وقال عُقْبَةُ بنُ عامرٍ (١): ما أرى أحدًا أعْلَمَ بما أُنْزِل على محمدٍ من عبد الله. فقال أبو موسى: إنْ تَقُلْ ذلك فإنه كان يسمع حين لا نَسمع، ويَدْخلُ حين لا نَدْخُل (٢).
وقال مَسْرُوقٌ: قال عبد الله: ما أُنْزِلَتْ سورةٌ إلا وأنا أعلم فيما أنزلت، ولو أَنّي أعلم أنَّ رجلًا أعْلَمُ بكتاب الله مني تبلُغُه الإِبِل والمَطَايَا لأتَيْتُه (٣).
وقال عبدُ الله بن بُرَيْدَة في قوله : ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]. قال: هو عبد الله بن مسعود (٤).
وقيل لمسروق: كانت عائشة تُحْسِنُ الفَرائِضَ؟ قال: والله لقد رأيتُ الأكابرَ من أصحابِ رسول الله ﷺ يسألونها عن الفَرائِضِ (٥).
وقال أبو موسى: ما أشكل علينا -أصحابَ محمد ﷺ - حديثٌ قَطّ
стр. 352
فَسَأَلْنَا عائشةَ إلا وَجَدْنَا عندها منه عِلْمًا (١).
وقال شَهْرُ بن حَوْشَب: كان أصحاب محمد ﷺ إذا تحدَّثوا وفيهم معاذ بن جبل نظروا إليه هَيْبَةً له (٢).
وقال عليّ بن أبي طالب: أبو ذر وعاء مُلِئَ علمًا، ثم وُكِيَ عليه، فلم يخرج منه شيء حتى قُبِضَ (٣).
وقال مسروق: قَدِمْتُ المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الرَّاسخين في العلم (٤).
ولما بلغ أبا الدرداء مَوْتُ عبدِ الله بنِ مسعودٍ قال: أما إنِّه لم يُخَلِّف بعده مِثْلَه (٥).
وقال أبو الدرداء: إنَّ من الناس من أُوتي علمًا ولم يُؤْتَ حِلْمًا، وشدَّادُ بنُ أَوْسٍ ممن أُوتِيَ عِلْمًا وحِلْمًا (٦).
ولما مات زيد بن ثابت قام ابن عباس على قبره، وقال: هكذا يذهب العلم (٧).
стр. 353
وضمَّ رسولُ الله ﷺ ابنَ عباسٍ وقال: "اللهمَّ عَلِّمْه الحِكْمَةَ وتَأْوِيْلَ الكِتَاب" (١).
وقال محمد بن الحَنَفِيَّة لما مات ابن عباس: لقد مات رَبَّانِيُّ هذه الأمة (٢).
وقال (عُبَيْدُ اللهِ بنُ) (٣) عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ: ما رأيتُ أحدًا أعْلَمَ بالسنَّة ولا أجْلَدَ رأيًا ولا أَثْقَبَ نَظَرًا -حين يَنْظُر- من ابن عباس (٤).
وكان عُمَرُ بنُ الخطَّاب يقول له: قد طرأتْ علينا عُضَل أقضيةٍ أنت لها ولأمثالها، ثم يقول عُبَيْدُ الله: وعُمَرُ عُمَرُ في جدِّه، وحُسْنِ نظره للمسلمين (٥).
وقال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسًا قط أكْرَمَ من مجلس ابن عبَّاس: أكثر فقهًا وأعظم جفنة، وإنَّ أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر، يُصْدِرُهم كلَّهم في وادٍ واسع (٦).
وكان عمر بن الخطاب يسأله مع الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ، ودعَا له رسولُ الله ﷺ أن يَزِيْده الله علمًا وفقهًا (٧).
стр. 354
وقال عبد الله بن مسعود: لو أنَّ ابن عباسٍ أدرك أسْنَانَنَا ما عَشَرَه منَّا رجل. أي: ما بلغ عُشْرَه (١).
وقال ابن عباس: ما سألني أحدٌ عن مسألة إلا عرفت أنَّه فقيه أو غير فقيه. وقيل له: أنَّى أصبتَ هذا العلم؟ قال: بلسان سَؤول، وقلبٍ عَقُول. وكان يسمى البحر؛ من كثرة علمه (٢).
وقال طاووس: أدركت نحو خمسين مِنْ أصحاب رسول الله ﷺ إذا ذَكَرَ لهم ابنُ عبَّاسٍ شيئًا فخالفوه، لم يزل بهم حتَّى يقرِّرَهُم (٣).
وقال الأَعْمَشُ: كان ابن عباس إذا رأيتَه قلتَ: أجملُ النَّاس، فإذا تكلم قلتَ: أفْصَحُ الناس، فإذا حدَّث قلتَ: أَعْلَمُ الناس (٤).
وقال مجاهد: كان ابن عباس إذا فسَّرَ الشيء رأيتَ عليه النُّور.
وقال ابن سيرين: كانوا يَرَوْنَ أنَّ الرجل الواحد يعلم من العلم ما لا يعلمه الناس أجمعون. قال ابن عون: فكأنَّه رآني أنكرتُ ذلك! قال: فقال: أليس أبو بكرٍ كان يَعْلَمُ ما لا يعلمُ النَّاسُ؟ ثم كان عمر يعلم ما لا يعلم الناس (٥)؟!
стр. 355
وقال عبد الله بن مسعود: لو وُضِعَ عِلْم أحياء العرب في كِفَّة وعِلْمُ عُمَرَ في كِفَّة لَرَجَحَ بهم عِلْمُ عمر. قال الأعمش: فذكروا ذلك لإبراهيم فقال: عبدُ الله إنْ كنَّا لَنَحْسبُه قد ذهب بتسعة أعشار العلم (١).
وقال سعيد بن المسيِّب: ما أعلم أحدًا من الناس بعد رسول الله ﷺ أعْلَمَ من عُمَرَ بنِ الخطَّاب (٢).
وقال الشَّعبِيُّ: قضاةُ الناس أربعة: عمر، وعليٌّ، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري (٣).
وكانت عائشة ﵂ مقدمة في: العلم، والفرائض، والسنن والأحكام، والحلال والحرام، والتفسير.
قال عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْر: ما جالستُ أحدًا قط أعْلَمَ بقضاءِ، ولا بحديثِ الجاهليَّة، ولا أروى للشِّعر، ولا أعْلَمَ بفريضةٍ ولا طبٍّ مِنْ عائشة (٤).
وقال عطاء: كانت عائشةُ أعلمَ النَّاس وأَفْقَهَ النَّاس (٥).
وقال البخاريُّ في "تاريخه": روى العِلْمَ عن أبي هريرةَ ثمانمائة رجلٍ، ما بين صاحب وتابع (٦).
وقال عبد الله بن مسعود: إنَّ الله نَظَرَ في قُلوب العبادِ، فوجد قَلْبَ
стр. 356
محمدٍ خَيْرَ قلوب العبادِ، فاصطفاه وبعثَهُ برسالتِهِ، ثم نَظَر في قلوبِ العبادِ (١) بَعْدَ قلبِ محمدٍ ﷺ ، فَوَجَد (قلوبَ أصحابهِ) (٢) خَيْرَ قلوبِ العبادِ، فَجُعِلُوا وُزَرَاءَه (٣).
وقال ابنُ عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] قال: هم أصحابُ محمد ﷺ (٤).
وقال ابنُ مسعودٍ: من كان منكم مُسْتَنًّا فليستَنَّ بمَنْ قد ماتَ؛ فإنَّ الحيَّ لا يُؤْمَنُ عليه الفِتْنَةُ، أولئك أصحابُ محمدٍ، أَبَرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعْمَقُها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لإقامةِ دينِه وصُحْبَةِ نبيِّه، فاعْرِفُوا لهم حقَّهم، وتَمسَّكُوا بِهَدْيهم؛ فإنَّهم كانوا على الهدى المستقيم (٥).
وقد (٦) أثنى اللهُ -سبحانه- عليهم بما لم يُثْنِهِ على أمةٍ من الأمم سواهم، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عُدولًا خيارًا.
وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
стр. 357
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وهم محمد وأصحابه.
وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: "أنتم تُوَفُّون سبعين أمّةً أنتم خَيْرُهَا وأكْرَمُهَا على الله " (١).
وقال تعالى (٢): ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال مالكٌ عن نافع: كان ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمَر يجلسان للنَّاس عند قدوم الحاجِّ، وكنت أجلس إلى هذا يومًا وإلى هذا يومًا، فكان ابنُ عبَّاس يجيبُ ويُفْتِي في كلِّ ما يُسْأَلُ عنه، وكان ابنُ عُمَرَ يردُّ أَكْثَرَ
стр. 358
ممَّا يُفْتِي (١).
قال مالك: وسمعتُ "أنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَل يكون أمام العلماء بِرَتْوَةٍ" (٢). يعني: يكون أمامهم يومَ القيامة برَمْيَةِ حَجَر (٣).
وقال مالك: أقام ابن عُمَرَ بعد النبيِّ ﷺ ستين سنةً يُفْتي الناس في الموسم وغير ذلك، وكان من أئمة الدين (٤).
وقال عمر لِجَرِيْرٍ: يرحمك الله إنْ كنتَ لسيِّدًا في الجاهليَّة، فقيهًا في الإسلام!
وقال محمد بن المُنْكَدِر: ما قَدِمَ البَصْرَةَ أحد أفْضَلَ من عِمْرانَ بنِ حُصَيْن (٥).
وكان لجابر بنِ عبد الله حلقةٌ في مسجد رسول الله ﷺ يُؤْخَذُ عنه العلم.
والعلم إنما انتشر في الآفاقِ عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فهم الذين فتحوا البلادَ بالجهادِ، والقلوبَ بالعلمِ والقرآنِ، فملؤوا الدنيا خيرًا وعِلْمًا، والناسُ اليومَ في بقايا آثارِ عِلْمهم (٦).
قال الشَّافِعيُّ في "رسالته" -وقد ذكر الصحابة فعظَّمهم وأثنى عليهم
стр. 359
ثم قال-: وهم فوقَنا في كلِّ علمٍ واجتهادٍ، وورعٍ وعَقْلٍ، وأمر استُدْرِك به عِلمٌ، وآراؤهم لنا أحْمَدُ وأولى بنا من آرائنا، ومَنْ أدركنا ممن نرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرَّقوا، وكذلك نقول ولم نخرج من أقاويلهم كلِّهم.
وقال الشافعيُّ: وقد أثنى الله على الصحابة في التوراة والإنجيل والقرآن، وسبَقَ لهم على لسان نبيِّهم ﷺ من الفضل ما ليس لأحدٍ بعدهم (١).
وقال أبو حنيفة: إذا جاء عن النبيِّ ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة نختار مِنْ قولهم ولم نَخْرج عنه (٢).
وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: لما دخل أصحابُ رسول الله ﷺ الشَّام نظر إليهم رجلٌ من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحابُ عيسى ابنِ مريمَ الذين قُطِّعوا بالمناشير وصُلِّبوا على الخشب بأشدَّ اجتهادًا من هؤلاء (٣).
стр. 360
وقد شهد لهم الصادقُ المَصْدُوق الذي لا يَنْطِق عن الهوى: بأنهم خير القُرون على الإطلاق (١).
كما شهد لهم ربُّهم ﵎ بأنهم خير الأُمم على الإطلاق (٢). وعلماؤهم وتلاميذهم هم الذين ملؤوا الأرض عِلمًا، فعلماء الإسلام كلُّهم تلاميذُهم وتلاميذُ تلاميذِهم وهلمَّ جرًّا. وهؤلاء الأئمة الأربعة الذين طبَّق عِلْمُهم الأرض شرقًا وغربًا هم تلاميذُ تلاميذِهم. وخيارُ ما عندَهم ما كان عن الصحابة، وخيارُ الفقه ما كان عنهم، وأصحُّ التفسير ما أُخِذ عنهم.
وأما كلامُهم في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته، وأفعاله، وقضائه وقدره؛ ففي أعلى المراتب؛ فمن وقف عليه وعرف ما قالَتْه الأنبياءُ عَرفَ (٣) أنه مشتقٌّ منه مُتَرْجَم عنه، وكلُّ علمٍ نافعٍ في الأمة فهو مُسْتنبَطٌ من كلامهم ومأخوذٌ عنهم.
وهؤلاء تلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم؛ قد طبَّقتْ تصانيفُهم وفتاويهم الأرضَ. فهذا مالكٌ جمعت فتاويه في عِدَّة أسفار، وكذلك أبو حنيفة، وهذه تصانيف الشافعيِّ تقارب المائة، وهذا الإمام أحمد بلغت فتاويه وتآليفه نحو مائة سِفْر، وفتاويه عندنا في نحو عشرين سِفْرًا، وغالب تصانيفه، بل كلُّها عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين.
стр. 361
وهذا علَّامتهم (١) المتأخر "شيخ الإسلام ابن تيمية" جمع بعضُ أصحابِه فتاواه في ثلاثين مجلدًا ورأيتها في الديار المصريَّة.
وهذه تآليف أئمة الإسلام التي لا يُحْصِيها إلا الله، وكلُّهم -من أولهم إلى آخرهم- يُقِرُّ للصحابة بالعلم والفضل، ويعترف بأن عِلْمَه بالنسبة إلى علومهم كعلومهم بالنسبة إلى علم نبيِّهم.
وفي "الثقفيات" حدَّثنا قُتَيْبَةُ بن سعيد، عن سعيد بن عبد الرحمن المعافري، عن أبيه، أنَّ كعبًا رأى حَبْر اليهود يبكي، فقال له: ما يُبْكيك؟ قال: ذكرتُ بعض الأمر، فقال كعب: أَنْشُدُك الله لئن أخبرتُك ما أبكاك لتصدقنِّي؟ قال: نعم. قال: أنشُدُك الله: هل تجد في كتاب الله المنزَّل أنَّ موسى نظر في التوراة فقال: ربِّ إني أجدُ خير أمة أُخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجَّال. فَاجْعَلْهُم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحَبْر: نعم.
قال كعب: فأنشُدُك الله، هل تجدُ في كتاب الله المنزَّل أن موسى نظر في التوراة فقال: يا ربِّ إني أجد أمةً هم الحمَّادون رعاة الشمس المحكَّمون إذا أرادوا أمرًا قالوا: نفعله إن شاء الله. فاجعلهم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر: نعم.
فقال كعب: فأنشُدُك الله أتجدُ في كتاب الله المنزَّل أن موسى نظر في التوراة فقال: يا ربّ إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شَرَفٍ كبَّر الله وإذا هبط حَمِدَ الله؛ الصعيدُ طَهُورهم، والأرض لهم مسجدٌ حيثما
стр. 362
كانوا، يتطهَّرون من الجنابة، طُهورهم بالصعيد كطُهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غُرًّا محجلين من آثار الوضوء فاجعلْهم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر: نعم.
قال كعب: فأنشُدُك الله أتجد في كتاب الله أن موسى نظر في التوراة فقال: يا رب إني أجد أمةً مرحومةً ضعفاء، أورثْتَهم الكتاب فاصطفَيْتَهم لنفسك، فمنهم ظالمٌ لنفسه، ومنهم مُقْتَصِدٌ، ومنهم سابقٌ بالخيرات، فلا أجد أحدًا منهم إلا مرحومًا فاجعلْهم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر: نعم.
قال كعب: أنشُدُك الله أتجد في كتاب الله أن موسى نظر في التوراة فقال: يا رب إني أجد أمةً مصاحِفُهم في صدورهم، يصفُّون في صلاتهم كصفوف الملائكة، أصواتُهم في مساجدهم كدَوِيِّ النَّحْل، لا يدخل النارَ منهم أحدٌ إلا من بَرِئ من الحسنات مثل ما برئ الحجرُ من وَرَقِ الشجر. قال موسى: فاجعلهم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر: نعم.
فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمدًا وأمته قال: ليتني من أصحاب محمد، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهنَّ ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] الآية. ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]. ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. قال: فرضي موسى كلَّ الرِّضَا (١).
стр. 363
وهذه الفصول بعضها في التوراة التي بأيديهم، وبعضها في نبوة إشَعْيَا، وبعضها في نبوة غيره.
"والتوراة الأولى" (١) أعم من التوراة المعيَّنة، وقد كان الله -سبحانه- كتب لموسى في الألواح من كلِّ شيء موعظةً وتفصيلًا لكلِّ شيء، فلما كسرها رُفع منها الكثير وبقي خيرٌ كثير، فلا يقدحُ في هذا النقلِ جَهْلُ أكثر أهل الكتاب به، فلا يزال في العلم الموروث عن الأنبياء شيءٌ لا يعرفه إلا الآحاد من الناس أو الواحد. وهذه الأمةُ -على قرب عهدها بنبيها- في العلم الموروث عنه ما لا يعرفه إلا الأفراد القليلون جدًّا من أمته، وسائرُ الناس مُنْكرٌ له وجاهل به.
وسمع كعبٌ رجلًا يقول: رأيت في المنام كانَّ الناس جُمِعوا للحساب؛ فدُعِي الأنبياء، فجاء مع كلِّ نبيٍّ أمتُه، ورأيت لكلِّ نبيٍّ نورَيْن، ولكلِّ من اتبعه نورًا يمشي بين يديه، فدُعِي محمد ﷺ فإذا لكل شعرة في رأسه ووجهه نورٌ، ولكلِّ من اتبعه نوران يمشي بهما. فقال كعب: من حدَّثك بهذا؟ قال: رؤيا رأيتها في منامي. قال: أنت رأيتَ هذا في منامك؟ قال: نعم، قال: والذي نفسي بيده إنها لَصِفَةُ محمدٍ وأمته وصِفَةُ الأنبياء وأممهم، لكأنما قرأتها من كتاب الله (٢).
وفي بعض الكتب القديمة: أنَّ عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليه قيل له: يا رُوْحَ الله! هل بعد هذه الأمة أمة؟: قال: نعم. قيل: وأية أمة؟ قال: أمة أحمد. قيل: يا روح الله! وما أمة أحمد؟ قال: علماء
стр. 364
حكماء (١) أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل، يُدْخِلُهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله.
وقال كعب: علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل. وفيه حديث مرفوع لا أعرف (٢) حاله (٣).
ثم نقول: وما يدريكم -مَعَاشرَ المثلِّثةِ وعبَّاد الصُّلْبان وأمةَ اللعنةِ والغضب- بالفقه والعلم؟ ومسمى (٤) هذا الاسم حيث تسلبونه أصحابَ محمدٍ الذين هم وتلاميذهم كأنبياء بني إسرائيل. (وهل يميز بين العلماء والجهَّال ويَعْرف مقاديرَ العلماء إلا مَنْ هو من جملتهم ومعدودٌ في زمرتهم؟!) (٥).
فأمَّا طائفةٌ شبَّه الله علماءهم بالحمير التي تحمل أسفارًا، وطائفةٌ علماؤها يقولون في الله ما لا ترضاه أمة من الأمم فيمن تعظِّمه وتجلُّه، وتأخذ دينها عن كلِّ كاذب ومُفْتَرٍ على الله وعلى أنبيائه = فمَثَلُها مَثَل عريان يحارب شاكي السلاح، ومَنْ سقف بيتِه زجاجٌ وهو يُرَاجِمُ (٦)
стр. 365
أصحاب القصور بالأحجار. ولا يُسْتكثر على مَنْ قال في الله ورسوله ما قال أنْ يقول في أعلم الخَلْقِ إنِّهم عوام.
فلْيَهْنِ أمة الغضب عِلْمُ "المشنا" (١) و"التلمود" وما فيهما من الكذب على الله وعلى كليمه موسى، وما يحدث لهم أحبارهم وعلماء السوء منهم كل وقت. ولتهنهم علومٌ دلَّتْهم على أن الله ندم على خلق البشر حتى شقَّ عليه، وبكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، ودلتهم على أن يناجوا في صلاتهم بقولهم: يا إلهنا انتبه من رَقْدَتك كم تنام؟! ينخونه حتى يتنخى لهم ويعيد دولتهم.
ولتهن أمة الضلال علومُهم التي فارقوا بها جميع شرائع الأنبياء وخالفوا بها المسيح خلافًا تتحققه علماؤهم في كل أمره -كما ستمر بك- وعلومهم التي قالوا بها في ربِّ العالمين ما قالوا مما كادت السموات تنشقُّ منه والأرض تنفطر والجبال تَنْهَدُّ (٢) لولا أنْ أمسكها الحليم الصَّبُور.
وعلومهم التي دلتهم على التثليث، وعبادة خشبة الصليب والصور المدهونة بالسيرقون والزُّنْجُفْر (٣)، ودلتهم على قول عالمهم "أفريم" أنَّ اليد التي جلبت طينة آدم هي التي علقت على الصلبوت، وأن الشبر الذي
стр. 366
ذرعت به السموات هو الذي سمر على الخشبة، وقول عالمهم عريقودس (١): من لم يقل: إن مريم والدة الله فهو خارج عن ولاية الله!!!.
стр. 367
فصل
قال السائل: نرى في دينكم أكثر الفواحش فيمن هو أعلم وأفقه (في دينكم) (١)؛ كالزنا، واللواط، والخيانة، والحسد، والبخل، والغدر، والتجبر (٢)، والتكبر والخيلاء، وقلة الورع واليقين، وقلة الرحمة والمروءة والحمية، وكثرة الهلع، والتكالب على الدنيا، والكسل في الخيرات. وهذا الحال يكذب لسان المقال.
والجواب من وجوه:
(أحدها) أن يقال: ماذا على الرُّسل الكرام من معاصي أممهم وأتباعهم؟ وهل يقدح ذلك شيئًا في نبوتهم أو يغبر وَجْه (٣) رسالتهم؟! وهل سَلِمَ من الذنوب -على اختلاف أنواعها وأجناسها- إلا الرسل صلوات الله وسلامه عليهم؟! وهل يجوز رَدُّ رسالتهم وتكذيبُهم بمعصية بعض أتباعهم لهم؟! وهل هذا إلا من أقبح التعنت (٤)؟! وهو بمنزلة رجل مريض (دعاه طبيب ناصح إلى سبب ينال به غاية عافيته (٥)، فقال: لو كنتَ طبيبًا لم يكن فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ (٦) مرضى!) (٧) وهل يلزم الرسل أن يَشْفُوا جميع المرضى بحيث لا يبقى في العالم مريض؟! هل
стр. 368
تعنّت (١) أحد من الناس للرسل بمثل هذا التعنُّت؟!
(الوجه الثاني) أن الذنوب والمعاصي أمْرٌ مشترك بين الأمم، لم تزل في العالم من طبقات بني آدم -عالمهم وجاهلهم، وزاهدهم في الدنيا وراغبهم، وأميرهم ومأمورهم- وليس ذلك أمرًا اختصَّتْ به هذه الأمة حتى يقدح به فيها وفي نبيِّها.
(الوجه الثالث) أن الذنوب والمعاصي لا تنافي الإيمان بالرسل، بل يجتمع في العبدِ الإسلامُ والإيمانُ، والذنوب والمعاصي، فيكون فيه هذا وهذا. فالمعاصي لا تنافي الإيمانَ بالرسل، وإنْ قدحت في كماله وتمامه.
(الوجه الرابع) أن الذنوب تغفر بالتوبة النصوح، فلو بلغت ذنوب العبد عَنَان السماء وعدد الرمل والحصا ثم تاب منها: تاب الله عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. فهذا في حقِّ التائب؛ فإنَّ التوبة تَجُبُّ ما قَبْلَها، والتائبُ من الذنب كمن لا ذنب له، والتوحيد يكفِّر الذنوب، كما في الحديث الصحيح الإلهيِّ (٢): "ابنَ آدمَ لو لَقِيْتَنِي بِقُرَاب الأرض خَطَايا ثم لَقِيْتَني لا تشركُ بي شيئًا لَقِيْتُك بِقُرَابِها مغفرةً" (٣).
стр. 369
فالمسلمون ذنوبهم ذنوب موحِّدٍ، إنْ قوي التوحيدُ على محو آثارها بالكلية، وإلا فما معهم من التوحيد يُخْرِجُهم من النار إذا عُذِّبوا بذنُوبِهم.
وأما المشركون والكفار: فإنَّ شِرْكَهم وكُفْرَهم يُحْبِطُ حسناتهم، فلا يَلْقَون ربَّهم بحسنةٍ يرجون بها النَّجاةَ، (ولا يُغْفَرُ لهم شيء من ذنوبهم) (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وقال تعالى في حقِّ الكفار والمشركين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وقال رسول الله ﷺ : "أبى اللهُ أن يَقْبَلَ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا" (٢).
فالذنوب تزول آثارها بالتوبةِ النَّصوح، والتوحيدِ الخالصِ، والحسناتِ الماحيةِ، والمصائبِ المكفِّرة لها، وشفاعةِ الشافعين في الموحِّدين، وآخر ذلك إذا عُذِّب بما يبقى عليه منها أخرجه توحِيدُه من النار؛ وأما الشرك بالله والكفر بالرسول فإنه يُحْبِط جميعَ الحسنات بحيث لا تبقى معه حسنةٌ.
(الوجه الخامس) أن يقال لِمُورِد هذا السؤال إن كان من الأمة الغَضَبِيَّة إخوانِ القِرَدَة (٣): ألا يستحي من إيراد هذا السؤال مَنْ آباؤه
стр. 370
وأسلافه كانوا يشاهدون في كلِّ يوم من الآيات ما لم يَرَهُ غيرهم من الأمم؟! وقد فَلَق اللهُ لهم البحر وأنجاهم من عدوِّهم وما جفَّتْ أقدامهم من ماء البحر حتى قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]؟
ولما ذهب لميقات ربه لم يُمْهِلُوه أن عبدوا بعد ذهابه العِجْلَ المَصُوغَ (١)، وغُلِب أخوه هارون معهم ولم يقدر على الإنكار عليهم، وكانوا -مع مشاهدتهم تلك الآيات (٢) والعجائب- يهمُّون برجم موسى وأخيه هارون في كثير من الأوقات والوحيُ بين أَظْهُرِهِم!! ولما نَدَبَهم إلى الجهاد قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. وآذوا موسى أنواع الأذى حتى قالوا: إنه آدَر (٣) ولهذا (٤) يغتسل وحده، فاغتسل (٥) يومًا ووضع ثوبه على حجر ففرَّ الحجر بثوبه فَعَدَا خلفه عُرْيَانًا حتى نظر بنو إسرائيل إلى عورته فرأوه أحسن خَلْق الله متجرِّدًا (٦).
ولما مات أخوه هارون قالوا: إن موسى قتله وغيَّبه. فرفعت الملائكةُ لهم تابوته بين السماء والأرض حتى عاينوه ميتًا (٧). وآثروا
стр. 371
العود إلى مصر وإلى العبودية ليشبعوا من أكل اللحم والبصل والقِثَّاء والعَدَس، هكذا عندهم (١).
والذي حكاه الله عنهم: أنهم آثروا (ذلك على) (٢) المنِّ والسَّلْوى.
وانهماكهم على الزِّنا -وموسى بين أظهرهم، وعدوُّهم بإزائهم- حتى ضعفوا عنهم ولم يظفروا بهم، وهذا معروف عندهم، وعبادتهم الأصنام بعد عصر يوشع بن نون معروف (٣).
وتحيُّلهم على صيد الحيتان في يوم السبت لا تَنْسَه، حتى مُسِخوا قردة خاسئين!!
وقتلهم الأنبياء بغير حق حتى قتلوا في يوم واحد سبعين نبيًّا، في أول النهار، وأقاموا السوق آخره كأنهم جزروا غنمًا. وذلك أمر معروف!!
وقتلهم يحيى بن زكريا، ونشرهم إياه بالمنشار، وإصرارهم على العظائم، واتِّفاقُهم على تغيير كثير من أحكام التوراة.
ورميهم لوطًا بأنه وَطِئ ابنتيه وأولدهما، ورميهم يوسف بأنّه حلَّ سراويله وجلس من امرأة العزيز مجلس المرأة من القابلة حتى انشقَّ له (٤) الحائط وخرجت له كَفُّ يعقوب وهو عاضٌّ على أنامله، فقام وهرب، وهذا لو رآه أفسق الناس وأفجرهم لقام ولم يَقْضِ غرَضَه.
стр. 372
وطاعتهم للخارج على ولد سليمان بن داود لما وضع لهم كبشين من ذهب فعكفت جماعتهم على عبادتهما، إلى أن جَرَتْ الحرب بينهم وبين المؤمنين الذين كانوا مع ولد سليمان، وقُتِل منهم في معركةٍ واحدة ألوفٌ مؤلَّفة.
أفلا يستحي عُبَّاد الكباش والبقر من تعيير الموحِّدين بذنوبهم؟!.
أَوَلا تستحي ذرية قَتَلَةِ الأنبياء من تعيير المجاهدين لأعداء الله؟! فأين ذريةُ مَنْ سيوفُ آبائهم تقطر (من دماء الأنبياء ممن تقطر سيوفُهم) (١) من دماء الكفار والمشركين؟!.
أوَلَا يستحي من يقول في صلاته لربِّه: انتبه كم تنام يا رب استيقظ من رقدتك، ينخيه بذلك ويحمّيه، من تعيير من يقول في صلاته: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
فلو بلغتْ ذنوبُ المسلمين عدد الحصا والرِّمال والتراب والأنفاس ما بلغتْ مبلغ قَتْلِ نبيٍّ واحد، ولا وصلتْ إلى قول إخوان القردة (٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وقولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
وقولهم: إنَّ الله بكى على الطوفان حتى رَمِدَ من البكاء، وجعلت الملائكةُ تعوده، وقولهم: إنه عضَّ أنامله على ذلك، وقولهم: إنه ندم على خَلْق البشر وشقَّ عليه لما رأى من معاصيهم وظلمهم. وأعظمُ من
стр. 373
ذلك نسبةُ هذا كلِّه إلى التوراة التي أنزلها على كَلِيْمِه. فلو بلغت ذنوبُ المسلمين ما بلغت لكانت في جنب ذلك كتفلة في بحر!!
ولا تَنْس قصة أسلافهم مع شاؤول الخارجِ على داودَ؛ فإنَّ سوادهم الأعظم انضمَّ إليه وشدُّوا معه على حرب داود، ثم لما عادوا إلى طاعة داود وجاءت وفودهم وعساكرهم مستغفرين معتذرين بحيث اختصموا في السَّبْق إليه فنبغ منهم شخص ونادى بأعلى صوته: لا نصيبَ لنا في داود ولا حظَّ في شاؤول (١)، ليَمْضِ كلٌّ منكم إلى خبائه يا إسرائيليين، فلم يكن بأوشك من أن ذهب جميع عسكر بني إسرائيل إلى أخبيتهم بسبب كلمته، ولما قتل هذا الصائح عادت العساكر جميعها إلى خدمة داود، فما كان القوم إلا مثل هَمَجٍ رَعَاع، يجمعهم طبل وتفرِّقهم عصا!!.
وهذه الأمة الغضبية، وإن كانوا مفترقين افتراقًا كثيرًا، فيجمعهم فرقتان: القرَّاؤون والربانيون. وكان لهم أسلاف فقهاء، وهم صنَّفوا (٢) لهم كتابين: أحدهما يسمى "المشنا" ومبلغ حجمه نحو ثمانمائة ورقة، والثاني يسمى "التلمود"، ومبلغه قريب من نصف حمل بغل. ولم يكن المؤلِّفون له في عصر واحد وإنما ألَّفوه في جيلٍ بعد جيل، فلما نظر متأخروهم إلى ذلك وأنه كلَّما مرَّ عليه الزمان زادوا فيه. وفي الزيادات المتأخرة ما ينقض كثيرًا من أوله، علموا أنهم إنْ لم يقفلوا باب الزيادة وإلا أدَّى إلى الخَلَل الفاحش؛ فقطعوا الزيادة وحظروها على فقهائهم (٣)
стр. 374
وحرموا من يزيد عليه شيئًا، فوقف الكتاب على ذلك المقدار (١).
وكان فقهاؤهم قد حرَّموا عليهم -في هذين الكتابين- مؤاكلةَ مَنْ كان على غير مِلَّتهم، وحظروا عليهم أكل اللحمان من ذبائح مَنْ لم يكن على دينهم، لأنهم عَلِمُوا أنَّ دينهم لا يبقى عليهم مع كونهم تحت الذل والعبودية وقَهْر الأمم لهم إلا أنْ يصدُّوهم عن مخالطة مَنْ كان على غير مِلَّتهم، وحرَّموا عليهم مناكحتهم والأكل من ذبائحهم، ولم يُمْكِنْهم ذلك إلا بحجة يبتدعونها من أنفسهم ويَكْذِبون فيها على الله.
فإن التوراة إنما حرَّمت عليهم مناكحة غيرهم من الأمم لئلا يوافقوا أزواجهم في عبادة الأصنام والكفر بالله.
وإنما حرمت عليهم أكل ذبائح الأمم التي يذبحونها قربانًا للأصنام؛ لأنه سمَّى عليها غير اسم الله، فأما ما ذُكِر عليه اسمُ الله وذُبِح لله فلم تنطق التوراةُ بتحريمه البتَّة، بل نطقت بإباحة أكلهم من أيدي غيرهم من الأمم.
وموسى إنما نهاهم عن مناكحة عُبَّاد الأصنام خاصة، وأكْلِ ما يذبحونه باسم الأصنام.
قالوا: التوراةُ حرَّمت علينا أكل الطريفا، قيل لهم: الطريفا هي الفريسة التي يفترسها الأسد أو الذئب أو غيرهما من السِّباع، كما قال في التوراة: "ولحم في الصحراء فريسة لا تأكلوا وللكلب ألقوه" (٢).
стр. 375
فلما نظر فقهاؤهم إلى أن التوراة غير ناطقة بتحريم مآكل الأمم عليهم إلا عُبَّاد الأصنام، وصرَّحت التوراة بأن تحريم مؤاكلتهم ومخالطتهم خوف استدراج المخالطة إلى المناكحة، والمناكحةُ قد تستتبع الانتقالَ من دينهم إلى أديانهم (١)، وموافَقَتَهم في عبادة الأوثان. ووجدوا جميع هذا واضحًا في التوراة = اختلقوا كتابًا سموه "هلكت شحيطا" (٢). وتفسيره: علم الذباحة، ووضعوا في هذا الكتاب من الآصار والأغلال ما شغلوهم به عمَّا هم فيه من الذل والصَّغَار والخِزْي.
فأمروهم (٣) فيه أن ينفخوا الرِّئةَ حتى يملؤوها هواء، ويتأملوها (٤) هل يخرج الهواء من ثُقْبٍ منها أم لا؟ فإن خرج منها الهواء: حرَّموه، وإن كانت بعض أطرافِ الرئة لاصقةً ببعض: لم يأكلوه.
وأمروا الذي يتفقد الذبيحة أن يُدْخِل يده في بطن الذبيحة ويتأمل بأصابعه؛ فإن وَجَد القلبَ ملتصقًا إلى الظهر، أو أحد الجانبين -ولو كان الالتصاق بعرق دقيق كالشعرة-: حرَّموه ولم يأكلوه وسموه "طُرَيْفا".
ومعنى هذه اللفظة عندهم أنه نجس حرام. وهذه التسمية عدوان منهم؛ فإنَّ معناها في لغتهم هي الفريسة التي يفترسها السَّبُع، ليس لها معنى في لغتهم سواه، وكذلك (٥) عندهم في التوراة أنَّ إخوة يوسف لما جاؤوا بقميصه ملطَّخًا بالدم قال يعقوب في جملة كلام: "طاروف
стр. 376
طوراف (١) يوسيف" تفسيره: وحش ردي أكله، افتراسًا افترس يوسف (٢).
وفي التوراة: "ولحم في الصحراء فريسة لا تأكلوا" (٣) فهذا الذي حرمته التوراة من الطريفا، وهذا نزل عليهم وهم في التِّيْه، وقد اشتدَّ قَرَمُهُم (٤) إلى اللَّحم فمنعوا من أكل الفريسة والميتة.
ثم اختلفوا في خرافات وهذيانات تتعلق بالرئة، وقالوا: ما كان من الذبائح سليمًا من هذه الشروط فهو "دخيا" (٥)، وتفسيره: طاهر، وما كان خارجًا عن ذلك فهو: "طريفا"، وتفسيره: نجس حرام.
ثم قالوا: معنى قوله في التوراة: "لحم فريسة في الصحراء لا تأكلوه، للكلب ألقوه" يعني: إذا ذبحتم ذبيحةً، ولم توجد فيها هذه الشروط فلا تأكلوها، بل بيعوها على مَنْ ليس من أهل مِلَّتكم. قالوا: ومعنى قوله: "للكلب ألقوه" أي: لمن ليس على مِلَّتكم فهو الكلب، فأطعِمُوه إيَّاه بالثمن (٦).
فتأمَّل هذا التحريفَ والكذبَ على الله وعلى التوراة وعلى موسى، وكذلك (٧) كذبهم الله على لسان رسوله في تحريم ذلك فقال في السورة
стр. 377
المدنية التي خاطب فيها أهل الكتاب: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٤ - ١١٥].
وقال في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥ - ١٤٦]. فهذا تحريم زائد على تحريم الأربعة المتقدمة.
وقال في سورة النحل وهي بعد هذه السورة نزولًا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النحل: ١١٨]. فهذا المحرَّم عليهم بنصِّ التوراة ونصِّ القرآن.
فلما نظر "القرَّاؤون" منهم -وهم أصحاب عنان (١) وبنيامين- إلى هذه المُحَالات الشنيعة والافتراء الفاحش والكذب البارد على الله وعلى التوراة وعلى موسى وأنَّ أصحاب "التلمود والمشنا" (٢) كذَّابون على الله وعلى التوراة وعلى موسى، وأنهم أصحاب حَماقَاتٍ ورَقَاعاتٍ، وأنَّ أتباعهم ومشايخهم يَزْعُمون أنَّ الفقهاء منهم كانوا إذا اختلفوا في مسألة من هذه المسائل وغيرها يوحي الله إليهم بصوت يسمعونه: "الحق في
стр. 378
هذه المسألة مع الفقيه فلان" ويسمون هذا الصوت (١): "بث قول".
فلما نظر القَرَّاؤون إلى هذا الكذب المحال قالوا: قد فسق هؤلاء، ولا يجوز قَبُول (٢) خبرِ فاسقٍ ولا فتواه، فخَالَفُوهم في سائر ما أصَّلوه من الأمور التي لم ينطق بها نصُّ التوراة. وأما تلك التُّرَّهَات التي ألَّفها فقهاؤهمِ الذين يسمونهم "الحخاميمِ" في علم الذباحة ورتَّبوها ونسبوها إلى الله فاطَّرَحَها القراؤون كلَّها وألغوْها، وصاروا لا يحرِّمون شيئًا من الذبائح التي يتولَّون ذبحها البتَّة، ولهم فقهاء أصحاب تصانيف إلا أنهم يبالغون في الكذب على الله، وهم أصحاب ظواهر مجردة، والأولون أصحاب استنباط وقياسات.
والفرقة الثانية يقال لهم: "الربَّانِيُّون" وهم أكثر عددًا، وفيهم الحخاميم (٣) الكذابون على الله الذين زعموا أنَّ الله كان يخاطب جميعهم في كل مسألة بالصوت الذي يسمونه: "بث قول".
وهذه الطائفة أشدُّ اليهود عداوة لغيرهم من الأُمم، فإن الحخاميم أوْهَمُوهم بأنَّ الذبائح لا يحلُّ منها إلا ما كان على الشروط التي ذكروها، فإنَّ سائر الأمم لا تعرف هذا، وأنه شيء خُصُّوا به ومُيِّزوا بهم عمَّن سواهم. وأنَّ الله شرَّفهم به كرامةً لهم، فصار الواحد منهم ينظر إلى مَنْ ليس على نِحْلَتِه كما ينظر إلى الدَّابّة، وينظر إلى ذبائحه كما ينظر إلى الميتة.
стр. 379
وأما "القرّاؤون" فأكثرهم خرجوا إلى دين الإسلام، ونَفَعَهم تمسُّكُهم بالظواهر، وعدمُ تحريفها إلى أن لم يَبْق منهم إلا القليل؛ لأنهم أقرب استعدادًا لقبول الإسلام لأمرين:
(أحدهما) إساءةُ ظنِّهم بالفقهاء المفترين على الله وطعنهم عليهم.
(والثاني) تمسكهم بالظواهر، وعَدَمُ تحريفِها وإبطالِ معانيها.
وأما أولئك "الربَّانِيّون" فإنَّ فقهاءهم وحخاميمهم (١) حصروهم في مثل سَمِّ الخِيَاط بما وضعوا لهم من (التشديدات والآصار و) (٢) الأغلال المضافة إلى الآصار والأغلال التي شرعها الله عقوبةً لهم، وكان لهم في ذلك مقاصد:
(منها): أنهم قصدوا بذلك مبالغتهم في (٣) مضادَّة مذاهب الأمم حتى لا يختلطوا بهم، فيؤدي اختلاطُهم بهم إلى موافقتِهِم والخروجِ من السبت واليهودية.
(والقصد الثاني): أنَ اليهود مُبَدَّدُون (٤) في شرق الأرض وغربها وجنوبها وشمالها كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨].
وما من جماعة منهم في بلدة إلا إذا قَدِمَ عليهم رجلٌ من أهل دينهم
стр. 380
من بلاد بعيدة، يُظْهِرُ (١) لهم الخشونةَ في دينه والمبالغةَ في الاحتياط، فإن كان من فقهائهم شرع في إنكار أشياء عليهم يوهِمُهم قلَّةَ دينِهِم وعِلْمِهم، وكلَّما شدَّد عليهم قالوا: هذا هو العالم. فأعلمُهم أعظمُهم تشديدًا عليهم، فتراه أول ما ينزل عليهم لا يأكل (٢) من أطعمتهم وذبائحهم، ويتأمل سكين الذبَّاح، ويشرع في الإنكار عليه ببعض أمره، ويقول: لا آكل إلا من ذبيحة يدي، فتراهم معه في عذاب، ويقولون: هذا عالِمٌ غريب قَدِم علينا. فلا يزال ينكرُ عليهم الحلال ويشدِّدُ عليهم الآصار والأغلال ويفتحُ لهم أبواب المكر والاحتيال. وكلما فعل هذا قالوا: هذا هو العالم الربَّاني والحخيم الفاضل.
فإذا رآه رئيسهم قد مشى حاله، وقُبِل بينهم مقالُه وَزَنَ نفسه معه، فإذا رأى أنه ازدرى به وطعن عليه: لم يقبل منه، فإنَّ الناس في الغالب يميلون مع الغريب، وينسبه أصحابه إلى الجهل وقلة الدين، ولا يصدقونه لأنهم يرون القادم قد شدَّد عليهم وضيَّق، وكلَّما كان الرجل أعظم تضييقًا وتشديدًا كان أفْقَه (٣) عندهم، فينصرف عن هذا الرأي فيأخذ في مدحه وشكره، فيقول: لقد عظَّم الله ثواب فلان؛ إذْ قوَّى ناموس الدين في قلوب هذه الجماعة وشيَّد أساسه وأحكم سياج الشرع. فيبلغ القادِمَ قولُه فيقول: ما عندكم أفقه منه، ولا أعلم بالتوراة، وإذا لقيه يقول: لقد زيَّن الله بك أهل بلدنا، ونعش بك هذه الطائفة!!
وإن كان القادم عليهم حَبْرًا من أحبارهم؛ فهناك ترى العجب
стр. 381
العجيب من الناموس الذي تراه يعتمده والسنن التي يُحْدِثها، ولا يعترض عليه أحد، بل تراهم مُسَلِّمين له، وهو يحتلب درَّهم ويحتلب دِرْهمَهم (١)، وإذا بلغه عن يهوديٍّ طعن عليه صبر عليه حتى يرى منه جلوسًا على قارعة الطريق يوم السبت، أو يَبلُغَه أنه اشترى مِن مسلم لبنًا أو خمرًا، أو خرج عن بعض أحكام "المشنا والتلمود" = فحرمه بين ملأ اليهود وأباحهم عِرْضه، ونَسَبه إلى الخروج عن اليهودية، فيضيقُ به البلد على هذه الحال، فلا يسعه إلا أن يُصْلِح ما بينه وبين الحَبْر بما يقتضيه الحال، فيقول لليهود: إن فلانًا قد أبصر رُشْدَه، وراجع الحقَّ، وأقلع عمَّا كان فيه، وهو اليوم يهوديٌّ على الوضع، فيعودون له بالتعظيم والإكرام (٢)!!.
وأذكر لك مسألة من مسائل شَرْعِهم المبدَّلِ أو المنسوخِ تُعْرَفُ بمسألة "البياما والحالوس" (٣) وهي أن عندهم في التوراة: إذا أقام أخَوان في موضع واحدٍ ومات أحدهما ولم يُعْقِب ولدًا، فلا تصير امرأة الميت إلى رجل أجنبيٍّ، بل حموها (٤) ينكحها، وأولُ ولدٍ يُولِدها يُنْسَب إلى أخيه الدارج، فإن أبى أن ينكحها خرجت متشكية إلى مشيخة قومه قائلة: قد أبى حَمُوْي (٥) أن يستبقي اسمًا لأخيه في بني إسرائيل، ولم يُرِدْ نكاحي. فيُحْضِرُه ويكلِّفه أن يقف ويقول: ما أردتُ نكاحها، فتتناول
стр. 382
المرأة نعله فتخرجه من رِجْله وتمسكه بيدها وتبصق في وجهه وتنادي عليه: كذا فَلْيُصْنَع بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه. ويُدْعَى فيما بعد بالمخلوع النعل، وينتبز بَنُوه بهذا اللقب (١).
وفي هذا كالتَّلْجِئَةِ له إلى نكاحها، لأنه إذا علم أنه قد فرض على المرأة وعليه ذلك فربما استَحْيَا وخَجل من شَيْل نعله مِنْ رجْله والبصْق في وجهه ونَبْزِه باللَّقَب المُسْتَكْرَهِ الذي يبقى عليه وعلى أَولاده عَارُه، ولم يجد بُدًّا من نكاحها؛ فإن كان من الزهد فيها والكراهة لها بحيث يرى أنَّ هذا كلَّه أسْهَلُ عليه من أن يُبْتَلى بها، وهان عليه هذا كله في التخلُّص منها: لم يُكْرَه على نكاحها.
هذا عندهم في التوراة؛ ونشأ لهم من ذلك فرع مرتَّبٌ عليه وهو: أنْ يكون مريدًا للمرأة (٢) مُحِبًّا لها، وهي في غاية الكراهة له، فأحدثوا لهذا الفرع حكمًا في غاية الظلم والفضيحة؛ فإذا جاءت إلى الحاكم أحضروه معها ولقَّنُوها أن تقول: إنّ حَمُوْي (٣) لا يقيم لأخيه اسمًا في بني إسرائيل، ولم يُرِدْ نكاحي، وهو عاشق لها -فيلزمونها بالكذب عليه وأنها أرادته فامتنع، فإذا قالت ذلك ألزمه الحاكم أن يقوم ويقول: ما أردتُ نكاحها. ونكاحُها غايةُ سُؤْله وأمنيتُه، فيأمرونه بالكذب عليها- فيخرج نعله من رجله إلا أنه لا مَسْك (٤) هنا (ولا ضرب) (٥)، بل يُبْصَق
стр. 383
في وجهه ويُنَادى عليه: هذا جزاء من لا يبني بيت أخيه (١).
فلم يَكْفِهم أن كذبوا عليه حتى أقاموه مقام الخزي وألزموه بالكذب والبصاق في وجهه والعتاب على ذَنْبٍ جرَّه غيره، كما قيل:
وَجُرْمٍ جَرَّهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍ … وحَلَّ بِغَيْرِ جَارِمِهِ العَذَابُ (٢)
أفَلَا يستحي من تعيير المسلمين مَنْ هذا شَرْعُه ودِيْنُه؟!.
فصل
ولا يستبعد اصطلاح الأمة الغضبيَّة على المُحَال واتِّفاقُهم على أنواع من الكفر والضلال، فإنَّ الدولة إذا انقرضت عن أمة باستيلاء غيرها عليها، وأَخْذِ بلادها: انطمستْ حقائقُ سالفِ أخبارِها، ودَرَسَتْ معالِمُ دينها وآثارها، وتعذَّر الوقوف على الصواب الذي كان عليه أوَّلُوها وأسْلَافُها، لأنَّ زوال الدولة عن الأمة إنما يكون بتتابعِ (٣) الغارات، وخراب البلاد وإحراقِها وجلاءِ أهلها عنها، فلا تزال هذه البلايا متتابعةً عليها إلى أن تستحيلَ رسومُ دياناتها، وتضمحلَّ أصولُ شرعها، وتتلاشى قواعدُ دِيْنها. وكلَّما كانت الأمة أقْدَمَ واختلفتْ عليها الدول المُتَناوِلَةُ لها بالإذلال والصَّغَار كان حظُّها من اندراس دينها أَوْفَرَ. وهذه
стр. 384
الأمة الغضبيَّة أوْفَرُ الأمم حظًّا من ذلك؛ فإنها أقدم (١) الأمم عهدًا، واستولتْ عليها سائِرُ الأمم من الكندانيين والكَلْدانِيِّيْن والبَابِليِّين والفُرْس واليُونَان والنَّصارى.
وما من هذه الأمم أمةٌ إلا وقصدتِ استئصالهم وإحْراقَ كتبهم وتَخْريبَ بلادهم، حتى لم يَبْقَ لهم مدينةٌ ولا جيش ولا حِصْنٌ إلا بأرض الحِجَاز وخَيْبَر، فأعزَّ ما كانوا هناك.
فلما قام الإسلام واستعلن الربُّ تعالى من جبال فاران صادَفَهم تحت ذِمَّة الفُرْس والنَّصارى، وصادف هذه الشرذمةَ بخَيْبَرَ والمدينةِ فأذاقهم الله بالمسلمين -من القتل والسبي وتخريب الديار- ذَنُوبًا مثل ذَنُوبِ أصحابهم، وكانوا من سِبْطٍ لم يصبهم الجلاءُ، فكتبَ الله عليهم الجلَاءَ وشَتَّتهم ومزَّقَهم بالإسلام كلَّ مُمَزَّقِ.
ومع هذا فلم يكونوا مع أمةٍ من الأمم أطْيَبَ منهم مع المسلمين ولا آمَنَ؛ فإنَّ الذي نالهم من النَّصارى والفُرْس وعُبَّاد الأصنام: لم يَنَلْهُم من المسلمين مثلُه. وكذلك الذي نالهم مع ملوكهم العُصَاة الذين قتلوا الأنبياء وبَالَغُوا في طلبهم وعبدوا الأصنام، وأحضروا من البلاد سَدَنَةً للأصنام لتعظيمها وتعظيم رُسُومها في العبادة، وبنوا لها البيَعَ والهياكل وعَكَفُوا على عبادتها وتركوا لها أحكام التوراة وشَرْع موسىَ أزمنةً طويلة وأعصارًا متصلة.
فإذا كان هذا شأنهم مع ملوكهم، فما الظنُّ بشأنهم مع أعدائهم، أشد الأعداء عليهم، كالنصارى الذين عندهم أنَّهم قتلوا المسيح وصلبوه
стр. 385
وصَفَعُوه وبصقوا في وجهه ووضعوا الشَّوْك على رأسه، وكالفُرْس والكَلْدَانِيِّين وغيرهم؟!
وكثيرًا ما منعهم ملوك الفرس من الخِتَان وجعلوهم قُلْفًا، وكثيرًا ما منعوهم من الصلاة؛ لمعرفتهم بأنَّ مُعْظَم صلاتهم دعاءٌ على الأمم بالبَوَار وعلى بلادهم بالخراب إلا أرض كنعان، فلما رأوا أنَّ صلاتهم هكذا منعوهم من الصلاة، فرأت اليهود أنَّ الفُرْس قد جَدُّوا في منعهم من الصلاة، فاخترعوا أدعيةً مزجوا بها (١) صلاتَهم سَمَّوها "الخزانة"، وصاغوا لها ألحانًا عديدةً وصاروا يجتمعون على تلحينها وتلاوتها.
والفرق بين الخزانة والصلاة: أنَّ الصلاة بغير لَحْنٍ، ويكون المصلِّي فيها وَحْدَه، والخزانة بلَحْنٍ يشاركه غيره فيه، فكانت الفُرْس إذا أنكروا ذلك عليهم قالت اليهود: نحن نُغَنِّي وننوح على أنفسنا، فيُخَلُّون بينهم وبين ذلك.
وجاءت دولة الإسلام فأَمِنُوا فيها غاية الأَمْن، وتمكَّنوا من صلاتهم في كنائسهم، واستمرَّت الخزانة سُنَّةً فيهم في الأعياد والمواسم والأفراح وتعوَّضوا بها عن الصلاة.
والعجب أنهم -مع ذَهابِ دولتِهم وتفرُّق شَمْلهم، وعلمهم بالغضب الممدود المستمرِّ عليَهم ومَسْخِ أسلافهم قردةً لِقَتْلِهم (٢) الأنبياء، وعدوانهم في السبت، وخروجهم عن شريعة موسى والتوراة، وتعطيلهم لأحكامها -يقولون في كل يومٍ في صلاتهم: "محبةِ الدهر":
стр. 386
أحِبَّنا يا إلهنا! يا أبانا! أنت أبونا منقذنا! ويُمثّلون أنفسهم بعناقيد العنب، وسَائرَ الأمم بالشَّوْك المحيط بالكَرْم لحِفْظِه، وأنَّهم سيقيم اللهُ لهم نبيًّا من آل داود إذا حرَّك شفتيه بالدعاء ماتَ جميعُ الأمم، ولا يبقى على وجه الأرض إلا اليهود (١). وهو بزعمهم المسيح الذي وُعِدُوا به، وينبِّهون الله بزعمهم من رقدته في صلاتهم، وينخونه ويحمونه، تعالى الله عن إفكهم وضلالهم علوًّا كبيرًا!!
وضلالُ هذه الأمة الغضبيَّة وكَذِبُها وافتراؤها على الله ودينه وأنبيائه لا مَزِيدَ عليه.
وأما أكلُهم الرِّبا والسُّحْت والرّشَا، واستبدادُهم دون العالم بالخُبْث (٢) والمكر والبَهْت، وشدَّةِ الحرص على الدنيا، وقسوة القلوب، والذل والصَّغار، والخِزي، والتحيُّل على الأغراض الفاسدة، ورمي البرآء بالعيوب، والطعن على الأنبياء: فأرْخَصُ شيءٍ عندَهم، وما عيَّرُوا به المسلمين -مما ذكروه ومما لمِ يذكروه- فهو في بعضهم وليس في جميعهم، ونبيُّهم وكتابُه ودينُه وشرْعُه بريءٌ منه، وما عليه من
معاصي أمته وذنوبهم، فإلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم.
فصل
وإن كان المعَيِّرُ للمسلمين من أمة الضلال وعُبَّاد الصليب والصُّوَر المدهونة في الحيطان والسقوف، فيقال له (٣):
стр. 387
ألا يستحي مَنْ أصْلُ دينه الذي يدين به: اعتقادُه أنَّ رب السموِات والأرض ﵎ نزل عن كرسيِّ عظمته وعرشه، ودخل في فرْجِ امرأة تأكل وتشرب وتبول وتتغوَّط وتحيض، فَالْتَحَمَ ببطنها، وأقام هناكَ تسعةَ أشهر يتلبَّط بين نَجْوٍ (١) وبَوْلٍ ودمِ طمثٍ، ثم خرج إلى القِمَاط والسَّرير، كلَّما بكى ألقَمَتْه أمُّه ثَدْيَها، ثم انتقل إلى المكتب بين الصبيان، ثم آلَ أمرُه إلى لَطْمِ اليهود خَدَّيْه، وصَفْعِهِم قَفَاه، وبَصْقِهم في وجهه، ووضْعِهِم تاجًا من الشوك على رأسه والقصبةَ في يده، استخفافًا به وانتهاكًا لحرمته؟!
ثم قربوه من مركبٍ خُصَّ بالبلاء راكبُه، فشدُّوه عليه وربطوه بالحبال، وسَمَروا يديه ورجليه، وهو يصيح ويبكي ويستغيث من حَرِّ الحديد وألم الصَّلْب، هذا وهو الذي خلق السموات والأرض، وقسم الأرزاق والآجال، ولكن اقتضتْ حكمتُه ورحمتُه أن يمكِّن أعداءه من نفسه لينالوا منه ما نالوا فيستحقوا بذلك العذابَ والسَّجْنَ في الجحيم (٢)، ويَفْدِي أنبياءه ورسله وأولياءه بنفسه (٣) فيخرجهم من سجن إبليس، فإنَّ روح آدم وإبراهيم ونوح وسائر النبيين عندهم كانت في سجن إبليس في النار حتى خلصها من سجنه بتمكينه أعداءه من صلبه!!!.
ما قولهم في "مريم"؛ فإنهم يقولون: إنها أمُّ المسيح ابن الله في
стр. 388
الحقيقة، ووالدتُه في الحقيقة، لا أمَّ لابنِ الله إلا هي، ولا والدة له غيرها، ولا أب لابنها إلا الله، ولا ولد له سواه، وإن الله اختارها لنفسه ولولادة (١) ولده وابنه من بين سائر النساء، ولو كانت كسائر النساء لما ولدت إلا عن وطء الرجال لها، ولكن اختصَّتْ عن النساء بأنها حبلت بابن الله، وولدت ابنه الذي لا ابن له في الحقيقة غيره، ولا والد له سواه، وأنها على العرش جالسة عن يسار الربِّ ﵎ والدِ ابْنِهَا، وابْنُها عن يمينه.
والنَّصارى يَدْعُونَها ويسألونَها سَعَةَ الرِّزق، وصحةَ البدن، وطولَ العُمُر، ومغفرةَ الذنوب، وأن تكون لهم عند ابِنها ووالدِه -الذي يعتقد عامتهم أنه زوجها، ولا ينكرون ذلك عليهم- سورًا وسَنَدًا وذُخْرًا وشفيعًا وركنًا، ويقولون في دعائهم: يا والدة الإله اشفعي لنا! وهم يعظِّمونها ويرفعونها على الملائكة وعلى جميع النبيِّيْن والمرسلين. ويسألونها ما يُسْأل الإله من العافية والرزق والمغفرة!!
حتى إن "اليَعْقُوبِيَّة" (٢) يقولون في مناجاتهم لها: يا مريم يا والدة الإله، كوني لنا سورًا وسندًا وذخرًا وركنًا!!
"والنَّسْطُوريَّة" (٣) يقولون: يا والدة المسيح كوني لنا كذلك! ويقولون لليعقوبيَّة: لا تقولوا يا والدة الإله، وقولوا: يا والدة المسيح،
стр. 389
فقالت لهم اليعقوبية: المسيح عندنا وعندكم إلهٌ في الحقيقة، فأيُّ فَرْقٍ بيننا وبينكم في ذلك؟ ولكنكم أردتم مصالحة المسلمين ومقاربتهم (١) في التوحيد.
هذا؛ والأوقاح الأرجاس من هذه الأمة تعتقد أنَّ الله -سبحانه- اختار مريم لنفسه ولولده، وتخطَّاها كما يتخطَّى الرجلُ المرأة.
قال النَّظَّامُ (٢) -بعد أن حكى ذلك عنهم (٣) -: وهم يُفْصِحون بهذا عند من يثقون به.
وقد قال ابن الإخشيد (٤) هذا عنهم في "المعونة"، وقال: إليه يشيرون، ألا ترون أنهم يقولون: مَنْ لم يكِن والدًا يكون عقيمًا، والعُقْم آفَةٌ وعَيْبٌ. وهذا قول جميعهم وإلى المُبَاضعَةِ يشيرون.
ومَنْ خَالَطَ القوم وطاولهم وبَاطَنَهم عرف ذلك منهم، فهذا كفرهم وشركهم بربِّ العالمين ومَسَبَّتُهم له.
ولهذا قال فيهم (٥) أحد الخلفاء الراشدين: أهِيْنُوهم ولا تَظْلِموهم، فلقد سبُّوا الله مسبَّةً ما سبَّه إياها أحدٌ من البشر (٦).
стр. 390
وقد أخبر النبيُّ ﷺ عن ربِّه في الحديث الصحيح أنه قال: "شَتَمَنِي ابنُ آدمَ ولم يَكُنْ له ذلك، وكذَّبنَي ابنُ آدمَ ولم يكُنْ له ذلك، أمَّا شَتْمُه إيَّايَ فقوْلُه: اتَّخذَ اللهُ وَلَدًا، وأنا الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لم يُوْلَدْ ولمِ يَكُنْ له كُفُوًا أحدٌ، وأمَّا تَكْذِيْبُه إيَّايَ فقولُه: لن يُعِيْدَنِي كما بَدَأنِي، ولَيْسَ أوَّلُ الخَلْقِ بأَهْوَنَ عليَّ من إعَادَتِهِ" (١).
فلو أتى الموحِّدون بكل ذنب، وفَعَلُوا كلَّ قبيحٍ وارتكَبُوا كلَّ معصيةٍ ما بلغتْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ في جَنْبِ هذا الكُفْرِ العظيمِ بربِّ العَالمِيْنَ، ومَسَبَّتِهِ هذا السّبَّ، وقَوْلِ العَظَائِم فيه.
فما ظنُّ هذه الطائفة بربِّ العالمِيْنَ أن يفعلَه بهم إذا لَقُوه ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
ويسألُ المسيحَ على رؤوس الأشْهَادِ وهم يسمعون: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فيقول المسيح مكذِّبًا لهم ومتبرئًا منهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧].
فصل
فهذا أَصْلُ ديِنهِم وأساسُهُ الذي قام عليه، وأما فُروعُه وشرائعه فهم مخالفونَ للمسيح في جميعها، وأكثر ذلك بشهادتهم وإقرارهم، ولكن