Полный текст (3 087 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
الْأَرْبَعَةِ وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ فِي الشَّاكِّ وَالْمُتَوَهِّمِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَكُرِهَ كَعَكْسِهِ وَتَأَكَّدَ وَتَبِعَهُ، وَلَمْ يُعِدْ)
ش: قَالَ فِي الْمُنْتَقَى فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ إذَا كَانَ إمَامًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ إمَامٍ: وَإِنَّمَا يُتِمُّ الْمُسَافِرُ بِإِتْمَامِ إمَامِهِ إذَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاتِهِ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً وَدَخَلَ مَعَهُ فِي الْجُلُوسِ أَوْ سُجُودٍ مِنْ آخِرِ رَكْعَةٍ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ قَصْرُهَا انْتَهَى. وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ فِي أَوَائِلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ سَمِعْت مَالِكًا، قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ سَفْرٍ أَنْ يُقَدِّمُوا مُقِيمًا يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ وَلَكِنْ يُتِمُّ الصَّلَاةَ، فَإِنْ صَلَّى بِهِمْ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ لَكِنْ إنْ قَدَّمُوهُ لِسِنِّهِ أَوْ لِفَضْلِهِ أَوْ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَيَأْتَمُّوا بِصَلَاتِهِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا نَحْوُ مَا يَأْتِي فِي " رَسْمِ شَكَّ فِي طَوَافِهِ "، وَفِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ الَّذِي تَأْتِي عَلَيْهِ مَسَائِلُهُمْ وَمَسَائِلُهُ إنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ مِنْ السُّنَنِ الَّتِي الْأَخْذُ بِهَا فَضِيلَةٌ وَتَرْكُهَا إلَى غَيْرِهِ خَطِيئَةٌ فَلِذَلِكَ قَالَ: إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا مُقِيمًا يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ فَضِيلَةَ السُّنَّةِ فِي الْقَصْرِ أَكْثَرُ مِنْ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَاسْتَحَبَّ أَنْ يُقَدِّمُوا ذَا السِّنِّ وَالْفَضْلِ لِمَا فِي الصَّلَاةِ خَلْفَهُ مِنْ الرَّغِيبَةِ أَوْ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ لِمَا فِي تَرْكِ ائْتِمَامِهِمْ بِهِ مِنْ بَخْسِ حَقِّهِ إذْ هُوَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ فِي مَنْزِلِهِ بِهِمْ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
ص (، وَإِنْ أَتَمَّ مُسَافِرٌ نَوَى إتْمَامًا أَعَادَ بِوَقْتٍ)
ش: كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَبِهِ يَصِحُّ الْكَلَامُ، فَإِنْ حَضَرَ فِي الْوَقْتِ أَعَادَهَا أَرْبَعًا كَمَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ بِثَوْبٍ نَجِسٍ، ثُمَّ حَضَرَ فِي الْوَقْتِ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ
ص (وَإِنْ سَهْوًا سَجَدَ)
ش: أَيْ وَإِنْ نَوَى الْإِتْمَامَ سَهْوًا أَيْ سَهَا عَنْ كَوْنِهِ مُسَافِرًا أَوْ سَهَا عَنْ التَّقْصِيرِ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ
ص (وَالْأَصَحُّ إعَادَتُهُ كَمَأْمُومِهِ
стр. 702
بِوَقْتٍ)
ش: قَالُوا سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْمُومُ حَضَرِيًّا أَوْ سَفَرِيًّا (قُلْت) ، وَهَذَا إذَا نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِتْمَامَ كَمَا نَوَى الْإِمَامُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا أَحْرَمَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ ظَانًّا أَنَّ إمَامَهُ أَحْرَمَ كَذَلِكَ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ نَوَى الْإِتْمَامَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ وَيُعِيدُ أَبَدًا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ، وَإِنْ ظَنَّهُمْ سَفْرًا فَظَهَرَ خِلَافُهُ أَعَادَ أَبَدًا إنْ كَانَ مُسَافِرًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْإِمَامَ نَوَى الْقَصْرَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ نَوَى الْإِتْمَامَ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِمُخَالَفَةِ نِيَّتِهِ لِنِيَّةِ الْإِمَامِ وَلَا الْتِفَاتَ إلَى كَوْنِ الْإِمَامِ فِي ذَاتِهِ حَضَرِيًّا أَوْ سَفَرِيًّا، وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَانَ قَصَرَ عَمْدًا)
ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ يُقَالُ قَصَرَ وَقَصَّرَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ
ص (وَكَانَ أَتَمَّ وَمَأْمُومُهُ بَعْدَ نِيَّةٍ قَصَرَ عَمْدًا)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا أَتَمَّ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَأْمُومِيهِ اتَّبَعُوهُ أَمْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ
ص (وَسَبَّحَ مَأْمُومُهُ وَلَا يَتْبَعُهُ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا فِي السَّهْوِ وَالْجَهْلِ وَانْظُرْ بِمَاذَا يُعْلِمُونَ أَنَّهُ قَامَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَانْظُرْ لَوْ تَبِعُوهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَمَسْأَلَةِ قِيَامِ الْإِمَامِ الْخَامِسَةَ سَهْوًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (إنْ كَانَ مُسَافِرًا)
ش: وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُقِيمًا فَلَا إعَادَةَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِمُوَافَقَةِ نِيَّتِهِ لِنِيَّةِ إمَامِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ غَايَةُ مَا فِي الْأَمْرِ أَنَّهُ كَانَ يُتَوَهَّمُ الْمُخَالَفَةَ، وَلَمْ تَقَعْ
ص (كَعَكْسِهِ)
ش: أَيْ إذَا ظَنَّ الْمُسَافِرُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ مُقِيمُونَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مُسَافِرُونَ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِمُخَالَفَةِ نِيَّةِ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ظَنَّ أَنَّهُمْ مُقِيمُونَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ صَلَاةَ مُقِيمٍ فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مُسَافِرُونَ فَقَدْ خَالَفَتْ نِيَّتُهُ لِنِيَّةِ إمَامِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: صَلَاتُهُ تُجْزِئُهُ، حَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ فِي أَوَائِلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا قَيْدٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ " كَعَكْسِهِ " لَكَانَ حَسَنًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ وَيَبْقَى الْكَلَامُ عَلَى مَفْهُومِ الشَّرْطِ، فَأَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ كَعَكْسِهِ فَصِحَّةُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ إذَا كَانَ مُقِيمًا وَاضِحَةٌ، وَقَدْ حَكَى فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: صِحَّةَ الصَّلَاةِ فِيهِمَا وَالْإِعَادَةَ فِيهِمَا وَالْإِعَادَةَ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَعَكْسَهُ وَعَلَى الْإِعَادَةِ فَهَلْ فِي الْوَقْتِ أَوْ أَبَدًا.
[فَرْعٌ دَخَلَ الْمُسَافِرُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْقَوْمِ وَيَظُنُّهُمْ مُقِيمِينَ]
(فَرْعٌ) ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ
стр. 703
الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَائِلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَلَوْ دَخَلَ الْمُسَافِرُ خَلْفَ الْقَوْمِ وَيَظُنُّهُمْ مُقِيمِينَ فَلَمَّا صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ سَلَّمَ إمَامُهُمْ فَلَمْ يَدْرِ أَكَانُوا مُقِيمِينَ أَوْ مُسَافِرِينَ لَأَتَمَّ صَلَاةَ مُقِيمٍ أَرْبَعًا، ثُمَّ أَعَادَ صَلَاةَ مُسَافِرٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا، وَلَوْ دَخَلَ خَلْفَهُمْ يَنْوِي صَلَاتَهُمْ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ إنْ كَانُوا مُقِيمِينَ أَوْ مُسَافِرِينَ لَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ قَوْلًا وَاحِدًا انْتَهَى.
ص (وَنُدِبَ تَعْجِيلُ الْأَوْبَةِ)
ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَدِيَّةٍ إنْ طَالَ سَفَرُهُ بِقَدْرِ حَالِهِ وَأَنْ يَبْدَأَ بِالْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَلَا يَفْتَتِحُ بِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ انْتَهَى. وَانْظُرْ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ " وَلَا يَفْتَتِحُ بِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ "
ص (وَالدُّخُولُ ضُحًى)
ش: قَالَ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الَّذِي يَقْدَمُ عِشَاءً عَلَى أَهْلِهِ أَتَرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ تِلْكَ السَّاعَةَ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُطْرَقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ إلَّا غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً فَمَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَيْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَلَا حَرَجَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَتَى مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّهُ رَأَى النَّهْيَ الْوَارِدَ نَهْيَ إرْشَادٍ لَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ انْتَهَى.
ص (وَرُخِّصَ لَهُ جَمْعُ الظُّهْرَيْنِ)
ش: الضَّمِيرُ لِلْمُسَافِرِ
стр. 704
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا أَمَّا الرَّاكِبُ فَلَا شَكَّ فِي جَمْعِهِ، وَأَمَّا الرَّاجِلُ فَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَلِابْنِ عَاتٍ فِي الطُّرَرِ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَجْمَعُ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ؛ لِأَنَّ جَدَّ السَّيْرِ يُوجَدُ مِنْهُ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: تَرَدَّدَ بَعْضُهُمْ فِي جَمْعِ الرَّاجِلِ وَرَاءَهُ بِخِلَافِ الرَّاكِبِ فَلَا يَجْمَعُ انْتَهَى. وَاقْتَصَرَ الْمَوَّاقُ عَلَى الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ زَرُّوق وَلِابْنِ عَاتٍ فِي الْغُرَرِ لَعَلَّهُ وَلِابْنِ عَاتٍ فِي الطُّرَرِ
ص (وَهَلْ الْعِشَاءَانِ كَذَلِكَ تَأْوِيلَانِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الرِّحْلَةَ مِنْ الْمَنْهَلِ، قَالَ سَحْنُونٌ: هُمَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ: وَهُوَ تَفْسِيرٌ عَلَى الْخِلَافِ، وَهُوَ بَعِيدٌ انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيَجْمَعُ بِالسَّفَرِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَلَا كَرَاهَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَفِيهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي الْجَمْعِ عِنْدَ الرَّحِيلِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: الْحُكْمُ مُسَاوٍ فَقِيلَ تَفْسِيرٌ، وَقِيلَ خِلَافٌ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: حَمَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَلَامَ سَحْنُونٍ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَحَمَلَهُ الْبَاجِيُّ عَلَى الْخِلَافِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِلْحَدِيثِ يَعْنِي حَدِيثَ الْمُوَطَّإِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي سَفَرِهِ إلَى تَبُوكَ» انْتَهَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْعِشَاءَيْنِ كَالظُّهْرَيْنِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ قَدِمَ، وَلَمْ يَرْتَحِلْ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا عَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ فَجَمَعَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، ثُمَّ بَدَا لَهُ عَنْ السَّيْرِ فَلَمْ يَرْتَحِلْ وَأَقَامَ بِالْمَنْهَلِ أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ فِي وَقْتِهَا، وَهَذَا بِنَاءً مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا فَهِمَهُ فِي التَّوْضِيحِ مِنْ أَنَّ الْفَرْعَيْنِ اللَّذَيْنِ نَقَلَهُمَا عَنْ التِّلِمْسَانِيِّ فَرْعٌ وَاحِدٌ
стр. 705
وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُمَا فَرْعَانِ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ، قَالَ فِي الطِّرَازِ فَلَوْ جَمَعَهُمَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَهُوَ فِي الْمَنْهَلِ، وَلَمْ يَرْحَلْ، قَالَ عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ يُعِيدُ الْأَخِيرَةَ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ السَّفَرَ سَبَبُ الضَّرُورَةِ وَلِهَذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْفِطْرُ وَالْقَصْرُ فَتَعَلَّقَ بِهِ الْوَقْتُ الضَّرُورِيُّ فَلَا يُعِيدُ مَنْ صَلَّى فِيهِ أَبَدًا إلَّا أَنَّ مَحْضَ الضَّرُورَةِ لَمَّا لَمْ يَكْمُلْ اُسْتُحِبَّتْ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ.
[فَرْعٌ جَمَعَ أَوَّلَ الْوَقْتِ لِشِدَّةِ السَّيْرِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَقَامَ بِمَكَانِهِ]
(فَرْعٌ) فَلَوْ جَمَعَ أَوَّلَ الْوَقْتِ لِشِدَّةِ السَّيْرِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَقَامَ بِمَكَانِهِ أَوْ أَتَاهُ أَمْرٌ تَرَكَ لَهُ جَدَّ السَّيْرِ، قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَيِّنٌ، قَالَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَقَعَتْ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ التَّامَّةِ فَتَعَلَّقَتْ بِالْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ وَوَقَعَتْ مَوْقِعَهَا، فَزَوَالُ الضَّرُورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي صِحَّتِهَا وَلَا يُوجِبُ إعَادَتَهَا كَمَا لَوْ رَجَعَ فِي الْحَضَرِ لِلْمَطَرِ، ثُمَّ كَفَّتْ الْمَطَرُ بَعْدَ الْجَمْعِ، وَكَمَا لَوْ أَمِنَ بَعْدَ صَلَاةِ الْخَوْفِ انْتَهَى. فَتَعْلِيلُهُ كُلَّ فَرْعٍ عَلَى حِدَّتِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا فَرْعَانِ لَا فَرْعٌ وَاحِدٌ، وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ الْفَرْعَ الْأَوَّلَ بِلَفْظِ " فَإِنْ جَمَعَ فِي الْمَنْهَلِ " قَالَ مَالِكٌ يُعِيدُ الْأَخِيرَةَ مَا دَامَ الْوَقْتُ انْتَهَى. إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْفَرْعُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا هُوَ الْفَرْعُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ أَوْ ارْتَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَزَلَ عِنْدَهُ فَجَمَعَ أَعَادَ الثَّانِيَةَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ نَزَلَ عِنْدَ الزَّوَالِ فَجَمَعَ حِينَئِذٍ، وَلَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ الرَّحِيلَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ الطِّرَازِ والتِّلِمْسَانِيُّ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَهُوَ فِي الْمَنْهَلِ، وَهُوَ لَمْ يَرْحَلْ أَيْ لَمْ يُرِدْ رَحِيلًا، وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الذَّخِيرَةِ جَمَعَ فِي الْمَنْهَلِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ فِي التَّوْضِيحِ ذَكَرَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ نَقَلَ هَذَا الْفَرْعَ - أَعْنِي مَنْ ارْتَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَزَلَ عِنْدَهُ - عَنْ عَلِيٍّ عَنْ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ والتِّلِمْسَانِيُّ وَأَيْضًا فَقَدْ، قَالَ الْمَازِرِيُّ لَمَّا عَلَّلَ تَقْدِيمَ الْعَصْرِ إلَى الظُّهْرِ: إذَا كَانَ عَزْمُهُ الرَّحِيلَ مَا نَصُّهُ وَإِذَا كَانَتْ الْإِبَاحَةُ عِنْدَ الزَّوَالِ لِعُذْرِ الرَّحِيلِ فَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ بِأَنْ نَزَلَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ لَا لِعُذْرِ اسْتِيفَاءِ الرَّحِيلِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْعَصْرَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ، رَوَاهُ ابْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى.
وَابْنُ زِيَادٍ هُوَ عَلِيٌّ، وَأَمَّا الْفَرْعُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ كِنَانَةَ فَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ جَمَعَ وَنِيَّتُهُ الرَّحِيلُ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَقَامَ أَوْ أَتَاهُ أَمْرٌ تَرَكَ لِأَجْلِهِ جَدَّ السَّيْرِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ " لِشِدَّةِ السَّيْرِ " بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ فِي اشْتِرَاطِ جَدِّ السَّيْرِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ فِيهِ قَوْلًا بِالْإِعَادَةِ إلَّا عَلَى مَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ الْفَرْعَيْنِ فَرْعٌ وَاحِدٌ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ إمَامُ الْحُفَّاظِ وَالْمُتَصَدِّي لِنَقْلِ الْأَقْوَالِ وَعَزْوِهَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا ذَكَرَهُ، قَالَ مَا نَصَّهُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ: مَنْ جَمَعَ لِجَدِّ السَّيْرِ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَانِهِ لَمْ يُعِدْ، يُعَارِضُهُ جَمْعُ خَائِفٍ فَقَدَ عَقْلَهُ وَيُوَافِقُهُ نَصُّ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يُعِيدُ مُصَلٍّ جَالِسًا لِعُذْرِ زَالَ فِي الْوَقْتِ انْتَهَى. فَانْظُرْ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَارَضُ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَيُتْرَكُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَسْأَلَة نَفْسِهَا، هَذَا بَعِيدٌ، وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ كِنَانَةَ مُشْتَمِلٌ عَلَى صُورَتَيْنِ: الْأُولَى مِنْهُمَا أَنْ يَجْمَعَ ثُمَّ تَبْدُوَ لَهُ فَيُقِيمَ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَجْمَعَ ثُمَّ يَعْرِضَ لَهُ أَمْرٌ يَتْرُكَ لِأَجْلِهِ السَّيْرَ، وَإِذَا حُكِمَ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ فِي الْأُولَى فَالثَّانِيَةُ مِنْ بَابِ أَحْرَى، وَالْأُولَى هِيَ الَّتِي قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهَا: وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَهَا فَلَا تَبْطُلُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِوُقُوعِ الصَّلَاتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ فَكَانَ كَالْمُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ، ثُمَّ يَجِدُ الْمَاءَ، وَلَوْ قِيلَ بِالْإِعَادَةِ قِيَاسًا عَلَى خَائِفِ الْإِغْمَاءِ إذَا لَمْ يُغْمَ عَلَيْهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَقِيَاسًا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْإِعَادَةَ فِي حَقِّ مَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ مَا بَعْدُ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي لِوُقُوعِ الصَّلَاتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ بِاجْتِمَاعِ شَرَائِطِ الْجَمْعِ وَهَلْ تُسْتَحَبُّ إعَادَةُ الثَّانِيَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ صَلَاةِ الْقَصْرِ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ عَدَمُهُ فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْخِلَافِ فِي نَفْيِ الْإِعَادَةِ فِيمَنْ جَمَعَ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَقَامَ، وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ فِي تَخْرِيجِ الْقَوْلِ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَجْعَلُهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ مَالِكٍ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ
стр. 706
الْأَوَّلُ، هَذَا غَرِيبٌ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، فَإِنْ قِيلَ كَلَامُ ابْنِ كِنَانَةَ إنَّمَا ثَبَتَ فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ بِالْوَاوِ - أَعْنِي قَوْلَهُ " وَأَتَاهُ أَمْرٌ " - فَهُوَ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ لَا صُورَتَانِ وَهِيَ لَيْسَتْ عَيْنَ صُورَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ بَلْ هِيَ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ جَعَلْتُمُوهَا فِي كَلَامِ ابْنِ كِنَانَةَ، قِيلَ: أَمَّا أَوَّلًا فَلَوْ سَلَّمَ هَذَا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أَحْرَى بِعَدَمِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ - فِي هَذِهِ الصُّورَةِ - الشَّخْصَ بَاقٍ عَلَى السَّفَرِ لَوْلَا مَا أَتَاهُ مِنْ الْأَمْرِ، وَفِي الْأُخْرَى تَرَكَ السَّفَرَ وَعَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ، فَفَرْعُ ابْنِ كِنَانَةَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْخِلَافِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَاعْلَمْ أَنَّ فَرْعَ ابْنِ كِنَانَةَ بِأَوْ لَا بِالْوَاوِ، وَكَذَا ثَبَتَ فِي نُسْخَتَيْنِ عَتِيقَتَيْنِ مِنْ النَّوَادِرِ، وَفِي سَنَدٍ، وَفِي الذَّخِيرَةِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ سَنَدٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْت مِنْ التِّلِمْسَانِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ جَمَعَ فِي السَّفَرِ فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ]
(فَرْعٌ) ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ التَّقْدِيمِ بَطَلَ الْجَمْعُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ جَمَعَ فِي السَّفَرِ، وَكَانَ حُكْمُهُ تَقْدِيمَ الثَّانِيَةِ إلَى الْأُولَى فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فَقَدْ بَطَلَ الْجَمْعُ، وَالْإِقَامَةُ هُنَا مُقَابِلَةُ السَّفَرِ هُنَاكَ، أَعْنِي كَمَا لَا يُشْتَرَطُ طُولُ السَّفَرِ فَلَا يُشْتَرَطُ إقَامَةُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ بُطْلَانَ الْجَمْعِ لَا يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ الصَّلَاةِ؛ فَلِهَذَا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَقَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالثَّانِيَةِ صَحَّتْ الْأُولَى وَيُؤَخِّرُ الثَّانِيَةَ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُهَا، وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ صَحَّتْ الْأُولَى أَيْضًا وَيَقْطَعُ الثَّانِيَةَ أَوْ يُسَلِّمُ عَلَى نَافِلَةٍ، وَهُوَ أَوْلَى وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ يَتَمَادَى عَلَيْهَا عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ وَتَصِحُّ انْتَهَى. وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَيُشِيرُ بِقَوْلِ أَشْهَبَ إلَى مَا حَكَى عَنْهُ الْبَاجِيُّ وَصَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ مِنْ إجَازَةِ الْجَمْعِ بِالسَّبَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ لَيْسَ مُعَارِضًا لِمَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ فَرْعَ التِّلِمْسَانِيِّ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ لَوْ تَمَادَى لَأَعَادَ الثَّانِيَةَ أَبَدًا إلَّا أَنَّهُ يَقْطَعُ عَلَى الْوُجُوبِ الَّذِي تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ أَجْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ التَّنَفُّلُ فِي السَّفَرِ]
(فَرْعٌ) ، قَالَ فِي التَّلْقِينِ وَلَا يَتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا، قَالَ الْمَازِرِيُّ، إنَّمَا لَمْ يَتَنَفَّلْ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ إنَّمَا أَبَاحَهُ ضَرُورَةُ الْجَدِّ فِي السَّيْرِ فَتَسْقُطُ مُرَاعَاةُ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِضَرُورَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالتَّنَفُّلُ يُشْعِرُ بِالطُّمَأْنِينَةِ فَلَمَّا نَافَى التَّنَفُّلُ فِي السَّفَرِ مَا وُضِعَ الْجَمْعُ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِإِدْخَالِهِ فِي الْجَمْعِ مَعْنًى انْتَهَى. وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي صِفَةِ الْجَمْعِ: وَذَلِكَ أَنْ يُقَدِّمَ الْأُولَى مِنْهُمَا وَيَنْوِيَهُ فِي أَوَّلِهَا وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَنْوِيَ فِي أَوَّلِ الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ: مِنْ صِفَةِ الْجَمْعِ الْمُوَالَاةُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ إقَامَةٍ أَوْ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ عَلَى الْخِلَافِ وَلَا يَتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَفَّلَ انْتَهَى. وَانْظُرْ إذَا قَدَّمَ الْعَصْرَ إلَى الظُّهْرِ هَلْ تُبَاحُ لَهُ النَّافِلَةُ أَوْ تُكْرَهُ
ص (وَفِي جَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ)
ش: فِي كَوْنِ الْجَمْعِ رَاجِحًا أَوْ مَرْجُوحًا طَرِيقَانِ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ رَاجِحٌ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ رُخِّصَ لَهُ.
[مَسْأَلَةٌ جَمْعِ الْبَادِيَةِ فِي وَسَطِ النَّزْلَةِ]
(مَسْأَلَةٌ) ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ سُئِلْت عَنْ جَمْعِ الْبَادِيَةِ فِي وَسَطِ النَّزْلَةِ فَأَجَبْت إنْ كَانَ لَهُمْ إمَامٌ رَاتِبٌ وَيَجْعَلُونَ مَوْضِعًا لِصَلَاتِهِمْ أَيْنَمَا نَزَلُوا فَإِنَّهُمْ يَجْمَعُونَ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ " أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ إمَّا بِمُسَمِّعٍ أَوْ بِغَيْرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ الْجَمْعَ إذْ قَدْ يَتَعَذَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ انْتَهَى.
ص (وَأَخَّرَ قَلِيلًا)
ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ تَرَدَّدَ شُيُوخُنَا هَلْ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَمْرٌ وَاجِبٌ لَا بُدَّ مِنْهُ أَمْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى
стр. 707
الثَّانِي انْتَهَى. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ شَيْخُنَا حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: تَرَدَّدَ شُيُوخِي هَلْ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ قَلِيلًا عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ؟ (قُلْت) الصَّوَابُ الثَّانِي انْتَهَى.
[فَرْعٌ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ثُمَّ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ]
(فَرْعٌ) ، قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عِنْدَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الْحَجِّ: وَإِنْ شَاءَ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى فَرَمَى وَانْصَرَفَ، وَلَوْ لَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَلَزِمَهُ الرَّمْيُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ حِينَ رَمَى، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ثُمَّ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْعِشَاءَ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي قَوْلِهِ " ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وَعَلَيْهِمْ إسْفَارٌ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ ": وَالشَّفَقُ الْإِسْفَارُ الْبَيَاضُ الْبَاقِي مِنْ النَّهَارِ، وَقَوْلُهُ " قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ " تَفْسِيرٌ فَلَوْ قَعَدُوا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ أَعَادُوا الْعِشَاءَ، وَقِيلَ: لَا يُعِيدُونَ، وَثَالِثُهَا إنْ قُعِدَ الْجُلُّ أَعَادُوا لَا الْأَقَلُّ انْتَهَى. وَفِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّهُمْ لَا يُعِيدُونَ وَنَصُّهُ: وَسُئِلَ عَنْ جَمْعِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي رَمَضَانَ فِي لَيْلَةِ الْمَطَرِ أَرَأَيْت إنْ جَمَعُوا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَنَتُوا؟ قَالَ: هُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ لِلْعِشَاءِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: إنَّ هَذَا خِلَافٌ لِقَوْلِ عِيسَى وَأَصْبَغَ وَالْعُتْبِيِّ وَابْنِ مُزَيْنٍ فِي الَّذِي يَخَافُ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فَيَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ: إنَّهُ يُعِيدُ الْأَخِيرَةَ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا إنْ لَمْ يُغْلَبْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ عِنْدِي بِصَحِيحٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّذِي خَشِيَ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فَصَلَّى قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ يُؤْمَرُ أَنْ يُعِيدَ لِيُدْرِكَ مَا نَقَصَهُ مِنْ فَضِيلَةِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ، وَاَلَّذِينَ جَمَعُوا ثُمَّ قَنَتُوا لَا يُؤْمَرُونَ بِالْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهُمْ صَلَّوْا فِي جَمَاعَةٍ فَمَعَهُمْ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ مَكَانَ فَضْلِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُسَافِرِ يُتِمُّ الصَّلَاةَ: إنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ إنْ كَانَ أَتَمَّ وَحْدَهُ لِيُدْرِكَ فَضِيلَةَ الْقَصْرِ، وَلَا يُعِيدُ إنْ كَانَ أَتَمَّ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ مَعَهُ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ مَكَانَ مَا فَاتَهُ مِنْ فَضْلِ الْقَصْرِ، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ الْمَغْرِبَ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ مُجَمِّعُونَ، وَقَدْ صَلَّوْا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يُصَلُّوا الْعِشَاءَ: إنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا صَلَّى مَعَهُمْ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ، فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الَّذِي يُخَالِفُ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ لَا قَوْلَ عِيسَى وَمَنْ تَابَعَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي حَكَى ابْنُ لُبَابَةَ انْتَهَى.
ص (ثُمَّ صَلَّيَا وَلَاءً)
ش: لَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِجَمْعِ الْمَطَرِ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِلْجَمْعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ، وَقَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنْسَكِهِ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ: وَالْمُوَالَاةُ شَرْطٌ إنْ جَمَعَهُمَا فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَإِنْ جَمَعَهُمَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَا أَثَرَ لِلْمُوَالَاةِ إلَّا فِي الْخَلَاصِ مِنْ عُهْدَةِ الْكَرَاهَةِ أَوْ التَّأْثِيمِ انْتَهَى.
ص (وَلَا يَتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَمْنَعْهُ)
ش: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَتَنَفَّلُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْجَمْعِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ، قَالَ سَنَدٌ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَتَنَفَّلُ عِنْدَ أَذَانِ الْعِشَاءِ لِزِيَادَةِ الْقُرْبَةِ وَإِذَا قُلْنَا لَا يَتَنَفَّلُ فَتَنَفَّلَ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْجَمْعَ قِيَاسًا عَلَى الْإِقَامَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ انْتَهَى. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَيْ لَمْ يَمْنَعْ التَّنَفُّلُ الْجَمْعَ
ص (وَلِمُعْتَكِفٍ فِي الْمَسْجِدِ)
ش: أَيْ تَبَعًا لِلْجَمَاعَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلِأَجْلِ التَّبَعِيَّةِ اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ لِلْإِمَامِ الْمُعْتَكِفِ أَنْ
стр. 708
يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وُجُوبُ اسْتِخْلَافِهِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ بِجَمْعِ جَارِ الْمَسْجِدِ وَإِنْ قَرُبَ أَبُو عِمْرَانَ، وَالْغَرِيبُ يَبِيتُ بِهِ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ، وَالْمُعْتَكِفُ عَبْدُ الْحَقِّ إنْ كَانَ إمَامُهُمْ جَمَعَ مَأْمُومًا وَنَقْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ اسْتِحْبَابَ ائْتِمَامِهِ لَا أَعْرِفُهُ، انْتَهَى.
ص (وَلَا مُنْفَرِدٌ بِمَسْجِدٍ)
ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَالْإِمَامُ الرَّاتِبُ أَقَامَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الْغُبْرِينِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ إذَا كَانَ وَحْدَهُ يَجْمَعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، وَأَنَّهُ يَقُولُ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " فَقَطْ، وَسَلَّمَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عَاصَرَهُ مِنْ مَشَايِخِنَا فِي الْأُولَى، وَخَالَفَهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَرَأَى أَنَّهُ يَزِيدُ " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ "، وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي هُوَ الْأَوَّلُ، انْتَهَى. وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي قَوْلِهِ " قَامَ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ ": قَالَ شَيْخُنَا وَفِي أَنَّهُ يَجْمَعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ شَرْطُ الْجُمُعَةِ]
(فَصْلٌ) (شَرْطُ الْجُمُعَةِ وُقُوعُ كُلِّهَا بِالْخُطْبَةِ وَقْتَ الظُّهْرِ لِلْغُرُوبِ)
ش: اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ الَّتِي يَذْكُرُهَا مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِيهِمَا وَسَنُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَوْلُهُ وُقُوعُ كُلِّهَا إلَخْ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بَقَاءِ رَكْعَةٍ لِلْعَصْرِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ الْعَصْرِ شَيْئًا قَبْلَ الْغُرُوبِ فَمُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَخْطُبُ فِيهِ وَيُصَلِّي رَكْعَةً وَاحِدَةً مِنْ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا لِقَوْلِهِ: وُقُوعُ كُلِّهَا بِهِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَبُو عُمَرَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ غَرَبَتْ أَتَمَّهَا انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا قَصَدَ الْمُصَنِّفُ الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إذَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ الْخُطْبَةِ قَبْلَ وَقْت الظُّهْر فَتَأَمَّلْهُ وَاللَّه أَعْلَم.
[تَنْبِيه أَخَّرَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ الصَّلَاةَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عذر]
(تَنْبِيهٌ) هَذَا الْحُكْمُ إذَا أَخَّرَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ الصَّلَاةَ لِعُذْرٍ أَوْ اتَّفَقَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَأَمَّا ابْتِدَاءً فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا أَتَى مِنْ تَأْخِيرِ الْأَئِمَّةِ مَا يُسْتَنْكَرُ جَمَعُوا دُونَهُ إنْ قَدَرُوا وَإِلَّا صَلَّوْا ظُهْرًا وَتَنَفَّلُوا مَعَهُ قَالَ سَنَدٌ يُرِيدُ إذَا أَخَّرَهَا إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِهَا الظُّهْرُ وَتَدْخُلُ بِالزَّوَالِ فَمَا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْجُمُعَةِ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا يُصَلُّونَ الظُّهْرَ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يُصَلُّونَهَا أَفْذَاذًا كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ امْتَنَعَ عَلَيْهِمْ الْجَمَاعَةُ تَشْبِيهًا بِمَنْ فَاتَتْهُمْ الْجُمُعَةُ مِنْ أَهْلِهَا.
ثُمَّ قَالَ فَإِنْ خَشُوا فَوَاتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا ثُمَّ جَاءَ الْإِمَامُ فِي الْوَقْتِ لَزِمَتْهُمْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِيمَا ظَنُّوهُ وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ تَلْزَمْهُمْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُمْ قَدْ سَقَطَ بِفِعْلِ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الظُّهْرِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ فِي الْأَوَّلِ لَمَّا عَلِمُوا بِأَنَّهُ يَأْتِي لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فَصَلَاتُهُمْ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا وَفِي الثَّانِي لَوْ عَلِمُوا بِأَنَّهُ فِي وَقْتِهِ صَلَّوْا وَلَمْ يَلْزَمْهُمْ تَأْخِيرُ فَرْضِهِمْ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ صَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَيَتَنَفَّلُونَ مَعَهُ، فَجَعَلَهَا نَافِلَةً وَالنَّافِلَةُ لَا تَلْزَمُ، وَعَلَى
стр. 709
قَوْلِ ابْنِ الْقَصَّارِ أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى الْغُرُوبِ لَا يَأْثَمُ فَيَجِبُ أَنْ لَا تُجْزِئَهُمْ وَأَنْ تَلْزَمَهُمْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ كَانَ لَهُمْ جَائِزٌ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فَرْعٌ فَإِذَا قُلْنَا لَا تَلْزَمُهُمْ الْإِعَادَةُ فَإِنْ أَعَادُوا فَلْيُعِيدُوا بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فُرَادَى ثُمَّ أَعَادَهَا جَمَاعَةً فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا بِنِيَّةِ الظُّهْرِ ثُمَّ قَالَ فَرْعٌ وَهَلْ تُجْزِئُ الْإِمَامَ إذَا صَلَّوْا مَعَهُ، إنْ كَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ تَسْتَقِلُّ بِهِمْ الْجُمُعَةُ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَلَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّا وَإِنْ فَوَّضْنَا أَمَرَ صَلَاتِهِمْ إلَى اللَّهِ فَلَا نَقْطَعُ بِتَعْيِينِ فَرْضِهِمْ مَعَهُ فَلَا تُجْزِئُ الْإِمَامَ الْجُمُعَةُ فِي جَمَاعَةٍ غَيْرِ مُفْتَرِضِينَ كَمَا لَوْ جَمَعَ بِالصِّبْيَانِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ التُّونُسِيُّ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْإِمَامِ إذَا هَرَبَ عَنْهُ النَّاسُ أَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ أَنَّ الْإِمَامَ وَالنَّاسَ يَنْتَظِرُونَ إلَّا أَنْ يَخَافُوا دُخُولَ وَقْتِ الْعَصْرِ فَإِنْ خَافُوا دُخُولَ وَقْتِ الْعَصْرِ صَلَّوْا ظُهْرًا أَرْبَعًا ثُمَّ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ فِي تَخَلُّفِ الْإِمَامِ أَنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَأَنْكَرَهُ سَحْنُونٌ وَقَالَ بَلْ يَنْتَظِرُونَهُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكُوا مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ إلَّا بَعْضَهَا قَالَ وَرُبَّمَا تَبَيَّنَ لِي أَنَّهُمْ يَبْقَوْنَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِلْعَصْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ سَحْنُونٌ إذَا رَجَوْا إتْيَانَهُ فَأَمَّا إنْ أَيْقَنُوا بِعَدَمِ إتْيَانِهِ فَلَا يُؤَخِّرُوا الظُّهْرَ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ سَحْنُونٌ ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِمَا حَكَاهُ التُّونُسِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَالْمُصَنِّفُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ سَحْنُونٍ عَلَى مَا إذَا أَخَّرَ لِعُذْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَة لِمَ سُمِّيَتْ الْجُمُعَةَ بِالْجُمُعَةِ]
(فَائِدَةٌ) الْجُمُعَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ فِيهَا وَتُسَمَّى جُمُعَةً بِالسُّكُونِ؛ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ النَّاسَ وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَوْجُودٌ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي اعْلَمْ أَنَّهُ يُقَالُ الْجُمُعَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِهَا وَفَتْحِهَا قَالَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ الْفَرَّاءِ وَالْجُمُعَةُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ انْتَهَى.
وَقَرَأَ الْجَمَاعَةُ بِالضَّمِّ وَقَالَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَحُكِيَ كَسْرُ الْمِيمِ انْتَهَى.
وَقُرِئَ بِالثَّلَاثِ فِي الشَّوَاذِّ وَقَرَأَ الْجَمَاعَةُ بِالضَّمِّ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي نَوَازِلِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ سُمِّيَتْ الْجُمُعَةَ؟ فَقُلْ: لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى كُلُّ يَوْمٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ جُمُعَةً؟ فَقُلْ: لَا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَخُصُّ الشَّيْءَ بِاسْمِهِ إذَا كَثُرَ ذَاكَ مِنْهُ انْتَهَى.
ص (وَهَلْ إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ وَصُحِّحَ أَوْ لَا)
ش: يَعْنِي أَنَّ قَوْلَنَا إنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ مُمْتَدٌّ لِلْغُرُوبِ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَخْطُبَ وَيُصَلِّي وَيَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يُدْرِكُ فِيهِ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ بَقَاءُ مَا يُدْرِكُ فِيهِ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ فَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الْعَصْرَ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ؟ قَوْلَانِ رُوِيَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِمَا فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَتَّابٍ وَإِذَا أَخَّرَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَلْيُصَلِّ الْجُمُعَةَ بِهِمْ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّمْسُ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ الْعَصْرَ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ ابْنِ عَتَّابٍ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ بَعْضَ الْعَصْرِ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ وَأَشْبَهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَصُحِّحَ.
ص (وَبِجَامِعٍ مَبْنِيٍّ)
ش: لَا إشْكَالَ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(تَنْبِيهٌ) لَا بُدَّ فِي
стр. 710
الْجَامِعِ مِنْ شَرْطٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ خَارِجًا عَنْ بِنَاءِ الْقَرْيَةِ قَالَ سَنَدٌ أَمَّا الْمَسْجِدُ فَهُوَ شَرْطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ خِلَافٌ عَنْ أَحَدٍ إلَّا أَبِي ثَوْرٍ وَشَيْءٌ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ مَالِكٍ وَهَلْ يَتَعَيَّنُ فَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لَا يَكُونُ الْمَسْجِدُ إلَّا دَاخِلَ الْمِصْرِ وَلَا تُصَلَّى فِي مَسْجِدِ الْعِيدِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجُوزُ خَارِجَ الْمِصْرِ قَرِيبًا نَحْوَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي جُعِلَتْ مُصَلًّى لِصَلَاةِ الْعِيدِ وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ الْعَمَلُ الْمُتَّصِلُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ يَجُوزُ لِأَهْلِ الْمِصْرِ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِيهِ، أَعْنِي إذَا سَافَرُوا عَنْ الْمِصْرِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ كَالْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ عَنْهُ، وَتُفَارِقُ الْجُمُعَةُ الْعِيدَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْجُمُعَةَ مَرْدُودَةٌ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ فَجَازَ أَنْ يَخْتَصَّ فِعْلُهَا بِمَكَانٍ وَأَنْ يَخْتَلِفَ فِيهَا الْمِصْرُ وَخَارِجُهُ كَصَلَاةِ السَّفَرِ، وَالْعِيدُ لَيْسَتْ مَرْدُودَةً مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ النَّوَافِلِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَنَصُّهُ قَالَ سَنَدٌ لَا تَكُونُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا دَاخِلَ الْمِصْرِ وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ مُصَلَّى الْعِيدِ تَشْبِيهًا لِلْجُمُعَةِ بِالْعِيدِ لَنَا أَنَّهُ مَكَانٌ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَيَكُونُ مُنَافِيًا لِمُوجَبِ الْجُمُعَةِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَالْجَامِعُ شَرْطٌ وَاتِّصَالُهُ بِالدُّورِ شَرْطٌ فَلَوْ انْفَرَدَ الْجَامِعُ مِنْ الْبُيُوتِ لَمْ تَصِحَّ فِيهِ قَالَهُ فِي الْمُنْتَقَى انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ الْبَاجِيِّ فِي الْمُنْتَقَى وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْقَرْيَةُ الْمَوْصُوفَةُ حَيْثُ الْجَامِعُ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ الْجَامِعِ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ بِانْفِرَادِهِ وَيَجْتَمِعُ إلَيْهِ مِمَّنْ يَقْرُبُ عَدَدٌ كَثِيرٌ لَمْ تَصِحَّ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ إقَامَتِهَا لَا تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ بِانْفِرَادِهِ فَلَا تَصِحُّ بِمَا هُوَ تَبَعٌ لَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ بِالْقُرَى يَكُونُ الْجَامِعُ خَارِجَ الْقَرْيَةِ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا فَإِنَّهَا تُقَامُ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ وَوَجَدْت فِي تَعَالِيقِي - وَلَمْ أَدْرِ مِنْ أَيْنَ نُقِلَتْ - أَنَّ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالْجَامِعِ بَعِيدٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَإِذَا قُلْنَا فِي الْجَامِعِ إنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْقَرْيَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ حَتَّى يَكُونَ دُخَانُ الْمَنْزِلِ يَنْعَكِسُ عَلَيْهِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْمَنْزِلِ وَقَرُبَ مِنْهُ أَجْزَأَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَإِنْ بَعُدَ لَمْ تُجْزِ فِيهِ.
قَالَ بَعْضُ: الشُّيُوخِ وَحَدُّ الْقُرْبِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْزِلِ أَرْبَعُونَ بَاعًا انْتَهَى.
(قُلْت) وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الطِّرَازِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ الْجَوَازُ إذَا كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ قَرِيبًا مِنْهُ إلَّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءً)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَلَوْ سَبَقَ فِي الْفِعْلِ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْجَدِيدِ انْتَهَى.
نَصَّ عَلَى الْأَوَّلِ سَنَدٌ فِي الطِّرَازِ وَأَمَّا الثَّانِي فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ فَاعْتِرَاضُ الْمَوَّاقِ غَيْرُ وَاضِحٍ وَانْظُرْ الطِّرَازَ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فُرُوعًا تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَحَلِّ
ص (وَفِي اشْتِرَاطِ سَقْفِهِ)
ش: الظَّاهِرُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ سَقْفِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَشَيْخُهُ ابْنُ زَرْقُونٍ وَابْنُ الْحَاجِّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَلِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كَانَ فَضَاءً حَوْلَ الْكَعْبَةِ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَفِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ وَخِلَافَةِ الْفَارُوقِ ﵄ وَكَانَتْ الْجُمُعَةُ تُقَامُ فِيهِ وَلَمْ يُذْكَرُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ بِهِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ السَّقْفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) اُنْظُرْ عَلَى الِاشْتِرَاطِ لَوْ هُدِمَ الْمَسْجِدُ فَظُلِّلَ مَوْضِعُ السَّقْفِ بِسُتُورٍ وَنَحْوِهَا قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ نَقَضَ الْكَعْبَةَ وَجَعَلَ أَعْمِدَةً سَتَرَ عَلَيْهَا مَا نَصُّهُ: الظَّاهِرُ عِنْدِي إنَّمَا يُمْنَعُ إقَامَتُهَا بِالْمَسْجِدِ الَّذِي انْهَدَمَ لِسَقْفِهِ إذَا لَمْ يُظَلَّلْ عَلَى السَّقْفِ بِسُتُورٍ وَأَمَّا لَوْ ظَلَّلُوا بِهَا لَنَابَتْ السُّتُورُ عَنْ السَّقْفِ كَمَا نَابَتْ عَنْ الْجُدُرِ فِي قَضِيَّةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بَلْ أَحْرَى وَنَزَلْتُ بِتُونُسَ لَمَّا نَزَلَ سَقْفُ جَامِعِهَا الْأَعْظَمِ وَخَطِيبُهَا الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ فَأَمَرَ أَنْ يُظَلَّلَ بِالْحُصْرِ وَخَطَبَ تَحْتَهَا فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الصَّالِحُ أَبُو عَلِيٍّ الْقَرَوِيُّ وَكَانَ شَيْخُنَا
стр. 711
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ يَقُولُ: الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِقَامَةِ الْخَمْسِ تَرَدُّدٌ) ش أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَسُكُوتِ غَيْرِهِ عَنْهُ وَنُزِّلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ؛ إذْ لَوْ كَانَ شَرْطًا لَنَبَّهُوا عَلَيْهِ وَانْظُرْ عَزْوَهُمْ اشْتِرَاطَ إقَامَةِ الْخَمْسِ لِابْنِ بَشِيرٍ وَقَدْ نَقَلَ سَنَدٌ عَنْ الْمُخْتَصَرِ مَا يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ ذَلِكَ وَنَصُّهُ: إنْ كَانَتْ الْقَرْيَةُ بُيُوتُهَا مُتَّصِلَةً وَطُرُقُهَا فِي وَسَطِهَا وَفِيهَا سُوقٌ وَمَسْجِدٌ تُجْمَعُ فِيهِ الصَّلَوَاتُ فَلْيَجْمَعُوا كَانَ لَهُمْ وَالٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا انْتَفَيَا)
ش: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا يُفْهَمَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ خِلَافًا لِمَا رَجَّحَهُ الْمَوَّاقُ.
ص (وَبِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ أَوْ لَا بِلَا حَدٍّ وَإِلَّا فَتَجُوزُ بِاثْنَيْ عَشَرَ بَاقِينَ لِسَلَامِهَا)
ش: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ
стр. 712
كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ﵀ هُنَا وَفِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ فُهِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ شَرْطٌ فِي ابْتِدَاءِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ أَيْ يُطْلَبُ حُضُورُهُمْ فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بَلْ تَجُوزُ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا بَاقِينَ لِسَلَامِهَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ خِلَافُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَفِي صِحَّتِهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بِمَعْنَى أَنْ يُطْلَبَ وُجُودُهُمْ فِي الْقَرْيَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمْ الصَّلَاةَ لَا فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى وَلَا فِي غَيْرِهَا بَلْ تَجُوزُ بِاثْنَيْ عَشَرَ. وَنَصُّ كَلَامِهِ: الَّذِي يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ إقَامَتِهَا فِي الْبَلَدِ وَوُجُوبِهَا عَلَى أَهْلِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ هَذَا الْعَدَدِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْعِيرِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ ﵇ ذَلِكَ الْيَوْمَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا انْتَهَى.
وَنَحْوُ هَذَا فِي الْإِكْمَالِ وَنَصُّهُ نَاقِلًا عَنْ الْمَازِرِيِّ، وَمَالِكٌ لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ أَيْ الْعَدَدِ الَّذِي تُقَامُ بِهِ الْجُمُعَةُ حَدًّا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ مِمَّنْ يُمْكِنُهُمْ الثَّوَاءُ وَنَصْبُ لِأَسْوَاقِ عِيَاضٍ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا لَا فِي إجْزَائِهَا وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا إجَازَتُهَا مَعَ اثْنَيْ عَشَر رَجُلًا لِاسْتِدْلَالِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَحَكَى أَبُو يَعْلَى الْعَبْدِيُّ نَحْوَهُ عَنْ أَصْحَابِنَا وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ رَأَيْت لِمَالِكٍ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ وَلَكِنَّهَا تَنْعَقِدُ بِمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي الْمُنْتَقَى: الْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَلَا حَدَّ لَهَا عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَكُونُوا عَدَدًا تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ بِانْفِرَادِهِمْ وَتُمْكِنُهُمْ الْإِقَامَةُ وَمُنِعَ ذَلِكَ فِي الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ؛ إذْ مَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُمْ وَاسْتِدْلَالُ أَصْحَابِنَا بِحَدِيثِ الْعِيرِ يَقْتَضِي إجَازَتَهُمْ لِلْجُمُعَةِ مِنْ اثْنَيْ عَشَر رَجُلًا مَعَ الْإِمَامِ وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلِيلِ أَنَّ هَذَا عَدَدٌ يَصِحُّ مِنْهُمْ الِانْفِرَادُ بِالِاسْتِيطَانِ فَصَحَّ أَنْ تَنْعَقِدَ بِهِمْ الْجُمُعَةُ انْتَهَى مُخْتَصَرًا بِالْمَعْنَى.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِتَكَلُّفٍ وَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَفِي صِحَّتِهَا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ إقَامَتِهَا جَمَاعَةٌ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ أَوَّلًا أَيْ فِي وُجُوبِهَا عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ وَصِحَّتِهَا مِنْهُمْ لَا فِي حُضُورِهَا وَإِلَّا فَيَجُوزُ إذَا حَضَرَهَا اثْنَا عَشَر رَجُلًا فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَاسْتَفْسَرَهُ فَقَالَ: إنْ أَرَادَ أَنَّ عَدَدَ الْجَمَاعَةِ شَرْطُ كِفَايَةٍ فِيهَا فَلَا قَائِلَ بِهِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا لَا فِي أَدَائِهَا فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ شَرْطٌ فِي الْأَدَاءِ وَإِلَّا أَجْزَأَ الْفِعْلُ قَبْلَ وُجُوبِهِ عَنْهُ بَعْدَهُ وَإِنْ أَرَادَ صِحَّتَهَا بِاثْنَيْ عَشَر قَبْلَ إحْرَامِهَا أَوْ بَعْدَ فَهَذَا مَا تَقَدَّمَ لِلْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ انْتَهَى.
(قُلْت) لَمْ يُرِدْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ شَرْطُ كِفَايَةٍ وَلَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ دُونَ الْأَدَاءِ بَلْ أَرَادَ الْوَجْهَ الثَّالِثَ وَهُوَ أَنَّ وُجُودَهُمْ فِي الْقَرْيَةِ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَفِي الْأَدَاءِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمْ بَلْ تَصِحُّ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ فَلَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ جَمَاعَةٌ تَتَقَرَّى بِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ ثُمَّ سَافَرَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهَا مَنْ تَتَقَرَّى بِهِ فَإِنْ سَافَرُوا بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ فَلَا إشْكَالَ فِي سُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَنْ الْبَاقِينَ وَإِنْ سَافَرُوا لِمَوْضِعٍ قَرِيبٍ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَجِبُ عَلَى الْبَاقِينَ وَقَدْ قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إذَا كَانَ بِالْقَرْيَةِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ ثُمَّ تَفَرَّقُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي أَشْغَالِهِمْ مِنْ حَرْثٍ أَوْ حَصَادٍ حَتَّى لَا يَبْقَى بِهَا إلَّا الْعَدَدُ الَّذِي لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ فَكَانَ الشَّيْخُ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ يَقُولُ إذَا بَقِيَ مِنْهُمْ فِي الْقَرْيَةِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا جَمَعُوا انْتَهَى مُخْتَصَرًا فَتَأَمَّلْهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ أَيْ يُمْكِنُهُمْ الثَّوَاءُ أَيْ الْإِقَامَةُ آمِنِينَ مُسْتَغْنِينَ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي الدَّفْعِ عَنْهُمْ.
قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَابْنُ الْقَصَّارِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْبَاجِيُّ: لَا حَدَّ لِمَنْ يُقَامُ بِهِمْ بَلْ الْمُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ الْجَمَاعَةُ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُمْ الثَّوَاءُ بِهَا آمِنِينَ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى
стр. 713
الْجِهَاتِ فِي كَثْرَةِ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ فَفِي الْجِهَاتِ الْآمِنَةِ تَتَقَرَّى بِالنَّفَرِ الْيَسِيرِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِمَّا يُتَوَقَّعُ فِيهِ الْخَوْفُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الثَّوَاءُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ الْحُكْمُ فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْجِهَاتِ فَالْبِلَادُ الَّتِي سَلِمَتْ مِنْ الْفِتَنِ تَتَقَرَّى الْقَرْيَةُ فِيهَا بِجَمَاعَةٍ يَسِيرَةٍ فِي الْخُصُوصِ وَغَيْرُهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ مَعْنَى يُمْكِنُهُمْ الثَّوَاءُ يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ الْمُتَّصِلَةِ الْبُنْيَانِ كَالرَّوْحَاءِ وَمَا أَشْبَهَهَا. وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْخُصُوصِ كَانَ عَلَيْهِمْ وَالٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَقَالَ مَرَّةً: الْقَرْيَةُ الْمُتَّصِلَةُ الْبُنْيَانِ الَّتِي فِيهَا الْأَسْوَاقُ يَجْمَعُ أَهْلُهَا، وَمَرَّةً لَمْ يَذْكُرْ الْأَسْوَاقَ انْتَهَى.
قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الصَّحِيحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْأَسْوَاقِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا مَالِكٌ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِكَثْرَةِ النَّاسِ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ فَلَوْ اجْتَمَعَ مَنْ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ وَلَا سُوقَ عِنْدَهُمْ جَمَعُوا قَالَ وَأَمَّا اتِّصَالُ الْبُنْيَانِ فَشَرْطٌ فَلَوْ لَمْ تَتَّصِلْ كَدُورِ جِرْبَةَ وَدُورِ جِبَالِ الْغَرْبِ لَمْ يَجْمَعُوا. بِهَذَا وَقَعَتْ الْفُتْيَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا مِنْ الْقُرْبِ بِحَيْثُ يَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فِي ضَرُورِيَّاتِهِمْ وَالدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ جَمَعُوا؛ لِأَنَّهُمْ وَهُمْ كَذَلِكَ بِحُكْمِ الْقَرْيَةِ الْمُتَّصِلَةِ الْبُنْيَانِ انْتَهَى.
(قُلْت) مَا اسْتَظْهَرَهُ جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ فَقَالَ: وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اتِّصَالِ بُنْيَانِ الْقَرْيَةِ فَإِنْ تَفَرَّقَتْ بُيُوتُهَا بِحَيْثُ لَوْ سَافَرَ مَنْ فِي بَعْضِهَا قَصَرَ إذَا فَارَقَ بُيُوتَهُ وَإِنْ لَمْ يُفَارِقْ الْبَاقِيَ فَهَذَا تَفْرِيقٌ كَثِيرٌ يَجْعَلُهَا فِي حُكْمِ الْقُرَى وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةً فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلَةِ وَقَدْ يَخْرَبُ بَعْضُ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ فَتَنْهَدِمُ وَتَحْتَرِقُ فَيَكُونُ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْبَيْتِ هَذَا الْقَدْرُ انْتَهَى.
وَالثَّوَاءُ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمَدِّ وَأَمَّا الْتَوَى بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ وَالْقَصْرِ فَمَعْنَاهُ الْهَلَاكُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ حُكْمَ الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ حَيْثُ حَصَلَ لَهُمْ الْأَمْنُ بِمَحَلَّتِهِمْ وَأَمْكَنَهُمْ الْمُقَامُ بِمَوْضِعِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَيْضًا مَعْنَى التَّقَرِّي وَهُوَ أَنْ تُمْكِنَهُمْ الْإِقَامَةُ آمِنِينَ مُسْتَغْنِينَ عَنْ غَيْرِهِمْ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْبَاجِيِّ أَنَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلِيلِ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ عَدَدٌ يَصِحُّ مِنْهُمْ الِانْفِرَادُ بِالِاسْتِيطَانِ فَصَحَّ أَنْ تَنْعَقِدَ بِهِمْ الْجُمُعَةُ وَأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: وَأَمَّا الِاسْتِيطَانُ فَقَالَ الْبَاجِيُّ هُوَ الْإِقَامَةُ بِنِيَّةِ التَّأْبِيدِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَابْنُ الْفُرَاتِ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْحَجِّ حَقِيقَةُ التَّوَطُّنِ الْإِقَامَةُ بِعَدَمِ نِيَّةِ الِانْتِقَالِ وَلَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ حَقِيقَةِ الِاسْتِيطَانِ كَوْنُهُمْ يَخْرُجُونَ فِي أَيَّامِ الْمَطَرِ نَحْوَ الشَّهْرَيْنِ فَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ عَنْ تَعَالِيقِ أَبِي عِمْرَانَ فِي الْجَمَاعَةِ يُقِيمُونَ بِمَوْضِعٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَرْتَحِلُونَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ يُقِيمُونَ فِيهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَقَرْيَتَيْنِ إذَا حَلُّوا بِإِحْدَاهُمَا أَقَامُوا فِيهَا وَإِذَا حَلُّوا بِالْأُخْرَى أَقَامُوا فِيهَا وَلَيْسَتْ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْعُتْبِيَّةِ فِي الْقَوْمِ يَمُرُّونَ بِثَغْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ فَيُقِيمُونَ فِيهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ فَقَالَ الْبَاجِيُّ هَذِهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاسْتِيطَانِ وَقَيَّدَهَا ابْنُ رُشْدٍ بِكَوْنِ أَهْلِ الثَّغْرِ تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْعُتْبِيَّةِ لَيْسَ فِيهَا اسْتِيطَانٌ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ أَبِي عِمْرَانَ انْتَهَى.
وَقَالُوا أَيْضًا فِي شُرُوطِ التَّمَتُّعِ فِيمَنْ لَهُ أَهْلٌ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ إذَا أَقَامَ فِي إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ جُعِلَ وَطَنَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ نَاجِي الْفَتْوَى عِنْدَنَا بِإِفْرِيقِيَّةَ بِمَا فِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ.
وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يُقِيمُهَا الثَّلَاثُونَ وَمَا قَارَبَهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ «إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثُونَ بَيْتًا» وَالْبَيْتُ مَسْكَنُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ وَمَا قَارَبَهَا فَكَانَ شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ يَقُولُ كَالسَّبْعَةِ وَالْعِشْرِينَ لَا أَقَلَّ وَكَانَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ يَقُولُ كَالْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ وَالْأَقْرَبُ هُوَ الْأَوَّلُ وَبِهِ أَقُولُ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي الْعَدَدِ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ كَالْمُسَافِرِينَ وَالْعَبِيدِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَهَذَا إذَا كَمُلَ بِهِمْ عَدَدُ الْجَمَاعَةِ لَا أَنَّهُمْ
стр. 714
كُلَّهُمْ عَبِيدٌ أَوْ مُسَافِرُونَ انْتَهَى.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي لَا تُجْزِئُ الْأَرْبَعَةُ وَالْخَمْسَةُ إلَى الْعَشَرَةِ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ حَيْثُ يَسْتَغْنُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي الْأُمُورِ الْكَثِيرَةِ لَا النَّادِرَةِ بِحَيْثُ يَدْفَعُونَ كَذَلِكَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ؟ .
عَلَى قَوْلَيْنِ وَعَلَى الثَّانِي اُخْتُلِفَ فِي كَمِّيَّةِ ذَلِكَ فَفِي الْوَاضِحَةِ لَا دُونَهَا وَفِي الْمُخْتَصَرِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَمْسِينَ وَفِي اللُّمَعِ عَشَرَةٌ وَفِي غَيْرِهِ اثْنَيْ عَشَرَ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَالْمُشْتَرَطُ حُصُولُ الْعَدَدِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْعِيرِ مَا نَصُّهُ وَاخْتَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ زَادَ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ وَبِهِ قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ وَرَجَعَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ لِلْأَوَّلِ انْتَهَى.
ص (وَبِإِمَامٍ مُقِيمٍ)
ش: اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالْمُقِيمِ، الْمُسْتَوْطِنِ أَوْ الْمُقِيمِ إقَامَةً تُسْقِطُ حُكْمَ السَّفَرِ؟ .
فَأَفْتَى الشَّيْخُ نَاصِرُ الدِّينِ اللَّقَانِيُّ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَطِّنًا مُسْتَنِدًا لِمَا ذَكَرَهُ الطَّرَابُلُسِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَ كَلَامَهُ فِي التَّلْقِينِ وَنَصُّهُ: قَالَ الطَّرَابُلُسِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَغْرِبِيِّ مَا نَصُّهُ: وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَتَنْعَقِدُ بِهِ وَلَا يُصَلِّي بِهِمْ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ كَمَنْ هُوَ خَارِجَ الْبَلَدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَدُونَ.
وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُسَافِرٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ أَهْلُ الْجُمُعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَتَجِبُ بِهِمْ وَهُمْ أَهْلُ الْمِصْرِ، وَقِسْمٌ تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلَا تَجِبُ بِهِمْ وَهُمْ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ الْأَمْيَالِ، وَقِسْمٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلَا تَجِبُ بِهِمْ وَهُمْ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْأَمْيَالِ الثَّلَاثَةِ وَانْظُرْ إذَا كَانَ الْإِمَامُ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ الْأَمْيَالِ وَلَيْسَ فِي الْمِصْرِ إمَامٌ هَلْ يُقِيمُ هَذَا الَّذِي خَارِجَ الْمِصْرِ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ الْجُمُعَةَ أَمْ لَا؟ .
قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ لَا يُقِيمُهَا بِهِمْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ قَالَ الْفَقِيهُ رَاشِدٌ: يُقِيمُهَا بِهِمْ كَمَا يُصَلِّيهَا بِهِمْ الْمُسَافِرُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ لَا مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمِصْرِ مَنْ يُحْسِنُ الْخُطْبَةَ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهِمْ إمَامٌ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ اُنْظُرْ مَا مَعْنَى آخِرِ كَلَامِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ أَهْلُ قَرْيَةٍ تَوَفَّرَتْ فِيهِمْ شُرُوطُ الْجُمُعَةِ لَا مَنْ يُحْسِنُ الْخُطْبَةَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ وَيَأْتِي مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ مِنْ خَارِجِ الْقَرْيَةِ وَدَاخِلِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَجَرَتْ الْفُتْيَا فِي زَمَانِنَا هَذَا بِجَوَازِ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ الطَّرَابُلُسِيُّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ لَمْ أَرَهُ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ النُّسَخِ، وَلَعَلَّهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يُقِيمُهَا الْمُقِيمُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ شَرْطَهَا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُقِيمًا ثُمَّ يَحْكُونَ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا كَانَ مُسَافِرًا فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ مُرَادَهُمْ الْإِقَامَةُ الْمُقَابِلَةُ لِلسَّفَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْجُزُولِيِّ: كَمَا يُصَلِّيهَا بِهِمْ الْمُسَافِرُ. غَيْرُ جَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا الْخَلِيفَةَ يَمُرُّ بِقَرْيَةٍ جُمُعَةً) ش ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِالْخَلِيفَةِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا فِي تَهْذِيبِ الْبَرَاذِعِيّ فَإِنَّهُ عَبَّرَ بِالْإِمَامِ وَلَفْظُ الْأُمِّ يَدُلُّ
стр. 715
عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ خَاصًّا بِالْخَلِيفَةِ وَأَنَّ كُلَّ أَمِيرٍ إذَا مَرَّ بِقَرْيَةٍ مِمَّا فِي عَمَلِهِ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا الْجُمُعَةَ وَنَصُّهَا: قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمِيرِ الْمُؤَمَّرِ عَلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ فَيَخْرُجُ فِي عَمَلِهِ مُسَافِرًا: إنَّهُ إنْ مَرَّ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهُ يُجْمَعُ فِي مِثْلِهَا الْجُمُعَةُ جَمَعَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ وَكَذَلِكَ إنْ مَرَّ بِمَدِينَةٍ مِنْ الْمَدَائِنِ فِي عَمَلِهِ جَمَعَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ فَإِنْ جَمَعَ فِي قَرْيَةٍ لَا يَجْمَعُ فِيهَا أَهْلُهَا لِصِغَرِهَا فَلَا تُجْزِئُهُمْ وَإِنَّمَا كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْمَعَ فِي الْقُرَى الَّتِي يُجْمَعُ فِي مِثْلِهَا إذَا كَانَ فِي عَمَلِهِ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا؛ لِأَنَّهُ إمَامُهُمْ انْتَهَى.
ص (وَوَجَبَ انْتِظَارُهُ لِعُذْرٍ قَرُبَ عَلَى الْأَصَحِّ)
ش: عَزَا هَذَا الْقَوْلَ فِي التَّوْضِيحِ لِابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ أَبِي حَازِمٍ وَاسْتَظْهَرَهُ وَلَهُمَا عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَزَا الِاسْتِخْلَافَ لِمَالِكٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ لَكِنْ ذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ ابْنِ الْجَلَّابِ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ إنْ كَانَ قَرِيبًا قَالَ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَنَحْوُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَلَكِنَّ صَاحِبَ الطِّرَازِ جَعَلَهُ تَفْسِيرًا فَلِذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْكَرُوفِ فِي الْوَافِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (مِمَّا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ خُطْبَةً)
ش: جَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ أَقَلَّهَا حَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَتَحْذِيرٌ وَتَبْشِيرٌ وَيَقْرَأُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ وَيَقْرَأُ فِي خُطْبَتِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ أَعَادَ الْخُطْبَةَ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَأَجْزَأَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ حَكَى الْمُؤَرِّخُونَ عَنْ عُثْمَانَ كِذْبَةً عَظِيمَةً أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَارْتَجَّ عَلَيْهِ فَقَالَ كَلَامًا مِنْ جُمْلَتِهِ وَأَنْتُمْ أَحْوَجُ إلَى إمَامٍ فَعَّالٍ مِنْكُمْ إلَى إمَامٍ قَوَّالٍ أَقُولُ يَاللَّهُ وَلِلْعُقُولِ، إنْ قُلْنَا الْيَوْمَ لَا يُرْتَجُّ عَلَيْهِ فَكَيْفَ عُثْمَانُ لَا سِيَّمَا وَأَقْوَى أَسْبَابِ الْحَصْرِ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يُرْضِي السَّامِعِينَ وَيُمِيلُ قُلُوبَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ الظُّهُورَ عِنْدَهُمْ وَمَنْ كَانَتْ خُطْبَتُهُ لِلَّهِ فَلَيْسَ يُحْصَرُ عَنْ حَمْدٍ وَصَلَاةٍ وَحَضٍّ عَلَى خَيْرٍ وَتَحْذِيرٍ مِنْ شَرِّ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَلَا يُحْصَرُ إلَّا مَنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ غَيْرُ الْخَيْرِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ ذِكْرِ خَطِيبِ الصَّلَاةِ فِي خُطْبَتِهِ الصَّحَابَةَ وَالسُّلْطَانُ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ سُئِلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ مَسْأَلَةٍ حَاصِلُهَا مَا حُكْمُ ذِكْرِ خَطِيبِ الصَّلَاةِ فِي خُطْبَتِهِ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَالسُّلْطَانَ - سَدَّدَهُ اللَّهُ - وَمَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَمَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ شَرْعٌ لَا يُخَالَفُ أَوْ وَاجِبٌ لَا يُتْرَكُ وَجَوَابُهَا أَنَّ نَقُولَ: أَمَّا بِدْعَةُ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ فَهَذَا عِنْدِي جَائِزٌ حَسَنٌ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَعْظِيمِ مَنْ عُلِمَ تَعْظِيمُهُ مِنْ الشَّرِيعَةِ ضَرُورَةً وَنَظَرًا وَلَا سِيَّمَا إذَا مَزَجَ ذَلِكَ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ نُصْرَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَذْلِ نُفُوسِهِمْ فِي إظْهَارِ الدِّينِ وَأَمَّا بِدْعَةُ ذِكْرِ السَّلَاطِينِ بِالدُّعَاءِ وَالْقَوْلِ السَّالِمِ مِنْ الْكَذِبِ فَأَصْلُ وَضْعِهَا فِي الْخُطْبَةِ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ مَرْجُوحٌ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَمْ يَشْهَدْ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِ حُسْنِهَا فِيمَا أَعْلَمُ.
وَأَمَّا بَعْدَ إحْدَاثِهَا وَاسْتِمْرَارِهَا فِي الْخُطَبِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَصَيْرُورَةِ عَدَمِ ذِكْرِهَا مَظِنَّةَ اعْتِقَادِ السَّلَاطِينِ فِي الْخَطِيبِ مَا يُخْشَى غَوَائِلُهُ وَلَا تُؤْمَنُ عَاقِبَتُهُ فَذِكْرُهُمْ فِي الْخُطَبِ رَاجِحٌ أَوْ وَاجِبٌ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ وَأَمَّا الدُّعَاءُ لِلسَّلَاطِينِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ هُوَ مُحْدَثٌ.
وَقَالَ فِي الرَّوْضِ لِابْنِ الْمُقْرِي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُخْتَارُ لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ لِلسَّلَاطِينِ قَالَ فِي شَرْحِهِ: مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُجَاوَزَةٌ فِي وَصْفِهِ؛ إذْ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بِصَلَاحِ السُّلْطَانِ انْتَهَى.
ص (تَحْضُرُهُمَا الْجَمَاعَةُ)
ش: يُرِيدُ وُجُوبًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَاللَّخْمِيُّ لَا نَصَّ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُهُ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فِي وُجُوبِهِ قَوْلَانِ لَهَا وَلِغَيْرِهَا وَقَالَ الْبَاجِيُّ الْوُجُوبُ نَصُّهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا لَا يُجْمَعُ إلَّا بِجَمَاعَةٍ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَصَوَّبَهُ عِيَاضٌ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ
стр. 716
صَاحِبُ الطِّرَازِ الَّذِي حَكَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ مُقْتَضَى الْكِتَابِ ثُمَّ جَعَلَهُ الْمَذْهَبَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَوْجِيهِهِ: وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ قَوْلُهُ ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلَمْ يُصَلِّ ﷺ قَطُّ جُمُعَةً إلَّا بِخُطْبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ؛ وَلِأَنَّ الْغَرَضَ الْمَوْعِظَةُ وَالتَّذْكِيرُ وَذَلِكَ يُنَافِي كَوْنَهُ وَاحِدَةً.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْجَمَاعَةِ لِلْعَهْدِ فَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ لَا تُجْزِئُ الْجُمُعَةُ إلَّا بِهِمْ وَهُوَ الِاثْنَا عَشَرَ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَإِنْ فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةٌ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ خَطَبَ وَإِلَّا انْتَظَرَ الْجَمَاعَةَ.
(الثَّانِي) مِنْ شَرْطِهَا اتِّصَالُهَا بِالصَّلَاةِ وَاسْتِمَاعُهَا.
ص (وَاسْتَقْبَلَهُ غَيْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ) ش ظَاهِرُ كَلَامِهِ وُجُوبُ اسْتِقْبَالِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا وَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ قَطْعُ الْكَلَامِ وَاسْتِقْبَالُهُ وَالْإِنْصَاتُ إلَيْهِ فَقَوْلُهُ مَعَ الْإِنْصَاتِ وَهُوَ وَاجِبٌ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وُجُوبَ اسْتِقْبَالِ الْخَطِيبِ مَنْ بِالْمَسْجِدِ وَخَارِجَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ ابْنُ حَبِيبٍ بِوُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ عَنْ مَالِكٍ كَالْإِنْصَاتِ كَظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّخْمِيِّ وَكَانَ شَيْخُنَا ﵀ يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ يَحْمِلُ قَوْلَهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَيَقُولُ: إنَّ الْمَذْهَبَ كَذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ لَا يُحْفَظُ وُجُوبُهُ عَنْ أَحَدٍ، وَصَرَّحَ مَالِكٌ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَدَبِ مَعَ الْإِمَامِ وَتَرْكُهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ وَلَا يُفَوِّتُ وَاجِبًا كَالنَّظَرِ إلَى الْإِمَامِ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ بِنَصِّ مَالِكٍ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُوَطَّإِ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسُ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ مَنْ كَانَ يَلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَهَا قَالَ الْبَاجِيُّ عَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَعَمَلُ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ تَرَكَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتَقْبَلَهُمْ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي وَعْظِهِمْ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَقْبِلُوهُ إجَابَةً لَهُ وَطَاعَةً وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَلْزَمُ اسْتِقْبَالُ الْإِمَامِ مَنْ لَا يَسْمَعُهُ وَلَا يَرَاهُ مِمَّنْ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَخَارِجَهُ وَلِلْمُسْتَقْبِلِ أَنْ يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا زَادَ ابْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَهُ أَنْ يَلْتَفِتَ وَإِنْ حَوَّلَ ظَهْرَهُ إلَى الْقِبْلَةِ انْتَهَى.
(قُلْت) فَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ قَوْلَ السُّنَّةِ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ حَمَلَهُ عَلَى مُوَافَقَةِ ابْنِ حَبِيبٍ فَتَحَصَّلَ فِي وُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ طَرِيقَانِ الْأَكْثَرُ عَلَى وُجُوبِهِ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفَ فِي اسْتِثْنَاءِ مَنْ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ اللَّخْمِيُّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَجَعَلَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِيتُ خِلَافَ الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ الْمَغْرِبِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ السَّطِّيُّ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ كَغَيْرِهِ فَمَا ذَكَرَهُ خِلَافُهَا انْتَهَى.
(قُلْت) : وَكَلَامُ الْمُوَطَّإِ نَصٌّ أَوْ كَالنَّصِّ فِي خِلَافِ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَتْ الْمُكَلَّفَ وَفِي وُجُوبِ قِيَامِهِ لَهُمَا تَرَدُّدٌ)
ش: أَيْ طَرِيقَانِ: الْأَكْثَرُ عَلَى وُجُوبِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي كَوْنِ قِيَامِ الْخَطِيبِ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً طَرِيقَانِ: الْأَكْثَرُ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ انْتَهَى.
(قُلْت) وَفِي عَزْوِهِ الطَّرِيقَةَ الثَّانِيَةَ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَحْدَهُ نَظَرٌ، فَقَدْ وَافَقَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَلَى ذَلِكَ وَتَبِعَ الْقَاضِيَ عَلَى ذَلِكَ الْبَاجِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَتْ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ الذَّكَرَ بِلَا عُذْرٍ الْمُتَوَطِّنَ وَإِنْ بِقَرْيَةٍ نَائِيَةٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ حُرٍّ بَالِغٍ يُدْرِكُهُ الزَّوَالُ فِي مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ غَيْرَ مُسَافِرٍ.
وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إتْيَانِهَا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ بِفِعْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا لَهَا مُسْتَكْبِرًا عَنْهَا وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَاسِقٌ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ وَقِيلَ ذَلِكَ فِيمَنْ تَرَكَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ
стр. 717
غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا عُذْرٍ انْتَهَى.
وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ شُهُودُ الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ وَمَنْ تَرَكَهَا مِرَارًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ حَكَى فِي تَرْكِهَا الْقَتْلَ وَسَمِعْت أَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلًا ضَعِيفًا فِي قَتْلِهِ وَأَمَّا الْمُعَاقَبَةُ فَمِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الْإِمَامَ يُعَزِّرُهُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الشُّرْبِ وَرَأَيْت فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مَا نَصُّهُ: قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي تَارِكِ الْجُمُعَةِ بِقَرْيَةٍ يُجْمَعُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَلَا مَرَضٍ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ قَالَ سَحْنُونٌ إذَا تَرَكَهَا ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ لِلْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ قَالَ أَصْبَغُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَتْرُك الْجُمُعَةَ نَرَى أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ لَهُ عُذْرًا وَيُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ وَيُكْشَفُ فَإِنْ عُلِمَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ وَجَعٍ أَوْ أَمْرٍ أَوْ اخْتِفَاءٍ مِنْ دَيْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَأَرَى أَنْ لَا تُرَدَّ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ رَأَيْت أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى الدِّينِ وَلَا عَلَى الْجُمُعَةِ لِبُرُوزِهِ فِي الصَّلَاحِ وَعِلْمِهِ فَهُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ.
قَالَ أَصْبَغُ وَالْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ إذَا تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ تَهَاوُنًا بِهَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَلَا يُنْظَرُ بِهَا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْفَرِيضَةِ مَرَّةً وَثَلَاثًا وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ سَوَاءٌ هِيَ فَرِيضَةٌ مَفْرُوضَةٌ مُفْتَرَضٌ إتْيَانُهَا كَفَرِيضَةِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا فَلَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا مُتَعَمِّدًا مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يُنْتَظَرْ بِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّارِكِ أَصْلًا لِلْأَبَدِ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ لِلَّهِ فِي قَلِيلِ فِعْلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ وَمُتَعَدٍّ لِحُدُودِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤] وَاَلَّذِي قِيلَ فِيمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا: طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِثْمِ وَالنِّفَاقِ وَيُنْتَظَرُ فِي الثَّالِثَةِ التَّوْبَةُ فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي التَّرْكِ لَهُ عَمَلًا وَلَا فِي إبْطَالِ شَهَادَتِهِ لَا بَلْ تُطْرَحُ شَهَادَتُهُ وَيُوقَفُ وَيُعَاقَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ مِمَّنْ مَضَى مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْجُمُعَةِ أَنَّ مَنْ وُجِدَ لَمْ يَشْهَدْ الْجُمُعَةَ رُبِطَ فِي عَمُودٍ وَعُوقِبَ وَأُرَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ قَوْلُ سَحْنُونٍ: إنَّ شَهَادَةَ التَّارِكِ بِقَرْيَةٍ تُجْمَعُ فِيهَا الْجُمُعَةُ لَا تُرَدُّ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ أَظْهَرُ مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْبَغُ مِنْ أَنَّهَا تُرَدُّ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَمَعْنَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْلَمُ لَهُ فِي ذَلِكَ عُذْرٌ وَلَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ إذَا تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ لَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْعُذْرِ بِخِلَافِ مَنْ عُلِمَ بِالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ وَلَيْسَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُون مُخَالِفًا لِقَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ قَوْلَ سَحْنُونٍ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ أَصْبَغَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْلَمُ مِنْ مُوَاقَعَةِ الذُّنُوبِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ أَنْ لَا يُجْرَحَ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ بِمَا دُونَ الْكَبَائِرِ مِنْ الذُّنُوبِ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا صَغَائِرُ بِإِضَافَتِهَا إلَى الْكَبَائِرِ إلَّا أَنْ يُكْثِرَ مِنْهَا فَيُعْلَمُ أَنَّ غَيْرَ الصَّغَائِرِ لَا تُخْرِجُ الْعَدْلَ عَنْ عَدَالَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ مُتَهَاوِنٌ بِهَا وَغَيْرَ مُتَوَقٍّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ حَدِّ الْعَدَالَةِ وَلِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ بِطَابَعِ النِّفَاقِ» دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي عِظَمِ الْإِثْمِ وَكَثْرَةِ الْوَعِيدِ فَوَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ ذَلِكَ بِالصَّغَائِرِ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَةُ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً اشْتِغَالًا بِمَا سِوَاهَا مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ فَيَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ أَنَّهُ مُتَهَاوِنٌ بِدِينِهِ غَيْرُ مُتَوَقٍّ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تَارِكِ صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَا يَجِبُ أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَكْثُرَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ وَاحْتِجَاجُ أَصْبَغَ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٤] الْآيَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ وَتَعَدَّى حُدُودَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ إنَّمَا هُوَ مِنْ صِفَةِ الْكُفَّارِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْبَغَ شَبَّهَ تَرْكَ الْجُمُعَةِ بِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ
стр. 718
وَقْتُهَا فِي أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُؤَخَّرُ فَكَذَلِكَ تَارِكُ الْجُمُعَةِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَلَا يُؤَخَّرُ وَلَمْ يُشَبِّهْ تَرْكَ الْجُمُعَةِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ قَالَ مُطَرِّفٌ إذَا تَرَكَهَا مِرَارًا وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ عُذْرٌ فِي ذَلِكَ فَشَهَادَتُهُ مَطْرُوحَةٌ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ عُذْرٌ وَيَظْهَرَ وَلَا يُعْذَرُ فِي ذَلِكَ بِجَهَالَةٍ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ هَذَا لَا يَظْهَرُ فِيهِ الْعُذْرُ لِلنَّاسِ وَالْمَرْءُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَقَدْ يَكُونُ بِحَالٍ لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِذَلِكَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ إلَّا أَنْ يَتْرُكَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ وَلَيْسَ يَخْفَى مِثْلُ هَذَا عَلَى النَّاسِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُحَرِّقَ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا بَيْتَهُ هِيَ الْجُمُعَةُ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْفَضْلِ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَعَنْ عَفَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ انْتَهَى. ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الرَّابِعِ لِصَفْوَانَ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ وَتَرَكَهَا مَرَّاتٍ ثَلَاثًا أَوْ غَيْرَهَا وَصَلَّى فِي بَيْتِهِ الظُّهْرَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إتْيَانِ الْجُمُعَةِ لَا عُذْرَ لَهُ يَحْبِسُهُ عَنْهَا أَنَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ إذَا كَانَ مُقِرًّا أَوْ مُتَأَوِّلًا وَلَكِنَّهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ فَاسِقٌ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ لَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ وَهُوَ كَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا وَهُوَ يُقِرُّ بِهِ انْتَهَى.
فَانْظُرْ قَوْلَهُ كَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا وَهُوَ يُقِرُّ بِهِ.
وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِالتَّشْبِيهِ بِهِ مِنْ حَيْثِيَّةِ عَدَمِ كُفْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ الصَّلَاةُ فِي أَيَّامِ مِنًى بِمِنًى]
(فَرْعٌ) قَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ ثُمَّ حَبَسَهُ كَرِيهٌ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِمَكَّةَ حَتَّى يُصَلِّيَ أَهْلُ مَكَّةَ الْجُمُعَةَ قَالَ أَرَى عَلَيْهِ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُقِيمًا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَلْحَقُ الْإِمَامَ فَإِنْ أَدْرَكَ الظُّهْرَ بِمِنًى وَإِلَّا صَلَّى فِي الطَّرِيقِ أَفْضَلُ انْتَهَى.
فَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ أَفْضَلُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَيَّامِ مِنًى بِمِنًى أَفْضَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بِكَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ)
ش: أَتَى بِالْكَافِ لِيُنَبِّه عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَمْيَالٍ تَقْرِيبٌ لَا تَحْدِيدٌ فَلِذَا لَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ زِيَادَةً يَسِيرَةً تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهَلْ الثَّلَاثَةُ تَحْدِيدٌ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ زَادَ عَلَيْهَا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ أَوْ تَقْرِيبٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فَتَجِبُ؟ قَوْلَانِ انْتَهَى.
يُشِيرُ إلَى قَوْلِهَا: وَيَجِبُ إتْيَانُ الْجُمُعَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ قَالَ ابْنُ نَاجِي فَسَّرَ الْمَغْرِبِيُّ الزِّيَادَةَ الْيَسِيرَةَ بِرُبْعِ الْمِيلِ وَثُلُثِهِ قَالَ وَسَأَلْت شَيْخَنَا لِمَ اعْتَبَرَ فِي الْكِتَابِ الزِّيَادَةَ الْيَسِيرَةَ مَعَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَمْيَالِ هُوَ الَّذِي يَبْلُغُهُ الصَّوْتُ الرَّفِيعُ فَقَالَ إنَّمَا هُوَ تَحْقِيقٌ لِلثَّلَاثَةِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ بِكَفَرْسَخٍ مُتَعَلِّقٌ بِنَائِيَةٍ أَيْ بَعِيدَةٍ مِنْ النَّأْيِ وَهُوَ الْبَعْدُ وَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِثَانِيَةٍ وَكَأَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الشَّارِحِ كَذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ الْجُزُولِيُّ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ وَمَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهُ هُوَ الْمُرَاعَى شَخْصُهُ أَوْ مَسْكَنُهُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَسْكَنُهُ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ الْأَمْيَالِ أَوْ كَانَ مَنْزِلُهُ خَارِجَ الثَّلَاثَةِ الْأَمْيَالِ وَأَخَذَهُ الْوَقْتُ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ الْأَمْيَالِ الشَّيْخُ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ وَيَجِبُ عَلَى الثَّانِي هَكَذَا حُكْمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ طَالَ عَهْدِي بِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ انْتَهَى كَلَامُ الْجُزُولِيِّ وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ أَبْعَدَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَكَانَ فِي وَقْتِ السَّعْيِ فِي ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَإِنْ كَانَ مُجْتَازًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ السَّعْيُ وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فَلَهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) هَذَا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَنْزِلِهِ وَالْجَامِعِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ أَبِي أُوَيْسِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
ص (كَانَ أَدْرَكَ الْمُسَافِرُ النِّدَاءَ قَبْلَهُ) ش نَحْوُهُ فِي ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُهُ تَعْلِيقُ الرُّجُوعِ بِأَنْ يُدْرِكَهُ الْأَذَانُ لَا بِالزَّوَالِ
стр. 719
فَلَوْ زَالَتْ الشَّمْسُ وَلَمْ يَسْمَعْ النِّدَاءَ لَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الطِّرَازِ فَقَالَ وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَزَالَتْ قَبْلَ أَنْ يُجَاوِزَ الثَّلَاثَةَ الْأَمْيَالِ فَإِنْ لَمْ يُؤَذَّنْ لِلْجُمُعَةِ حَتَّى جَاوَزَ الثَّلَاثَةَ الْأَمْيَالِ تَمَادَى وَذَلِكَ تَخْفِيفٌ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَذَانِ وَوَقْتَ ابْتِدَاءِ السَّفَرِ لَمْ تَجِبْ الْجُمُعَةُ فَلَا يُرَاعَى الْوَقْتُ بِمُجَرَّدِهِ وَإِنْ أُذِّنَ لَهَا قَبْلَ الثَّلَاثَةِ الْأَمْيَالِ قَالَ الْبَاجِيُّ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ وَفِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى.
ثُمَّ وَجَّهَ النَّظَرَ بِنَحْوِ مَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ وَنَصُّ كَلَامِ الْبَاجِيِّ: فَإِنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأُذِّنَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ نُودِيَ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ بِمَوْضِعٍ يَلْزَمُ مِنْهُ إتْيَانُ الْجُمُعَةِ انْتَهَى.
وَعَلَّقَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ عَرَفَةَ بِدُخُولِ الْوَقْتِ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَلَوْ أَنْشَأَ السَّفَرَ فَحَضَرَ الْوَقْتُ قَبْلَ أَنْ يُجَاوِزَ الثَّلَاثَةَ الْأَمْيَالِ فَقَالَ الْبَاجِيُّ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ لُزُومُ الْجُمُعَةِ لَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ رَفَضَ الْإِقَامَةَ وَحَصَلَ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ نِيَّةً وَفِعْلًا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي لُزُومِهَا الْمُسَافِرَ قَبْلَ وَقْتِ الْمَنْعِ فَأَدْرَكَهُ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ قَوْلَا الْبَاجِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ الْأَمْرُ بِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهَذَا إذَا كَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُدْرِكُهَا أَوْ يُدْرِكُ رَكْعَةً مِنْهَا وَأَمَّا إنْ كَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ رُجُوعَهُ لَا يُدْرِكُ بِهِ شَيْئًا فَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَمْرِ بِهِ انْتَهَى، وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (لَا بِالْإِقَامَةِ إلَّا تَبَعًا)
ش: قَالَ فِي الْمُنْتَقَى الْإِقَامَةُ اعْتِقَادُ الْمَقَامِ بِمَوْضِعٍ مُدَّةً يَلْزَمُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ بِهَا وَالِاسْتِيطَانُ نِيَّةُ التَّأْبِيدِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ مَا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ فَإِنْ حَضَرَهَا صَحَّتْ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ حُضُورُهَا قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: قَالَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ إذَا كَانَ لَا مَضَرَّةَ عَلَيْهِ فِي الْحُضُورِ وَلَا يَشْغَلُهُ عَنْ حَوَائِجِهِ انْتَهَى.
ص (وَنُدِبَ تَحْسِينُ هَيْئَةٍ وَجَمِيلُ ثِيَابٍ) ش قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَتُسْتَحَبُّ الزِّينَةُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَالْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَالِاسْتِحْدَادُ وَالسِّوَاكُ وَجَمِيلُ الثِّيَابِ انْتَهَى، وَقَالَهُ فِي الطِّرَازِ.
ص (وَمَشْيٌ)
ش: قَالَ فِي الْمُنْتَقَى فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالرَّوَاحِ إلَيْهَا وَالْمَشْيُ إلَى الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ إلَّا أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَاءٌ أَوْ طِينٌ أَوْ بُعْدُ مَكَان وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ أَدْرَكَنِي أَبُو عِيسَى وَأَنَا ذَاهِبٌ إلَى الْجُمُعَةِ فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ» انْتَهَى.
ص (وَتَهْجِيرٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ التَّهْجِيرَ مُسْتَحَبٌّ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ التَّبْكِيرِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَهَذَا وَاضِحٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ وَلَا الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ بَهْرَامُ فِي شُرُوحِهِ لِبَيَانِ وَقْتِ التَّهْجِيرِ الْمَطْلُوبِ وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَنَصُّهُ قَالَ فِي الْجَلَّابِ: التَّهْجِيرُ أَفْضَلُ مِنْ التَّبْكِيرِ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ هَلْ أَوَّلُهُ الْفَجْرُ أَوْ الشَّمْسُ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ ﵇ فِي الْمُوَطَّإِ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» فَحَمَلُوا السَّاعَةَ عَلَى الْعَادِيَّةِ وَقَسَّمَ مَالِكٌ السَّاعَةَ السَّادِسَةَ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ فَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ الرَّوَاحَ لُغَةً لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ
стр. 720
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] فَالْمَجَازُ لَازِمٌ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ وَمَذْهَبُنَا أَقْرَبُهُمَا لِلْحَقِيقَةِ فَيَكُونُ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّهُ عَقَّبَ الْخَامِسَةَ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ بَعْدَ الْخَامِسَةِ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ وَإِلَّا لَوَقَعَتْ الصَّلَاةُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَإِذَا بَطَلَ أَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ تَعَيَّنَ الْآخَرُ؛ إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ وَتَقْسِيمُ السَّادِسَةِ لِصَاحِبِ الْمُنْتَقَى وَصَاحِبِ الِاسْتِذْكَارِ وَالْعَبْدِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ وَقَالَ اللَّخْمِيّ وَابْنُ بَشِيرٍ وَصَاحِبُ الْمُعْلِمِ وَابْنُ يُونُسَ وَجَمَاعَةٌ: التَّقْسِيمُ فِي السَّابِعَةِ وَالْمَوْجُودُ لِمَالِكٍ إنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ أَرَى هَذِهِ السَّاعَاتِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ «كُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْجُدْرَانُ لَيْسَ لَهَا فَيْءٌ»
وَإِذَا كَانَ ﵇ يَخْرُجُ فِي أَوَّلِ السَّابِعَةِ وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ «فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَخْرُجُ فِي أَوَّلِ السَّابِعَةِ بَطَلَ الْحَدِيثُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ تِلْكَ الْأَزْمِنَةَ فِي غَايَةِ الصِّغَرِ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ يَأْبَاهُ وَالْقَوَاعِدَ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَةَ وَالْبَيْضَةَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مِنْ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ وَتَحَمُّلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ الْمَشَقَّةِ مَا يَقْتَضِي هَذَا التَّفْصِيلَ وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِلْحَدِيثِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ صَاحِبِ الْمُنْتَقَى هُوَ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ وَنَصُّهُ: ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَّ هَذِهِ أَجْزَاءٌ مِنْ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَلَمْ يَرَ التَّبْكِيرَ لَهَا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي السَّاعَاتِ الْمَعْلُومَاتِ، وَأَنَّ أَفْضَلَ الْأَوْقَاتِ فِي ذَلِكَ أَوَّلُ سَاعَةِ النَّهَارِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ السَّاعَةَ السَّادِسَةَ مِنْ النَّهَارِ لَمْ يَذْكُرْ فَضِيلَةَ مَنْ جَاءَ فِيهَا وَلَيْسَتْ بِوَقْتِ قُعُودِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَا بِوَقْتِ اسْتِمَاعِ الذِّكْرِ مِنْهُ وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَرْتَفِعُ فَضِيلَةُ الرَّوَاحُ وَتَحْضُرُ الْمَلَائِكَةُ لِلذِّكْرِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِالسَّاعَةِ الْخَامِسَةِ وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ السَّاعَةَ الْخَامِسَةَ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ السَّاعَةَ السَّادِسَةَ تَصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الذِّكْرِ، وَإِذَا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ أَجْزَاءٌ مِنْ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَتِلْكَ السَّاعَةُ يَصِحُّ تَجْزِئَتُهَا عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ وَدَلِيلٌ ثَانٍ أَنَّهُ « ﷺ قَالَ: ثُمَّ رَاحَ» . وَالرَّوَاحُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَاقْتَصَرَ الْجُزُولِيُّ فِي أَحَدِ شُرُوحِهِ عَلَى الرِّسَالَةِ عَلَى نَقْلِ كَلَامِ الْبَاجِيِّ وَأَمَّا عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ نَاجِي فَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِتَبْيِينِ الْوَقْتِ.
وَقَوْلُ الْقَرَافِيِّ وَالْمَوْجُودُ لِمَالِكٍ إنَّمَا هُوَ إلَى آخِرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ مَالِكٍ نَصٌّ عَلَى أَنَّهَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَقَدْ وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَبَيَّنَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ فَتَقَوَّى الْقَوْلُ الَّذِي صَحَّحَهُ الْقَرَافِيُّ وَزَادَ صِحَّةً عَلَى صِحَّةٍ بِوُرُودِ النَّصِّ عَنْ مَالِكٍ عَلَى وَقْفِهِ وَتَقْرِيرِ ابْنِ رُشْدٍ لَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّ وَقْتَ الرَّوَاحِ يَدْخُلُ بِأَوَّلِ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّ التَّهْجِيرَ يَكُونُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيُرْجَعُ فِي قَدْرِ ذَلِكَ إلَى مَا اتَّصَلَ بِهِ الْعَمَلُ كَمَا سَيَأْتِي وَنَصُّهُ مَسْأَلَةٌ.
وَسُئِلَ عَنْ التَّهْجِيرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ نَعَمْ يُهَجِّرُ بِقَدَرٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وَقَالَ ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَغْدُونَ إلَى الْجُمُعَةِ هَكَذَا وَأَنَا أَكْرَهُ هَذَا الْقَدْرَ هَكَذَا حَتَّى إنَّ الْمَرْءَ لَا يُعْرَفُ بِهِ وَأَنَا أَخَافُ عَلَى هَذَا الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَهُ شَيْءٌ وَأَنْ يُحِبَّ أَنْ يُعْرَفَ بِهِ فَأَنَا أَكْرَهُهُ وَلَا أُحِبُّهُ وَلَكِنْ رَوَاحًا بِقَدَرٍ وَقَدْ سَمِعْت السَّائِلَ يَسْأَلُ رَبِيعَةَ يَقُولُ لَأَنْ أُلْقَى فِي طَرِيقِ الْمَسْجِدِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُلْقَى فِي طَرِيقِ السُّوقِ فَقِيلَ لِمَالِكٍ مَا تَقُولُ أَنْتَ فِي هَذَا؟ .
فَقَالَ هَذَا مَا لَا يَجِدُ أَحَدٌ مِنْهُ بُدًّا قِيلَ لَهُ أَفَتَرَى أَنْ يَرُوحَ قَبْلَ الزَّوَالِ؟ .
قَالَ نَعَمْ فِي رَأْيِي.
قِيلَ لَهُ: أَتُهَجِّرُ بِالرَّوَاحِ إلَى الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ .
فَقَالَ: نَعَمْ، فِي ذَلِكَ سَعَةٌ.
قَالَ الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ كَرِهَ مَالِكٌ الْغُدُوَّ بِالرَّوَاحِ إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ
стр. 721
ذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ الْمَعْمُولِ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا لَا يَغْدُونَ إلَى الْجُمُعَةِ فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُرِدْ بِالْخَمْسِ سَاعَاتٍ فِي قَوْلِهِ: «ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ سَاعَاتِ النَّهَارِ الْمَعْلُومَةَ مِنْ أَوَّلِهَا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَأَنَّهُ إنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ سَاعَةَ الرَّوَاحِ وَهِيَ الَّتِي تَتَّصِلُ بِالزَّوَالِ وَقْتَ خُرُوجِ الْإِمَامِ فَهِيَ الَّتِي تَنْقَسِمُ عَلَى الْخَمْسِ فَيَكُونُ الرَّائِحُ فِي الْأُولَى مِنْهَا كَالْمُهْدِي بَدَنَةً وَفِي الثَّانِيَةِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً وَفِي الثَّالِثَةِ كَالْمُهْدِي كَبْشًا أَقْرَنَ وَفِي الرَّابِعَةِ كَالْمُهْدِي دَجَاجَةً وَفِي الْخَامِسَةِ كَالْمُتَّصِلَةِ بِالزَّوَالِ وَخُرُوجِ الْإِمَامِ كَالْمُهْدِي بَيْضَةً وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ السَّاعَةُ مُنْقَسِمَةً عَلَى الْخَمْسِ سَاعَاتِ مَحْدُودَةً بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ النَّهَارِ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَيُعْلَمُ حَدُّهَا حَقِيقَةً وَجَبَ أَنْ يُرْجَعَ فِي قَدْرِهَا إلَى مَا اتَّصَلَ بِهِ الْعَمَلُ وَأَخَذَهُ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ فَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ يُهَجِّرُ بِقَدَرٍ أَيْ يَتَحَرَّى قَدْرَ تَهْجِيرِ السَّلَفِ فَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ فَيَغْدُو مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ شَذَّ عَنْهُمْ فَصَارَ كَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ الْحَدِيثِ مَا لَمْ يَفْهَمُوهُ أَوْ رَغِبَ مِنْ الْفَضِيلَةِ مَا لَمْ يَرْغَبُوهُ انْتَهَى.
وَقَدْ أَغْفَلَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْبِسَاطِيُّ هَذِهِ النُّقُولَ وَاقْتَصَرَا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ.
وَنَصُّ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَفِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَكَرَاهَتِهِ قَوْلَا ابْنِ حَبِيبٍ وَمَالِكٍ انْتَهَى.
وَفِي إطْلَاقِهِ التَّبْكِيرَ عَلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ مُسَامَحَةٌ وَنَصُّ الْبِسَاطِيِّ وَأَمَّا مَنْدُوبِيَّةُ التَّهْجِيرِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْ السَّاعَةِ الْأُولَى.
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا: إنَّ السَّاعَةَ الْأُولَى فِي الْحَدِيثِ طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ كَذَلِكَ وَقَالَ مَالِكٌ: السَّاعَةُ الَّتِي بَعْدَ الزَّوَالِ تَنْقَسِمُ سَاعَاتٍ انْتَهَى.
وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا تَقَدَّمَ؛ وَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ الْإِمَامِ بِأَثَرِ الزَّوَالِ فِي أَوَّلِ السَّابِعَةِ وَصَرَّحَ الرَّجْرَاجِيُّ بِمَشْهُورِيَّتِهِ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ مُشْكِلَاتِ الْمُدَوَّنَةِ: اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِ التَّبْكِيرِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا أَنَّهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ قَبْلَ الزَّوَالِ انْتَهَى.
ص (وَسَلَامُ خَطِيبٍ لِخُرُوجِهِ لَا صُعُودِهِ)
ش: ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ أَنَّ الْخَطِيبَ وَالْمُؤَذِّنَ الَّذِي يُنَاوِلُهُ الْعَصَا يُسَلِّمَانِ إذَا دَخَلَا فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَكُونُ مَعَ الْخَطِيبِ مُؤَذِّنٌ يُنَاوِلُهُ الْعَصَا وَقَالَ فِي اللُّبَابِ: مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ سَلَامُ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ إذَا رَقِيَ الْمِنْبَرَ انْتَهَى.
ص (وَجُلُوسِهِ أَوَّلًا وَبَيْنَهُمَا) ش أَمَّا الْجُلُوسُ الثَّانِي فَلَمْ أَرَ مَنْ حَكَى فِيهِ قَوْلًا بِالِاسْتِحْبَابِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ الْمَشْهُورَ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَنُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ فِيهِ قَوْلًا بِالِاسْتِحْبَابِ وَلَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ شَهَّرَهُ وَحَكَى فِيهِ ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلًا بِالْوُجُوبِ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْحَاصِلُ أَنْ كُلًّا مِنْ الْجَلْسَتَيْنِ سُنَّةٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ فِي تَبْصِرَتِهِ وَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ جَلَسَ حَتَّى يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ يَجْلِسُ إذَا صَعِدَ لِلْخُطْبَةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ؟ .
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَجْلِسُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: لَا يَجْلِسُ وَإِنَّمَا يَجْلِسُ فِي الْجُمُعَةِ انْتِظَارًا لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَفْرُغَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَكَانَ يَرَى إذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ خَطَبَ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُ فِيهِمَا مُؤَذِّنًا.
قَالَ الشَّيْخُ: قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ جُلُوسَهُ ذَلِكَ أَهْدَى لِمَا يُرِيدُ أَنْ يَفْتَتِحَهُ وَفِيهِ زِيَادَةُ وَقَارٍ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِ خُطْبَتِهِ وَفِي وَسَطِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى وَمِقْدَارُ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ مِقْدَارُ الْجَلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ مُشْتَبِهَتَيْنِ كَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْكَافِي
стр. 722
يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] انْتَهَى.
ص (وَرَفْعُ صَوْتِهِ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إسْرَارُهَا كَعَدَمِهَا وَقَوْلُ ابْنِ هَارُونَ: فَلَوْ أَسَرَّ حَتَّى لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ أَجْزَأَتْ وَأَنْصَتَ لَهَا لَا أَعْرِفُهُ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ
ص (وَاسْتِخْلَافُهُ لِعُذْرٍ حَاضِرَهَا)
ش: يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ فَلَا يُتِمَّهَا وَلَكِنْ يَسْتَخْلِفُ مَنْ شَهِدَهَا فَيُتِمَّ بِهِمْ وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ وَإِنْ اسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فَصَلَّى بِهِمْ أَجْزَأَتْهُمْ وَإِنْ مَضَى الْإِمَامُ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ لَمْ يُصَلُّوا أَفْذَاذًا وَيَسْتَخْلِفُونَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُقَدِّمُوا مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهَا أَجْزَأَتْهُمْ وَإِنْ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ وَإِنْ تَقَدَّمَ بِهِمْ رَجُلٌ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُقَدِّمُوهُ وَلَا إمَامُهُمْ أَجْزَأَتْهُمْ، وَالْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا فِي هَذَا سَوَاءٌ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ اسْتِخْلَافُ الْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
ص (وَخَتْمُ الثَّانِيَةِ بِيَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ وَأَجْزَأَ اُذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُسْتَحَبُّ بَدْؤُهَا بِالْحَمْدِ وَخَتْمُهَا بِأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ انْتَهَى.
ص (وَتَوَكُّؤٌ عَلَى كَقَوْسٍ)
ش: ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي اسْتِحْبَابِ تَوَكُّئِهِ عَلَى عَصًا بِيَمِينِهِ خَوْفَ الْعَبَثِ مَشْهُورُ رِوَايَتَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَشَاذَّتُهُمَا.
وَفِي إغْنَاءِ الْقَوْسِ عَنْهَا مُطْلَقًا أَوْ بِالسَّيْفِ فَقَطْ رِوَايَتَا ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ زِيَادٍ.
وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ عَلَى مِنْبَرٍ قُرْبَ الْمِحْرَابِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ تَخْيِيرَ مَنْ لَا يَرْقَاهُ فِي قِيَامِهِ بِيَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ وَرَجَّحَ ابْنُ رُشْدٍ يَمِينَهُ لِمَنْ مَسَكَ عَصًا بِقُرْبِ الْمِحْرَابِ وَيَسَارَهُ لِتَارِكِهَا لِيَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى عُودِ الْمِنْبَرِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ الْأَذَانُ بَيْنَ يَدِي الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَذَانُ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ مَكْرُوهٌ نَهَى عَنْهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
ص (وَأَخَّرَ الظُّهْرَ رَاجٍ زَوَالَ عُذْرِهِ)
ش: لَوْ قَالَ: وَتَأْخِيرُ رَاجٍ زَوَالَ عُذْرِهِ الظُّهْرَ لَكَانَ أَبَيْنَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ كَمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَاسْتُؤْذِنَ
стр. 723
إمَامٌ لَوْ قَالَ وَاسْتِئْذَانُ إمَامٍ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
ص (وَلَا يَجْمَعُ الظُّهْرَ إلَّا لِعُذْرٍ)
ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ بَاعَ شَاةً مِنْ سَمَاعِ عِيسَى أَنَّ الْمُصَلِّينَ الْجُمُعَةَ ظُهْرًا حَيْثُ تَجِبُ الْجُمُعَةُ أَرْبَعُ طَوَائِفَ: طَائِفَةٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَهُمْ الْمَرْضَى وَالْمُسَافِرُونَ وَأَهْلُ السُّجُونِ فَهَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ جَاءَتْ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ لِعُذْرٍ فَإِنْ جَمَعُوا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يُعِيدُوا.
وَطَائِفَةٌ تَخَلَّفَتْ عَنْ الْجُمُعَةِ لِعُذْرٍ فَاخْتُلِفَ هَلْ يَجْمَعُونَ أَمْ لَا عَلَى مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَعَ الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ فَإِنْ جَمَعُوا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ وَهْبٍ لَمْ يُعِيدُوا.
وَطَائِفَةٌ فَاتَتْهُمْ الْجُمُعَةُ فَهَؤُلَاءِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ وَقَدْ قِيلَ يَجْمَعُونَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ فَإِنْ جَمَعُوا لَمْ يُعِيدُوا.
وَطَائِفَةٌ تَخَلَّفَتْ عَنْ الْجُمُعَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَهَؤُلَاءِ لَا يَجْمَعُونَ.
وَاخْتُلِفَ إنْ جَمَعُوا فَقِيلَ يُعِيدُونَ وَقِيلَ لَا يُعِيدُونَ انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ فِي رَسْمٍ نَقَدَهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى أَيْضًا فِي قَرْيَةٍ تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ وَحَوْلَهَا مَنَازِلُ عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ تَفُوتُهُمْ الْجُمُعَةُ إنَّهُمْ يُصَلُّونَ أَفْذَاذًا قَالَ فَإِنْ صَلَّوْا ظُهْرًا جَمَاعَةً فَبِئْسَ مَا صَنَعُوا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ قَالَ وَمِثْلُهُ مَنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ فِي الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ: إنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ إذَا فَاتَتْهُمْ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُهُ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ إنْ جَمَعُوا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا مُنِعُوا مِنْ الْجَمْعِ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْجُمُعَةِ أَوْ لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً لِأَهْلِ الْبِدَعِ فَإِذَا جَمَعُوا وَجَبَ أَنْ لَا يُعِيدُوا عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ وَأَشْهَبَ وَكَذَلِكَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ غَالِبٍ الْمَشْهُورُ أَنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ إلَّا أَنَّهُمْ إنْ جَمَعُوا فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُمْ لَا يُعِيدُونَ وَقَالَهُ أَصْبَغُ فِي الْمُتَخَلِّفِينَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ إذَا قِيلَ إنَّهُمْ يَجْمَعُونَ وَإِنْ كَانُوا تَعَذَّرُوا فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ فَلَا يُحْرَمُوا فَضْلَ الْجَمَاعَةِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ قَوْلِهَا: وَإِذَا فَاتَتْ الْجُمُعَةُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَجْمَعُوا قُوَّةُ لَفْظِهَا تَقْتَضِي أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا تَخَلَّفَتْ عَنْ الْجُمُعَةِ لِأَجْلِ بَيْعَةِ الْأَمِيرِ الظَّالِمِ فَإِنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَخَالَفَهُ ابْنُ وَهْبٍ لَمَّا وَقَعَتْ بِهِمْ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَجَمَعَ ابْنُ وَهْبٍ بِمَنْ حَضَرَ وَرَأَى أَنَّهُمْ كَالْمُسَافِرِينَ وَلَمْ يَجْمَعْ ابْنُ الْقَاسِمِ مَعَهُمْ وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى شُهُودِهَا فَقَدِمُوا عَلَى مَالِكٍ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لَا يَجْمَعُوا وَقَالَ: لَا يَجْمَعُ إلَّا أَهْلُ السِّجْنِ وَالْمَرْضَى وَالْمُسَافِرُونَ وَلَمَّا بَانَ كُفْرُ عُبَيْدِ اللَّهِ الشَّعْبِيِّ فِي الْجَامِعِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا بِالْقَيْرَوَانِ تَرَكَ جَبَلُ بْنُ حَمُّودٍ الصَّلَاةَ فِي الْجَامِعِ فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِإِمَامٍ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَكَانَ مِنْ رِجَالِ سَحْنُونٍ صَحِبَهُ عِشْرِينَ سَنَةً؛ فَقَالَ لَهُ: نَحْنُ أَقَمْنَا أَنْفُسَنَا مَقَامَ الْمَسْجُونِينَ وَوَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى بِقُرْطُبَةَ وَذَلِكَ أَنَّهُ غَابَ الْأَمِيرُ وَكَانَ مُحْتَجِبًا لَا تُسْتَطَاعُ رُؤْيَتُهُ فَأَفْتَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنْ يَجْمَعَ النَّاسُ ظُهْرًا وَأَفْتَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يُصَلُّوا
стр. 724
أَفْذَاذًا فَنَفَذَ رَأْيُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَخَرَجَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ وَصَلَّى وَحْدَهُ فَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ زَرْبٍ وَقَالَ إنَّهُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ (قُلْت) وَمَحْمَلُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّهُمْ خَافُوا أَنْ يُقِيمُوا الْجُمُعَةَ مَعَ غِيبَتِهِ وَهُوَ بَيِّنٌ وَاضِحٌ انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا لَمْ تُجْزِ)
ش: كَذَا فِي غَالِبِ النُّسَخِ لَمْ تُجْزِ مِنْ الْإِجْزَاءِ.
وَهَكَذَا نَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ وَقَالَ: يُرِيدُ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِمَامِ لَا تَحِلُّ وَمَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ وَفَرَّعَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَأَنَّهُمْ إذَا مَنَعَهُمْ وَأَمِنُوا أَقَامُوهَا وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ فَإِذَا نَهَجَ السُّلْطَانُ فِيهَا مَنْهَجًا فَلَا يُخَالَفُ وَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ كَالْحَاكِمِ إذَا حَكَمَ بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ حُكْمَهُ مَاضٍ غَيْرُ مَرْدُودٍ؛ وَلِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ حُكْمِ السُّلْطَانِ سَبَبُ الْفِتْنَةِ وَالْهَرَجِ وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَمَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ انْتَهَى، وَهَذَا التَّوْجِيهُ الَّذِي ذَكَرَهُ جَازَ فِيمَا إذَا أَمِنُوا فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ بِالرَّوَاحِ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَصِفَتُهُ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ» قَالَ الْبَاجِيُّ قَوْلُهُ: غَسْلَ الْجَنَابَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غُسْلًا عَلَى صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْجُنُبَ الْمُغْتَسِلَ لِجَنَابَتِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ اغْتَسَلَ أَوْ غَسَّلَ أَوْجَبَ الْغُسْلَ عَلَى غَيْرِهِ بِالْجِمَاعِ وَاغْتَسَلَ هُوَ مِنْهُ انْتَهَى.
وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ يَسْمَعُ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» انْتَهَى.
مِنْ التَّرْغِيبِ وَقَالَ إثْرَهُ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ ﵇ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَاهُ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ مِنْ الْكَلَامِ الْمُتَظَافِرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ التَّوْكِيدُ؛ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى غَسَّلَ غَسَلَ رَأْسَهُ خَاصَّةً وَاغْتَسَلَ غَسَلَ سَائِرَ الْجَسَدِ.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ غَسَّلَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ
стр. 725
خُرُوجِهِ إلَى الْجُمُعَةِ لِيَكُونَ أَمْلَكَ لِنَفْسِهِ وَقَوْلُهُ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى بَكَّرَ أَدْرَكَ بَاكُورَةَ الْخُطْبَةِ وَهِيَ أَوَّلُهَا وَمَعْنَى ابْتَكَرَ قَدِمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ مَعْنَى بَكَّرَ تَصَدَّقَ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَتَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ «بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّاهَا» وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: مَنْ قَالَ غَسَّلَ بِالتَّشْدِيدِ مَعْنَاهُ جَامَعَ وَمَنْ قَالَ غَسَلَ بِالتَّخْفِيفِ أَرَادَ غَسَلَ رَأْسَهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ اغْتَسَلَ وَرَاحَ ثُمَّ أَحْدَثَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ لَمْ يَنْتَقِضْ غُسْلُهُ وَإِنْ تَبَاعَدَ أَوْ سَعَى فِي بَعْضِ حَوَائِجِهِ أَوْ تَغَدَّى أَوْ نَامَ انْتَقَضَ غُسْلُهُ وَأَعَادَ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ أَبُو عِمْرَانَ قَوْلُهُ ثُمَّ أَحْدَثَ أَيْ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ أَمَّا الْمُتَعَمِّدُ فَيُعِيدُ الْغُسْلَ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ النَّوْمِ وَالْغِذَاءِ انْتَهَى.
وَلَوْ أَجْنَبَ بَعْدَ غُسْلِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ غُسْلَهُ يَنْتَقِضُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إذَا كَانَ جُنُبًا وَنَوَى غُسْلَ الْجُمُعَةِ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ أَوْ أَنَّهُ يَنُوبُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ لَا يُجْزِيهِ ذَلِكَ لَا عَنْ الْجَنَابَةِ وَلَا عَنْ الْجُمُعَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِأَنَّ شَرْطَ غُسْلِ الْجُمُعَةِ حُصُولُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَحُكِيَ فِي تَعَالِيقِ أَبِي عِمْرَانَ فِي الْإِنْسَانِ يَذْكُرُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فَيَغْتَسِلَ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ الْإِمَامَ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْخُطْبَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ حَتَّى تَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ فَلَا يَخْرُجُ وَيُصَلِّيهَا بِغَيْرِ غُسْلٍ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَفِي الْإِكْمَالِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِلْغُسْلِ لِظَاهِرِ إنْكَارِ عُمَرَ عَلَى عُثْمَانَ؛ وَلِأَنَّ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ وَاجِبٌ فَلَا يُتْرَكُ لِسُنَّةٍ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَمَا فِي التَّعَالِيقِ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ سَمَاعَ الْخَطِيبِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ الْغُسْلُ لِمَنْ لَا رَائِحَةَ لَهُ حَسَنٌ وَلِمَنْ لَهُ رَائِحَةٌ وَاجِبٌ كَالْحَوَّاتِ وَالْقَصَّابِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا نِيًّا أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَا يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» فَأَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَإِذَا كَانَ مِنْ حَقِّ الْمُصَلِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُمْ وَكَانَ حُضُورُ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا وَجَبَ أَنْ يُزِيلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الرَّوَائِحِ انْتَهَى مِنْ بَابِ الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ مِنْ التَّبْصِرَةِ.
(الرَّابِعُ) قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي أَوَائِلِ شَرْحِ التَّلْقِينِ وَأَمَّا غُسْلُ الْجُمُعَةِ فَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ أَمْ لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ لَيْسَ الْمَطْلُوبُ بِهَا فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ إزَالَةَ عَيْنٍ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الْخِطَابِ بِهَا النَّظَافَةَ وَإِزَالَةَ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ فَقَدْ يُخَاطَبُ بِهَا مَنْ لَا رَائِحَةَ عِنْدَهُ يُزِيلُهَا فَأُلْحِقَتْ بِحُكْمِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ الَّتِي لَا تُزَالُ بِهَا عَيْنٌ وَلِهَذَا مُنِعَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ أَنْ يَغْتَسِلَ لَهَا بِمَاءِ الْوَرْدِ وَالْمَاءِ الْمُضَافِ الَّذِي لَا تُجْزِئُ الطَّهَارَةُ بِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا فِي أَصْلِ الشَّرْعِ إزَالَةُ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ فَأُلْحِقَتْ بِطَهَارَةِ النَّجَاسَةِ الَّتِي الْغَرَضُ بِهَا إزَالَةُ الْعَيْنِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ.
وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالتَّقْرِيبِ الصَّحِيحُ افْتِقَارُهُ إلَى النِّيَّةِ
ص (وَجَازَ تَخَطٍّ قَبْلَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ)
ش: نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَزَادَ إذَا رَأَى بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةً وَلْيَرْفُقْ فِي ذَلِكَ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّخَطِّيَ بَعْدَ جُلُوسِهِ لَا يَجُوزُ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا يُكْرَهُ التَّخَطِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَظَاهِرُهَا الْكَرَاهَةُ لَكِنْ قَالَ ابْنُ نَاجِي كَانَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ يَحْمِلُ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ ﷺ لِلَّذِي تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ آذَيْت وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ بِنَفْسِ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَمْتَنِعُ التَّخَطِّي وَإِنْ لَمْ يُشْرَعْ فِي الْخُطْبَةِ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَهُوَ كَذَلِكَ (قُلْت) فِي نَقْلِهِ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ قُصُورٌ فَقَدْ صَرَّحَ بِمَنْعِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَبِمَنْعِ جُلُوسِهِ التَّخَطِّي لِفُرْجَةٍ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَيَجُوزُ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَقَبْلَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا
стр. 726
بَيْنَ نُزُولِهِ مِنْ الْمِنْبَرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلرَّمَّاحِ وَأَبِي الْحَسَنِ الْعَبْدَلِيِّ (قُلْت) وَخَرَّجَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى جَوَازِ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ وَحَكَى فِيهِ رِوَايَتَيْنِ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا الْمَشْيُ بَيْنَ الصُّفُوفِ فَيَجُوزُ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ.
ص (وَاحْتِبَاءٌ فِيهَا)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ الِاحْتِبَاءُ وَالْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ وَيُشِيرُ بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِاحْتِبَاءٍ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَأَمَّا احْتِبَاءُ الْإِمَامِ إذَا جَلَسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَلَا يُقَالُ فِيهِ احْتِبَاءٌ فِيهَا.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَلَهُ أَنْ يَمُدَّ رِجْلَيْهِ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَلَهُ أَنْ يَحْتَبِيَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَيَمُدَّ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعُونَةٌ لَهُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ فَلْيَفْعَلْ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ أَرْفَقُ لَهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ مَاجَهْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ الْحَبْوَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ» قَالَ أَبُو دَاوُد وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَبِي وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَكَانَ أَنَسٌ وَجُلُّ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَالُوا: لَا بَأْسَ بِهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا كَرِهَهُ إلَّا عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَكَرِهَ قَوْمٌ الْحَبْوَةَ وَقْتَ الْخُطْبَةِ وَرَخَّصَ فِيهَا آخَرُونَ؛ قَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَغَيْرِهِمْ وَكَرِهَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهَا تَجْلِبُ النَّوْمَ فَتُعَرِّضُ طَهَارَتَهُ لِلنَّقْضِ وَتَمْنَعُ مِنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ.
(فَائِدَةٌ) الِاحْتِبَاءُ هُوَ أَنْ يَضُمَّ الْإِنْسَانُ رِجْلَيْهِ إلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ يَجْمَعُهُمَا بِهِ مَعَ ظَهْرِهِ وَيَشُدَّ عَلَيْهِمَا وَقَدْ يَكُونُ الِاحْتِبَاءُ بِالْيَدَيْنِ عِوَضَ الثَّوْبِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ احْتَبَى يَحْتَبِي احْتِبَاءً وَالِاسْمُ الْحَبْوَةُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَالْجَمْعُ حِبًا وَحِبَاءٌ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ «الِاحْتِبَاءُ حِيطَانُ الْعَرَبِ» يَعْنَى لَيْسَ فِي الْبَرَارِي حِيطَانٌ فَإِذَا أَرَادُوا الِاسْتِنَادَ احْتَبَوْا؛ لِأَنَّ الِاحْتِبَاءَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ السُّقُوطِ وَيَصِيرُ لَهُمْ كَالْجِدَارِ انْتَهَى.
ص (كَتَأْمِينٍ وَتَعَوُّذٍ عِنْدَ السَّبَبِ)
ش: لَيْسَ هَذَا مِثَالًا لِلذِّكْرِ الْقَلِيلِ؛ لِأَنَّ هَذَا جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ وَالذِّكْرُ الْخَفِيفُ فِيهِ قَوْلَانِ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ وَلَكِنَّ تَرْكَهُ أَحْسَنُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى الذِّكْرِ شَيْئًا يَسِيرًا فِي نَفْسِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَا بَأْسَ وَتَرْكُ ذَلِكَ أَحْسَنُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُنْصِتَ وَيَسْتَمِعَ قَالَ ابْنُ نَاجِي مَا ذَكَرَهُ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ.
وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّعَوُّذِ مِنْ النَّارِ وَالتَّأْمِينِ عِنْدَ ذِكْرِ الْإِمَامِ أَسْبَابَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ هَلْ يَجْهَرُ أَوْ يُسِرُّ عَلَى قَوْلَيْنِ انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ فِي الطِّرَازِ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ الِاتِّفَاقَ عَلَى إجَازَةِ الثَّانِي وَأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي صِفَةِ النُّطْقِ بِهِ قَالَ وَالْقَوْلُ بِإِسْرَارِ ذَلِكَ لِمَالِكٍ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَالْقَوْلُ بِالْجَهْرِ لِابْنِ حَبِيبٍ وَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي الطِّرَازِ وَنَصُّ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى مَا نُقِلَ فِي الطِّرَازِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَيُؤَمِّنَ النَّاسُ وَيَجْهَرُوا بِذَلِكَ جَهْرًا لَيْسَ بِالْعَالِي وَلَا يُكْثِرُوا مِنْهُ انْتَهَى.
(قُلْت) فَعُلِمَ أَنَّ الْجَهْرَ الْعَالِيَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَدْخَلِ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْجَوَازَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَيْسَ هُوَ بِمَعْنَى اسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ مُسْتَحَبٌّ فَلَا
стр. 727
يَنْبَغِي تَشْبِيهُ الثَّانِي بِهِ
ص (وَنَهْيُ خَطِيبٍ وَأَمْرُهُ وَإِجَابَتُهُ)
ش: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ فَتْحِ الْبَارِي فِي حَدِيثِ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ فَمَضَى فِي حَدِيثِهِ مَا نَصُّهُ: أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا فِي الْخُطْبَةِ فَقَالَ: لَا يَقْطَعُ الْخُطْبَةَ لِسُؤَالِ سَائِلٍ بَلْ إذَا فَرَغَ يُجِيبُهُ وَفَصَلَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ وَاجِبَاتِهَا فَيُؤَخِّرُ الْجَوَابَ أَوْ فِي غَيْرِ الْوَاجِبَاتِ فَيُجِيبُ ثُمَّ قَالَ وَالْأَوْلَى حِينَئِذٍ التَّفْصِيلُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُهْتَمُّ بِهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَلَا سِيَّمَا إنْ اخْتَصَّ بِالسَّائِلِ فَيُسْتَحَبُّ إجَابَتُهُ ثُمَّ يُتِمُّ الْخُطْبَةَ وَكَذَا بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَيُؤَخِّرُهَا وَكَذَا يَقَعُ فِي أَثْنَاءِ الْوَاجِبِ مَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْجَوَابِ لَكِنْ إذَا أَجَابَ اسْتَأْنَفَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مَعْرِفَتُهَا عَلَى الْفَوْرِ بِمُهْتَمٍّ بِهِ فَيُؤَخَّرُ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ تَرْكُ السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُهُ فِي الَّذِي سَأَلَ عَنْ السَّاعَةِ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَأَجَابَهُ آخَرُ وَإِنْ كَانَ السَّائِلُ بِهِ ضَرُورَةً نَاجِزَةً فَيُقَدِّمُ إجَابَتَهُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي رِفَاعَةَ عَنْ مُسْلِمٍ أَنَّهُ «قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ رَجُلٌ غَرِيبٌ لَا يَدْرِي دِينَهُ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ فَتَرَكَ خُطْبَتَهُ وَأَتَى بِكُرْسِيٍّ فَقَعَدَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ يُعَلِّمُهُ ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا» وَكَمَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَتَى أَعْرَابِيٌّ يَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الضَّبِّ وَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قَضِيَّةِ «سُلَيْكٍ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ أَصَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ» . الْحَدِيثُ.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَتْ الصَّلَاةُ تُقَامُ فَيَعْرِضُ الرَّجُلُ فَيُحَدِّثُ النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى رُبَّمَا نَعَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ ثُمَّ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ» وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ وُقُوعُ ذَلِكَ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ
ص (وَالْعَمَلُ يَوْمَهَا)
ش: أَيْ يُكْرَهُ تَرْكُ الْعَمَلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُرِيدُ إذَا تَرَكَهُ تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَأَمَّا تَرْكُ الْعَمَلِ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَمُبَاحٌ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَتَرْكُهُ لِلِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ الْجُمُعَةِ مِنْ دُخُولِ حَمَّامٍ وَتَنْظِيفِ ثِيَابٍ وَسَعْيٍ إلَى مَسْجِدٍ مِنْ بُعْدِ مَنْزِلٍ فَحَسَنٌ يُثَابُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
ص (أَوْ جَالِسٍ عِنْدَ الْأَذَانِ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ هُوَ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى إمَامٍ أَيْ وَكُرِهَ تَنَفُّلُ جَالِسٍ عِنْدَ الْأَذَانِ انْتَهَى.
وَيُرِيدُ الْمُؤَلِّفُ بِالْأَذَانِ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ وَقَالَهُ الْبِسَاطِيُّ وَالْأَقْفَهْسِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَنَصُّ كَلَامِ الشَّارِحِ: يُكْرَهُ أَيْضًا لِمَنْ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ حِينَ يَسْمَعُ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ أَنْ يَقُومَ يَتَنَفَّلُ حِينَئِذٍ وَأَخْرَجَ بِهِ الدَّاخِلَ حِينَئِذٍ وَمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مُتَنَفِّلًا وَطَرَأَ عَلَيْهِ الْأَذَانُ فَإِنَّ هَذَا لَا يُكْرَهُ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ بَعْدَ أَنْ جَمَعَ الْمَكْرُوهَاتِ فِي قَوْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْهَا تَنَفُّلُ الْجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ وَنَصُّ كَلَامِ الْأَقْفَهْسِيِّ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ جَالِسًا لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَتَنَفَّلُ بَعْدَ الْأَذَانِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: جَالِسًا مِمَّا لَوْ كَانَ قَائِمًا يَتَنَفَّلُ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ قَائِمًا يَتَنَفَّلُ انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَيُكْرَهُ قِيَامُ النَّاسِ لِلرُّكُوعِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِينَ مِنْ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: مَحْمُولٌ عَلَى أَذَانِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَإِلَّا نَاقَضَ مَا يَأْتِي مِنْ تَحْرِيمِ ابْتِدَاءِ صَلَاةٍ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ انْتَهَى.
وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَذَانِ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْجُمُعَةِ بَلْ يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ عِنْدَ الْأَذَانِ لِغَيْرِهَا أَيْضًا كَمَا قَالَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ فِي كَلَامِهِ
стр. 728
الْمُتَقَدِّمُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَنْعَ التَّنَفُّلِ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُ الْمُصَنِّفَ بِمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَنَصُّهُ: قَالَ الْأَصْحَابُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ خَشْيَةَ اعْتِقَادِ فَرْضِيَّتِهِ فَلَوْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ اسْتِنَانًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَيَنْهَى الْإِمَامُ النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الرُّكُوعِ بَعْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ لِلْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ ثُمَّ قَالَ وَلَا يُمْنَعُ الرُّكُوعُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِمَنْ أَرَادَهُ وَإِنَّمَا الْمَنْعُ عَنْ اتِّخَاذِ ذَلِكَ عَادَةً بَعْدَ الْأَذَانِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَسَفَرٌ بَعْدَ الْفَجْرِ وَجَازَ قَبْلَهُ وَحَرُمَ بِالزَّوَالِ)
ش: وَكَذَلِكَ فِي الْعِيدِ يُكْرَهْ السَّفَرُ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيَحْرُمُ بَعْدَ طُلُوعِهَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْعِيدِ.
ص (كَكَلَامٍ فِي خُطْبَتِهِ)
ش: اعْلَمْ أَنَّ الْإِنْصَاتَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ وَأَمَّا الْعِيدُ وَالِاسْتِسْقَاءُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُنْصِتُ لَهُمَا كَمَا يُنْصِتُ لِلْجُمُعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا وَاضِحٌ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهَا خُطْبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ فِي الْإِنْصَاتِ وَذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ إلَى أَنَّهَا لِلتَّعْلِيمِ لَا لِلصَّلَاةِ كَخُطَبِ الْحَجِّ فَلَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا وَالِاسْتِمَاعُ إلَيْهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي الصَّلَاةِ الْخُطَبُ ثَلَاثٌ: خُطْبَةٌ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ إلَيْهَا وَالِاسْتِمَاعُ إلَيْهَا بِاتِّفَاقٍ وَهِيَ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ؛ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّهَا لِلصَّلَاةِ، وَخُطْبَةٌ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا وَلَا الِاسْتِمَاعُ لَهَا بِاتِّفَاقٍ وَهِيَ خُطَبُ الْحَجِّ وَهُنَّ ثَلَاثٌ: أَوَّلُهَا قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمِ بِمَكَّةَ بَعْدَ الظُّهْرِ وَالثَّانِيَةُ: خُطْبَةُ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَالثَّالِثَةُ: ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى بَعْدَ الظُّهْرِ؛ إذْ لَا اخْتِلَافَ أَنَّهَا لِلتَّعْلِيمِ لَا لِلصَّلَاةِ، وَخُطْبَةٌ يُخْتَلَفُ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ لَهَا وَالِاسْتِمَاعِ إلَيْهَا وَهِيَ خُطْبَةُ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ انْتَهَى.
وَهَذَا الْكَلَامُ شَرْحُ قَوْلِهِ وَسُئِلَ عَنْ الْإِمَامِ يَخْطُبُ مِنْ أَمْرِ كِتَابٍ يَقْرَؤُهُ وَلَيْسَ مِنْ أَمْرِ الْجُمُعَةِ وَلَا الصَّلَاةِ أَنْ يُنْصِتَ مَنْ سَمِعَهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَالَ الْقَاضِي هَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْخُطْبَةِ بِالصَّلَاةِ لِاتِّصَالِهَا بِهَا وَكَوْنِهَا بِمَعْنَاهَا فِي تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِيهَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الْبَلَنْسِيُّ الْخُطَبُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُنْصَتُ فِيهِ وَهِيَ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ وَقِسْمٌ لَا يُنْصِتُ فِيهِ وَهُوَ خُطَبُ الْحَجِّ كُلُّهَا وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَهُوَ خُطَبُ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْإِنْصَاتَ فِيهِمَا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْكَلَامُ عِنْدَنَا مُحَرَّمٌ بِكَلَامِ الْإِمَامِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ: خُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَلَامَ يَحْرُمُ بِأَوَّلِ كَلِمَةٍ يَقُولُهَا الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْإِمَامُ شَافِعِيًّا يُسَلِّمُ بَعْدَ رُقِيِّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ حَرُمَ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهَا وَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ قَطْعُ الْكَلَامِ وَاسْتِقْبَالُهُ وَالْإِنْصَاتُ إلَيْهِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَمْنَعُ جُلُوسَهُ لَهَا التَّخَطِّي لِفُرْجَةٍ وَالتَّنَفُّلُ وَلَوْ تَحِيَّةً ابْنُ بَشِيرٍ اتِّفَاقًا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْمَازِرِيُّ وَمِمَّا يَحِلُّ مَحَلَّ الْكَلَامِ تَحْرِيكُ مَا لَهُ صَوْتٌ كَالْحَدِيدِ أَوْ الثَّوْبِ الْجَدِيد وَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ حَرَّكَ الْحَصْبَاءَ فَقَدْ لَغَا» انْتَهَى.
ص (بِقِيَامِهِ)
ش: الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ بِخُطْبَتِهِ يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ بِقِيَامِهِ بَلْ رُبَّمَا أَوْهَمَ أَنَّ الْإِنْصَاتَ إنَّمَا يَجِبُ إذَا خَطَبَ قَائِمًا
ص (وَلَوْ لِغَيْرِ سَامِعٍ)
ش: ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَسْجِدِ
стр. 729
أَوْ خَارِجِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَقِيلَ: يَجِبُ إذَا دَخَلَ رِحَابَ الْمَسْجِدِ الَّتِي تُصَلَّى فِيهَا الْجُمُعَةُ هَكَذَا نَقَلَ الثَّلَاثَةَ الْأَقْوَالِ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَجِبُ اسْتِمَاعُهَا وَالصَّمْتُ لَهَا وَبَيْنَهُمَا وَفِي غَيْرِ سَامِعِهِمَا وَلَوْ بِخَارِجِ الْمَسْجِدِ طُرُقٌ الْأَكْثَرُ كَذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ حَارِثٍ اتِّفَاقًا وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا عِنْدَ كَلَامِ الْإِمَامِ لَا قَبْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، وَبَيْنَ خُطْبَتَيْهِ وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَقِيلَ لَا فَعُلِمَ مِنْ هَذَا رُجْحَانُ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْإِنْصَاتِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَيُحْمَلُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَثْنَاءِ شَرْحِ مَسْأَلَةٍ فِي رَسْمِ شَكَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ أَنْ يَتْرُكَ الْكَلَامَ فِي طَرِيقِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ فِي الْخُطْبَةِ وَكَانَ بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ كَلَامَ الْإِمَامِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْإِنْصَاتَ لَا يَجِبُ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٍ وَقِيلَ: يَجِبُ مُنْذُ يَدْخُلُ رِحَابَ الْمَسْجِدِ الَّتِي تُصَلَّى فِيهَا الْجُمُعَةُ مِنْ ضِيقِ الْمَسْجِدِ انْتَهَى
ص (أَوْ إشَارَةٌ لَهُ)
ش: هَكَذَا قَالَ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وَاَلَّذِي صَدَرَ بِهِ فِي الطِّرَازِ عَنْ الْمَبْسُوطِ جَوَازُهَا ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْبَاجِيِّ ثُمَّ قَالَ وَمَا فِي الْمَبْسُوطِ أَبْيَنُ فَإِنَّ الْخُطْبَةَ غَايَتُهَا أَنْ يَكُونَ لَهَا حُرْمَةُ الصَّلَاةِ.
ص (وَابْتِدَاءُ صَلَاةٍ بِخُرُوجِهِ وَإِنْ لِدَاخِلٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْخَطِيبَ إذَا خَرَجَ عَلَى النَّاسِ مِنْ دَارِ الْخَطَابَةِ أَوْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ وَلَوْ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ حِينَئِذٍ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: ابْتِدَاءُ مِمَّنْ خَرَجَ عَلَيْهِ الْخَطِيبُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُتِمَّهَا وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ وَقَالَ أَشْهَبُ: مَعْنَى خُرُوجِ الْإِمَامِ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَوْ أَتَى الْمُؤَلِّفُ بِلَوْ لَكَانَ أُجْرِيَ عَلَى اصْطِلَاحِهِ فَإِنَّ السُّيُورِيَّ يُجَوِّزُ التَّحِيَّةَ لِلدَّاخِلِ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ لَا أَعْرِفُهُ هَذَا إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِنَّ النَّفَلَ حِينَئِذٍ يَحْرُمُ عَلَى الْجَالِسِ اتِّفَاقًا وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَخُرُوجِهِ عَلَى النَّاسِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ وَرِوَايَةُ الْمُخْتَصَرِ: الْجَوَازُ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ (الثَّانِي) قَالَ فِي رَسْمٍ سَلَفَ فِي الْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَقْعُدُ لِلتَّشَهُّدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي نَافِلَةٍ فَيَخْرُجُ الْإِمَامُ فَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ وَلَا يُسْمَعَ مَا دَامَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ قَالَ بَلْ يُسَلِّمُ إلَى أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَلَا يَدْعُو ابْنُ رُشْدٍ وَقَدْ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا السَّلَامُ أَنْ يَدْعُوَ وَلَا يُسَلِّمَ مَا دَامَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ وَالْإِمَامُ جَالِسٌ.
وَالْقِيَاسُ مَا فِي الْكِتَابِ لِمَا جَاءَ مِنْ أَنَّ خُرُوجَ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامَهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) هَذَا حُكْمُ النَّقْلِ وَأَمَّا إذَا ذَكَرَ الْمُسْتَمِعُ لِلْخُطْبَةِ مَنْسِيَّةً فَقَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ فِي اسْتِلْحَاقِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا يَقُومُ فَيُصَلِّي وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فَرْضٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا بِالْمَسْجِدِ وَلَا يَخْرُجُ وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ خُرُوجِهِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ إذَا ذَكَرَ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّهَا بِمَوْضِعِهِ وَيَقُولُ لِمَنْ يَلِيهِ أُصَلِّي الصُّبْحَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي عَنْ النَّوَادِرِ وَإِنْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ صَلَاةً صَلَّاهَا وَبَنَى عَلَى خُطْبَتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي وَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً صَلَّاهَا مَتَى مَا ذَكَرَهَا لَا يُبَالِي أَيَّ وَقْتٍ كَانَ وَإِنْ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ أَوْ كَانَ عِنْدَ غُرُوبِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ قَوْلُهُ: أَيَّ وَقْتٍ كَانَ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَفِيهَا لِبَعْضِهِمْ نَظَرٌ (قُلْت) فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا ذَكَرَ الصُّبْحَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَقُمْ وَلْيُصَلِّهَا بِمَوْضِعِهِ وَيَقُولُ لِمَنْ يَلِيهِ: أَنَا أُصَلِّي الصُّبْحَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَوْ
стр. 730
ذَكَرَهَا فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ تَمَادَى وَصَلَّى مَا نَسِيَ وَفِي إعَادَةِ الْجُمُعَةِ ظُهْرًا اخْتِلَافٌ انْتَهَى.
فَجَوَابُهُ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي رَسْمِ الْقِطْعَانِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى صَلَّى الْجُمُعَةَ قَالَ يُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَرْبَعًا قَالَ الْقَاضِي وَالْوَقْتُ فِي ذَلِكَ النَّهَارُ كُلُّهُ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ: إنَّ السَّلَامَ مِنْ الْجُمُعَةِ خُرُوجُ وَقْتِهَا وَلَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَهُوَ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ يَخْرُجُ إنْ أَيْقَنَ أَنَّهُ يُدْرِكُ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَإِنْ لَمْ يُوقِنْ بِذَلِكَ تَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ وَأَعَادَ ظُهْرًا أَرْبَعًا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَمَنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: إنَّ السَّلَامَ مِنْ الْجُمُعَةِ خُرُوجُ وَقْتِهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمَّا كَانَتْ بَدَلًا مِنْ الظُّهْرِ وَوَقْتُ الظُّهْرِ قَائِمٌ وَجَبَ أَنْ يَعُدَّ الْجُمُعَةَ ظُهْرًا أَرْبَعًا لِتَعَذُّرِ إقَامَتِهَا جُمُعَةً وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ وَمَنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ إقَامَتُهَا جُمُعَةً كَمَا كَانَ صَلَّاهَا سَقَطَتْ عَنْهُ الْإِعَادَةُ؛ إذْ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مُتَكَرِّرَةً فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) وُجُوبُ السَّعْيِ لِلْجُمُعَةِ يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِ الظُّهْرِ فَلَوْ بَقِيَ لِفِعْلِ الْجُمُعَةِ مَا لَوْ سَارَ إلَى الْجُمُعَةِ مَا أَدْرَكَهَا سَقَطَ عَنْهُ وُجُوبُ السَّعْيِ وَصَحَّ مِنْهُ فِعْلُ الظُّهْرِ قَالَهُ سَنَدٌ فِي كِتَابِ الْمُخْتَصَرِ
ص (وَلَا يَقْطَعُ إنْ دَخَلَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ جَاهِلًا أَوْ غَافِلًا فَلَا يَقْطَعُهَا إنْ كَانَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ حِينَئِذٍ وَسَوَاءٌ كَانَ دُخُولُهُ قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ إلَى الْخُطْبَةِ أَوْ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا كَانَ جَالِسًا فِيهِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الدَّاخِلَ وَالْإِمَامُ جَالِسٌ لَا يَرْكَعُ فَأَحْرَمَ جَاهِلًا أَوْ غَافِلًا فَإِنَّهُ يَتَمَادَى وَلَا يَقْطَعُ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ حَتَّى قَامَ الْإِمَامُ لِلْخُطْبَةِ؛ فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ يَقْطَعُ وَكَذَا لَوْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَأَحْرَمَ لَتَمَادَى عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَهَذَا فِي حَقِّ الدَّاخِلِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَيُحْرِمَ وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ تِلْكَ السَّاعَةَ مَنْ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ قَوْلًا وَاحِدًا إذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ النَّفْلِ لَهُ بِخِلَافِ الدَّاخِلِ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَجَازَ لَهُ التَّنَفُّلَ انْتَهَى.
(قُلْت) وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَقْطَعُ؛ لِأَنَّ هَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا: وَابْتِدَاءُ صَلَاةٍ لِخُرُوجِهِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ إنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءُ صَلَاةٍ حِينَئِذٍ لَا إتْمَامُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ وَسَوَاءٌ عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْبَاجِيُّ التَّمَادِي مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يُخَفِّفُ صَلَاتَهُ أَمْ لَا فَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ شَعْبَانَ: يُتِمُّ قِرَاءَتَهُ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ وَهُوَ مَعْنَى سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ فِي التَّشَهُّدِ؛ سَلَّمَ وَلَمْ يَدْعُ وَقِيلَ: يَسْتَمِرُّ فِي صَلَاتِهِ وَلَا يُخَفِّفُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ يُطِيلُ فِي دُعَائِهِ مَا أَحَبَّ وَهُوَ مُقْتَضَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ يَدْعُو مَا دَامَ الْمُؤَذِّنُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفَسْخُ بَيْعٍ)
ش: ذِكْرُ الْفَسْخِ اسْتِلْزَامُ التَّحْرِيمِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ حِينَئِذٍ فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي شِرَاءِ الْمَاءِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ يُونُسَ وَنَصُّ كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ: وَإِذَا انْتَقَضَ وُضُوءُ الرَّجُلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقْتَ النِّدَاءِ عِنْدَ مَنْعِ الْبَيْعِ فَلَمْ يَجِدْ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ إلَّا بِثَمَنٍ فَحَكَى ابْنُ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ وَلَا يَفْسُدُ شِرَاؤُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ هَذَا مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ شِرَاءِ الْمَاءِ لِمَنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَقْتَ النِّدَاءِ وَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِالثَّمَنِ نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ وَنَقَلَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ وَابْنُ يُونُسَ وَلَمْ يُحْفَظْ غَيْرُهُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَإِنَّمَا الرُّخْصَةُ
стр. 731
فِي ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي الْمَذْكُورِ وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ أَبِي مُحَمَّدٍ: اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ أَيَّدَهُ اللَّهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ لِلْمُشْتَرِي وَأَمَّا صَاحِبُ الْمَاءِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ لِضَرُورَةِ الْأَوَّلِ وَعَدَمِ ضَرُورَةِ الثَّانِي كَقَوْلِ أَشْهَبَ فِي شِرَاءِ الزِّبْلِ: وَقَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ بَلْ يَجُوزُ لِيُعِينَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ بِالرُّخْصَةِ لَهُمَا مَعًا وَبِهَذَا أَقُولُ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَمِمَّا يَنْخَرِطُ فِي سِلْكِ الْبِيَعِ الشُّرْبُ مِنْ السِّقَاءِ بَعْدَ النِّدَاءِ إذَا كَانَ بِثَمَنٍ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ الثَّمَنَ فِي الْحَالِ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ ظَاهِرٌ مَا لَمْ تَدْعُ إلَى الشُّرْبِ ضَرُورَةٌ انْتَهَى.
(الثَّانِي) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الْبَيْعَ يُفْسَخُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَاقِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأَمَّا لِمَنْعٍ فَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ الْبَيْعِ فِي الْأَسْوَاقِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ ثَانِيَةِ رَسْمٍ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ يُرِيدُ أَنَّ الْأَسْوَاقَ يُمْنَعُ أَنْ يَبِيعَ فِيهَا الْعَبِيدَ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ فَإِنْ بَاعَ فِيهَا مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ؛ لَمْ يُفْسَخْ بَيْعُهُ وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْأَسْوَاقِ فَجَائِزٌ لِلْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ وَالنِّسَاءِ وَأَهْلِ السُّجُونِ وَالْمَرْضَى أَنْ يَتَبَايَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَإِنْ بَاعَ مِنْهُمْ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ تَجِبُ فُسِخَ بَيْعُهُ كَمَا يُفْسَخُ بَيْعُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ
ص (بِأَذَانٍ ثَانٍ)
ش: يُرِيدُ إذَا كَانَ الْأَذَانُ الثَّانِي بَعْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْأَذَانِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ وَهَلْ يَحْرُمُ بِأَوَّلِ الْأَذَانِ أَوْ بِالْفَرَاغِ مِنْهُ قَوْلَانِ نَقَلَهُمَا الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ.
(قُلْت) وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْجَمَاعَةِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ بِالشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ سَنَدٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّانِيَ وَنَصُّهُ وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ الْأَذَانِ بِأَوَّلِهِ لَا بِتَمَامِهِ فَإِذَا كَبَّرَ الْمُؤَذِّنُ حَرُمَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ مُتَعَلِّقٌ بِالنِّدَاءِ انْتَهَى.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) مُنْتَهَى الْمَنْعِ بِانْقِضَاءِ الصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ جُزَيٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) إذَا تَعَدَّدَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَأَخَذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَجِبُ السَّعْيُ عِنْدَ سَمَاعِ الْمُؤَذِّنِ الْأَوَّلِ وَاخْتَلَفَ فِيهَا فُقَهَاءُ بِجَايَةَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ حَسْبَمَا أَخْبَرَنِي بِهِ مَنْ لَقِيتُهُ مِنْ التُّونُسِيِّينَ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَقَالَ آخَرُونَ إنَّمَا يَجِبُ السَّعْيُ عِنْدَ سَمَاعِ الثَّالِثِ وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ إنَّمَا هُوَ خِلَافٌ فِي حَالٍ فَمَنْ كَانَ مَكَانُهُ بَعِيدًا بِحَيْثُ إنْ لَمْ يَسْعَ عِنْدَ الْمُؤَذِّنِ الْأَوَّلِ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانُهُ بَعِيدًا جِدًّا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِمِقْدَارِ مَا إذَا وَصَلَ حَانَتْ الصَّلَاةُ إنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَحْضُرُ الْخُطْبَةَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُكْتَفَى بِهِمْ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ مِنْ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ: وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أَخَّرَ صَلَاةً حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِقْدَارُ وَقْتِهَا الضَّرُورِيُّ إلَّا مَا يُوقِعُهَا فِيهِ فَبَاعَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ: يُفْسَخُ بَيْعُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الَّتِي فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ هُنَا وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ لَا يُفْسَخُ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ الْفَسْخِ هُنَا بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ لِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ شَرْطًا فِيهَا فَمِنْ الْمَصْلَحَةِ مَنْعُ مَا أَدَّى إلَى افْتِرَاقِ جَمْعِهِمْ وَالْإِخْلَالِ بِشَرْطٍ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْجَمَاعَاتِ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا انْتَهَى.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فِي تَفْرِقَةِ الْمَازِرِيِّ: نَحْنُ لَمْ نُفْسِدْ بَيْعَهُ لِلْإِخْلَالِ بِالْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ إنَّمَا أَفْسَدْنَاهُ لِلْإِخْلَالِ بِالْوَقْتِ الْمُؤَدِّي إلَى كَوْنِ الصَّلَاةِ قَضَاءً وَإِلَى تَأْثِيمِ فَاعِلِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ صَوَّبَ ابْنُ مُحْرِزٍ وَغَيْرُهُ عَدَمَ الْفَسْخِ قَالَ وَفَرَّقُوا بِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى انْتَهَى.
стр. 732
وَجَزَمَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُفْسَخُ سَوَاءٌ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً أَوْ فَائِتَةً ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأُلْزِمَ الْقَائِلُ بِالْبُطْلَانِ أَنْ يُبْطِلَ بِيَاعَاتِ الْغُصَّابِ؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ فِي زَمَنٍ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ التَّشَاغُلُ بِرَدِّ الْغُصُوبَاتِ وَأَلْحَقَ الْغَرْنَاطِيُّ بِالْبَيْعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْبَيْعَ وَقْتَ الْفِتْنَةِ يُرِيدُ: فِي حَقِّ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ الْخُرُوجُ ابْنُ رُشْدٍ: يَحْرُمُ الْبَيْعُ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ) ش قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِيهِ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَيَصِحُّ بِتَقْدِيرِ: كَغَيْرِهِ مِنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
ص (لَا نِكَاحٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ)
ش: نَفَى الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْفَسْخَ وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْحُرْمَةِ وَلَا ثُبُوتِهَا وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَلَكِنْ لَا تُفْسَخُ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ وَكُلُّ مَا يَشْغَلُ عَنْ السَّعْيِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِ كُلِّ مَا يَشْغَلُ وَاخْتُلِفَ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ إذَا وَقَعَ وَقَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ: يَحْرُمُ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ مِنْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنْ وَقَعَتْ فَاخْتُلِفَ فِي فَسْخِهَا وَقَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ لَمَّا عَدَّ الْأَنْكِحَةَ الْفَاسِدَةَ: وَأَمَّا يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَرُمَ النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ التَّمْهِيدِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَسَيَأْتِي وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَدَمَ فَسْخِ النِّكَاحِ وَعَدَمَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ: وَالصَّحِيحُ فَسْخُ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِلِاشْتِغَالِ بِهِ، فَكُلُّ أَمْرٍ يَشْغَلُ عَنْ الْجُمُعَةِ مِنْ الْعُقُودِ كُلِّهَا فَهُوَ حَرَامٌ شَرْعًا، مَفْسُوخٌ رَدْعًا انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْمَوَّاقِ يَقْتَضِي جَوَازَهَا ابْتِدَاءً وَنَصُّهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَجَائِزٌ أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَلَا يَفْسَخُ، دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ جَائِزَةٌ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ قَالَ أَصْبَغُ: لَا يُعْجِبُنِي قَوْلُهُ فِي النِّكَاحِ وَأَرَى أَنْ يُفْسَخَ وَهُوَ عِنْدِي بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: يَدْخُلُ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ لِعِلَّةِ التَّشَاغُلِ، وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَصْبَغَ مَنَعَ النِّكَاحَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَضَارَعَهُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْبَيْعِ فَمَا ضَارَعَهُ مِثْلُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ جَائِزَةٌ أَنَّهَا مَاضِيَةٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي ثَانِيَةِ رَسْمِ الْعَرِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَيُفْسَخُ عِنْدَ أَصْبَغَ
стр. 733
وَإِنْ فَاتَ بِالدُّخُولِ وَيَكُونُ لَهَا الصَّدَاقُ الْمُسَمَّى. حَكَاهُ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْهُ انْتَهَى.
ص (وَإِشْرَافُ قَرِيبٍ وَنَحْوِهِ)
ش: فَفِي رَسْمٍ حَلَفَ لَيَرْفَعَنَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِ مَيِّتٍ مِنْ إخْوَانِهِ مِمَّا يَكُونُ مِنْ شَأْنِ الْمَيِّتِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَكْفِيهِ وَخَافَ عَلَيْهِ التَّغْيِيرَ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْبَيَانِ بِالْوَاوِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَوْ وَلَفْظُ ابْنِ رُشْدٍ إنْ خَافَ ضَيَاعَهُ أَوْ تَغْيِيرَهُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ لَا لِجِنَازَةِ بَعْضِ أَهْلِهِ سَحْنُونٌ إلَّا أَنْ يَخَافَ تَغَيُّرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَلِغُسْلِ مَيِّتٍ عِنْدَهُ انْتَهَى.
(قُلْت) مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ وَسَحْنُونٍ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ لِأَجْلِ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَخَافَ ضَيَاعَهُ وَتَغَيُّرَهُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا خَافَ عَلَى الْمَيِّتِ التَّغَيُّرَ.
(فَرْعٌ) فَلَوْ بَلَغَهُ وَهُوَ فِي الْجَامِعِ أَنَّ أَبَاهُ أَصَابَهُ وَجَعٌ وَيُخْشَى عَلَيْهِ الْمَوْتُ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَقَدْ اسْتَصْرَخَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ بَعْدَ أَنْ تَأَهَّبَ لِلْجُمُعَةِ فَتَرَكَهَا وَخَرَجَ إلَيْهِ لِلْعَقِيقِ قَالَهُ سَنَدٌ وَالْمَازِرِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعُرْيٌ)
ش: قَالَ فِي الْكَبِيرِ يُرِيدُ أَنَّ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّخَلُّفِ عَدَمَ وُجْدَانِ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ انْتَهَى.
فَحُمِلَ الْعُرْيُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعُرْيُ مِمَّا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي شَامِلِهِ أَيْضًا وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ الْبِسَاطِيُّ وَزَادَ فَقَالَ وَرُبَّمَا يُقَالُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ.
ص (وَأَكْلُ كَثُومٍ) ش: هَذَا بَعْدَ الْوُقُوعِ وَهَلْ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَكْلُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ .
الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْأَبِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّهَا لَا تَزُولُ مِنْ فِيهِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهَا وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ ﷺ مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. الْحَدِيثُ أَجَازَ الْجُمْهُورُ أَكْلَ هَذِهِ الْخُضَرِ؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَهُ لِأَصْحَابِهِ وَعَلَّلَ تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُنَاجِي مَنْ لَا يُنَاجَى، وَحَرَّمَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ لِمَنْعِهِ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ فَرْضُ عَيْنٍ.
(قُلْت) وَكَانَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ يَقُولُ لَا يَبْعُدُ عِنْدِي كَرَاهَةُ أَكْلِهَا لِقَوْلِهِ ﷺ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ رِيحَهَا وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْمُنْتَصِرِ أَنَّهُ مَا أَدْخَلَ دَارِهِ ثُومًا وَلَا بَصَلًا وَمَا ذَاكَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ إدْخَالَهَا ذَرِيعَةٌ لِأَكْلِهَا، وَكَذَلِكَ أَكْلُهَا ذَرِيعَةٌ لِعَدَمِ دُخُولِ الْمَسْجِد قَالَ الْمَازِرِيُّ وَأَلْحَقَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِذَلِكَ أَهْلَ الصَّنَائِعِ الْمُنْتِنَةِ كَالْحَوَّاتِينَ وَالْجَزَّارِينَ.
عِيَاضٌ وَكَذَلِكَ الْفُجْلُ لِمَنْ يَتَجَشَّؤُهُ، وَأَلْحَقَ ابْنُ الْمُرَابِطِ بِذَلِكَ دَاءَ الْبَخَرِ وَالْجُرْحَ الْمُنْتِنَ.
(قُلْت) وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ بِذَلِكَ الصُّنَانَ وَالْبَرَصَ الَّذِي يُتَأَذَّى بِرِيحِهِ وَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ بِمَنْعِ ذِي الْبَرَصِ أَنْ يَبِيعَ مَا عَمِلَ بِيَدِهِ مِمَّنْ يَبِيعُهَا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي عَمِلَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغِشِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ فَقَالَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ التَّاسِعِ لِابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ قَوْلُهُ
стр. 734
- ﷺ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ» فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَإِلَّا لَمَا كَانَ يُبَاحُ مَا يَحْبِسُ عَنْ الْفَرْضِ وَقَدْ أَبَاحَتْ السُّنَّةُ لِآكِلِ الثُّومِ التَّخَلُّفَ عَنْ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَكْلَهُ مُبَاحٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْجُمُعَةَ إذَا نُودِيَ لَهَا حَرُمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ كُلُّ مَا يَحْبِسُ مِنْ بَيْعٍ وَقُعُودٍ وَرُقَادٍ وَصَلَاةٍ وَكُلُّ مَا يُشْغَلُ بِهِ الْمَرْءُ عَنْهَا وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ حَاضِرًا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَحْبِسُهُ عَنْهَا.
فَلَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ فَرْضًا؛ كَانَ أَكْلُ الثُّومِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ حَرَامًا وَقَدْ ثَبَتَتْ إبَاحَتُهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي إخْرَاجِ آكِلِ الثُّومِ مِنْ الْمَسْجِدِ أَنَّهُ يُتَأَذَّى بِهِ فَفِي الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ جِيرَانُهُ فِي الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَكُونَ ذَرِبَ اللِّسَانِ سَفِيهًا مُسْتَطِيلًا أَوْ كَانَ ذَا رَائِحَةٍ لَا تُؤْلِمُهُ لِسُوءِ صِنَاعَتِهِ أَوْ عَاهَةٍ مُؤْذِيَةٍ كَالْجُذَامِ وَشِبْهِ أَذًى، وَكُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ إذَا وُجِدَ فِي أَحَدِ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ وَأَرَادُوا إخْرَاجَهُ عَنْ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادَهُ عَنْهُمْ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ مَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً فِيهِ حَتَّى تَزُولَ فَإِذَا زَالَتْ بِالْعَافِيَةِ أَوْ بِتَوْبَةٍ أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ زَالَتْ كَانَ لَهُ مُرَاجَعَةُ الْمَسْجِدِ وَقَدْ شَاهَدْت شَيْخَنَا أَبَا عُمَرَ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ ﵀ أَفْتَى فِي رَجُلٍ تَشَكَّاهُ جِيرَانُهُ وَأَثْبَتُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ يُؤْذِيهِمْ فِي الْمَسْجِدِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَأَفْتَى بِإِخْرَاجِهِ عَنْ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادِهِ عَنْهُمْ وَأَنْ لَا يَشْهَدَ مَعَهُمْ الصَّلَاةَ انْتَهَى.
وَذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الثُّومِ وَقَالَ: إنَّهُ أَشَدُّ مِنْهُ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ.
عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ وَعَلَى مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا نِيًّا أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَا يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» فَأَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِذَا كَانَ مِنْ حَقِّ الْمُصَلِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُمْ وَكَانَ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ وَاجِبًا وَجَبَ أَنْ يُزِيلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الرَّوَائِحِ انْتَهَى مِنْ تَبْصِرَتِهِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ الْمَازِرِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي حُضُورِ الْأَجْذَمِ: وَهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ مَوْضِعًا يَتَمَيَّزُونَ فِيهِ مِمَّا تُجْزِئُ فِيهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا لَوْ وَجَدُوا؛ لَوَجَبَتْ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِمْ وَمُنِعَتْ الْمُخَالَطَةُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُنَا حِينَئِذٍ إقَامَةُ الْحَقَّيْنِ جَمِيعًا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ النَّاسِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَامِعَ إذَا ضَاقَ بِأَهْلِهِ وَأَتَوْا الصَّلَاةَ مُتَمَيِّزِينَ عَنْ النَّاسِ فِي الْأَفْنِيَةِ بِمَوْضِعٍ لَا يَلْحَقُ النَّاسَ ضَرَرُهُمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ إذَا صَلَّوْا بِمَكَانٍ لَا يَلْحَقُ ضَرَرُهُمْ النَّاسَ وَكَانَ الْمَكَانُ مِمَّا تُجْزِي فِيهِ الْجُمُعَةُ وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَكَلَ ثُومًا لَمْ يَدْخُلْ الْمَسْجِدَ وَلَا رِحَابَهُ يَشْهَدُ الْجُمُعَةُ. فَأَنْتَ تَرَاهُ كَيْفَ أَشَارَ إلَى اجْتِنَابِ الْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ خَاصَّةً وَاجْتِنَابِ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ بِالرَّائِحَةِ الْمُنْتِنَةِ دُونَ أَنْ يُشِيرَ إلَى سُقُوطِ الْجُمُعَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا قَالَهُ فِي أَكْلِ الثُّومِ إذَا مُنِعَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَرِحَابِهِ هَلْ تَكُونُ صَلَاتُهُ بِالْفِنَاءِ مَعَ اتِّسَاعِ الْجَامِعِ لِدُخُولِهِ مُجْزِئَةً عِنْدَ مَنْ رَأَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِالْأَفْنِيَةِ اخْتِيَارًا مَعَ سَعَةِ الْجَامِعِ لَا تُجْزِئُ فِي الْجُمُعَةِ لِكَوْنِ هَذَا مَمْنُوعًا مِنْ الدُّخُولِ إلَى الْجَامِعِ شَرْعًا فَأَشْبَهَ مَنْ صَلَّى بِالْفِنَاءِ وَقَدْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ عَنْهُ، أَوْ يَكُونُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ فِي صَلَاتِهِ فَسَادٌ لِسَعَةِ الْجَامِعِ إيَّاهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ طَرَدَهُ الشَّرْعُ عَنْهُ وَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ انْتَهَى.
ص (كَرِيحٍ عَاصِفَةٍ بِلَيْلٍ)
ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ.
(فَرْعٌ) أَمَّا الْحَرُّ وَالشَّمْسُ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ قَاطِعٍ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقِيمُهَا فِي حَرِّ أَرْضِ الْحِجَازِ بِأَصْحَابِهِ وَيَقْصِدُونَ فِنَاءَ الْحِيطَانِ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ. قَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ «كُنَّا نَجْمَعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَبْتَغِي الْفَيْءَ، أَوْ قَالَ: الظِّلَّ وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ فَيْئًا نَسْتَظِلُّ بِهِ» خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّ مَشَقَّةَ ذَلِكَ تُحْتَمَلُ وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَتَقَلَّبُونَ فِي
стр. 735
تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي الْحَرِّ وَكَذَلِكَ فِي الْبَرْدِ إلَّا أَنْ يَهِيجَ سَمُومُ رِيحٍ حَارَّةٍ كَمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ حَتَّى يَذْهَبَ بِالْمَاءِ مِنْ الْقِرَبِ وَالْأَسْقِيَةِ فَمِثْلُ ذَلِكَ يَكُونُ عُذْرًا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ وَلِكُلِّ شَيْءٍ وَجْهٌ انْتَهَى.
ص (أَوْ عَمًى)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ ﵀ أَنَّ الْعَمَى لَا يُبِيحُ التَّخَلُّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ وَلَوْ كَانَ الْأَعْمَى لَا يَجِدُ مَنْ يَقُودُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ سَنَدٌ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ وَنَصِّهِ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَتَخَلَّفُ عَنْهَا الْأَعْمَى قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَيْسَتْ عَلَى الْأَعْمَى إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ قَائِدٌ يَقُودُهُ إلَيْهَا كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَكْثُرُ فِيهِ الزِّحَامُ وَتَكْثُرُ الدَّوَابُّ فِي الْعَادَةِ فَيَقَعُ الْأَعْمَى فِي مَشَقَّةٍ بَالِغَةٍ وَقَدْ تُهْلِكُهُ الدَّوَابُّ سِيَّمَا فِي الْأَمْصَارِ الْوَاسِعَةِ وَمَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَأَمَّا فِي الْقُرَى وَفِيمَا قَرُبَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَذَلِكَ خَفِيفٌ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ وَالنَّاسُ يَوْمئِذٍ يَكْثُرُونَ فِي الشَّوَارِعِ وَيَهْدُونَهُ فِي مُضِيِّهِ إلَى الْمَسْجِدِ وَيُمْكِنُهُ التَّبْكِيرُ وَالْجُلُوسُ بَعْدَ الصَّلَاةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا أَعْمَى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ وَسَأَلَهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأَجِبْ» انْتَهَى.
[فَصَلِّ صَلَاةُ الْخَوْفِ]
ص (فَصْلٌ رُخِّصَ لِقِتَالٍ جَائِزٍ)
ش: يُشِيرُ لِقَوْلِ سَنَدٍ: إقَامَةُ هَذِهِ الصَّلَاةِ رُخْصَةٌ لَيْسَتْ سُنَّةً وَلَا فَرِيضَةً. قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَاَلَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَكَانَ شَرْطًا وَلَا كَانَ يُجْزِئُ غَيْرُهُ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ تُجْزِئُهُمْ عَلَى خِلَافِ هَذَا التَّرْتِيبِ انْتَهَى.
وَيُرِيدُ الْمُؤَلِّفُ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْخَوْفُ بِحَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ عَلَى الْأَشْهَرِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَعَلَى الْأَشْهَرِ فَالْجُمُعَةُ كَغَيْرِهَا وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ: فَإِنْ حَضَرَ الْخَوْفُ فِي الْبَحْرِ وَهُمْ فِي مَرْكَبٍ وَاحِدٍ فَهُمْ كَأَهْلِ الْبَرِّ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الْمَرَاكِبُ صَلَّى أَهْلُ كُلِّ مَرْكَبٍ بِإِمَامٍ وَقَسَمَهُمْ وَإِنْ أَمِنُوا؛ صَلَّوْا بِإِمَامٍ وَاحِدٍ وَقَسَمَ أَهْلُ كُلِّ مَرْكَبٍ قِسْمَيْنِ أَوْ قَسَمَ الْمَرَاكِبَ قِسْمَيْنِ فَصَلَّى بِنِصْفِهِمْ وَيَحْرُسُ النِّصْفُ الْآخَرُ، وَأَمَّا الْمَرْكَبُ الَّذِي فِيهِ الْإِمَامُ فَيُقْسَمُ طَائِفَتَيْنِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي حُكْمِ الْقِتَالِ الْجَائِزِ الْخَوْفُ مِنْ لُصُوصٍ أَوْ سِبَاعٍ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ.
الْقِتَالُ ثَلَاثَةٌ: وَاجِبٌ كَقِتَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْبَغْيِ وَمَنْ يُرِيدُ الدَّمَ عَلَى الْخِلَافِ، وَمُبَاحٌ كَمُرِيدِ الْمَالِ، وَحَرَامٌ كَقِتَالِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ وَالْحِرَابَةِ.
فَالْوَاجِبُ وَالْمُبَاحُ سَوَاءٌ فِي هَذِهِ الرُّخْصَةِ وَلَا يُتَرَخَّصُ فِي الْحَرَامِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ انْهَزَمُوا مِنْ الْعَدُوِّ وَكَانَ الْوَاحِدُ مُنْهَزِمًا مِنْ اثْنَيْنِ كَانُوا عُصَاةً فَلَا يُتَرَخَّصُ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ وَإِلَّا جَازَ التَّرَخُّصُ انْتَهَى.
ص (قَسْمُهُمْ)
ش: هُوَ نَائِبُ الْفَاعِلِ فِي رُخِّصَ يَعْنِي أَنَّهُ يُرَخَّصُ لِلْإِمَامِ قَسْمُهُمْ قِسْمَيْنِ
ص (قِسْمَيْنِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ
стр. 736
السُّنَّةَ قَسْمُهُمْ قِسْمَيْنِ لَا أَكْثَرَ.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ: ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنْ يَكُونَ الْقِسْمَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ يُقَاتَلُ بِالنِّصْفِ وَإِنْ قُوتِلَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ لِلْآخَرِ غَيْرُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُوقَعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَانْظُرْ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ جَوَازُ الْقَسْمِ حَيْثُ أَمْكَنَ تَرْكُ الْقِتَالِ لِبَعْضِهِمْ بَلْ هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَهَلْ يُصَلِّيهَا النَّفَرُ الْيَسِيرُ كَالثَّلَاثَةِ؟ .
الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: الطَّائِفَةُ ثَلَاثَةٌ وَأَنْكَرَ أَنْ يُصَلَّى بِأَقَلَّ مِنْ طَائِفَةٍ وَأَنْ يَحْرُسَهُ أَقَلُّ مِنْ طَائِفَةٍ كَأَنَّهُ رَاعَى ظَاهِرَ لَفْظِ الْقُرْآنِ. وَنَقُولُ: الْقَصْدُ مَعْقُولٌ وَهُوَ أَنْ لَا يَغْفُلُوا عَنْ الصَّلَاةِ وَلَا عَنْ شَأْنِ الْعَدُوِّ، فَقَالَ: يَلْقَى ثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةً مِنْ الْكُفَّارِ فَيَقُومُ وَاحِدٌ لِحِرَاسَتِهِمْ وَيُصَلِّي الْآخَرَانِ مَعَ الْإِمَامِ انْتَهَى.
ص (وَعِلْمُهُمْ)
ش: قَالَ الْبِسَاطِيُّ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ الْوُجُوبُ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا خَافَ التَّخْلِيطَ
ص (فِي الثُّنَائِيَّةِ)
ش: كَالصُّبْحِ وَصَلَاةِ السَّفَرِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا قَصَرَ وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ يَأْتِي الْمُسَافِرُونَ بِرَكْعَةٍ وَيُسَلِّمُونَ وَيَأْتِي الْحَاضِرُونَ بِثَلَاثٍ وَإِنْ كَانَ حَضَرِيًّا صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَأَتَمَّ كُلُّ مَنْ كَانَ خَلْفَهُ حَضَرِيًّا أَوْ سَفَرِيًّا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: يُسِرُّ فِي مَوْضِعِ السِّرِّ وَيَجْهَرُ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ
ص (ثُمَّ قَامَ سَاكِتًا أَوْ دَاعِيًا أَوْ قَارِئًا فِي الثُّنَائِيَّةِ)
ش: هُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَحَدِ الثَّلَاثَةِ فِي قِيَامِهِ مِنْ الثُّنَائِيَّةِ، وَأَمَّا فِي قِيَامِهِ مِنْ غَيْرِهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الدُّعَاءِ وَالسُّكُوتِ فَقَطْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا يَتَعَيَّنُ الدُّعَاءُ بَلْ وَكَذَلِكَ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ وَقَوْلُهُ أَوْ قَارِئًا قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ بِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُتِمُّهُ حَتَّى تُكَبِّرَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: التَّنْبِيهُ الثَّانِي إذَا انْتَظَرَ الْإِمَامُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ، وَقُلْنَا: يَقُومُ وَيَقْرَأُ فَهَلْ بِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ أَوْ لَا يَقْرَؤُهَا حَتَّى تَدْخُلَ مَعَهُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ؟ .
فِي ذَلِكَ خِلَافٌ انْتَهَى.
(فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا صَلَّى رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ قِيَامِهِ إلَى الثَّانِيَةِ فَلْيُقَدِّمْ مَنْ يَقُومُ بِهِمْ ثُمَّ يَثْبُتُ الْمُسْتَخْلَفُ وَيُتِمُّ مَنْ خَلْفَهُ ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً وَيُسَلِّمُ وَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ قِيَامِهِ إلَى الثَّانِيَةِ فَلَا يَسْتَخْلِفُ؛ لِأَنَّ مَنْ خَلْفَهُ خَرَجُوا مِنْ إمَامَتِهِ حَتَّى لَوْ تَعَمَّدَ حِينَئِذٍ الْحَدَثَ أَوْ الْكَلَامَ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُهُ. فَإِذَا أَتَمَّ هَؤُلَاءِ وَذَهَبُوا أَتَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى بِإِمَامٍ فَقَدَّمُوهُ وَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ رَكْعَةٍ مِنْ الْمَغْرِبِ فَلْيَسْتَخْلِفْ انْتَهَى.
نَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَالْفَاكِهَانِيُّ.
(الثَّانِي) مَنْ أَدْرَكَ الثَّانِيَةَ مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ مِنْ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ أَوْ أَدْرَكَ الرَّابِعَةَ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ مَعَهُ الْقَضَاءُ وَالْبِنَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الرُّعَافِ وَلَكِنْ مَنْ أَدْرَكَ الثَّانِيَةَ مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ مِنْ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ هَلْ يَقُومُ لِلْقَضَاءِ وَالْبِنَاءِ إذَا أَتَمَّتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى أَوْ يُمْهِلُ بِالْقَضَاءِ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ سَائِرِ الصَّلَاةِ فِيهِ قَوْلَانِ نَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ
ص (وَفِي قِيَامِهِ بِغَيْرِهَا تَرَدُّدٌ) ش
стр. 737
أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ لِطَرِيقَةِ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا وَلِطَرِيقَةِ ابْنُ بَزِيزَةَ فَإِنَّ ابْنَ بَشِيرٍ وَابْنَ الْحَاجِبِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا يَحْكُونَ فِي قِيَامِهِ فِي غَيْرِ الثَّانِيَةِ قَوْلَيْنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ: يَنْتَظِرُهُمْ قَائِمًا. وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَالشَّاذُّ لِابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يَنْتَظِرُهُمْ جَالِسًا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فَإِنْ كَانَتْ صَلَاةَ سَفَرٍ أَوْ الصُّبْحَ قَامَ بِلَا خِلَافٍ وَعَكَسَ ابْنِ بَزِيزَةَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فَقَالَ: إنْ كَانَ مَوْضِعُ جُلُوسِهِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَنْتَظِرُهُمْ جَالِسًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ جُلُوسٍ فَهَلْ يَنْتَظِرُهُمْ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا قَوْلَانِ فَأَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ لِنَقْلِ أَهْلِ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى أَنَّ الْمَشْهُورَ الْقِيَامُ، وَنَقَلَ ابْنُ بَزِيزَةَ أَنَّهُ يَجْلِسُ بِلَا خِلَافٍ.
(قُلْت) وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيَثْبُتُ قَائِمًا وَيُتَمِّمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً وَحْدَهَا وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ فَقَالَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْبَاجِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَلِابْنِ حَارِثٍ طَرِيقَةٌ رَابِعَةٌ قَالَ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَنْتَظِرُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ قَائِمًا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا حَاشَا الْمَغْرِبَ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا يَنْتَظِرُهُمْ جَالِسًا. قَالَ فِي الطِّرَازِ عَنْ الرَّجْرَاجِيِّ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْكُتَ أَوْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ: وَمَتَى يَقُومُ فَإِنْ سَبَقَ إلَيْهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ؛ لَمْ يَقُمْ، وَإِنْ جَاءَتْ جَمَاعَةٌ قَامَ فَيُكَبِّرُ بِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَوْ صَلَّوْا بِإِمَامَيْنِ أَوْ بَعْضٌ فَذًّا جَازَ)
ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خَرَّجَهَا اللَّخْمِيُّ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْمَوَّازِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ: وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ إيقَاعَ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ رُخْصَةٌ نَصَّ عَلَيْهَا ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ وَلَوْ صَلَّوْا أَفْذَاذًا أَوْ بَعْضُهُمْ بِإِمَامٍ وَبَعْضُهُمْ فَذًّا أَجْزَأَتْ اللَّخْمِيُّ: وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ صَلَاةِ طَائِفَتَيْنِ بِإِمَامَيْنِ وَرَدَّهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ إمَامَةَ إمَامَيْنِ أَثْقَلُ مِنْ تَأْخِيرِ بَعْضِ النَّاسِ عَنْ الصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَقَدْ نَقَلْتُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ بَعْدَ الرَّاتِبِ.
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَوْ بِإِمَامَيْنِ مُشْكِلٌ؛ إذْ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ إلَّا قَوْلُ اللَّخْمِيِّ: مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ نَقَلَ هَذَا الْفَرْعَ فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَوْ صَلَّوْا أَفْذَاذًا أَوْ بَعْضُهُمْ بِإِمَامٍ وَبَعْضُهُمْ فَذًّا؛ جَازَ. قَالَ: قَالَ اللَّخْمِيّ وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ صَلَاةِ الطَّائِفَتَيْنِ بِإِمَامَيْنِ وَرَدَّهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ إمَامَةَ إمَامَيْنِ أَشَدُّ مِنْ تَأْخِيرِ بَعْضٍ.
فَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ مَحَلَّ النَّصِّ وَذَكَرَ الْمَخْرَجَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ النِّزَاعِ انْتَهَى كَلَامُ الْبِسَاطِيِّ وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَتِهِ قَوْلُهُ: أَوْ بَعْضٌ. فَإِذَا جَازَ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُفَرَّعُ عَلَيْهِ جَوَازُ صَلَاةِ طَائِفَتَيْنِ بِإِمَامَيْنِ وَلَكِنَّ شَرْحَهُ أَوَّلًا يَأْبَى هَذَا فَإِنَّهُ شَرَحَهَا، وَلَعَلَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَأَنْ دَهَمَهُمْ عَدُوٌّ بِهَا)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا دَهَمَهُمْ الْعَدُوُّ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الْمُسَايَفَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يُمْكِنُهُمْ إلَّا ذَلِكَ وَأَمَّا لَوْ أَمْكَنَهُمْ الْقَسْمُ فَإِنَّهُمْ يَقْتَسِمُونَ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَلَوْ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ أَمْنٍ فَطَرَأَ الْخَوْفُ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَالْحُكْمُ أَنْ تَقْطَعَ طَائِفَةٌ وَتَكُونَ وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِاَلَّذِينَ مَعَهُ ثُمَّ يَفْعَلُ عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَهَذَا إنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا إنْ شَرَعَ فِيهِ حَتَّى رَكَعَ أَوْ سَجَدَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ طَائِفَةٍ وَيُتِمُّ بِالْأُولَى وَتُصَلِّي الثَّانِيَةُ لِنَفْسِهَا إمَّا أَفْذَاذًا أَوْ بِإِمَامٍ آخَرَ
стр. 738
ص (وَعَدَمُ تَوَجُّهٍ)
ش: قَدْ تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الِاسْتِقْبَالِ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْ هَذَا الْكَلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِمْسَاكُ مُلَطَّخٍ)
ش: قَالَ فِي الْعُمْدَةِ إلَّا أَنْ يَسْتَغْنَوْا عَنْهُ وَيَأْمَنُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ أَمِنُوا بِهَا أُتِمَّتْ صَلَاةَ أَمْنٍ) ش الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى صَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى صَلَاةِ الْخَوْفِ بِنَوْعَيْهَا وَهُوَ الْأَحْسَنُ أَمَّا صَلَاةُ الْمُسَايَفَةِ فَحُكْمُهَا ظَاهِرٌ يُتِمُّ كُلُّ إنْسَانٍ صَلَاتَهُ، وَأَمَّا إذَا حَصَلَ الْأَمْنُ بَعْدَ أَنْ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً فَيَسْتَمِرُّ مَعَهُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا وَإِنْ أَتَمَّ أَجْزَأَتْهُ وَمَنْ صَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ أُمْهِلَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ مَا صَلَّى الْمَأْمُومُ ثُمَّ يَقْتَدِي بِهِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ وَنَحْوُهُ فِي ابْنِ بَشِيرٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَوَّلًا تُصَلِّي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ بِإِمَامٍ غَيْرِهِ وَلَا يَدْخُلُونَ مَعَهُ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلُوا مَعَهُ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَوَجَّهَهُ فِي الطِّرَازِ بِأَنَّهُ لَمَّا عَقَدَ الْإِحْرَامَ بِصَلَاةِ خَوْفٍ وَكَانَ إتْمَامُهَا صَلَاةَ أَمْنٍ إنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ الْحَالِ؛ كَانَ حُكْمُ إحْرَامِهِ حُكْمَ الضَّرُورَةِ فَصَارَ بِمَثَابَةِ مَنْ أَحْرَمَ جَالِسًا بِجُلُوسٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بَعْدَ رَكْعَةٍ فَقَامَ فَإِنَّهُ لَا يُحْرِمُ أَحَدٌ خَلْفَهُ قَائِمًا.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) إذَا صَلَّوْا صَلَاةَ الْأَمْنِ فَحَدَثَ الْخَوْفُ الشَّدِيدُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ قَطَعُوا وَعَادُوا إلَى صَلَاةِ الْخَوْفِ. وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ عَقْدِ رَكْعَةٍ أَوْ قَبْلَهَا انْتَهَى مِنْ الْفَاكِهَانِيِّ.
(الثَّانِي) اُنْظُرْ قَوْلَهُمْ: إنْ أَمِنُوا بِهَا أُتِمَّتْ صَلَاةَ أَمْنٍ مَعَ قَوْلِهِمْ فِي جَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ: إنَّهُ إذَا انْقَطَعَ الْمَطَرُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ الْجَمْعَ بَلْ يَتَمَادَى وَقَوْلُهُمْ فِي الْكُسُوفِ: إنَّهَا إذَا انْجَلَتْ فِي أَثْنَائِهَا فَفِي إتْمَامِهَا كَالنَّوَافِلِ قَوْلَانِ.
(الثَّالِثُ) مَشْرُوعِيَّةُ صَلَاةِ الْخَوْفِ تَدُلُّ أَنَّ مَصْلَحَةَ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ أَعْظَمُ مِنْ مَصَالِحِ اسْتِيفَاءِ الْأَرْكَانِ وَحُصُولِ الْخُشُوعِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَإِلَّا لَجَوَّزَ الشَّارِعُ التَّأْخِيرَ لِلْأَمْنِ مَعَ أَنَّا لَمْ نَشْعُرْ بِمَصْلَحَةِ الْوَقْتِ أَلْبَتَّةَ وَبِتَحَقُّقِ شَرَفِ هَذِهِ الْمَصَالِحِ.
وَنَظِيرُهُ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَصْلَحَةَ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ طَهَارَةِ الْمَاءِ انْتَهَى مِنْ الذَّخِيرَةِ.
(قُلْت) يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ: الِاخْتِيَارِيِّ مُسَاعَدَةُ مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي قَوْلِهِ: أَخَّرَ وَالْآخِرُ الِاخْتِيَارِيُّ وَصَلَّوْا إيمَاءً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ صَلَّى فِي ثُلَاثِيَّةٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ بِكُلٍّ رَكْعَةً بَطَلَتْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ كَغَيْرِهِمَا عَلَى الْأَرْجَحِ)
ش: هَذَا قَوْلُ سَحْنُونٍ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ عِنْدَهُ أَيْضًا بَاطِلَةٌ، وَأَمَّا عَلَى
стр. 739
الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَصَحِيحَةٌ وَمِثْلُ هَذَا مَا إذَا صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي الْمَغْرِبِ رَكْعَةً وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ فَرَوَى سَحْنُونٌ: صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ تُعِيدُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَقَطْ وَنَصُّ كَلَامِ سَحْنُونٍ عَلَى مَا فِي النَّوَادِرِ وَقَالَ سَحْنُونٌ.
(قُلْت) : وَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْحَضَرِ بِأَرْبَعِ طَوَائِفَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً أَنَّ صَلَاتَهُ وَصَلَاةَ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ تَامَّةٌ وَتَفْسُدُ عَلَى الْبَاقِينَ وَقَالَ سَحْنُونٌ بَلْ تَفْسُدُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً جَهْلًا أَوْ عَمْدًا فَصَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ سُنَّتَهَا وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَةً وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ لِوُقُوفِهِ فِي مَوْضِعِ غَيْرِ قِيَامٍ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ]
ص (فَصْلٌ سُنَّ لِعِيدٍ رَكْعَتَانِ لِمَأْمُورِ الْجُمُعَةِ)
ش: هَذَا الْفَصْلُ يُذْكَرُ فِيهِ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَالْعِيدُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَوْدِ وَهُوَ الرُّجُوعُ وَالتَّكَرُّرُ؛ لِأَنَّهُ مُتَكَرِّرٌ فِي أَوْقَاتِهِ، وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ تُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ.
(قُلْت) وَلَا يَلْزَمُ اطِّرَادُ وَجْهِ التَّسْمِيَةِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لِعَوْدِهِ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ عَلَى النَّاسِ وَقِيلَ: تَفَاؤُلًا بِأَنْ يَعُودَ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ النَّاسِ.
وَالْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ اخْتَارَ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ لَا أَعْرِفُهُ إلَّا لِنَقْلِ الْمَازِرِيِّ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ: لَا يَبْعُدُ كَوْنُهَا فَرْضَ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّهَا إظْهَارٌ لِأُبَّهَةِ الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَارِثٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ عَقَلَ الصَّلَاةَ مِنْ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ إلَّا أَنَّهُ لَا خُطْبَةَ عَلَيْهِمْ ظَاهِرٌ فِي وُجُوبِهَا، وَالْإِجْمَاعُ يَمْنَعُهُ؛ إذْ هُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ إلَّا أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلَ الْبَابِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا عَلَى أَهْلِ الْقُرَى الْبَعِيدَةِ عَنْ الْحَوَاضِرِ انْتَهَى.
(قُلْت) مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ صَحِيحٌ نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَنَصُّهُ: وَأَمَّا السُّنَّةُ فَخَمْسُ صَلَوَاتٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوِتْرُ وَصَلَاةُ الْخَوْفِ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَالْعِيدَانِ وَقَدْ قِيلَ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ: إنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ بِالسُّنَّةِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَإِلَى هَذَا كَانَ يَذْهَبُ شَيْخُنَا الْفَقِيهُ ابْنُ رِزْقٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ عَلَى الْأَعْيَانِ انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنِ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: إنَّ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ إنَّمَا يَقْتَضِي الْخِلَافَ هَلْ هُمَا سُنَّتَانِ عَلَى الْأَعْيَانِ أَوْ سُنَّتَانِ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا أَنَّهُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ - بَعِيدٌ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ عَرَضَهُ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي مَهْدِيِّ فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لِمَأْمُورِ الْجُمُعَةِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ
стр. 740
صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ إنَّمَا هِيَ سُنَّةٌ فِي حَقِّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالْجُمُعَةِ يُرِيدُ وُجُوبًا وَأَمَّا مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الصِّغَارِ وَالْمُسَافِرِينَ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَمَنْ عَقَلَ الصَّلَاةَ مِنْ الصِّبْيَانِ فَلَيْسَتْ فِي حَقِّهِمْ سُنَّةً وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ إقَامَتُهَا كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِقَامَةُ مِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَلَوْ تَرَكُوا الْجُمُعَةَ وَهِيَ عَلَيْهِمْ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا الْعِيدَ بِخُطْبَةٍ وَجَمَاعَةٍ انْتَهَى.
وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: لِمَأْمُورِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَيَنْزِلُ إلَيْهَا مَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ انْتَهَى.
وَخَرَجَ مِنْهُ الْحَاجُّ بِمِنًى إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ دُخُولُهُ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِقَامَةُ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا وَهِيَ لَا تُشْرَعُ لِلْحَاجِّ بِمِنًى قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ: مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَيْسَ عَلَى الْحَاجِّ بِمِنًى صَلَاةُ الْعِيدِ يَوْمَ النَّحْرِ كَمَا يُصَلِّي أَهْلُ الْآفَاقِ، وَإِنَّمَا صَلَاتُهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وُقُوفُهُمْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَذَلِكَ حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَاتُهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ وُقُوفُهُمْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَالَ أَشْهَبُ وَلَا أَرَى لِأَهْلِ مِنًى الْمُقِيمِينَ بِهَا مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ أَنْ يُطَوِّلَ الْعِيدَ فِي جَمَاعَةٍ لِبِدْعَةِ ذَلِكَ بِمِنًى وَلَوْ صَلَّاهَا مُصَلٍّ لِنَفْسِهِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى أَهْلِ مَكَّةَ صَلَاةُ الْعِيدِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مِنًى انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ: وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَا تُشْرَعُ لِلْحَاجِّ بِمِنًى كَصَلَاةِ الْعِيدِ انْتَهَى.
(وَقَالَ) الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ وَلَا يُجْزِي نَحْرُ الْهَدْيِ إلَّا نَهَارًا بَعْدَ الْفَجْرِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ بِمِنًى وَلَوْ قَبْلَ الْإِمَامِ وَقَبْلَ الشَّمْسِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ مَا نَصُّهُ: وَقْتُ الرَّمْيِ يَدْخُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ.
قَوْلُهُ: وَلَوْ قَبْلَ الْإِمَامِ إلَى آخِرِهِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي الْعِيدِ لَمَّا كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ نَاسَبَ أَنْ يَتَوَقَّفَ الذَّبْحُ عَلَى ذَبْحِهِ بِخِلَافِ الْحَجِّ إلَّا صَلَاةَ عِيدٍ عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ فِي بَابِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْفَجْرِ مَا نَصُّهُ: وَقْتُ الرَّمْيِ يَدْخُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَكَذَلِكَ الذَّبْحُ إلَّا أَنَّ الرَّمْيَ يُسْتَحَبُّ ضَحْوَةً فَكَذَلِكَ الذَّبْحُ.
وَيُخَالِفُ الْهَدْيُ الْأُضْحِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ وَلَا تُصَلَّى الْعِيدُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ بِخِلَافِ الْهَدْيِ وَلَا عِيدَ عَلَى أَهْلِ مِنًى انْتَهَى.
وَقَالَ فِي آخِرِ بَابِ الْهَدْيِ: وَالضَّحَايَا مُتَعَلِّقَةٌ بِصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْحَاجُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ صَلَاةِ الْعِيدِ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَا تُشْرَعُ لِلْحَاجِّ بِمِنًى لَا سُنَّةً وَلَا اسْتِحْبَابًا انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ: لَا يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنْ يَؤُمَّ الْعَبْدُ وَلَا الْمُسَافِرُ فِي الْجُمُعَةِ وَلَا فِي الْعِيدِ وَلَا أَنْ يَسْتَخْلِفَهُمَا الْإِمَامُ فِيهِمَا بَعْدَ إحْرَامِهِمَا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا كَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا الْجُمُعَةُ انْتَهَى.
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا أَيْ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُؤْمَرَانِ بِهِمَا عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي وَتَقَدَّمَ حُكْمُ إمَامَتِهِمَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْجُمُعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي رَسْمِ الْمُحْرِمِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُسَافِرُ بَعْدَ الْفَجْرِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فَقِيلَ: لَهُ فَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: غَيْرُ شَيْءٍ وَاحِدٍ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَى مَا تَكَلَّمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسَافِرُ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَكَرِهَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ إذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِشُهُودِ الْعِيدِ بَعْدُ، وَلَوْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَحَانَتْ الصَّلَاةُ لَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِسَفَرٍ وَيَدَعَ الْخُرُوجَ لِشُهُودِ صَلَاةِ الْعِيدِ انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِمَعْنَاهُ وَلَفْظِهِ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُعْجِبُنِي السَّفَرُ بَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ قَبْلَ صَلَاتِهِ إلَّا لِعُذْرٍ ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ حَرُمَ سَفَرُهُ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قُلْت الصَّوَابُ حَمْلُ الرِّوَايَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ سُنَّةٌ وَالْجُمُعَةُ فَرْضٌ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ يَقْتَضِي إثْمُ مَنْ تَرَكَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ يُبِيحُ التَّخَلُّفَ عَنْ الْجَمْعِ، وَلَمْ أَرَ
следующие страницы →