بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
الحمدُ لله الذي رضي لنا الإسلام ديْنًا، ونصب لنا الدِّلالة على صحته برهانًا مبينًا، وأوضحَ السَّبيلَ إلى معرفته واعتقاده حقَّا يقينًا، ووعدَ منْ قام بأحكامه وحفظ حدودَهُ أجرًا جسيمًا، وذخر لمن وافاه به ثوابًا جزيلًا وفوزًا عظيمًا، وفرض علينا الانقياد له ولأحكامه، والتمسك بدعائمه وأركانه، والاعتصام بعراهُ وأسبابه.
فهو دينُه الذي ارتضاه لنفسه ولأنبيائه ورسله وملائكة قدسه، فبه (٢) اهتدى المهتدون، وإليه دعا الأنبياءُ والمرسلون (٣).
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣].
فلا يقبل من أحد دينًا سواه من الأولين والآخرين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
شهد بأنَّه دينُه قَبْلَ شهادة الأنام، وأشادَ به (٤) ورَفَعَ ذِكْرَهُ، وسمَّى به أهلَه وما اشتملت عليه الأرحامُ، فقال تعالى:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨، ١٩].
стр. 73
وجعل أهلَه همُ الشهداءُ على النَّاس (١) يومَ يقومُ الأشهاد، لِمَا فضَّلهم به من الإصابة في القول والعمل والهَدْي والنيَّة والاعتقادِ، إذْ كانوا أحقَّ بذلك وأهلَه في سابق التقدير، فقال:
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].
وحَكَمَ -سبحانه- بأنَّه أحسنُ الأديانِ، ولا أحسنَ من حُكْمهِ ولا أصدقَ منه قِيلًا، فقال:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
وكيف لا يميِّز مَنْ له أدنى عقلٍ يرجع إليه بين دينٍ قام أساسُه وارتفع بناؤه على عبادةِ الرحمن، والعملِ بما يحبُّه ويرضاه مع الإخلاص في السِّر والإعلان، ومعاملةِ خلقه بما أَمَرَ به من العَدْلِ والإحسانِ، مع إيثارِ (٢) طاعتهِ على طاعةِ الشيطان (٣).
وبين دينٍ أُسِّس بُنيانُهُ على شَفَا جُرُفٍ هارٍ فانهار بصاحبه (٤) في النَّار؛ أُسِّس على عبادة النِّيران، وعَقْدِ الشَّرِكَةِ بين الرَّحمنِ والشَّيطان،
стр. 74
وبينه وبين الأوثان (١).
أو دينٍ أُسِّس بنيانُه على عبادة الصُّلْبان والصُّوَر المدهونة في الشُقُوفِ والحيطان، وأنَّ ربَّ العالمين (٢) نزل عن كرسى عظمته فالتَحَمَ بِبَطْنِ أنثى، وأقام هناك مدةً من الزمان، بين دم الطَّمْث في ظلمات الأحشاء تحت ملتقى الأعكان (٣)، ثم خرج صَبيًّا رضيعًا، يشبُّ شيئًا فشيئًا، ويبكي ويأكل ويشرب، ويبول وينام، ويَتقلَّب مع الصبيان، ثم أُوْدع في المكتب بين صبيان اليهود يتعلَّم ما ينبغي للإِنسان.
هذا؛ وقد قُطِعَتْ منه القُلْفَةُ حين الختان، ثم جعل اليهودُ يطردونه ويشرِّدونه (٤) من مكانٍ إلى مكان، ثم قبضوا عليه وأحَلُّوه أصناف الذلِّ والهَوَان، فعقدوا على رأسه من الشوك تاجًا من أقبح التيجان، وأركبوه قصبةً ليس لها لِجَامٌ ولا عِنَانٌ، ثم ساقوه إلى خشبة الصَّلْب مصفوعًا مبصوقًا في وجهه، وهم خَلْفَه وأمامَه وعن شمائله وعن الأيمان، ثم أركبوه ذلك المركب الذي تقشعرُّ منه القلوب مع الأبدان، ثم شُدَّت بالحبال يَداهُ والرِّجْلان (٥)، ثم خالطها (٦) تلك المسامير التي تكسر
стр. 75
العظام وتمزق اللُّحْمَانَ، وهو يستغيثُ: يا قومِ ارحَمُونِي! فلا يرحمُه منهم إنسانٌ.
هذا؛ وهو مدبِّر (١) العالم العلويِّ والسفلي الذي يسأله مَنْ في السموات والأرض كلَّ يوم هو في شأن! ثم مات ودفن في التراب تحت صُمِّ الجَنَادل (٢) والصَّوَّان، ثم قام من القبر، وصعد إلى عرشه ومُلكه (٣) بعد أن كان ما كان.
فما ظنك بفروع هذا أصلُها الذي قام عليه البنيان!
أو دينٍ أُسِّس بنيانُه على عبادة الإله المنحوت (٤) بالأيدي بعد نحت الأفكار من سائر أجناس الأرض (٥) على اختلاف الأنواع والأصناف والألوان، والخضوع له والتذلل والخرور سجودًا على الأذقان، لا يؤمن مَنْ يدين به بالله ولا ملائكته، ولا كتبه ولا رسله، ولا لقائه يوم يجزى المسيء بإساءته والمحسن بِالإِحسان (٦).
أو دين الأمَّة الغَضَبيَّة الذين انسلخوا من رضوان الله كانسلاخ الحيَّة من قِشرها (٧)، وبَاؤوا بالغَضَب والخِزْي (٨) والهَوانِ، وفارَقُوا أحكاَمَ التوراةِ ونَبَذُوها وراءَ ظهورَهم، واشتروا بها القليل من
стр. 76
الأثمان (١)، فرحل عنهم التوفيقُ وقَارَنَهُمُ (٢) الخِذْلَانُ، واستبدلوا بولايةِ الله وملائكته ورسله وأوليائه ولايةَ الشيطان.
أو دينٍ أُسِّس بنيانه على أنَّ ربَّ العالمين وجود مُطْلَقٌ في الأذهان، لا حقيقةَ له في الأعيان، ليس بداخلٍ في العَالَمِ ولا خارجٍ عنه، ولا متَّصل به ولا منفصلٍ عنه، ولا محايثٍ ولا مباينٍ له، ولا (٣) يَسمع، ولا يَرى، ولا يعلم شيئًا من الموجودات ولا يفعل ما يشاء، لا حياة له، ولا قدرة، ولا إرادة، ولا اختيار، ولم يخلق السموات والأرض في ستة أيام، بل لم تزل السموات والأرض معه، وجودها مقارن لوجوده، لم يُحْدِثْها بعد عدمها، ولا له قدرة على إفنائها بعد وجودها، ما أنزل (٤) على بشرٍ كتابًا، ولا أرسل إلى الناس رسولًا، فلا شرع يتبع، ولا رسول يطاع، ولا دار بعد هذه الدار، ولا مبدأ للعالم ولا معاد، ولا بعث ولا نشور، ولا جنة ولا نار، إن هي إلا تسعة أفلاك وعشرة عقول، وأربعة أركان وأفلاك تدور، ونجوم تسير، وأرحام تدفع، وأرض تبلع، و ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ضدَّ له ولا ندَّ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا كفؤ له، تعالى عن إفك المبطلين، وخَرْص (٥)
стр. 77
الكاذبين، وتقدَّس عن شرك المشركين، وأباطيل الملحدين.
كَذَبَ العادلون به سواه، وضَلُّوا ضلالًا بعيدًا، وخسروا خسرانًا مبينًا: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ [المؤمنون: ٩١، ٩٢].
وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفوتُه من خلقه وخِيرتُه من بَرِيَّتِه، وأمينُه على وَحْيهِ، وسفيرُه (١) بينه وبين عباده. ابتعثه بخير مِلَّة وأحسن شِرْعة، وأظهر دلالة وأوضح حُجَّة، وأبْيَنِ برهانٍ إلى جميع العالمين: إنسهم وجنَّهم، عَرَبهم وعَجَمِهم، حاضرِهم وبَادِيهم؛ الذي بشَّرتْ به الكتب السالفة، وأخبرتْ به الرُّسل الماضية، وجرى ذكره في الأعصار، في القرى والأمصار والأمم الخالية، ضُرِبَتْ لنبوَّتِهِ البشائرُ مِنْ عهد آدم أبي البشر، إلى عهد المسيح ابن البشر، كلَّما قام رسولٌ أُخذ عليه الميثاقُ بالإيمان به والبشارة بنبوَّته، حتى انتهت النبوَّةُ إلى كَلِيْم الرحمن، موسى بنِ عِمْرَانَ، فأذَّن بنبوَّته على رؤوس الأشهاد بين بني إسرائيل، مُعْلِنًا بالأذان: "جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران" (٢) إلى أن ظهر المسيح ابن مريم، عبدُ الله ورسولُه، وروحُه وكلمتُه التي ألقاها إلى مريم فأذَّن بنبوَّته أذانًا لم يؤذّنْه أحدٌ مثلُه قَبْلَه (٣).
فقام في بني إسرائيل مقامَ الصَّادق النَّاصح -وكانوا لا يُحبُّون
стр. 78
النَّاصحين- فقال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦].
تالله لقد أذَّن المسيح أذانا سَمِعه (١) البادي والحاضر، فأجابه المؤمنُ المصدِّق، وقامت حُجَّةُ الله على الجاحد الكافر. الله أكبر الله أكبر عما يقول فيه المبطلون. ويصفه به الكاذبون، وينسبه إليه المفترون والجاحدون.
ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نِدَّ له ولا كُفْؤ له، ولا صاحبةَ له، ولا وَلَدَ له (٢)، بل هو الأحدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ، ولم يُوْلَدْ، ولم يكن له كُفُوًا أحدٌ.
ثم رفع صوته بالشهادة لأخيه وأَوْلى النَّاس به؛ بأنه عبد الله ورسوله، وأنه أركون (٣) العالَم، وأنه روحُ الحق الذي لا يتكلم من قِبَل نَفْسهِ، إنما يقول ما يقال له، وأنه يخبر (٤) الناس بكل ما أعدَّ الله لهم، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم بالغيوب ويجيئهم بالتأويل، ويوبِّخ العالَم على الخطيئة، ويخلِّصهم من يد الشيطان، وتستمرّ شريعته وسلطانه إلى آخر الدَّهْر، وصرَّح في أذانه باسمه ونَعْتِه وصِفَتِه وسيرته حتى كأنهم ينظرون إليه عيانًا (٥).
ثم قال حيَّ على الصلاةِ خلفَ إمام المرسلين وسيِّدِ ولد آدَمَ
стр. 79
أجمعين، حيَّ على الفلاح باتباع مَنِ السعادةُ في اتِّباعهِ، والفلاِحُ في الدخول في زمرة أشياعه، فأذَّن وأقام وتولَّى وقال: "لستُ أدَعُكم كالأيتام، وسأعود وأصلي وراء هذا الإمام، هذا عهدي إليكم، إنْ حفظتموه دام لكم المُلْكُ إلى آخر الأيام" (١).
فصلَّى اللهُ عليه منْ ناصع بشَّرَ برسالة أخيه -عليهما أفضل (٢) الصلاة والسلام- وصدَّق به أخوه، ونزّهه عما قال فيه وفي أمِّه أعداؤه المغضوبُ عليهم من الإفك والباطل وزُوْرِ الكلام، كما نزَّه ربَّه وخالقه ومُرْسِلَه عمَّا قال فيه المثلِّثةُ عُبَّاد الصليب، ونسبوه إليه من النَّقْص والعَيْبِ والذّمِّ.
أما بعد:
فإنَّ الله -جلَّ ثناؤهُ وتقدَّست أسماؤه وتبارك اسمُه وتعالى جَدُّه ولا إله غيره- جعلَ الإسلامَ عصمةً لمن لجأ (٣) إليه، وجُنَّةً لمن استمسك به وعضَّ بالنواجذ عليه، فهو حَرَمُه الذي مَنْ دخله كان من الآمنين، وحِصْنُهُ الذي من لجأ إليه كان من الفائزين، ومَنِ انقطع دونه كان من الهالكين، وأبى أن يقبل من أحد دينًا سواه -ولو بذل في المسير إليه جهده واستفرغ قواه (٤) - فأظهره على الدِّين كلِّه حتى طبَّق مشارقَ الأرض ومغاربَها، وسار مَسِيْرَ الشَّمس في الأقطار، وبَلَغَ إلى حيث انتهى اللَّيلُ والنَّهار.
стр. 80
وعَلَتِ الدعوةُ الإسلاميَّة وارتفعت غايةَ الارتفاع والاعتلاء، بحيث صار أصلها ثابتًا، وفرعها في السماء، فتضاءلت لها جميع الأديان، وخَرَّت (١) تحتها الأممُ منقادةً بالخضوع والذلِّ والإذعانِ، ونادى المنادي بشعارها في جوِّ السماء بين الخافِقَيْن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صارخًا بالشهادتين، حتى بطلت دعوة الشيطان، وتلاشت (٢) عبادة الأوثان، واضمحلَّت عبادة النيران، وذل (٣) المثلِّثة عُبَّاد الصُّلْبان، وتقطَّعت الأمةُ الغضبيَّة في الأرض كتقطُّع السَّراب في القِيْعَان.
وصارت كلمة الإسلام العليا، وصار له في قلوب الخلائق المثل الأعلى، وقامتْ براهينُه وحججُه على سائر الأمم في الآخرة والأولى، وبلغت منزلتُه في العُلَى والرفعة (٤) الغايةَ القُصْوى، وأقام لدولته (٥) ومصطفيه أعوانًا وأنصارًا، نشروا ألويتَهُ وأعلامَهُ، وحفظوا من التغيير والتبديل حدودَهُ وأحكامَهُ، وبلَّغوا إلى نظرائهم -كما بلَّغ إليهم مَنْ قَبْلَهُم- حلالَه وحرامَهُ، فعظَّموا شعائره، وعلَّموا شرائعه، وجاهدوا أعداءه بالحجة والبيان حتى اسْتَغْلَظَ وَاسْتَوَى على سُوْقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ويَغِيظُ الكُفَّارَ.
وعلا بنيانُه المؤسَّسُ على تقوى من الله ورضوان، إذْ (٦) كان بناء
стр. 81
غيره مؤسَّسًا على شفا جُرُفٍ هارٍ، فتبارك الذي رفع منزلته، وأعلى كلمتَه، وفخَم شأنَه، وأشاد بنيانَه، وأذلَّ مُخَالفيه ومُعَانديه، وكَبَتَ من يُبْغِضه ويُعادِيه، ووسمهم بأنَّهم شَرُّ الدوابِّ، وأعدَّ لهم -إذا قدموا عليه- أليمَ العقاب (١)، وحكم لهم بأنهم أضلُّ سبيلًا من الأنعام، إذِ استبدلوا الشركَ بالتوحيد، والضلالَ بالهدى، والكفرَ بالإسلام، وحكم -سبحانه- لعلماء الكفر وعباده حكمًا يشهد ذوو العقول بصحته ويرونه شيئًا حسنًا، فقال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
فصل (٢)
فأين يذهب مَنْ تولَّى عن توحيد ربّه وطاعته، ولم يرفع رأسًا بأمره ودعوته، وكذَّب رسولَه وأعرضَ عن متابعته، وحادَ عن شريعته، ورَغِبَ عن ملَّتِه واتَّبع غير سُنَّتِه، ولم يستمسك (٣) بعهده، ومكَّن الجهلَ من نفسه، والهوى والعنادَ من قلبِه، والجحودَ والكفرَ مِنْ صَدْرهِ، والعصيانَ والمخالفةَ مِنْ جوارحه، فقد قابل خبر الله بالتكذيب، وأمْرَهُ بالعصيان، ونهيَه بالارتكاب، يَغْضَبُ الربُّ وهو راضٍ، ويرضى وهو غضبان، يحبُّ ما يبغض، ويبغض ما يحبُّ، ويوالي من يعاديه، ويعادي من
стр. 82
يواليه (١)، يدعو إلى خلاف ما يرضى، وينهى عبدًا إذا صلَّى، قد اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، وَأَضَلهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ فأصمَّه وأبكمه وأعماه، فهو ميِّت الدارين، فاقد السَّعادتين، قد رضي بخزي الدنيا وعذاب الآخرة، وباع التجارة الرابحة بالصفقة الخاسرة (٢)؛ فقَلْبُه عن ربه مصدود (٣)، وسبيل الوصول إلى جنته ورضاه وقربه عنه مسدود، فهو وليُّ الشيطان وعدوُّ الرَّحمن، وحليف الكفر والفسوق والعصيان.
رضي المسلمون بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدِ رسولًا، ورضي المخذولُ بالصَّليب والوثنِ إلهًا، وبالتَّثليث والكفر دِيْنًا، وبسبيل الضَّلال والغضب سبيلًا. أَعصى النَّاس للخالق الذي لا سعادة له إلا في طاعته، وأَطْوَعُهم للمخلوق الذي ذهاب دنياه وأخراه في طاعته، فإذا سُئِل في قبره: من ربُّك وما دينُك ومن نبيُّك؟ قال: آه، آه، لا أدري. فيقال: لا دَرَيْتَ، ولا تَلَيْتَ، وعلى ذلك حَييْتَ، وعليه متَّ وعليه (٤) تُبْعثُ إن شاء الله تعالى. ثم يُضْرَمُ عليه قبرُه ناَرًا، ويضيق عليه كالزُّجِّ في الرُّمح إلى قيام الساعة (٥).
стр. 83
فإذا بعثر (١) ما في القبور وحُصِّل ما في الصُّدور (٢)، وقام الناس لربِّ العالمين، ونادى المنادي: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩].
ثم رفع لكل عابد (معبوده الذي كان) (٣) يعبده ويهواه، وقال الربُّ تعالى وقد أنصت له الخلائق: أليس عدلًا مني أن أولِّي كلَّ إنسان منكم ما كان في الدنيا يتولاه؟ = فهناك يعلم المشرك حقيقة ما كان عليه، ويتبين (٤) له سوء منقلبه وما صار إليه، ويعلم الكفار أنهم لم يكونوا أولياءه، إنْ أولياؤه إلا المتقون ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
فصل
ولما بعث الله محمدًا ﷺ كان أهل الأرض صنفين: أَهْلُ كتابٍ (٥)، وزنادقة (٦) لا كتاب لهم، وكان أهلُ الكتاب أفضلَ الصِّنْفَيْن، وهم نوعان: مغضوبٌ عليهم وضالُّون.
стр. 84
فالصنف الأول: الأمة (١) الغضبيَّة، هم "اليهود"، أهلُ الكذب والبَهْتِ والغَدْر والمَكْر والحِيَل، قَتَلَةُ الأنبياءِ وأَكَلَةُ السُّحْت -وهو الربا والرِّشا- أخبثُ الأمم طويَّةً، وأرداهم سجيَّةً، وأَبْعَدُهُمْ مِنَ الرحمة، وأقربُهم من النِّقمة (٢)، عادتُهم البغضاء، ودَيْدَنُهم (٣) العداوةُ والشحناء، بيت السِّحْر والكذب والحِيَل، لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياءَ حرمةً، ولا يَرْقُبون في مؤمن إلًّا ولا ذِمَّةً. ولا لمن وافقهم عندهم حقٌّ ولا شفقةٌ، (ولا لمن شاركهم عندهم عدلٌ ولا نَصَفَة) (٤) ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أمَنَة، ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة. بل أخبثهم أعقلهم، وأحذقهم أغشُّهم، وسليم الناصية (٥) -وحاشاه أن يوجد بينهم- ليس بيهوديٍّ على الحقيقة، أضيق الخلق صدورًا، وأظلمهم بيوتًا، وأنتنهم أفنيةً، وأوحشهم سجيةً (٦)، تحيَّتُهم لعنةٌ ولقاؤهم طِيَرَةٌ، شِعَارُهُم الغَضَبُ ودِثَارُهُم المَقْتُ.
فصل
والصنف الثاني المثلِّثة: أمةُ الضَّلال وعُبَّاد الصَّليب، الذين سَبُّوا الله الخالق مَسَبَّةً ما سَبَّهُ إيَّاها أحدٌ من البشر، ولم يُقِرُّوا بأنَّه الواحدُ الأحَدُ الفرد الصَّمَدُ، الذي لم يلد ولم يُوْلَدْ ولم يكن له كُفُوًا أحد، ولم يجعلوه
стр. 85
أكبر من كل شيء، بل قالوا فيه ما ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠].
فقل ما شئت في طائفةٍ أصلُ عقيدتها أنَّ الله ثالث ثلاثة، وأنَّ مريم صاحبته، وأنَّ المسيح ابنُه، وأنَّه نزل عن كرسيِّ عظمته، والتحم ببطن الصَّاحبة، وجرى له ما جرى إلى أن قُتِلَ وماتَ ودُفِنَ؛ فدينُها (١) عبادةُ الصُّلْبَانِ، ودعاءُ الصور المنقوشة بالأحمر والأصفر في الحيطان، يقولون في دعائهم: يا والدة الإله ارزقينا، واغفري لنا وارحمينا.
فدينُهم شُرْبُ الخمورِ وأكلُ الخنزير، وتَرْكُ الختان، والتَّعبُّدُ بالنجاسات، واستباحةُ كلِّ خبيثٍ من الفيل إلى البعوضة. والحلالُ ما حلَّله القَسُّ (٢) والحرام ما حرَّمه، والدِّينُ ما شرعه، وهو الذي يغفر لهم الذنوب، وينجِّيهم من عذاب السعير.
فصل
فهذا حال من له كتاب؛ وأمَّا مَنْ لا كتاب له: فهو بين عابد (أوثان، وعابد) (٣) نيران، وعابد شيطان، وصابئٍ حيران، يجمعهم الشِّركُ وتكذيبُ الرُّسل، وتعطيلُ الشَّرائع، وإنكارُ المعادِ وحشرِ الأجسادِ، لا يدينون للخالق بدين، ولا يعبدونه مع العابدين، ولا يوحِّدونه مع الموحِّدين.
стр. 86
وأُمَّةُ المَجُوسِ منهم؛ تستفرش (١) الأمَّهات والبنات والأخوات -دَعِ (٢) العَمَّاتِ والخالات- دينُهم الزَّمْر، وطعامُهم الميتة، وشرابهم الخمَر، ومعبودهم النَّار، ووليُّهم الشيطان، فهم أخبثُ بني آدم نِحْلةً، وأرداهم مذهبًا، وأسْوَؤهُم اعتقادًا.
وأما زنادقة الصَّابئَةِ ومَلَاحِدَةُ الفلاسفة؛ فلا يؤمنون بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولَا لقائه، ولا يؤمنون بمبدأ ولا معاد، وليس للعالَم عندهم ربٌّ فَعَّال (٣) بالاختيار لما يريد قادرٌ على كلِّ شيء، عالمٌ بكلِّ شيء، آمرٌ ناهٍ، مُرْسِلُ الرُّسل، ومنزل الكتب، ومثيب المحسن، ومعاقب المسيء، وليس عند نظارهم إِلا تسعة أفلاك، وعشرة عقول، وأربعة أركان، وسلسلة ترتبت فيها الموجودات، هي بسلسلة المجانين أشْبَهُ منها بمجوزات العقول.
وبالجملة: فدينُ الحنيفيَّة -الذي لا دين لله غيره بين هذه الأديان الباطلة التي لا دين في الأرض غيرها- أخفى من السُّهَا (٤) تحت السَّحاب.
وقد نظر الله إلى أهل الأرض فَمَقَتَهُمْ عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب (٥). فأطْلَعَ اللهُ شمسَ الرسالة في حَنَادِسِ (٦) تلك الظُّلَم
стр. 87
سراجًا منيرًا، وأنْعَمَ بها على أهل الأرض نعمةً لا يستطيعون لها شُكورًا، وأشرقتِ الأرضُ بنورها أكْمَلَ الإشراق، وفاض ذلك النور (١) حتى عمَّ النواحيَ والآفاق، واتَّسَقَ قمر الهدى أتَمَّ الاتِّساق، وقام دين الله الحنيفُ (٢) على ساق.
فلله الحمدُ الذي أنقذَنَا بمحمَّدِ ﷺ من تلك الظُّلمات، وفتح لنا به باب الهدى فلا يُغْلَق إلى يوم الميقات، وأرانا في نوره أهْلَ الضلال وهم في ضلالهم يتخبَّطون، وفي سكرتهم يَعْمَهُونَ وفي جهالتهم يتقلَّبون، وفي رَيْبِهم يتردَّدُون، يؤمنون: (ولكن بالجبت والطاغوت يؤمنون) (٣)، ويعدلون: ولكن بربِّهم يعدلون، ويعلمونَ، ولكن: ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون، ويسجدون، ولكن للصَّليب والوثن والشمس (٤) يسجدون، ويمكرون وما يمكرون إلَّا بأنفسهم وما يشعرون.
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١].
стр. 88
والحمد لله الذي أغنانا بشريعتهِ التي تدعو إلى الحكمة والموعظة الحسنة، وتتضمن الأمْرَ بالعدل والإحسان، والنهيَ عن الفحشاء والمنكر والبغي، فله المِنَّةُ والفضل على ما أنعم به علينا وآثَرَنا به على سائر الأمم، وإليه الرغبة أن يُوزِعَنَا شُكْرَ هذه النعمة، وأنْ يفتحَ لنا أبواب التَّوبةِ والمغفرةِ والرَّحمة.
فأحبُّ الوسائل إلى المحسن (١) التوسُّلُ إليه بإحسانه، والاعترافُ له بأنَّ الأمر كلَّه محضُ فضلِه وامتنانهِ.
فله علينا النِّعمة السَّابغةُ (٢) كما له علينا الحُجَّةُ البالغة، نبوءُ بنعَمِهِ علينا، ونبوء بذنوبنا وخطايانا وجَهْلِنا وظُلْمِنا وإسْرَافِنا في أمرنا؛ فهذه بضاعتنا التي لدينا، لم تُبْقِ (٣) لنا نِعَمُه وحقوقُها وذنُوبنا حسنة (نرجو بها) (٤) الفوزَ بالثَّواب والتخلُّصَ من أليم العقاب. بل بعض ذلك يستنفِدُ (٥) جميع حسناتنا، ويستوعبُ كلَّ طاعتنا (٦). هذا لو خلصت من الشوائب، وكانت خالصةً لوجهه، واقعةً على وَفْقِ أمره (٧)، وما هو والله إلا التعلُّقُ بأذيال عفوه وحُسْنُ الظنِّ به، واللجوء (٨) منه إليه، والاستعاذةُ
стр. 89
به منه والاستكانة والتذلُل بين يديه، ومدُّ يد الفاقة والمَسْكَنَةِ إليه، بالسؤال والافتقار إليه في جميع الأحوال.
فمَنْ أصابته نفحةٌ من نَفَحَاتِ رحمته، أو وَقَعتْ عليه نظرةٌ من نظرات رأفته: انتعشَ من بين الأموات، وأَنَاخَتْ بفنائِهِ وفودُ الخيرات، وترحَّلت (١) عنه جيوش الهموم والغموم والحسرات.
وإذا نَظَرْتَ إليَّ نَظْرَةَ رَاحِمٍ … في الدَّهْرِ يومًا إنَّني لَسَعِيْدُ
فصل
ومن بعض حقوقِ الله على عبده رَدُّ الطَّاعنين على كتابه ورسوله ودينه ومجاهدتهم بالحُجَّةِ والبيانِ، والسَّيف والسِّنَانِ، والقلبِ والجنانِ، وليس وراء ذلك حبَّة خَرْدَلٍ من الإيمان (٢).
وكان انتهى إلينا مسائل، أوردها بعض الكفَّار الملحدين على بعض المسلمين، فلم يصادف عنده ما يَشْفِيهِ، ولا وقع دواؤه على الدَّاء الذي فيه، وظن المسلمُ أنَّه (بضربه يداويه) (٣)، فَسَطا به ضربًا وقال: هذا هو الجواب!
فقال الكافر: صدق أصحابنا في قولهم: إنَّ دين الإسلام إنما قام بالسيف لا بالكتاب.
стр. 90
فتفرَّقا وهذا ضارب، وهذا مضروب، وضاعتِ الحُجَّةُ بين الطَّالب والمطلوب.
فشمَّر (١) المجيب ساعد (٢) العَزْم، ونهض على ساق الجدِّ، وقام لله قيامَ مستعينِ به، مفوِّضٍ إليه، مُتكلِ (٣) عليه في موافقة مرضاته، ولم يَقُلْ مقالةَ العجزة الجهَّال: إنَّ الكفار إنما يُعَامَلُون بالجلَاد دون الجدَال. وهذا فرارٌ من الزحف، وإخلادٌ إِلى العجز والضعَف و (قد أمَر الله بمجادلة) (٤) الكفار بعد دعوتهم إقامةَ للحُجَّة وإزاحةً للعذر ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].
والسَّيفُ إنما جاء مُنَفذًا للحُجَّة، مقوّمًا للمُعَانِد (٥)، وحدًّا للجاحد، قال تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
فدينُ الإسلام قام بالكتاب الهادي، ونفَّذه السَّيفُ الماضي (٦).
стр. 91
فَمَا هُوَ إلَّا الوَحْيُ أَوْ حَدُّ مُرْهَفٍ … يُقِيْمُ ضُباهُ (١) أَخْدَعَي كلِّ مَائِلِ
فَهذَا شِفَاءُ الدَّاءِ مِنْ كُلِّ عَاقلٍ … وهذا دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ كُلِّ جَاهِلِ (٢)
وإلى الله الرَّغبة في التوفيق، فإنَّه الفاتح من الخير أبوابَهُ، والميسِّر له أسبابه.
(وقد وضعت هذا الكتاب) (٣)، وسميته: "هداية الحيارى (٤) في أجوبة اليهود والنصارى".
وقسمته قسمين:
(القسم الأول) في أجوبة المسائل.
(القسم الثاني) في تقرير نبوة محمد (٥) ﷺ بجميع أنواع الدلائل.
فجاء -بحمد الله ومَنِّه وتوفيقه- كتابًا مُمْتِعًا مُعْجِبًا، لا يسأمُ قارِيه، ولا يَمَلُّ النَّاظر فيه؛ فهو كتابٌ يصلح للدُّنيا والآخرة، ولزيادة الإيمان، ولذة الإنسان، يعطيك ما شئتَ من أعلام النبوَّة وبراهين الرسالة، وبشارات الأنبياء بخاتمهم (٦)، واستخراجِ اسمه الصَّريح من كتبهم، وذِكْرِ نعتِه وصفته وسيرتِه من كتبهم، والتمييزِ بين صحيح الأديان
стр. 92
وفاسدِها، وكيفيَّة فسادِها بعد استقامتها، وجملةً من فضائح أهل الكتابَيْن، وما هم عليه، وأنهم أعظم النَّاس براءةً من أنبيائهم، وأنَّ نصوص أنبيائهم تشهد بكفرهم وضلالهم، وغير ذلك من نُكَتٍ بديعة لا توجد في سواه. والله المستعانُ وعليه التُّكْلانُ، فهو حَسْبُنَا ونِعْمَ الوكيلُ.
стр. 93
القسم الأول أجوبة المسائل
стр. 94
فنقول: (أمَّا المسألة الأُولى) وهي قول السائل: (قد اشتهر عندكم بأنَّ أهل الكتابَيْن ما مَنَعَهُمْ من الدُّخول في الإسلام إِلَّا الرِّيَاسةُ والمَأْكَلَةُ لا غير) = فكلامُ جاهلٍ بما عند المسلمين (وبما عند الكفَّار) (١).
أمَّا المسلمون؛ فلم يقولوا: إنَّه لم يمنعْ أهلَ الكتاب مِنَ الدُّخول في الإسلام إلا الرِّياسةُ والمأكلة لا غير. وإن قال هذا بعضُ عوامِّهم، فلا يلزم جماعتَهم.
والممتنعون (٢) من الدخول في الإسلام من أهل الكتابين وغيرهم جزءٌ يسير جدًّا بالإضافة إلى الدَّاخلين فيه منهم، بل أكثر الأُمم دخلوا في الإسلام طوعًا ورَغْبَةً واختيارًا، لا كرهًا ولا اضطرارًا، فإن الله بعث محمدًا ﷺ رسولًا إلى أهل الأرض، وهم خمسة أصناف، قد طبقوا الأرض: يهود، ونصارى، ومَجُوسٌ، وصَابِئَة (٣)، ومشركون. وهذه الأصناف هي التي كانت قد استولت على الدنيا من مشارقها إلى مغاربها.
فأمَّا اليهود؛ فأكثر ما كانوا باليمن وخَيْبَر والمدينةِ وما حولها، وكانوا بأطراف الشام مُسْتَذَلِّين مع النَّصارى، (وكان منهم بأرض فارس فرقة مستذلَّة مع المجوس) (٤)، وكان منهم بأرض المغرب (٥) فِرْقَةٌ، وأعزَّ ما كانوا بالمدينة وخيبر، وكأن الله سبحانه قد قطَّعهم في الأرض
стр. 95
أُممًا وسلبهم المُلْكَ والعِزَّ.
وأمَّا النصارى؛ فكانوا طَبَقَ (١) الأرض؛ فكانت الشَّام كلُّها نصارى، وأرضُ المغرب كان الغالب عليهم النصارى، وكذلك أرض مِصْرَ، والحَبَشَةِ، والنُّوْبَةِ، والجزيرة، والمَوْصِل، وأرضِ نَجْرَانَ وغيرها من البلاد.
وأما المجوس؛ فهم أهل مملكة فارس وما اتَّصل بها.
وأمَّا الصَّابِئَةُ (٢)؛ فأهلُ حَرَّانَ، وكثيرٌ من بلاد الروم.
وأما المشركون؛ فجزيرةُ العربِ جميعُها، وبلادُ الهندِ، وبلاد التُّرك وما جاورها.
وأديان أهل الأرض لا تخرج عن هذه الأديان الخمسة. ودينُ الحُنَفَاءِ لا يعرف فيهم البتَّة.
وهذه الأديان الخمسة كلُّها للشيطان، كما قال ابن عباس ﵄ وغيره: الأديان ستة، واحد للرحمن، وخمسة للشيطان (٣).
وهذه الأديان الستة مذكورةٌ في آية الفصل، في قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ
стр. 96
أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧].
فلما بعث الله رسوله ﷺ استجاب له، ولخلفائه بعده، أكثرُ أهل (١) الأديان طوعًا واختيارًا، ولم يُكْرِه أحدًا قط على الدين، وإنما كان (يقاتل من يحاربه ويقاتله، وأما من سالمه وهادنه: فلم) (٢) يقاتله ولم يُكْرِهْهُ على الدخول في دينه، امتثالًا لأمر ربِّه -سبحانه- حيث يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وهذا نفيٌ في معنى النهي، أي لا تكْرِهُوا أحدًا على الدِّين.
نزلت هذه الآية في رجال من الصحابة كان لهم أولاد قد تهوَّدوا وتنصَّروا (٣) قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام أسْلَمَ الآباءُ وأرادوا إكراهَ الأولاد على الدِّين، فنهاهم اللهُ -سبحانه- عن ذلك حتى يكونوا هم الذين يختارون الدخول في الإسلام (٤).
والصحيح أَنَّ الآية على عمومها في حقِّ كلِّ كافرٍ. وهذا ظاهرٌ على قول من يجوِّز أخْذَ الجزية من جميع الكفار، فلا يُكْرَهُونَ على الدخول في الدِّين، بل إمَّا أن يدخلوا في الدين، وإما أن يُعْطُوا الجزية، كما يقوله أهل العراق وأهل المدينة، وإن استثنى هؤلاء بعضَ عَبَدَةِ الأوثان.
стр. 97
ومَنْ تأمَّل سيرة النبيِّ ﷺ تبيَّن له أنه لم يُكْرِهْ أحدًا على دينه قط، وأنه إنما قاتل من قاتله. وأما من هَادَنَهُ: فلم يُقاتِلْه مادام مقيمًا على هدنته لم ينقض عهده، بل أمره الله تعالى أن يَفيَ لهم بعهدهم (١) ما استقاموا له، كما قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧].
ولما قَدِمَ المدينةَ صالح اليهودَ، وأقرَّهم على دينهم، فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدؤوه بالقتال قاتلهم؛ فمنَّ على بعضهم، وأجلى بعضَهم، وقتل بعضهم (٢).
وكذلك لما هادن قريشًا عشر سنين لم يبدأهم بقتالٍ حتى بدؤوا هم بقتاله ونقضوا عهده، فعند ذلك غزاهم في ديارهم (٣). وكانوا هم يغزونه قبل ذلك، كما قصدوه يوم أُحُدٍ، ويوم الخَنْدَقِ، ويوم بَدْرٍ أيضًا، هم جاؤوا لقتاله، ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم.
والمقصود: أنه ﷺ لم يُكْرِهْ أحدًا على الدخول في دينه البتة، وإنما دخل الناسُ في دينه اختيارًا وطوعًا؛ فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته لما تبيَّنَ لهم الهدى وأنَّه رسولُ الله حقًّا.
فهؤلاء أهل اليمن، كانوا على دين اليهوديَّة أو أكثرهم، كما قال النبي ﷺ لمعاذٍ لمَّا بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب فليكنْ
стр. 98
أوَّلَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا الله" وذكر الحديث (١). ثم دخلوا في الإسلام من غير رغبة ولا رهبة.
وكذلك مَنْ أسلم من يهود المدينة، وهم جماعة كثيرون غير عبد الله (بن سلام) (٢) مذكورون في كتب السِّيَر والمغازي؛ لم يُسْلِموا رغبةً في الدنيا، ولا رهبةً من السيف، بل أسلموا في حال حاجة المسلمين وكثرة أعدائهم ومحاربة أهل الأرض لهم من غير سَوْطٍ ولا نَوْطٍ (٣)؛ بل تحملوا معاداة أقربائهم وحرمانهم نفعهم بالمال والبدن مع ضعف (٤) شوكة المسلمين وقلة (٥) ذات أيديهم، فكان أحدهم يعادي أباه وأمه وأهل بيته وعشيرته، ويخرج من الدنيا رغبة في الإسلام (٦) لا لرياسة ولا مال، بل ينخلع من الرياسة والمال ويتحمل أذى الكفار؛ مِنْ ضربهم وشتمهم وصنوف أذاهم، ولا يصرفه ذلك عن دينه.
فإنْ كان كثير من الأحبار والرُّهْبَان والقِسِّيسِينَ ومَنْ ذكره هذا السائل قد اختاروا الكفر = فقد أسلم جمهور أهل الأَرض من فِرَقِ الكفَّار ولم يَبْقَ إلا الأقلُّ بالنسبة إلى من أسلم.
стр. 99
فهؤلاء نصارى الشام كانوا ملء (١) الشام ثم صاروا مسلمين إلا النادر، فصاروا في المسلمين كالشعرة السوداء في الثور الأبيض.
وكذلك المجوس كانت أمةً لا يُحْصِي (٢) عدَدَهُمْ إلا الله فأطبقوا على الإسلام لم يتخلَّفْ منهم إلا النادر، وصارت بلادهم بلاد إسلام، وصار مَنْ لم يُسْلِم منهم تحت الجزية والذلة (٣).
وكذلك اليهود أسلم أكثرهم ولم يَبْقَ منهم إلا شِرْذِمَةٌ قليلة مقطَّعة في البلاد.
فقول هذا الجاهل؛ (إن هاتين الأمتين لا يحصي عددهم إلا الله كفروا بمحمد ﷺ ) = كذبٌ ظاهر وبَهْتٌ مبين، حتى لو كانوا كلُّهم قد أجمعوا على اختيار الكفر لكانوا في ذلك أُسوةَ قومِ نوحٍ، وقد أقام فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله ويريهم من الآيات ما يقيم حجة الله عليهم، وقد أطبقوا على الكفر (٤) إلا قليلًا (٥) منهم كما قال تعالى:
﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].
وهم كانوا أضعافَ أضعافِ هاتين الأُمتين الكافرتين أهلِ الغضب وأهل الضَّلال.
стр. 100
وعادٌ (١) أَطبقوا على الكفر، وهم أمة عظيمة عقلاء، حتى (٢) استؤصلوا بالعذاب.
وثمودُ (٣) أطبقوا جميعهم على الكفر بعد رؤية الآية العظيمة التي يؤمن على مثلها البشر، ومع هذا فاختاروا الكفر على الإيمان، كما قال تعالى:
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
وقال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨].
فهاتان أُمَّتَان عظيمتان من أكبر الأُمم قد أَطْبَقَتَا على الكفر مع البصيرة، فأمة الغضب والضَّلال إذا أطْبَقَتَا على الكفر فليس ذلك بِبِدْعٍ.
وهؤلاء قوم فرعون مع كثرتهم قد أطبقوا على جحد نبوة موسى مع تظاهر الآيات الباهرة آيةً بعد آية؛ فلم يؤمن منهم إلا رجل واحد كان يكتم إيمانه.
وأيضًا، فيقال للنصارى: هؤلاء اليهود مع كثرتهم في زمن المسيح حتى كانوا ملء (٤) بلاد الشام كما قال تعالى:
стр. 101
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧].
وكانوا قد أطبقوا على تكذيب المسيح وجحدوا نبوته، وفيهم الأحبار والعُبَّاد والعلماء حتى آمن به الحَوَارِيُّون. فإذا جاز على اليهود -وفيهم الأحبار والعُبَّاد والزُّهَّاد وغيرهم- الإطباقُ على جَحْدِ نبوَّة المسيح والكفر به -مع ظهور آيات صدقه كالشمس- جاز عليهم إنكار نبوة محمدٍ ﷺ ، ومعلومٌ أنَّ جواز ذلك على أُمَّة الضلال الذين هم أضلُّ من الأنعام -وهم النصارى- أَوْلَى وأَحْرَى.
فهذا السؤال الذي أَوْرَدَهُ هذا السائلُ واردٌ بعينه في حقِّ كلِّ نبيٍّ كذَّبَتْهُ أمةٌ من الأمم.
فإنْ صوَّبَ هذا السائلُ رأيَ تلك الأمم (١) كلِّها فقد كفر بجميع الرسل، وإنْ قال: إنَّ الأنبياء كانوا على الحقِّ وكانت تلك الأمم -مع كثرتها ووفور عقولها- على الباطل فلأنْ (٢) يكون المكذِّبون بمحمد ﷺ -وهم الأقلون الأذلون الأرذلون من هذه الطوائف- على الباطل أَوْلَى وأحرى.
وأي أمة من الأمم اعْتبَرْتَهَا وجدتَ المصدِّقين بنبوة محمدٍ ﷺ جمهورَهَا، وأقلُّها وأراذلُها (٣) هم الجاحدون لنبوَّته.
فرقعة الإِسلام قد اتَّسعتْ في مشارق الأرض ومغاربها غايةَ الاتِّساع
стр. 102
بدخولِ هذه الأمم في دينه (وتَصديقِهم برسالته، وبقي مَنْ لم يدخلْ منهم في دينه، وهم من كلِّ أمةٍ أقلُّها) (١). وأين يقع النصارى المكذِّبون برسالته اليومَ من أمة النصرانيَّةِ الذين كانوا قبله؟!
وكذلك اليهودُ والمجوسُ والصَّابِئَةُ؛ لا نسبة للمكذِّبين برسالتهِ بعد بَعْثِهِ إلى جملة تلك الأمة قبل بَعْثهِ.
وقد أخبر -تعالى- عن الأمم التي أطبقت على تكذيب الرسل ودمَّرها الله -تعالى- فقال تعالى:
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤].
فأخبر عن هؤلاء الأمم أنهم تطابقوا على تكذيب رسلهم وأنه عمَّهم بالإهلاك.
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].
ومعلوم قطعًا أنَّ الله -تعالى- لم يهلك هذه الأُممَ الكثيرةَ إلا بعد ما تبيَّن لهم الهدى، فاختاروا عليه الكفْرَ، ولو لم يتبيَّنْ لهمُ الهدى لم يُهْلِكْهُمْ، كما قال تعالى:
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩].
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا
стр. 103
آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].
أي فلم يكن قريةٌ آمنت فنفعها إيمانُها إلَّا قوم يونس.
ومعلوم قطعًا أنَّه لم يُصَدَّقْ نبيٌّ من الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، ولم يتبعه من الأُمم ما صُدِّقَ محمدُ بنُ عبدِ الله ﷺ . والذين اتَّبعوه من الأمم أضعاف (١) هاتين الأمتين المكذِّبتين مما لا يحصيهم (إلا الله) (٢)، ولا يستريب من له مُسْكة من عقل أنَّ الضلال (٣) والجهل والغيَّ وفساد العقل إلى من خالفه وجحد نبوته أقرب منه إلى أتباعه ومَنْ أقرَّ بنبوته.
وحينئذ فيقال: كيف جاز على هؤلاء الأمم -التي لا يحصيهم (٤) إلا الله الذين قد بلغوا مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف طبائعهم وأغراضهم وتباين مقاصدهم- الإطباقُ على اتِّباع من يكذب على الله (وعلى رسله، و) (٥) على العقل، ويحلُّ ما حرَّمَ الله (ورسُلُه، ويحرِّم ما أحلَّه الله ورسلُه.
ومعلوم أنَّ الكاذب على الله) (٦) في دعوى الرسالة (٧) هو شَرُّ خلقِ الله وأفْجَرُهم (٨) وأظلمهم وأكذبهم.
стр. 104
ولا يشكُّ مَنْ له أدنى عقلٍ أن إطباقَ أكثر الأمم على متابعة هذا النبيِّ محمدٍ ﷺ ، وخروجَهم عن ديارهم وأموالهم، ومعاداتهم آباءهم وأبناءهم وعشائرهم في متابعته، وبذلهم نفوسهم بين يديه = من أمحل المحال، فتجويز اختيارِهم الكُفْرَ بعد تَبَيُّنِ الهدى على شرذمة قليلة حقيرة لها أغراض عديدة من هاتين الأمتين أوْلى من تجويز ذلك على المسلمين الذين طبقوا مشارق الأرض ومغاربها، وهم أَعْقَلُ الأمم وأكملُها (١) في جميع خصال الفضل.
وأين عقول عُبَّادِ العجل وعُبَّاد الصَّليب الذين أضحكوا سائر العقلاء على عقولهم ودلُّوهم على مبلغها بما قالوه في معبودهم من عقول المسلمين؟!!.
وإذا جاز اتِّفاقُ أمةٍ -فيها من قد ذكره هذا السائل- على أنَّ ربَّ العالمين وخالقَ السمواتِ والأَرَضِيْن نزل عن عرشه وكرسيِّ عظمتِه ودخل في بطن امرأةٍ في محل الحيض والطمث عِدَّةَ شهور ثم خرج من فرجها (٢) طفلًا يمصُّ الثدي ويبكي، ويكبر شيئًا فشيئًا، ويأكل ويشرب ويبول، ويصحُّ (٣) ويمرض، ويفرح ويحزن، ويَلَذُّ ويألم، ثم دبَّر حيلةً على عدوه إبليس بأنْ مكَّن أعداءَه اليهود من نفسه، فأمسكوه وساقوه إلى خشبتين يصلبونه عليهما، وهم يجرُّونه إلى الصلب، والأَوباشُ والأرذال (٤) قدَّامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره، وهو يستغيث ويبكي
стр. 105
فقرَّبوه (١) من الخشبتين، ثم توَّجُوه بتاج من الشوك، وأوجعوه (٢) صفعًا، ثم حملوه على الصليب وسَمَرُوا يديه ورِجْليْه وجعلوه بين لصين (٣)، وهو الذي اختار هذا كلَّه لتتمَّ له الحيلة على إبليس ليخلِّص آدم وسائر الأنبياء من سجنه، ففداهم بنفسه حتى خلصوا من سجن إبليس.
وإذا جاز اتِّفاقُ هذه الأُمةِ -وفيهم الأحبار والرُّهْبَان والقِسِّيسُون والزُهَّاد والعُبَّاد والفقهاء ومن ذكرتم- على هذا القول في معبودهم وإلهِهِم حتى قال قائلٌ منهم وهو من أكابرهم عندهم: "اليد التي (٤) خلقت آدم هي التي باشرت المسامير ونالت الصَّلْب"، فكيف لا يجوز عليهم الاتِّفاقُ على تكذيب مَنْ جاء بتكفيرهم وتضليلهم، ونادى سرًّا وجهرًا بكَذِبِهِمْ على الله وشَتْمِهمْ له أقْبَحَ شتمٍ، وكذبهم على المسيح، وتبديلهَم دينه، وعادَاهمِ وقاتَلَهم، وبرَّأهم من المسيح وبرَّأه منهم، وأخبر أنهم وَقُودُ النَّار وحصَبُ جهنَّم، فهذا أحد الأسباب التي اختاروا لأجلها الكُفْرَ على الإيمان. وهو من أعظم الأسباب!
فقولكم: إنَّ المسلمين يقولون إنهم لم يمنعْهُمْ من الدخول في الإسلام إلا الرِّيَاسة والمأكلة لا غير = كذبٌ على المسلمين.
بل الرياسة والمأكلة من جملة الأسباب المانعة لهم من الدخول في الدين.
стр. 106
وقد نَاظَرْنَا (١) -نحن وغيرُنَا- جماعةً منهم، فلما تبين لبعضهم فَسَادُ ما هم عليه قالوا: لو دخلنا في الإسلام لَكُنَّا من أقلِّ المسلمين لا يُؤْبَهُ لنا، ونحن مُتَحَكِّمون في أهل ملَّتِنا، في أموالهم ومناصبهم، ولنا بينهم أعظم الجاه!
وهل مَنَعَ فرعونَ وقومَهُ من اتِّباع موسى إلا ذلك؟!.
والأسباب المانعة من قَبُول (٢) الحقِّ كثيرة جدًّا.
فمنها: الجهل به، وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس، فإن من جهل شيئًا عاداه وعادى أهله.
فإِنِ انْضَافَ إلى هذا السبب بُغْضُ مَنْ أَمَرَهُ بالحقِّ ومُعاداتُهُ له وحَسَدُهُ كان المانع من القَبُول أقوى.
فإنِ انْضَاف إلى ذلك إِلْفُهُ وعادتُه ومَرْبَاهُ على ما كان عليه آباؤه ومن يحبُّه ويعظِّمه: قَوِيَ المانعُ.
فإنِ انْضافَ إلى ذلك توهُّمُه أنَّ الحقَّ الذي دُعِيَ إليه يحول بينه وبين جاههِ وعزهِ وشهواتِه وأغراضهِ: قويَ المانعُ من القَبول جدًّا.
فإنِ انْضَاف إلى ذلك خوفُه من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه، كما وقع لهرقل ملك النصارى بالشام على عهد رسول الله ﷺ = ازداد المانع من قَبُول الحقِّ قوةً، فإنَّ هِرَقْلَ عرف الحقَّ وهَمَّ
стр. 107
بالدخول في الإسلام فلم يُطَاوِعْهُ قومُه، وخافَهمْ (١) على نفسه فاختار الكفر على الإسلام بعد ما تبيَّن له الهدى، كما سيأتي ذكر قصته إن شاء الله تعالى (٢).
ومِنْ أعظم هذه الأسباب: الحَسَدُ؛ فإنه داءٌ كامنٌ في النَّفْسِ، ويرى الحاسدُ المحسودَ قد فُضِّل عليه، وأُوْتِيَ ما لم يُؤْتَ نظيرُهُ فلا يَدَعُهُ الحَسَدُ أن ينقاد له ويكونَ من أتباعه.
وهل مَنَعَ إبليسَ من السجود لآدم إلا الحَسَدُ؟! فإنَّه لما رآه قد فُضِّل عليه ورُفِعَ فوقه غَصَّ بريقه واختار الكفر على الإيمان بعد أن كان بين الملائكة.
وهذا الدَّاء هو الذي منع اليهودَ من الإيمان بعيسى ابن مريم، وقد علموا عِلْمًا لا شَكَّ فيه أنَّه رسولُ الله جاء بالبيِّنات والهدى؛ فحَمَلَهُمُ الحَسَدُ على أنِ اختارُوا الكُفْرَ على الإيمان، وأطبقُوا عليه، وهُمْ أمةٌ فيهم الأحبارُ والعلماء والزهَّاد والقُضَاة والملوك والأُمراء.
هذا؛ وقد جاء المسيح بحكم التوراة ولم يأت بشريعةٍ (٣) تخالفها، ولم يُقاتِلْهُمْ، وإنما أتى بتحليل بعض ما حُرِّمَ (٤) عليهم تخفيفًا ورحمةً وإحسانًا، وجاء مكمِّلًا لشريعةِ التوراة، ومع هذا فاختاروا كلُّهم الكفرَ على الإيمان.
стр. 108
فكيف يكون حالُهم مع نبيٍّ جاء بشريعةٍ مستقلَّةٍ ناسخةٍ لجميع الشرائع، مُبَكِّتًا لهم بقبائحهم، ومناديًا على فضائحهم، ومُخْرِجًا لهم من ديارهم، وقد قاتلوه وحاربوه، وهو في ذلك كلِّه يُنْصَرُ عليهم ويَظْفَرُ بهم، ويعلُو (١) هو وأصحابُه، وهم معه دائمًا في سَفَالٍ.
فكيف لا يملك الحسدُ والبغيُ قلوبَهُمْ؟! وأين يقع حالهم معه من حالهم مع المسيح وقد أطبقوا على الكفر به من بعد ما تبين لهم الهدى!
وهذا السبب -وحده- كافٍ في ردِّ الحق؛ فكيف إذا انْضَاف إليه زَوَالُ الرِّياسَاتِ والمَآكلِ كما تقدَّم؟!
وقد قال المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ -وهو ابن أخت أبي جهل- لأبي جهل: يا خالي هل كنتم تتهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال! يا ابن أختي! والله لقد كان (٢) محمد فينا وهو شاب يُدْعى الأمين، فما جرَّبنا عليه كذبًا قط. قال: يا خال! فما لكم لا تَتَّبعُونَهُ؟! قال: يا ابن أختي تنَازَعْنَا نحن وبنو هاشمٍ الشَّرَفَ، فأطعَمُوَا وأطعَمْنَا، وسَقَوا وسَقَيْنَا، وأجَارُوا وأَجَرْنَا، حتى إذا تجاثينا على الرُّكَب وكُنَّا كَفَرَسَي رِهَانٍ قالوا: مِنَّا نبيٌّ. فمتى نُدْرِك مثلَ هذه!!
وقال الأَخْنَسُ بن شريق يوم بدر لأَبي جهل: يا أبا الحكم! أخْبِرْني عن محمدٍ: أصادقٌ هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا من قريش أحدٌ غيري وغيرك يسمع كلامنا؟ فقال أبو جهل: ويحك! والله إنَّ محمدًا لصادق، وما كَذَبَ محمدٌ قَطُّ، ولكن إذا ذهبتْ بنو قُصَيّ باللواء والحجابةِ
стр. 109
والسقايةِ والنبوَّةِ فماذا يكون لسائر قريش (١)؟!.
وأما اليهود؛ فقد كان علماؤهم يعرفونه (٢) كما يعرفون أبناءهم، قال ابن إسحاق (٣) حدَّثني عاصمُ بنُ عُمَرَ بنِ قتادةَ عن شيخٍ من بني قُرَيْظَةَ. قال: هل تدري عمَّ كان إسلام أسدٍ وثعلبةَ ابْنَي سَعْيَةَ، وأسد بن عُبَيْد؟ -لم يكونوا من بني قُريظةَ ولا النَّضير، كانوا فوق ذلك-، فقلت: لا. قال: فإنه قدم علينا رجل من الشام من اليهود يقال له ابن الهَيَّبَان فأقام عندنا. والله ما رأينا (رجلًا يصلي) (٤) خيرًا منه، فقدم علينا قبل مبعث رسول الله ﷺ بسنتين، فكنا إذا قَحِطْنَا وقلَّ علينا المَطَرُ نقول: يا ابن الهَيَّبان اخْرُجْ فاسْتَسْقِ لنا، فيقول: لا والله حتى تُقَدِّموا أمام مَخْرَجِكم صدقةً، فنقول: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مُدَّيْن من شعير. فنخرجُه، ثم يخرج إلى ظاهر حَرَّتِنا ونحن معه نستسقي. فوالله ما يقوم من مجلسه حتى يمرّ السحابُ ونُسْقى، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثة.
فحَضرَتْهُ الوفاة واجتمَعْنَا إليه، فقال: يا معشرَ يهود! أترون ما أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟
стр. 110
قالوا: أنت أعلم! قال: فإني إنما خرجت أتوقَّعُ خروجَ نبيٍّ قد أظل زمانُه، هذه البلاد مُهَاجَرهُ. فاتَّبعُوه ولا يسبقنَّ إليه غيرُكم إذا خرج يا معشر اليهود؛ فإنه يبعث بسَفكَ الدِّماء وسَبْي الذَّرَارِي والنساء مِمَّنْ يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه، ثم مات.
فلما كانت الليلة التي فُتِحَتْ فيها قريظةُ، قال أولئك الثلاثةُ الفِتْيَةُ -وكانوا شبانًا أحداثًا-: يا معشر اليهود، واللهِ إنَّه للذي ذكر لكم ابنُ الهَيَّبَان، فقالوا: ما هو به. قالوا: بلى والله، إنه لصفته (١)، ثم نزلوا وأسلموا وخلَّوا (٢) أموالهم وأهليهم (٣).
قال ابن إسحاق: وكانت أموالهم في الحصن مع المشركين، فلما فُتِحَ رُدَّتْ عليهم (٤).
وقال ابن إسحاق: حدَّثني صالحُ بنُ إبراهيم بنِ عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ عن محمودِ بنِ لَبيْد (٥)، قال كان بين أبياتنا (٦) يهوديٌّ، فخرج على نادي قومه بني عبد الأَشْهَل ذات غداةٍ، فذَكَرَ البعثَ والقيامةَ والجنَّةَ والنَّار والحسابَ والميزان، فقالَ ذلكَ لأصحاب وثنٍ، لا يَرَوْنَ أنَّ بعثًا كائنٌ (٧) بعد الموت؛ وذلك قُبَيْلَ مبعث النبيِّ ﷺ .