← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 5705

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (517 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ويقول: إنه نبي. ولا دليل على هاتين المقدمتين، ويجب التَّثَبُّت في ذلك نفيًا وإثباتًا، فإن كان هذا نبيًّا واسمه عُزَير: فقد وافق صاحبَ التوراةِ في الاسم. وبالجملة: فنحن، وكلُّ عاقلٍ، نقطع ببراءة التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى من هذه الأكاذيب والمستحيلات والتُّرَّهَات، كما نقطع ببراءة صلاة موسى وبني إسرائيل معه من هذا الذي يقولونه في صلاتهم اليوم (١)، (فإنهم في العشر الأول من المحرَّم في كلِّ سنةٍ يقولون في صلاتهم) (٢) ما ترجمته: "يا أبانا املك على جميع أهل الأرض؛ ليقول كل ذي نسمة؛ الله إله إسرائيل قد ملك، ومملكته في الكل متسلطة" (٣). ويقولون فيها أيضا: وسيكون لله الملك، وفي ذلك اليوم يكون الله واحدًا، واسمه واحد (٤). ويعنون بذلك أنه لا يظهر كون الملك له وكونه واحدًا إلا إذا صارت الدولة لهم، فأما مادامت الدولة لغيرهم فإنه تعالى خامل الذكر عند الأمم، مشكوك في وحدانيته، مطعون في ملكه. ومعلوم قطعًا: أنَّ موسى وربَّ موسى بريءٌ من هذه الصلاة بَرَاءتَهُ

стр. 317

من تلك التُّرَّهات (١). وجَحْدُهُم نبوةَ محمدٍ من الكتب التي بأيديهم نَظِيْرُ جَحْدِهم نبوة المسيح، وقد صرَّحت باسمه. ففي نصِّ التوراة: "لا يزول الملك من (آل يهوذا) (٢) والرَّاسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح" (٣). وكانوا أصحاب دولة حتى ظهر المسيح فكذَّبوه ورَمَوْه (٤) بالعظائم وبَهَتُوه وبهتوا أمَّه فدمَّر الله عليهم وأزال مُلْكَهم. وكذلك قوله: "جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن (٥) من جبال فاران" (٦). فأيُّ نبوةٍ أشرقت من ساعير غير نبوة المسيح. وهم لا ينكرون ذلك، ويزعمون أنَّ قائمًا يقوم فيهم من ولد داود النبيِّ؛ إذا حرَّك شفتيه بالدعاء ماتَ جميعُ الأُمم ولا يبقى إلا اليهود. وهذا المنتظر (٧) -بزعمهم- هو المسيح الذي وُعِدُوا به. قالوا: ومن علامة مجيئه أنَّ الذِّئْبَ والتَيْسَ يربضان معًا، وأنَّ البقرة والذئب يرعيان معًا (٨)، وأنَّ الأسد يأكل التِّبْنَ كالبقر. فلما بعث الله

стр. 318

المسيحَ كفرُوا به عند مبعثه، وأقاموا ينتظرون متى يأكل الأسدُ التِّبْنَ حتى تصحَّ لهم علامةُ مبعثِ المسيح. ويعتقدون أنَّ هذا المنتظر متى جاءهم يجمعهم بأسرهم إلى القدس، وتصير لهم الدولة، ويخلو العالَم من غيرهم، ويحجم الموتُ عن جنابهم المنيع مدةً طويلة. وقد عوضوا من الإيمان بالمسيح ابن مريم بانتظار مسيح الضلالة الدجَّال، فإنه هو الذي ينتظرونه حقًا، وهم عَسْكَرُهُ وأتْبَعُ الناس له، ويكون لهم في زمانه شوكةٌ ودولة إلى أن ينزل مسيح الهدى ابنُ مريمَ، فيقتل مُنْتَظَرَهُم، ويضع -هو وأصحابه- فيهم السيوفَ حتى يختبئ اليهوديُّ وراء الحجر والشجر، فيقولان: يا مسلم هذا يهوديٌّ ورائي تَعَالَ فَاقْتُلْه (١). فإذا نظف الأرض منهم ومن عُبَّاد الصليب فحينئذ يرعى الذئب والكبش معًا، ويربضان (٢) معًا، وترعى البقرة والذئب معًا، ويأكل الأسد التِّبْن، ويلقى الأمْنُ في الأرض (٣).

стр. 319

هكذا أخبر به إشَعْيًا في نبوته وطابق (١) خَبَرُه ما أخبرَ به النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح في خروجِ الدجَّال وقَتْلِ المسيح ابن مريم له، وخروج يأجوج ومأجوج في أثره ومحقهم من الأرض، وإرسالِ البركة والأَمْن في الأرض حتى ترعى الشاة والذئب، وحتى إنَّ الحيَّاتِ والسِّبَاعَ لا تَضُرُّ الناس (٢). فصلوات الله وسلامه على مَنْ جاء بالهدى والنُّورِ وتَفْصيْلِ كل شيء وبيانِهِ. فأهلُ الكتاب عندهم عن أنبيائهم حقٌّ كثير، لا يعرفونه ولا يحسنون أن يضعوه مواضعه. ولقد أكمل الله سبحانه بمحمدٍ -صلوات الله وسلامه عليه- ما أنزله على الأنبياء ﵈ من الحقِّ وبيَّنه وأَظْهَرَه لأمته، وفَصَّل على لسانه ما أجمله لهم، وشرح ما رَمَزُوا إليه، فجاء بالحقِّ وصدَّق المرسلين، وتمت به نعمة الله على عباده المؤمنين. فالمسلمون واليهود والنصارى تنتظر مسيحًا يجيء في آخر الزمان، فمسيح اليهود هو الدجال، ومسيح النصارى لا حقيقة له، فإنه عندهم إله وابن إله وخالق ومميت ومحيي، فمسيحهم الذي ينتظرونه: هو المصلوبُ المسمَّرُ (٣) المكلَّل بالشوك بين اللصوص (٤)، المصفوعُ الذي

стр. 320

هو مصفعة (١) اليهود، وهو عندهم ربُّ العالمين وخالق السماوات والأرضين. ومسيحُ المسلمينَ الذي ينتظرونه: هو عبد الله ورسولُه ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول، عيسى ابنُ مريم، أخو عبدِ الله ورسولِه محمدِ بن عبد الله، فيظهر دين الله وتوحيده، ويقتل أعداءَه عبَّاد الصليب الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، وأعداءَه (٢) اليهودَ الذين رموه وأُمَّه بالعظائم. فهذا هو الذي ينتظره المسلمون، وهو نازل على المنارة الشرقيَّة بدمشق، واضعًا يديه على منكبي مَلَكَيْن، يراه الناس عِيَانًا بأبصارهم نازلًا من السماء، فيحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وينفذ ما أضاعه الظَّلَمَةُ والفجرة والخَوَنَةُ من دين رسول الله ﷺ ، ويحيي ما أماتوه. وتَعُود الملل كلُّها في زمانه ملةً واحدةً، وهي مِلَّتُه ومِلَّة أخيه محمد ومِلَّة أبيهما إبراهيم ومِلَّة سائر الأنبياء، وهي الإسلام الذي من يبتغي غيره دينًا فلن يُقْبَلَ منه وهو في الآخرة من الخاسرين. وقد حَمَّل رسولُ الله ﷺ مَنْ أدركه من أمته السَّلامَ، وأمره أن يقرئه إيَّاه منه، فأخبر عن موضع نزوله بأيِّ بلدٍ وبأي مكانٍ منه، وبحالِهِ وقتَ نزوله، ومَلْبَسِه الذي كان عليه، وأنه ممصَّرتان. أي: ثوبان. وأخبر بما يفعل عند نزوله مفصَّلًا حتى كأنَّ المسلمين يشاهدونه عيانًا قبل أن يروه (٣).

стр. 321

وهذا من جملة الغيوب التي أخبر بها، فوقعت مطابقةً لخبره (١) حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة، فهذا مُنْتَظَر المسلمين لا منتظر المغضوب عليهم ولا الضالين، ولا منتظر إخوانهم من الرَّوافِضِ المارقين. وسوف يعلم المغضوب عليهم إذا جاء منتظر المسلمين: أنَّه ليس بابن يوسف النجَّار، ولا هو ولد زِنْيَة (٢)، (ولا كان) (٣) طبيبًا حاذقًا ماهرًا في صناعته استولى على العقول بصناعته، ولا كان ساحرًا ممخرقًا، ولا مُكِّنوا من صَلْبِه وتسميره وصَفْعِهِ وقَتْلِه؛ بل كانوا أَهْونَ على الله من ذلك. ويعلم الضالون أنَّه ابن البشر، وأنَّه عبد الله ورسوله، ليس بإلهٍ ولا ابن إله، وأنه بَشَّر بنبوَّة محمدٍ أخيه أولًا وحكم بشريعته ودينه آخرًا، وأنه عدو المغضوب عليهم والضالين، ووليُّ رسولِ الله وأتباعه المؤمنين، وما كان أولياؤه (٤) الأرجاسَ الأنجاسَ عَبَدَةَ الصُّلْبان والصُّوَر المدهونة في الحيطان، إنْ أولياؤه إلا الموحِّدون عُبَّاد الرحمن، أهل الإسلام والإيمان، الذين نزَّهوه وأمَّه عمَّا رماهما به أعداؤهما (اليهود، ونزَّهوا ربَّه وخالِقَه ومالِكَه وسيِّده عمَّا رماه به أهل) (٥) الشرك والسّبِّ للواحد المعبود. فَلْنرجِعْ إلى الجواب على طريق من يقول: إنهم غيَّرُوا ألفاظ الكتب

стр. 322

وزادوا ونقصوا. كما أجبنا على طريق من يقول: إنما غيروا معانِيَهَا وتأولوها على غير تأويلها. قال هؤلاء: نحن لا ندَّعي ولا طائفة من المسلمين أنَّ ألفاظ (١) كلِّ نسخةٍ في العالم غُيِّرَتْ وبُدِّلَتْ؛ بل من المسلمين من يقول: إنه غُيِّر بعضُ ألفاظها قبل مبعث رسول الله ﷺ ، وغُيِّرتْ بعضُ النُّسَخ بعد مبعثه، ولا يقولون: إنه غُيِّرت كلُّ نسخةٍ في العالم بعد المبعث؛ بل غُيِّر البعضُ، وظهر عند كثيرٍ من الناس تلك النُّسَخُ المغيَّرَة (٢) المبدَّلة دون التي لم تُبَدَّلْ، والنُّسَخُ التي لم تُبَدَّلْ موجودةٌ في العالَم. ومعلومٌ أنَّ هذا مما لا يمكن نَفْيُه والجزم بعدم وقوعه؛ فإنه لا يمكن أحدًا أن يعلم أنَّ كلَّ نسخةٍ في العالم على لفظ واحد بسائر الألسنة، ومَنِ الذي أحاط بذلك علمًا وعقلًا؟! أهل الكتاب يعلمون أنَّ أحدًا لا يمكنه ذلك. وأما من قال من المسلمين: إن التغيير وقع في أول الأمر، فإنهم قالوا: إنه وقع أولًا من عازر الورَّاق، في "التوراة" في بعض الأمور؛ إما عمدًا وإما خطأ، فإنه لم يقم دليل على عصمته، ولا أنَّ تلك الفصول التي جمعها من التوراة بعد احتراقها هي عين التوراة التي أُنزلت على موسى، وقد ذكرنا أنَّ فيها ما لا يجوز نسبته إلى الله، وأنه أنزله على رسوله وكليمه، وتَرَكْنَا كثيرًا لم نذكره. وأما الإنجيل: فهو أربعة أناجيل أُخِذَتْ عن أربعة نفر؛ اثنان منهم

стр. 323

لم يَرَيَا المسيح أصلًا، وهما: مَرْقُس ولُوقَا، واثنان رأياه واجتمعا به، وهما مَتَّى ويُوحَنَّا، وكل منهم يزيد وينقص ويخالف إنجيلُه (إنجيلَ أصحابه) (١) في أشياء، وفيها ذِكْرُ القولِ ونقيضِه. ففيه أنه قال: "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي غير مقبولة، ولكن غيري يشهد لي" (٢). وقال في موضع آخر: "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من أين جئتُ وإلى أين أذهب" (٣). وفيه أنه لما استشعر بوثوب اليهود عليه قال: "قد جَزِعَتْ نفسي الآن فماذا أقول؟! يا أبتاه سَلِّمني من هذا الوقت" (٤). وأنه لما رفع على خشبة الصلب صاح صياحًا عظيمًا وقال: "يا إلهي! لِمَ أَسْلَمْتَنِي" (٥)؟! فكيف يجتمع هذا مع قولكم: إنه هو الذي اختار إسلام نفسه إلى اليهود ليصلبوه ويقتلوه رحمةً منه بعباده حتى فداهم بنفسه من الخطايا، وأخرج بذلك آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وجميع الأنبياء من جهنم بالحيلة التي دبَّرها على إبليس؟ وكيف يجزع إله العالم من ذلك؟ وكيف يسأل السلامة منه وهو الذي اختاره ورضيه؟! وكيف يشتد صياحه ويقول: "يا إلهي لِمَ

стр. 324

أسْلَمْتَنِي" وهو الذي أسْلَمَ نفسه؟! وكيف لم يُخَلِّصه أَبوه مع قدرته على تخليصه وإنزال صاعقة على الصليب وأهله؟! أم كان ربًّا عاجزًا مقهورًا مع اليهود؟! وفيه أيضًا: "أنَّ اليهود سألتْه أن يُظْهِر لهم برهانًا أنه المسيح، فقال: "تهدمون هذا البيت -يعني بيت المقدس- وأبنيه لكم في ثلاثة أيام، فقالوا له: بيت مبنيٌّ في خمس وأربعين سنة تبنيه أنت في ثلاثة أيام" (١). ثم ذكرتم في الإنجيل أيضًا: أنه لما ظَفِرَت به اليهود وحُمِل إلى بلاط عامل قيصر واسْتُدْعِيَتْ (٢) عليه بَيِّنةٌ أنّ شاهِدَي زُورٍ جاءا إليه وقالا: سمعناه يقول: أنا قادر على بنيان بيت المقدس في ثلاثة أيام (٣). فيالله العَجَب كيف يدَّعي أن تلك المعجزة والقدرة له ويدَّعي أنَّ الشاهدين عليه بها شاهدا زور؟! وفيه أيضًا للوقا: أن المسيح قال لرجلين من تلامذته: اذهبا إلى الحصن الذي يقابلكما، فإذا دخلتماه فستجدان فَلُوًّا (٤) مربوطًا لم يركبه أحد فحُلَّاه وأقبلا به إليَّ" (٥). وقال في إنجيل مَتّى في هذه القصة: إنها كانت حمارة متبعة (٦).

стр. 325

وفيه أنه قال: "لا تحسبوا أني قدمت لأُصْلحَ بين أهل الأرض، لم آتِ لصلاحهم، لكن لأُلْقِي المحاربة بينهم؛ إنما قدمت لأفرِّق بين المرء وابنه، والبنت وأمها حتى يصيرَ أعداءُ المرء أهلَ بيته" (١). ثم فيه أيضًا: "إنما قدمت لتحيوا (٢) وتزدادوا خيرًا وأصلح بين الناس" (٣)، وأنه قال: "مَنْ لَطَمَ خدَّك اليمين فانصبْ له الآخر" (٤). وفيه أيضًا أنه قال: "طوبا لك يا شمعون (رأس الجماعة) (٥)، وأنا أقول: إنك ابن الحجر، وعلى هذا الحجر تبني بيعتي، فكل ما أحللتَه على الأرض يكون محلَّلًا في السماء، وما عقدتَه على الأرض يكون معقودًا في السماء" (٦). ثم فيه بعينه بعد أسطر يقول له: "اذهب يا شيطان ولا تعارض، فإنك جاهل". فكيف يكون شيطان جاهل مطاعًا في السموات؟!! وفي الإنجيل نص: "أنه لم تلد النساء مثل يحيى" (٧) هذا في إنجيل مَتَّى، وفي إنجيل يُوحَنَّا: "إن اليهود بعثت إلى يحيى من يكشف عن أمره، فسألوه من هو؟ أَهُوَ المسيحُ؟ قال: لا، قالوا: نراك إلياس؟ قال: لا، قالوا: أنت نبيٌّ؟ قال: لا، قالوا: أخبِرْنَا مَنْ أنت؟ قال: أنا صوتُ

стр. 326

منادٍ (١) المفاوز" (٢). ولا يجوز لنبيٍّ أن ينكر نبوته؛ فإنه يكون مخبرًا بالكذب. ومن العجب أن في إنجيل مَتَّى نسبة المسيح إلى أنه ابن يوسف (٣)، فقال: عيسى بن يوسف بن فلان، ثم عدَّ إلى إبراهيم الخليل تسعة وثلاثين أبًا (٤). ثم نسبه لوقا أيضًا في إنجيله إلى يوسف، وعدَّ منه إلى إبراهيم نيَفًا وخمسين أبًا (٥). فبينا هو إله تام إذ صيَّرُوه ابن الإله، ثم جعلوه ابن يوسف النجار؟!. والمقصود: أنَّ هذا الاضطراب في "الإنجيل" يشهد بأنَّ التغيير وقع فيه قطعًا، ولا يمكن أن يكون ذلك من عند الله، (بل الاختلاف الكثير الذي فيه يدلُّ على أن ذلك الاختلافَ من عند غير الله) (٦). وأنت إذا اعتبرتَ نُسَخَهُ ونُسَخَ التوراة التي بأيدي اليهود والسَّامرة والنَّصارى رأيتَها مختلفةً اختلافًا يقطع مَنْ وقف عليه بأنَّه من جهة التغيير والتبديل. وكذلك نُسَخُ "الزبور" مختلفةٌ جدًّا. ومن المعلوم أنَّ نسخ التوراة والإنجيل إنما هي عند رؤساء اليهود

стр. 327

والنصارى وليست عند عامتهم، ولا يحفظونها في صدورهم كحفظ المسلمين للقرآن، ولا يمتنع على الجماعة القليلة التواطؤُ على تغيير بعض النسخ، ولاسيما إذا كان بَقيَّئتُهم لا يحفظونها، فإذا قصدتْ طائفةٌ منهم تغيير نسخةٍ أو نُسَخٍ) (١) عندهم أمْكَنَ ذلك، ثم إذا تواطؤوا على أن لا يذكروا ذلك لعوامِّهم وأتباعهم أَمْكَنَ ذلك، وهذا واقعٌ في العالم كثيرًا. فهؤلاء اليهود تواطؤوا وتواصَوا بكتمانِ نبوَّة المسيحِ وجَحْدِ البشارة به وتحريفِهَا، واشتهر ذلك بين طائفتهم في الأرض، مشارقها ومغاربها. وكذلك تواطؤوا على أنه كان طبيبًا ساحرًا ممخرقًا ابنَ زانيةٍ، وتواصوا به مع رؤيتهم الآيات الباهرات التي أُرسل بها وعِلْمِهم أنه أبعد خَلْق الله ممّا رُمي به، وشاع ما تواطؤوا عليه وملؤوا به كتبهم شرقًا وغربًا. وكذلك تواطؤوا على أنَّ لوطًا نكح ابنتيه وأَوْلَدَهُمًا أولادًا وشاع ذلك فيهم جميعهم. وتواطؤوا على أن الله ندم وبكى على الطوفان وعضَّ أنامِلَه، وصارع يعقوب فصرعَهُ يعقوبُ، وأنه راقِدٌ عنهم، وأنهم يسألونه أن ينتبه من رقدته وشاع ذلك في جميعهم. وكذلك تواطؤوا على فصولٍ لفَّقُوها بعد زوال مملكتهم يُصَلُّون بها، لم تعرف (٢) عن موسى ولا عن أحد من أتباعه، كقولهم في

стр. 328

صلاتهم: "اللهمَّ اضرب ببوق عظيم لعتقنا (١). واقبضنا جميعًا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك، يا جامع تشتيت قوم (٢) إسرائيل". وقولهم فيها: "اردد حكامنا (٣) منا كالأولين وسيرتنا كالابتداء، وابْنِ أورشليم قرية قدسك في أيامنا وأعزَّنا ببنائها، سبحانك، يا باني أورشليم". ولم يكن موسى وقومه يقولون في صلاتهم شيئًا من ذلك. وكذلك تواطؤهم على قولهم في صلاتهم أول العام ما حكيناه عنهم. وكذلك تواطؤهم على شرع صوم إحراق بيت المقدس وصوم حصار (٤) وصوم كدليا (٥) وفرضهم ذلك، وصوم صلب هامان. وقد اعترفوا بأنهم زادوها لأسباب اقتضتها، وتواطؤوا بذلك على مخالفة ما نصَّتْ عليه التوراة من قوله: "لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئًا، ولا تنقصوا منه شيئًا" فتواطؤوا على الزيادة والنقصان وتبديل أحكام الله، كما تواطؤوا على تعطيل فريضة الرَّجْم على الزاني وهو في التوراة نصًّا (٦). وكذلك تواطؤهم على امتناع النَّسْخ على الله فيما شرعه لعباده

стр. 329

تمسُّكًا منهم باليهودية، وقد أكذبتهم التوراة وسائر النبوات. ومن العجائب حَجْرُهم على الله أن ينسخ ما شَرَعَه لئلا يلزم البَدَاءُ، ثم يقولون: إنه ندم وبكى على الطوفان وعاد في رأيه وندم على خلق الإنسان! وهذه مضارعة لإخوانهم من عُبَّاد الصليب الذين نزَّهوا رهبانهم عن الصاحبة والولد ثم نسبوهما إلى الفرد الصمد!! ومن ذلك تواطؤهم على أنَّ المُلْكَ يعود إليهم وترجع المِلَلُ كلُّها إلى مِلَّة اليهودية ويصيرون قاهرين لجميع أهل الملل. ومن ذلك تواطؤهم على تعطيل أحكام التوراة وفرائضها، وتركها في جُلِّ أمورهم إلا اليسير منها، وهم معترفون بذلك وأنه أكبر أسباب زوال مُلْكِهم وعِزِّهم. فكيف يُنْكَرُ (١) من طائفة تواطأت على تكذيب المسيح وجَحْدِ نبوَّته، وبَهْتِه وبَهْتِ أُمِّه، والكَذب الصريح على الله وعلى أنبيائه، وتعطيلِ أحكام الله والاستبدالِ بها، وعلى قتلهم أنبياء الله = أن تتواطأ على تحريف بعض التوراة وكتمان نَعْتِ محمدِ رسول الله ﷺ وصفته فيها. وأما أُمَّةُ الضلال وعُبَّادُ الصليب والصُّوَر المزوَّقَة في الحيطان، وإخوانُ الخنازير، وشَاتِمُو خالقهم ورزاقهم أقْبَحَ شَتْمٍ، وجاعلوه مَصْفَعَةَ اليهود، وتواطؤهم على ذلك، وعلى ضروب المستحيلات وأنواع الأباطيل، فلا إله إلا الله الذي أبرز للوجود مِثْل هذه الأمة التي هي أضلُّ من الحمير ومن جميع الأنعام السَّائمة، وخَلَّى بينهم وبين سَبِّه

стр. 330

وشَتْمِهِ وتكذيب عبده ورسوله، ومعاداةِ (١) حزبه وأوليائه، وموالاة الشيطان، والتَعوُّض بعبادةِ الصُّوَر والصُّلْبان عن عبادةِ الرحمن الرحيم (٢)، وعنِ قولِ: الله أكبر بالتصليب على الوجه، وعن قِراءة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، باللهمَّ أعطنا خبزنا (٣) الملائم لنا، وعن السجود للواحد القهَّار بالسجود للصُّوَر المدهونة في الحائط بالأحمر والأصفر واللازورد. فهذا بعض شأن (هاتين الأمتين اللتين عندهما آثار النبوة والكتاب فما الظن بسائر) (٤) الأمم الذين ليس عندهم من النبوة والكتاب حِسٌّ ولا خَبَرٌ، ولا عَيْنٌ ولا أَثَر؟!

стр. 331

فصل قال السائل: إن قلتم: إنَّ عبد الله بن سلَام وكَعْبَ الأَحبار ونحوهما شهدوا لنا بذلك من كتبهم؛ فهلَّا أتى ابنُ سَلَام وأصحابُه الذين أسلَمُوا بالنُّسَخ التي لهم كي تكونَ شاهدةً علينا! و الجواب من وجوه: (أحدها) أن شواهدَ النُّبُوة وآياتِها لا تنحصر فيما عند أهل الكتاب من نعت (١) النبي ﷺ وصفته، بلِ آياتها وشواهدها متنوعة متعددة جدًّا، ونَعْتُه وصفته في الكتب المتقدمة فرْدٌ من أفرادها. وجمهور أهل الأرض لم يكن إسلامهم عن الشواهد والأخبار التي في كتبهم (٢)، وأكثرهم لا يعلمونها ولا (سمعوا بها) (٣)، بل أسلموا للشواهد التي عاينوها والآيات التي شاهدوها، وجاءت تلك الشواهد التي عند أهل الكتاب مُقَوِّيةً عاضدةً، من باب تقوية البيِّنة وقد تمَّ النِّصَابُ بدونها. فهؤلاء العرب من أولهم إلى آخرهم لم يتوقف إسلامهمِ على معرفة ما عند أهل الكتاب من الشواهد، وإن كان ذلك قد بلغَ بَعْضهم وسمعه منهم قبل النبوة وبعدها، كما كان الأنصار يسمعون من اليهود صفةَ النبيِّ ﷺ ونَعْتَه ومَخْرَجَه، فلمَّا عاينوه وأبصروه عَرَفُوه بالنعت الذي أخبرهم به اليهود فسبقوهم إليه، فشَرِقَ أعداءُ الله بِرِيْقِهِم وغَصُّوا بمائهم، وقالوا:

стр. 332

ليس هو الذي كنا نَعِدُهُمْ به. فالعلم بنبوة محمدٍ والمسيح وموسى -صلوات الله وسلامه عليهم- لا يتوقف على (العلم بأنَّ مَن قبلهم أخبر بهم وبشَّر بنبوتهم، بل طرقُ العلم بها متعدِّدة) (١)، فإذا عُرِفتْ نبوةُ النبيِّ ﷺ بطريقٍ من الطرق: ثبتتْ نبوتُه ووجب اتِّباعه، وإن لم يكن (٢) مَنْ قَبْلَه بشَّرَ به. فإذا عُلِمَتْ نبوَّتُه بما قام عليها من البراهين؛ فإما أن يكون تبشير مَنْ قبله به لازمًا لنبوته، وإمَّا أن لا يكونَ لازمًا. فإن لم يكن لازمًا: لم يجب وقوعُه، ولا يتوقَّف تصديق النبيِّ عليه، بل يجب تصديقه بدونه. وإن كان لازمًا: عُلِمَ قطعًا أنه قد وقع، وعَدَمُ نَقْلِه إلينا لا يدلُّ على عدم وقوعه؛ إذ لا يلزم من وجود الشيء نَقْلُه العام، ولا الخاصّ، وليس كل ما أخبر به موسى (٣) والمسيح وغيرهما من الأنبياء المتقدِّمين وصل إلينا، وهذا مما يعلم بالاضطرار. فلو قُدِّر أنَّ البشارة بنبوته ﷺ ليست في الكتب الموجودة بأيديكم: لم يلزم أنْ لا يكون = (المسيحُ وغيره) (٤) بشَّروا به، بل قد يبشرون ولا يُنْقَلُ، ويمكن أن يكون في كتبٍ غيرِ هذه المشهورةِ المتداولة بينكم، فلم يزل عند كلِّ أمةٍ كتبٌ لا يطَّلَع عليها إلا

стр. 333

بعض خاصتهم فضلًا عن جميع عامَّتهم، ويمكن أنه كان في بعضها فأُزِيْلَ منه وبُدِّل، ونُسِخَتِ النُّسَخ من هذه التي قد غُيِّرت واشتهرت بحيث لا يعرف غيرها، وأُخْفِي أمْرُ تلك النسخ الأولى. وهذا كلُّه ممكن، لاسيما من الأمة التي تواطأت على تبديل دين نبيِّها. وشريعته. هذا كلُّه على تقدير عدم البشارة به في شيء من كتبهم أصلًا. ونحن قد ذكرنا من البشارات به -التي في كتبهم- ما لا يمكن لمن له أدْنَى معرفةٍ منهم جَحْدُه والمكابرة فيه، وإن أمْكَنَهُم المغالطةُ بالتأويل عند رَعَاعِهِم وجُهَّالهم. (الوجه الثاني): أنَّ عبد الله بن سلام قد قابل اليهود وأوقفهم (١) بين يدي رسول الله ﷺ على أنَّ ذِكْرَه ونعته وصفته في كتبهم، وأنهم يعلمون أنه رسول الله، وقد شهدوا بأنه أعلمُهم وابنُ أعلمِهِمْ وخيرُهم وابنُ خَيْرِهم. فلم يضرَّ قولُهم بعد ذلك إنّه شرُّهم وابنُ شرِّهم وجاهلُهم (وابنُ جاهلِهِم) (٢)، كما إذا شهد على رجل شاهدٌ عند الحاكم، فسأله عنه فَعدَّلَه وقال: إنه مقبول الشهادة عَدْل رضى لا يشهد إلا بالحقِّ، وشهادته جائزة عليَّ. فلما أدَّى الشهادة قال: إنه كاذبٌ شاهدُ زورٍ. ومعلومٌ أنَّ هذا لا يقدح في شهادته. وأما كعب الأحبار فقد ملأ الدنيا من الأخبار بما في النبوات المتقدمة من البشارة به وصرح بها بين أظهر المسلمين واليهود والنصارى، وأذّن بها على رؤوس الملأ وصدَّقه مسلمو أهل الكتاب عليها، وأقرُّوه (٣) على

стр. 334

ما أخبر به، وأنه كان أوسعهم علمًا بما في كتب الأنبياء، وقد كان الصحابة يمتحنون ما ينقله ويَزِنُونَه بما يعرفون (١) صِحَّتَه فيعلمون صِدْقَه، وشهدوا له بأنه أصدق الذين يحكون لهم عن أهل الكتاب، أو مِنْ أصْدَقِهم. ونحن اليومَ ننوب عن عبد الله بن سلام، وقد أوجدناكم (٢) هذه البشاراتِ في كتبكم، فهي شاهدةٌ لنا عليكم، والكتبُ بأيديكم فَأْتُوا بها فَاتْلُوها إن كنتم صادقين. وعندنا ممن وفقه الله للإسلام منكم من يوافقكم ويُقابلكم ويُحاقِقكم عليها، وإلا فاشهدوا على أنفسكم بما شهد الله وملائكتُه وأنبياؤه ورسلُه وعبادُه المؤمنون به عليكم من الكفرِ والتَّكْذيبِ، والجَحْد للحقِّ، ومعاداةِ الله ورسوله. (الوجه الثالث) أنه لو أتاكم عبد الله بن سلام بكلِّ نسخةٍ متضمِّنةٍ لغاية (٣) البيان والصَّراحةِ: لكان في بَهْتِكم وعنادكم وكَذِبكم ما يدفع في وجوهها ويحرِّفُها أنواعَ التَّحريف ما وجد إليه سبيلًا، فإذَا جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به قلتم: ليس هو، ولم يأت بعد، وقلتم: نحن لا نفارق حكم التوراة، ولا نتبع نبيَّ الأميِّيْن. وقد صرَّح أسلافكم الذين شاهدُوا رسولَ الله ﷺ وعايَنُوه أنه رسولٌ حقًّا، وأنه (المبشَّر به) (٤)، الموعودُ به على ألسنة الأنبياء المتقدمين.

стр. 335

وقال من قال منهم في وجهه: نشهد أنك نبيٌّ فقال: "ما يمنعك من اتباعي"؟ قال: إنا نخاف أن (يقتلنا يهود) (١). وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]. وقد جاءكم بآيات هي أعظم من بشارات الأنبياء به وأظهر؛ بحيث إنَّ كل آيةٍ منها يصلح أن يؤمنَ على مِثْلها البَشَرُ، فما زادكم ذلك إلا نُفُورًا وتكذيبًا وإباءً لقَبول الحقِّ، فلو نزَّل الله عليكم ملائكته (وكلَّمكم الموتى، وشهد له بالنبوة كلُّ رطْبٍ ويابس) (٢) لغلبت عليكم الشِّقْوةُ (٣) وصرتم إلى ما سبق لكم في أمِّ الكتاب. وقد رأى من كان أعقلَ منكم وأبْعَدَ من الحسد مِنْ آيات الأنبياء ما رأوا وما زادهم ذلك إلا تكذيبًا وعنادًا، فأسلافُكم وقدوتكم في تكذيب الأنبياء من الأمم لا يحصيهم إلا الله حتى كأنكم تواصيتم بذلك؛ أوصى به الأول للآخر، واقتدى فيه الآخر بالأول. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢، ٥٣]. وهبنا ضربنا عن إخبار الأنبياء المتقدمين صَفْحًا أفليس في الآيات والبراهين التي ظهرت على يديه ما يشهد بصحة نبوته؟ وسنذكر منها بعد الفراغ من الأجوبة طرفًا يقطع المعذرة ويقيم الحجة (٤). والله المستعان.

стр. 336

فصل وأما المسألة الخامسة فهي قول السائل: إنكم نسبتم الأمتين العظيمتين المذكورتين إلى اختيار الكفر على الإيمان للغرض المذكور؛ فابن سلام وأصحابُه أولى بذلك الغرض، لأنهم قليلون جدًّا، وأضداده كثيرون لا يحصيهم عدد. والجواب من وجوه: (أحدها) أنا قد بينَّا أنَّ جمهور هاتين الأمتين المذكورتين آمن به وصدَّقه، وقد كانوا مِلْءَ الأرض، وهذه الشامُ ومصرُ وما جاورهما واتصل بهما من أعمالهما، والجزيرةُ والمَوْصِلُ وأعمالهما، وأكثر بلاد المغرب (١)، وكثيرٌ من بلاد المشرق، كانوا كلُّهم نصارى، فأصبحت هذه البلاد كلها مسلمين، فالمتخلِّف من هاتين الأمتين عن الإيمان به أقل القليل بالإضافة إلى مَنْ آمن به وصدَّقه. وهؤلاء عبَّاد الأوثان كلُّهم أطبقوا على الإسلام إلا من كان منهم في أطراف الأرض بحيث لم تصل إليه الدعوة، (وهذه أمة المجوس توازي هاتين الأمتين كثرةً وشوكةً وعددًا) (٢)، دخلوا في دينه وبقي من بقي منهم كما بقيتم أنتم تحت الذلة والجزية. (الثاني) أنا قد بينا أنَّ الغرض الحامل لهم على الكفر ليس هو مجرَّدَ المأكَلَةِ والرياسة فقط وإن كان من جملة الأغراض؛ بل منهم مَنْ حَمَلَه ذلك، ومنهم من حمله الحَسَدُ، ومنهم من حمله الكِبْر، ومنهم من حمله

стр. 337

الهوى، (ومنهم من حمله محبة الآباء والأسلاف وحسن الظن) (١) بهم، ومنهم من حمله أُلْفَةُ (٢) الدِّين الذي نشأ عليه وجبل بطبعه فصار انتقاله عنه كمفارقة الإنسان ما طُبع عليه. وأنت ترى هذا السبب كيف هو الغالب المستولي على أكثر بني آدم في إيثارهم ما اعتادوه من المطاعم والمشارب والملابس والمساكن والديانات على ما هو خيرٌ منه وأَوْفَقُ بكثير" (ومنهم من حَمَلَه التقليدُ والجهل) (٣)، وهم الأتباع الذين ليس لهم علم. ومنهم من حمله الخوف من فوات محبوب أو حصول مرهوب (٤). فلم ننسب (٥) هاتين الأمتين إلى الغرض المذكور وحده. (الثالث) أنا قد بينَّا أنَّ الأمم الذين كانوا قبلهم (٦) كانوا أكثر عددًا وأغزر عقولًا منهم، وكلُّهم اختاروا العَمَى على الهدى، والكفر على الإيمان بعد البصيرة، فلهاتين الأمتين سَلَفٌ كثير، وهم أكثر الخلق. (الرابع) أنَّ عبد الله بن سلام وذويه (٧) إنما أسلموا في وقتِ شدَّةٍ من الأمر وقلةٍ من المسلمين وضعفٍ وحاجة، وأهلُ الأرضِ مُطْبقونَ على عداوتهم، واليهودُ والمشركون هم أهل الشوكة والعُدَّةَ والحَلْقة

стр. 338

والسلاح، ورسولُ الله ﷺ وأصحابه إذ ذاك قد أَوَوا (١) إلى المدينة، وأعداؤهم يتطلبونهم في كل وجه، وقد بذلوا الرغائب لمن جاءهم بهم، فخرج رسول الله ﷺ وصاحبه وخادمهما (فاستخفوا ثلاثًا) (٢) في غار تحت الأرض، ثم خرجوا بعد ثلاث على غير الطريق إلى أن قدموا المدينة، والشوكةُ والعَدد والعُدّة فيها لليهود والمشركين، فأسلم عبد الله بن سلام حين مقدم النبي ﷺ المدينة لما رأى أعلام النبوة التي كان يعرفها وشاهدها فيه، وتَرَكَ الأغراضَ التي منعتِ المغضُوبَ عليهم من الإسلام؛ من الرياسة والمال والجاه بينهم. وقد شهدوا له كلهم عند رسول الله ﷺ أنه رئيسهم وخيرهم وسيدهم، فَعَلِم أنهم إنْ علموا بإسلامه أخرجوه من تلك الرياسة والسيادة، فأحبَّ أن يعلم رسولُ الله ﷺ بذلك، فقال: أدْخِلْني بعضَ بيوتك وسَلْهم عنِّي، ففعل، وسألهم عنه فأخبروه أنه سيدهم ورئيسهم وعالمهم، فخرج عليهم وذكَرهم وأوقفهم على أنهم يعلمون أنه رسول الله، وقابلهم بذلك، فسبُّوه وقدحوا فيه وأنكروا رياسته وسيادته وعلمه. فلو كان عبدُ الله بن سلام ممن يؤثر عَرَضَ الدنيا والرياسة لفعل كما فعله إخوان القردة وأمةُ الغضب والقومُ البُهُتُ. وهكذا شأن من أسلم من اليهود حينئذ. وأما المتخلفون (٣) فكثير منهم صرح بغرضه لخاصته وعامته،

стр. 339

وقال: إن هؤلاء (القوم قد) (١) عظَّمونا ورأسونا وموَّلونا فلو اتبعناه لنزعوا ذلك كلَّه منا. وهذا قد رأيناه نحن في زماننا وشاهدناه عيانًا. ولقد ناظرتُ بعض علماء النصارى معظم يومٍ فلما تبيَّن له الحقُّ بُهِتَ، فقلت له -وأنا وهو خاليين-: ما يمنعك الآن من اتِّباع الحقِّ؟ فقال لي: إذا قدمت على هؤلاء الحمير -هكذا لفظه- فرشوا لنا الشِّقاق تحت حوافر دابَّتي وحكَّموني في أموالهم ونسائهم ولم يعصوني فيما آمرهم به، وأنا لا أعرف صَنْعة، ولا أحفظ قرآنًا ولا نحوًا ولا فقهًا، فلو أسلمتُ لدُرْتُ في الأسواق أتكفَّف الناس، فمن الذي يطيب نفسًا بهذا؟! فقلت: هذا لا يكون، وكيف تظن بالله أنك (إذا آثرت) (٢) رضاه على هواك يخزيك ويُذِلُّك ويحوجك؟! ولو فرضنا أنَّ ذلك أصابك فما ظفرتَ به من الحق والنجاة من النار ومن سخط الله وغضبه فيه أتمُّ العِوَض عما فاتك. فقال: حتى يأذن الله. فقلت: القَدَرُ لا يُحْتَجُّ به، ولو كان القدر حُجَّةً لكان حجةً لليهود على تكذيب المسيح، وحجةً للمشركين على تكذيب الرسل، ولاسيما أنتم تكذِّبون بالقدر فكيف تحتَجُّ به؟ فقال: دعنا الآن من هذا. وأمْسَكَ.

стр. 340

(الخامس) أن جوابك في نفس سؤالك؛ فإنك اعترفتَ (١) أن عبد الله ابن سلام وذويه كانوا قليلين جدًّا، وأضدادهم لا يُحْصَوْن كثرةً، ومعلوم أن الغرض الداعي لموافقة الجمهور الذين لا يحصون كثرة -وهم أولو القوة والشوكة- أقوى من الغرض الداعي لموافقة الأقلِّين المستضعفين، والله الموفق.

стр. 341

فصل قال السائل (١): تدخل علينا الريبة من جهة عبد الله بن سلام وأصحابه. وهو أنكم قد بنيتم أكثر أساس (٢) شرائعكم في الحلال والحرام والأمر والنهي على أحاديث عوام من الصحابة الذين ليس لهم بحثٌ في علم، ولا دراسةٌ ولا كتابةٌ قبل مبعث نبيِّكم، فابنُ سلامٍ هو وأصحابه أولى أن يؤخذ بأحاديثهم ورواياتهم، لأنهم كانوا أهل علم وبحث ودراسة وكتابة قبل مبعث نبيكم وبعده، ولا نراكم تروون عنهم من الحلال والحرام والأمر والنهي إلا شيئًا يسيرًا جدًّا، وهو ضعيف عندكم. والجواب من وجوه: (أحدها) أنَّ هذا بَهْتٌ من قائله؛ فإنا لم نَبْنِ أساس شريعتنا في الحلال والحرام والأمر والنهي إلا على كتاب ربنا المجيد الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢]، (الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ ) (٣)، الذي تحدَّى به الأمم كلَّها على اختلاف علومها وأجناسها وطبائعها، وهو في غاية الضعف وأعداؤه طبَّقوا الأرض أن يعارضوه بمثله فيكونوا أولى بالحقِّ منه ويظهر كذبه وصدقهم فعجزوا عن ذلك، فتحدَّاهم (بأن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا) (٤)، فتحدَّاهم بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا.

стр. 342

هذا وأعداؤه الأدْنَون (١) إليه أفصحُ الخَلْق، وهم أهل البلاغة والفصاحة واللَّسن والنظمِ والنثر والخُطَب وأنواع الكلام، فما منهم من فاه في معارضته ببنت شَفة، وكانوا أحرص الناس على تكذيبه وأشدَّهم أذى له بالقول والفعل والتنفير عنه بكل طريق، فما نُقِل (٢) عن أحد منهم سورة واحدة عارَضَهُ بها؛ إلا مسيلمة الكذاب بمثل قوله: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقِّي كم تنِقّين، لا الشاربَ تمنعين، ولا الماء تكدِّرين. ومثل: والطَّاحنات طَحْنًا، والعاجنات عجنًا، فالخابزات خبزًا، إهَالَةً وسَمْنًا. وأمثال هذه الألفاظ التي هي بألفاظ أهل الجنون والمعتوهين أشبه منها بألفاظ العقلاء. فالمسلمون إنما بَنَوا أساس دينهم ومعالم حلالهم وحرامهم على الكتاب الذي لم ينزل من السماء كتابٌ أعظمُ منه، فيه بيان كلِّ شيء وتفصيلُ كلِّ شيء وهدًى ورحمة وشفاء لما في الصدور، به هدى الله رسولَه وأمته فهو أساس دينهم. (الثاني) أنَّ قولكم: إنَّ المسلمين بَنَوا أساس دينهم على رواية عوامٍّ من الصحابة = من أعظم البَهْت وأفحش الكذب؛ فإنَّهم وإنْ كانوا أُميِّين (٣)، فمذ بعث الله فيهم رسوله زكَّاهم وعلَّمهم الكتاب والحكمة، وفضَّلهم في العلم والعمل والهدى والمعارف الإلهية والعلوم النافعة المكمِّلة للنفوس على جميع الأمم، فلم تَبْق (٤) أمَّةٌ من الأمم تُدَانيهم في

стр. 343

فضلهم وعلومهم وأعمالهم ومعارفهم، فلو قيس ما عند جميع الأمم من معرفة وعلم وهدى وبصيرة إلى ما عندهم: لم يظهر له نسبةٌ إليه بوجهٍ ما، وإن كان غيرهم من الأمم أعلم بالحساب والهندسة، والكَمِّ المتَّصل والكم المنفصل، والنبض والقارورة والبول والغائط (١)، ووزن الأنهار ونقوش الحيطان، ووضع الآلات العجيبة، وصناعة الكيميا، وعلم الفلاحة، وعلم الهيئة، وتسيير الكواكب، وعلم الموسيقى والألحان، وغير ذلك من العلوم (٢) التي هي بين علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة، وبين علم نَفْعُه في العاجلة وليس من زاد المعاد. فإن أردتم أنَّ الصحابة كانوا عوامَّ في أصل العلوم فنعم إذًا، "وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عَارُها" (٣). وإن أردتم أنهم كانوا عوامَّ في العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه ودينه وشرعه وتفاصيله (واليوم الآخر وتفاصيله) (٤) وتفاصيل ما بعد الموت وعلم سعادة النفوس وشقاوتها، وعلم صلاح القلوب وأمراضها = فمن بَهَتَ نبيَّهم بما بهته به وجحد نبوته ورسالته التي هي للبصائر أظهر من الشمس للأبصار = لم ينكر له أن يبهت أصحابه

стр. 344

ويجحد فضلهم ومعرفتهم، وينكر ما خصَّهم الله به وميَّزهم على مَنْ قبلهم، ومن هو كائن مِنْ بعدهم إلى يوم القيامة؟! وقد كان الحواريون الذين نقلوا لأتباع المسيح معالم دينه وسيرة المسيح، لا يعلمون شيئًا (من ذلك، حتى منَّ الله بالمسيح، وشاهدوا ما خصَّه الله به من الآيات، وأظهر على يده المعجزات، وكمّل نفوسهم بالعلوم الإلهية والفضائل النفسانية، فصاروا يفعلون ما نقله الجمُّ الغفير إلينا عنهم من العجائب، ويدوِّنون العلوم. كلُّ ذلك ببركته. وكذلك هؤلاء - أعني الصحابة ﵃ (١). وكيف يكونون عوامَّ في ذلك وهم أذكى الناس فطرةً وأزكاهم نفوسًا، وهم يتلقَّونه غضًّا طريًّا ومحضًا لم يُشَبْ عن نبيهم، وهم أحرص الناس عليه وأشوقهم إليه، وخبر السماء يأتيهم على لسانه في ساعات الليل والنهار والحضر والسفر، وكتابُهم قد اشتمل على علومِ الأولين والآخرين، وعلمِ ما كان من المبدأ والمعاد، وتخليق العالم وأحوال الأمم الماضية، والأنبياء وسِيَرِهم وأحوالهم مع أُممهم، ودرجاتهم ومنازلهم عند الله، وعددهم، وعدد المرسلين منهم، وذِكْرِ كتبهم، وأنواع العقوبات التي عذَّب الله بها أعداءهم، وما أكرم به أتباعَهم، وذِكْرِ الملائكَة وأصنافهم وأنواعهم وما وكلوا به واستعملوا فيه، وذِكْرِ اليوم الآخر وتفاصيل أحواله، وذكر الجنة (وتفاصيل نعيمها والنار وتفاصيل عذابها) (٢)، وذكر البَرْزخَ وتفاصيل أحوال الخلق فيه (٣)، وذكر أشراط

стр. 345

الساعة والإخبار بها مفصلًا بما لم يتضمنه كتاب غيره من حين قامت الدنيا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما أخبر به المسيح عنه من قوله في الإنجيل وقد بشَّرهم به فقال: "وكل شيء أعدَّه الله تعالى لكم يخبركم به" (١) وفي موضع آخر منه: "ويخبركم بالحوادث والغيوب" (٢). وفي موضع آخر: "ويعلمكم كل شيء" (٣) وفي موضع آخر منه: "يحيي لكم الأسرار، ويفسر لكم كل شيء، وأجيئكم بالأمثال وهو يجيئكم بالتأويل" (٤) وفي موضع آخر: "إن لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله، لكن إذا جاء روح الحق ذلك يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي، ويعرفكم جميع ما للأب" (٥). فمَنْ هذا عِلمُه بشهادة المسيح، وأصحابه يتلقَّون ذلك جميعه عنه، وهم أذكى الخلق وأحفظهم وأحرصهم، كيف تدانيهم أمة من الأمم في هذه العلوم والمعارف؟. ولقد صلَّى رسولُ الله ﷺ يومًا صلاةَ الصُّبْح ثم صعد المنبر فَخَطَبَهُمْ حتى خَضَرتِ الظهر، ثم نزل فصلَّى، وصعد فخطبهم حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلَّى وخطبهم حتى حضرتِ المغرب، فلم يَدَعْ شيئًا إلى قيام السَّاعة إلا أخبرهم به. فكان أَعْلَمُهم أحْفَظَهم (٦).

стр. 346

وخطبهم مرة أخرى خُطْبةً فذكَرَ بَدْأ الخلق حتى دخل أهلُ الجنَّة منازلَهم وأهلُ النار منازلهم (١). وقال يهوديٌّ لسَلْمان: لقد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء حتى الخراءة! قال: أجل (٢)؟!. فهذا اليهوديُّ كان أعلم بنبيِّنا من هذا السائل وطائفته! وكيف يُدَّعى في أصحاب نبيِّنا أنهم عوام، وهذه العلوم النافعة المبثوثة في الأمة -على كثرتها واتساعها وتفنن ضروبها- إنما هي عنهم مأخوذة، ومن كلامهم وفتاويهم مستنبطة؟ وهذا عبد الله بن عباس كان من صبيانهم وفتيانهم وقد طَبَّقَ الأرض علمًا، وبلغت فتاويه نحوًا من ثلاثين سِفْرًا، وكان بحرًا لا يَنْزِف، لو نزل به أهلُ الأرض لأوسعهم علمًا، وكان إذا أخذ في الحلال والحرام والفرائض يقول القائل: لا يحسن سواه، (فإذا أخذ في تفسير القرآن ومعانيه يقول السامع: لا يحسن سواه) (٣)، فإذا أخذ في السنَّة والرواية عن النبيِّ ﷺ يقول القائل: لا يحسن سواه، فإذا أخذ في القصص وأخبار الأمم وسِيَر الماضين فكذلك، فإذا أخذ في أنساب العرب وقبائلها وأصولها وفروعها فكذلك، فإذا أخذ (٤) في الشِّعر والغريب فكذلك (٥).

стр. 347

قال مجاهد: العلماء أصحاب محمد ﷺ . وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]. قال: هم أصحاب محمد ﷺ (١). ولما حضر معاذًا الموتُ قيل له: أَوْصِنَا. قال: أجْلِسُوني، إنَّ العلم والإيمان (بمكانهما مَنِ اقتفاهما وجدهما) (٢) عند أربعةِ رَهْطٍ: عند عُوَيْمر أبي الدَّرْدَاء، وعند سَلْمانَ الفَارِسيّ، وعند عبدِ الله بنِ مسعودٍ، وعند عبد اللهِ بنِ سَلَام، فإنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّه عاشِرُ عَشْرةٍ في الجنَّةِ" (٣). وقال أبو إسحاق السَّبِيْعيّ: قال عبد الله: علماء الأرض ثلاثة؛ فرجل بالشام، وآخر بالكوفة، وآخر بالمدينة. فأما هذان فيَسْألان الذي بالمدينة، والذي بالمدينة لا يَسْألُهما عن شيء (٤). وقيل لعليِّ بن أبي طالب: حدِّثْنا عن أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: عن أيِّهم؟ قالوا: عن عبد الله بن مسعود، قال: قرأ القرآنَ وعَلِم السنَّة، ثم انتهى، وكفى بذلك.

стр. 348

قالوا: فحدِّثْنا عن حذيفةَ: قال: أعْلَمُ أصحاب محمد بالمنافقين. قالوا: فأبو ذَرٍّ؟ قال: كُنَيْفٌ (١) مُلِئَ عِلْمًا عُجِنَ فيه. قالوا: فعمَّار؟ قال: مؤمنٌ نَسِيٌّ إذا ذكَّرْتَه ذَكَر، خَلَطَ الله الإيمانَ بلحمه ودمه، ليس للنار فيه نصيب. قالوا: فأبو موسى؟ قال: صُبِغَ في العلم صبغةً. قالوا: فسَلْمان؟ قال: عَلِم العِلْم (٢) الأول والآخر، بحر لا يَنْزِحُ، هو منَّا أهلَ البيت. قالوا: فحدِّثْنا عن نفسك يا أمير المؤمنين؟ قال: إيَّاها أردتم، كنت إذا سُئِلتُ أعطيتُ، وإذا سكتُّ ابتديت (٣). وقال مسروق: شافهتُ (٤) أصحاب محمد ﷺ فوجدت عِلْمَهم ينتهي إلى ستة؛ إلى عليٍّ، وعبد الله، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأُبيِّ بن كعب، ثم شافهت الستة فوجدت علمهم ينتهي إلى علي وعبد الله (٥). وقال مسروق: جالست أصحاب محمد ﷺ وكانوا كالإخاذ؛

стр. 349

الإخاذ يُرْوي الرَّاكب، والإخاذ يُروي الرَّاكِبَيْن، والإخاذ يُرْوي (١) العشرة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، وإنَّ عبد الله من ذلك الإخاذ (٢). وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ قال: "بَيْنَا أنا نائمٌ أُتِيْتُ بقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ منه حتى أرى الرِّيَّ يخرجُ من أظْفَارِي، ثم أَعطَيْتُ فَضْلِيَ عُمَرَ" فقالوا: فما أوَّلْتَ ذلك يا رسولَ اللهِ، فقال: "العِلْمَ" (٣). وقال عبد الله (٤): إني لأَحْسَبُ أنَّ عمر بن الخطَّاب قد ذهب بتسعة أعشار العلم (٥). وقال عبد الله: لو أنَّ عِلْم عمرَ بنِ الخطَّاب وضع في كِفَّة الميزان، ووضع عِلْمُ أهل الأرض في كِفَّةٍ لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ (٦). وقال حذيفة بن اليمان: كأنَّ عِلْمَ الناس مع علم عمر دُسَّ في جُحْر (٧). وقال الشَّعْبِيُّ: قضاةُ هذه الأمة (٨) أربعةٌ: عمر، وعليٌّ، وزيد، وأبو موسى.

стр. 350

وقال قَبيْصَةُ بنُ جابر: ما رأيت رجلًا قط أعْلَمَ بالله، ولا أقْرَأَ لكتاب الله، ولا أفْقَهَ في دين الله مِنْ عُمَرَ (١). وقال عليٌّ: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأنا حديث السنِّ، ليس لي علم بالقضاء. فقلت: إنك تُرْسِلُني إلى قومٍ يكون فيهم الأحداث، وليس لي علم بالقضاء. قال: فضرب في صدري، وقال: "إنَّ الله سَيَهْدِي (٢) قَلْبكَ ويُثَبِّتُ لسانَك". قال: فما شككت في قضاءٍ بين اثنين بعده (٣). وفي "الصحيح" عن عبد الله بن مسعود قال: كنت أرعى غنمًا لعُقْبَةَ بن أبي مُعَيْط، فمرَّ بي رسول الله ﷺ وأبو بكر، فقال لي: "يا غلام! هل من لبن؟ " فقلت: نعم، ولكني مؤتمن، قال لي: "فهل من شاةٍ لم يَنْزُ عليها الفَحْلُ"؟ قال: فأتيتُه بشاةٍ فمسح ضَرْعَهَا، فنزل لبنٌ فحَلَبَه في إناءٍ، فشَرِبَ وسَقَى أبا بكر، ثم قال للضَّرْع: "اقلُصْ" فقَلَص، قال: ثم أتيته بعد هذا، فقلت: يا رسولَ الله علِّمْني من هذا القول، فمسح رأسي، وقال: "يَرْحَمك اللهُ، إنَّك غُلَيِّمٌ (٤) مُعَلَّم" (٥).

стр. 351

وقال عُقْبَةُ بنُ عامرٍ (١): ما أرى أحدًا أعْلَمَ بما أُنْزِل على محمدٍ من عبد الله. فقال أبو موسى: إنْ تَقُلْ ذلك فإنه كان يسمع حين لا نَسمع، ويَدْخلُ حين لا نَدْخُل (٢). وقال مَسْرُوقٌ: قال عبد الله: ما أُنْزِلَتْ سورةٌ إلا وأنا أعلم فيما أنزلت، ولو أَنّي أعلم أنَّ رجلًا أعْلَمُ بكتاب الله مني تبلُغُه الإِبِل والمَطَايَا لأتَيْتُه (٣). وقال عبدُ الله بن بُرَيْدَة في قوله : ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]. قال: هو عبد الله بن مسعود (٤). وقيل لمسروق: كانت عائشة تُحْسِنُ الفَرائِضَ؟ قال: والله لقد رأيتُ الأكابرَ من أصحابِ رسول الله ﷺ يسألونها عن الفَرائِضِ (٥). وقال أبو موسى: ما أشكل علينا -أصحابَ محمد ﷺ - حديثٌ قَطّ

стр. 352

فَسَأَلْنَا عائشةَ إلا وَجَدْنَا عندها منه عِلْمًا (١). وقال شَهْرُ بن حَوْشَب: كان أصحاب محمد ﷺ إذا تحدَّثوا وفيهم معاذ بن جبل نظروا إليه هَيْبَةً له (٢). وقال عليّ بن أبي طالب: أبو ذر وعاء مُلِئَ علمًا، ثم وُكِيَ عليه، فلم يخرج منه شيء حتى قُبِضَ (٣). وقال مسروق: قَدِمْتُ المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الرَّاسخين في العلم (٤). ولما بلغ أبا الدرداء مَوْتُ عبدِ الله بنِ مسعودٍ قال: أما إنِّه لم يُخَلِّف بعده مِثْلَه (٥). وقال أبو الدرداء: إنَّ من الناس من أُوتي علمًا ولم يُؤْتَ حِلْمًا، وشدَّادُ بنُ أَوْسٍ ممن أُوتِيَ عِلْمًا وحِلْمًا (٦). ولما مات زيد بن ثابت قام ابن عباس على قبره، وقال: هكذا يذهب العلم (٧).

стр. 353

وضمَّ رسولُ الله ﷺ ابنَ عباسٍ وقال: "اللهمَّ عَلِّمْه الحِكْمَةَ وتَأْوِيْلَ الكِتَاب" (١). وقال محمد بن الحَنَفِيَّة لما مات ابن عباس: لقد مات رَبَّانِيُّ هذه الأمة (٢). وقال (عُبَيْدُ اللهِ بنُ) (٣) عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ: ما رأيتُ أحدًا أعْلَمَ بالسنَّة ولا أجْلَدَ رأيًا ولا أَثْقَبَ نَظَرًا -حين يَنْظُر- من ابن عباس (٤). وكان عُمَرُ بنُ الخطَّاب يقول له: قد طرأتْ علينا عُضَل أقضيةٍ أنت لها ولأمثالها، ثم يقول عُبَيْدُ الله: وعُمَرُ عُمَرُ في جدِّه، وحُسْنِ نظره للمسلمين (٥). وقال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسًا قط أكْرَمَ من مجلس ابن عبَّاس: أكثر فقهًا وأعظم جفنة، وإنَّ أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر، يُصْدِرُهم كلَّهم في وادٍ واسع (٦). وكان عمر بن الخطاب يسأله مع الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ، ودعَا له رسولُ الله ﷺ أن يَزِيْده الله علمًا وفقهًا (٧).

стр. 354

وقال عبد الله بن مسعود: لو أنَّ ابن عباسٍ أدرك أسْنَانَنَا ما عَشَرَه منَّا رجل. أي: ما بلغ عُشْرَه (١). وقال ابن عباس: ما سألني أحدٌ عن مسألة إلا عرفت أنَّه فقيه أو غير فقيه. وقيل له: أنَّى أصبتَ هذا العلم؟ قال: بلسان سَؤول، وقلبٍ عَقُول. وكان يسمى البحر؛ من كثرة علمه (٢). وقال طاووس: أدركت نحو خمسين مِنْ أصحاب رسول الله ﷺ إذا ذَكَرَ لهم ابنُ عبَّاسٍ شيئًا فخالفوه، لم يزل بهم حتَّى يقرِّرَهُم (٣). وقال الأَعْمَشُ: كان ابن عباس إذا رأيتَه قلتَ: أجملُ النَّاس، فإذا تكلم قلتَ: أفْصَحُ الناس، فإذا حدَّث قلتَ: أَعْلَمُ الناس (٤). وقال مجاهد: كان ابن عباس إذا فسَّرَ الشيء رأيتَ عليه النُّور. وقال ابن سيرين: كانوا يَرَوْنَ أنَّ الرجل الواحد يعلم من العلم ما لا يعلمه الناس أجمعون. قال ابن عون: فكأنَّه رآني أنكرتُ ذلك! قال: فقال: أليس أبو بكرٍ كان يَعْلَمُ ما لا يعلمُ النَّاسُ؟ ثم كان عمر يعلم ما لا يعلم الناس (٥)؟!

стр. 355

وقال عبد الله بن مسعود: لو وُضِعَ عِلْم أحياء العرب في كِفَّة وعِلْمُ عُمَرَ في كِفَّة لَرَجَحَ بهم عِلْمُ عمر. قال الأعمش: فذكروا ذلك لإبراهيم فقال: عبدُ الله إنْ كنَّا لَنَحْسبُه قد ذهب بتسعة أعشار العلم (١). وقال سعيد بن المسيِّب: ما أعلم أحدًا من الناس بعد رسول الله ﷺ أعْلَمَ من عُمَرَ بنِ الخطَّاب (٢). وقال الشَّعبِيُّ: قضاةُ الناس أربعة: عمر، وعليٌّ، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري (٣). وكانت عائشة ﵂ مقدمة في: العلم، والفرائض، والسنن والأحكام، والحلال والحرام، والتفسير. قال عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْر: ما جالستُ أحدًا قط أعْلَمَ بقضاءِ، ولا بحديثِ الجاهليَّة، ولا أروى للشِّعر، ولا أعْلَمَ بفريضةٍ ولا طبٍّ مِنْ عائشة (٤). وقال عطاء: كانت عائشةُ أعلمَ النَّاس وأَفْقَهَ النَّاس (٥). وقال البخاريُّ في "تاريخه": روى العِلْمَ عن أبي هريرةَ ثمانمائة رجلٍ، ما بين صاحب وتابع (٦). وقال عبد الله بن مسعود: إنَّ الله نَظَرَ في قُلوب العبادِ، فوجد قَلْبَ
следующие страницы →