ابن عمر لا ابن عمرو، وكان بعض السادات يغتم إذا وعد حتى يفي فعن معاذ بن العلا قال سال رجل أبا عمرو بن العلا بن العلا حاجة فوعده بها ثم إن الحاجة تعذرت على أبي عمرو فلقيه الرجل بعد ذلك فقال له أبو عمرو وعدتني وعدا تنجزه فقال أبو عمرو فمن أولى بالغم قال أنا قال لا بل أنا قال الرجل وكيف ذلك أصلحك الله قال لأني وعدتك وعدا فإبت بفرح الوعد وإبت أنا بهم الإنجاز فبت ليلتك فرحا مسروا، وبت ليلتي مفكرا مهموما ثم عاق القدر عن بلوغ الإرادة فلقيتني مدلا، ولقيتك محتشما، أخرجه الخرائطي.
стр. 63
بل كان بعضهم يحذر من التقيد بعهدة الوعد فعن فرات بن سلمان قال كان يقال إذا سئلت فلا تعد وقل اسمع ما تقول فإن يقدر شيء كان، وعن الطيالسي عن شعبة قال ما واعدت أيوب يعني السختياني موعدا قد غلا قال حين يريد أن يفارقني ليس بيني وبينك موعد فإذا جئت وجدته قد سبقني ونحوه قول أبي عوانة
стр. 64
كان رقبة يعدنا في الحديث ثم يقول ليس بيني وبينك موعد نأثم من تركه، ويسبقنا مع ذلك إليه، رواها كلها ابن أبي الدنيا في الصمت وعن المهلب بن أبي صفرة أنه قال لابنه عبد الملك يا بني إنما كانت وصية رسول الله ﷺ عدات أنفذها أبو بكر الصديق ﵁ فلا تبدأ بالعدة فإن مخرجها سهل ومصدرها وعر واعلم أن لا وإن قبحت فربما روحت ولم توجب الطمع أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وحديث إنفاذ أبي بكر عدة رسول الله ﷺ أخرجه البخاري في إنجاز الوعد في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال لما مات النبي ﷺ جاء أبو بكر ﵁ من قبل العلا بن الحضرمي فقال
стр. 65
أبو بكر ﵁ من كان له على النبي ﷺ دين، أو كانت له قبله عدة فليأتنا قال جابر فقلت وعدني رسول الله ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يديه ثلاث مرات قال جابر فعد في يدي خمسمائة ثم خمسمائة ثم خمسمائة انتهى، واشار غير واحد كما حكاه شيخنا إلى أن ذلك من خصائص النبي ﷺ ، وقال ابن بطال لما كان النبي ﷺ أولى الناس بمكارم الأخلاق أدى أبو بكر مواعيده عنه ولم يسأل جابر البينة على ما ادعاه لأنه لم يدع شيئا في ذمة النبي ﷺ وإنما ادعى شيئا في بيت المال، وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام،
стр. 66
وفي التنزيل الثنا على نبي الله السيد إسماعيل ﵇ كما تقدم بأنه كان صادق الوعد، وكذا أثنى النبي ﷺ على بعض الموفين فروى البخاري من حديث المسور ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ وذكر صهرا له من بني عبد شمس فقال وعدني فوفاني ومما جاء عن السلف أن عوف ابن النعمان الشيباني كان يقول في الجاهلية لأن أموت عطشا أحب إلي من أن أموت مخلافا لوعد، رواه الخرايطي في المكارم وابن أبي الدنيا في الصمت والدينوري في الثالث عشر من المجالسة، وعن الخرايطي أنه قال آفة المروءة خلف الوعد،
стр. 67
وعن إياس بن معاوية قال لأن يكون في فعال الخير للمرء فضل عن قوله أجمل من أن يكون في قوله فضل عن فعاله، وعن الأصمعي قال وصف أعرابي قوما فقال (أولئك قوم أدبتهم الحكمة، وأحكمهم التجارب ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة ورحل عنهم التسويف الذي قطع الناس به مسافة آجالهم فذلت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالانجاز فأحسنوا المقال وشفعوه بالفعال، أخرجه الخرايطي، وعن الحسن البصري ﵀ قال فضل الفعال على المقال مكرمة، وفضل المقال على الفعال منقصة أخرجه أبو نعيم في الحلية وعن ابن فضيل كان عمر بن هبيرة يقول: اللهم لا تجعل قولي فوق عملي، ولا تجعل أسوأ عملي ما قرب من أجلي، أخرجه الدينوري في المجالسة.
стр. 68
وفيها أيضا من حديث صالح بن كيسان قال خرج علينا الزهري من عند هشام بن عبد الملك فقال لقد تكلم اليوم رجل عند أمير المؤمنين ما سمعت كلاما أحلى منه قال له يا أمير المؤمنين اسمع مني: أربع فيهن صلاح دينك وملكك وآخرتك ودنياك، قال ما هي؟ قال لا تعدن أحد عدة وأنت لا تريد إنجازها، ولا يغرنك مرتفق سهلا إذا كان المنحدر وعرا، واعلم أن الأعمال آخرا فاحذر العواقب، وأن الدهر تارات فكن على حذر.
ومن كلمات السلف: الوعد سحابة، والإنجاز مطر، وأحسن المواعيد ما صدقه الإمطار والله الموفق.
وخامسها
في شيء من الأشعار في ذلك
فجاء عن الفضل بن عباس بن عتبة ابن أبي لهب كما أورده ابن أبي الدنيا في الصمت.
стр. 69
إِنّا أُناسٌ مِن سَجِيَتِنا ... صِدقُ الحَديثِ وَوَأَينا حَتمُ
شَرُ الإِخاءُ أَخا مزدرد ... مزج الإِخاءِ إِخاؤهُ وَهُم
لَبِسوا الحَياءَ فَإِن نَظرَت حِسبتَهُم ... سَقَموا وَلَم يمسَسهُموا سَقمُ
زَعَمَ اِبنَ عمي أَن حِلمي ضَرَني ... ما ضَرُ قَبلي أَهلَهُ الحِلم
وعن أبي قاموس الحميري يمدح يحيى بن خالد البرمكي في عدم نسيانه الوعد قال:
رَأيتَ يَحيى أَتَمَ اللهُ نِعمَتَهُ ... عَليه يَأتي الَّذي لَم يَأتِهِ أَحدُ
يَنسى الَّذي كانَ مِن مِعروفِهِ أَبداً ... إِلى الرِجالِ وَلا يَنسى الَّذي يَعُد
стр. 70
وعن الحسن بن علي المخرمي في التحريض على الوفاء بالوعد:
لأَحسنَ مِن ظِبيَةً بِالجَرد ... مَقرَطِقة ثَديها قَد نَهِدَ
وَمُبسِمُها واضِحُ نَيرُ ... وَفي خَدِها ضوء نارُ تَقِد
وَأحسَن مِنها عَلى حُسنِها ... تَقاضى الفَتى نَفسهُ ما وَعَد
وعن شيخنا مما يذكر به شخصا في الوفاء له بوعده:
يا صادِقَ الوَعدِ قولاً ... وَصادِق الوُدِ فِعلاً
أَتَيت بابَك أرجو ... تَنجيزُ وَعدَكَ فَضلاً
وعن غيره:
يا بنَ الكِرام الغُرِ وَعدُكَ أَنَني ... مَديمٌ عَلى مَرِ الزَمانِ لَكَ شُكراً
فَلا زِلتَ بِالمَعروف بَرا لقَصاد ... وَصَدرُكَ بِالُعرفانِ بَينَ الملا بَحراً
وعن آخر:
أَهَزَكَ لا أَني وَجَدتُكَ ناسِيا ... لَوعَدي وَلا أَني أَريدُ التَقاضِيا
وَلَكِن رَأَيتَ السَيفَ عِندَ اِنتِضائِهِ ... إِلى الهَز مُحتاجا وَإن كان ماضِيا
стр. 71
وعن آخر:
لَستُ أَستَقبِحُ اِقتَضاكَ بِوعدٍ ... لا وَإِن كُنتَ سَيدَ الكُرَماء
فإِلهُ السَماءِ قَد ضَمِن الر ... زقَ عَليهِ وَيُقضى بِالدُعاء
ويقرب منه:
حَثَّ الجوادِ عَلى النَدا وَتُقاضُهُ ... بِالوَعدِ واحمِلُهُ عَلى الإِنجازِ
وَدع الوُثوق بِطَبعِهِ فَلَرُبَما ... نَشِطَ الجَوادُ بِشَوكَةِ الَهمازِ
وقال أبو جعفر محمد بن علي العدوي:
تَيَمَمت ما أَرجُوهُ مِن حُسن وَعدُكُم ... فَكُنتَ كَما يَرجو مَنالَ الفَراقِدَ
هَبوني لَم أَستاهِل العُرفَ مِنكُم ... أَما كُنتُموا أهلاً لِصِدقِ المواعِدِ
عدة الكريم نقد وتعجيل وإسعاد وتكميل.
стр. 72
وقال غيره:
كُلُ جُودٍ وَإِن تَعاظَمَ قَدراً ... قُل مِن فَرطِ كَثَرَةٍ التَردادَ
إِنما الجُودُ بِالحَياةِ وَلَكِن ... يَعتَريها السِقامُ بِالمِيعادِ
ولمهيار الديلمي في استنجاز وعد
أَظَلَت عَلينا مِنكَ يَوماً غِمامَةً ... أَضاءَ لَها بَرقٌ وَأَبطا رَشاشُها
فَلا غَيثِها يُجلي فَييأَسُ طامِعٌ ... وَلا غَيثها يَأَتي فَتَروى عِطاشُها
стр. 73
وفي ذم الاخلاف بالوعد من الأشعار أيضا قول كعب بن زهير في قصيدته الشهيرة:
كانَت مَواعيدُ عَرقوبَ لَها مَثلاً ... وَما مواعيدُها إِلاّ الأَباطِيلَ
قلت وعرقوب كان رجلا من العماليق وهو عرقوب بن معبد بن زهرة أحد بني شمس بن ثعلبة وقيل غير ذلك وكان من خبره أنه أتاه أخ له يسأله شيئا فقال إذا أطلع نخلي فلما أطلع أتاه قال إذا أبلح فلما أبلح أتاه قال إذا أزهى فلما أزهى أتاه قال إذا أرطب فلما أرطب أتاه قال إذا صار تمرا فلما صار تمرا جذه بالليل ولم يعطه شيئا فصار المثل يضرب به في الإخلاف فيقال أخلف من عرقوب.
وأنشد ابن قتيبة كما في ثالث عشر من المجالسة:
стр. 74
لِسانُكَ أَحلى مِن جَنى النَحلِ مَوعِدا ... وَكَفُك بِالمَعروفِ أَضيق مِن قُفلِ
تَمنَى الَّذي يَأتِيَكَ حَتى إِذا إِنتَهى ... إِلى أجَلٍ ناوَلَتهُ طَرفُ الحَبلِ
وقال آخر:
لَم أَثِق مِنهُ بِوعدِ ... وَمواعيدُ كَزورِ
هَكَذا إبليسُ في الدُنيا ... أَمانيهِ غُرورُ
وقال غيره:
أَمّا الوَفاءُ فَشيءٌ قَد سَمِعتُ بِهِ ... وَما رَأيتُ لَهُ عَينا وَلا أثراً
وَلا أُطالِبُ في الدُنيا بِهِ أَحَداً ... وَلا أَلومُ أَخا غَدرٍ إِذا غَدرا
وَمَن يَعولُ في الدُنيا عَلى بَشرٍ ... فإِنّهُ بَشرٌ لا يَعرِفُ البَشرا
وهذه آخره، والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وجنده.