← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 5675

التماس السعد في الوفاء بالوعد

السخاوي

Полный текст (74 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ خطبة الكتاب اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي الحمد لله الذي لا يخلف وعده، ولا يمنع سائله رفده، ولا ينقص مع كثرة عطاياه ما عنده، واشهد ألا إله إلا الله الملك المعبود وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. من عليه المعول والعمدة، وبه يتوسل عند المولى ف يكل كرب وشدة ﷺ وعلى آله وصحبه الذين خلفوه في الأمر بعده، صلاة وسلاما غير متقيد فيهما بمدة.

стр. 2

وبعد فهذا تصنيف لطيف سميته (التماس السعد في الوفاء بالوعد) جمعت فيه ما تيسر لي الوقوف عليه من الأحاديث والآثار ومناسبات الأشعار، وافتتحته بآية في المعنى مع طرف من تفسيرها الاسنى ليتوافق دليل السنة والكتاب ويظهر قوة من جنح في ذلك للوجوب من الأصحاب كما سيأتي في موضعه، مع إيضاحه وبيان قوة منزعه، جعلته عند مولانا الملك الأشرف لي ذخيرة رجا أن يلحظني بما ترجع به العين بجيد نقده فريده، ويتذكر بمجرد النظر فيه سابق وعده الصادق ويتخير من التقرير المعتبر ما يندرج في عموم بره ورفده وهو للغرض موافق ليحوز مع شرف نيته الثواب، الوارد فيه الكتاب والسنة معا، ويفوز بما تنطق به الجوارح في غيبته، فضلا عن اللسان من الحمد والدعاء ويضاف

стр. 3

ذلك لمحاسنه الجمة التي لم نر من شاركه فيها من الملوك الأئمة. وإذا كانت العطايا هبات ربانية، وكريم السجايا نفحات روحانية فليس بمستبعد أن يدخر لمن تأخر في الزمن من الفعل البديع والقول الحسن، ما يفوق به من سبقه، توفيقا من الله وصدقه، وما عسى أن يقال في جميل صفاته وصقيل فكرته وذاته، قال: مَلِكٌ لَهُ رَأيٌ سَديدُ مِثلَما ... حازَ الشَجاعَةَ بِالقَنا وَالمُرهفِ مَلِك مِنهُ سالِمُ مِثلَ اِسمِهِ ... بِالحُسنِ ذا يُدعى وَذا بِالأشرَفِ كالقَولِ وَالوَعدِ اللَّذينِ تَماثلا ... ذا صادِقٍ فيه وَذا مِنهُ وفي ثبت الله قواعد مملكته، ونصره في سكونه وحركته، وكفاه كل مهماته وحفظه من كل جهاته ومتعه بالنظر لوجهه الكريم في دار النعيم المقيم بمنه وكرمه آمين. آية في الوفاء بالوعد فأقول: قال الله عزوجل وهو أصدق القائلين (وَعَدَ اللَهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَعَمِلوا الصالِحاتِ لَيَستَخلِفَنَهُم في الأَرضِ كَما اِستَخلَفَ الَّذينَ مِن

стр. 4

قَبلِهِم وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُم دِينَهُم الَّذي اِرتَضى لَهُم وَلَيُبَدِلَنّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أمنا يَعبُدونَني لا يُشرِكونَ بي شَيئا وَمَن كَفَر بَعدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُم الفاسِقون) وهذه الآية الشريفة الذي الابتدا بها تشتمل على مقصد من الأغراض اللطيفة، ويتأتى الكلام عليها من عشرين وجها فأكثر من العلوم العقلية والنقلية، التي لا شاذ فيها ولا منكر لكني اقتصرت منها على ما اقتضاه الحال واتضح فيه المقال. فأولها سبب النزول المعنى بشأنه العلماء الفحول، وقد أخبرني به الإمام العز أبو محمد الحنفي ﵀ مشافهة غير مرة عن غير واحد منهم أبو حفص المزي أنا أبا الحسن السعدي أنبأهم

стр. 5

عن عبد الواحد بن أبي المطهر الصيدلاني قال أخبرني أبو سعد الاسماعيلي قال أخبرنا عمر بن شاه قال أخبرنا السيد أبو الحسن الحسني قال أخبرنا أبو محمد بن الشرقي قال حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي قال حدثنا علي بن الحسين بن واقد

стр. 6

عن أبيه عن الربيع بن أنس عن أبي العالية واسمه رفيع عن أبي بن كعب ﵁ قال لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة وآواهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا ترون أنا نعيش حتى نبيت مطمئنين لا نخاف إلا الإله فنزلت. وهذا حديث حسن أخرجه الطبراني في معجمه

стр. 7

الأوسط عن محمد بن اسحاق المروزي عن أحمد بن سعيد الدارمي به باختصار، فوقع لنا بدلا له عاليا، ورواه الضيا في المختاره عن عبد الواحد فوافقناه فيه بعلو، وأخرجه الحاكم في صحيحه المستدرك عن محمد بن صالح بن هاني عن محمد بن شاذان عن أحمد بن سعيد الدارمي فوقع لنا عاليا وقال الحاكم عقب

стр. 8

تخريجه إنه صحيح الإسناد ولم يخرجاه ورويناه في دلائل النبوة للبيهقي عن الحاكم، وقال الطبراني لا يروى عن أبي إلا بهذا الإسناد تفرد به أحمد قلت وهذه الدعوة مردودة فقد رواه ابن مردويه في تفسيره عن سليمان بن أحمد عن أحمد بن الخضر عن محمد بن عبده عن علي بن الحسين به نحوه.

стр. 9

ورواه أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره أيضا من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع لكن بدون أبي قال كان النبي ﷺ وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وعبادته وحده لا شريك له سرا، وهم خايفون لا يؤمرون بالقتال، وكانوا بها خايفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح فغبروا بذلك ما شاء الله، ثم أن رجلا من الصحابة قال يا رسول الله أبد الدهر نحن خايفون هكذا ما يأتي عليها يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح فقال رسول الله ﷺ : (لن تغبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس فيه حديدة، وأنزل الله هذه الآية.

стр. 10

وثانيها أن هذا وعد من الله لرسوله ﷺ بأنه سيجعل أمته خلفاء في الارض أئمة الناس والولاة عليهم وبهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم لفظا ومعنى، والوعد من الله متحتم الوقوع على ما سأوضحه في هذا المجموع فقد فعل الله ﵎ ذلك وله الحمد والمنة فإن رسول الله ﷺ لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر الجزيرة العربية وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام وهاداه هرقل ملك الروم

стр. 11

والمقوقس صاحب مصر والإسكندرية وملوك عمان والنجاشي الذي تملك بعد أصحمة ﵀ وأكرمه، ثم لما مات رسول الله ﷺ واختاره الله لما عنده من الكرامة قام بالامر بعده خليفته أفضل الأمة بعده وكان أول من أسلم من الرجال على التحقيق أبو بكر الصديق ﵁ بويع في اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ في سقيفة بني ساعدة ثم بويع البيعة العامة يوم الثلاثاء من غد ذلك اليوم وذلك في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشر فلم شعث ما وهي

стр. 12

عند موته ﵇ وأطد جزيرة العرب ومهدها وبعث الجيوش الاسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ﵁ ففتحوا طرفا منها وقتلوا خلقا منها، وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة بن الجراح ﵁ ومن معه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثا صحبة عمرو بن العاص ﵁ إلى أرض مصر ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفها من بلاد حوران وما والاها وتوفاه الله عزوجل واختار له ما عنده وذلك وهو موسوم في مسا يوم الاثنين لثمان بقين من جماد الآخرة سنة ثلاث عشرة فكانت خلافته ﵁ سنتين ودون أربعة أشهر ومن الله على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق

стр. 13

أن يستخلف عمر بن الخطاب الفاروق ﵁ وبويع له يوم مات أبو بكر بنص أبي بكر عليه فقام بالأمر بعده قياما تاما لم يدر الفلك بعد الأنبياء ﵈ وصاحبه على قوة سيرته وكمال عدله وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكاملها وديار مصر إلى آخرها وأكثر اقليم فارس وكسر كسرى وأهانه غاية (الإهانة) وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزاع يده من بلاد الشام فانحاز إلى قسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله ﷺ إلى أن قتل ﵁ ودفن في يوم الأحد مستهل المحرم سنة أربع وعشرين وكانت خلافته عشر سنين ونصف سنة وهو أول خليفة تسمى بأمير المؤمنين قال بعض السلف ﵃ خلافة أبي بكر وعمر ﵄ حق في كتاب الله ثم تلى هذه الآية وروينا في

стр. 14

الحادي عشر من المجالسة عن ابن قتيبة أنه قال هذه الآية شاهدة لخلافة ابي بكر الصديق ﵁ وقوله تعالى (لَيَستَخلِفَنَهُم في الأَرض) أي بعد النبي ﷺ ، والمراد بقوله من بعد خوفهم أمنا صحابة رسول الله ﷺ لأنهم كانوا الخايفين في صدر الاسلام وقبل الهجرة والمستضعفين ثم وجدوا بعد هذا جميع ما وعدهم الله به من النصر والظفر والظهور والعز ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الاسلامية إلى أقصى مشارق الارض ومغاربها ففتحت بلا الغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص وبلاد القيروان وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط ومن ناحية المشرق إلى

стр. 15

اقصى بلاد الصين وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية وفتحت مداين العراق وخراسان والاهواز وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وخذل ملكهم الاعظم خاقان، وجبى الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وذلك ببركة تلاوته وجمعه الأمى على حفظ القرآن وتلاوته، وكانت خلافته بإجماع الصحابة بعد موت عمر ﵁ في المحرم سنة أربع وعشرين وقتل بعد عصر الجمعة من ذي الحجة سنة خمسة وثلاثين وكانت خلافته دون اثنتي عشرة سنة بأيام وبويع علي بن أبي طالب ﵁ بالخلافة بعده وبما تقدم ظهر قوله ﷺ الذي ثبت في الصحيح إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى منه، وقوله ﷺ لعدي بن

стр. 16

حاتم ﵁ حين وفد عليه أتعرف الحيرة قلت: (لم أرها) وقد سمعت بها قال فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قلت كسرى بن هرمز قال نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد، قال عدي: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى والذي نفسي بيده لتكونن الثالث لأن رسول الله ﷺ قد قالها، وقوله بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب وها نحن نتقلب فيما وعدنا الله - عزوجل - ورسوله ﷺ فصدق الله ورسله وجل ونسأل الله الإيمان به وبرسوله والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا وسلوك سبيله، ونصر ملكنا على أعدائه وامتداد العدل في رعيته في ابتداء ملكه وإنهائه فإنه ممن أكسبه الله محاسن جمة لو لم يكن منها إلا تحريه في الولايات المهمة وتثبته في العزل غلا بجنحة، ونظره في المصالح المهمة بنفسه ليتخير منها ما يراه أقرب إلى الصحة، والأمن بمهابته في الطرقات والسبل وجلالته في الأنفس (خصوصا) من جل ونبل وشهامته وشجاعته، وصيانته، وعبادته، وطلعته النيرة، وبهجته المشتهرة بارك الله في أيامه، وأسعده في خواصه وخدمه. عينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قلت كسرى بن هرمز قال نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد، قال عدي: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى والذي نفسي بيده لتكونن الثالث لأن رسول

стр. 17

الله ﷺ قد قالها، وقوله بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب وها نحن نتقلب فيما وعدنا الله - عزوجل - ورسوله ﷺ فصدق الله ورسله وجل ونسأل الله الإيمان به وبرسوله والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا وسلوك سبيله، ونصر ملكنا على أعدائه وامتداد العدل في رعيته في ابتداء ملكه وإنهائه فإنه ممن أكسبه الله محاسن جمة لو لم يكن منها إلا تحريه في الولايات المهمة وتثبته في العزل غلا بجنحة، ونظره في المصالح المهمة بنفسه ليتخير منها ما يراه أقرب إلى الصحة، والأمن بمهابته في الطرقات والسبل وجلالته في الأنفس (خصوصا) من جل ونبل وشهامته وشجاعته، وصيانته، وعبادته، وطلعته النيرة، وبهجته

стр. 18

المشتهرة بارك الله في أيامه، وأسعده في خواصه وخدمه. وعن الأصمعي قال قيل للحسن ﵀ إنك كنت تقول الآخر أشر وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج، فقال الحسن لا بد للناس من متنفسات. رواه الدينوري في المجالسة في الجزء الثالث عشر منها، قال البراء بن عازب ﵄ إن

стр. 19

هذه الآية نزلت ونحن في خوف شديد يعني فحصل ما وعد الله تعالى به من الأمن فكانوا كذلك آمنين بقية حياة رسول الله ﷺ ثم كانوا آمنين في امارة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ حتى وقعوا فيما وقعوا فيه فأدخل عليهم الخوف فاتخذوا الشرط وغيروا فغير بهم فالصدر الاول وهم الصحابة رضوان الله عليهم لما كانوا أقوم الناس بعد الرسول ﷺ بأوامر الله عزوجل وأطوعهم لله، وأشدهم إظهارا لكلمة الله في المشارق والمغارب كان نصرهم بحسبهم فأيدهم الله تأييدا عظيما وتحكموا في سائر البلاد والعباد، ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ظهورهم بحسبهم لكن قد ثبت في الصحيحين من وجوه عن رسول الله ﷺ أنه قال (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة) ، وفي رواية حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وفي رواية حتى يقاتلون الدجال وفي رواية حتى ينزل عيسى بن مريم ﵇، وهم

стр. 20

ظاهرون. وكل هذه الروايات صحيحة ولا تعارض بينها، وقد فسر غير واحد من الأئمة هذه الطائفة بأصحاب الحديث الذين قال فيهم إمامنا الشافعي ﵀ إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأنما رأيت رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ نسأل الله التوفيق والإلهام لأقوم طريق، ثم اعلم أنه قد ذكر في هذه الشريفة من الأحاديث المنيفة

стр. 21

ما ظاهره التعارض وهو ما في الصحيحين عن جابر بن سمرة ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم أثنى عشر رجلا ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت علي فسالت أبي ماذا قال رسول الله ﷺ فقال: قال كلهم من قريش، وما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وصححه ابن حبان

стр. 22

والحاكم وغيرهما كلهم عن سفينة مولى رسول الله ﷺ ورضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا. ووجه التعارض أن الأول فيه دلائل على أنه لا بد من وجود اثني عشر

стр. 23

خليفة عادل من قريش وهم الذين وقعت بهم البشارة في الكتب المتقدمة وليسوا هم بأئمة الشيعة الإثني عشر فإن كثيرا من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء بخلاف هؤلاء فإنهم يكونون من قريش، والثاني فيه النص على ثلاثين سنة ثم تكون ملكا عضوضا أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم كأنهم يعضون فيه عضا ولم يكن في هذه المدة المحددة إلا الخلفاء الأربعة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأيام الحسن بن علي ﵃، وأجيب عن ذلك بأجوبة منها: أنه ليس في الأول أن العدد المذكور على الولا فيحتمل على وجودهم في الأمة متتابعا ومتفرقا حسبما وقع في الخارج فقد وجد منهم الأربعة المذكورون على الولا ثم كانت بعدهم فترة ثم وجد منهم ما شاء الله ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله ومنهم المهدي الذي يطابق اسمه اسم رسول الله ﷺ وكنيته كنيته يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما وعن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله عزوجل بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة

стр. 24

وكاينا خلافة وكاينا ملكا عضوضا وكاينا عتوا وجبرية وفسادا في الأمة يستحلون الفروج والخمور والحرير ويرزقون مع ذلك وينصرون حتى يلقوا الله عزوجل وهو حديث حسن رواه الدارمي والطيالسي في مسنديهما ومما يشبه هذه الآية قوله تعالى: (إِذ أَنتُم قَليلٌ مُستَضعَفونَ في الأَرض تَخافونَ أَن يَتَخَطَفَكُم الناسُ فَآواكُم وَأَيَدَكُم بِنَصرِه وَرَزَقَكُم مِن الطَيباتِ لَعَلَكُم تَشكُرون) . وقوله تعالى عن موسى ﵇ أنه قال لقومه (عَسى رَبُكُم أَن يَهلِكَ عَدوكُم وَيَستَخلِفَكُم في الأَرضِ فَيَنظُرَ كَيفَ تَعمَلون) .

стр. 25

وقوله تعالى: (وَنُريدُ أَن نَمُنَّ عَلى الَّذينَ اِستُضعِفوا وَنَجعَلَهُم أَئِمَةً وَنَجعَلَهُم الوارِثينَ وَنُمَكِنَ لَهُم في الأَرضِ وَنريَ فِرعونَ وهامان وَجنودَهُما مِنهُم ما كانوا يَحذرون) . وثالثها في حكم الوفاء بالوعد وقد قال قطب زمانه أبو زكريا النووي ﵀ في الأذكار قد أجمع العلماء على أن من وعد إنسانا شيئا ليس بمنهي عنه فينبغي له أن يفي بوعده وهل ذلك واجب أو مستحب؟ فيه خلاف بينهم فذهب الشافعي وابو حنيفة رحمهما الله والجمهور إلى أنه مستحب فلو تركه فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة تنزيه شديدة ولكن لا يأثم انتهى، وقال المهلب انجاز الوعد مأمور

стр. 26

به مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء، وتعقب شيخنا ﵀ دعوة الاتفاق على عدم الفرضية، فقد قال النووي عقب ما تقدم وذهب جماعة إلى أنه واجب قال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي أجل من ذهب إلى هذا المذهب عمر بن عبد العزيز انتهى وكذا صرح ابن عبد البر أن المذكور أجل من قال به. قلت وفي كتاب الغرر من الاخبار لوكيع قال حدثنا

стр. 27

شيخ قال حدثنا محمد بن عبيد عن أبيه أن ابن اشوع قضى له بعده، وابن أشوع هذا قرأت بخط الحافظ الدمياطي أنه سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي القاضي حدث عن الشعبي وقد اتفقا عليه، ومات في ولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق وكانت

стр. 28

ولايته من سنة خمس ومائة إلى أن عزل عنها في سنة عشرين ومائة انتهى. ولخص ذلك شيخنا حيث قال: كان قاضي الكوفة في زمان أمارة خالد القسري على العراق وذلك بعد المائة وقد علق على ذلك البخاري في صحيحه فقال: وقضى ابن الأشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب ﵁ وقال شيخنا في الفتح وقع بيان رواية ابن أشوع لذلك عن سمرة في تفسير أسحاق بن راهويه قال البخاري ورأيت إسحاق ابن إبراهيم وهو ابن راهويه يحتج بحديث ابن أشوع يعني عن سمرة في القول بوجوب انجاز الوعد وترجم البخاري

стр. 29

باب من أمر بانجاز الوعد، قال وفعله أي الأمر بإنجاز الوعد الحسن وكأنه البصري راوي حديث العدة عطية قلت وكذا حكي القول بالوجوب عن أحمد. وفي ثالث عشر المجالسة عن الدينوري عن الحسن بن أبي جعفر قال سمع مطرف رجلا يقول أستغفر الله وأتوب إليه فأخذ بذراعه، وقال

стр. 30

لعلك لا تفعل من وعد فقد أوجب، وفي أنيس المنقطعين أنه قيل لبعض الصالحين وقد أصبح صائما تطوعا افطر فإن المتطوع أمير نفسه فقال أني لاستحي من ربي عزوجل أن أعده وعدا وهو أن أصوم ولا أوفي له بوعدي، ثم قال النووي قال يعني ابن العربي وذهبت المالكية مذهبا ثالثا إلى أنه ارتبط الوعد بسبب كقوله تزوج ولك كذا، أو أحلف إنك لا تشتمني ولك كذا وجب الوفاء بالوعد ونحو ذلك وإن كان وعدا مطلقا لم يجب. انتهى وخرج بعضهم الخلاف على أن الهبة هل تملك بالقبض أو قبله

стр. 31

وأشار النووي إلى ذلك بقوله واستدل من لم يوجبه بأنه في معنى الهبة والهبة لا تلزم إلا بالقبض عند الجمهور، وعند المالكية تلزم قبل القبض، وأما الأنبياء ﵈ فسيأتي عن ابن عباس ﵄ أنهم لا يخلفون الوعد، وهذا يحتمل أن يكون وجوبا ويحتمل أن يكون خلافه وجزم غير واحد كما سيأتي أيضا بأن إنفاذ الصديق ﵁ لعدة رسول الله ﷺ مخصوص به ﷺ والله أعلم. إذا علم هذا فقد استشكل والد شيخنا رحمهما الله عدم الوجوب حيث قال لم يذكر يعني النووي جوابا عن الآيات التي صدر بها الباب من الأذكار وهي (وَأَوفوا بِعَهدِ اللهِ إِذا عاهَدتُم) .

стр. 32

ثم (يا أَيُها الَّذينَ آمنوا أَوفوا بِالعُقود) ، (وَأَوفوا بِالعَهدِ إِنّ العَهدَ كانَ مسؤولا) ، (يا أَيها الَّذينَ آمَنوا لَمَ تُقولونَ ما لا تَفعَلون كَبُرَ مَقتاً عِندَ اللهِ أَن تَقولوا ما لا تَفعَلون) ، وهذه الأخيرة كما قال أشدها ولا عن الأحاديث التي فيها آية المنافق إذا وعد أخلف لا سيما آية الصف والحديث المذكور والدلالة على الوجوب منها قوية فكيف حملوه على كراهة التنزيه مع هذا الزجر الشديد الذي لم يرد مثله إلا في المحرمات الشديدة التحريم، وأورده شيخنا في الفتح حيث قال: وقرأت بخط أبي ﵀ في إشكالات على الأذكار للنووي ولم يذكر جوابا عن الآية والحديث يعني قوله تعالى كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون وحديث آية المنافق قال والدلالة إلى آخره.

стр. 33

قلت ولم ينفرد والد شيخنا بالبحث في ذلك فقد قال الشيخ تقي الدين السبكي ﵀ وناهيك به قول الأصحاب لا يجب الوفاء بالشرط مشكل لأن ظواهر الآيات والسنة تقتضي وجوبه وإخلاف الوعد كذب والكذب من أخلاق المنافقين، قال ولا أقول يبقى دينا في ذمته حتى يقضي من تركته وإنما يجب الوفاء به تحقيقا للصدق وعدم الإخلاف وتصير الواجبات ثلاثة منها ما هو ثابت في الذمة ويطالب بأدائه وهو الدين على موسر وكل عبادة وجبت وتمكن منها، ومنها ما يثبت في الذمة ولا يجب أداؤه كالزكاة بعد الحول وقبل التمكن، ومنها ما لم يثبت في الذمة ويجب أداؤه كهذا. انتهى. وسلك شيخنا طريقة أخرى حيث قال وينظر هل يمكن أن يقال يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء أي يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك، قلت ونظير ذلك نفقة القريب فإنه إذا مضت مدة يأثم بعدم الدفع ولا

стр. 34

يلزم به، ونحوه قولهم في فايدة القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة تضعيف العذاب عليهم في الآخرة مع عدم إلزامهم بالإتيان بها والله المستعان. وإلى هذا الإستشكال أشار صاحب الخادم في آخر الهبة فقال فإن قيل فيجب الوفاء بالوعد للخروج عن الكذب فإنه حرام وترك الحرام واجب، وقد ذكر الماوردي في الشهادات في الكلام على المروءة أن مخالفة الوعد كذب ترد به الشهادة فالجواب ما قال الغزالي في الإحياء أن إخلاف الوعد إنما يكون كذبا إذا لم يكن في عزمه حين الوعد الوفاء به، أما لو كان عازما عليه ثم بدا له الا يفعل فليس بكذب لأنه حينئذ إخبار عما في نفسه، وكان مطابقا له فيكون صدقا ... انتهى.

стр. 35

وقد عده الغزالي ﵀ في إحيائه من حقوق المسلم فقال منها ألا يعد مسلما بوعد إلا ويفي به، ثم إن كل ما أسفلته في الوعد بالخير، أما الوعد بالشر فيستحب إخلافه، وقد يجب ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة، وقد جاء عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من وعده الله عزوجل على عمل ثوابا فهو منجز له، ومن أوعده الله على عمل عقابا فهو بالخيار. أخرجه أبو يعلى في مسنده من حديث سهيل بن أبي حزم القطعي عن ثابت البناني عنه

стр. 36

وقال عبد الملك بن قريب الأصمعي كنت عند أبي عمرو بن العلا فجاء عمرو بن عبيد فقال يا أبا عمرو، الله يخلف الميعاد؟ قال لا، قال فإذا وعد على عمل ثوابا أنجزه؟ قال نعم قال وإذا وعد على عمل عقابا أنجزه؟ قال إن الوعد عند العرب غير الوعيد، إن العرب لا تعد خلفا أن تعد الشر فلا تفي به، إنما الخلف عندهم أن يعد الخير فلا يفي به، أما سمعت قول الشاعر: وَلا يَرهبُ اِبن العَمِ وَالجارُ صولَتي ... وَلا انثَنى مِ، صولَةِ المُتَهَدِدِ وَإِني إذا أَوعَدتُهُ وَوَعَدتُه ... لِيُكَذبَ إِيعادي وَيَصدُقَ موعدي أخرجه الخرايطي في مكارم الاخلاق.

стр. 37

وفي الجزء الثالث عشر من المجالسة من طريق المدايني قال ذكر حيان بن سليم عامر بن الطفيل فقال كان والله إذا وعد الخير وفاو إذا أوعد الشر أخلف، قال وأنشد أبو عمرو بن العلا في نحو هذا المعنى فذكرهما بلفظ وَلا يَرهَب اِبنُ العَمِ ما شِئتَ صولَتي ... وَيَأمَنُ مِني صولَة المُتَهَدِدِ وَإِني إِذا أَوعَدتُهُ أَو وَعَدتُهُ ... لِيُكَذبَ إِيعادي ويَصدُقَ موعدي وهو موافق لصنيعهم في الفرق بين الخير والشر حيث يقال في الخير وعدته وفي الشر أوعدته لكن هذا محله فيما إذا أسقط الفعل أما إذا أثبت فلا فرق، فقد قال صاحب المحكم: يقال وعدته خيرا، ووعدته شرا، قال فإذا أسقطوا الفعل قالوا في الخير وعدته، وفي الشر أوعدته على

стр. 38

أن ابن الاعرابي قد حكى في نوادره أوعدته خيرا بالهمز أيضا وأنشدن ابن قتيبة لرجل في الحجاج بن يوسف كما في الثالث عشر من المجالسة. كَأنَّ فُؤَادي بَينَ أَظفارٍ وَطائِرٍ ... مِنَ الخَوفِ في جَوِ السَما مُحلِق حِذارَ امرءا قَد كُنتُ أَعلَمُ أَنّهُ ... مَتى ما يُعَدُ مِن نَفسِهِ الشَرُ يَصدُقُ وقال تعالى: (وَإِن يَك صادِقا يُصِبكُم بَعضَ الَّذي يَعِدُكُم) ، ومن آيات الوعد: (أَفَمَن وَعدناهُ وَعداً حَسناً فَهُو لاقيهِ) ، (وَعَدكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثيرَةً تَأخُذُونَها فَعَجَلَ لَكُم هَذِهِ وَكَف أيديَ الناسِ عًنكُم) . ورابعها في الاحاديث والآثار الواردة في الوفاء بالوعد وقد كان ﷺ أعظم خلق الله وفاءا بالوعد حتى جاء عن عبد الله بن أبي الحمسا

стр. 39

رضي الله عنه أنه قال: (بايعت النبي قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه فقال يا فتى لقد شققت على أنا ههنا منذ ثلاث انتظرك) رواه أبو داود في سننه وفي سنده خلف وقد ذكر الواحدي

стр. 40

عند تفسير قوله تعالى عن إسماعيل ﵇ أنه كان صادق الوعد نقلا عن مقاتل أنه قام ينتظر إنسانا لميعاد ثلاثة أيام، وهذا أورده في أنيس المنقطعين فقال حكى أن إسماعيل ﵇ وعد إنسانا أن ينتظره في مكان فمضى ذلك الإنسان ونسي وعده فعاد إليه بعد ثلاثة أيام أو أكثر، وإسماعيل ﵇ ينتظره في ذلك المكان فتعجب الرجل، ومدح إسماعيل رب العرش فقال إنه كان صادق الوعد، انتهى بل قال الكلبي أنه أقام حتى حال عليه الحول، وهذا حكاه الزمخشري فقال: وعن ابن عباس ﵄ أن إسماعيل ﵇ وعد
следующие страницы →