← Фикх малики

Фикх малики · id 569

مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

الحطاب

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

إغْمَاضِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَوْتَهُ وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِك وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ انْتَهَى. وَانْظُرْ قَوْلَ الشَّيْخِ بَهْرَامَ وَفِي كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّغْمِيضَ يَكُونُ قَبْلَ الْمَوْتِ لِقَوْلِهِ: وَيَقُولُ حِينَئِذٍ اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَوْتَهُ وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ إذَا قَضَى مَعَ كَلَامِ سَنَدٍ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الدُّعَاءَ الَّذِي قَالَهُ الشَّارِحُ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ يَقُولُهُ عِنْدَ إغْمَاضِهِ وَصَرَّحَ بِأَنَّ التَّغْمِيضَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الدُّعَاءِ بِالتَّسْهِيلِ بِمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: إذَا قَضَى رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَتَغْمِيضُهُ وَشَدُّ لَحْيَيْهِ فَهُوَ قَيْدٌ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُغْمَضُ إذَا انْقَطَعَ نَفَسُهُ وَانْحَدَرَ بَصَرُهُ وَانْفَرَجَتْ شَفَتَاهُ وَلَمْ تَنْطَبِقَا وَسَقَطَتْ قَدَمَاهُ وَلَمْ تَنْتَصِبَا فَعِنْدَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ عَلَامَاتٍ يُغْمَضُ الْمَيِّتُ، لَا قَبْلَ ذَلِكَ قَالَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَفِي التَّوْضِيحِ وَيُسْتَحَبُّ إذَا قَضَى لَا قَبْلَ ذَلِكَ انْتَهَى. (فَائِدَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ بْنُ أَسْبَاطٍ عَنْ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ لَمْ يُغْمَضْ عِنْدَ مَوْتِهِ وَبَقِيَ مَفْتُوحَ الْأَجْفَانِ وَالشَّفَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ وَاحِدٌ بِعَضُدِهِ وَآخَرُ بِإِبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ وَيَجْذِبَانِهِ قَلِيلًا فَإِنَّهُ يَتَغَمَّضُ وَذَلِكَ مُجَرَّبٌ صَحِيحٌ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ص (وَشَدُّ لَحْيَيْهِ إذَا قَضَى وَتَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ وَرَفْعُهُ عَنْ الْأَرْضِ وَسَتْرُهُ بِثَوْبٍ وَوَضْعُ ثَقِيلٍ عَلَى بَطْنِهِ) ش: قَالَ سَنَدٌ ثُمَّ يَشُدُّ لَحْيَهُ الْأَسْفَلَ بِعِصَابَةٍ وَيَرْبِطُهَا فَوْقَ رَأْسِهِ وَذَلِكَ لِئَلَّا يَسْتَرْخِيَ وَيَنْفَتِحَ فَاهُ فَتَدْخُلَهُ الْهَوَامُّ وَيَقْبُحَ بِذَلِكَ مَنْظَرُهُ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ: إغْمَاضُ عَيْنَيْهِ، وَشَدُّ لَحْيَيْهِ، وَتَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ، وَتَجْرِيدُهُ مِنْ ثِيَابِهِ، وَوَضْعُهُ عَلَى لَوْحٍ أَوْ سَرِيرٍ، وَتَثْقِيلُ بَطْنِهِ، وَتَسْجِيَتُهُ بِثَوْبٍ. زُعِمَ أَنَّ تَلْيِينَ مَفَاصِلِهِ إسْهَالًا عَلَى غَاسِلِهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ إذْ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى لِينُهُ لِوَقْتِ غُسْلِهِ، نَعَمْ تَمَدَّدَ فَإِنْ كَانَ مُرْتَفِعَ الرُّكَبِ غُمِزَ وَلِينَ ذَلِكَ مِنْهُ وَقَالَ فِي تَجْرِيدِهِ: لِئَلَّا تَحْمِيَهُ ثِيَابُهُ فَلَا يُؤْمَنُ مَعَهَا الْفَسَادُ وَهَذَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ فَلَا يُجْعَلُ سُنَّةً لِسَائِرِ الْأَمْوَاتِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رَفْعِهِ عَلَى سَرِيرٍ لِئَلَّا يَسْرُعَ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَتَنَالَهُ الْهَوَامُّ، وَتَثْقِيلُ بَطْنِهِ لِئَلَّا تَعْلُوَ فَيُتْرَكَ عَلَيْهَا حَدِيدٌ وَشِبْهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا التَّسْجِيَةُ فَرَوَى ابْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ ﷺ سُجِّيَ فِي ثَوْبِ حِبَرَةٍ انْتَهَى. وَنَقَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ مَا عَدَا تَجْرِيدَهُ بَلْ قَالَ عِنْدَ ذِكْرِ التَّسْجِيَةِ: وَيُزِيلُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ مَا عَدَا الْقَمِيصَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ التَّجْرِيدِ فِي كَلَامِ سَنَدٍ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى وَضْعِ ثَقِيلٍ: تُجْعَلُ عَلَى بَطْنِهِ حَدِيدَةٌ، أَوْ سِكِّينٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَطِينًا مَبْلُولًا طَاهِرًا لِئَلَّا يَعْلُوَ فُؤَادُهُ فَيُخْشَى أَنْ يَنْفَجِرَ قَبْلَ حُلُولِهِ فِي قَبْرِهِ انْتَهَى. (تَنْبِيهٌ) نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ شَدَّ اللَّحْيَيْنِ عَنْ غَيْرِ الْمَذْهَبِ وَقَدْ ذَكَرَهُ سَنَدٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَعْزِهِ لِغَيْرِ الْمَذْهَبِ وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَنَقَلَهُ ابْنُ شَعْبَانَ إلَّا أَنَّهُ عَلَّلَهُ بِخَوْفِ دُخُولِ شَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ عِنْدَ غُسْلِهِ لِجَوْفِهِ وَقَالَ ابْنُ غَازِي ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: قَدْ وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ تُجْعَلُ حَدِيدَةٌ عَلَى بَطْنِهِ وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَعْنَاهُ قَالُوا لِئَلَّا يَسْرُعَ انْتِفَاخُ بَطْنِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَا أَعْرِفُهُ فِي الْمَذْهَبِ بَلْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إبَاحَتَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ انْتَهَى. وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَنَقَلَهُ فِي الْمَدْخَلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ص (وَإِسْرَاعُ تَجْهِيزِهِ إلَّا الْغَرَقَ) ش فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ الْمُسْلِمِ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ» انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ ثُمَّ يَأْخُذُ فِي تَجْهِيزِهِ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ مِنْ إكْرَامِ الْمَيِّتِ الِاسْتِعْجَالَ بِدَفْنِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ فَجْأَةً، أَوْ بِصَعْقٍ، أَوْ غَرَقٍ، أَوْ بِسِمَنِهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا يُسْتَعْجَلُ عَلَيْهِ وَيُمْهَلُ حَتَّى يُتَحَقَّقَ مَوْتُهُ، وَلَوْ أَتَى عَلَيْهِ الْيَوْمَانِ، أَوْ الثَّلَاثُ، أَوْ يَظْهَرُ تَغَيُّرُهُ فَيَحْصُلُ الْيَقِينُ بِمَوْتِهِ لِئَلَّا يُدْفَنَ حَيًّا فَيُحْتَاطُ لَهُ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كَثِيرًا انْتَهَى. (فَرْعٌ) الدَّفْنُ لَيْلًا جَائِزٌ نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي دَفْنِ فَاطِمَةَ لَيْلًا جَوَازُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ

стр. 772

وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنَّ النَّهَارَ أَفْضَلُ إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ انْتَهَى. اُنْظُرْ الْعَارِضَةَ وَفِي النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ وَحِينَ تُصِيبُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، وَفِيهِ أَيْضًا: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ مَاتَ فَقُبِرَ لَيْلًا وَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَوِيلٍ فَزَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ إنْسَانٌ لَيْلًا إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ» ص (وَلِلْغُسْلِ سِدْرٌ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَحْسَنُ مَا جَاءَ فِي الْغُسْلِ ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَيُجْعَلُ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا إنْ تَيَسَّرَ انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: اُنْظُرْ، هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ نَظَافَةٌ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ يُغْسَلُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ وَظَاهِرُهُ فِي الْأُولَى وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ وَلَا رِجَالَ مَعَهُ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ وَلَا نِسَاءَ مَعَهَا: إنَّهُمَا يُيَمَّمَانِ وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ نَظَافَةً لَمْ يَجِبْ أَنْ يُيَمَّمَا فِي عَدَمِ الْمَاءِ؛ إذْ لَا نَظَافَةَ فِي التَّيَمُّمِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ فِي غَيْرِ الْأُولَى وَلَا يُخْلَطُ الْمَاءُ وَالسِّدْرُ وَقَوْلُهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ أَيْ يُدَلِّكُهُ بِالسِّدْرِ وَيَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْقَرَاحَ وَعَلَى الظَّاهِرِ حَمَلَهَا اللَّخْمِيُّ فَقَالَ: اُخْتُلِفَ فِي الْمَاءِ الَّذِي يُغَسِّلُ بِهِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُغَسَّلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَيُجْعَلُ فِي الْآخِرَةِ كَافُورٌ فَأَجَازَ غُسْلَهُ بِالْمَاءِ الْمُضَافِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ الَّذِي تَقَدَّمَ انْتَهَى. وَنَصُّ الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُغَسَّلُ فِي الْأُولَى بِالْمَاءِ وَحْدَهُ وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ وَفِي الثَّالِثَةِ بِغَيْرِ سِدْرٍ وَيُجْعَلُ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورٌ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ يَعْنِي وَرَقَ النَّبْقِ يُطْحَنُ وَيُجْعَلُ فِي الْمَاءِ وَيُحَرَّكُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ رَغْوَةٌ وَيُغَسَّلُ بِهِ الْمَيِّتُ وَقِيلَ: السِّدْرُ نَبَاتٌ بِالْيَمَنِ لَهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ وَمِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَأَخَذَ مِنْهُ اللَّخْمِيُّ غُسْلَهُ بِالْمُضَافِ لِقَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يُخْلَطُ الْمَاءُ بِالسِّدْرِ بَلْ يُحَكُّ الْمَيِّتُ بِالسِّدْرِ وَيُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَهَذَا الْجَوَابُ عِنْدِي مُتَّجِهٌ وَهَذَا اخْتِيَارُ أَشْيَاخِي وَالْمُدَوَّنَةِ قَابِلَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى الْإِضَافَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَوُرُودِهَا عَلَيْهِ؛ فَالْأَوَّلُ لَا يَضُرُّ وَالثَّانِي عَكْسُهُ يَضُرُّ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهَا كَقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: الْأُولَى بِالْمَاءِ وَحْدَهُ، وَالثَّانِيَةُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ وَالثَّالِثَةُ بِالْكَافُورِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ يُسْتَحَبُّ ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَفِي الْأَخِيرَةِ كَافُورٌ فَأَخَذَ اللَّخْمِيُّ مِنْهُ غُسْلَهُ بِالْمُضَافِ كَقَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ تُنَظَّفُ، ابْنُ حَبِيبٍ: الْأُولَى بِالْمَاءِ وَحْدَهُ وَالثَّانِيَةُ بِغَاسُولِ بَلَدِهِ إنْ عُدِمَ السِّدْرُ فَإِنْ عُدِمَا فَبِالْمَاءِ فَقَطْ وَالثَّالِثَةُ بِالْكَافُورِ، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ بِالنَّطْرُونِ وَالْحُرْضِ إنْ فُقِدَ السِّدْرُ أَشْهَبُ إنْ عَظُمَتْ مُؤْنَةُ الْكَافُورِ تُرِكَ التُّونُسِيُّ خَلْطُ الْمَاءِ بِالسِّدْرِ يُضِيفُهُ، وَصَبُّهُ عَلَى الْجَسَدِ بَعْدَ حَكِّهِ بِهِ لَا يُضِيفُهُ. (قُلْت) : إنْ كَانَ أَخَذَ اللَّخْمِيُّ مِنْ كِلَا الْأَمْرَيْنِ كَانَ خِلَافًا التُّونُسِيُّ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ كَانَ وِفَاقًا وَعَلَيْهِمَا طَهَارَةُ الثَّوْبِ النَّجِسِ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ بَعْدَ طَلَبِهِ بِالصَّابُونِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ غُسْلِهِ بِالْمُطَهِّرِ مَرَّةً دُونَ سِدْرٍ وَكَافُورٍ وَغَيْرِهِمَا يَعْنِي بِالْمُطَهِّرِ الْمَاءَ الطَّاهِرَ الْمُطَهِّرَ وَحْدَهُ دُونَ أَنْ يُخَالِطَهُ شَيْءٌ، وَالْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ عِبَادَةٌ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ لِلنَّظَافَةِ انْتَهَى مِنْ شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِابْنِ فَرْحُونٍ. [فُرُوعٌ الْأَوَّلُ الْبَخُور عِنْد غَسَلَ الْمَيِّت] (فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَيُسْتَحَبُّ الْبَخُورُ حِينَئِذٍ لِئَلَّا تُشَمَّ مِنْ الْمَيِّتِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ وَيُزَادَ فِي الْبَخُورِ عِنْدَ عَصْرِ بَطْنِهِ انْتَهَى. وَسَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ. [الثَّانِي مَا يَجِب عَلَيَّ الْغَاسِل] (الثَّانِي) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ يُكْرَهُ لِلْغَاسِلِ أَنْ يَقِفَ عَلَى الدَّكَّةِ وَيَجْعَلَ الْمَيِّتَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ بَلْ يَقِفُ بِالْأَرْضِ وَيُقَلِّبُهُ حِينَ غُسْلِهِ. (الثَّالِثُ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ أَيْضًا: يَنْبَغِي لِلْغَاسِلِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ عَنْ هَذِهِ الْأَذْكَارِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا وَجَعَلُوا لِكُلِّ عُضْوٍ ذِكْرًا يَخُصُّهُ فَإِنَّهُ

стр. 773

بِدْعَةٌ بَلْ يَشْتَغِلُ بِمَا ذُكِرَ عَنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ ذِكْرًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي وَيُكْثِرُ الْغَاسِلُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ حَالَ الْغُسْلِ انْتَهَى. فَانْظُرْهُ مَعَ مَا قَالَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ص (وَتَجْرِيدُهُ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَيُجَرَّدُ لِلْغُسْلِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُغَسَّلُ فِي قَمِيصِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَنْبَلٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَيَنْبَغِي إذَا جُرِّدَ لِلْغُسْلِ أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إلَّا الْغَاسِلُ وَمَنْ يَلِيهِ، وَتُسْتَرَ عَوْرَتُهُ بِمِئْزَرٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى صَدْرِهِ وَوَجْهِهِ خِرْقَةٌ أُخْرَى انْتَهَى ص (وَوَضْعُهُ عَلَى مُرْتَفِعٍ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْغُسْلِ فِي شَيْءٍ انْتَهَى. ص (وَلَمْ يُعِدْ كَالْوُضُوءِ لِنَجَاسَةٍ) ش: وَكَذَا لَوْ وُطِئَتْ الْمَيِّتَةُ لَمْ يُعَدْ غُسْلُهَا نَقَلَهُ الْأَبِيُّ ص (وَعَصْرُ بَطْنِهِ بِرِفْقٍ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ نَجَاسَةٌ أَزَالَهَا وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ لِتَذْهَبَ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ وَلِهَذَا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مِجْمَرَةٌ فِيهَا بَخُورٌ لِيَذْهَبَ بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ انْتَهَى. ص (وَصَبُّ الْمَاءِ فِي غَسْلِ مَخْرَجِهِ بِخِرْقَةٍ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَأَمَّا بَقِيَّةُ بَدَنِهِ إنْ شَاءَ غَسَلَهُ بِيَدَيْهِ وَإِنْ شَاءَ غَسَلَهُ بِخِرْقَةٍ وَقَدْ اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ أَنْ يُغَسِّلَهُ بِخِرْقَةٍ وَقَالَ يُعِدُّ خِرْقَتَيْنِ نَظِيفَتَيْنِ يُغَسِّلُ بِإِحْدَاهُمَا أَعَالِيَ بَدَنِهِ وَوَجْهَهُ وَصَدْرَهُ، ثُمَّ مَذَاكِيرَهُ وَبَيْنَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُلْقِيهَا وَيَفْعَلُ بِالْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ انْتَهَى. ص (وَتَوْضِئَتُهُ) ش: وَفِي تَكْرَارِ الْوُضُوءِ بِتَكْرَارِ الْغُسْلِ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ انْتَهَى. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَاجِيِّ وَيَنْبَغِي عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْرَارِ الْوُضُوءِ أَنْ لَا يُغَسِّلَ أَوَّلًا ثَلَاثًا بَلْ مَرَّةً مَرَّةً؛ لِئَلَّا يَقَعَ التَّكْرَارُ فِي الْعَدَدِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَكْرَارِهِ أَنْ يُثَلِّثَ أَوَّلًا انْتَهَى. ص (وَعَدَمُ حُضُورِ غَيْرِ مُعِينٍ) ش: قَالَ فِي الطِّرَاز وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ إلَّا ثِقَةً أَمِينًا صَالِحًا يُخْفِي مَا يَرَاهُ مِنْ عَيْبٍ وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ أَحَدٌ فَحَسَنٌ انْتَهَى. ص (وَكَافُورٌ فِي الْآخِرَةِ) ش: وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْكَافُورِ فَيَجْعَلَهُ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَيُذِيبَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُغَسِّلَ الْمَيِّتَ بِهِ قَالَهُ فِي الْمَدْخَلِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: وَالْأَخِيرَةُ بِالْكَافُورِ كَانَتْ الثَّالِثَةَ، أَوْ الْخَامِسَةَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَغَيْرُهُ مِنْ طِيبٍ إنْ وُجِدَ انْتَهَى. ص (وَنَشَّفَ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَفِي طَهَارَةِ

стр. 774

الثَّوْبِ الْمُنَشَّفِ بِهِ الْمَيِّتُ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي نَجَاسَةِ الْمَيِّتِ وَطَهَارَتِهِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَيُنَجَّسُ الثَّوْبُ الَّذِي يُنَشَّفُ فِيهِ قَالَ التُّونُسِيُّ: وَلَا يُصَلَّى فِيهِ حَتَّى يُغْسَلَ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَصَابَهُ مَاؤُهُ وَقَالَ سَحْنُونٌ طَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ص (وَبَيَاضُ الْكَفَنِ وَتَجْمِيرُهُ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَمَا كَانَ فِي الثَّوْبِ مِنْ عَلَمٍ، أَوْ حَاشِيَةٍ فَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ ثِيَابِ الْبَيَاضِ وَقَالَ قَبْلَهُ: الْأَحْسَنُ فِي ذَلِكَ التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالنَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا كُفِّنَ فِي ثِيَابِ قُطْنٍ لَا حَرِيرَ فِيهَا وَالْكَتَّانُ فِي مَعْنَى الْقُطْنِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ، وَالْقُطْنُ أَفْضَلُ لَهُ وَأَسْتَرُ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مِنْ الْكَتَّانِ مَا يَكُونُ أَسْتَرَ مِنْ الْقُطْنِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: لِكَوْنِهِ ﷺ كُفِّنَ فِيهِ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ التَّكْفِينَ بِالصُّوفِ غَيْرَ مَطْلُوبٍ انْتَهَى. ص (وَتَجْمِيرُهُ) ش: قَالَ سَنَدٌ فَرْعٌ: فَكَيْفَ يُجَمَّرُ؟ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: يُجَمَّرُ وِتْرًا وَحَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ النَّخَعِيّ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُجَمِّرُ ثِيَابَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وِتْرًا وَأَخَذَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّهُ أَشْهَبُ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ وِتْرٌ وَكَفَنَهُ وِتْرٌ وَالتَّجْمِيرُ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَكَانَ وِتْرًا وَالْمَقْصُودُ عُبُوقُ الرَّائِحَةِ فَتُجْعَلُ الثِّيَابُ عَلَى مِشْجَبٍ، أَوْ سَنَابِلَ وَهِيَ ثَلَاثُ قَصَبَاتٍ يُقْرَنُ رُءُوسُهُنَّ بِخَيْطٍ يُنْصَبُ وَتُتْرَكُ عَلَيْهَا الثِّيَابُ وَتُجَمَّرُ بِعُودٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُتَجَمَّرُ بِهِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَيَتَبَخَّرُ الْكَفَنُ ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا انْتَهَى. وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ: وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ بِالْعَنْبَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَضَبَطَهُ الْبِسَاطِيُّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ: وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَ الثِّيَابَ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَيُدْرِجَ فِيهَا الْمَيِّتَ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ أَدْرِجْ فِيهَا انْتَهَى. وَهُوَ تَصْحِيفٌ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ص (وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْوَاحِدِ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ قَالَ فِي الطِّرَازِ: يَجُوزُ أَنْ يُخَفَّفَ فِي أَكْفَانِ الصِّغَارِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إذَا لَمْ تَجِدْ الْمَرْأَةُ إلَّا ثَوْبَيْنِ لُفَّتْ فِيهِمَا وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ صَبِيٍّ، أَوْ صَبِيَّةٍ قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونُ هَذَا فِيمَنْ رَاهَقَ فَأَمَّا الصَّغِيرُ فَالْخِرْقَةُ تَكْفِيهِ انْتَهَى. ص (وَلَا يُقْضَى بِالزَّائِدٍ إنْ شَحَّ الْوَرَثَةُ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ. [فَرْعٌ أَوْصَى بِأَنْ لَا يُزَادَ عَلَى ثَوْبٍ فَزَادَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ آخَرَ] (فَرْعٌ) لَوْ، أَوْصَى بِأَنْ لَا يُزَادَ عَلَى ثَوْبٍ فَزَادَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ آخَرَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي الْوَاحِدِ مَعَرَّةً ابْنُ رُشْدٍ: وَلِأَنَّهُ أَوْصَى لِمَا لَا قُرْبَةَ فِيهِ فَلَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ؛ إذْ لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاحِدِ انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِلشَّيْخِ زَرُّوق. ص (إلَّا أَنْ يُوصِيَ فَفِي ثُلُثِهِ) ش: قَالَ سَنَدٌ عَنْ سَحْنُونٍ فِي الَّذِي يَكُونُ مِنْ الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ وَارِثٌ وَتَرَكَ شَيْئًا يَسِيرًا كَالدِّينَارِ وَالدِّينَارَيْنِ فَيَنْبَغِي مِنْ مِثْلِ هَذَا الْيَسِيرِ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّهُ فِي كَفَنِهِ وَحَنُوطِهِ وَقَبْرِهِ انْتَهَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُصْرَفُ كُلُّهُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ص (وَهَلْ الْوَاجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ، أَوْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالْبَاقِي سُنَّةٌ خِلَافٌ) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ سَلَّمَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَنَسَبَ الثَّانِيَ لِلتَّقْيِيدِ وَالتَّقْسِيمِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ هُنَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي التَّشْهِيرِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ أَبُو عُمَرَ وَابْنُ رُشْدٍ الْفَرْضُ مِنْ الْكَفَنِ سَاتِرُ الْعَوْرَةِ، وَالزَّائِدُ لِغَيْرِهَا سُنَّةٌ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ أَقَلُّهُ ثَوْبٌ

стр. 775

يَسْتُرُ كُلَّهُ انْتَهَى. وَصَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي الْمَيِّتِ بِخِلَافِ الْحَيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ص (وَوِتْرُهُ) ش: هَذَا تَكْرَارٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَهُ بِالثَّلَاثِ فَمَا فَوْقَهَا وَأَمَّا مَا دُونَ الثَّلَاثِ فَالشَّفْعُ أَفْضَلُ مِنْ الْوِتْرِ، بَلْ صَرَّحَ الْجُزُولِيُّ بِأَنَّ الْوَاحِدَ مَكْرُوهٌ وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ ذَلِكَ عَقِبَهُ فَصَارَ كَالِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ص (وَتَقْمِيصُهُ وَتَعْمِيمُهُ وَعَذَبَةٌ فِيهَا وَأَزَرَةٌ وَلِفَافَتَانِ) ش: هَذِهِ الْخَمْسُ هِيَ الْمُسْتَحَبَّةُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَهِيَ: الْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ وَالْإِزَارُ وَلِفَافَتَانِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُزَادَ لِلرَّجُلِ عَلَيْهَا وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَجُوزُ زِيَادَتُهَا إلَى سَبْعٍ وَذَلِكَ بِأَنْ تُزَادَ لِفَافَتَانِ كَمَا قَالَهُ الْجُزُولِيُّ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ص (وَالسَّبْعُ لِلْمَرْأَةِ) ش: يَعْنِي أَنَّ إيتَارَ كَفَنِ الرَّجُلِ يَنْتَهِي إلَى خَمْسَةٍ وَالْوِتْرُ الَّذِي هُوَ السَّبْعَةُ وَقُلْنَا بِجَوَازِ إيتَارِ الْكَفَنِ إلَيْهِ خَاصٌّ بِالْمَرْأَةِ، وَقَالَ فِي الْعُمْدَةِ: وَغَايَةُ الرَّجُلِ خَمْسَةٌ: قَمِيصٌ وَإِزَارٌ وَلِفَافَتَانِ وَالْمَرْأَةُ سَبْعٌ: دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَحَقْوٌ وَأَرْبَعُ لَفَائِفَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجَمَّرَ بِالْعُودِ وَالْعَنْبَرِ وَتُبْسَطَ اللَّفَائِفُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ وَحَقْوٌ يَعْنِي الْإِزَارَ وَأَمَّا الْخِرْقَةُ الَّتِي تُجْعَلُ عَلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَالْعَصَائِبُ الَّتِي يُشَدُّ بِهَا وَجْهُهُ فَلَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي هَذِهِ الْأَثْوَابِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَدْخَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ سَنَدٌ تُبْسَطُ الْأَكْفَانُ وَيُجْعَلُ أَسْفَلُهَا أَحْسَنَهَا؛ لِأَنَّ أَحْسَنَ ثِيَابِ الْحَيِّ يَكُونُ ظَاهِرَهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ثُمَّ يُعْطَفُ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ بِضَمِّ الْأَيْسَرِ إلَى الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْمَنِ إلَى الْأَيْسَرِ كَمَا يَلْتَحِفُ فِي حَيَاتِهِ وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ وَإِنْ عُطِفَ الْأَيْمَنُ أَوَّلًا فَلَا بَأْسَ وَيُفْعَلُ هَكَذَا فِي كُلِّ الثَّوْبِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْوَاضِحَةِ وَنَحْوِهِ لِأَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: فَإِذَا فَرَغْت مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ نَشَّفْت بَلَلَهُ فِي ثَوْبٍ، وَعَوْرَتُهُ مَسْتُورَةٌ وَقَدْ أَجْمَرْت ثِيَابَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتُرِكَ وَإِنْ أَجْمَرْتهَا شَفْعًا فَلَا حَرَجَ ثُمَّ تُسْقِطُ الثَّوْبَ الْأَعْلَى قَالَ أَشْهَبُ: اللِّفَافَةُ الَّتِي هِيَ أَوْسَعُ أَكْفَانِهِ ثُمَّ الْأَوْسَعُ فَالْأَوْسَعُ مِنْ بَاقِيهَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَيَذَرُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ الْحَنُوطِ ثُمَّ عَلَى الَّذِي يَلِيهِ هَكَذَا إلَى الَّذِي يَلِي جِسْمَهُ فَيَذَرُ عَلَيْهِ أَيْضًا ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ جَعْلِ الْحَنُوطِ فِي مَسَاجِدِهِ وَمَرَاقِّهِ وَمَسَامِّهِ، وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ ثُمَّ يُعْطَفُ بِاَلَّذِي يَلِي جَسَدَهُ ثُمَّ يُضَمُّ الْأَيْسَرُ إلَى الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْمَنُ عَلَيْهِ كَمَا يَلْتَحِفُ فِي حَيَاتِهِ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ: وَإِنْ عَطَفْت الْأَيْمَنَ أَوَّلًا فَلَا بَأْسَ وَيُفْعَلُ هَكَذَا فِي كُلِّ ثَوْبٍ وَيُجْعَلُ عَلَيْهِ الْحَنُوطُ إلَى الثَّوْبِ الْأَخِيرِ فَلَا يُجْعَلُ عَلَى ظَاهِرِ كَفَنِهِ حَنُوطًا ثُمَّ يُشَدُّ الثَّوْبُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ فَإِذَا أَلْحَدْته فِي الْقَبْرِ حَلَلْته، قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ تَرَكْت عَقْدَهُ فَلَا بَأْسَ مَا لَمْ تَتَبَيَّنْ أَكْفَانُهُ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْقُرْطُبِيِّ وَيُخَاطُ الْكَفَنُ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَا يُتْرَكُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ انْتَهَى. ص (وَحَنُوطٌ دَاخِلَ كُلِّ لِفَافَةٍ وَعَلَى قُطْنٍ يُلْصَقُ بِمَنَافِذِهِ وَالْكَافُورُ فِيهِ وَفِي مَسَاجِدِهِ وَحَوَاسِّهِ وَمَرَاقِّهِ) ش: صِفَةُ التَّحْنِيطِ وَالتَّكْفِينِ

стр. 776

بِاخْتِصَارٍ مِنْ النَّوَادِرِ وَالْمَدْخَلِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ بَعْدَ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَيَذْرُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ الْحَنُوطِ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ هَكَذَا إلَى الْأَعْلَى الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ فَيَذْرُ عَلَيْهِ أَيْضًا قَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ جَعَلَ الْحَنُوطَ فِي لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ وَالْكَافُورَ فَوَاسِعٌ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ثُمَّ يَجْعَلُ الْكَافُورَ عَلَى مَسَاجِدِهِ مِنْ وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ وَيَجْعَلُ مِنْهُ فِي عَيْنَيْهِ وَفِي فَمِهِ وَأُذُنَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَإِبِطَيْهِ وَرُفْغَيْهِ، وَعَلَى الْقُطْنِ الَّذِي يَجْعَلُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ لِئَلَّا يَسِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ وَيَشُدُّهُ بِخِرْقَةٍ إلَى حُجْزَةِ مِئْزَرِهِ فَقَالَ سَحْنُونٌ: وَيَشُدُّ دُبُرَهُ بِقُطْنَةٍ فِيهَا دَرِيرَةٌ وَيُبَالِغُ فِيهِ بِرِفْقٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَسُدُّ مَسَامَّ رَأْسِهِ بِقُطْنٍ عَلَيْهِ كَافُورٌ وَأُذُنَيْهِ وَمَنْخَرَيْهِ انْتَهَى. وَصِفَةُ التَّكْفِينِ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ أَنْ يَأْخُذَ قُطْنَةً، وَيَجْعَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الْكَافُورِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الطِّيبِ وَالْكَافُورُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ يَرْدَعُ الْمَوَادَّ فَيَجْعَلُهَا عَلَى فَمِهِ ثُمَّ يَأْخُذَ قُطْنَةً أُخْرَى فَيَجْعَلَ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ وَيَسُدَّ بِهَا أَنْفَهُ ثُمَّ أُخْرَى مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى وَيُرْسِلَهَا فِي أَنْفِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَأْخُذَ خِرْقَةً فَيَشُدَّ عَلَى الْأَنْفِ وَالْفَمِ ثُمَّ يَعْقِدَهَا مِنْ خَلْفِ عُنُقِهِ عَقْدًا وَثِيقًا فَتَبْقَى كَأَنَّهَا اللِّثَامُ ثُمَّ يَجْعَلَ عَلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ خِرْقَةً ثَانِيَةً بَعْدَ وَضْعِ الْقُطْنِ وَالْكَافُورِ عَلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَيَعْقِدُهَا عَقْدًا جَيِّدًا فَتَصِيرَ كَالْعِصَابَةِ ثُمَّ يَأْخُذَ خِرْقَةً ثَالِثَةً فَيَشُدَّ بِهَا وَسَطَهُ ثُمَّ يَأْخُذَ خِرْقَةً رَابِعَةً فَيَعْقِدَهَا فِي هَذِهِ الْخِرْقَةِ الْمَشْدُودِ بِهَا وَسَطُهُ، أَوْ يَخِيطَهَا فِيهَا ثُمَّ يُلْجِمَهُ بِهَا بَعْدَ أَنْ يَأْخُذَ قُطْنَةً وَتَجْعَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الطِّيبِ، أَوْ الْكَافُورِ وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْعُضْوَ وَيَسُدُّهُ فَيَجْعَلُهُ عَلَى بَابِ الدُّبُرِ وَيُرْسِلُ ذَلِكَ قَلِيلًا بِرِفْقٍ وَيَزِيدُ لِلْمَرْأَةِ سَدَّ الْقُبُلِ بِقُطْنَةٍ أُخْرَى وَيَفْعَلُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الدُّبُرِ سَوَاءٌ ثُمَّ يُلْجِمُهُ عَلَيْهِ بِالْخِرْقَةِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ يَرْبِطُهَا رَبْطًا وَثِيقًا وَلْيَحْذَرْ مَا يَفْعَلُونَ مِنْ إدْخَالِهِمْ فِي دُبُرِهِ قُطْنًا، وَكَذَلِكَ فِي حَلْقِهِ وَإِبِطِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَإِخْرَاقِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ ثُمَّ يَأْخُذُ فِي تَكْفِينِهِ فَيَشُدُّ عَلَى وَسَطِهِ مِئْزَرًا، أَوْ يُلْبِسُهُ سَرَاوِيلَ وَهُوَ أَسْتَرُ لَهُ ثُمَّ يُلْبِسُهُ الْقَمِيصَ ثُمَّ يُعَمِّمُهُ فَيَجْعَلُ لَهُ مِنْ الْعِمَامَةِ ذُؤَابَةً وَتَحْنِيكًا كَالْحَيِّ إلَّا أَنَّهَا هُنَا لَا تُرْخَى بَلْ يَشُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَسْتَوْثِقُ فِي عَقْدِهِ لِئَلَّا يَسْتَرْخِيَ ذَقَنُهُ فَيُفْتَحَ فَاهُ ثُمَّ يُعَمِّمُهُ بِبَاقِي الْعِمَامَةِ وَيَشُدُّهَا شَدًّا وَثِيقًا ثُمَّ يَبْسُطُ الذُّؤَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ فَيَسْتُرُ وَجْهَهُ بِهَا وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِمَا يَفْضُلُ مِنْ الْمِقْنَعَةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ يَسْتُرُ بِهَا وَجْهَهَا ثُمَّ يَنْقُلُهُ إلَى مَوْضِعِ الْكَفَنِ فَيَجْعَلُهُ عَلَيْهِ وَيُحَنِّطُهُ وَمَوَاضِعُ الْحَنُوطِ خَمْسٌ: الْأَوَّلُ ظَاهِرُ جَسَدِ الْمَيِّتِ، الثَّانِي: بَيْنَ أَكْفَانِهِ وَلَا يُجْعَلُ عَلَى ظَاهِرِ الْكَفَنِ، الثَّالِثُ: الْمَسَاجِدُ السَّبْعَةُ وَهِيَ الْجَبْهَةُ وَالْأَنْفُ وَالْكَفَّانِ مَعَ الْأَصَابِعِ وَالرُّكْبَتَانِ وَأَطْرَافُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، الرَّابِعُ: مَنَافِذُ الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا، الْخَامِسُ: الْأَرْفَاغُ وَهِيَ مَغَابِنُ الْجَسَدِ خَلْفَ أُذُنَيْهِ وَتَحْتَ حَلْقِهِ وَتَحْتَ إبِطَيْهِ وَفِي سُرَّتِهِ وَفِيمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ وَأَسَافِلِ رُكْبَتَيْهِ وَقَعْرِ قَدَمَيْهِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَكُونُ مَعَهُ مِنْ الطِّيبِ فَإِنْ قَلَّ عَنْ اسْتِيعَابِ ذَلِكَ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى الْأَرْفَاغِ وَالْمَسَاجِدِ السَّبْعَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ثُمَّ يَأْخُذُ طَرَفَ أَحَدِ كُمَّيْهِ فَيَرْبِطُهُ بِطَرَفِ الْكُمِّ الْآخَرِ رَبْطًا وَثِيقًا ثُمَّ يَأْخُذُ خِرْقَةً طَوِيلَةً فَيَرْبِطُهَا فِي مَوْضِعِ رِبَاطِ الْكُمَّيْنِ ثُمَّ يَمُدُّهَا إلَى إبْهَامِ رِجْلَيْهِ فَيَرْبِطُهَا فِيهِمَا رَبْطًا جَيِّدًا وَثِيقًا لِئَلَّا تَتَحَرَّكَ أَطْرَافُهُ وَتَتَعَرَّى، هَذَا إذَا لَبِسَ الْقَمِيصَ وَأَمَّا إذَا أُدْرِجَ فَلَا حَاجَةَ إلَى فِعْلِ ذَلِكَ فَإِذَا جَاءَ إلَى لَحْدِهِ أَزَالَ الرِّبَاطَ عَنْهُ وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ جَعْلِ الْقُطْنِ الْكَثِيرِ عَلَى وَجْهِ الْمَيِّتِ حَتَّى يَعْلُوَ وَعَلَى رُكْبَتَيْهِ وَتَحْتَ حَنَكِهِ وَتَحْتَ رَقَبَتِهِ حَتَّى يَصِيرَ رَأْسُهُ وَكَتِفَاهُ بِالسَّوَاءِ وَكَذَلِكَ مَا يَجْعَلُونَهُ مِنْ الْقُطْنِ عِنْدَ سَاقِهِ هَاهُنَا وَمِنْ هَاهُنَا حَتَّى يَصِيرَ بَطْنُهُ وَرَأْسُهُ وَرِجْلَاهُ بِالسَّوَاءِ فَإِنَّهُ مِنْ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، وَهُوَ بِدْعَةٌ وَفِيهِ مُحَرَّمَانِ: وَهُمَا إضَاعَةُ الْمَالِ وَأَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَهُمْ الْوَرَثَةُ إنْ كَانَ فِيهِمْ قَاصِرُونَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قَاصِرُونَ وَرَضُوا بِذَلِكَ فَفِيهِ الْإِعَانَةُ عَلَى الْبِدْعَةِ ثُمَّ

стр. 777

يَرْبِطُ الْكَفَنَ عِنْدَ رَأْسِهِ وَمِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ رَبْطًا وَثِيقًا، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي نَقْلِهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ الْبَيْتِ إلَى النَّعْشِ وَذَلِكَ كُلُّهُ بِرِفْقٍ وَحُسْنِ سَمْتٍ وَوَقَارٍ انْتَهَى. ص (وَمَشْيُ مُشَيِّعٍ) ش: فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ ﵊ «أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَأَبَى، ثُمَّ لَمَّا انْصَرَفَ أُتِيَ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَهَا» انْتَهَى. ص (وَإِسْرَاعُهُ) ش: قَالَ فِي الْمَدْخَلِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ -: السُّنَّةُ فِي الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ أَنْ يَكُونَ كَالشَّابِّ الْمُسْرِعِ فِي حَاجَتِهِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ص (وَتَقَدُّمُهُ) ش: أَيْ وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ لِلْمُشَيِّعِ لِلْجِنَازَةِ إذَا كَانَ مَاشِيًا أَنْ يَتَقَدَّمَ أَمَامَهَا قَالَ فِي الطِّرَازِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَشْيَ أَمَامَهَا أَفْضَلُ فَلَا يُكْرَهُ الْمَشْيُ خَلْفَهَا قَالَهُ أَشْهَبُ فِي مُدَوَّنَتِهِ قَالَ: أَمَامَهَا السُّنَّةُ وَخَلْفَهَا وَاسِعٌ، وَاَلَّذِي قَالَهُ بَيِّنٌ وَنَظِيرُهُ مَنْ قَدَرَ أَنْ يَجْلِسَ فِي الصَّلَاةِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَجَلَسَ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَالْأَوَّلُ كَانَ أَفْضَلَ انْتَهَى. ص (وَتَأَخُّرُ رَاكِبٍ وَامْرَأَةٍ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْشِيَ أَمَامَهَا وَلْيَمْشِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ الْجِنَازَةِ وَهَذَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهُنَّ؛ وَلِأَنَّ شَأْنَهُنَّ التَّأْخِيرُ فِي الْمَقَامِ عَنْ الرِّجَالِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ قَالَ: فَرْعٌ: فَإِنْ رَكِبَ مَعَهَا كَانَ خَلْفَهَا خَلْفَ الْمُشَاةِ، أَوْ يَتَقَدَّمُهُمْ وَلَا يَصْحَبُهُمْ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ وَيَكُونُ النِّسَاءُ خَلْفَ الرِّجَالِ انْتَهَى ص (وَيَسْتُرُهَا بِقُبَّةٍ) ش: وَلَا بَأْسَ بِسَتْرِ النَّعْشِ لِلرَّجُلِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ إنْزَالِ الْمَيِّتَةِ فِي قَبْرِهَا بِثَوْبٍ وَكَذَلِكَ فُعِلَ بِزَيْنَبِ بِنْتِ جَحْشٍ وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَمَا أَكْرَهُ أَنْ يُسْتَرَ الْقَبْرُ فِي دَفْنِ الرِّجَالِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي وَذَلِكَ وَاسِعٌ فِي الرَّجُلِ وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَتْرُ قَبْرٍ لِلْمَرْأَةِ بِثَوْبٍ مِمَّا يَنْبَغِي فِعْلُهُ انْتَهَى ص (وَابْتِدَاءٌ بِحَمْدِ اللَّهِ وَصَلَاةٍ عَلَى نَبِيِّهِ ﵊) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَا تُكَرَّرُ الصَّلَاةُ وَلَا التَّحْمِيدُ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ انْتَهَى. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُقْرَأُ عَلَى الْجِنَازَةِ قَالَ ابْنُ هَارُونَ نَاقِلًا عَنْ اللَّخْمِيِّ وَالْبَاجِيِّ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِيهِ الْكَرَاهَةُ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ لِلْقَارِئِ وَالْمَيِّتُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا وَقَالَ أَشْهَبُ اقْرَءُوا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَقَطْ انْتَهَى. وَمِنْهُ إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ مَأْمُورٌ بِهَا فَهِيَ فِيمَا يُفْتَقَرُ إلَيْهِ مِنْ الشُّرُوطِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَالدُّعَاءُ فِيهَا كَالْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَكَوْنُهَا بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ أَشْهَبُ: يَقْرَأُ بِالْفَاتِحَةِ كَالشَّافِعِيِّ، وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَرَعًا لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ ص (وَوُقُوفٌ أَمَامَ الْوَسْطِ وَمَنْكِبَيْ الْمَرْأَةِ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقِفُ عِنْدَ وَسَطِ الرَّجُلِ وَفِي الْمَرْأَةِ عِنْدَ مَنْكِبَيْهَا. قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: قَيَّدْنَاهُ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا بِسُكُونِ السِّينِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ كَذَا رَدَّهُ عَلَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ صَاحِبِ الْإِحْبَاسِ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَسْطُ الدَّارِ

стр. 778

وَوَسَطُهَا سَوَاءٌ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ يُقَالُ جَلَسْت وَسْطَ الْقَوْمِ بِالتَّسْكِينِ؛ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ وَجَلَسْت وَسَطَ الدَّارِ بِالتَّحْرِيكِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ وَكُلُّ مَوْضِعٍ صَلُحَ فِيهِ بَيْنَ فَهُوَ وَسْطٌ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ فِيهِ بَيْنَ فَهُوَ وَسَطٌ بِالتَّحْرِيكِ وَرُبَّمَا سَكَنَ وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْوَسْطُ بِالسُّكُونِ يُقَالُ فِيمَا هُوَ مُتَفَرِّقُ الْأَجْزَاءِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ كَالنَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلَ الْأَجْزَاءِ كَالدَّارِ وَالرَّأْسِ فَهُوَ بِالْفَتْحِ وَقِيلَ: كُلُّ مَا يَصْلُحُ فِيهِ بَيْنَ فَهُوَ بِالسُّكُونِ، وَمَا لَا يَصْلُحُ فِيهِ بَيْنَ فَهُوَ بِالْفَتْحِ وَقِيلَ: كُلٌّ مِنْهُمَا يَقَعُ مَوْقِعَ الْآخَرِ وَكَأَنَّهُ الْأَشْبَهُ انْتَهَى [فَرْعٌ الْقِيَام فِي صَلَاة الْجِنَازَة] (فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: وَالْقِيَامُ فَرْضٌ فِيهَا فَلَوْ صَلَّى جَالِسًا أَعَادَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ انْتَهَى. (فَرْعٌ) وَلَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ الِاسْتِقْبَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَرْعٌ تَقَدُّمُ الْمُصَلِّي عَلَى الْإِمَامِ وَالْجِنَازَةِ] (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ تَقَدُّمُ الْمُصَلِّي عَلَى الْإِمَامِ وَالْجِنَازَةِ فِيهِ مَكْرُوهَانِ أَحَدُهُمَا تَقَدُّمُهُ عَلَى الْإِمَامِ وَالثَّانِي تَقَدُّمُهُ عَلَى الْجِنَازَةِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقَدُّمُ عَلَى الْجِنَازَةِ مَكْرُوهًا فَقَطْ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ إمَامًا، أَوْ مَأْمُومًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَرْعٌ سُنَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ] (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي سُنَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ. السَّادِسَةُ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَرَأْسُهُ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى بَلَدِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ عَنْ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَجْمَعُوا أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُلَاصِقُ الْجِنَازَةَ وَلْيَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فُرْجَةٌ انْتَهَى ص (رَأْسُ الْمَيِّتِ عَنْ يَمِينِهِ) ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ وَأَجْزَأَتْ إنْ صَلَّى عَلَيْهَا مَنْكُوسًا رَأْسُهُ مَوْضِعَ رِجْلَيْهِ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ ص (وَحَثْوُ قَرِيبٍ فِيهِ ثَلَاثًا) ش: هَذَا الْقَوْلُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْعُمْدَةِ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَاَلَّذِينَ يَلُونَ دَفْنَهَا يَلُونَ رَدَّ التُّرَابِ عَلَيْهَا وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا وَمِنْ شَأْنِهِمْ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى الْقَبْرِ لِيَشْتَدَّ رُوِيَ أَنَّهُ فُعِلَ ذَلِكَ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَمَسَّ أَحَدٌ الْقَبْرَ بِيَدِهِ بَعْدَ رَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ص (وَتَهْيِئَةُ طَعَامٍ لِأَهْلِهِ) ش: أَيْ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُهَيَّأَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ وَيَجُوزُ حَمْلُ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُمْ فَاجَأَهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد. لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الْبِرِّ وَالتَّوَدُّدِ لِلْأَهْلِ وَالْجِيرَانِ أَمَّا إصْلَاحُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا وَجَمْعُ النَّاسِ عَلَيْهِ فَقَدْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ وَعَدُّوهُ مِنْ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ شَيْءٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعَ الْوَلَائِمِ أَمَّا عَقْرُ الْبَهَائِمِ وَذَبْحُهَا عَلَى الْقَبْرِ فَمِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ إلَّا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد انْتَهَى. قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْعَقْرُ الذَّبْحُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَأَمَّا مَا يَذْبَحُهُ الْإِنْسَانُ فِي بَيْتِهِ وَيُطْعِمُهُ لِلْفُقَرَاءِ صَدَقَةً عَلَى الْمَيِّتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً وَلَا مُفَاخَرَةً وَلَمْ يَجْمَعْ عَلَيْهِ النَّاسَ. قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ: وَعَقْرُ الْبَهَائِمِ وَذَبْحُهَا عِنْدَ الْقَبْرِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ الْخِرْفَانَ وَالْخُبْزَ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ بِعَشَاءِ الْقَبْرِ فَإِذَا أَتَوْا إلَى الْقَبْرِ ذَبَحُوا مَا أَتَوْا بِهِ بَعْدَ الدَّفْنِ

стр. 779

وَفَرَّقُوهُ مَعَ الْخُبْزِ وَيَقَعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُزَاحَمَةٌ وَضِرَابٌ وَيَأْخُذُ ذَلِكَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَيُحْرَمُهُ الْمُسْتَحِقُّ فِي الْغَالِبِ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» انْتَهَى. وَالْعَقْرُ الذَّبْحُ عِنْدَ الْقَبْرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالْفَخْرِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي أَفْعَالِ الْقُرَبِ الْإِسْرَارُ بِهَا دُونَ الْجَهْرِ فَهُوَ أَسْلَمُ وَالْمَشْيُ بِذَلِكَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ جَمْعٌ بَيْنَ إظْهَارِ الصَّدَقَةِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالْفَخْرِ وَلَوْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ فِي الْبَيْتِ سِرًّا لَكَانَ عَمَلًا صَالِحًا سَلِمَ مِنْ الْبِدْعَةِ أَعْنِي أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ سُنَّةً، أَوْ عَادَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِهِمْ ﵃ انْتَهَى ص (وَتَعْزِيَةٌ) ش: عَدَّ الْمُصَنِّفُ التَّعْزِيَةَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَصَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهَا صَاحِبُ الْإِرْشَادِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِهِ أَمَّا اسْتِحْبَابُهَا فَلَا إشْكَالَ فِيهِ انْتَهَى. وَعَلَى اسْتِحْبَابِهَا مَشَى الشَّارِحُ فِي شَامِلِهِ فَقَالَ: وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِهِ انْتَهَى. وَفِي الْجَوَاهِرِ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَنَصُّهُ: التَّعْزِيَةُ سُنَّةٌ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ: فِي التَّعْزِيَةِ ثَوَابٌ كَثِيرٌ ابْنُ شَاسٍ سُنَّةٌ انْتَهَى. وَالتَّعْزِيَةُ - قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ - هِيَ الْحَمْلُ عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ شَكَّ فِي طَوَافِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ: وَالتَّعْزِيَةُ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا تَهْوِينُ الْمُصِيبَةِ عَلَى الْمُعَزَّى، وَتَسْلِيَتُهُ مِنْهَا، وَتَحْضِيضُهُ عَلَى الْتِزَامِ الصَّبْرِ وَاحْتِسَابِ الْأَجْرِ وَالرِّضَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَالتَّسْلِيمُ لِأَمْرِهِ. وَالثَّانِي: الدُّعَاءُ بِأَنْ يُعَوِّضَهُ اللَّهُ مِنْ مُصَابِهِ جَزِيلَ الثَّوَابِ وَيُحْسِنَ لَهُ الْعُقْبَى وَالْمَآبَ. وَالثَّالِثُ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَالتَّرَحُّمُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ انْتَهَى. وَأَمَّا أَلْفَاظُ التَّعْزِيَةِ فَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَلْفَاظًا فِي التَّعْزِيَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ، ثُمَّ قَالَ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَدْرِ مَنْطِقِ الرَّجُلِ وَمَا يَحْضُرُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَوْلِ وَقَدْ اسْتَحْسَنْت أَنْ أَقُولَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك عَلَى مُصِيبَتِك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك عَنْهَا، وَعُقْبَاك مِنْهَا غَفَرَ اللَّهُ لِمَيِّتِك وَرَحِمَهُ، وَجَعَلَ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ انْتَهَى. وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَدْ جَاءَ فِي تَعْزِيَةِ الْمُصَابِ ثَوَابٌ كَثِيرٌ، وَجَاءَ أَنَّ اللَّهَ يُلْبِسُ الَّذِي عَزَّاهُ لِبَاسَ التَّقْوَى، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا عَزَّى قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي الْبَاقِي وَآجَرَك فِي الْفَانِي «وَعَزَّى النَّبِيُّ ﷺ امْرَأَةً فِي ابْنِهَا فَقَالَ: إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَبْقَى، وَلَكِ أَجَلٌ مُسَمًّى، وَكُلٌّ إلَيْهِ رَاجِعٌ، فَاحْتَسِبِي وَاصْبِرِي، فَإِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ» . وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ إذَا عَزَّى قَالَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَجَبَرَ مُصِيبَتِك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك عَنْهَا، وَأَعْقَبَكَ عَقِبًا نَافِعًا لِدُنْيَاكَ وَأُخْرَاكَ وَكَانَ مَكْحُولٌ يَقُولُ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك وَأَحْسَنَ عُقْبَاك وَغَفَرَ لِمُتَوَفَّاك قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكُلٌّ وَاسِعٌ بِقَدْرِ مَا يَحْضُرُ الرَّجُلَ وَبِقَدْرِ مَنْطِقِهِ، وَأَنَا أَقُولُ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك عَلَى مُصِيبَتِك وَأَحْسَنَ عَزَاءَك عَنْهَا وَعُقْبَاك مِنْهَا، غَفَرَ اللَّهُ لِمَيِّتِك وَرَحِمَهُ وَجَعَلَ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَأَحْسَنُ التَّعْزِيَةِ مَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ آجَرَكُمْ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِكُمْ وَأَعْقَبَكُمْ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ انْتَهَى. وَزَادَ سَنَدٌ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا مَاتَ وَجَاءَتْ التَّعْزِيَةُ سَمِعُوا صَوْتًا مِنْ جَانِبِ الْبَيْتِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ إنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ وَعِوَضًا

стр. 780

مِنْ كُلِّ فَائِتٍ فَبِاَللَّهِ فَثِقُوا وَإِيَّاهُ فَارْجُوا؛ فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ انْتَهَى. قَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّعْزِيَةِ أَلْفَاظٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَحْسَنُ التَّعْزِيَةِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «آجَرَكُمْ اللَّهُ عَلَى مُصِيبَتِكُمْ وَأَعْقَبَكُمْ خَيْرًا مِنْهَا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ» انْتَهَى [فُرُوعٌ] [الْأَوَّلُ الْجُلُوسُ لِلتَّعْزِيَةِ] (فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) فِي الْجُلُوسِ لِلتَّعْزِيَةِ قَالَ سَنَدٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ لِلتَّعْزِيَةِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لَمَّا قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ﵄ جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد انْتَهَى. [الثَّانِي مَحَلِّ التَّعْزِيَةِ] (الثَّانِي) فِي مَحَلِّ التَّعْزِيَةِ وَمَحَلُّهَا فِي الْبَيْتِ وَإِنْ جُعِلَتْ عَلَى الْقَبْرِ فَوَاسِعٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَدَبِ. قَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَالْأَدَبُ فِي التَّعْزِيَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ عُلَمَاؤُنَا أَنْ تَكُونَ بَعْدَ رُجُوعِ وَلِيِّ الْمَيِّتِ بَعْدَ الدَّفْنِ إلَى بَيْتِهِ وَهِيَ جَائِزَةٌ قَبْلَ الدَّفْنِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْمَيِّتِ بِسَبَبِهَا تَأْخِيرٌ عَنْ مُوَارَاتِهِ فَإِنْ حَصَلَ ذَلِكَ مُنِعَ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا وَتَجُوزُ قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ انْتَهَى. وَيُشِيرُ بِأَوَّلِ كَلَامِهِ إلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَنَصُّهُ: عَلَى مَا فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ النَّخَعِيّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّعْزِيَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَذَلِكَ وَاسِعٌ فِي الدِّينِ، وَأَمَّا فِي الْأَدَبِ فَفِي الْمَنْزِلِ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ النَّوَادِرِ بِلَفْظِ ابْنِ حَبِيبٍ وَالتَّعْزِيَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ وَاسِعٌ فِي الدِّينِ وَالْأَدَبُ فِي الْمَنْزِلِ وَنَقَلَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَالطِّرَازِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمْ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ جَوَازُهَا قَبْلَ الدَّفْنِ وَقَالَهُ فِي الطِّرَازِ وَنَصُّهُ: بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ الْمُتَقَدِّمِ. وَتَجُوزُ التَّعْزِيَةُ قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَا يُعَزَّى بَعْدَ الدَّفْنِ؛ لِأَنَّ الدَّفْنَ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ وَمَا قُلْنَاهُ أَصْوَبُ؛ لِأَنَّ عَقِيبَ الدَّفْنِ يَكْثُرُ الْجَزَعُ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ مُفَارَقَةِ شَخْصِهِ وَالِانْصِرَافِ عَنْهُ انْتَهَى. وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا تَعْيِينَ وَقْتِ التَّعْزِيَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حِينَ يَمُوتُ إلَى حِينِ يُدْفَنُ عَقِيبَ الدَّفْنِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يُعَزَّى بَعْدَ الدَّفْنِ؛ لِأَنَّ الدَّفْنَ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ. (قُلْت) وَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَعْنِي قَوْلَهُ ﵇: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا؛ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» فَإِنَّهُ عَامٌّ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَقِيبَ وَقْتٍ يَكْثُرُ الْجَزَعُ وَالْهَلَعُ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ مُفَارَقَةِ شَخْصِ الْمَيِّتِ وَالرُّجُوعِ عَنْهُ بِالْإِيَاسِ مِنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحَبَّ التَّعْزِيَةُ حِينَئِذٍ لِئَلَّا يَتَسَخَّطَ الْمُصَابُ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَأْثَمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. وَكَأَنَّ الْفَاكِهَانِيَّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ الْمُتَقَدِّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [الثَّالِث مَنْ عَلَيْهِ التَّعْزِيَة] (الثَّالِثُ) فِيمَنْ يُعَزَّى قَالَ سَنَدٌ: وَيُعَزَّى الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ مِمَّنْ يُقْصَدُ بِالْخِطَابِ وَيَفْهَمُهُ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَا تُعَزَّى الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ وَتُعَزَّى الْمُتَجَالَّةُ، وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ قَالَ: وَكَذَلِكَ السَّلَامُ عَلَيْهِنَّ فِي الطَّرِيقِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أُحِبُّ أَنْ يُعَزِّيَ الشَّابَّةَ إلَّا ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَيُخَصُّ بِالتَّعْزِيَةِ أَجْزَعُهُمْ وَأَضْعَفُهُمْ عَنْ احْتِمَالِ الْمُصِيبَةِ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ فِي تَعْزِيَتِهِمْ أَكْثَرُ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِلَفْظِ وَيُعَزَّى الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَمَنْ يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَالْمُتَجَالَّةُ بِخِلَافِ الشَّابَّةِ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بِلَفْظِ: وَيُعَزَّى الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ الْمُمَيِّزُ وَالْمَرْأَةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ شَابَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا رَحِمٍ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَزَادَ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي الْفَرْعِ الْخَامِسِ وَمَا عَزَاهُ سَنَدٌ لِسَحْنُونٍ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهَا وَنَصُّهُ: وَفِي كِتَابِ ابْنُ سَحْنُونٍ لَا تُعَزَّى الشَّابَّةُ وَتُعَزَّى الْمُتَجَالَّةُ وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ كَالسَّلَامِ عَلَيْهَا انْتَهَى [الرَّابِع التَّعْزِيَةِ بِالنِّسَاءِ وَالْقَرِينِ الصَّالِحِ] (الرَّابِعُ) فِي التَّعْزِيَةِ بِالنِّسَاءِ وَالْقَرِينِ الصَّالِحِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أُصِيبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمَّا دُفِنَتْ وَرَجَعَ مَعَهُ الْقَوْمُ فَأَرَادُوا تَعْزِيَتَهُ عِنْدَ مَنْزِلِهِ فَدَخَلَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَقَالَ إنَّا لَا نُعَزَّى فِي النِّسَاءِ وَفَعَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ مَا أَتَى بِكَ؟ . فَقَالَ: لِأُشَارِككَ فِي مُصِيبَتِكَ وَأُعَزِّيَكَ بِابْنَتِكَ، فَقَالَ لَهُ: مَهْلًا فَإِنَّا لَا نُعَزَّى فِي النِّسَاءِ وَلِغَيْرِ

стр. 781

ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ فَبِالْأُمِّ، قَالَ غَيْرُهُ: وَكُلٌّ وَاسِعٌ، وَقَدْ قَالَ ﵇: مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثٌ مِنْ الْوَلَدِ لَمْ يَذْكُرْ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لِيُعَزَّى الْمُسْلِمُونَ فِي مَصَائِبِهِمْ بِالْمُصِيبَةِ بِي» وَجَعَلَ الْمُصِيبَةَ بِالزَّوْجَةِ الصَّالِحَةِ وَالْقَرِينِ الصَّالِحِ مُصِيبَةً انْتَهَى كَلَامُ النَّوَادِرِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مُخْتَصَرًا وَنَصُّهُ: قَالَ - يَعْنِي ابْنَ حَبِيبٍ وَأَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ -: التَّعْزِيَةُ فِي الْمَرْأَةِ غَيْرَ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ فَبِالْأُمِّ غَيْرُهُ كُلٌّ وَاسِعٌ وَقَالَ ﷺ «لِيَتَعَزَّى الْمُسْلِمُونَ فِي مَصَائِبِهِمْ بِالْمُصِيبَةِ بِي» وَجَعَلَ مُصِيبَةَ الزَّوْجَةِ وَالْقَرِينِ الصَّالِحِ مُصِيبَةً انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَزَّى الرَّجُلُ فِي صَدِيقِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَائِبِ، وَكَذَلِكَ يُعَزَّى الرَّجُلُ فِي زَوْجَتِهِ الصَّالِحَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَصَائِبِ انْتَهَى. وَسَيَأْتِي فِي الْفَرْعِ الْخَامِسِ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْحُرَّ يُعَزَّى بِالْعَبْدِ [الْخَامِس تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَالْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ أَوْ بِالْكَافِرِ] (الْخَامِسُ) فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَالْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ، أَوْ بِالْكَافِرِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُعَزَّى بِأَبِيهِ الْكَافِرِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] انْتَهَى. زَادَ سَنَدٌ بَعْدَ قَوْلِ الْمَجْمُوعَةِ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] : فَمَنَعَهُمْ مِنْ الْمِيرَاثِ وَقَدْ أَسْلَمُوا حَتَّى يُهَاجِرُوا يُرِيدُ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ لَا يُعَزَّى بِالْمُسْلِمِ الْقَرِيبِ لِتَرْكِ الْهِجْرَةِ فَمَا الظَّنُّ بِالْكَافِرِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَهُوَ أَبْعَدُ وَأَسْحَقُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ خَفِيفٌ إذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِ بِهِ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ فِي دُنْيَاهُ فَيَكُونُ فَقْدُهُ مُصِيبَةً فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ يُعَزَّى بِهِ وَكَمَا يُعَزَّى الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَيُعَزَّى الذِّمِّيُّ فِي وَلِيِّهِ يَقُولُ: أَخْلَفَ اللَّهُ لَكَ الْمُصِيبَةَ وَجَزَاهُ أَفْضَلَ مَا جَزَى بِهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِذَا عَزَّى ذِمِّيًّا بِمُسْلِمٍ قَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لِمَيِّتِك وَأَحْسَنَ عَزَاءَك انْتَهَى. وَمَا عَزَاهُ لِكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ هُوَ فِي النَّوَادِرِ بِزِيَادَةِ: إنْ كَانَ لَهُ جِوَارٌ وَنَصُّهُ: وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَيُعَزَّى الذِّمِّيُّ فِي وَلِيِّهِ إنْ كَانَ لَهُ جِوَارٌ يَقُولُ لَهُ: أَخْلَفَ اللَّهُ لَكَ الْمُصِيبَةَ وَجَزَاهُ أَفْضَلَ مَا جَزَى بِهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ انْتَهَى. وَمَسْأَلَةُ تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِأَبِيهِ الْكَافِرِ هِيَ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَيْضًا فِي ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ شَكَّ فِي طَوَافِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَأَطَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْكَلَامَ عَلَيْهَا وَاخْتَارَ تَعْزِيَتَهُ بِهَا وَنَصُّهُ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ يَهْلَكُ أَبُوهُ وَهُوَ كَافِرٌ أَتَرَى أَنْ يُعَزَّى بِهِ فَيَقُولُ: آجَرَك اللَّهُ فِي أَبِيكَ؟ . قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعَزِّيَهُ يَقُولُ اللَّهُ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَرِثُوهُمْ وَقَدْ أَسْلَمُوا حَتَّى يُهَاجِرُوا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ ﵀ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُعَزَّى بِأَبِيهِ الْكَافِرِ لَيْسَ بَيِّنًا؛ لِأَنَّ التَّعْزِيَةَ تَجْمَعُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ وَذَكَرَ الثَّلَاثَةَ الْأَشْيَاءَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَنْهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّعْزِيَةِ فِي أَوَّلِ الْقَوْلَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْكَافِرُ يُمْنَعُ فِي حَقِّهِ الشَّيْءُ الْأَخِيرُ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] وَلَيْسَ مَنْعُ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ الْكَافِرِ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ بِاَلَّذِي يَمْنَعُ مِنْ تَعْزِيَةِ ابْنِهِ الْمُسْلِمِ بِمُصَابِهِ بِهِ؛ إذْ لَا مُصِيبَةَ عَلَى الرَّجُلِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَمُوتَ أَبُوهُ الَّذِي كَانَ يَحِنُّ عَلَيْهِ وَيَنْفَعُهُ فِي دُنْيَاهُ كَافِرًا فَلَا يَجْتَمِعُ بِهِ فِي أُخْرَاهُ فَيُهَوِّنُ عَلَيْهِ الْمُصِيبَةَ وَيُسَلِّيهِ مِنْهَا وَيُعَزِّيهِ فِيهَا بِمَنْ مَاتَ لِلْأَنْبِيَاءِ الْأَبْرَارِ ﵈ مِنْ الْقَرَابَةِ وَالْآبَاءِ الْكُفَّارِ وَيَحُضُّهُ عَلَى الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَيَدْعُو لَهُ بِجَزِيلِ الثَّوَابِ إلَى اللَّهِ؛ إذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْجَرَ الْمُسْلِمُ بِمَوْتِ أَبِيهِ الْكَافِرِ إذَا شَكَرَ اللَّهَ وَسَلَّمَ لِأَمْرِهِ وَرَضِيَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَزَالُ الْمُسْلِمُ يُصَابُ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَحَامَّتِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَتْ لَهُ خَطِيئَةٌ» وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ وَهَلْ يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُجِرَ بِمَوْتِ عَمِّهِ

стр. 782

أَبِي طَالِبٍ لِمَا وُجِدَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُزْنِ وَالْإِشْفَاقِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعَزِّيَ جَارَهُ الْكَافِرَ بِمَوْتِ أَبِيهِ الْكَافِرِ لِذِمَامِ الْجِوَارِ فَيَقُولَ: أَخْلَفَ اللَّهُ لَكَ الْمُصِيبَةَ وَجَزَاهُ أَفْضَلَ مَا جَزَى بِهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَالْمُسْلِمُ بِالتَّعْزِيَةِ أَوْلَى وَهُوَ بِذَلِكَ أَحَقُّ وَأَحْرَى وَالْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَالِكٌ مَنْسُوخَةٌ قَالَ عِكْرِمَةُ: أَقَامَ النَّاسُ بُرْهَةً لَا يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَعْرَابِيَّ وَلَا الْأَعْرَابِيُّ الْمُهَاجِرِيَّ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فَنَزَلَتْ ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] فَاحْتَجَّ بِالْمَنْسُوخِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ إذَا نُسِخَ وُجُوبُهُ جَازَ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ، وَفِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِلَافٌ وَبَحْثٌ وَاعْتِلَالُهُ بِامْتِنَاعِ الْمِيرَاثِ ضَعِيفٌ؛ إذْ قَدْ يُعَزَّى الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ وَلَوْ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] الْآيَةَ لَكَانَ أَظْهَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا قَاطِعًا لِلْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. انْتَهَى. وَنَقَلَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ بِاخْتِصَارٍ وَنَصُّ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِأَبِيهِ الْكَافِرِ قَوْلَانِ لِابْنِ رُشْدٍ مَعَ تَخْرِيجِهِ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَمَالِكٍ بِتَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِجَوَازِهِ بِأَبِيهِ وَسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى الْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ يَقُولُ بَلَغَنِي مُصَابُك بِأَبِيك أَلْحَقَهُ اللَّهُ بِأَكَابِرِ أَهْلِ دِينِهِ وَخِيَارِ ذَوِي مِلَّتِهِ وَسَحْنُونٌ يَقُولُ: أَخْلَفَ اللَّهُ لَكَ الْمُصِيبَةَ وَجَزَاك أَفْضَلَ مَا جَزَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ. (قُلْت) فِي الْأَوَّلِ إيهَامُ كَوْنِ أَهْلِ مِلَّتِهِ بَعْدَ هَذِهِ الْمِلَّةِ فِي سَعَادَةٍ وَإِلَّا كَانَ دُعَاءً عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ: تَعْزِيَةُ الْمُسْلِمِ بِأَبِيهِ الْكَافِرِ بِالدُّعَاءِ لَهُ بِجَزِيلِ الثَّوَابِ فِي مُصَابِهِ وَيُهَوِّنُ مُصَابَهُ بِمَنْ مَاتَ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَرِيبٍ وَأَبٍ كَافِرٍ لَا بِالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ. (قُلْت) فِي التَّعْزِيَةِ بِمَنْ مَاتَ لِلْأَنْبِيَاءِ نَظَرٌ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا هُمَا فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ. الْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يُعَزَّى بِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَتَخْرِيجُهُ لَهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَسَحْنُونٍ فِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ لِجِوَارِهِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُعَزَّى بِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ الْمَذْكُورِ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمُخَرَّجُ عَلَيْهَا وَهِيَ تَعْزِيَةُ الْكَافِرِ بِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ بِجِوَارِهِ؛ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا قَوْلُ مَالِكٍ وَسَحْنُونٍ: إنَّهُ يُعَزَّى بِهِ وَكَلَامُ الشَّيْخِ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ صَدَّرَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ بِتَعْزِيَةِ الْكَافِرِ فِي وَلِيِّهِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا، ثُمَّ حَكَى فِي آخِرِ كَلَامِهِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ لِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ وَنَصُّهُ: وَيُعَزَّى الْكَافِرُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَيُعَزَّى مِنْ النِّسَاءِ بِالْأُمِّ خَاصَّةً وَلَا يُعَزَّى مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ: يُعَزَّى؛ لِأَنَّ مُصِيبَتَهُ بِمَوْتِهِ كَافِرًا أَعْظَمُ انْتَهَى. وَتَبِعَ فِي التَّصْحِيحِ بِعَدَمِ تَعْزِيَتِهِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَنَصُّهُ: وَيُعَزَّى مِنْ النِّسَاءِ بِالْأُمِّ خَاصَّةً لَا مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ عَلَى الْأَصَحِّ انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ سَنَدٍ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَ سَحْنُونٍ وَيُعَزَّى الذِّمِّيُّ بِوَلِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّهُ الْمُعَزَّى بِهِ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ اسْتِحْقَاقَ تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ إذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِ بِهِ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِتَعْزِيَةِ الذِّمِّيِّ بِالْمُسْلِمِ وَبِالذِّمِّيِّ انْتَهَى. وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِكَلَامِ سَحْنُونٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ وَكَمَا يُعَزَّى الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ مِنْ بَقِيَّةِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ كَيْفِيَّةَ تَعْزِيَتِهِ بِهِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ إلَّا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ بَقِيَّةِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ لَقَالَ: وَيُعَزَّى بِهِ كَمَا يُعَزَّى الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْوَاوِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَقْلِ كَيْفِيَّةِ تَعْزِيَتِهِ بِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ نَصًّا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي كَيْفِيَّةِ تَعْزِيَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّعْزِيَةَ لَا تَخْتَصُّ بِلَفْظٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ بَلْ بِقَدْرِ مَا يَحْضُرُ الرَّجُلَ وَبِقَدْرِ مَنْطِقِهِ فَلَمَّا رَأَى النَّصَّ فِي كَيْفِيَّتِهَا لِلشَّافِعِيِّ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ وَمَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُ سَنَدٍ هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ قَوْلِ

стр. 783

الشَّيْخِ زَرُّوق الْمُتَقَدِّمِ حَيْثُ قَالَ: وَيُعَزَّى الْكَافِرُ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا عُزِّيَ بِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ فَلَأَنْ يُعَزَّى بِوَلِيِّهِ الْمُسْلِمِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَائِدَةٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ نَاقِلًا عَنْ غَيْرِ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالِاسْتِرْجَاعِ لِلْمُصَابِ فَقَالَ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦] الْآيَةَ وَهَذَا مِنْ الِاسْتِسْلَامِ لِلَّهِ وَالِاحْتِسَابِ، وَإِنَّمَا الْمُصِيبَةُ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابُ يُرِيدُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَا أَسْلَفَ عَلَيْهِ وَلَا اسْتَفَادَ عِوَضًا مِنْهُ انْتَهَى. وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى فِي أَوَائِلِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» لَا يَجِبُ الِاسْتِرْجَاعُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦] الْآيَةَ وَإِنَّمَا يَجِبُ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمُ انْتَهَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا ذَكَرَتْ وُصُولَ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطِّلِ إلَيْهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ: إنَّهُ اسْتَرْجَعَ، فِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاسْتِرْجَاعِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الدِّينِ، أَوْ فِي الدُّنْيَا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي نَفْسِهِ، أَوْ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ انْتَهَى ص (وَضَجْعٌ فِيهِ عَلَى أَيْمَنَ مُقْبِلًا) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى سَتْرِ الْقَبْرِ بِثَوْبٍ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ النَّعْشَ يُوضَعُ عَلَى طَرَفِ الْقَبْرِ يَكُونُ رَأْسُ الْجِنَازَةِ عَلَى جَانِبِهِ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ وَيُسَلُّ الْمَيِّتُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُوضَعُ بِطُولِ الْقَبْرِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يُؤْخَذُ الْمَيِّتُ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَيُدْخَلُ الْقَبْرَ مُعْتَرِضًا وَذَكَرَ خَبَرًا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِأَحَادِيثَ احْتَجَّ بِهَا الْجَمَاعَةُ وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ فِي كِتَابِ الْفُرُوعِ وَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ تَوَجُّهٍ بَلْ دُخُولٌ فَدُخُولُ الرَّأْسِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا، أَوْ لَا يَدْخُلُ الْمَيِّتُ مُعْتَرِضًا مِنْ قِبْلَتِهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ الْأَسْهَلُ فَالْأَسْهَلُ انْتَهَى. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، أَوْصَى الْحَارِثُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ الْقَبْرِ، وَقَالَ: هَذَا مِنْ السُّنَّةِ انْتَهَى. وَانْظُرْ كَلَامَ الْمَدْخَلِ [فَرْعٌ هَلْ لِمَنْ يَدْخُلُ الْقَبْرَ بِالْمَيِّتِ عَدَدٌ مَحْصُورٌ] (فَرْعٌ) قَالَ سَنَدٌ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَهَلْ لِمَنْ يَدْخُلُ الْقَبْرَ بِالْمَيِّتِ عَدَدٌ مَحْصُورٌ؟ . ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ فَهُوَ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونُوا وِتْرًا: ثَلَاثَةً، أَوْ خَمْسَةً إنْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَخْصِيصٌ؛ وَجَبَ أَنْ يُعْمَلَ بِمَا تَيَسَّرَ ص (وَتُدُورِكَ إنْ خُولِفَ بِالْحَضْرَةِ كَتَنْكِيسِ رِجْلَيْهِ وَكَتَرْكِ الْغُسْلِ وَدَفْنِ مَنْ أَسْلَمَ بِمَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ إنْ لَمْ يُخَفْ التَّغَيُّرُ) ش: قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: قَوْلُهُ إنْ لَمْ يُخَفْ التَّغَيُّرُ قَيْدٌ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا

стр. 784

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ وَدَفْنُ مَنْ أَسْلَمَ بِمَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ كَمَا قَالَهُ فِي الصَّغِيرِ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْمَسَائِلِ فَإِنَّمَا يُتَدَارَكُ فِي الْحَضْرَةِ قَبْلَ أَنْ يُسَوُّوا عَلَيْهِ التُّرَابَ وَيُفْرَغَ فَإِنْ سَوَّوْا عَلَيْهِ التُّرَابَ وَفُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ تُرِكَ اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ وَغَيْرَهُ. [فَرْعٌ مَنْ دُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ] (فَرْعٌ) وَأَمَّا مَنْ دُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنَّهُ يَفُوتُ ذَلِكَ بِالدَّفْنِ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، أَوْ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: يَدْعُونَ وَيَنْصَرِفُونَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ وَقِيلَ: يُخْرَجُ إلَّا أَنْ يُخَافَ تَغَيُّرُهُ الثَّالِثُ إلَّا أَنْ يَطُولَ يُخْرَجُ نَقَلَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ ابْنُ نَاجِي وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ أَحَدَ الْأَقْوَالِ يُخْرَجُ مُطْلَقًا وَإِنْ تَغَيَّرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ص (وَسَدُّهُ بِلَبِنٍ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَيُسْتَحَبُّ سَدُّ الْخَلَلِ الَّذِي بَيْنَ اللَّبِنِ، وَلَقَدْ أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ وَقَالَ «إنَّ ذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْهُ وَلَكِنَّهُ أَقَرُّ لِعَيْنِ الْحَيِّ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إذَا عَمِلَ الْعَبْدُ عَمَلًا أَنْ يُحْسِنَهُ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَنْ يُتْقِنَهُ» انْتَهَى ص (وَسَنُّ التُّرَابِ أَوْلَى مِنْ التَّابُوتِ) ش: قَالَ الْأَبِيُّ عَنْ عِيَاضٍ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ: «وَسُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابِ سَنًّا» السَّنُّ وَالشَّنُّ الصَّبُّ وَقِيلَ: هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ الصَّبُّ بِسُهُولَةٍ وَبِالْمُعْجَمَةِ التَّفْرِيقُ وَهَذِهِ سُنَّةٌ فِي صَبِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَيِّتِ وَكَرِهَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ التَّرْمِيضَ عَلَى الْقَبْرِ بِالْحِجَارَةِ وَالطِّينِ وَالطُّوبِ. (قُلْت) سَنُّ التُّرَابِ فِي الْقَبْرِ صَبُّهُ فِيهِ دُونَ لَحْدٍ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِهِ إلَى الْكَفَنِ فَإِنْ عَنَى بِكَوْنِهِ سُنَّةً السُّنَّةَ عُرْفًا فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ إلَّا وَصِيَّةُ عُمَرَ وَبِهَذِهِ وَغَايَتُهَا أَنَّهُ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ وَقَدْ يُرِيدُ بِالسَّنِّ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ التُّرَابَ فَوْقَ اللَّحْدِ لَا أَنْ يَعْقِدَ الْقَبْرَ كُلَّهُ بِنَاءً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ مِنْ كَرَاهِيَةِ التَّرْمِيضِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالتَّرْمِيضِ رَفْعَ الْبِنَاءِ فَوْقَ الْقَبْرِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ قَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ: مَا جَنْبِي الْأَيْمَنُ أَحَقَّ بِالتُّرَابِ مِنْ الْأَيْسَرِ وَأَوْصَى أَنْ يُحْثَى عَلَيْهِ التُّرَابُ دُونَ غِطَاءٍ. وَفِي الْعُتْبِيَّةِ: وَلَا يُكْرَهُ بِنَاءُ اللَّحْدِ بِاللَّبِنِ ابْنُ رُشْدٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَفْضَلُ اللُّحُودِ اللَّبِنُ، ثُمَّ الْأَلْوَاحُ، ثُمَّ الْقَرَامِيدُ، ثُمَّ الْقَصَبُ، ثُمَّ السَّنُّ انْتَهَى ص (وَجَازَ غُسْلُ امْرَأَةٍ ابْنَ كَسَبْعٍ) ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ الْمَغْرِبِيُّ: أَيْ وَابْنَ ثَمَانٍ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الرِّسَالَةِ ابْنَ سِتِّ سِنِينَ وَسَبْعٍ؛ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ أَشْهَبُ: مَا لَمْ يُؤْمَرْ مِثْلُهُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ابْنَ سَبْعٍ اللَّخْمِيُّ وَالْمُنَاهِزُ كَالْكَبِيرِ ص (وَرَجُلٍ كَرَضِيعَةٍ) ش: أَيْ وَفَوْقَهَا بِيَسِيرٍ فَيَجُوزُ ذَلِكَ اتِّفَاقًا ص (وَالْمَاءُ السُّخْنُ) ش: وَاسْتَحَبَّهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِزِيَادَةِ الْإِنْقَاءِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُرْخِيهِ وَالْمَطْلُوبُ شَدُّهُ ص (وَتَكْفِينٌ بِمَلْبُوسٍ) ش: إذَا لَمْ يَكُنْ وَسِخًا وَلَمْ يَخَفْ نَجَاسَةً. قَالَ سَنَدٌ وَكَانَ سَالِمًا مِنْ الْقَطْعِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَشْهَدُ بِهَا الْجَمَاعَاتِ وَالصَّلَوَاتِ وَثَوْبَيْ إحْرَامِهِ رَجَاءَ بَرَكَةِ ذَلِكَ انْتَهَى ص (وَمُزَعْفَرٌ وَمُوَرَّسٌ) ش: هَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ كُلُّ مَا صُبِغَ بِطِيبٍ فَجَائِزٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ

стр. 785

قَالَ سَنَدٌ ظَاهِرُ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا يُكْرَهُ كُلُّ مَصْبُوغٍ. ص (وَخُرُوجُ مُتَجَالَّةٍ أَوْ إنْ لَمْ يُخْشَ مِنْهَا الْفِتْنَةُ) ش: قَالَ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ رَسْمِ الْبَزِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ: النِّسَاءُ فِي شُهُودِ الْجِنَازَةِ ثَلَاثَةٌ: مُتَجَالَّةٌ وَشَابَّةٌ، وَرَائِعَةٌ قَدِرَةٌ جَسِيمَةٌ ضَخْمَةٌ. فَالْمُتَجَالَّةُ تَخْرُجُ فِي جِنَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ وَالْقَرِيبِ وَالشَّابَّةُ تَخْرُجُ فِي جِنَازَةِ أَبِيهَا وَأَخِيهَا وَمَنْ أَشْبَهَهُمَا مِنْ قَرَابَتِهَا، وَالْمَرْأَةُ الرَّائِعَةُ الْقُدْرَةِ الضَّخْمَةُ الْجَسِيمَةُ يُكْرَهُ لَهَا الْخُرُوجُ أَصْلًا وَالتَّصَرُّفُ فِي كُلِّ حَالٍ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ خُرُوجَ النِّسَاءِ فِي الْجَنَائِزِ مَكْرُوهٌ بِكُلِّ حَالٍ انْتَهَى. ص (وَسَبْقُهَا وَجُلُوسٌ قَبْلَ وَضْعِهَا) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ. (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إذَا طُلِبَ الرَّجُلُ بِحُضُورِ جَنَائِزَ بِمَقَابِرَ مُتَبَاعِدَةٍ فَعَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ أَنَّهُ يَمْضِي يَشْهَدُ الْأَفْضَلَ مِنْهَا. (قُلْت) فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ قَرُبَتْ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ دَفْنِ جَمِيعِهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا نَوَى ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ وَلَهُ أَصْلٌ وَهُوَ اجْتِمَاعُ الْجَنَائِزِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمِيعِ انْتَهَى مِنْ الْبُرْزُلِيِّ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ. ص (وَنُقِلَ وَإِنْ مِنْ بَدْوٍ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ. (فَائِدَةٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ يُخْلَقُ مِنْ تُرْبَةٍ إلَّا أُعِيدَ فِيهَا وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا غُرْبَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِ، مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ بِأَرْضِ غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بِوَاكِيهِ إلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَقَالَ إذَا مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِنْ وَطَنِهِ إلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ» انْتَهَى ص (بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ) ش: قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ الْبُكَاءُ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ نِيَاحَةٍ وَنَدْبٍ وَالْجَزَعُ وَضَرْبُ الْخَدِّ وَشَقُّ الثَّوْبِ حَرَامٌ انْتَهَى مِنْ آخِرِ بَابِ الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي حَدِيثِ الْوِسَادَةِ: قَوْلُ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ فَمِنْ سَفَهِي وَحَدَاثَةِ سِنِّي أَنِّي وَضَعْت رَأْسَهُ ﷺ عَلَى الْوِسَادَةِ وَقُمْت أَلْتَزِمُ مَعَ النِّسَاءِ الِالْتِزَامُ ضَرْبُ الْخَدِّ بِالْيَدِ وَلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِي التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى الصُّرَاخِ وَالنَّوْحِ وَلَعْنَةِ الْحَالِقَةِ وَالْخَارِقَةِ وَالصَّالِقَةِ وَهِيَ الرَّافِعَةُ لِصَوْتِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ اللُّزُومَ لَكِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي حَالِ الْمُصِيبَةِ وَتَرْكُهُ أَحْمَدُ إلَّا عَلَى أَحْمَدَ وَالصَّبْرُ يُحْمَدُ فِي الْمَصَائِبِ كُلِّهَا ... إلَّا عَلَيْك فَإِنَّهُ مَذْمُومُ انْتَهَى. (قُلْت) وَفِيمَا ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ نَظَرٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ» مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. ص (وَجَمْعُ أَمْوَاتٍ بِقَبْرٍ لِضَرُورَةٍ وَوَلِيَ الْقِبْلَةَ الْأَفْضَلُ)

стр. 786

ش: وَيُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ فِي قَبْرٍ لِلضَّرُورَةِ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ مُوسَى إنْ جُمِعُوا فِي قَبْرٍ لِضَرُورَةٍ فَالرَّجُلُ لِلْقِبْلَةِ ثُمَّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ الْمَرْأَةُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت يُؤْخَذُ مِنْهُ التَّرْتِيبُ فِي تَعَدُّدِ قُبُورِهِمْ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ وَفِي تَقْدِيمِ أَخْيَارِهِمْ وَنَزَلَتْ هَذِهِ بِشَيْخِنَا ابْنِ هَارُونَ وَزَوْجَتِهِ وَحَضَرَهُ السُّلْطَانُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَرِينِيُّ ﵀ فَسَأَلَ شَيْخَنَا السَّطِّيَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي تَعْيِينِ مَنْ يُقَدَّمُ مِنْهُمَا فَقَالَ: الْأَمْرُ وَاسِعٌ وَفِيهَا إنْ دُفِنَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي قَبْرٍ جُعِلَ الرَّجُلُ لِلْقِبْلَةِ قِيلَ: أَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ صَعِيدٍ؟ . قَالَ مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ بِحَمْلِ مَنْفُوسِ النِّسَاءِ مَعَهَا إنَّ اسْتَهَلَّ جُعِلَ لِنَاحِيَةِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ ذَكَرًا وَإِلَّا أُخِّرَ عَنْهَا وَنُوِيَتْ بِالصَّلَاةِ دُونَهُ إنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُدْفَنَ مَعَهَا وَلَوْ اسْتَهَلَّ انْتَهَى. (قُلْت) مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا هِيَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ فِي أَوَاخِرِهِ وَنَقَصَ ﵀ مِنْهَا وَنَصُّهَا وَإِذَا دُفِنَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ جُعِلَ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ قِيلَ: فَهَلْ يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ الصَّعِيدِ، أَوْ يُدْفَنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَعَصَبَةُ الْمَرْأَةِ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا مِنْ زَوْجِهَا وَزَوْجُهَا أَحَقُّ مِنْهُمْ بِغُسْلِهَا وَإِدْخَالِهَا فِي قَبْرِهَا مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا فَإِنْ اُضْطُرُّوا إلَى الْأَجْنَبِيِّينَ جَازَ أَنْ يُدْخِلُوهَا فِي الْقَبْرِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ دَفْنَ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ جَائِزٌ لِلضَّرُورَةِ وَغَيْرِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ إذَا كَانَ لِلضَّرُورَةِ وَإِمَّا لِغَيْرِهَا فَلَا قَالَهُ أَصْبَغُ وَعِيسَى انْتَهَى. الْجُزُولِيُّ: اُخْتُلِفَ فِي دَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ اخْتِيَارًا قِيلَ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ: يَجُوزُ انْتَهَى. وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ فَمَكْرُوهٌ قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ وَالشَّيْخُ دَاوُد وَقَالَ الشَّيْخُ وَيُكْرَهُ عِنْدَنَا دَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ مِنْ ضِيقِ مَكَان، أَوْ تَعَذُّرِ حَافِرٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ جَازَ انْتَهَى. اُنْظُرْ الْبُرْزُلِيُّ فِي الْجَنَائِزِ فِي مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ. (فَرْعٌ) وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَيِّتَيْنِ فِي كَفَنٍ لِلضَّرُورَةِ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ اُنْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ أَيْضًا فِي الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ ص (وَبِصَلَاةٍ يَلِي الْإِمَامَ رَجُلٌ فَطِفْلٌ) ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ تُجْمَعَ الْجَنَائِزُ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ: يَعْنِي أَنَّ الْمُصَلِّينَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُفْرِدُوا كُلَّ جِنَازَةٍ بِصَلَاةٍ، أَوْ يُصَلُّوا عَلَيْهَا صَلَاةً وَاحِدَةً قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ: وَيَلِي الْإِمَامَ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ فَإِنْ اجْتَمَعَ الْعَالِمُ وَالصَّالِحُ فَفِي تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ رُشْدٍ فَإِنْ وَقَعَ التَّسَاوِي فَالْقُرْعَةُ بِاتِّفَاقٍ فَإِنْ تَفَاضَلَ الصِّغَارُ قُدِّمَ مَنْ عُرِفَ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ وَشَيْءٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ثُمَّ مَنْ يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ الْأَسَنُّ اهـ اُنْظُرْ الْفَاكِهَانِيَّ. ص (وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ بِلَا حَدٍّ) ش: قَالَ

стр. 787

فِي الْمَدْخَلِ فَصْلٌ وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْ لِلْعَالِمِ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ أَيْ النِّسَاءُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْقُبُورِ وَإِنْ كَانَ لَهُنَّ مَيِّتٌ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ حَكَمَتْ بِعَدَمِ خُرُوجِهِنَّ وَذَكَرَ أَحَادِيثَ وَآثَارًا، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي خُرُوجِهِنَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: بِالْمَنْعِ، وَالْجَوَازِ عَلَى مَا يُعْلَمُ فِي الشَّرْعِ مِنْ السَّتْرِ وَالتَّحَفُّظِ عَكْسُ مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ. وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْمُتَجَالَّةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي نِسَاءِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَأَمَّا خُرُوجُهُنَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، أَوْ مَنْ لَهُ مُرُوءَةٌ، أَوْ غَيْرَةٌ فِي الدِّينِ بِجَوَازِهِ انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ: وَصِفَةُ السَّلَامِ عَلَى الْأَمْوَاتِ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا والْمُسْتأْخِرينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ وَمَا زِدْت، أَوْ نَقَصْت فَوَاسِعٌ، وَالْمَقْصُودُ الِاجْتِهَادُ لَهُمْ فِي الدُّعَاءِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِي قِبْلَةِ الْمَيِّتِ وَيَسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ فِي نَاحِيَةِ رِجْلَيْهِ إلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا حَضَرَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَاةَ الْمَشْرُوعَةَ، ثُمَّ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ بِمَا أَمْكَنَهُ انْتَهَى. وَقَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الثَّعَالِبِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْعُلُومِ الْفَاخِرَةِ فِي النَّظَرِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ: وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيُبَاحُ لِلْقَوَاعِدِ وَيَحْرُمُ عَلَى الشَّوَابِّ اللَّوَاتِي يُخْشَى عَلَيْهِنَّ مِنْ الْفِتْنَةِ وَذَكَرَ أَحَادِيثَ تَقْضِي الْحَثَّ عَلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ مِنْ جُمْلَتِهَا عَنْ الْإِحْيَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ زَارَ أَبَوَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ وَكُتِبَ بَارًّا» وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ الرَّجُلَ لِيَمُوتَ وَالِدَاهُ وَهُوَ عَاقٌّ لَهُمَا فَيَدْعُو اللَّهَ لَهُمَا مِنْ بَعْدِهِمَا فَيَكْتُبُهُ اللَّهُ مِنْ الْبَارِّينَ» ثُمَّ قَالَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَيَنْبَغِي لِمَنْ عَزَمَ عَلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِآدَابِهَا وَيُحْضِرَ قَلْبَهُ فِي إتْيَانِهَا وَلَا يَكُونَ حَظُّهُ التَّطْوَافَ عَلَى الْأَجْدَاثِ فَإِنَّ هَذِهِ حَالَةً تُشَارِكُهُ فِيهَا الْبَهِيمَةُ بَلْ يَقْصِدُ بِزِيَارَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِصْلَاحَ قَلْبِهِ وَنَفْعَ الْمَيِّتِ بِالدُّعَاءِ وَمَا يَتْلُو عِنْدَهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَيُسَلِّمُ إذَا دَخَلَ الْمَقَابِرَ وَيُخَاطِبُهُمْ خِطَابَ الْحَاضِرِينَ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَنَّى بِالدَّارِ عَنْ عُمَّارِهَا، وَإِذَا وَصَلَ إلَى قَبْرِ مَعْرِفَتِهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَيَأْتِيهِ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ وَيَعْتَبِرُ بِحَالِهِ ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ بَعْدَ مَوْتِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ بِزِيَارَتِنَا إيَّاكُمْ؟ . فَقَالَ: نَعْلَمُ بِهِ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ كُلَّهُ وَيَوْمَ السَّبْتِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ لِفَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَعِظَمِهَا وَعَنْ ابْنِ وَاسِعٍ أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ، ثُمَّ قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الثَّعَالِبِيُّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْأَرْوَاحَ تَزُورُ قُبُورَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الدَّوَامِ وَلِذَلِكَ تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقُبُورِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبُكْرَةَ السَّبْتِ فِيمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَرْوَاحِ أَنَّهَا بِأَفْنِيَةِ الْقُبُورِ وَأَنَّهَا تَطْلُعُ بِرُؤْيَتِهَا وَأَنَّ أَكْثَرَ إطْلَاعِهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ السَّبْتِ انْتَهَى. ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا الْفَاتِحَةَ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَاجْعَلُوا ثَوَابَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ فَإِنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ، ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ وَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهُ لِلْأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْوَاتِ» انْتَهَى. ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَيْضًا عَنْ

стр. 788

الْحَسَنِ قَالَ مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ وَالْعِظَامِ النَّخِرَةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ الدُّنْيَا وَهِيَ بِكَ مُؤْمِنَةٌ أَدْخِلْ عَلَيْهَا رُوحًا مِنْك وَسَلَامًا مِنِّي إلَّا كُتِبَ لَهُ بِعَدَدِهِمْ حَسَنَاتٌ انْتَهَى ص (وَقَلْمُ ظُفْرِهِ) ش: قَالَ فِي الْمَدْخَلِ إذَا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ يُنَظِّفُ مَا تَحْتَ أَظْفَارِهِ بِعُودٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يُقَلِّمُهَا، ثُمَّ قَالَ: وَيُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ بِمُشْطٍ وَاسِعِ الْأَسْنَانِ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِرَأْسِهِ وَيَتَرَفَّقُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ خَرَجَ فِي الْمُشْطِ شَعْرٌ جَمَعَهُ وَأَلْقَاهُ فِي الْكَفَنِ لِيُدْفَنَ مَعَهُ انْتَهَى. ص (وَقِرَاءَةٌ عِنْدَ مَوْتِهِ كَتَجْمِيرِ الدَّارِ وَبَعْدَهُ عَلَى قَبْرِهِ) ش: قَالَ ابْنُ الْفُرَاتِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْحَجِّ: وَتَطَوُّعُ وَلِيِّهِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ عَنْ الْقَرَافِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُمْ بَرَكَةُ الْقِرَاءَةِ كَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ بَرَكَةُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُدْفَنُ عِنْدَهُمْ، أَوْ يُدْفَنُونَ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ وُصُولِ الْقِرَاءَةِ وَإِنْ حَصَلَ الْخِلَافُ فِيهَا فَلَا يَنْبَغِي إعْمَالُهَا فَلَعَلَّ الْحَقَّ هُوَ الْوُصُولُ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مُغَيَّبَةٌ عَنَّا وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، إنَّمَا هُوَ فِي أَمْرٍ هَلْ يَقَعُ كَذَلِكَ أَمْ لَا وَكَذَلِكَ التَّهْلِيلُ الَّذِي عَادَةُ النَّاسِ يَعْمَلُونَهُ الْيَوْمَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ وَيُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْجُودُ وَالْإِحْسَانُ. هَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْعِبَادِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا انْتَهَى بِلَفْظِهِ وَانْظُرْ هَلْ هَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ لِلْقَرَافِيّ، أَوْ أَوَّلُهُ فَقَطْ؟ . وَيُشِيرُ بِالتَّهْلِيلِ الْمَذْكُورِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ السَّنُوسِيُّ فِي آخِرِ شَرْحِ عَقِيدَتِهِ الصُّغْرَى وَفِي كِتَابِ الْعُلُومِ الْفَاخِرَةِ ص (كَتَجْمِيرِ الدَّارِ) ش: قَالَ سَنَدٌ: وَهَلْ تُجَمَّرُ الدَّارُ عِنْدَ الْمَوْتِ؟ . قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَيْسَ هُوَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقَرَّبَ إلَيْهِ الرَّوَائِحُ الطَّيِّبَةُ مِنْ بَخُورٍ وَغَيْرِهِ انْتَهَى. ص (وَحَمْلُهَا بِلَا وُضُوءٍ) ش: هَكَذَا قَالَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ

стр. 789

ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ وَلَا يُصَلَّى وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَجِدُ فِي مَوْضِعِ الْجِنَازَةِ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ لَمْ يُكْرَهْ حَمْلُهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَذَكَرَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ أَشْهَبَ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؛ قَالَ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ رِوَايَةَ أَشْهَبَ وَجَعَلَهُمَا الْمَازِرِيُّ قَوْلَيْنِ انْتَهَى. (قُلْت) وَكُلٌّ جَارٍ عَلَى أَصْلِهِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يُكْرَهُ لِمَنْ يَحْمِلُ الْجِنَازَةَ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهَا بِلَا صَلَاةٍ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَشْهَبَ ص (وَإِدْخَالُهُ بِمَسْجِدٍ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ رَوَى أَشْهَبُ أَكْرَهُ الدَّفْنَ فِي الْمَسْجِدِ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إذَا دُفِنَ فِي الْمَسْجِدِ رُبَّمَا اتَّخَذَ مَسْجِدًا فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يُعْبَدَ ذَلِكَ الْقَبْرُ. (قُلْت) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّ مَيْتَةَ الْآدَمِيِّ قِيلَ: إنَّهَا نَجِسَةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الرَّضَاعِ وَقِيلَ: طَاهِرَةٌ مُطْلَقًا وَقِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ وَبِسَبَبِ ذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْكَرَاهَةُ وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ بَيْضَاءَ هَلْ الْمَسْجِدُ فِيهِ ظَرْفٌ لِلْمُصَلِّي، أَوْ لِلْجِنَازَةِ فَيَكُونُ كَرَاهَةُ الدَّفْنِ لِأَجْلِ كَرَاهَةِ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ فِي صَرْفِ الْأَحْبَاسِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ وَبِهِ عَمَلُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ خِلَافًا لِلْقَرَوِيِّينَ فَعَلَى قَوْلِهِمْ لَا يَجُوزُ الدَّفْنُ فِيهِ بِوَجْهٍ وَهَذَا فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ فِيهَا، وَأَمَّا لَوْ بُنِيَتْ لِوَضْعِ الْمَوْتَى فِيهَا صَحَّ إدْخَالُهَا وَالدَّفْنُ فِيهَا إنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ وَأَمَّا الْمَسَاجِدُ الَّتِي بُنِيَتْ بِالْمَقَابِرِ فَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: اخْتَلَفَ أَشْيَاخُنَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ فِيهَا فَمَنَعَهُ أَبُو عِمْرَانَ وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْكَاتِبِ انْتَهَى. ص (وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِيهِ) ش: قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ» وَلَهُ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَدْخُلَ الْمَيِّتُ فِي الْمَسْجِدِ وَكَرِهَهُ عُلَمَاؤُنَا لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْ الْمَيِّتِ شَيْءٌ وَحَرْفُ الْجَرِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِصَلَّى، أَوْ بِاسْمِ فَاعِلٍ مُضْمَرٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَإِنَّمَا أَذِنَتْ عَائِشَةُ فِي الْمُرُورِ بِالْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهَا أَمِنَتْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ لِقُرْبِ مُدَّةِ الْمُرُورِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا لِاحْتِرَاسِهِ وَحَسْمِهِ لِلذَّرَائِعِ مَنَعَ مِنْ إدْخَالِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْتَرْسِلُونَ فِي ذَلِكَ وَقَدْ مَنَعَتْ عَائِشَةُ مِنْ دُخُولِ النِّسَاءِ فِيهِ وَحَسْمُ الذَّرَائِعِ فِيمَا لَا يَكُونُ مِنْ اللَّوَازِمِ أَصْلٌ فِي الدِّينِ انْتَهَى. وَقَدْ اسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْمَوْتَى بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ فِي شِفَاءُ الْغَرَامِ فِي أَخْبَارِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ فِي الْبَابِ التَّاسِعَ عَشَرَ: قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ كَانَ النَّاسُ فِيمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ يُصَلُّونَ عَلَى الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ الْفَاسِيُّ وَمُرَادُهُ بِالْمَذْكُورِ الْمَشْهُورُ وَالنَّاسُ الْيَوْمَ يُصَلُّونَ عَلَى الْمَوْتَى جَمِيعًا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَّا أَنَّ الْمَذْكُورَ مِنْ النَّاسِ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَيُذْكَرُ أَنَّهُمْ كَانُوا إنَّمَا يُصَلُّونَ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ عَلَى الْأَشْرَافِ وَقُرَيْشٌ أَدْرَكْنَاهُمْ يُصَلُّونَ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَعْيَانِ وَبَعْضُ النَّاسِ تَسَامَحَ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ قُرَيْشٍ وَالْأَشْرَافِ وَفِي إخْرَاجِهِمْ مِنْ بَابِ السَّلَامِ وَلَمْ أَرَ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْ بَابِ السَّلَامِ بِالْمَوْتَى مَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ، وَعِنْدِي أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ طَرِيقُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهِ خَدِيجَةَ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْمَوْتَى عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ فَرَأَيْت فِيهِ خَبَرًا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ يَقْتَضِي أَنَّ آدَمَ ﵊ صُلِّيَ عَلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ وَأَمَّا مَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ؛ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ خَلْفَ الْمَقَامِ عِنْدَ مَقَامِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُهُمْ يُصَلِّي عَلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْحَزْوَرَةِ وَهُمْ الْقُرَّاءُ الطُّرَحَاءُ وَذَلِكَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ انْتَهَى ص (وَتَكْرَارُهَا)

стр. 790

ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَتَى وَقَدْ فَرَغَ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَلَا يُصَلِّي عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا عَلَى الْقَبْرِ وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى مَا جَاءَ مِنْ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ وَاحِدٌ فَقَطْ فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهَا وَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ هَلْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ مَا لَمْ تَفُتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَمْ يُسْتَحَبُّ التَّلَافِي فَقَطْ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ انْتَهَى. فَالْكَرَاهَةُ إنَّمَا هُوَ إذَا صَلَّى عَلَيْهَا جَمَاعَةٌ وَأَمَّا إذَا صَلَّى عَلَيْهَا وَاحِدٌ فَالْإِعَادَةُ مَطْلُوبَةٌ، إمَّا وُجُوبًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الْقَائِلِ بِاشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا، وَإِمَّا اسْتِحْبَابًا عَلَى طَرِيقَةِ اللَّخْمِيّ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَالدُّعَاءُ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِهَا بِإِمَامٍ شَرْطُ إجْزَاءٍ يَجِبُ تَلَافِيهَا مَا لَمْ تَفُتْ، أَوْ كَمَالٍ يُسْتَحَبُّ تَلَافِيهِ طَرِيقَا ابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّامِلِ أَنَّ الْمَشْهُورَ كَرَاهَةُ تَكْرَارِهَا وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مُنْفَرِدًا لِحِكَايَتِهِ هَذَا بِقِيلَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا وَلَا تُكَرَّرُ تَكْرَارًا مَعَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا وَقِيلَ: الْمُرَادُ هُنَا تَكْرَارُ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهَا وَبِالثَّانِي تَكْرِيرُهَا مِمَّنْ قَدْ صَلَّى وَفِيهِ تَكَلُّفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ص (وَزِيَادَةُ رَجُلٍ عَلَى خَمْسَةٍ) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِكَرَاهَتِهِ، وَأَخْذُهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَحَبُّ إلَى مَالِكٍ خَمْسَةُ أَثْوَابٍ لَا يَلْزَمُ انْتَهَى. (قُلْت) صَرَّحَ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَنَصُّهُ فِي بَابِ التَّحْنِيطِ وَالتَّكْفِينِ: وَمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ مَكْرُوهٌ لِلرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ غُلُوٌّ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَغْلُوا فِي الْكَفَنِ» وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ فِي سَائِرِ الْمَذَاهِبِ، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ الْمَرْأَةُ فِي عَدَدِ أَثْوَابِ الْكَفَنِ أَكْثَرُ مِنْ الرَّجُلِ وَأَقَلُّهُ لَهَا خَمْسَةٌ وَأَكْثَرُهُ سَبْعَةٌ انْتَهَى ص (وَاجْتِمَاعُ نِسَاءٍ لِبُكَاءٍ وَلَوْ سِرًّا) ش قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ

стр. 791

الضَّرَرِ: وَلَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ بِالصُّرَاخِ الْعَالِي، أَوْ النَّوْحِ وَالنَّهْيُ فِيهِ قَائِمٌ سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ، أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ قَبْلَ الدَّفْنِ، أَوْ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ، أَوْ بُعْدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ مَعْنَى هَذَا مَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ مِنْ الزَّغْرَتَةِ عِنْدَ حَمْلِ جِنَازَةِ الصَّالِحِ، أَوْ فَرَحٍ يَكُونُ فَإِنَّهُ مِنْ مَعْنَى رَفْعِ النِّسَاءِ الصَّوْتَ، وَأَحْفَظُ لِلشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ الْقَرَوِيِّ أَنَّهُ بِدْعَةٌ يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهَا وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي الْجَنَائِزِ انْتَهَى. (فَائِدَةٌ) اجْتِمَاعُ النَّاسِ فِي الْمَوْتِ يُسَمَّى الْمَأْتَمَ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمَأْتَمُ فِي الْأَصْلِ مُجْتَمَعُ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فِي الْغَمِّ وَالْفَرَحِ، ثُمَّ خُصَّ بِهِ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْمَوْتِ وَقِيلَ: هُوَ لِلشَّوَابِّ مِنْ النِّسَاءِ لَا غَيْرَ انْتَهَى. وَفِي الصِّحَاحِ: الْمَأْتَمُ عِنْدَ الْعَرَبِ النِّسَاءُ يَجْتَمِعْنَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْجَمْعُ الْمَآتِمُ وَعِنْدَ الْعَامَّةِ الْمُصِيبَةُ، يَقُولُونَ: كُنَّا فِي مَأْتَمِ فُلَانٍ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: فِي مَنَاحَةِ فُلَانٍ انْتَهَى. وَأَمَّا الْمَآثِمُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي يَأْثَمُ بِهِ الْإِنْسَانُ، أَوْ هُوَ الْإِثْمُ نَفْسُهُ وَضْعًا لِلْمَصْدَرِ مَوْضِعَ الِاسْمِ وَفِي الْحَدِيثِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ انْتَهَى. (فَائِدَةٌ) قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ بَابِ مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ: إنَّ تَحْرِيمَ النَّوْحِ كَانَ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ فَلَا يُحْتَجُّ عَلَى إبَاحَتِهِ بِقَوْلِ أُمِّ الرَّبِيعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي عَنْ حَارِثَةَ إنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْت وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْت عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ وَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى مُخْتَصَرًا. وَلَا يُحْتَجُّ أَيْضًا بِمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ حَمْزَةَ ﵁. ص (وَقِيَامٌ لَهَا) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ هُوَ تَصْرِيحٌ بِكَرَاهَةِ الْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَاَلَّذِي لِابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ مُوسَى وَذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ إلَى آخِرِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَفَهِمَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ فِي حُكْمِ الْقِيَامِ قَوْلَيْنِ: أَحَدَهُمَا أَنَّ وُجُوبَهُ نُسِخَ لِلْإِبَاحَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نُسِخَ لِلنَّدْبِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَعَلَى هَذَا فَلَا كَرَاهَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَرْوَحَ الْكَرَاهَةَ مِنْ قَوْلِهِ فَأَمَّا نَهْيُ، أَوْ بِمَا فِي النَّوَادِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ الَّذِي أَخَذَ بِهِ مَالِكٌ أَنَّهُ يَجْلِسُ وَلَا يَقُومُ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ انْتَهَى. (قُلْت) يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ وَمِنْ كَلَامِ سَنَدٍ وَنَصِّ الْأَوَّلِ الْجُلُوسُ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدِهِمَا لِمَنْ مَاتَ بِهِ وَالثَّانِي لِمَنْ يَتْبَعُ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى تُوضَعَ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ جُلُوسَهُ نَاسِخٌ لِقِيَامِهِ وَاخْتَارُوا أَنْ لَا يَقُومَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّوْسِعَةِ، وَأَنَّ الْقِيَامَ فِيهِ أَجْرٌ وَحِكْمَةُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَوْلَى لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ فِيهِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَهُ وَذَكَرَ سَنَدٌ كَلَامَ الْبَاجِيِّ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ وَيَعْضِدُهُ حَدِيثُ عُبَادَةَ وَفِيهِ اجْلِسُوا خَالِفُوهُمْ وَهَذَا أَمْرٌ فَوَجَبَ أَنْ يَقْتَضِيَ اسْتِحْبَابَ مُخَالَفَةِ الْيَهُودِ انْتَهَى. (فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ لَا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ الْمَاشِي قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، وَلَا يَنْزِلَ الرَّاكِبُ حَتَّى تُوضَعَ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ. ص (وَتَطْيِينُ قَبْرٍ وَتَبْيِيضُهُ وَبِنَاءٌ عَلَيْهِ، أَوْ تَحْوِيزٌ وَإِنْ بُوهِيَ بِهِ حَرُمَ

стр. 792

وَجَازَ لِلتَّمْيِيزِ كَحَجَرٍ، أَوْ خَشَبَةٍ بِلَا نَقْشٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ تَطْيِينُ الْقَبْرِ أَيْ أَنْ يُجْعَلَ عَلَيْهِ الطِّينُ وَالْحِجَارَةُ وَيُكْرَهُ تَبْيِيضُهُ بِالْجِيرِ وَالْجِبْسِ وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ وَالتَّحْوِيزُ عَلَيْهِ وَإِنْ قَصَدَ الْمُبَاهَاةَ بِالْبِنَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ التَّبْيِيضِ، أَوْ التَّطْيِينِ فَذَلِكَ حَرَامٌ وَيَجُوزُ التَّحْوِيزُ الَّذِي لِلتَّمْيِيزِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ حَجَرٌ، أَوْ خَشَبَةٌ بِلَا نَقْشٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْقُبُورِ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ تَجْصِيصُ الْقُبُورِ وَهُوَ تَبْيِيضُهَا بِالْجِصِّ وَهُوَ الْجِبْسُ وَقِيلَ: هُوَ الْجِيرُ، وَيُرْوَى فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ، أَوْ تَجْصِيصٌ وَهُمَا بِمَعْنَى تَبْيِيضِهَا أَيْضًا بِالْقَصَّةِ وَهِيَ الْجِيرُ انْتَهَى. وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُرَصَّصَ عَلَى الْقَبْرِ بِالْحِجَارَةِ وَالطِّينِ، أَوْ يُبْنَى عَلَيْهِ بِطُوبٍ، أَوْ حِجَارَةٍ، ثُمَّ قَالَ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَنُهِيَ عَنْ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا وَالْكِتَابَةِ وَالتَّجْصِيصِ وَرَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى أَنْ تُرَبَّعَ الْقُبُورُ، أَوْ يُبْنَى عَلَيْهَا، أَوْ يُكْتَبَ فِيهَا، أَوْ تُقَصَّصَ» وَرُوِيَ تُجَصَّصَ وَأَمَرَ بِهَدْمِهَا وَتَسْوِيَتِهَا ابْنُ حَبِيبٍ: تُقَصَّصَ، أَوْ تُجَصَّصَ يَعْنِي تُبَيَّضَ بِالْجِيرِ، أَوْ بِالتُّرَابِ الْأَبْيَضِ وَالْقَصَّةُ الْجِيرُ وَهُوَ الْجِبْسُ انْتَهَى. وَفِي رَسْمِ الْعُشُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى قَالَ وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَا تَجْعَلُوا عَلَى قَبْرِي حَجَرًا قَالَ مَا أَظُنُّهُ مَعْنَاهُ إلَّا مِنْ فَوْقَ عَلَى وَجْهِ مَا يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ بِالْحِجَارَةِ وَقَدْ سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الْقَبْرِ يُجْعَلُ عَلَيْهِ الْحِجَارَةُ تُرَصَّصُ عَلَيْهِ بِالطِّينِ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا يُجَيَّرُ وَلَا يُبْنَى عَلَيْهِ بِطُوبٍ وَلَا حِجَارَةٍ ابْنُ رُشْدٍ الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا الْبِنَاءُ عَلَى نَفْسِ الْقَبْرِ وَالثَّانِي الْبِنَاءُ حَوَالَيْهِ فَأَمَّا الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ فَمَكْرُوهٌ بِكُلِّ حَالٍ وَأَمَّا الْبِنَاءُ حَوَالَيْهِ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْمَقْبَرَةِ مِنْ نَاحِيَةِ التَّضْيِيقِ فِيهَا عَلَى النَّاسِ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْأَمْلَاكِ انْتَهَى. قَالَ اللَّخْمِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ تَجْصِيصَ الْقُبُورِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَاهَاةِ وَزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتِلْكَ مَنَازِلُ الْآخِرَةِ وَلَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلْمُبَاهَاةِ وَإِنَّمَا يُزَيِّنُ الْمَيِّتَ عَمَلُهُ. وَاخْتُلِفَ فِي تَسْنِيمِهَا وَالْحِجَارَةِ الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهَا فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا بَأْسَ بِالْحَجَرِ وَالْعُودِ يَعْرِفُ بِهِ الرَّجُلُ قَبْرَ وَلَدِهِ مَا لَمْ يُكْتَبْ فِيهِ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي مُدَوَّنَتِهِ: تَسْنِيمُ الْقَبْرِ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ رُفِعَ فَلَا بَأْسَ يُرِيدُ أَنْ يُزَادَ عَلَى التَّسْنِيمِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ: وَقَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ مُسَنَّمَةٌ وَهُوَ أَحْسَنُ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: وَكَانَ قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ فِي الْبُخَارِيِّ: رَأَيْتنِي وَنَحْنُ شُبَّانُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ أَشْهَبُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ رُفِعَ فَلَا بَأْسَ يُرِيدُ وَيُمْنَعُ مِنْ بِنَاءِ الْبُيُوتِ عَلَى الْمَوْتَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاهَاةٌ وَلَا يُؤْمَنُ لِمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ الْفَسَادِ وَقِيلَ: لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الرَّجُلِ يُوصِي أَنْ يُبْنَى عَلَى قَبْرِهِ فَقَالَ: لَا، وَلَا كَرَامَةَ. يُرِيدُ بِنَاءَ الْبُيُوتِ وَلَا بَأْسَ بِالْحَائِطِ الْيَسِيرِ الِارْتِفَاعِ لِيَكُونَ حَاجِزًا بَيْنَ الْقُبُورِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ عَلَى الْإِنْسَانِ مَوْتَاهُ مَعَ غَيْرِهِمْ لِيَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ وَيَجْمَعَ عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفِنَ فِي مَقْبَرَةِ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ فَإِنْ اُضْطُرَّ لَمْ يُمْنَعْ؛ لِأَنَّ الْجَبَّانَةَ أَحْبَاسٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شَيْءٌ وَيُمْنَعُ مَعَ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ لِلنَّاسِ أَغْرَاضًا فِي صِيَانَةِ مَوْتَاهُمْ وَتَعَاهُدِهِمْ بِالتَّرَحُّمِ انْتَهَى. وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى وَمِنْ السُّنَّةِ تَسْنِيمُ الْقَبْرِ وَلَا يُرْفَعُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا فَأَمَّا بُنْيَانُهُ وَرَفْعُهُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَاهَاةِ فَمَمْنُوعٌ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إنَّمَا كَرِهَ أَنْ يُرَصَّصَ عَلَى الْقَبْرِ بِالْحِجَارَةِ، أَوْ الطِّينِ، أَوْ الطُّوبِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا بِهَذِهِ الْحِجَارَةِ، أَوْ الطِّينِ، أَوْ الطُّوبِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: هُوَ رَفْعُهَا وَتَعْظِيمُهَا، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْخِلَافُ فِي بِنَاءِ الْبُيُوتِ عَلَيْهَا إذَا

стр. 793

كَانَتْ فِي غَيْرِ أَرْضٍ مُحْبَسَةٍ وَفِي الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ وَفِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ فَأَبَاحَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَقَالَ غَيْرُهُ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَيُنْهَى عَنْ بِنَائِهَا يَعْنِي الْقُبُورَ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي الْمُبَاهَاةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْرُمُ مَعَ الْقَصْدِ، وَقَعَ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيمَنْ، أَوْصَى أَنْ يُبْنَى عَلَى قَبْرِهِ بَيْتٌ أَنَّهُ تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ وَظَاهِرُ هَذَا التَّحْرِيمُ وَإِلَّا لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَنَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ وَنُهِيَ عَنْهَا ابْتِدَاءً وَأَمَّا الْبِنَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْمُبَاهَاةِ فَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ بِهِ تَمْيِيزَ الْمَوْضِعِ حَتَّى يَنْفَرِدَ بِحِيَازَتِهِ فَجَائِزٌ وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ بِهِ تَمْيِيزَ الْقَبْرِ عَنْ غَيْرِهِ فَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ عَنْ الْمَذْهَبِ قَوْلَيْنِ: الْكَرَاهَةَ - وَأَخَذَهَا مِنْ إطْلَاقِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ - وَالْجَوَازَ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَتَى قَصَدَ ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ وَإِنَّمَا كَرِهَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْبِنَاءَ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ عَلَامَةٌ وَإِلَّا فَكَيْفَ يُكْرَهُ مَا يَعْرِفُ بِهِ الْإِنْسَانُ قَبْرَ وَلِيِّهِ وَيَمْتَازُ بِهِ الْقَبْرُ حَتَّى يُحْتَرَمَ وَلَا يُحْفَرَ عَلَيْهِ إنْ اُحْتِيجَ إلَى قَبْرٍ ثَانٍ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ فَإِنْ كَانَ لِلْمُبَاهَاةِ حَرُمَ وَإِنْ كَانَ لِقَصْدِ التَّمْيِيزِ فَقَوْلَانِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي أَنَّ الْبِنَاءَ إمَّا أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الْمُبَاهَاةُ، أَوْ التَّمْيِيزُ، أَوْ لَا يُقْصَدَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ حَرَامٌ وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ حُكْمَ الْحَيِّ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أَكْلٍ وَلِبَاسٍ وَرُكُوبٍ وَبِنَاءٍ وَغَيْرِهِ وَالثَّانِي مُخْتَلَفٌ فِي كَرَاهَتِهِ وَإِبَاحَتِهِ وَالثَّالِثُ مَكْرُوهٌ وَقَدْ «وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَرًا بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَقَالَ أُعَلِّمُ بِهِ قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» وَأَمَّا تَحْوِيزُ مَوْضِعِ الدَّفْنِ بِبِنَاءٍ فَقَالُوا: إنَّهُ جَائِزٌ إذَا لَمْ يُرْفَعْ فِيهِ إلَى قَدْرٍ يَأْوِي إلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَهْلُ الْفَسَادِ وَإِنْ فُعِلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُزَالُ مِنْهُ مَا يَسْتُرُ أَهْلَ الْفَسَادِ وَيُتْرَكُ بَاقِيهِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَعْنِي أَنَّ الْبِنَاءَ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِقَصْدِ الْمُبَاهَاةِ، أَوْ التَّمْيِيزِ، أَوْ لَا يُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ وَالْأَوَّلُ حَرَامٌ وَهَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الْبَاجِيُّ وَالثَّالِثُ مَكْرُوهٌ وَالثَّانِي مُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ ابْنُ بَشِيرٍ وَالْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا اللَّخْمِيُّ وَاخْتَارَ الْكَرَاهَةَ مِنْ إطْلَاقِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْجَوَازَ فِي غَيْرِهَا قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبِنَاءَ لِقَصْدِ التَّمْيِيزِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَإِنَّمَا كَرِهَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْبِنَاءَ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ الْعَلَامَةُ وَإِلَّا فَكَيْفَ يُكْرَهُ مَا قَصَدَ بِهِ مَعْرِفَةَ قَبْرِ وَلِيِّهِ؟ وَلَمْ يَجْزِمْ ابْنُ بَشِيرٍ بِتَحْرِيمِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بَلْ قَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَذَكَرَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ إلَى قَوْلِهِ لَنَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَجَازَ عُلَمَاؤُنَا رَكْزَ حَجَرٍ، أَوْ خَشَبَةٍ عِنْدَ رَأْسِ الْمَيِّتِ مَا لَمْ يَكُنْ مَنْقُوشًا لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ «وَضَعَ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ حَجَرًا عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَقَالَ أُعَلِّمُ بِهِ قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ بَلَاطَةٌ وَيَكْتُبُ فِيهَا، وَأَمَّا تَحْوِيزُ مَوْضِعِ الدَّفْنِ بِبِنَاءٍ وَذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُتَقَدِّمَ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي التَّنْبِيهَاتِ اُخْتُلِفَ فِي بِنَاءِ الْبُيُوتِ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ أَرْضٍ مُحْبَسَةٍ وَفِي الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ فَأَبَاحَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَقَالَ غَيْرُهُ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ انْتَهَى. وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ كَالْقَرَافَةِ الَّتِي بِمِصْرَ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا الْبِنَاءُ مُطْلَقًا وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِهَدْمِهَا حَتَّى يَصِيرَ طُولُهَا عَرْضًا وَسَمَاؤُهَا أَرْضًا، وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ: الْبِنَاءُ فِي الْقُبُورِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ إذَا كَانَ فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُرْصَدَةً فَلَا يَحِلُّ الْبِنَاءُ فِيهَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ جَعَلَ الْقَرَافَةَ بِمِصْرَ لِدَفْنِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الْبِنَاءَ بِهَا مَمْنُوعٌ، وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الثِّقَاتِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ السُّلْطَانَ الظَّاهِرَ أَمَرَ بِاسْتِفْتَاءِ الْعُلَمَاءِ فِي زَمَنِهِ فِي هَدْمِ مَا بِهَا مِنْ الْبِنَاءِ فَاتَّفَقُوا عَلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَهْدِمَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَلِّفَ أَصْحَابَهُ رَمْيَ تُرَابِهَا فِي الْكِيمَانِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ إنَّ الْمَلِكَ الظَّاهِرَ سَافَرَ إلَى الشَّامِ فَلَمْ يَرْجِعْ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَمَّا تَجْصِيصُ الْقُبُورِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ إلَّا

стр. 794

مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى. فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ تَطْيِينَ الْقَبْرِ أَيْ جَعْلَ الطِّينِ عَلَيْهِ وَالْحِجَارَةِ مَكْرُوهٌ وَكَذَلِكَ تَبْيِيضُهُ وَكَذَلِكَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ التَّحْوِيزُ حَوَالَيْهِ بِبَيْتٍ وَنَحْوِهِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ الْمُبَاهَاةَ وَلَا التَّمْيِيزَ، فَإِنْ قَصَدَ الْمُبَاهَاةَ بِالْبِنَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ حَوَالَيْهِ، أَوْ تَبْيِيضِهِ، أَوْ تَطْيِينِهِ حَرُمَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بُوهِيَ بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْمَذْكُورِ جَمِيعِهِ قَالَ ابْنُ الْفُرَاتِ فِي شَرْحِهِ: وَيَحْسُنُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ بُوهِيَ بِهِ عَلَى الْمَذْكُورِ فِيهِ أَيْ وَإِنْ قَصَدَ الْمُبَاهَاةَ بِالْبِنَاءِ، أَوْ التَّحْوِيزِ، أَوْ التَّبْيِيضِ حَرُمَ؛ لِأَنَّ زِينَةَ الدُّنْيَا ارْتَفَعَتْ بِالْمَوْتِ انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُتَقَدِّمُ أَعْنِي قَوْلَهُ وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ حُكْمَ الْحَيِّ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: وَجَازَ لِلتَّمْيِيزِ أَيْ وَجَازَ التَّحْوِيزُ لِلتَّمْيِيزِ، وَيُحْتَمَلُ أَيْ وَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ وَالتَّحْوِيزُ عَلَيْهِ لِلتَّمْيِيزِ أَمَّا التَّحْوِيزُ لِلتَّمْيِيزِ فَقَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهِ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَمَّا الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ نَفْسِهِ لِلتَّمْيِيزِ فَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّحْوِيزَ لِلتَّمْيِيزِ يَجُوزُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً، أَوْ مُبَاحَةً، أَوْ مُسَبَّلَةً لِلدَّفْنِ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَمِمَّا فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ عَنْهُ وَعَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَنَصُّهُ: وَكَتَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَسْأَلُهُ فِيمَا اُبْتُدِعَ مِنْ بِنَاءِ السَّقَائِفِ وَالْقُبَبِ وَالرَّوْضَاتِ عَلَى مَقَابِرِ الْمَوْتَى وَخُولِفَتْ فِيهِ السُّنَّةُ فَقَامَ بَعْضُ مَنْ بِيَدِهِ أَمْرٌ فِي هَدْمِهَا وَتَغْيِيرِهَا وَحَطِّ سَقْفِهَا وَمَا أُعْلِيَ مِنْ حِيطَانِهَا إلَى حَدِّهَا هَلْ يَلْزَمُ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ جُدْرَانِهَا مَا يَمْنَعُ دُخُولَ الدَّوَابِّ أَمْ لَا قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ؟ . وَلَا يَتْرُكُ مِنْهَا إلَّا مَا أَبَاحَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ الْجِدَارِ الْيَسِيرِ لِتُمَيَّزَ بِهِ قُبُورُ الْأَهْلِينَ وَالْعَشَائِرِ لِلتَّدَافُنِ، وَكَيْفَ إنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لِبَقَاءِ جِدَارِي مَنْفَعَةٌ لِصِيَانَةِ مَيِّتٍ لِئَلَّا يُتَطَرَّفَ إلَيْهِ لِلْحَدَثِ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا مَا كَانَ مِنْهَا بِقُرْبِ الْعِمَارَةِ وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ أَنْ يَتْرُكَ عَلَيْهَا مِنْ الْجُدْرَانِ أَقَلَّ مَا يَمْنَعُ هَذَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ الْعَامَّ بِظُهُورِ الْبِدْعَةِ فِي بِنَائِهَا، أَوْ تَعْلِيَتِهَا أَعْظَمُ وَأَشَدُّ مَعَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ اسْتِتَارُ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ فِيهَا بَعْضَ الْأَحْيَانِ وَذَلِكَ أَضَرُّ بِالْحَيِّ وَالْمَيِّتِ مِنْ الْحَدَثِ عَلَيْهِ، وَمُرَاعَاةُ أَشَدِّ الضَّرَرَيْنِ وَأَخَفِّهِمَا مَشْرُوعٌ، بَيِّنْهُ وَجَاوِبْ عَلَيْهِ مَشْكُورًا مَأْجُورًا وَالسَّلَامُ فَأَجَابَ: تَصَفَّحْت سُؤَالَك الْوَاقِعَ فَوْقَ هَذَا وَوَقَفْت عَلَيْهِ وَمَا يُبْنَى مِنْ السَّقَائِفِ وَالْقُبَبِ وَالرَّوْضَاتِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ هَدْمُهَا وَاجِبٌ وَلَا يَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ مِنْ حِيطَانِهَا إلَّا قَدْرُ مَا يُمَيِّزُ بِهِ الرَّجُلُ قُبُورَ قَرَابَتِهِ وَعَشِيرَتِهِ مِنْ قُبُورِ سِوَاهُمْ لِئَلَّا يَأْتِيَ مَنْ يُرِيدُ الدَّفْنَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَنْبُشُ قَبْرَ امْرَأَتِهِ وَالْحَدُّ فِي ذَلِكَ مَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى بَابٍ، ثُمَّ سَأَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ نَقْضِ هَذِهِ الْأَبْنِيَةِ هَلْ هِيَ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا بَنَاهَا بَانِيهَا فِي الْحَبْسِ وَقَدْ عَلِمْت مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْأَصْلِ مِنْ الْخِلَافِ أَمْ تُرْجَعُ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ الْأَصْلِ فَهَذَا حَبْسٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وَلَا مَشْرُوعٍ بَلْ هُوَ مَحْظُورٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَهُوَ رَدٌّ فَأَرَدْت جَوَابَك فَأَجَابَ: النَّقْضُ لِأَرْبَابِهِ الَّذِي بَنَوْهُ لَا يَكُونُ حَبْسًا كَالْمَقْبَرَةِ الَّتِي جُعِلَ فِيهَا وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ فِي نَقْضِ مَا يُبْنَى فِي الْحَبْسِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْت مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ أَجْوِبَتِهِ وَنَقْضُ مَا يُبْنَى فِي الرَّوْضَاتِ لَا يَلْحَقُ بِالْحَبْسِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْت مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ انْتَهَى. وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْ قَبْرٍ عَلَا بِنَاؤُهُ نَحْوَ الْعَشَرَةِ أَشْبَارٍ وَأَزْيَدَ هَلْ يَجِبُ هَدْمُهُ وَتُغَيَّرُ بِدْعَتُهُ، وَكَيْفَ إنْ شَكَا بَعْضُ جِيرَانِهِ أَنَّهُ يَسْتُرُ بَابَ فُنْدُقِهِ عَنْ بَعْضِ الْوُرَّادِ وَيَمْنَعُهُ النَّظَرَ لِلْجُلَّاسِ فِي أُسْطُوَانَتِهِ هَلْ لِصَاحِبِ الْفُنْدُقِ فِيهِ حُجَّةٌ؛ إذْ يَقُولُ مَنَعْتَنِي مَنْفَعَتِي لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ بَلْ لِمَا لَا يَجُوزُ وَهَلْ لِأَوْلِيَاءِ الْقَبْرِ حُجَّةٌ فَيَجُوزَ لَهُمْ بِنَاؤُهُ وَكَيْفَ إنْ كَانَ بِنَاؤُهُ قَبْلَ بِنَاءِ الْفُنْدُقِ فَأَجَابَ إنْ كَانَ الْبِنَاءُ عَلَى نَفْسِ الْقَبْرِ فَلَا يَجُوزُ وَيُهْدَمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا حَوَالَيْهِ كَالْبَيْتِ يُبْنَى عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِ الرَّجُلِ وَحَقِّهِ

стр. 795

فَلَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْت مِنْ حُجَّةِ صَاحِبِ الْفُنْدُقِ الْمُوَاجِهِ لَهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ تَقَدَّمَ فَوْقَ هَذَا أَنَّ هَدْمَهُ وَاجِبٌ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْبِنَاءَ لِتَمْيِيزِ الْقُبُورِ جَائِزٌ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورِينَ أَوَّلًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ كَالْقَرَافَةِ بِمِصْرَ فَلَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ بِهَا مُطْلَقًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا لِتَمْيِيزِ قُبُورِ الْأَهْلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا كَلَامُهُ فِي بِنَاءِ الْبُيُوتِ وَالْقُبَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدَّمَ أَوَّلًا أَنَّ الْبِنَاءَ لِلتَّحْوِيزِ جَائِزٌ وَقَبِلَهُ وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ وَكَلَامُ ابْنِ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَقْوَى فِي الْمَنْعِ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ بَشِيرٍ الْمُتَقَدِّمِ. (قُلْت) هَذَا فِي غَيْرِ الْمَقْبَرَةِ الْمُحْبَسَةِ لِدَفْنِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَدْ رَأَيْت مِنْ الْوُلَاةِ مَنْ يَهْدِمُ بِمَكَّةَ مَا بُنِيَ بِهَا وَلَمْ أَرَ الْفُقَهَاءَ يَعِيبُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْهَدْمَ. (قُلْت) فَلَا يَجُوزُ التَّضْيِيقُ فِيهَا بِبِنَاءٍ يَحُوزُ فِيهِ قَبْرًا وَلَا غَيْرَهُ، بَلْ لَا يَجُوزُ فِي الْأَرْضِ الْمُحْبَسَةِ غَيْرُ الدَّفْنِ فِيهَا خَاصَّةً وَقَدْ أَفْتَى مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ جُلَّةِ الْعُلَمَاءِ بِهَدْمِ مَا بُنِيَ بِقَرَافَةِ مِصْرَ وَأَلْزَمَ الْبَانِينَ حَمْلَ أَنْقَاضِهَا وَإِخْرَاجَهُ عَنْهَا وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ دَخَلَ إلَى صُورَةِ مَسْجِدٍ بُنِيَ بِقَرَافَةِ مِصْرَ الصُّغْرَى فَجَلَسَ فَقِيلَ: لَهُ أَلَا صَلَّيْت التَّحِيَّةَ؟ . فَقَالَ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مَسْجِدٍ فَإِنَّ الْمَسْجِدَ هُوَ الْأَرْضُ وَالْأَرْضُ مُسَبَّلَةٌ لِدَفْنِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ بَالَغَ فِي إنْكَارِ الْبِنَاءِ وَذَكَرَ الْمَفَاسِدَ الْمُرَتَّبَةَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْجَمَاعَةُ الْمُتَقَدِّمُونَ أَعْنِي اللَّخْمِيَّ وَابْنَ رُشْدٍ وَعِيَاضًا وَابْنَ بَشِيرٍ وَابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ بَلْ صَرِيحُ كَلَامِ عِيَاضٍ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُقَرَّرٌ أَبَاحَهُ الْعُلَمَاءُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي عَنْ الْمَازِرِيِّ أَيْضًا وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَأَمَّا لَوْ بُنِيَ بَيْتٌ وَحَائِطٌ جُعِلَ لِلْقَبْرِ لِيَصُونَهُ، فَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: جَائِزٌ إلَّا أَنْ يُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ فِي مَوْضِعٍ مُبَاحٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَا أَعْرِفُ مَنْ قَالَ بِهِ إلَّا اللَّخْمِيَّ قَالَ يُمْنَعُ بِنَاءُ الْبُيُوتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاهَاةٌ وَلَا يُؤْمَنُ مَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمُتَقَدِّمَ انْتَهَى. (قُلْت) بَلْ فِي كَلَامِ ابْنِ نَاجِي نَظَرٌ؛ لِأَنَّ اللَّخْمِيّ وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِالْمَنْعِ فَقَدْ تَلَقَّاهُ أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ بِالْقَبُولِ وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الَّذِي تَقَدَّمَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَنَصُّ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ وَلَا بَأْسَ بِالْحَائِطِ الْيَسِيرِ الِارْتِفَاعِ يَكُونُ حَاجِزًا بَيْنَ الْقُبُورِ؛ لِئَلَّا تَخْتَلِطَ عَلَى النَّاسِ قُبُورُهُمْ وَأَشَارَ ابْنُ الْقَصَّارِ إلَى أَنَّ الْبِنَاءَ الْمَكْرُوهَ عَلَيْهَا، أَوْ حَوْلَهَا إنَّمَا هُوَ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ؛ لِئَلَّا يُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ التَّصَرُّفَ فِيهِ وَأَمَّا الْبِنَاءُ فِي مِلْكِهِ، أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ جَائِزٌ وَهُوَ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ ظَاهِرُهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ انْتَهَى. وَكَلَامُ الْمَازِرِيِّ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْبِنَاءَ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ مَكْرُوهٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْضِعُ الْمُبَاحُ مَوَاتًا، أَوْ مَقْبَرَةً مِنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ فَتَأَمَّلْهُ. فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْبِنَاءَ حَوْلَ الْقَبْرِ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْبَانِي، أَوْ مَمْلُوكَةٍ لِغَيْرِهِ، أَوْ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ، أَوْ فِي أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ لِلدَّفْنِ مُصَرَّحٌ بِوَقْفِيَّتِهَا، أَوْ فِي أَرْضٍ مُرْصَدَةٍ لِدَفْنِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ مُسَبَّلَةٍ لَهُمْ فَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْبَانِي فَلَا يَخْلُو الْبِنَاءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لِلتَّمْيِيزِ كَالْحَائِطِ الصَّغِيرِ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ الْإِنْسَانُ قُبُورَ أَوْلِيَائِهِ، أَوْ يَكُونَ كَثِيرًا كَبَيْتٍ، أَوْ قُبَّةٍ، أَوْ مَدْرَسَةٍ وَالْكَثِيرُ إمَّا أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الْمُبَاهَاةُ، أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ يَسِيرًا لِلتَّمْيِيزِ فَهُوَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا وَقُصِدَ بِهِ الْمُبَاهَاةُ فَهُوَ حَرَامٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْمُبَاهَاةُ؛ فَقَدْ قَالَ ابْنِ الْقَصَّارِ هُوَ جَائِزٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ وَصَاحِبِ الْمَدْخَلِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ حَيْثُ أَفْتَى أَنَّهُ لَا يُهْدَمُ وَأَمَّا الْأَرْضُ

стр. 796

الْمَمْلُوكَةُ لِغَيْرِ الْبَانِي فَحُكْمُهَا كَالْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ إذَا أَذِنَ رَبُّهَا وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْأَرْضِ الْمُبَاحَةِ إذَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ الْبِنَاءُ بِأَحَدٍ، وَأَمَّا الْأَرْضُ الْمَوْقُوفَةُ لِلدَّفْنِ فَلَا يَخْلُو الْبِنَاءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ جِدَارًا صَغِيرًا لِلتَّمْيِيزِ، أَوْ بِنَاءً كَبِيرًا كَالْبَيْتِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالْحَائِطِ الْكَبِيرِ. فَأَمَّا الْجِدَارُ الصَّغِيرُ لِلتَّمْيِيزِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي السُّؤَالِ الْمُتَقَدِّمِ: إنَّهُ جَائِزٌ وَأَبَاحَهُ الْعُلَمَاءُ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ مَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَأَمَّا الْبِنَاءُ الْكَثِيرُ فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ وَأَمَّا الْأَرْضُ الْمُرْصَدَةُ لِدَفْنِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فَظَاهِرُ نُصُوصِهِمْ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْمَوْقُوفَةِ بَلْ هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِ فِي الْمَدْخَلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَبَاحَ الْبِنَاءَ حَوْلَ الْقَبْرِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ صَالِحًا، أَوْ عَالِمًا، أَوْ شَرِيفًا، أَوْ سُلْطَانًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَلَا يُؤْخَذُ الْجَوَازُ مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْحَاكِمِ وَنَصُّهُ: وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ إثْرَ تَصْحِيحِهِ أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَنْ الْبِنَاءِ وَالْكَتْبِ عَلَى الْقَبْرِ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا مَكْتُوبٌ عَلَى قُبُورِهِمْ وَهُوَ عَمَلٌ أَخَذَهُ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْجَنَائِزِ وَقَالَ عَقِبَهُ: قُلْت فَيَكُونُ إجْمَاعًا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ اسْتَنَدُوا إلَى حَدِيثٍ آخَرَ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» وَفِي فَتَاوَى ابْنِ قَدَّاحٍ: إذَا جُعِلَ عَلَى قَبْرِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ فَخَفِيفٌ انْتَهَى. لِأَنَّ كَلَامَ الْحَاكِمِ إنَّمَا هُوَ فِي الْكَتْبِ عَلَى الْقَبُورِ كَمَا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ وَكَذَلِكَ مَا نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ قَدَّاحٍ إنَّمَا هُوَ فِي الْكَتْبِ، وَنَصُّ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِهِ: لَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْقُبُورِ بِحَجَرٍ وَلَا بِجِيرٍ وَإِنَّمَا يُجْعَلُ عِنْدَ رَأْسِهِ حَجَرٌ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ حَجَرٌ لِيَكُونَ عَلَامَةً عَلَيْهِ. وَهَلْ يُكْتَبُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ . لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ إنْ وَقَعَ وَعُمِلَ عَلَى قَبْرِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ فَخَفِيفٌ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ فِي كِتَابِ الْفُرُوعِ: قَالَ شَيْخُنَا: مَنْ بَنَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ يَعْنِي فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ فَهُوَ عَاصٍ قَالَ وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى. (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ أَنَّ مَا بُنِيَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَقْفِهِ فَإِنَّ وَقْفَهُ بَاطِلٌ، وَأَنْقَاضُهُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ رَبِّهَا إنْ كَانَ حَيًّا، أَوْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ وَيُؤْمَرُ بِنَقْلِهَا مِنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَيَسْتَأْجِرُ الْقَاضِي عَلَى نَقْلِهَا مِنْهَا، ثُمَّ يُصْرَفُ الْبَاقِي فِي مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ انْتَهَى [ضَرْبُ الْفُسْطَاطِ عَلَى قَبْرِ الْمَرْأَةِ] (الثَّانِي) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ضَرْبُ الْفُسْطَاطِ عَلَى قَبْرِ الْمَرْأَةِ أَجْوَزُ مِنْهُ عَلَى قَبْرِ الرَّجُلِ؛ لِمَا يَسْتُرُ مِنْهَا عِنْدَ إقْبَارِهَا وَقَدْ ضَرَبَهُ عُمَرُ عَلَى قَبْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَأَمَّا عَلَى قَبْرِ الرَّجُلِ فَأُجِيزَ وَكُرِهَ وَمَنْ كَرِهَهُ فَإِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ جِهَةِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَكَرِهَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَقَدْ ضَرَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَبْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَقَامَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَرَاهُ وَاسِعًا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَيُبَاتَ فِيهِ إذَا خِيفَ مِنْ نَبْشٍ، أَوْ غَيْرِهِ انْتَهَى. وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: ضَرْبُ الْخِبَاءَ عَلَى الْقَبْرِ فِيهِ قَوْلَانِ: بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ فَإِنْ، أَوْصَى بِهِ أُنْفِذَ لِلْخِلَافِ وَكَذَلِكَ إذَا، أَوْصَى بِأُجْرَةٍ لِمَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ كَالْأُجْرَةِ عَلَى الْحَجِّ انْتَهَى [يَحْفِرَ قَبْرًا لِيُدْفَنَ فِيهِ] (الثَّالِثُ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ قَبْرًا لِيُدْفَنَ فِيهِ إذَا مَاتَ؛ لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ عَلَى غَيْرِهِ وَمَنْ سَبَقَ كَانَ أَوْلَى بِالْمَوْضِعِ مِنْهُ وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا غَصْبَ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ تَذْكِرَةٌ لِمَنْ حُفِرَ لَهُ انْتَهَى مِنْ فَصْلِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ خَلِيلٌ: وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ يَعْنِي حَفْرَ قَبْرٍ لِلْحَيِّ ابْتِدَاءً وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ جَوَازِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يَمُوتُ هُنَا أَمْ لَا وَقَدْ يَمُوتُ بِغَيْرِهِ وَيَحْسَبُ غَيْرُهُ أَنَّ فِي هَذَا الْقَبْرِ أَحَدًا فَيَكُونُ غَاصِبًا لِذَلِكَ وَقَدْ وَرَدَ «مَنْ غَصَبَ

стр. 797

شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ. [دُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ غَيْره مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ] (الرَّابِعُ) إذَا دُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ وَوَقَعَ ذَلِكَ وَنَزَلَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكَهُ بَلْ هِيَ حَبْسٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالُوا فِيمَنْ حَفَرَ قَبْرًا لِلْمَيِّتِ فَدُفِنَ غَيْرُهُ فِيهِ: إنَّهُ لَا يُنْبَشُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ فَأَحْرَى مَسْأَلَتُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَانْظُرْ الشَّبِيبِيَّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ. [الْمُعَلَّاةَ وَالشَّبِيكَةَ مِنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسَبَّلَةِ] (الْخَامِسُ) لَا شَكَّ أَنَّ الْمُعَلَّاةَ وَالشَّبِيكَةَ مِنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسَبَّلَةِ الْمُرْصَدَةِ لِدَفْنِ الْمَوْتَى بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ وَأَنَّ الْبِنَاءَ بِهِمَا لَا يَجُوزُ، وَيَجِبُ هَدْمُهُ يَدُلُّ لِذَلِكَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ الْآتِي بَلْ لِلْمُعَلَّاةِ زِيَادَةُ خُصُوصِيَّةٍ لِوُرُودِ الْحَدِيثِ فِي فَضْلِهَا وَتَسْمِيَتِهَا مَقْبَرَةً فَقَدْ رَوَيْنَا فِي تَارِيخِ الْأَزْرَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «نِعْمَ الْمَقْبَرَةُ هَذِهِ مَقْبَرَةُ أَهْلِ مَكَّةَ» قَالَ وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «نِعْمَ الشَّعْبُ وَنِعْمَ الْمَقْبَرَةُ» وَأَمَّا مَا يُقَالُ: إنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، أَوْقَفَهَا فَلَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا مُسَبَّلَةٌ لِلدَّفْنِ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهَا مُسَبَّلَةٌ فَإِنَّ الزَّرْكَشِيَّ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي الْخَادِمِ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْقُبُورِ قَالَ الْحَاوِي بَعْدَ ذِكْرِهِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَيُهْدَمُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرَأَيْت الْوُلَاةَ بِمَكَّةَ يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا بُنِيَ فِيهَا وَلَمْ أَرَ الْفُقَهَاءَ يَعِيبُونَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ هَذَا فِي كَلَامِ ابْنِ الْفَاكِهَانِيِّ، ثُمَّ تَكَلَّمَ الزَّرْكَشِيُّ عَلَى الْقَرَافَةِ وَهَلْ هِيَ مَوْقُوفَةٌ، أَوْ مُرْصَدَةٌ وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ الْوَقْفِيَّةِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ص (كَحَجَرٍ، أَوْ خَشَبَةٍ بِلَا نَقْشٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ حَجَرًا، أَوْ خَشَبَةً بِلَا نَقْشٍ لِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ: كَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ بَلَاطَةً يَكْتُبُ فِيهَا، وَلَمْ يَرَ بِالْحَجَرِ وَالْعُودِ وَالْخَشَبَةِ بَأْسًا يَعْرِفُ بِهِ الرَّجُلُ قَبْرَ وَلِيِّهِ مَا لَمْ يُكْتَبْ فِيهِ انْتَهَى. وَجَعَلَهُ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ مُسْتَحَبًّا وَنَصُّهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَلَّمَ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ بِحَجَرٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَمَّا أَنْ دَفَنَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ فَقَامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ حَمَلَهُ فَوَضَعَهُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ أُعَلِّمُ بِهِ قَبْرَ أَخِي أَزُورُهُ وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» انْتَهَى. وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُوضَعَ الْحَجَرُ الْوَاحِدُ فِي طَرَفِ الْقَبْرِ عَلَامَةً لِيُعْرَفَ بِهِ أَنَّ فِيهِ قَبْرًا وَلِيَعْرِفَ الرَّجُلُ قَبْرَ وَلِيِّهِ فَأَمَّا الْحِجَارَةُ الْكَثِيفَةُ وَالصَّخْرُ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْرِفُ؛ فَلَا خَيْرَ فِيهِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ بِلَا نَقْشٍ يُشِيرُ بِهِ إلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِلَى مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَصُّهُ: وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ بَلَاطَةٌ وَيُكْتَبَ فِيهَا، وَلَمْ يَرَ بَأْسًا بِالْحَجَرِ وَالْعُودِ وَالْخَشَبَةِ مَا لَمْ يُكْتَبْ فِي ذَلِكَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ قَبْرَ وَلِيِّهِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ كَرِهَ مَالِكٌ الْبِنَاءَ عَلَى الْقَبْرِ وَأَنْ يُجْعَلَ عَلَيْهِ الْبَلَاطَةُ الْمَكْتُوبَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا أَهْلُ الطَّوْلِ مِنْ إرَادَةِ الْفَخْرِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالسُّمْعَةِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِي كَرَاهَتِهِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ: وَأَمَّا الْكِتَابَةُ عَلَيْهَا فَأَمْرٌ قَدْ عَمَّ الْأَرْضَ وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ قَدْ وَرَدَ عَنْهُ وَلَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ تَسَامَحَ النَّاسُ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ فَائِدَةٌ إلَّا التَّعْلِيمُ لِلْقَبْرِ لِئَلَّا يَدَّثِرَ انْتَهَى ص (وَلَا يُغَسَّلُ شَهِيدُ مُعْتَرَكٍ فَقَطْ وَلَوْ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ) ش: وَلَا يُحَنَّطُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ فِيمَنْ قُتِلَ فِي مُعْتَرَكِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ سَبَبِهِمْ، أَوْ مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِمْ وَسَوَاءٌ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ بِأَيْدِيهِمْ، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ، أَوْ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ عَنْ فَرَسِهِ فَانْدَقَّ عُنُقُهُ، أَوْ رَجَعَ عَلَيْهِ سَهْمُهُ، أَوْ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ شَهِيدٌ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ قَالَ فِي الشَّامِلِ وَالشَّهِيدُ مَنْ مَاتَ فِي مُعْتَرَكِ الْعَدُوِّ فَقَطْ لَا بَيْنَ لُصُوصٍ، أَوْ فِتْنَةٍ بَيْنَ

стр. 798

الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي دَفْعِهِ عَنْ حَرِيمِهِ وَإِنْ صَبِيًّا، أَوْ امْرَأَةً وَلَوْ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، أَوْ هُوَ نَائِمٌ عَلَى الْأَصَحِّ، أَوْ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ رَجَعَ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ، أَوْ سَهْمُهُ، أَوْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ مَيِّتًا وَلَيْسَ فِيهِ جِرَاحٌ، أَوْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ وَلَمْ يَحْيَ لِحَيَاةٍ بَيِّنَةٍ، أَوْ رُفِعَ مَغْمُورًا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنْ حُمِلَ لِأَهْلِهِ فَمَاتَ فِيهِمْ، أَوْ فِي أَيْدِي الرِّجَالِ، أَوْ وُجِدَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ وَجُهِلَ قَاتِلُهُ، أَوْ تُرِكَ فِي الْمَعْرَكَةِ حَتَّى مَاتَ فَكَغَيْرِ الشَّهِيدِ إلَّا مَنْ عُوجِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ سَحْنُونٌ وَإِنْ جُهِلَ قَاتِلُهُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الرَّمْيِ بِالنَّارِ وَالْحِجَارَةِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ انْتَهَى. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ بِحَجَرٍ، أَوْ بِعَصًا، أَوْ خَنَقُوهُ حَتَّى مَاتَ، أَوْ قَتَلُوهُ أَيَّ قِتْلَةٍ كَانَتْ فِي مَعْرَكَةٍ، أَوْ فِي غَيْرِ مَعْرَكَةٍ فَهُوَ كَالشَّهِيدِ فِي الْمُعْتَرَكِ وَلَوْ أَغَارَ الْعَدُوُّ عَلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْإِسْلَامِ فَدَافَعُوهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ كَانَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَالشَّهِيدِ فِي الْمَعْرَكَةِ قَالَ عَنْهُ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَلَوْ قَتَلُوهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي غَيْرِ مُلَاقَاةٍ وَلَا مُعْتَرَكٍ فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ هُمْ كَالشُّهَدَاءِ فِي الْمُعْتَرَكِ حَيْثُمَا نَالَهُمْ الْقَتْلُ، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ وَبِهِ أَقُولُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ امْرَأَةً، أَوْ صَبِيَّةً، أَوْ صَبِيًّا وَمَا قَالَهُ سَحْنُونٌ هُوَ وِفَاقٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ وَأَمَّا مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا، أَوْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ فِي الْمُعْتَرَكِ، أَوْ مَاتَ بِغَرَقٍ، أَوْ هَدْمٍ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ فِي دَفْعِهِ إيَّاهُمْ عَنْ حَرِيمِهِ ابْنُ سَحْنُونٍ وَلَوْ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمُعْتَرَكِ مُسْلِمًا ظَنُّوا أَنَّهُ مِنْ الْعَدُوِّ، أَوْ دَرَسَتْهُ الْخَيْلُ مِنْ الرِّجَالِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ انْتَهَى. (فَوَائِدُ الْأُولَى) قَالَ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ وَاَلَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ» قَالَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ الْأَسْيُوطِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُوَطَّإِ: الْمَطْعُونُ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الطَّاعُونِ وَالْغَرِيقُ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ غَرَقًا فِي الْمَاءِ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ هُوَ مَرَضٌ مَعْرُوفٌ وَهُوَ وَرَمٌ يَعْرِضُ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ لِلْأَضْلَاعِ وَالْمَبْطُونُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قِيلَ: هُوَ صَاحِبُ الْإِسْهَالِ وَقِيلَ: الْمَجْنُونُ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ بِمَرَضِ بَطْنِهِ كَالِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ وَفِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ لِأَبِي بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ شَيْخِهِ شُرَيْحٍ أَنَّهُ صَاحِبُ الْقُولَنْجِ، وَالْحَرِقُ الَّذِي يُحْرَقُ فِي النَّارِ فَيَمُوتُ وَالْمَرْأَةُ الَّتِي تَمُوتُ بِجُمْعٍ هُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قِيلَ: هِيَ الَّتِي تَمُوتُ مِنْ الْوِلَادَةِ سَوَاءٌ أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا أَمْ لَا وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تَمُوتُ فِي النِّفَاسِ وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تَمُوتُ عَذْرَاءَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ بَقِيَ مِنْ الشُّهَدَاءِ صَاحِبُ السِّلِّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْغَرِيبُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالصَّابُونِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَاحِبُ الْحُمَّى رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ وَاللَّذِيعُ وَالشَّرِيقُ الَّذِي تَفْتَرِسُهُ السِّبَاعُ وَالْخَارُّ عَنْ دَابَّتِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْمُتَرَدِّي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْمَيِّتُ عَلَى فِرَاشِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْمَقْتُولُ دُونَ مَالِهِ أَوْ دَمِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ أَهْلِهِ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ دُونَ مَظْلَمَةٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْمَيِّتُ فِي السِّجْنِ وَقَدْ حُبِسَ ظُلْمًا رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ وَالْمَيِّتُ عِشْقًا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ وَالْمَيِّتُ وَهُوَ طَالِبٌ لِلْعِلْمِ رَوَاهُ الْبَزَّازُ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ فِي الَّذِي يَقْتُلُهُ اللُّصُوصُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ شَهِيدٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا دُونَ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ وَمَنْ غَرِقَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَعَلَيْهِ إثْمُ مَعْصِيَتِهِ وَكُلُّ مَنْ مَاتَ بِسَبَبِ مَعْصِيَةٍ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ وَإِنْ مَاتَ فِي مَعْصِيَةٍ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الشَّهَادَةِ فَلَهُ أَجْرُ شَهَادَتِهِ وَعَلَيْهِ إثْمُ مَعْصِيَتِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ مَغْصُوبٍ أَوْ كَانَ قَوْمٌ فِي مَعْصِيَةٍ فَوَقَعَ عَلَيْهِمْ الْبَيْتُ فَلَهُمْ الشَّهَادَةُ وَعَلَيْهِمْ الْمَعْصِيَةُ انْتَهَى. (الثَّانِيَةُ) ذَكَرَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ

стр. 799

«أَنَّ أُمَّ خَلَّادٍ جَاءَتْ مُنْتَقِبَةً تَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ابْنِهَا وَهُوَ مَقْتُولٌ فَقَالَ لَهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ: جِئْت تَسْأَلِي عَنْ ابْنَكِ وَأَنْتِ مُنْتَقِبَةٌ فَقَالَتْ: إنْ أُرْزَأُ ابْنِي فَلَنْ أُرْزَأَ أَحِبَّائِي فَقَالَ ﷺ ابْنُك لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ قَالَتْ: وَلِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ . قَالَ: لِأَنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ» انْتَهَى. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَيْضًا الْغَرِقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. (الثَّالِثَةُ) الشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ شَهِيدًا فَعَنْ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ: لِأَنَّهُ حَيٌّ فَرُوحُهُ شَهِدَتْ دَارَ السَّلَامِ وَرُوحُ غَيْرِهِ إنَّمَا تَشْهَدُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ مَا لَهُ مِنْ الْكَرَامَةِ وَقِيلَ: لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ يَشْهَدُونَهُ وَقِيلَ: لِأَنَّ تَشْهَدُ بِصِدْقِ نِيَّتِهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ مَعَهُ شَاهِدًا وَهُوَ الدَّمُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ وَدَمُهُ يَثْعَبُ وَقِيلَ: لِأَنَّ دَمَهُ يَشْهَدُ عَلَى الْأَلَمِ وَعَلَى هَذَا لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِهَذَا السَّبَبِ. وَالشُّهَدَاءُ ثَلَاثَةٌ: شَهِيدُ حَرْبِ الْكُفَّارِ لَهُ أَحْكَامُ الشَّهِيدِ فِي الدُّنْيَا وَفِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ. وَالثَّانِي: شَهِيدٌ فِي الثَّوَابِ دُونَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَهُمْ الْمَبْطُونُ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ. وَالثَّالِثُ: مَنْ غَلَّ فِي الْغَنِيمَةِ وَشِبْهُهُ فَلَهُ حُكْمُ الشَّهِيدِ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهُمْ الثَّوَابُ الْكَامِلُ ص (وَإِنْ أَجْنَبَ عَلَى الْأَحْسَنِ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ أَمَّا إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ مِنْ غَيْرِ دَمِهِ كَالرَّوْثِ وَشِبْهِهِ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُغَسَّلُ اعْتِبَارًا بِالْجَنَابَةِ وَمَا قُلْنَاهُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّجَاسَةِ الْإِبْعَادُ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ فِي الدَّمِ خَاصَّةً؛ وَلِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى خَصْمِهِ فَتُرِكَ لِذَلِكَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَاعْتِبَارًا بِمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ جِلْدُ خِنْزِيرٍ، أَوْ جِلْدُ مَيْتَةٍ فَإِنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ إجْمَاعًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى ص (وَدُفِنَ بِثِيَابِهِ إنْ سَتَرَتْهُ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَنْزِعَ ثِيَابَهُ وَيُكَفِّنَهُ بِغَيْرِهَا وَيَخْتَلِفُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ مَا يَسْتُرُهُ هَلْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ شَيْئًا؟ . قَالَ مَالِكٌ فِي

стр. 800

الْكِتَابِ: مَا عَلِمْت أَنَّهُ يُزَادُ فِي كَفَنِ الشَّهِيدِ أَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْهِ شَيْءٌ وَقَالَ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ. ص (وَلَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ إلَّا أَنْ يُدْفَنَ بِغَيْرِهَا وَلَا غَائِبٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ

стр. 801

وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى غَرِيقٍ، أَوْ أَكِيلٍ قَوْلَانِ ابْنُ حَبِيبٍ مَعَ ابْنِ مَسْلَمَةَ وَالْمَشْهُورُ وَفِي مَنْعِهَا عَلَى قَبْرِ مَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ قَوْلَا الْمَشْهُورِ وَاللَّخْمِيُّ مَعَ نَقْلِهِ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَصَّارِ وَابْنِ عُمَرَ وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَزَادَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَصَّارِ مَا لَمْ يُطِلْ وَأَقْصَى مَا قِيلَ فِيهِ: شَهْرٌ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ دُفِنَ دُونَ صَلَاةٍ أُخْرِجَ لَهَا مَا لَمْ يَفُتْ فَإِنْ فَاتَ فَفِي الصَّلَاةِ عَلَى قَبْرٍ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ ابْنِ وَهْبٍ وَسَحْنُونٍ مَعَ أَشْهَبَ وَشَرْطُ الْأَوَّلِ مَا لَمْ يُطِلْ حَتَّى يَذْهَبَ الْمَيِّتُ بِفِنَاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَفِي كَوْنِ الْفَوْتِ إهَالَةَ التُّرَابِ عَلَيْهِ، أَوْ الْفَرَاغَ مِنْ دَفْنِهِ. ثَالِثُهَا: خَوْفُ تَغَيُّرِهِ لِأَشْهَبَ وَسَمَاعِ عِيسَى ابْنِ وَهْبٍ وَسَحْنُون مَعَ عِيسَى وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ بَشِيرٍ قِيلَ: يُخْرَجُ لِلصَّلَاةِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَقِيلَ: لَا مُطْلَقًا وَقِيلَ: إنْ طَالَ فَظَاهِرٌ نَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَنَصُّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يُخْرَجُ مُطْلَقًا، لَا أَعْرِفُهُ انْتَهَى. فَنَصَّ الْمُصَنِّفُ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا دُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ أَنَّهُ يَفُوتُ بِالدَّفْنِ وَيُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ سَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ هَارُونَ كَمَا نَقَلَهُ عِنْدَ ابْنِ نَاجِي وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَمَنْ دُفِنَ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ: فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوَارَ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَقِيلَ: إنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ، وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُمْ يَدْعُونَ وَيَنْصَرِفُونَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ. الثَّانِي: يُخْرَجُ إلَّا أَنْ يُخَافَ تَغَيُّرُهُ قَالَهُ سَحْنُونٌ. الثَّالِثُ: يُخْرَجُ إلَّا أَنْ يَطُولَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ثَالِثُهَا: يُخْرَجُ مَا لَمْ يُطِلْ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ أَحَدَ الْأَقْوَالِ يُخْرَجُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ انْتَهَى. وَإِنَّمَا حَكَاهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَنَبَّهَ عَلَى هَذَا ابْنُ هَارُونَ انْتَهَى كَلَامُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ص (وَالْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ وَصِيٌّ رُجِيَ خَيْرُهُ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ يَعْنِي الْمُوصِيَ مُرَاغَمَةَ الْوَلِيِّ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا وَنَحْوِهَا انْتَهَى. وَمُرَادُهُ بِالْوَصِيِّ مَنْ أَوْصَى الْمَيِّتُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ اُنْظُرْ الْعُتْبِيَّةَ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَإِنْ اجْتَمَعَ وَلِيٌّ وَمَنْ أَوْصَاهُ الْمَيِّتُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَانَ الْمُوصَى إلَيْهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْمَيِّتِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَشْفِعُ لَهُ. قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ الْمَيِّتِ لِعَدَاوَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلِيِّهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَقْبِضَهُ فَلَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ بِذَلِكَ يُرِيدُ إذَا كَانَ الْوَلِيُّ أَوْلَى مِمَّنْ لَهُ دِينٌ وَفَضْلٌ وَإِلَّا كَانَ الْمُوصَى إلَيْهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ وَكَانَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُمْ فِي التَّقْصِيرِ لَهُ فِي الدُّعَاءِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ وَكَانَ ابْنُ الْعَمِّ مَعَ الْعَدَاوَةِ كَانَ ذَلِكَ أَبْيَنَ وَأَرَى إذَا كَانَ الْوَلِيُّ مَعْرُوفًا بِالدِّينِ وَالْفَضْلِ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْمُوصَى لَهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَدَاوَةٌ؛ لِأَنَّ فِي تَقَدُّمَةِ الْأَجْنَبِيِّ وَصْمًا عَلَى الْوَلِيِّ وَإِنْ كَانَ مُوصًى إلَيْهِ عَلَى الصَّلَاةِ وَسُلْطَانُ كَانَ الْمُوصَى إلَيْهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْمَيِّتِ وَهُوَ النَّاظِرُ لِنَفْسِهِ انْتَهَى. وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ ص (ثُمَّ الْخَلِيفَةُ لَا فَرْعُهُ إلَّا مَعَ الْخُطْبَةِ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ إلَيْهِ مِنْ قَاضٍ وَصَاحِبِ الشُّرْطَةِ، أَوْ وَالٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ إذَا حَضَرَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ بَلْدَةٍ كَانَ عِنْدَهُمْ، قَالَ فِي النُّكَتِ: قَوْلُهُ مَنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ إلَيْهِ إلَى آخِرِهِ يَعْنِي إذَا كَانَتْ إلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالْخُطْبَةُ وَإِنَّمَا يَكُونُ صَاحِبُ الصَّلَاةِ وَالْمِنْبَرِ أَحَقَّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ إذَا كَانَ وَلِيُّهُ سُلْطَانَ الْحُكْمِ مِنْ قَضَاءٍ، أَوْ شُرْطَةٍ وَإِلَّا فَهُوَ كَسَائِرِ النَّاسِ هَكَذَا قَالَ سَحْنُونٌ انْتَهَى. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَا يَتَقَدَّمُ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ إذَا كَانَتْ لَهُ خُطْبَةٌ وَالصَّلَاةُ دُونَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا، أَوْ قَاضِيًا، أَوْ صَاحِبَ شُرْطَةٍ، أَوْ أَمِيرًا عَلَى

стр. 802

الْجُنْدِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ قَالَ مَالِكٌ صَاحِبُ الصَّلَاةِ إذَا فَوَّضَ لَهُ الصَّلَاةَ الْأَمِيرُ، أَوْ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ، أَوْ الْقَاضِي فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمِنْبَرِ أَمِيرَ الْجُنْدِ، وَصَاحِبُ الشُّرْطَةِ إذَا كَانَ مُوَكَّلًا بِالْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ أَوْلَى مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي فِي هَذَا عَمَلٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ إلَيْهِ قِيلَ: يُوَكَّلُ أَمِيرُ الْجُنْدِ عَلَى الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ إذَا غَابَ الْأَمِيرُ، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ الْخُطْبَةَ فِي مِثْلِ وَكِيلِهِ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ إلَيْهِ شُرْطَةٌ وَلَا ضَرْبُ الْحُدُودِ وَلَا شَيْءَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ لَا أَرَى لِهَذَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ شَيْئًا؛ قَالَ الْقَاضِي ابْنُ رُشْدٍ: فِي هَذَا الْكَلَامِ الْتِبَاسٌ وَمَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَحَقَّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ بِالصَّلَاةِ عَلَى مَيِّتِهِمْ إلَّا الْأَمِيرُ، أَوْ قَاضِيهِ، أَوْ صَاحِبُ شُرْطَةٍ، أَوْ مُؤَمَّرٌ عَلَى الْجُنْدِ إذَا كَانَتْ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَإِنْ انْفَرَدَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْخُطْبَةِ دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمٌ بِقَضَاءٍ، أَوْ شُرْطَةٍ، أَوْ إمَارَةٍ عَلَى الْجُنْدِ، أَوْ انْفَرَدَ بِالْحُكْمِ بِالْقَضَاءِ، أَوْ الشُّرْطَةِ، أَوْ الْإِمَارَةِ دُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ إلَيْهِ وَالصَّلَاةُ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ حَقٌّ وَكُلُّ مَنْ كَانَ إلَيْهِ مِنْهُمْ الْحُكْمُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا بِمَنْزِلَتِهِ فِي أَنَّهُ أَحَقُّ فَوَكِيلُهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَأَمَّا إنْ كَانَ وَكَّلَهُ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ الصَّلَاةِ، أَوْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ دُونَ الْحُكْمِ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ كَانَتْ إلَيْهِ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ يُرِيدُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَيْهِ حُكْمٌ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ لِابْنِ الْقَاسِمِ نَصًّا وَظَاهِرُ مَا فِي سَمَاعِ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْقَاضِيَ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصَّلَاةُ إلَيْهِ وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ حَقٌّ سِوَى الْأَمِيرِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا حَقَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ لِمَنْ انْفَرَدَ بِالصَّلَاةِ دُونَ الْخُطْبَةِ وَالْقَضَاءِ، أَوْ بِالْحُكْمِ دُونَ الْقَضَاءِ وَالْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ، فَهَذَا تَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى. ص (ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ) ش: قَالَ ابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَاسْتَحَبَّ اللَّخْمِيُّ أَنْ يُقَدِّمَ ابْنُ الْمَيِّتِ أَبَاهُ وَأَخَاهُ وَجَدَّهُ كَصَلَاةِ الْفَرْضِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَ الِابْنُ عَبْدًا فَفِي السُّلَيْمَانِيَّةِ لَا يَتَقَدَّمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ مَعَهُ عَبِيدًا قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَبِيهِ الْمَيِّتِ مِنْ الْأَحْرَارِ كَصَاحِبِ الْمَنْزِلِ يَوْمَ مَنْ غَشِيَهُ فِيهِ انْتَهَى. ص (وَالْقَبْرُ حَبْسٌ لَا يُمْشَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْبَشُ مَا دَامَ بِهِ) ش: قَالَ فِي الْمَدْخَلِ لَمَّا ذَكَرَ الْمَفَاسِدَ الْمُرَتَّبَةَ عَلَى

стр. 803

الْبِنَاءِ فِي الْمَقَابِرِ الثَّالِثُ وَهُوَ أَكْبَرُ وَأَشْنَعُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَقْفٌ عَلَيْهِ مَا دَامَ مِنْهُ شَيْءٌ مَوْجُودًا فِيهِ حَتَّى يَفْنَى فَإِذَا فَنِيَ حِينَئِذٍ؛ يُدْفَنُ غَيْرُهُ فِيهِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ أَعْضَائِهِ فَالْحُرْمَةُ قَائِمَةٌ بِجَمِيعِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْفَرَ عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَلَا يُكْشَفَ عَنْهُ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ قَدْ غُصِبَ انْتَهَى. وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَفَنَ أَرْبَعَةً مِنْ الْأَوْلَادِ فِي مَقْبَرَةٍ مِنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ عَشْرَةِ أَعْوَامٍ مِنْ دَفْنِهِ إيَّاهُمْ غَابَ الرَّجُلُ عَنْ الْبَلَدِ فَجَاءَ الْحَفَّارُ فَحَفَرَ عَلَى قَبْرِ أُولَئِكَ الْأَطْفَالِ قَبْرًا لِامْرَأَةٍ وَدَفَنَهَا فِيهِ، ثُمَّ جَاءَ الْوَالِدُ مِنْ سَفَرِهِ بَعْدَ دَفْنِ الْمَرْأَةِ بِثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يَجِدْ لِقَبْرِ بَنِيهِ أَثَرًا غَيْرَ قَبْرِ الْمَرْأَةِ فَأَرَادَ نَبْشَهَا وَتَحْوِيلَهَا إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لِيُقِيمَ قُبُورَ بَنِيهِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ . (فَأَجَابَ) بِأَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْبُشَهَا وَيَنْقُلَهَا عَنْ مَوْضِعِهَا وَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا مَيِّتَةً كَحُرْمَتِهَا حَيَّةً وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَكْشِفَهَا وَيَطَّلِعَ عَلَيْهَا وَيَنْظُرَ إلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ ذَا مَحْرَمٍ لَهَا لَمَا سَاغَ لَهُ ذَلِكَ مِنْهَا بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ؛ إذْ لَا يُشَكُّ فِي تَغْيِيرِهَا فِيهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ فِي آخِرِ بَابِ الْجَنَائِزِ: وَلِلْمَيِّتِ حُرْمَةٌ تَمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِهِ مِنْ قَبْرِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ نِسْيَانِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ فِيهِ - وَإِلْحَاقِ دَفْنِ آخَرَ مَعَهُ بِأَبْوَابِ الضَّرُورَةِ الْمُبِيحَةِ لِإِخْرَاجِهِ يَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ آخَرَ وَبَسْطٍ طَوِيلٍ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ الْجَنَائِزِ وَسُئِلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ نَقْلِ الْمَيِّتِ بَعْدَ الدَّفْنِ؟ . فَأَجَابَ: إنَّهُ لَيْسَ بِحَسَنٍ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ تَأْثِيمَ فَاعِلِهِ انْتَهَى. [مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ] (مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى) الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ جَائِزٌ عِنْدَنَا قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: السُّؤَالُ الثَّالِثُ هَلْ يَجْلِسُ عَلَى الْقَبْرِ؟ . (وَالْجَوَابُ) أَنْ يُقَالَ عِنْدَنَا: الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ جَائِزٌ، وَكَرِهَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهِ، أَوْ يَطَأَهُ، أَوْ يَتَّكِئَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُكْرَهُ الدُّخُولُ إلَى الْمَقَابِرِ بِالنِّعَالِ وَلَا يُكْرَهُ بِالْخِفَافِ وَالشَّمْسَكَاتِ وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ الْحَدِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ وَنَحْنُ نَتَأَوَّلُ النَّهْيَ عَلَى أَنَّهُ عَنْ الْجُلُوسِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَسَّرَهُ مَالِكٌ قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالْمَشْيِ عَلَى الْقَبْرِ إذَا عَفَا فَأَمَّا وَهُوَ مُسَنَّمٌ وَالطَّرِيقُ دُونَهُ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَكْسِيرُ تَسْنِيمِهِ وَإِبَاحَتِهِ طَرِيقًا انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَزَادَ بَعْدَهُ: قُلْت وَيَجُوزُ الْمَشْيُ عَلَى الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ سَرَاوِيلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى [الثَّانِيَة اتِّخَاذُ الْقُبُورِ وَطَنًا] (الثَّانِيَةُ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ يُكْرَهُ اتِّخَاذَ الْقُبُورِ وَطَنًا وَإِذَا لَمْ يُتَّخَذْ وَطَنًا فَأَحْرَى أَنْ لَا يُتَّخَذَ مَنْزِلًا انْتَهَى. ص (إلَّا أَنْ يَشِحَّ رَبُّ كَفَنٍ غَصَبَهُ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَكَذَلِكَ إذَا اُحْتِيجَ إلَى الْمَقْبَرَةِ لِمَصَالِحِ

стр. 804

الْمُسْلِمِينَ كَمَا فَعَلَ سَيِّدُنَا مُعَاوِيَةُ ﵁ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ إجْرَاءَ الْعَيْنِ إلَى جَانِبِ أُحُدٍ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فِي الْمَدِينَةِ كُلُّ مَنْ لَهُ قَتِيلٌ فَلْيَخْرُجْ إلَيْهِ وَلْيَنْبُشْهُ وَلْيُخْرِجْهُ وَلْيُحَوِّلْهُ، قَالَ جَابِرٌ فَأَتَيْنَاهُمْ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ رِطَابًا يَتَثَنَّوْنَ انْتَهَى مِنْ شَرْحِ ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ الْأَقْضِيَةِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ ص (وَالصَّلَاةُ أَحَبُّ مِنْ النَّفْلِ إذَا قَامَ بِهَا الْغَيْرُ إنْ كَانَ كَجَارٍ، أَوْ صَالِحًا) ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ مَرِضَ وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ غَيْرَ أَنَّهُ

стр. 805

لَمْ يَجْعَلْ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالنَّافِلَةِ بَلْ جَعَلَهُ بَيْنَ شُهُودِ الْجِنَازَةِ وَالْقُعُودِ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَنَصُّهُ: سَأَلْت مَالِكًا فَقُلْت: أَيُّ شَيْءٍ أَعْجَبُ إلَيْك الْقُعُودُ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ صَلَاةُ الْجَنَائِزِ؟ . قَالَ بَلْ الْقُعُودُ فِي الْمَسْجِدِ أَعْجَبُ إلَيَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَقٌّ مِنْ جِوَارٍ، أَوْ قَرَابَةٍ، أَوْ أَحَدٍ تُرْجَى بَرَكَةُ شُهُودِهِ يَزِيدُ بِهِ فِي فَضْلِهِ فَيَحْضُرُهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ إلَى أَنَّ صَلَاةَ النَّوَافِلِ وَالْجُلُوسَ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ شُهُودِ الْجِنَازَةِ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَمَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَانْقَطَعَ النَّاسُ لِجِنَازَتِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَّا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَشْهَدُ هَذَا الرَّجُلَ الصَّالِحَ مِنْ الْبَيْتِ الصَّالِحِ؟ فَقَالَ: لَأَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَشْهَدَ هَذَا الرَّجُلَ الصَّالِحَ مِنْ الْبَيْتِ الصَّالِحِ وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَاتَّبَعَهُ وَكَانَ يَقُولُ: شُهُودُ الْجَنَائِزِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ جُمْلَةً أَيْضًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَتَفْصِيلُ مَالِكٍ ﵁ وَرَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ عَيْنُ الْفِقْهِ، إذْ إنَّمَا يُرَغِّبُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ يُعْرَفُ بِالْخَيْرِ وَتُرْجَى بَرَكَةُ شُهُودِهِ فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أَوْ كَانَ لَهُ حَقٌّ مِنْ جِوَارٍ، أَوْ قَرَابَةٍ فَشُهُودُهُ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ: يَتَعَيَّنُ مِنْ حَقِّ الْجِوَارِ وَالْقَرَابَةِ وَلِمَا جَاءَ مِنْ الْفَضْلِ فِي شُهُودِ الْجِنَازَةِ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أَفْضَلُ مَا يَعْمَلُ الْمَرْءُ فِي يَوْمِهِ شُهُودُ جِنَازَةٍ» . إلَّا أَنَّ مَرَاتِبَ الصَّلَاةِ فِي الْفَضْلِ عَلَى قَدْرِ مَرَاتِبِهَا فِي الْوُجُوبِ فَأَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ صَلَاةُ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ صَلَاةُ الْوِتْرِ فِي الْفَضْلِ إذَا قِيلَ: إنَّهُ وَاجِبٌ، ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، ثُمَّ مَا كَانَ مِنْ الصَّلَاةِ سُنَّةً، ثُمَّ مَا كَانَ مِنْهَا فَضِيلَةً، ثُمَّ مَا كَانَ مِنْهَا نَافِلَةً انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي كَلَامِ سَنَدٍ فِي أَوَّلِ الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَدَفْنِهِ [فَرْعٌ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ أَوْلَى مِنْ الْخُرُوجِ مَعَ الْجِنَازَةِ] (فَرْعٌ) وَالِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ أَوْلَى مِنْ الْخُرُوجِ مَعَ الْجِنَازَةِ قَالَهُ فِي الْمَدْخَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الزَّكَاةِ] ص (- بَابٌ - تَجِبُ زَكَاةُ النَّعَمِ) ش الزَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ: النُّمُوُّ وَالْبَرَكَةُ وَزِيَادَةُ الْخَيْرِ، يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ إذَا نَمَا وَزَكَتْ النَّفَقَةُ إذَا بُورِكَ فِيهَا وَفُلَانٌ زَاكٍ أَيْ كَثِيرُ الْخَيْرِ، وَيُطْلَقُ عَلَى التَّطْهِيرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] أَيْ طَهَّرَهَا مِنْ الْأَدْنَاسِ وَمُنَاسَبَتُهَا لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِنُمُوِّ الْمَالِ الْمُخْرَجِ مِنْهُ وَطُهْرَةً لِلْمُخْرِجِ مِنْ الْإِثْمِ، وَفِي الشَّرْعِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الزَّكَاةُ اسْمُ جُزْءٍ مِنْ الْمَالِ شَرْطُهُ لِمُسْتَحِقِّهِ بِبُلُوغِ الْمَالِ نِصَابًا وَمَصْدَرُ إخْرَاجِ جُزْءٍ إلَى آخِرِهِ، وَعُلِمَ وُجُوبِهَا لِغَيْرِ حَدِيثِ الْإِسْلَامِ ضَرُورِيٌّ ابْنُ رُشْدٍ جَاحِدُهَا كَافِرٌ قُلْت يُرِيدُ غَيْرَ الْحَدِيثِ، وَبَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ تَارِكُهَا كَافِرٌ، انْتَهَى. وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَعْنِي كَوْنَهَا اسْمًا فَقَالَ: هِيَ اسْمٌ لِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ يُخْرِجُهُ الْمُسْلِمُ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِالنِّيَّةِ وَسُمِّيَتْ زَكَاةً؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَنْمُو بِبَرَكَةِ إخْرَاجِهَا وَمُؤَدِّيهَا يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ كَابْنِ شَاسٍ زَكَاةَ الْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ عَلَى الْعَيْنِ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ تَرْتِيبِ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا لِشَرَفِ مَا يَنْمُو بِنَفْسِهِ، وَقُدِّمَ الْحَيَوَانُ لِشَرَفِهِ عَلَى الْجَمَادِ وَبُدِئَ مِنْهَا بِالْإِبِلِ اقْتِدَاءً بِكِتَابِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَلِأَنَّهَا أَشْرَفُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، وَالنِّصَابُ بِكَسْرِ النُّونِ فِي اللُّغَةِ: الْأَصْلُ، وَفِي الشَّرْعِ: الْقَدْرُ الَّذِي إذَا بَلَغَهُ الْمَالُ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَذَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ وَسُمِّيَ نِصَابًا؛ لِأَنَّهُ كَالْعَلَمِ الْمَنْصُوبِ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ أَوْ؛ لِأَنَّ الْمَالَ إذَا بَلَغَ النِّصَابَ إلَيْهِ يُبْعَثُ لِلسُّعَاةِ، وَالنَّصَبُ بِالتَّحْرِيكِ بِمَعْنَى التَّعَبِ أَوْ بِمَعْنَى النَّصِيبِ؛ لِأَنَّ لِلْمَسَاكِينِ فِيهِ نَصِيبًا حِينَئِذٍ وَالنَّعَمُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ اسْمٌ لِلْإِبِلِ

стр. 806

وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ قَالَ الدَّمِيرِيُّ نَقَلَ الْوَاقِدِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَخَصَّهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَالْهَرَوِيُّ بِالْإِبِلِ لِقَوْلِ حَسَّانٍ ﵁ وَكَانَ لَا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ ... خِلَالَ بُيُوتِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ ، وَقِيلَ: يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرَ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْغَنَمِ، انْتَهَى. قُلْت وَعَلَى مَا قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَابْنُ دُرَيْدٍ مَشَى الْحَرِيرِيُّ فِي دُرَّةِ الْغَوَّاصِ فِي أَوْهَامِ الْخَوَاصِّ فَقَالَ: وَكَذَلِكَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ النَّعَمِ وَالْأَنْعَامِ، وَقَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا الْعَرَبُ فَجَعَلَتْ النَّعَمَ اسْمًا لِلْإِبِلِ خَاصَّةً وَالْمَاشِيَةِ الَّتِي مِنْهَا الْإِبِلُ، وَقَدْ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ وَجُعِلَتْ الْأَنْعَامُ اسْمًا لِأَنْوَاعِ الْمَاشِيَةِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ أَدْخَلَ فِيهَا الظِّبَاءَ وَحُمُرَ الْوَحْشِ تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] انْتَهَى. قُلْت، وَظَاهِرُ كَلَامِ الصِّحَاحِ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الْإِبِلِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالنَّعَمُ وَاحِدُ الْأَنْعَامِ وَهِيَ الْمَالُ الرَّاعِيَةُ وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى الْإِبِلِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهُوَ ذَكَرٌ لَا يُؤَنَّثُ يَقُولُونَ هَذَا نَعَمٌ وَارِدٌ وَالْأَنْعَامُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: النَّعَمُ الْإِبِلُ وَالشَّاءُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ جَمْعُهَا أَنْعَامٌ وَأَنَاعِيمُ جَمْعُ الْجَمْعِ، انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ النَّعَمَ اسْمٌ لِلْإِبِلِ وَالشَّاءِ وَسُمِّيَ النَّعَمُ نَعَمًا لِكَثْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ فِيهِ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ النُّمُوِّ وَعُمُومِ الِانْتِفَاعِ مَعَ كَوْنِهَا مَأْكُولَةً، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَالنَّعَمُ وَالنَّعْمَةُ وَالنَّعِيمُ وَالنَّعْمَاءُ مَأْخُوذٌ مِنْ لَفْظِ " نَعَمْ "؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ بِهَا يَسُرُّ غَالِبًا فَاشْتُقَّ مِنْهَا أَلْفَاظُ هَذِهِ الْأُمُورِ لِكَوْنِهَا سَارَةَ، وَلَفْظُ الْغَنَمِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالْبَقَرِ مِنْ الْبَقْرِ الَّذِي هُوَ الشَّقُّ؛ لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ أَيْ تَشُقُّهَا، وَالْجِمَالُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْجَمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَتَجَمَّلُ بِهَا، انْتَهَى. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ص (بِمِلْكٍ وَحَوْلٍ كَمُلَا) ش: أَيْ بِشَرْطِ مِلْكٍ وَحَوْلٍ كَامِلَيْنِ وَاحْتُرِزَ بِالْمِلْكِ الْكَامِلِ مَنْ مِلْكِ الْعَبْدِ وَمَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ وَعَدَمُ كَمَالِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ التَّصَرُّفَ التَّامَّ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعَهُ لِعَدَمِ شُمُولِ الْعِلَّةِ لِلْمُكَاتَبِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ مِمَّنْ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ مَالِهِ. (تَنْبِيهٌ) وَالْمُرَادُ بِالْمِلْكِ أَنْ يَمْلِكَ عَيْنَ الْمَاشِيَةِ وَيَمُرَّ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فِي مِلْكِهِ، فَأَمَّا مَنْ مَلَكَ مَاشِيَةً فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا، قَالَ مَالِكٌ: فَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ دِيَةٌ مِنْ الْإِبِلِ فَقَبَضَهَا بَعْدَ أَعْوَامٍ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهَا قَالَ فِي الطِّرَازِ: هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ وَجَبَتْ دَيْنًا مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ، وَالْحَوْلُ إنَّمَا يُرَاعَى فِي عَيْنِ الْمَاشِيَةِ عَلَى مِلْكِ مَنْ يُزَكِّي عَلَيْهِ فَإِذَا قَبَضَهَا تَعَيَّنَتْ فِي مِلْكِهِ، وَلِأَنَّهُ إذَا مَرَّ السَّاعِي بِأَهْلِ الدِّيَةِ زَكَّى مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَاشِيَةِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يُسْقِطُ زَكَاتَهَا. (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْجَزَّارِ يَشْتَرِي الْغَنَمَ لِيَذْبَحَهَا فَيَحُولُ حَوْلُهَا عِنْدَهُ: إنَّهُ يُزَكِّيهَا، انْتَهَى. مِنْ الْبِسَاطِيِّ. (تَنْبِيهٌ) الْحَوْلُ الْكَامِلُ لَا كَلَامَ إنَّهُ شَرْطٌ، وَأَمَّا مِلْكُ النِّصَابِ فَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ سَبَبٌ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَرَافِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ شَرْطٌ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا مُحْتَمِلٌ لَهُمَا إلَّا أَنَّ ذِكْرَهُ مَعَ الْحَوْلِ يَقْتَضِي الثَّانِيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ص (لَا مِنْهَا وَمِنْ الْوَحْشِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا تَوَلَّدَ مِنْ الْأَنْعَامِ وَالْوَحْشِ كَمَا إذَا ضَرَبَتْ فَحَوْلُ الظِّبَاءِ

стр. 807

فِي إنَاثِ الْغَنَمِ أَوْ الْعَكْسُ أَوْ ضَرَبَتْ فَحَوْلُ بَقَرِ الْوَحْشِ فِي إنَاثِ الْإِنْسِيِّ مِنْهَا أَوْ الْعَكْسُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَصَدَّرَ بِهِ ابْنُ شَاسٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا مُطْلَقًا ذَكَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ الشَّارِحُ: وَنَسَبَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ لِابْنِ الْقَصَّارِ (قُلْت) وَهُوَ ضَعِيفٌ فَقَدْ قَالَ اللَّخْمِيُّ: لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي عَدَمِ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ إذَا كَانَتْ الْأُمُّ وَحْشِيَّةً وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِنَفْيِ الْخِلَافِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَدْ يُقَالُ كَلَامُ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُثْبَتَ أَوْلَى مِمَّنْ نُفِيَ وَنَسَبَ فِي الْجَوَاهِرِ الْقَوْلَ بِالتَّفْرِقَةِ لِابْنِ الْقَصَّارِ، وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ص (وَضُمَّتْ الْفَائِدَةُ لَهُ وَإِنْ قَبْلَ حَوْلِهِ بِيَوْمٍ لَا أَقَلَّ) ش: الْمُرَادُ بِالْفَائِدَةِ هُنَا مَا حَصَلَ بِشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَاشِيَةَ الْحَاصِلَةَ بِوَجْهٍ مِمَّا تَقَدَّمَ تُضَمُّ إلَى مَا بِيَدِ الْمَالِكِ مِنْ الْمَاشِيَةِ إذَا كَانَتْ الْأُولَى نِصَابًا وَيُزَكِّي الْجَمِيعَ لِحَوْلِ الْأُولَى، وَلَوْ حَصَلَتْ الثَّانِيَةُ قَبْلَ حَوْلِ الْأُولَى بِيَوْمٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَوْ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْأُولَى أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ فَإِنَّهَا تُضَمُّ إلَى الثَّانِيَةِ وَيَسْتَقْبِلُ بِالْجَمِيعِ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ أَفَادَ الثَّانِيَةَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الثَّانِيَةُ نِصَابًا أَوْ لَا، وَلَوْ كَانَ نُقْصَانُ الْأُولَى عَنْ النِّصَابِ بِمَوْتٍ بَعْدَ الْحَوْلِ أَوْ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي بِيَوْمٍ أَوْ قَبْلَ الْحَوْلِ إذَا لَمْ يَكُنْ سُعَاةٌ فَإِنَّهَا تُضَمُّ إلَى الثَّانِيَةِ وَيَسْتَقْبِلُ بِالْجَمِيعِ حَوْلًا، نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفَائِدَتُهَا، وَلَوْ بِشِرَاءٍ تُضَمُّ إلَى مَا بَعْدَهَا إنْ نَقَصَتْ عَنْ نِصَابٍ، وَلَوْ بِمَوْتٍ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي بِيَوْمٍ، انْتَهَى. وَأَمَّا الْفَائِدَةُ الْحَاصِلَةُ بِوِلَادَةٍ فَإِنَّهَا تُضَمُّ إلَى أُمَّهَاتِهَا وَتُزَكَّى عَلَى حَوْلِ الْأُمَّهَاتِ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ، وَلَوْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا زَكَّى النِّتَاجَ عَلَى حَوْلِ الْأُمَّهَاتِ إذَا كَانَ فِيهِ نِصَابًا، وَقَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ. (تَنْبِيهٌ) مَنْ قَبَضَ دِيَةً وَجَبَتْ لَهُ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي وَعِنْدَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ حَالَ حَوْلُهَا فَإِنَّهُ يَضُمُّ الدِّيَةَ إلَيْهَا وَيُزَكِّي الْجَمِيعَ، قَالَهُ فِي الطِّرَازِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ص (الْإِبِلُ فِي كُلِّ خَمْسٍ ضَائِنَةٌ) ش قَالَ فِي الْمُحْكَمِ: الضَّائِنُ مِنْ الْغَنَمِ ذُو الصُّوفِ وَيُوصَفُ بِهِ فَيُقَالُ كَبْشٌ ضَائِنٌ وَالْأُنْثَى ضَائِنَةٌ وَالْجَمْعُ ضَوَائِنُ، انْتَهَى. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي كُلِّ خَمْسٍ ضَائِنَةٌ أَنَّ الزَّائِدَةَ عَلَى الْخَمْسِ مَعْفُوٌّ لَا شَيْءَ فِيهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ الشَّاةَ مَأْخُوذَةٌ عَنْ الْخَمْسِ وَمَا زَادَ وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِي الْخُلْطَةِ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَلَا شَيْءَ فِي الْوَقَصِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي جَمْعِ الْمَاشِيَةِ، انْتَهَى. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْوَقَصِ عِنْدَ قَوْلِهِ، وَلَوْ الْفَرْدُ وَقَصٌ وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " ضَائِنَةٌ " اشْتِرَاطُ الْأُنْثَى فِي الشَّاةِ الْمَأْخُوذَةِ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ، وَصَرَّحَ فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّ الشَّاةَ الْمَأْخُوذَةَ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ كَالشَّاةِ الْمَأْخُوذَةِ فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَأْخُذُ فِي ذَلِكَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَاشْتَرَطَ ابْنُ الْقَصَّارِ الْأُنْثَى فِي الْبَابَيْنِ، وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: اُخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: يُجْزِئُ الْجَذَعُ وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ وَالضَّأْنِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ - يَعْنِي ابْنَ الْقَصَّارِ - لَا يُجْزِي إلَّا الْأُنْثَى جَذَعَةً أَوْ ثَنِيَّةً مِنْ الْمَعْزِ وَالضَّأْنِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ كَالْأُضْحِيَّةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي اللُّبَابِ الشَّاةُ الْمَأْخُوذَةُ فِي الْغَنَمِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجْزِي الْجَذَعُ وَالثَّنِيُّ مِنْ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيِّ مِنْ الْمَعْزِ كَالْأُضْحِيَّةِ، انْتَهَى. (فَائِدَةٌ) قَالَ سَنَدٌ: يُقَالُ لِمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ ذَوْدٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى تِسْعٍ وَمَا فَوْقَ التِّسْعِ شَنَقٌ إلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ وَلَا يَنْقُصُ الذَّوْدُ عَنْ ثَلَاثَةٍ

стр. 808

كَالْبَقَرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ كَالنِّسَاءِ وَالْخَيْلِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ ذَوْدٌ قَالَ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ وَالْحَدِيثُ يُؤَكِّدُهُ فَإِنَّك تَقُولُ: خَمْسَةُ رِجَالٍ وَلَا تَقُولُ: خَمْسَةُ رَجُلٍ، وَقَالَ الْمَطَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ اللُّغَوِيِّينَ: هُوَ اسْمٌ لِلْإِنَاثِ دُونَ الذُّكُورِ، وَلِذَلِكَ حُذِفَتْ التَّاءُ مِنْ الْخَمْسِ فِي الْحَدِيثِ، وَتَكُونُ الزَّكَاةُ فِي الذُّكُورِ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالْحَدِيثِ، انْتَهَى. مِنْ الذَّخِيرَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ خَمْسُ ذَوْدٍ بِالْإِضَافَةِ، وَرُوِيَ بِتَنْوِينِ خَمْسٍ فَذَوْدٍ بَدَلٌ مِنْهُ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي عَنْ الْجُمْهُورِ: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: وَالذَّوْدُ مِنْ الْإِبِلِ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، إنَّمَا يُقَالُ فِي الْوَاحِدِ بَعِيرٌ، فَقَوْلُهُ: خَمْسُ ذَوْدٍ كَقَوْلِهِمْ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ وَخَمْسَةُ جِمَالٍ وَخَمْسُ نُوقٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الذَّوْدُ مَا بَيْنَ ثِنْتَيْنِ إلَى تِسْعٍ، وَأَنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنْ يُقَالَ خَمْسُ ذَوْدٍ كَمَا لَا يُقَالُ خَمْسَةُ ثَوْرٍ وَغَلَّطَهُ الْعُلَمَاءُ بَلْ هَذَا اللَّفْظُ شَائِعٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَمَسْمُوعٌ مِنْ الْعَرَبِ وَضُبِطَتْ الْخَمْسُ بِغَيْرِهَا، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ خَمْسَةَ ذَوْدٍ بِالْهَاءِ وَكِلَاهُمَا لِرِوَايَةِ كِتَابِ مُسْلِمٍ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فِي اللُّغَةِ فَإِثْبَاتُ الْهَاءِ لِانْطِلَاقِهِ عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَمَنْ حَذَفَهَا أَرَادَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُ فَرِيضَةٌ، انْتَهَى. ص (إنْ لَمْ يَكُنْ جُلُّ غَنَمِ الْبَلَدِ الْمَعْزَ) ش: عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ نَحْوُ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَمُقْتَضَاهَا أَنَّهُ إذَا تُسَاوَيَا يُؤْخَذُ مِنْ الضَّأْنِ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ الضَّأْنَ بِقَوْلِهِ: إنْ لَمْ يَكُنْ جُلُّ غَنَمِ الْبَلَدِ الْمَعْزَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَالْأَقْرَبُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَخْيِيرُ السَّاعِي، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ هَارُونَ وَزَادَ: وَيُخَيَّرُ رَبُّ الْمَالِ، انْتَهَى. (فَرْعٌ) فَإِنْ فُقِدَ الصِّنْفَانِ بِمَحِلِّهِ فَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ يُطَالِبُ بِكَسْبِ أَقْرَبِ بَلَدٍ إلَيْهِ، انْتَهَى. قُلْت، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْبَلَدُ جُلُّ كَسْبِهِ كَمَا فِي الْبَلَدِ نَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَرْعٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مَعْزٌ وَأَعْطَى ضَأْنًا] (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ مُحَمَّدٌ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مَعْزٌ وَأَعْطَى ضَأْنًا فَلْيُقْبَلْ مِنْهُ، وَأَمَّا مَعْزٌ عَنْ ضَأْنٍ فَلَا، قَالَ أَشْهَبُ: إلَّا أَنْ تَبْلُغَ لِرَفَاهِيَتِهَا مِثْلَ مَا لَزِمَهُ مِنْ الضَّأْنِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، انْتَهَى. (فَائِدَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ مَعْلُومَانِ، وَهَلْ يَلْحَقُ غَنَمُ التُّرْكِ بِالضَّأْنِ أَوْ بِالْمَعْزِ؟ لَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ فِيهِ، انْتَهَى. ص (وَالْأَصَحُّ إجْزَاءُ بَعِيرٍ) ش: يَعْنِي إذَا أَخْرَجَهُ عَنْ الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْخَمْسِ لَا عَنْ الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ إخْرَاجِ الْغَنَمِ قَطْعًا وَهُوَ لَا يُجْزِئُ، وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ: لَا يَجُوزُ إعْطَاءُ بَعِيرٍ مِنْ خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ بَدَلًا مِنْ شَاةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ، وَاتَّفَقَتْ عِبَارَةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي التَّبْعِيرِ بِالْبَعِيرِ وَهُوَ إنَّمَا يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْجَذَعِ كَمَا قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ عَنْ الشَّاةِ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْإِبِلِ وَهُوَ بِنْتُ الْمَخَاضِ أَوْ ابْنُ الْمَخَاضِ أَجْزَأَهُ وَقَيَّدَ ابْنُ عَرَفَةَ الْإِجْزَاءَ بِكَوْنِ الْبَعِيرِ يَفِي بِقِيمَةِ الشَّاةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَنَصُّهُ: وَلَوْ أَخْرَجَ عَنْ الشَّاةِ بَعِيرًا يَفِي بِقِيمَتِهَا فَفِي إجْزَائِهِ قَوْلَا عَبْدِ الْمُنْعِمِ وَالْبَاجِيِّ مَعَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ، وَتَخْرِيجُهُ الْمَازِرِيُّ عَلَى إخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْقِيَمَ بِالْعَيْنِ، انْتَهَى. قُلْت وَفِي قَوْلِهِ بَعِيدٌ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ حَقِيقَةَ الْقِيَمِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَالُوا فِي بَابِ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيَمِ وَجَعَلُوا مِنْهُ إخْرَاجَ الْعَرْضِ عَنْ الْعَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ. (فَائِدَةٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَوَازِ بَيْعِ الْبَعِيرِ: وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهِ الْبَعِيرَ مِنْ الْإِبِلِ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْسَانِ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، تَقُولُ الْعَرَبُ صَرَعَنِي بَعِيرِي وَشَرَبْت مِنْ لَبَنِ بَعِيرِي، انْتَهَى. ص (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ سَلِيمَةً فَابْنُ لَبُونٍ) ش: أَيْ سَلِيمَةً مِنْ عَيْبٍ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَمَنْ شِرْكٍ فِيهَا وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ " فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ " أَنَّهُ إذَا وُجِدَا مَعًا تَعَيَّنَتْ بِنْتُ الْمَخَاضِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْإِبِلِ أَنْ يُعْطِيَ ابْنَ

стр. 809

اللَّبُونِ وَلَا لِلسَّاعِي أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَاخْتُلِفَ إذَا تَرَاضَيَا بِأَخْذِهِ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ اللَّخْمِيُّ الْأَوَّلُ أَصْوَبُ، وَقَدْ يَكُونُ أَخَذَهُ نَظَرًا لِلْمَسَاكِينِ، انْتَهَى. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَيْنِ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَنَسَبَ الْجَوَازَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصَّهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي " أَخَذَهُ نَظَرًا مَعَ وُجُودِهَا بِاخْتِيَارِهَا " قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَشْهَبَ، انْتَهَى. وَالضَّمِيرُ فِي أَخَذَهُ عَائِدٌ عَلَى ابْنِ اللَّبُونِ، وَقَوْلُهُ: نَظَرًا " يَعْنِي أَنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِ الْمَصْلَحَةِ فِي أَخْذِهِ لِلْفُقَرَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ابْنُ اللَّبُونِ وَبِنْتُ الْمَخَاضِ مَعًا فِي الْإِبِلِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أُجْبِرَ رَبُّهَا عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِبِنْتِ مَخَاضٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَدْفَعَ خَيْرًا مِنْهَا فَلَيْسَ لِلسَّاعِي رَدُّهَا فَإِنْ أَتَاهُ بِابْنِ لَبُونٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَمْ يَأْخُذْهُ السَّاعِي إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَيَرَى ذَلِكَ نَظَرًا، وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا. (فَرْعٌ) فَلَوْ لَمْ يُلْزِمْ السَّاعِي صَاحِبَ الْإِبِلِ بِالْإِتْيَانِ بِبِنْتِ الْمَخَاضِ حَتَّى جَاءَ بِابْنِ لَبُونٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ فِيهَا وَعَلَى أَصْلِ أَصْبَغَ لَا يُجْبَرُ، نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهُ. [فَرْعٌ وَجَبَتْ بِنْتُ اللَّبُونِ فَلَمْ تُوجَدْ وَوُجِدَ حِقٌّ] (فَرْعٌ) لَوْ وَجَبَتْ بِنْتُ اللَّبُونِ فَلَمْ تُوجَدْ وَوُجِدَ حِقٌّ لَمْ يُؤْخَذْ ابْنُ اللَّبُونِ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ، وَلَوْ وَجَبَتْ حِقَّةٌ فَدَفَعَ بِنْتَيْ لَبُونٍ لَمْ تَجُزْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، أَمَّا إذَا رَضِيَ رَبُّ الْمَاشِيَةِ بِإِعْطَاءِ سِنٍّ أَفْضَلَ مِمَّا عَلَيْهِ كَبِنْتِ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ أَوْ حِقَّةٍ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ اتِّفَاقًا. (فَائِدَةٌ) لَفْظُ الْحَدِيثِ " فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ " فَوَرَدَ سُؤَالٌ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ «فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» بِأَنَّ الِابْنَ لَا يَكُونُ إلَّا ذَكَرًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْمَوَارِيثِ «فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» ، وَالرَّجُلُ لَا يَكُونُ إلَّا ذَكَرًا جَوَابُهُ أَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى السَّبَبِ الَّذِي زِيدَ لِأَجْلِهِ فِي السِّنِّ فَعَدَلَ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ بِنْتِ سَنَةٍ إلَى ابْنِ اللَّبُونِ ابْنِ سَنَتَيْنِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إنَّمَا زِيدَ فَضِيلَةُ السَّنَةِ لِنَقِيصَةِ وَصْفِ الذُّكُورِيَّةِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْعَصَبَةُ الْمِيرَاثَ لِوَصْفِ الرُّجُولِيَّةِ الَّتِي هِيَ مُسَمَّى الْحِمَايَةِ وَالنُّصْرَةِ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى التَّعْلِيلِ فِي الصُّورَتَيْنِ، انْتَهَى. مِنْ الذَّخِيرَةِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ: وَقِيلَ أَفَادَ بِقَوْلِهِ " ذَكَرٌ " هُنَا وَفِي ابْنِ اللَّبُونِ التَّحَرُّزُ مِنْ الْخَنَاثَى فَلَا يُؤْخَذُ الْخُنْثَى فِي فَرِيضَةِ الزَّكَاةِ وَلَا تَحُوزُ الْمَالَ إذَا انْفَرَدَ، وَإِنَّمَا لَهُ نِصْفُ الْمِيرَاثَيْنِ، انْتَهَى. ص (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ) ش تَقَدَّمَ فِي الْفَرْعِ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ عَنْهَا إنْ لَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ حِقَّةٌ وَلَا يُؤْخَذُ عَنْ الْحِقَّةِ بِنْتَا لَبُونٍ ص (وَمِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ إلَى تِسْعٍ حِقَّتَانِ أَوْ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَالْخِيَارُ لِلسَّاعِي) ش: لَا خِلَافَ أَنَّ فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ حِقَّتَيْنِ، وَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةً وَبِنْتَيْ لَبُونٍ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ " فِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ " سَهْوٌ يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا بَعْدَهُ مِنْ كَلَامِهِ وَاخْتُلِفَ فِي مَا بَيْنَ الْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِينَ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ تَخْيِيرُ السَّاعِي إذَا وُجِدَ الصِّنْفَانِ أَوْ فُقِدَا وَيَتَعَيَّنُ أَحَدٌ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا، وَكَذَلِكَ فِي مِائَتَيْنِ الْخِيَارُ لِلسَّاعِي بَيْنَ أَرْبَعِ حِقَقٍ أَوْ خَمْسِ بَنَات لَبُونٍ وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرهَا ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ، وَنَصُّهُ: وَفِي كَوْنِ الْخِيَارِ لِلسَّاعِي أَوْ لِرَبِّهَا ثَالِثُهَا إنْ وُجِدَ، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ قَالَ الْمَازِرِيُّ إنْ وُجِدَ بِهَا أَحَدُ السِّنَّيْنِ تَعَيَّنَ، قَالَ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ لَمْ يُوجَدْ فَأَحْضَرَ رَبُّهَا أَحَدَ السِّنَّيْنِ فَفِي بَقَاءِ خِيَارِ السَّاعِي وَلُزُومِهِ أَخْذُهُ كَمَا لَوْ كَانَا فِيهَا قَوْلَا أَصْبَغَ وَابْنِ الْقَاسِمِ. (تَنْبِيهٌ) وَالْمُعْتَبَرُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ زِيَادَةٌ وَاحِدَةٌ كَامِلَةٌ فَلَوْ زَادَتْ جُزْءًا مِنْ بَعِيرٍ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: إنَّ ذَلِكَ يُؤَثِّرُ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ " فَمَا زَادَ " وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالزِّيَادَةِ الزِّيَادَةُ الْمُعْتَادَةُ وَقِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الْأَوْقَاصِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فَرْضُهَا بِزِيَادَةِ جُزْءٍ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ الْكَاتِبِ: لَمْ يُرِدْ مَالِكٌ بِتَخْيِيرِ السَّاعِي أَنَّهُ يَنْظُرُ أَيُّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَسَاكِينِ فَيَأْخُذُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ السَّاعِيَ إنْ كَانَ مَذْهَبُهُ أَنَّ الْوَاحِدَةَ تُوجِبُ الِانْتِقَالَ أَخَذَ بَنَاتِ اللَّبُونِ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الِانْتِقَالَ أَخَذَ الْحِقَاقَ قَالَ

стр. 810

عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ وَرَأَيْت كِتَابَ ابْنِ الْقَصَّارِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِيمَا يَرَاهُ صَلَاحًا لِلْفُقَرَاءِ خِلَافَ مَا لِابْنِ الْكَاتِبِ فَاعْلَمْهُ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا اخْتَارَ السَّاعِي أَخْذَ الصِّنْفَيْنِ، وَعِنْدَ رَبِّ الْمَالِ أَنَّ الصِّنْفَ الْآخَرَ أَفْضَلُ أَجْزَأَهُ مَا أَخَذَ السَّاعِي وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ، قَالَهُ سَنَدٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ هُنَا وَهُنَاكَ سَوَاءٌ. (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَدَفَعَ أَفْضَلَ سِنًّا فِي تَوَقُّفِ قَبُولِهِ عَلَى رِضَا الْمُصَدِّقِ طَرِيقَا ابْنِ بَشِيرٍ وَالْأَكْثَرِ، انْتَهَى. [فَرْعٌ أَخَذَ الْمُصَدِّقُ أَفْضَلَ مِنْ الْوَاجِبِ وَأَعْطَى عَنْ الْفَضْلِ ثَمَنًا] (فَرْعٌ) لَوْ أَخَذَ الْمُصَدِّقُ أَفْضَلَ مِنْ الْوَاجِبِ وَأَعْطَى عَنْ الْفَضْلِ ثَمَنًا أَوْ أَخَذَ أَنْقَصَ وَأَخَذَ عَنْ النَّقْصِ فَلَا يَجُوزُ، وَأَمَّا إنْ وَقَعَ وَنَزَلَ فَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ الْقِيمَةِ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا وَقَعَ وَنَزَلَ فَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ أَعْطَى الْفَضْلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ص (وَتَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا مُنْفَرِدًا) ش: لَا إنْ كَانَ صِفَةً لَا تُجْزِئُ فَإِنَّهُ كَالْعَدَمِ، وَإِنْ وُجِدَ وَكَانَ مِنْ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ فَكَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْمَالِ دَفْعَهُ، وَإِنْ وُجِدَ الصِّنْفَانِ مَعًا وَكَانَ أَحَدُهُمَا مَعِيبًا كَانَ كَالْعَدَمِ، وَكَذَا إنْ كَانَ مِنْ الْكَرَائِمِ وَيَتَعَيَّنُ الصِّنْفُ الْآخَرُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْمَالِ دَفْعَ الْكَرَائِمِ، قَالَهُ سَنَدٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَابُ وَاحِدٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ص (ثُمَّ فِي كُلِّ عَشْرٍ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ) ش: كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفِي الْجَارَّةِ، وَفِي بَعْضِهَا بِإِسْقَاطِهَا وَنَصْبِ كُلٍّ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقِيسٍ، وَيَجُوزُ رَفْعُ كُلٍّ عَلَى أَنَّهَا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ فِيهِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَعْرِفَةُ وَاجِبِهَا فِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ فَصَاعِدًا اقْسِمْ عُقُودَهَا فَإِنْ انْقَسَمَتْ عَلَى خَمْسِينَ فَعَدَدُ الْخَارِجِ حِقَاقٌ وَعَلَى أَرْبَعِينَ بَنَاتُ لَبُونٍ وَعَلَيْهِمَا هُمَا فَيَجِيءُ الْخِلَافُ وَانْكِسَارُهَا عَلَى خَمْسِينَ يُلْغِي قَسْمَهَا وَعَلَى أَرْبَعِينَ الْوَاجِبُ عَدَدٌ صَحِيحٌ خَارِجُهُ بَنَاتُ لَبُونٍ وَبَدَلٌ لِكُلِّ رُبْعٍ مِنْ كَسْرِهِ حِقَّةٌ مِنْ صَحِيحِ خَارِجِهِ، انْتَهَى. وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ مِنْ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ فَصَاعِدًا أَنْ تُقْسَمَ الْعُقُودُ عَلَى الْخَمْسِينَ وَالْأَرْبَعِينَ فَإِنْ انْقَسَمَتْ عَلَى الْخَمْسِينَ فَقَطْ دُونَ كَسْرٍ فَالْوَاجِبُ عَدَدُ الْخَارِجِ حِقَاقًا وَعَلَى الْأَرْبَعِينَ فَقَطْ دُونَ كَسْرٍ فَعَدَدُ الْخَارِجِ بَنَاتُ لَبُونٍ وَعَلَيْهِمَا مَعًا دُونَ كَسْرٍ فَالْوَاجِبُ عَدَدُ خَارِجِ أَحَدِهِمَا، وَيَأْتِي الْخِلَافُ الَّذِي فِي مِائَتَيْ الْإِبِلِ، وَإِنْ انْكَسَرَتْ عَلَيْهِمَا فَاقْسِمْهُمَا عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَخُذْ بِعَدَدِ الصَّحِيحِ الْخَارِجِ بَنَاتِ لَبُونٍ ثُمَّ اُنْظُرْ الْكَسْرَ فَإِنْ كَانَ رُبْعًا فَأَبْدِلْ وَاحِدَةً مِنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ حِقَّةً، وَإِنْ كَانَ أَرْبَعِينَ فَأَبْدِلْ ثِنْتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعٍ فَأَبْدِلْ ثَلَاثًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِمَا ذَكَرَهُ عَدَدٌ يَسْقُطُ بِهِ الْوَاجِبُ إلَّا أَنَّهُ يَتَأَتَّى فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ إسْقَاطُ الْوَاجِبِ بِعَدَدٍ آخَرَ خِلَافِ مَا حَصَلَ بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ لِثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ يَحْصُلُ بِطَرِيقَةِ سَبْعِ حِقَاقٍ وَيَسْقُطُ الْوَاجِبُ بِخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ وَثَلَاثِ حِقَاقٍ، وَقَدْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَهُ - يَعْنِي السَّاعِيَ - عِنْدَنَا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحِقَاقِ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ وَأَنْ يُفْرِدَ إذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِمِائَةٍ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ص (وَالْبَقَرُ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ) ش وَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ
следующие страницы →