أَبَا المنْذِرِ» (١).
والسبب في كون هذه الآية أعظمَ آية في الكتاب: أنها اشتملت على جملة من أسماء الله وصفاته بحيث لا توجدُ آيةٌ في القرآن جمَعت من أسمائه وصفاته ما جمعت هذه الآيةُ الكريمة.
فقد تضمنت هذه الآية الكريمة من أسماء الله خمسةً، وهي: الله، الحي، القيوم، العلي، العظيم. وتضمنت من صفات الله خمسًا وعشرين صفة؛ منها خمس صفات مأخوذة من هذه الأسماء التي سبقت.
السادسة: انفراده بالألوهية ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
السابعة: انتفاء السِّنَة والنوم في حقه ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.
الثامنة: عموم مُلكه ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
التاسعة: انفراده بالملك ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ حيث قدم الخبر، والخبر هنا: ﴿لَهُ﴾، والمبتدأ: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا التقديم له فائدة وهي: إفادة الاختصاص، وهو اختصاصه بالملك.
العاشرة: قوة السلطان وكماله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
стр. 72
الحادية عشرة: إثبات العندية ﴿عِنْدَهُ﴾.
الثانية عشرة: إثبات الإذن ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
الثالثة عشرة: عموم علمه ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
الرابعة عشرة والخامسة عشرة: إثبات أنه لا ينسى ما مضى، لقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. ويعلم الحال والمستقبل لقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.
السادسة عشرة: كمال العظمة.
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ عجز الخلق عن الإحاطة يدل على كمال عظمته، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ عظمة هذا الكرسي من عظمة الله.
السابعة عشرة: إثبات المشيئة من قوله: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
الثامنة عشرة: إثبات الكرسي وهو موضع القدمين ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
وكون الكرسي موضع القدمين لم يرد في نصٍّ صحيحٍ مرفوعًا، وإنما جاء في بضعة آثار عن بعض الصحابة كابن عباس وأبي موسى الأشعري ﵄.
стр. 73
ولفظ ابن عباس: «الكرسيُّ موضع القدمين، والعرش لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ» (١).
ولكن هذه الآثار لها حكم المرفوع؛ لأن مثلها لا يقال بالرأي؛ ولا سيما أنها في باب الأسماء والصفات؛ فبذلك يثبت أَنَّ الكرسي موضع القدمين، كما هو قول أهل السنة والجماعة خلافًا للمعطلة.
التاسعة عشرة والعشرون والحادية والعشرون: إثبات القوة والقدرة والعظمة، مأخوذة من قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
وإيجاد هذا الكرسي بهذه العظمة -حيث وسع السموات والأرض- دليل على قدرته سبحانه، ودليل على القوة؛ لأن مثل هذا لا يصدر إلا من قوي قادر، ودليل على العظمة: لأن عظمة الكرسي من عظمة خالقه .
الثانية والعشرون والثالثة والعشرون والرابعة والعشرون: كمال علمه ورحمته وحفظه، نأخذ ذلك من قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: حفظ السماوات والأرض لا يَكرِثُه ولا يشق عليه ولا يثقله لكمال قدرته وقوته؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: (٤١)].
ويَلزَم من حفظه السماواتِ والأرضَ إثباتُ صفة العلم وصفة الرح
стр. 74
وَلِهَذَا كَانَ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَى يُصْبِح.
الشرح
الخامسة والعشرون: إثبات علو الله جل وعز، نأخذ ذلك من قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ وهذا دليل على أن الله عالٍ فوق خلقه.
والعلو على أقسام: ١ - علو القدر. ٢ - علو القهر. ٣ - علو الذات.
وقد ثبت في صحيح البخاري معلقًا، ووصله النسائي في عمل اليوم والليلة؛ من حديث أبي هريرة ﵁ في القصة التالية:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «وَكَّلَنِي رَسُولُ الله ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ : إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ
الأول: معناه ليس قبله شيء.
الآخر: ليس بعده شيء.
الظاهر: مشتق من الظهور والعلو؛ فسَّره النبي ﷺ بقوله: «فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ»، فهو عال فوق كل شيء.
الباطن: ليس دونه شيء، وهذا دليل على كمال إحاطته بكل شيء.
ونستفيد من هذه الآية: إثبات أربعة أسماء وخمس صفات.
الأسماء سبقت.
أما الصفات فهي:
الأولى: صفة الأولية: من قوله: «الأول».
الثانية: صفة الآخرية: من قوله: «الآخر».
الثالثة: صفة العلو: من قوله: «الظاهر».
الرابعة: صفة الباطنية، لكن على المعنى الذي فسره النبي ﷺ ، ومقتضى ذلك الإحاطة بكل شيء.
الخامسة: صفة العلم، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وخلاصة ما نستفيده من هذه الآية: إثبات إحاطة الله تعالى بكل شيء زمانًا ومكانًا.
стр. 77
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ... ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان ٥٨].
الشرح
قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ التوكل: صدق الاعتماد على الله تعالى في جلب ما ينفع ودفع ما يضر، مع الثقة به سبحانه وعدم تعطيل الأسباب الصحيحة.
ما معنى عدم تعطيل الأسباب الصحيحة؟
يعني: الأخذ بالأسباب الصحيحة الشرعية، أما إن كانت غير شرعية فهذا غير مشروع.
والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله ، بل هو من صلب التوكل، وقد جاءت بذلك النصوص، قال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: (٢٥)]، ومن السنة هجرة النبي من مكة إلى المدينة؛ فهي من فعل الأسباب الشرعية، ومن ذلك استخفاء النبي في غار حراء، ومن ذلك قوله ﷺ : «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بالله وَلَا تَعْجِزْ» (١).
والاستعانة بالله هي الاعتماد عليه، وقوله: «وَلَا تَعْجِزْ»: أمر بالأخذ بالأسباب، وهذا من أقوى الأدلة على الأخذ بالأسباب الشرعية الصحيحة.
والخلاصة: عظم منزلة التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه، وعدم الاعتماد على الخلق أو الاعتماد على قدرات الإنسان، فقدراته -مهما كانت- ضعيفة، ومن اعتمد على الخلق أو على نفسه خذله الله .
стр. 78
وقفة قرآنية من درس حنين:
روى البيهقي في الدلائل: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ مِنْ قِلَّةٍ» (١)، فحصلت لهم الهزيمة عندما اعتمدوا على أنفسهم وقوتهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: (٢٥)]، حصل هذا للصحابة ﵃، مع جلالة قدرهم وعلو منزلتهم.
فاحذر يا طالب العلم أن تعتمد على حفظك أو ذكائك أو قدرتك، بل استعن بربك وتوكل عليه، والتوكل يجب أن يكون على الله تعالى وحده؛ ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣].
هل التوكل على غير الله حرام مطلقًا، أو فيه تفصيل؟
الجواب: فيه تفصيل على عدة حالات:
الحالة الأولى: أن يتوكل على غير الله توكلَ اعتماد وتعبد، فهذا شرك أكبر.
الحالة الثانية: أن يتوكل على غير الله تعالى بشيء من الاعتماد، لكن مع الإيمان بأنه سبب من الأسباب، كتوكل بعض الناس على الملوك والأمراء لتحصيل المعاش، فهذا نوع من الشرك الأصغر.
стр. 79
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: (٢)].
الشرح
الحالة الثالثة: أن يتوكل على شخص بقصد أنه نائب عنه فيما تجوزُ فيه النيابةُ، كتوكل الإنسان على الوكيل في البيع والشراء، والبيع والشراء مما يدخله النيابة؛ فهذا جائز، ولا ينافي التوكلَ على الله .
مثاله: توكل النبي ﷺ على بعض الصحابة في البيع والشراء، كعروة البارقي ﵁؛ فقد وكله النبي ﷺ بشراء أضحيته.
ما حكم التلفظ بقول: توكلت على فلان في شراء سيارتي؟
بعض أهل العلم -منهم شيخنا ابن عثيمين ﵀ يرى أنه جائز؛ لأنه بمعنى التفويض والوكالة، وبعضهم لا يرى ذلك ويقول: إِنَّ هذا اللفظ من الألفاظ الشرعية التي لم تأتِ إلا في حق الله؛ فلا توكل إلَّا عليه، وهذا هو الأحوط، فينبغي التعبير عن ذلك بالعبارات التي تقوم مقام لفظ التوكل؛ كأن يقال: فوضت فلانًا أو أنبته، ولم أجد دليلًا يدل على جواز التعبير بها، لا من كلام الرسول ﷺ ولا من كلام الصحابة ﵃.
قوله تعالى: «﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾»: الحكيم: مأخوذ من الحكمة، وله معنيان:
الأول: الحاكم العدل الذي له الحكم في الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: (٧٠)].
стр. 80
﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: (٣)].
الشرح
الثاني: المُحكِم للأمور كي لا يتطرق إليها تغيير وفساد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: (٤١)]. فقد أحكم السماوات والأرض عن الزوال وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: (٢٢)].
قال شيخ الإسلام في منهاج السنة: «أجمع المسلمون على أن الله تعالى موصوف بالحكمة» (١).
وحكم الله على نوعين:
النوع الأول: حكمُه الشرعي؛ وهو ما جاءت به الرسل وأُنزلت به الكتب، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: (٣٨)]، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: (٢)].
النوع الثاني: حكمه الكوني؛ وهو ما قضاه على عباده من الرزق والحياة والموت والمصائب.
الآية الثانية: ﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: (٣)].
الخبير: من الخبرة؛ وهي الإحاطة ببواطن الأمور وظواهرها، وهو سبحانه قد أحاط ببواطن الأمور كما أحاط بظواهرها.
стр. 81
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: (٢)] ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: (٥٩)].
الشرح
الشاهد من الآيتين إثبات ثلاثة أسماء: الحكيم، والخبير، والعليم.
أما الصفات المستفادة من الآيتين فهي:
١ - العلم.
٢ - الخبرة.
٣ - الحكمة.
قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ إلى آخر الآيات، هذه الآيات التي ذكرها المُصَنِّف ﵀ تدل على سَعة علمه سبحانه وعلى إحاطته بما لا تبلغه علوم خلقه، فإنه يعلم ما يلج في الأرض: أي ما يدخل في الأرض من حب وبَذْر ومياه، ويعلم ما يخرج منها من زرع وأشجار وعيون جارية وغيرها، ويعلم ما ينزل من السماء من ثلوج وأمطار وطير، ويعلم مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا هو .
ومفاتيح الغيب: خزائنه.
وقد فسر النبي ﷺ هذه المفاتيح بقوله؛ كما في حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه
стр. 82
قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ؛ إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (١).
قال ابن القيم ﵀ في «النونية»:
وهُو العَلِيمُ أَحَاطَ عِلْمًا بالَّذِي ... فِي الكَوْنِ مِنْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَان
وَبِكُلِّ شَيءٍ عِلْمُهُ سُبْحَانَهُ ... فَهُوَ الْمُحِيطُ وَلَيْسَ ذَا نِسْيَان
وَكَذَاكَ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ غَدًا وَمَا ... قَدْ كَانَ وَالْمَوْجُودَ فِي ذَا الآن
إذن مفاتيح الغيب جاء بيانها على لسان النبي ﷺ ، وأفضل أنواع التفسير تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بالحديث، والنبي ﷺ قد فسر هذه المفاتيح بما يلي:
الأول: علم الساعة:
الثاني: نزول الغيث: والمراد به المطر، فإذا كان سبحانه هو الذي ينزل الغيث فهو أعلم بوقت نزوله.
ونلاحظ أن التعبير في القرآن عن المطر يأتي بلفظ الغيث في الخير، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: (٢٨)].
стр. 83
وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: (١١)]، وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: (١٢)].
الشرح
ما الحكمة من التعبير بالغيث دون المطر؟
الغيث: هو الذي تحيا به الأرض، أما المطر: فقد ينزل ولا تحيا به الأرض، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله؛ كما في «صحيح مسلم» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا» (١)، ينزل المطر ولا تنتفع به الأرض.
الثالث: علم ما في الأرحام، لقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: (٣٤)].
قد يقول قائل: تقدم الآن الطِّبُّ الحديث، وأصبحوا يعرفون: هل الجنين ذكر أو أنثى، والله يقول: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾؛ فما الجواب عن ذلك؟
الجواب من وجهين:
الوجه الأول: أنه قبل أن يتكون الجنين أو تنفخ فيه الروح لا يعلمون ذلك، ولا يعلمه إلا الله ، أما بعد النفخ في الروح فيعلمون بذلك عن طريق الأجهزة.
الوجه الثاني: أن علمهم قاصر؛ فلا يعلمون متى يولد الجنين، وهل يعيش أو لا، ولا يعلمون رزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، لا يعلم ذلك إلا الله تعالى.
стр. 84
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: (٥٨)].
الشرح
الرابع: علم ما في الغد: وهذا مما اختص الله به.
قد يقول قائل: إن الإنسان قد يقول: إني أعلم ما سأفعل غدًا، وذلك إذا عزم على الفعل، فكيف نقول: لا يعلم ما في غد إلا الله؟
الجواب: قد يقول هذا وينوي ويعزم، لكن لا يتحقق، والواجب على المسلم ربط ذلك بالمشيئة، فلا يقل: سأعمل غدًا كذا، من دون ذكر مشيئة الله ، وقد يعاقَب إذا لم يذكر المشيئة.
الخامس: وما تدري نفس بأي أرض تموت:
يدخل في ذلك علم ساعة الموت.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: (٥٨)].
وفي قراءة ابن مسعود ﵁ كما في «سنن أبي داود» و «الترمذي» قال: «أَقْرَأَنِي رَسُولُ الله ﷺ : ﴿إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ المتِينُ﴾» (١).
«ذو القوة»: أي صاحب القوة.
«المتين»: من أسماء الله تعالى، من المتانة، وقد فسرها ابن عباس: بالشدة، وفسر المتين بالشديد.
стр. 85
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: (٥٨)].
الشرح
ففي هذه الآية ثلاث صفات واسمان لله تعالى:
الأسماء: ١ - الرزاق. ٢ - المتين.
والصفات:
١ - صفة القوة لله .
٢ - صفة الرزق.
٣ - ما تضمنه اسم المتين، وقد فسره ابن عباس بالشدة.
«الرزاق»: صيغة مبالغة من الرزق وهو العطاء.
والرزق قسمان: عام وخاص:
١) الرزق العام: ما ينتفع به البدن؛ سواءٌ كان ذلك حلالًا أو حرامًا، وسواءٌ كان هذا المرزوق مؤمنًا أو كافرًا.
٢) الرزق الخاص: وهو ما يمُنُّ الله تعالى به على بعض عباده؛ من العلم النافع والإيمان والعمل الصالح والرزق الحلال الذي يعين على طاعة الله.
قال ابن القيم:
وَكَذلكَ الرَّزَّاقُ مِنْ أَسْمَائِهِ ... وَالرِّزْقُ مِنْ أَفْعَالِهِ نَوْعَان
رِزْقُ القُلُوبِ العِلْمُ وَالإِيمانُ، والـ ... رِّزْقُ الْمُعَدُّ لِهَذِه الأَبْدَان
стр. 86
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: (١١)]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: (٥٨)].
الشرح
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ مَرَّ في شرح «اللامية» و «الحائية».
وقوله: «﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾». (نِعِمَّا): مشتملة على: (نِعْمَ) وهي كلمة مدح، والمعنى: نِعْمَ الشيءُ الذي يعظكم الله به.
ومَنْ أعظمُ واصف بهذه الكلمةِ «نِعْمَ»؟
الجواب: أعظم واصف هو الله تعالى، وأعظم مَن وُصِفَ بذلك الأنبياء، ومنهم أيوب ﵇ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: (٤٤)].
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، سمع الله نوعان:
١ - سمع الإدراك للأصوات.
٢ - سمع الإجابة، إجابة السائلين والداعين، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: (٣٩)].
قال ابن القيم:
وَهُوَالسَّمِيعُ يَرَى وَيَسْمَعُ كُلَّ مَا ... في الْكَوْنِ مِنْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَان
وَلِكُلِّ صَوْتٍ مِنْهُ سَمْعٌ حَاضِرٌ ... فَالسِّرُّ وَالإِعْلَانُ مُسْتَوِيان
стр. 87
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: (٣٩)]،
الشرح
والشاهد من الآيتين السابقتين: إثبات السمع والبصر لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته.
ثم ذكر المُصَنِّف بعد ذلك أربعَ آيات؛ في صفة المشيئة، والإرادة، والتحليل، والحكم.
فالآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: (٣٩)]. فيها إثبات عدد من الصفات، لكن أهمها صفة المشيئة من قوله ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾.
الصفات الأخرى المستنبطة: القوة من قوله: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، والألوهية من قوله: ﴿اللَّهُ﴾.
أما صفة المشيئة -التي أراد المُصَنِّف الإشارة إليها هنا- فهي إرادة الله الكونية النافذة، وتكون فيما يحب وفيما لا يحب.
- فيما يحب: كالإيمان والطاعات وغير ذلك مما أمر الله به.
- فيما لا يحب: كالكفر والفساد، وغير ذلك مما نهى الله عنه.
وإرادة الله ومشيئته الكونية نافذة على جميع العباد، ولا يستثنى من ذلك أحد.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: (١٢٥)].
الشرح
الآية الرابعة: قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: (١٢٥)].
نثبت من هذه الآية خمسَ صفاتٍ:
١ - الإرادة. ... ٢ - الهداية. ... ٣ - شرح الصدور.
٤ - الإضلال. ... ٥ - الجَعْل.
والإرادة تنقسم إلى قسمين:
١) الإرادة الكونية: وهي المرادفة للمشيئة؛ (أراد) فيها بمعنى (شاء)، وتكون فيما يحب الله وفيما لا يحب، ويلزم فيها الوقوعُ.
٢) الإرادة الشرعية: وهي المرادفة للمحبة، (أراد) فيها بمعنى (أحبَّ)، وهي مختصة بما يحب ، ولا يلزم فيها الوقوعُ.
إشكال: كيف يريد الله ما لا يحب ؟
ما يريده الله مما لا يحب، يترتبُ عليه جملةٌ من الحِكَم والمصالح الكثيرة، مثال ذلك: إرادة الله للكفر في الأرض يترتبُ عليه مجاهدةُ الكفار والدعوة إلى الله، ونشر الحق، والصراع بين الحق والباطل.
فإنَّ من أسباب ظهور الدين مقاومةَ هؤلاء الكفار.
المحبة لله وهي من الصفات الفعلية، وقد دل على إثباتها الكتاب والسنة والإجماع، ولكنها -كما يقولُ أهلُ السنة- على ما يليق بجلال الله وعظمته، خلافًا للنُّفاة الذين نَفَوْا صفة المحبة لله .
ما سبب هذا النفي الذي قالوا به .
سبب النفي مخافةُ التشبيه؛ تشبيه الخالق بالمخلوق؛ يقولون: لا نثبت لله محبة؛ لأن المخلوق موصوف بها.
الجواب: لله تعالى محبة وللمخلوق محبة، ولكن ليست محبةُ الله تعالى كمحبة المخلوق، فمحبة الله تعالى كما يليق بجلاله وكبريائه، أما محبة المخلوق الضعيف فعلى قَدْر ضعفه ومسكنته، والله قد أثبت في كتابه العزيز المحبة من الطرفين في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: (٥٤)]؛ أثبت له المحبة وأثبت لهم المحبة، فقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ هذه محبة الخلق، وقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ هذه محبة الله تعالى.
ما أسباب محبة الله لعبده؟
هناك أسباب كثيرة؛ أهمُّها:
١) كثرة التأمل في نعم الله ، فهذا مما يزيد الإيمان ويعلِّق بالله ، ويوصل لهذه المنزلة العالية.
٢) محبة ما يحبه اللهُ تعالى من الأقوال والأفعال والأعمال والأشخاص.
стр. 92
وَقَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: (١)]، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: (٧)]، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: (٤٣)]، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: (١٥٦)].
الشرح
٣) كثرة ذكر الله تعالى وشكره وحمده.
٤) اتباع سنة النبي ﷺ ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾.
وأحسن من تكلم في هذه المسألة ابنُ القيم ﵀، وخرج كلامه في رسالة مستلَّة من بعض كتبه بعنوان: «الأسباب الجالبة لمحبة الله».
هذه الآيات السبع كلها في صفة الرحمة لله .
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يؤخذ منها صفة الرحمة، وهي الصفة المشتركة في هذه الآيات السبع، وهي سبب ذكر هذه الآيات.
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ يؤخذ منها صفة الرحمة، وقد دلت الآية على أكثرَ من الوصف بصفة الرحمة؟ دلت على سَعة رحمة لله تعالى.
الصفة الثانية من الآية: سعة العلم، وقد أفادت الآية وصفَ رحمة الله وعلمه بالسعة.
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ نأخذ من الآية: صفة الرحمة، والرحمةُ تنقسم إلى قسمين: رحمة عامة، ورحمة خاصة.
فالرحمة في الآية هي الرحمة الخاصة بالمؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، و ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تدل الآية على سعة رحمة الله .
стр. 93
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: (٥٤)]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف: (٨)]، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: (٦٤)].
الشرح
﴿كُلَّ﴾ من ألفاظ العموم، ﴿شَيْءٍ﴾ نكرة تفيد الإطلاق، (كل) مضاف و (شيء) مضاف إليه، عموم أضيف إلى إطلاق، والصفة هنا هي الرحمة، فنأخذ من ذلك إثبات سعة رحمة الله سبحانه، وهذا مما يزيد المؤمن أملًا في رحمة الله وطمعًا في فضله.
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ يؤخذ منها صفة الرحمة، كما يؤخذ منها صفة الكتابة من قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾.
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يؤخذ من الآية: صفة المغفرة، وصفة الرحمة.
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ يؤخذ من الآية: صفة الرحمة، كما يؤخذ منها وصفٌ زائد على الرحمة؛ وهو أنه أرحم الراحمين، كما يؤخذ من الآية صفة ثالثة؛ وهي صفة الحفظ وأنه سبحانه هو الحافظ, بل هو خير حافظًا.
الخلاصة من هذه الآيات: أنها تضمَّنت:
١ - صفة الرحمة لله ، وهناك صفات أخرى؛ وهي:
٢ - سَعة العلم.
٣ - سعة الرحمة.
٤ - الكتابة.
стр. 94
٥ - المغفرة.
٦ - خير حافظًا.
٧ - أرحم الراحمين، فهذه سبع صفات لله سبحانه.
والأسماء التي نأخذها من هذه الآيات هي: الله، الرحمن، الرحيم، الغفور.
وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾ الكتابة على قسمين: كتابة شرعية، وكتابة كونية .
١) الكتابة الشرعية: ولها أمثلة، منها: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: (١٨٣)]، وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: (١٧٨)].
وكل كتابة تتعلق بالتشريع والأحكام، فهي كتابة شرعية.
٢) الكتابة الكونية: مثل قوله تعالى: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ [المجادلة: (٢١)]، وقوله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر﴾ [الأنبياء: (١٠٥)]، وقوله تعالى: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ [الأنعام: (٥٤)].
ويُقال في الفرق بينهما مثلُ ما قيل في الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية.
стр. 95
وَقَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: (٨)].
الشرح
قوله: «﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾»، تضمَّنت هذه الآية: إثباتَ صفة الرضى لله تعالى، وقال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: (٧٢)].
وجاء في السنة إثبات هذه الصفة؛ من ذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ ﵎ يَقُولُ لِأَهْلِ الجنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» (١).
الشاهد من الحديث: «أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا».
قال ابنُ القيم:
فَيَقُولُ ﷻ : هَل أَنْتُمُ ... رَاضُونَ؟ قَالُوا: نَحْنُ ذُو رِضْوَان
أَمْ كَيْفَ لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا ... مَا لَمْ يَنَلْهُ قَطُّ مِنْ إِنْسَان
والله موصوف بصفة الرِّضَى، ولكن ما مُتعلَّقُ هذه الصفة، هل هي متعلِّقة بالعمل أو بالعامل؟
الجواب: متعلقة بهما كليهما، فهو يرضى عن العمل كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: (٧)].
стр. 96
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: (٩٣)].
الشرح
وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: (٣)]، وجاء في السنة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا؛ فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ المالِ» (١).
وأما الأدلة الدالة على أن الرضى يتعلق بالعامل أيضًا فكثيرة؛ منها: قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: (٨)]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: (١٨)].
ثم ذكر المُصَنِّف خمسَ آيات متعلقة ببعض الصفات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: (٩٣)]. الصفات الواردة فيها: صفة الغضب، وصفة اللعن؛ وهما على ما يليق بجلال الله.
وفي الآية عقوبات القاتل عمدًا، وهي خمس: جزاؤه جهنم، الخلود فيها، غضب الله جل وعز، لَعْنُ الله له، أن الله أعد له عذابًا عظيمًا.
стр. 97
وهناك إشكالان في هذه الآية الكريمة:
الإشكال الأول: جاء في هذه الآية ذكر الخلود في النار في حق القاتل عمدًا، ف هل القتلُ عمدًا كفرٌ يستوجبُ الخلودَ في النار ؟ ونحن نعرف أن مذهب أهل السنة في عُصاة الموحدين وأهلِ الكبائر أنهم لا يُخلَّدون في النار؟
أُجيبَ على هذا بعدة أجوبة: أوصلَها أهلُ العلم إلى خمسة أجوبة، أرجحُها وأصحُّها أن المراد بالخلود المكثُ الطويل وليس الدائم، وجرت العادة أن يعبر العرب بمثل هذه العبارات؛ مثل قول بعضهم: «محمد خالدٌ في السجن» أي: يمكث مكثًا طويلًا، ولهذا لم يذكر الله هنا «التأبيد» كما ذكره في حق الكفار كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٥]؛ فذكر في حق الكافرين الخلود مع التأبيد، أما الخلود بلا تأبيد فهو في حق عصاة الموحدين.
الإشكال الثاني: أنه ثبت عن ابن عباس -كما في مسند الإمام أحمد- أن القاتل لا تُقبل له توبة (١)، مع أنه جاء التصريح بقَبول توبته في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا
стр. 98
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
فاستثنى اللهُ التائبَ من هذه الذنوب الثلاث، وإذا كانت التوبةُ تُقبل من المشرك، فمِن بابِ أولى أن تقبل توبة القاتل، فكيف نجيب عمَّا جاء عن ابن عباس؟
هناك عدة أجوبة:
الجواب الأول: أن مرادَ ابنِ عباس ﵄ أنه لا يوفَّق للتوبة.
الجواب الثاني: أن المراد أنه لا توبة له في ما يتعلَّق بحق المقتول؛ لأن القاتل عليه ثلاثة حقوق: حق لله تعالى، وحق للمقتول، وحق للورثة، وهذا الأمر متعلق بحق المقتول، أي أنه حتى لو تاب يُقتل إذا لم يعفُ الولي، وتوبته غير نافعة في ذلك.
الجواب الثالث: أن ابن عباس ﵄ لم يُرد بما ذكر أن القاتل لا توبة له مطلقًا، وإنما هي قضيةُ عين، أي أنها فتوى خاصة لشخص معين علِم ﵁ أنه عازم على القتل، فسأله: هل للقاتل توبة؟ فأفتاه ابن عباس بأنه لا توبة له، وأراد أن يحجُزه ويمنعه من القتل بهذا الحكم، ولذلك ارتدع عن القتل، ولو قال له: «لك توبة» لقتله وتجرَّأ على دمه، ثم طلب التوبة بعد ذلك، فهذا الحكمُ من ابن عباس من باب السياسة الشرعية، وهو دليلٌ على دقة نظر ابن عباس وعمقه وفقهه.
стр. 99
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]، وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦].
الشرح
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]، فنثبت من هذه الآية صفتين: صفة السخط، وصفة الرضى.
قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾: أي أغضبونا؛ فدلت على إثبات صفة الغضب، وكذلك صفة الانتقام؛ لقوله: ﴿انْتَقَمْنَا﴾.
قوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ﴾ فيه إثبات صفة الكره لله ، ولكنه على ما يليق بجلاله وعظمته، وقال ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» (١).
وهل هي كراهة للعمل أو للعامل؟
كراهة لهما كليهما، فقد قال ﷺ : «إِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ»، وفيه: «وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا، فَأَبْغِضْهُ» (٢).
وَقَوْلُهُ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣]، وَقَوْلُهُ:
стр. 100
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢١ - ٢٢]، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥].
الشرح
هذا البغض للعامل، أما البغض للعمل فكما في قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾.
قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ المقت هو أشد البغض، ونأخذ من هذه الآية إثبات صفة المقت لله على ما يليق بجلاله.
قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى آخر الآيات، ذكر المُصَنِّف هنا أربع آيات.
ويؤخذ من هذه الآيات إثبات صفة المجيء والإتيان لله تعالى يوم القيامة، وهو مجيء حقيقي على ما يليق بجلاله، وذلك لفَصْل القضاء بين العباد في أشد موقف يمر على البشرية جميعًا، ولهذا يجيب الأنبياء حين تُطلَب منهم الشفاعة بقولهم: «إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ» كما في حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (١).
وهذه الصفة (المجيء) صفة فعلية.
стр. 101
قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].
الشرح
بماذا أجاب النُّفاة عن هذه الآيات التي دلت على صفة المجيء؟
منهم مَن قال: المراد بالمجيء الرحمة، ومنهم من قال: جاء أمر ربك، ومنهم من قال: مجيء الملائكة، وهذه الأجوبة تحريف لظاهر القرآن.
قال ابن القيم: «والإتيان والمجيء المضافُ إليه سبحانه نوعان: مطلق، ومقيد، فإذا كان المراد مجيء رحمته أو عذابه ونحو ذلك قُيد بذلك كما في حديث: «حَتَّى جَاءَ اللهُ بِالرَّحْمَةِ وَالخيْرِ».
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٥٢] هنا فيه ذكر للمجيء لكن مقيد بالكتاب، النوع الثاني: الإتيان والمجيء المطلق، فهذا لا يكون إلا مجيئَه سبحانه كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]» (١).
وهذه الصفة يُقال عنها مثلُ ما يقال في بقية الصفات؛ على ما يليق بجلال الله وعظمته.
قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].
ما الصفات المُثبَتة من هذه الآية؟
стр. 102
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
الشرح
١ - صفة البقاء والدوام لله .
٢ - صفة الوجه لله .
٣ - صفة الجلال.
٤ - صفة الإكرام؛ وهو سعة الفضل والجود.
وقوله: ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ يحتمل معنيين:
الأول: أنها بمعنى أنه يكرم أنبياءه ورسلَه وعبادَه المؤمنين، ويكرم أيضًا مَن يشاء من خلقه بما يشاء.
الثاني: أنه المستحق للتكريم والإجلال والتعظيم بتوحيده وعبادته.
ولا مانع من القول بشمول الآية للمعنيين.
قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ذكر المُصَنِّف ﵀ هذه الآية وما قبلها لأجل إثبات صفة الوجه لله جل وعلا، وهو وجه حقيقي يليق بجلاله، خلافًا للمعطِّلة الذين يفسرون الوجه بالجهة، وبعضهم يفسره بالذات، وكل هذا من التأويل الفاسد.
ولا شك أَنَّ صفة الوجه ثابتةٌ لله تعالى بإجماع أهل السنة، وهذه الآيات التي ذكرها المصنف فيها إثباتٌ لصفة الوجه، خلافًا للمعطلة. ولكن هنا سؤالٌ يطرأ على قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وهو: هل المراد بالآية هنا أن يَهلِك كلُّ شيءٍ، فلا يبقى إلا وجه الله فقط؟ ولا شك
стр. 103
أَنَّ هذا غيرُ مراد، بل هو معنًى باطل، ومن هنا ضلت طائفتان في فهم هذه الآية:
الطائفة الأولى: قالت: نحن نثبت الوجه لله تعالى، ونفهم من هذه الآية أَنَّ الله تعالى يفنى ويبقى وجهُه فقط. ولا شك أَنَّ هذا القول باطل وضلالٌ مبين، وجنايةٌ في حق الله تعالى. وهذا مذهب بعض المشبِّهة كغلاة الرافضة القدامى، ونحوهم.
الطائفة الثانية: قالت: المراد بالوجه هنا الذات، ولم يثبتوا لله تعالى وجهًا يليق بجلاله، لا من هذه الآيات ولا غيرها من النصوص. ولا شك أَنَّ هذا مذهبٌ باطلٌ أيضًا، وهو تحريفٌ لصفات الله تعالى. وهذا مذهبُ جميع المعطِّلة؛ من الجهمية والمعتزِلة والأشاعرة والماتُريدية ونحوِهم.
والتحقيق الذي نصره المحققون من أهل السنة: أَنَّ المراد بهذه الآية وشبيهاتها الذاتُ الإلهية المتصفة بصفة الوجه. والفرق بين هذا القول وقول المعطلة: أَنَّ المعطلة صرفوا معنى الوجه إلى الذات، ولم يثبتوا لله وجهًا، وأما أهل السنة، فقالوا: المرادُ بالوجه هنا الذات المتصفة بصفة الوجه. ولأنه سبحانه له وجهٌ؛ فلذلك عبر به عن الذات. وبهذا يتضح الرد على دعاة التأويل الباطل الذين يزعمون أَنَّ أهل السنة قد أوَّلوا بعض النصوص (١).
стр. 104
والذي عليه أهلُ السنة أن الوجه صفة من صفات الله مغايِرة للذات كبقية الصفات مثل (إثبات اليدين لله)؛ هل يقال: المراد باليدين الذات؟ الجواب: لا، إنما هي صفة أخرى لله نثبتها لله على ما يليق به، ومؤدَّى هذا القول -وهو أن المراد بالوجه الذات- تعطيلُ صفات الله مطلقًا.
والحق: إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق بجلاله، وأن هذه الصفة مغايرة للذات، وليس كما قاله المعطلة، والوجه معناه معلوم، نؤمن به ونصفه بالجلال والإكرام والبهاء والعظمة والنور، كما في «صحيح مسلم» من حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حِجَابُهُ النُّورُ؛ لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (١).
وبصره سبحانه ينتهي إلى كل شيء، ولو كشف سبحانه حجابَ النور عن وجهه لاحترق كل شيء.
وسبحات وجهه: بهاؤه وعظمته وجلاله ونوره.
أما كيفية الوجه فهي مجهولة لنا، لا نعلم كيفية وجه الله سبحانه.
وهنا مسألة: ما المراد بالوجه في النصوص؟
لا يخفى أنه يأتي في القرآن ذكر الوجه لله تعالى، فهل المراد به دائمًا الوجه الحقيقي في كل آية جاء فيها ذكر الوجه، أو هناك تفصيل؟
стр. 105
الجواب: أن الأصل في الآيات التي يأتي فيها ذكر الوجه أن المراد من ذلك وجه الله تعالى كما في قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]، وكما في ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠]. فالأصل أن المراد بالوجه المضافِ إلى الله هو وجه الله الذي هو صفة من صفاته.
ولكن اختلف المفسرون في آية البقرة؛ وهي قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] هل المراد بذلك وجه الله أو المراد الجهة؟ فقال جماعة من المفسرين: إن الوجه هنا الجهة؛ لقوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨]، فالمراد بالوجه الجهة، فيكون المراد على قولهم: أينما تولوا فثم جهة الله، والذي رجَّحه جماعة من أهل التحقيق ومنهم شيخنا ابن عثيمين: أن المراد بالوجه هنا الوجه الحقيقي لله سبحانه، فيكون المعنى: إلى أي جهة تتوجهون فثم وجه الله, والله محيط بكل شيء، ومما يدل على ذلك ما جاء في البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى» (١).
وهنا إشكال: وهو أننا عرفنا مذهب الحلولية الذين يقولون: إن الله حالٌّ في كل مكان، فهل لقائل أن يقول: إن هذا القول موافق لمذهب الحلولية؟
والجواب: ليس كذلك، وسبق الكلام على مسألة العلو، وأن الله لا يقاس
стр. 106
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]،
الشرح
بالخلق، فلا يدل ذلك على مذهب الحلولية، ومذهبُ أهل السنة عدم تحديد الجهة أو التجسيم أو القياس بالخلق، فالله أجل وأعظم، والقاعدة العظيمة في هذا الباب: «أنه لا مجال للعقل فيه، بل هو مقيد بالنصوص الشرعية».
قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾؛ هاتان الآيتان تضمَّنتا إثباتَ اليدين لله تعالى، وهما يدان حقيقيتان على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه.
ماذا قالت المعطلة عن هذه الصفة؟
قالوا: المراد النعمة أو القدرة.
وسياق الآية رد على مذهبهم؛ لأنه لا يمكن حملُها على النعمة أو القدرة.
لأن تأويل اليد بالقدرة فيه إبطال لما اختص الله ﵎ به بعض مخلوقاته تفضيلًا لهم على غيرهم، كما خص آدم بأن خلقه بيده، والقول بأن المقصود باليد القدرة فيه مساواة بين آدم ﵇ وإبليس؛ لأن الله تعالى خلق إبليس أيضًا بقدرته، فلا معنى حينئذ لتخصيص آدم بأن الله خلقه بيده.
ولا يمكن حمل هذا على النعمة، والله تعالى لا تعد نعمه.
وكذلك لفظ اليدين بالتثنية لم يأت إلا في اليد الحقيقية، ولم يأت بمعنى
стр. 107
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٣ - ١٤]، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩].
الشرح
القدرة أو النعمة، فإنه لا يسوغ أن يقال: خلقه الله بقدرتين أو بنعمتين؛ لأن قدرة الله مطلقة وليست قدرتين، وكذلك نِعَمه كثيرة وليست نعمتين؛ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨].
قوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ وقوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾؛ هذه ثلاث آيات في صفة العين لله تعالى، ومذهب أهل السنة إثبات العينين على ما يليق بجلاله وعظمته.
جاء في بعض الآيات ذكر العين بالجمع ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ وجاء بالإفراد ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ فكيف نجمع بين هذه الآيات؟
الجواب: قوله ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ جاءت بالإفراد لأن المفرد إذا أضيف يعم، وأما قوله ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ فجاءت بالجمع؛ لأن أقل الجمع اثنين، وهذا على رأي جماعة من أهل اللغة، وأما إذا قيل: إن أقل الجمع ثلاثة، فلا يستقيم هذا الجواب، ويكون الجواب الصحيح أن الجمع هنا للتعظيم.
الخلاصة: أن النصوص دلت على إثبات عينين لله على ما يليق بجلاله، وهي
стр. 108
وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]،
الشرح
صفة ذاتية خبرية، فالله لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وسبق معنا أن الصفة الذاتية هي التي لا تنفكُّ عن الله تعالى بل لم يزل ولا يزال موصوفًا بها.
ما الدليل على إثبات العينين لله تعالى ؟
الدليل قوله ﷺ عن المسيح الدجال كما في «الصحيحين»: «إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» (١).
وهذا الحديث يدل على أن لله عينين اثنتين؛ لأنه لو كان لله أكثر من عينين لقال: (إن ربكم له أعيُن)، ولو كان كذلك لبينه النبي ﷺ ، ولكنه قال عن المسيح: إنه أعور، فذكر أن هذا عيبٌ فيه، ونزَّه الله عن ذلك فقال: «وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ»، فمقتضى هذا إثباتُ عينين لله تعالى على ما يليق بجلاله.
ثم ذكر المُصَنِّف ﵀ آيات أخرى في الصفات:
قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾؛ نثبت منها صفة السمع من قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾، ونثبت أيضًا صفة البصر من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.