← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 5705

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (517 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقد نَاظَرْنَا (١) -نحن وغيرُنَا- جماعةً منهم، فلما تبين لبعضهم فَسَادُ ما هم عليه قالوا: لو دخلنا في الإسلام لَكُنَّا من أقلِّ المسلمين لا يُؤْبَهُ لنا، ونحن مُتَحَكِّمون في أهل ملَّتِنا، في أموالهم ومناصبهم، ولنا بينهم أعظم الجاه! وهل مَنَعَ فرعونَ وقومَهُ من اتِّباع موسى إلا ذلك؟!. والأسباب المانعة من قَبُول (٢) الحقِّ كثيرة جدًّا. فمنها: الجهل به، وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس، فإن من جهل شيئًا عاداه وعادى أهله. فإِنِ انْضَافَ إلى هذا السبب بُغْضُ مَنْ أَمَرَهُ بالحقِّ ومُعاداتُهُ له وحَسَدُهُ كان المانع من القَبُول أقوى. فإنِ انْضَاف إلى ذلك إِلْفُهُ وعادتُه ومَرْبَاهُ على ما كان عليه آباؤه ومن يحبُّه ويعظِّمه: قَوِيَ المانعُ. فإنِ انْضافَ إلى ذلك توهُّمُه أنَّ الحقَّ الذي دُعِيَ إليه يحول بينه وبين جاههِ وعزهِ وشهواتِه وأغراضهِ: قويَ المانعُ من القَبول جدًّا. فإنِ انْضَاف إلى ذلك خوفُه من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه، كما وقع لهرقل ملك النصارى بالشام على عهد رسول الله ﷺ = ازداد المانع من قَبُول الحقِّ قوةً، فإنَّ هِرَقْلَ عرف الحقَّ وهَمَّ

стр. 107

بالدخول في الإسلام فلم يُطَاوِعْهُ قومُه، وخافَهمْ (١) على نفسه فاختار الكفر على الإسلام بعد ما تبيَّن له الهدى، كما سيأتي ذكر قصته إن شاء الله تعالى (٢). ومِنْ أعظم هذه الأسباب: الحَسَدُ؛ فإنه داءٌ كامنٌ في النَّفْسِ، ويرى الحاسدُ المحسودَ قد فُضِّل عليه، وأُوْتِيَ ما لم يُؤْتَ نظيرُهُ فلا يَدَعُهُ الحَسَدُ أن ينقاد له ويكونَ من أتباعه. وهل مَنَعَ إبليسَ من السجود لآدم إلا الحَسَدُ؟! فإنَّه لما رآه قد فُضِّل عليه ورُفِعَ فوقه غَصَّ بريقه واختار الكفر على الإيمان بعد أن كان بين الملائكة. وهذا الدَّاء هو الذي منع اليهودَ من الإيمان بعيسى ابن مريم، وقد علموا عِلْمًا لا شَكَّ فيه أنَّه رسولُ الله جاء بالبيِّنات والهدى؛ فحَمَلَهُمُ الحَسَدُ على أنِ اختارُوا الكُفْرَ على الإيمان، وأطبقُوا عليه، وهُمْ أمةٌ فيهم الأحبارُ والعلماء والزهَّاد والقُضَاة والملوك والأُمراء. هذا؛ وقد جاء المسيح بحكم التوراة ولم يأت بشريعةٍ (٣) تخالفها، ولم يُقاتِلْهُمْ، وإنما أتى بتحليل بعض ما حُرِّمَ (٤) عليهم تخفيفًا ورحمةً وإحسانًا، وجاء مكمِّلًا لشريعةِ التوراة، ومع هذا فاختاروا كلُّهم الكفرَ على الإيمان.

стр. 108

فكيف يكون حالُهم مع نبيٍّ جاء بشريعةٍ مستقلَّةٍ ناسخةٍ لجميع الشرائع، مُبَكِّتًا لهم بقبائحهم، ومناديًا على فضائحهم، ومُخْرِجًا لهم من ديارهم، وقد قاتلوه وحاربوه، وهو في ذلك كلِّه يُنْصَرُ عليهم ويَظْفَرُ بهم، ويعلُو (١) هو وأصحابُه، وهم معه دائمًا في سَفَالٍ. فكيف لا يملك الحسدُ والبغيُ قلوبَهُمْ؟! وأين يقع حالهم معه من حالهم مع المسيح وقد أطبقوا على الكفر به من بعد ما تبين لهم الهدى! وهذا السبب -وحده- كافٍ في ردِّ الحق؛ فكيف إذا انْضَاف إليه زَوَالُ الرِّياسَاتِ والمَآكلِ كما تقدَّم؟! وقد قال المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ -وهو ابن أخت أبي جهل- لأبي جهل: يا خالي هل كنتم تتهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال! يا ابن أختي! والله لقد كان (٢) محمد فينا وهو شاب يُدْعى الأمين، فما جرَّبنا عليه كذبًا قط. قال: يا خال! فما لكم لا تَتَّبعُونَهُ؟! قال: يا ابن أختي تنَازَعْنَا نحن وبنو هاشمٍ الشَّرَفَ، فأطعَمُوَا وأطعَمْنَا، وسَقَوا وسَقَيْنَا، وأجَارُوا وأَجَرْنَا، حتى إذا تجاثينا على الرُّكَب وكُنَّا كَفَرَسَي رِهَانٍ قالوا: مِنَّا نبيٌّ. فمتى نُدْرِك مثلَ هذه!! وقال الأَخْنَسُ بن شريق يوم بدر لأَبي جهل: يا أبا الحكم! أخْبِرْني عن محمدٍ: أصادقٌ هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا من قريش أحدٌ غيري وغيرك يسمع كلامنا؟ فقال أبو جهل: ويحك! والله إنَّ محمدًا لصادق، وما كَذَبَ محمدٌ قَطُّ، ولكن إذا ذهبتْ بنو قُصَيّ باللواء والحجابةِ

стр. 109

والسقايةِ والنبوَّةِ فماذا يكون لسائر قريش (١)؟!. وأما اليهود؛ فقد كان علماؤهم يعرفونه (٢) كما يعرفون أبناءهم، قال ابن إسحاق (٣) حدَّثني عاصمُ بنُ عُمَرَ بنِ قتادةَ عن شيخٍ من بني قُرَيْظَةَ. قال: هل تدري عمَّ كان إسلام أسدٍ وثعلبةَ ابْنَي سَعْيَةَ، وأسد بن عُبَيْد؟ -لم يكونوا من بني قُريظةَ ولا النَّضير، كانوا فوق ذلك-، فقلت: لا. قال: فإنه قدم علينا رجل من الشام من اليهود يقال له ابن الهَيَّبَان فأقام عندنا. والله ما رأينا (رجلًا يصلي) (٤) خيرًا منه، فقدم علينا قبل مبعث رسول الله ﷺ بسنتين، فكنا إذا قَحِطْنَا وقلَّ علينا المَطَرُ نقول: يا ابن الهَيَّبان اخْرُجْ فاسْتَسْقِ لنا، فيقول: لا والله حتى تُقَدِّموا أمام مَخْرَجِكم صدقةً، فنقول: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مُدَّيْن من شعير. فنخرجُه، ثم يخرج إلى ظاهر حَرَّتِنا ونحن معه نستسقي. فوالله ما يقوم من مجلسه حتى يمرّ السحابُ ونُسْقى، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثة. فحَضرَتْهُ الوفاة واجتمَعْنَا إليه، فقال: يا معشرَ يهود! أترون ما أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟

стр. 110

قالوا: أنت أعلم! قال: فإني إنما خرجت أتوقَّعُ خروجَ نبيٍّ قد أظل زمانُه، هذه البلاد مُهَاجَرهُ. فاتَّبعُوه ولا يسبقنَّ إليه غيرُكم إذا خرج يا معشر اليهود؛ فإنه يبعث بسَفكَ الدِّماء وسَبْي الذَّرَارِي والنساء مِمَّنْ يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه، ثم مات. فلما كانت الليلة التي فُتِحَتْ فيها قريظةُ، قال أولئك الثلاثةُ الفِتْيَةُ -وكانوا شبانًا أحداثًا-: يا معشر اليهود، واللهِ إنَّه للذي ذكر لكم ابنُ الهَيَّبَان، فقالوا: ما هو به. قالوا: بلى والله، إنه لصفته (١)، ثم نزلوا وأسلموا وخلَّوا (٢) أموالهم وأهليهم (٣). قال ابن إسحاق: وكانت أموالهم في الحصن مع المشركين، فلما فُتِحَ رُدَّتْ عليهم (٤). وقال ابن إسحاق: حدَّثني صالحُ بنُ إبراهيم بنِ عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ عن محمودِ بنِ لَبيْد (٥)، قال كان بين أبياتنا (٦) يهوديٌّ، فخرج على نادي قومه بني عبد الأَشْهَل ذات غداةٍ، فذَكَرَ البعثَ والقيامةَ والجنَّةَ والنَّار والحسابَ والميزان، فقالَ ذلكَ لأصحاب وثنٍ، لا يَرَوْنَ أنَّ بعثًا كائنٌ (٧) بعد الموت؛ وذلك قُبَيْلَ مبعث النبيِّ ﷺ .

стр. 111

فقالوا: ويحك يا فلان! وهذا كائن أنَّ الناس يُبْعَثُونَ بعد موتهم إلى دارٍ فيها جنَّةٌ ونارٌ يُجْزَوْنَ بأعمالهم؟! قال: نعم، والذي يُحْلَف به لوددت أَنَّ حَظِّي من تلك النار أن توقدوا أعظم تَنُّورٍ في داركم فتحمونه ثم تقذفوني فيه، ثم تطبقون عليَّ، وأَنِّي أنجو من النار غدًا. فقيل: يا فلان! ما علامة ذلك؟ قال: نبيٌّ يُبْعَثُ من ناحيةِ هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكةَ واليمن. قالوا: فمتى نراه؟ فرمى بطَرْفِهِ فرآني -وأنا مضطجع بفناء باب أهلي، وأنا أَحْدَثُ القوم- فقال: إنْ يَسْتنفِد هذا الغلام عُمرَهُ يُدْرِكْهُ. فما ذهب الليل والنهار حتى بعث اللهُ رسولَه ﷺ وإنه لحيٌّ بين أَظْهُرِنَا، فآمنَّا به وصدَّقْنَاه، وكفر به بغيًا وحسدًا، فقلنا: يا فلان ألستَ الذي قلتَ ما قلتَ وأخبرتنَا به؟! قال: ليس به (١). قال ابن إسحاق: وحدَّثني عاصمُ بنُ عُمَرَ بن قَتَادةَ قال: حدَّثني أشْيَاخٌ منّا، قالوا: لم يكن أحدٌ من العرب أعلمَ بشأنَ رسول الله ﷺ منَّا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب، وكنَّا أصحابَ وَثَنٍ، وكنَّا إذا بَلَغْنَا منهم ما يكرهون قالوا: إنَّ نبيًّا مبعوثًا الآن، قد أظلَّ زمانُه، نتبعه فنقتلكم (٢) قَتْلَ عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله ﷺ اتَّبَعْنَاه،

стр. 112

وكَفَرُوا به. ففينا وفيهم أنزل الله : ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] (١). وذكر الحاكم وغيره عن ابن أبي نَجيْح عن عليٍّ الأزْدِيّ، قال: كانت اليهود تقول: اللهمَّ ابعثْ لنا هذا النبيَّ يَحكم بيننا وبين الناس (٢). وقال سعيد بن جبير عن ابنِ عباسٍ ﵄: كانت يهود خَيْبَرَ تقاتل غَطَفَانَ، فكلما (٣) التَقَوا هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء، فقالت: اللهمَّ إئَا نسألك بحقِّ محمدٍ النبيِّ الأمِّيِّ الذي وَعَدْتنَا أنْ تُخْرِجَه لنا في آخِر الزمان إلَّا نَصَرْتنَا عليهم. قال: فكانوا إذا التَقَوا دَعَوا بهذا الدعاء، فهزَموا غَطَفَانَ، فلما بُعث النبيُّ ﷺ كفروا به (٤)، فأنزل اللهُ : ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]. يعني بك يا محمد ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. "يَسْتَفْتِحُوْنَ" أي: يستنصرون. وذكر الحاكم وغيره: أنَّ بني النَّضِيْر لما أُجْلُوا من المدينة، أقبل

стр. 113

عمرو بن سعد (١) فأطاف بمنازلهم فرأى خرابها، ففكَر ثم رجع إلى بني قُرَيْظَةَ فوجدهم في الكنيسة، فنفخ في بُوْقِهِم فاجتمعوا، فقال الزُّبَيْرُ بنُ بَاطَا: يا أبا سعيد أين كنتَ منذ اليوم فلم نَرَكَ؟ -وكان لا يفارقُ الكنيسة وكان يَتَألَّهُ في اليهودية- قال: رأيت اليوم عِبَرًا اعتبرنا بها، رأيت إخواننا قد جلوا بعد ذلك العزِّ والجَلَد والشَّرَف الفاضل والعقل البارع، قد تركوا أموالهم ومَلَكَها غيرُهم، وخرجوا خروجَ ذلٍّ، ولا -والتوراة- ما سُلِّط هذا على قوم قَطُّ لله بهم حاجة. وقد أوقع قبل ذلك بابن الأشْرَفِ (في عزة بنيانه) (٢) في بيته آمنًا، وأوقع بابن سُنَيْنَةَ، سيِّدِهم، وأوقع ببني قَيْنُقَاع فأجلاهم (٣) وهم جلُّ اليهود، وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة، فحصرهم النبيُّ ﵇، فلم يخرج إنسانٌ منهم رأسَهُ حتى سَبَاهُم، فكُلِّم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يَثْرِبَ، يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني وتعالَوا نَتَّبِعْ محمدًا، فوالله إنكم لتعلمون أنَّه نبيٌّ وقد بَشَّرَنَا به وبأمره: ابنُ الهَيَّبان وأبو عمرو بن حوَّاس، وهما أعلم اليهود، جاءا من بيت المقدس يتوكفان قُدُومَهُ، وأَمَرَانَا باتِّباعه، وأَمَرَانَا أنْ نُقْرِئَه منهما السَّلامَ، ثم ماتا على دينهما ودَفنَّاهُمَا بحَرَّتِنَا، فأسكت القوم (٤)، فلم يتكلَّمْ منهم متكلِّمٌ. فأعاد هذا الكلامَ ونحوه وخوَّفهم بالحرب والسِّبَاء والجلاء. فقال الزُّبَيْرُ بن بَاطَا: قد -والتوراةِ- قرأت صفته في كتاب التوراة

стр. 114

التي أُنزلتْ على موسى، ليس في المثاني التي أَحْدَثْنَا. فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتِّباعه؟ قال: أنت. قال: ولِمَ؟ فوالتوراة ما حُلْتُ بينَك وبينَه قط! قال الزبير: بل أنتَ صاحبُ عَهْدِنَا وعَقْدِنَا؛ فإنِ اتَّبَعْتَهُ اتَّبَعْنَاهُ، وإن أَبَيْتَ أَبَيْنَا. فأقبل عمرو بن سعد على كعب فذكر ما تقاولا في ذلك إلى أنْ قال كعبٌ: ما عندي في ذلك إلا ما قلتُ، ما تطيبُ نفسي أنْ أصير تابعًا (١). وهذا المانع هو الذي مَنعَ فرعونَ من اتِّباع موسى، فإنه لما تبيَّن له الهدى عزم على اتِّباع موسى ﵇ فقال له وزيرُه هامان: بينا أنت إلهٌ تُعْبَد تصبح تَعْبُد ربًّا غيرك (٢)؟! قال: صدقتَ. وذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: حُدِّثْتُ عن صَفِيَّةَ بنت حُيَيّ أنها قالت: كنت أَحَبَّ ولد أبي إليه وإلى عَمِّي أبي ياسر، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة غَدَوا عليه، ثم جاءا من العشي، (فسمعت عمي) (٣) يقول لأبي أهو هو؟ قال: نعم والله، قال أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت (٤). فهذه الأُمّةُ الغضبيَّةُ معروفة بعداوة الأنبياء قديمًا.

стр. 115

وأسلافُهم وخيارهم قد أَخْبَرَنا الله -سبحانه- عن أذاهم لموسى، ونَهانَا عن التشبُّه بهم في ذلك فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩]. وأما خَلَفُهم: فهم قَتَلَةُ الأنبياء؛ قتلوا زكريا وابنه يحيى وخَلْقًا كثيرًا من الأَنبياء، حتى قتلوا في يومِ سبعينَ نبيًّا وأقاموا السوق في آخر النهار كأنهم لم يصنعوا شيئًا (١). واجتمعوا على قتل المسيح وصَلْبِه، فصانَهُ الله من ذلك وأكرمه أن يُهِيْنَه على أيديهم، وألقى شَبَهَهُ على غيره فقتلوه وصلبوه، ورَامُوا قَتْلَ خاتَمِ النبيِّيْن مرارًا عديدة والله يعصمه منهم. ومَنْ هذا شأنهم لا يكبر عليهم اختيار الكفر على الإيمان لسبب من الأسباب التي ذَكَرْنَا بعضها، أو سببين أو أكثر. وقد ذكرنا اتِّفاق أمة الضَّلال وعُبَّاد الصليب على مَسَبَّة ربِّ العالمين أقبح مَسَبَّة، على ما يُعْلَم بطلانه بصريح (٢) العقل، فإنْ خَفِيَ عليهم أنَّ هذا مَسَبَّةٌ لله وأنَّ العقل يحكم ببطلانه وبفساده من أول وَهْلة: لم يكثر على تلك العقول السخيفة أنْ تَسُبَّ بشرًا أرْسَلَه الله، وتجحدَ (٣) نبوَّتَه، وتُكَابِرَ ما دَلَّ عليه صريحُ العَقْلِ من صِدْقه وصحَّةِ رسالته. فلو قالوا فيه ما قالوا لم يَبْلُغْ بعضَ قولهم في ربِّ الأرض والسموات الذي صاروا به

стр. 116

ضُحْكَةً بين جميع أصناف بني آدم. فأمَّةٌ أطبقت على أنَّ الإلَهَ الحقَّ -سبحانه عما يقولون- صُلِبَ وصُفِع وسمر ووضع الشَّوك على رأسه ودفن في التراب، ثم قام في اليوم الثالث وصعد وجلس (١) على عرشه يُدَبِّر أمر السموات والأرض = لا يكثر عليها أن تُطْبِقَ على جحد نبوة مَنْ جاء بسَبِّها ولَعْنِها ومحاربتِها وإبداءِ معايبها، والنداءِ على كُفْرِهَا بالله ورسولَه، والشهادةِ على براءة المسيح منها ومعاداته لها، ثم قاتَلَها وأذلَّها، وأخْرَجَهَا من ديارها، وضرب عليها الجزْيَةَ، وأخبر أنَّها من أهل الجحيم خالدةً مخلَّدة، لا يغفر الله لها، وأنهَا شَرٌّ من الحمير؛ بل هي شَرُّ الدوابِّ عند الله. وكيف ينكَرُ لأمةٍ أطْبَقَتْ على صَلْب معبودِها وإلهِهَا، ثم عَمَدَتْ إلى الصليب فعَبَدَتْهُ وعظَّمَتْه، وكان ينبغيَ لها أنْ تحرق (٢) كلَّ صليبٍ تقدر على إحراقه، وأنْ تهينَهُ غايةَ الإهانةِ؛ إذْ صُلِب عليه إلهُهَا الذي يقولون تارةً: إنَّه الله، وتارةً يقولون: إنه ابنه، وتارةً يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ، فجحدتْ حقَّ خالِقِهَا، وكَفَرَتْ به أعْظَمَ كُفْرٍ، وسبَّتْه أقْبَحَ مَسَبَّةٍ = أن تجحدَ حقَّ عبدِه ورسولهِ وتَكْفُرَ به. وكيف يكثر على أمة قالتْ في ربّ الأرض والسموات: إنه ينزل من السماء ليكلِّم (٣) الخلق بذاته، لئلا يكون لهم حُجَّةٌ عليه، فأراد أن يقطع حُجَّتَهم بتكليمه (٤) لهم بذاته لترتفع المعاذير عمَّن ضيَّع عهده بعد ما

стр. 117

كلَّمه بذاته، فهبط بذاته من السماء، والتحم (١) في بطن مريم، فأخذ منها حجابًا، وهو مخلوقٌ من طريق الجسم، وخالقٌ من طريق النفس، وهو الذي خلق جسمَه (٢) وخَلَق أُمَّه، وأمُّه كانت من قبله بالنَّاسوت، وهو كان من قبلها باللَّاهُوت، وهو الإله التَّام، والإنسان التَّام، ومن تمام رحمته ﵎! (٣) - على عباده: أنَّه رضي بإراقة دمه عنهم على خشبة الصليب، فَمَكَن أعداءَه اليهودَ مِنْ نَفْسِه ليتمَّ سخطه عليهم، فأخذوه، وصلبوه وصفعوه، وبصقوا في وجهه، وتوَّجوه بتاجٍ من الشَّوْك على رأسه، وغار دمُهُ (٤) في إصبعه لأنه لو وقع منه شيء إلى الأرض لَيَبِسَ كلُّ ما كان على وجهها، فنَبَتَ (٥) في موضع صَلْبِه النُّوَّارُ (٦). ولما لم يكن في الحكمة الأزليَّة أنْ ينتقم الله مِنْ عَبْدِه العاصي الذي ظَلَمَه أو استهانَ بِقَدْره؛ لاعتلاء منزلة الربِّ وسقوطِ منزلة العَبْد = أراد -سبحانه- أن ينتصف من الإنسان الذي هو إلهٌ مِثْلُه، فانتصف من خطيئة آدم بصلب (عيسى المسيح الذي هو إلهٌ مساوٍ له في الإلهيَّة، فصلب ابن الله) (٧) -الذي هو الله- في الساعة التاسعة من يوم الجمعة. هذه ألفاظُهم في كتبهم!!.

стр. 118

فأمةٌ أَطْبَقَتْ (١) على هذا في معبودها، كيف يكثر عليها أن تقول في عبده ورسوله: إنَّه ساحرٌ وكاذبٌ، وملك مسلَّط ونحو هذا؟!!. ولهذا قال بعض ملوك الهند: أمَّا النصارى؛ فإن كان أعداؤهم من أهل الملل يجاهدونهم بالشَّرْع فأنا أرى جهادَهُمْ بالعقل، وإنْ كنَّا لا نرى قتالَ أحدٍ، لكني أستثني هؤلَاء القومَ من جميع العالم؛ لأنهم قصدوا مُضَادَّة العقلِ، وناصَبُوه العداوةَ، وشَذُّوا عن جميع مصالح العالم الشرعيَّة والعقليَّة الواضحةِ، واعتَقَدُوا كل مستحيلٍ ممكنًا، وبَنَوا من ذلك شرعًا لا يؤدِّي إلى صلاحِ نوعٍ من أنواع العالم؛ ولكنه يصير العاقلُ إذا شرع به أَخْرَقَ، والرشيدُ سفيهًا، والحَسَنُ قبيحًا، والقبيحُ حَسَنًا؛ لأن من كان في أصل عقيدته التي جرى نشؤه عليها: الإساءة إلى الخلاق والنيل منه، وسبّه أقْبَحَ مسبَّةٍ، ووصفه بما يغيِّر صفاتِه الحُسْنَى، فأخْلِقْ به أن يستسهل الإساءةَ إلى مخلوق، وأنْ يصفَه بما يغيِّر صفاتِه الجميلة! فلو لم تجب مجاهدةُ هؤلاء القوم إلا لعموم إضرارهم الذي (٢) لا تحصى وجوهه، كما يجب قَتْلُ الحيوان المؤذي بطبعه = لكانوا أهلًا لذلك (٣). والمقصود: أن الذين اختاروا هذه المقالة في ربِّ العالمين على تعظيمه وتنزيهه وإجلاله ووصفه بما يليق به = هم الذين اختاروا الكُفْرَ

стр. 119

بعبده ورسوله وجَحْدَ (١) نبوَّته. والذين اختاروا عبادة صورٍ خَطُّوها بأيديهم في الحيطان مزوَّقةً بالأحمر والأصفر والأزرق؛ لو دنت منها الكلاب لَبَالَتْ عليها، فأعْطَوْها غايةَ الخضوع والذلِّ والخشوع والبكاء، وسألوهَا المغفرةَ والرَّحمةَ والرِّزقَ والنَّصر = هم الذين اختاروا التكذيب بخاتم الرُّسل على الإيمانِ به وتصديقهِ واتِّباعِه. والذين نزَّهوا مطارنتهم وبتاركتهم عن الصاحبة والولد، ونحلوهما (٢) للفرد الصمد = هم الذين أنْكَرُوا نبوَّة عبدِهِ وخاتمِ رسله. والذين اختاروا صلاةً، يقوم أَعْبَدُهُمْ وأزهدُهُمْ إليها والبَوْلُ على ساقه (٣) وأفخاذِه، فيستقبلُ الشَّرْقَ، ثم يُصَلِّبُ على وجهه، ويعبد الإله المصلوب، ويستفتح الصلاة بقوله: يا أبانا أنت الذي في السموات تقدس اسمك وليأت (٤) ملكك، ولتكن إرادتك في السماء مثلها في الأرض، أعْطِنَا خبزنا الملائِم لنا (٥). ثم يحدِّث مَنْ هو إلى جانبه، وربما سأل عن سعر الخمر والخنزير وعمَّا كسب في القمار وعمَّا طبخ في بيته. وربما أحدث وهو في صلاته، ولو (٦) أراد لَبَالَ في موضعه إن أمكنه، ثم يدعو تلك الصورة

стр. 120

التي هي صنعة يد الإنسان! فالذين اختاروا هذه الصَّلاةَ على صلاةِ مَنْ إذا قام إلى صلاته طَهَّر أطرافَه وثيابَهُ وبدنَهُ من النَّجاسة، واستقبل بيتَه الحرامَ، وكبَّر الله وحمده وسبَّحه، وأثْنَى عليه بما هو أهلُه، ثم ناجاه (١) بكلامه المتضمِّن لأفضل (٢) الثَّناء عليه وتحميده وتمجيده وتوحيده، وإفراده بالعبادة والاستعانة وسؤاله أجَلَّ مسؤول -وهو الهداية إلى طريق رضاه التي خصَّ بها مَنْ أنعم الله عليه دون طريق الأُمَّتَيْن المغضوبِ عليهم وهم اليهود، والضَّالين وهم النصارى- ثم أعطى كل جارحةٍ من الجوارح حظَّها من الخشوع والخضوع والعبودية، مع غاية الثناء والتمجيد لله ربِّ العالمينِ، لا يلتفت عن معبوده بوجهه، ولا قلبه، ولا يكلِّم أحدًا كلمة، بل قد فزَغ قَلْبَهُ لمعبوده وأقبلَ عليه بقلبه ووجهه، ولا يُحْدِث في صلاته، ولا يجعل بين عينيه صورة مصنوعة يدعوها ويتضرَّع إليها. فالذين اختاروا تلك الصلاةَ -التي هي في الحقيقة استهزاءٌ بالمعبود لا يرضاها المخلوق لنفسه فضلًا أن يرضى بها الخالق- على هذه الصلاة التي لو عُرِضَتْ على من له أدنى مُسْكَةٍ مِنْ عقل لظهر له التفاوت بينهما = هم الذين اختاروا تكذيبَ رسولهِ وعَبْدِه على الإيمان به وتصديقه!! فالعاقل إذا وَازَنَ بين ما اختاروه ورغبوا فيه، وبين ما رغبوا عنه = تبيَّن له (أنَّ القوم) (٣) اختاروا الضلالة على الهدى، والغيَّ على الرَّشاد،

стр. 121

والقبيح على الحسن، والباطل على الحق، وأنهم اختاروا من العقائد أَبْطَلَها، ومن الأعمال أَقْبَحَها، وأطبقَ على ذلك أساقفتُهُم وبتاركتهم ورهبانهم فضلًا عن عوامِّهِمْ وسَقَطِهِمْ. فصل ولم يقل أحد من المسلمين: إن من ذكرتم من صغير وكبير، وذكر وأنثى، وحُرٍّ وعبد، وراهب وقِسِّيس، كلهم تبيَّن له الهدى. بل أكثرهم جُهَّال بمنزلة الدوابِّ السَّائمة، معرضون عن طلب الهدى، فضلًا عن تبيينه لهم، وهم مقلِّدون لرؤسائهم وكبرائهم وعلمائهم -وهم (١) أقل القليل وهم الذين اختاروا الكفر على الإيمان بعد تَبَيُّن الهدى. وأيُّ إشكال يقع للعقل في ذلك؟ فلم يزل في الناس من يختار الباطل؛ فمنهم من يختاره جهلًا وتقليدًا لمن يُحْسِنُ الظنَّ به، ومنهمٍ من يختاره (مع علمه ببطلانه كبرًا وعُلُوًّا، ومنهم من يختاره طمعًا ورغبةً في مأكلٍ أو جاهٍ أو رياسةٍ، ومنهم من يختاره) (٢) حَسَدًا وبَغْيًا، ومنهم من يختاره محبة في صورة وعِشْقًا، ومنهم من يختاره خشيةً، ومنهم من يختاره راحةً ودَعَةً. فلم تنحَصِرْ أسبابُ اختيارِ الكُفْرِ في حُبِّ الرِّيَاسةِ والمَأْكَلَةِ لا غير (٣).

стр. 122

فصل وأما المسألة الثانية وهي قولكم: هَبْ أنَّهم اختاروا الكفر لذلك، فهلَّا اتَّبع الحقَّ مَنْ لا رياسةَ له ولا مأكلة، إمَّا اختيارًا وإمَّا قهرًا؟ ف جوابه من وجوه: (أحدها): أنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ أكثر مَنْ ذكرتم قد آمن بالرَّسول وصدَّقَهُ اختيارًا لا اضطرارًا، وأكثرُهم أُولو العقولِ (١) والأحلامِ والعلومِ، ممن لا يُحْصِيهم إلا الله؛ فرقعة الإسلام إنما انتشرتْ في الشرق والغرب بإسلام أكثر الطوائف، فدخلوا في دين الله أفواجًا حتى صار الكفار (٢) معهم تحت الذلة والصغار. وقد بينَّا أنَّ الذين أسلموا من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أَكثرُ من الذين لم يُسْلِمُوا، وأنَّه إنما بقي منهم أقلُّ القليل، وقد دخل في دين (٣) الإسلام من ملوك الطوائف ورؤسائهم، في حياة رسول الله ﷺ ، خلقٌ كثير. وهذا مَلِكُ النَّصارى على إقليم الحبشة في زمن النبيِّ ﷺ ، لما تبيِّن له أنَّه رسولُ الله آمن به، ودخل في دينه، وآوى أصحابَهُ ومَنَعَهُمْ من أعدائهم.

стр. 123

وقصَّتُه أشهر مِنْ أنْ تذكر؛ ولما ماتَ أَعْلمَ رسولُ الله ﷺ أصحابَه بالسَّاعة التي تُوفِّي فيها وبينهما مسيرة شهر، ثم خرج بهم إلى المصلَّى وصلَّى عليه (١). فروى الزُّهْرِيُّ عن أبي بكْرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارث بنِ هشام المَخْزُومِيِّ، عن أم سَلَمَةَ، زوج النبيِّ ﷺ قالت: لما نزلنا أرضَ الحبشة جاوَرْنَا بها خيرَ جارِ النجاشيَّ، أَمِنَّا على ديننا، وعَبَدْنَا الله لا نُؤْذَى ولا نَسْمع شيئًا نكرهه، فلمَّا بلغ ذلك قريشًا ائتمروا (٢) على أن يبعثوا إلى النجاشيِّ هدايا (٣) مما يُسْتَطْرَفُ (٤) من متاع مكةَ، وكان من أعجب ما يأتيه (٥) منها الأُدُم (٦)، فجمعوا له أُدُمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بَطَارِقَتِهِ بطْرِيْقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعةَ المخَزوميِّ وعمرو بنِ العاص، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعا (٧) إلى كل بطْرِيقٍ هديَّتَه قبل أن تكلموا النجاشيَّ فيهم، ثم قَدِّموا إلى النجاشي هدَاياه، ثم سلوه أن يُسَلِّمَهم إليكم قبل أن يُكلِّمهم.

стр. 124

قالت: فخَرجَا فَقَدِمَا على النَّجاشيِّ، ونحن عنده بخير دار، وعند (١) خير جوار، فلم يَبْقَ من بَطَارِقَتِهِ بطْرِيْقٌ إلا دفعا (٢) إليه هديَّته قبل أن يُكلِّما النَّجاشيَّ. ثم قالا لكل بِطْرِيْقٍ: إنه قد صبأ (٣) إلى بلد الملك منَّا غِلْمان سُفَهَاء فَارَقُوا دينَ قومهم، ولم يَدْخلُوا في دينكم، وجاؤوا بدين مُبْتَدَعٍ، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بَعَثنَا إليك فيهم أشرِافُ قومهم (من آبائهمَ، وأعمامهم، وعشائرهم) (٤) لتردَّهم إليهم، فإذا كلَّمْنَا المَلِكَ فيهم فأشِيْرُوا عليه بأن يسلِّمهم إلينا ولا يكلِّمهم، فإنَّ قومهم أعلى بهم عينًا (٥)، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا: نعم. ثم إنهما قَرَّبا هداياهم إلى النَّجاشيِّ فقبلها منهم، ثم كلَّماه فقالا له: أيها الملك، إنَّه قد صبا إلى بلدك منَّا غِلْمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مُبْتَدَعٍ، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بَعَثنَا إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردَّهم (٦) إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبدِ الله بنِ أبي ربيعةَ وعمرو بنِ العاص من أن يسمع النَّجاشيُّ كلامَهُمْ. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومُهم أعلى بهم عينًا،

стр. 125

وأعلم بما عابوا عليهم. فأَسْلِمْهم (١) إليهما لِيرُدّاهم إلى بلادهم وقومهم. قالت (٢): فغضب النَّجاشيُّ، ثم قال: لاها الله إذَنْ لا أُسْلِمُهم إليهما و (لا أكاد - أقوام جاوروني) (٣) ونزلوا ببلادي واختاروني على مَنْ سواي- حتى أدعوهم فأسألهم عمَّا يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلَمْتُهُمْ إليهما وَرَددْتُهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك مَنَعْتُهم منهما، وأحْسَنْتُ جوارهم ما جَاوَرُوني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسولِ الله ﷺ فدعاهم، فلما جاءهم رسولُه اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما عَلِمْنَا، وما أَمَرَنَا به نبيُّنَا ﷺ كائنًا في ذلك ما هو (٤) كائن، فلما جاؤوه -وقد دعا النَّجاشيُّ أسَاقِفَتَهُ فنشروا مصاحفهم حوله- سألهم فقال: ما هذا الدِّين الذي فارقْتُمْ فيه قومَكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الأُمم. قالت: وكان الذي كلَّمَه جَعْفَرُ بنُ أبي طالبٍ، فقال له: أيها الملك! كُنَّا قومًا أهلَ جاهليةٍ، نعبد الأصنامَ، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسِيءُ الجوار (٥)، يأكل القويُّ منَّا الضعيفَ، فكنَّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نَسَبَه وصِدْقَه وأمانته

стр. 126

وعَفافَه (١)، فدعانا إلى الله لنوحِّدَه ونَعْبُدَه ونخلعَ ما كنّا نَعبد نحن (٢) وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمَرَنَا بصدقِ الحديث، وأداءِ الأَمانة، وصلةِ الرَّحم، وحُسْنِ الجوار، والكفِّ عن المحارم والدماء، ونَهانَا عن الفَواحِش، وقَوْلِ الزُّور، وأَكْلِ مالِ اليتيم، وقَذْفِ المُحْصَنَة، وأَمَرَنَا أنْ نعبدَ الله لا نشركَ به شيئًا، وأمَرَنا بالصَّلاةِ والزكاة والصيام (٣). -قالت: فعدَّد عليه أمورَ الإسلام- فصدَّقْنَاه وآمَنَّا به واتَّبعناه (٤) على ما جاء به؛ فَعَبَدْنَا الله وحده، ولم نُشْرِكْ به شيئًا، وحرَّمْنَا ما حرَّم علينا، وأحْلَلْنَا ما أحلَّ لنا، فَعَدَا علينا قومُنا فعذَّبونا وفَتَنْونا عن ديننا لِيَرُدُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ، وأنْ نَسْتَحِلَّ ما كنَّا نَستحلُّ من الخبائث، فلما قَهَرُونَا وظَلَمُونا وشَقُّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على مَنْ سواك، ورَغِبْنَا في جوارك، ورَجَوْنَا أنْ لا نُظْلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النَّجاشيُّ: هل معك ممَّا جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشيُّ: فَاقْرَأه عليَّ، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾ [مريم/ ١]. قالت: فبكى -واللهِ- النجاشيُّ حتى أَخْضَلَ (٥) لحيَتَهُ، وبَكَتْ

стр. 127

أساقِفَتُهُ حتى أَخْضَلُوا (١) مصاحفَهم حين سمعوا ما تُلِيَ (٢) عليهم، ثم قال النجاشيُّ: إنَّ هذا والذي جاء به موسى لَيَخْرج من مِشْكاةٍ واحدة، انطلِقُوا فوالله لا أُسْلِمُهم (٣) إليكم أبدًا ولا أكاد. قالت أمُّ سَلَمَةَ: فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينَّه غدًا أعيبهم عنده بما أستأصل به خَضْراءَهم (٤). قالت: فقال عبدُ الله بنُ أبي ربيعةَ -وكان أتقى الرجلين فينا-: لا تَفْعلْ، فإنَّ لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالَفُونا. قال: والله لأُخبِرَنَّه أنَّهم يزعمون أنَّ عيسى ابنَ مريمَ عَبْدٌ. قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريمَ قولًا عظيمًا، فأرْسِلْ إليهم فاسْألْهُمْ عمَّا يقولون فيه. قالت: فأرَسل إليهم فسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثلُها. فاجتمع القوم فقال بعضُهم لبعضٍ: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول -والله- فيه ما قال اللهُ ، وما جاء به نبيُّنا كائنًا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى ابنِ مريم؟

стр. 128

فقال له جَعْفَرُ بنُ أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبيُّنا: هو عَبْدُ الله ورسولُه ورُوحُه وكَلِمَتُه التي ألقَاها إلى مَرْيَمَ العذراء البَتُول (وروحٌ منه) (١). فضرب النَّجاشيُّ يده إلى الأرض فأخذ منها عودًا ثم قال: ما عدا عيسى بنُ مريمَ ما قلتَ (٢) هذا العُودَ، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإنْ نخرتم، (وإن نخرتمِ) (٣) والله، اذهبوِا فأنتم سُيُومٌ بأرضي -"والسيوم" الآمنون- مَنْ سَبَّكُمْ غرِمَ، مَنْ سَبَكُمْ غرِمَ، ما أُحبُّ أنَّ لي دَبْر ذهبٍ وأنِّي آذيتُ رجلًا منكم -"والدَّبْر" بلسان الحبشة: الجبل- رُدُّوا عليهما هداياهما، ولا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ اللهُ مني الرّشوة حين ردَّ عليَّ مُلْكي، فآخُذَ الرِّشوة فيه، وما أطاعَ النَّاسَ فيَّ فأطيعَهُمْ فيه. قالت: فخرجا من عنده مَقْبُوحَيْن مردودًا عليهما ما جاؤوا به، وأَقَمْنَا عنده بخير دار مع خير جار. (قالت: فوالله إنَّا لَعَلى ذلك، إذْ نزل به رجلٌ من الحبشة ينازعه في مُلْكِهِ) (٤). قالت: فوالله ما عَلِمْتُنَا حَزِنَّا حُزْنًا قَطُّ كان أشدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاه عند ذلك، تَخَوُّفًا أن يَظْهَر [ذلك الرجل] (٥) على النجاشيِّ، فيأتي رجلٌ لا

стр. 129

يعرف مِنْ حَقِّنا ما كان النجاشيُّ يعرف منه. قالت: فسار النَّجاشيُّ -وبينهما عرضُ النِّيل- فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مَنْ رجلٌ يخرج حتى يحضر وقعةَ القوم حتى يأتيَنَا بالخبر؟ قالت: فقال الزُّبير: أنا -وكان من أحدث القوم سنًّا- قالت: فنفخوا له قِرْبَةً فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النِّيْل التي بها مُلْتَقَى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم. قالت: ودعونا الله للنَّجاشيِّ بالظهور على عدوِّه والتمكين له في بلاده. فاستوسق (١) له أمر الحبشة (٢)، فكنَّا عنده في خير منزلٍ حتى قَدِمْنَا على رسول الله ﷺ (٣). فلما كان شهر ربيع الأول سنةَ سبع من الهجرة كتب رسولُ الله ﷺ إلى النَّجاشيِّ كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، وبعثَ به مع عمرو بنِ أميَّةَ الضَّمْريِّ (٤)، فلما قُرئ عليه الكتاب أسلم، وقال: لو قدرت علي أنْ آتيَهُ لأتَيْتُه. وكتب إليه رسولُ الله ﷺ أن يزوِّجه أمَّ حَبيْبةَ بنتَ أبي سفيان ففعل وأصدقَ عنه أربعمائة دينار، وكان الذي تولَّىَ التزويج خالدُ بنُ

стр. 130

سعيدِ بنِ العاص بنِ أميَّة (١). وكتب إليه رسول الله ﷺ أن يبعث إليه (٢) من بقي عنده من أصحابه ويحملهم ففعل، فقدموا المدينة فوجدوا رسول الله ﷺ بخيبر، فشخصوا إليه فوجدوه قد فتح خيبر، فكلَّم رسولُ الله ﷺ المسلمين أن يُدْخِلُوهم في سهامهم ففعلوا. فهذا مَلِكُ النصارى (٣) قد صدق رسولَ الله ﷺ وآمن به واتَّبعه. وكم مثلُه ومَنْ هو دونه ممَّن هداه الله من النصارى قد دخل في الدين، وهم أكثر بأضعاف مضاعفة ممن أقام على النصرانية؟ قال ابن إسحاق (٤): وقدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة عشرون رجلًا أو قريبًا من ذلك من النَّصارى، حين بلغهم خبرُه من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلَّموه، وقبالتهم رجالٌ من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مسألة رسول الله ﷺ عمَّا أرادوا دعاهم رسول الله ﷺ إلى الله، وتلا عليهم القرآن فلما سمعوه فاضتْ أعينُهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدَّقوه، وعرفوا منه ما كان يُوصَفُ لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جَهْل ابنُ هشام في نَفَرٍ من قريش، فقالوا لهم: خيَّبَكم الله من رَكْبٍ؟! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم تَرْتَادُون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئنَّ (٥)

стр. 131

مجالسُكُم عنده حتى فارقتم دينكم وصدَّقتموه بما قال؟! ما نعلم رَكْبًا أحمق منكم -أو كما قالوا-. فقالوا لهم: سلامٌ عليكم، لا نجادلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نَأْلُ من أنْفُسِنا خيرًا. ويقال: إنَّ النَّفَر (١) من النَّصارى من أهل نَجْرانَ. ويقال: فيهم نزلتْ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ إلى قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥]. وقال الزُهْريُّ: ما زلت أسمع من علمائنا أنَّهنَّ نَزَلْنَ في النَّجاشيِّ وأصحابه. قال ابن إسحاق (٢): ووفد على رسول الله ﷺ وفد "نَصَارى نَجْرَانَ" بالمدينة، فحدَّثني محمدُ بنُ جَعْفَر بنِ الزُّبير، قال: لما قَدِم وَفْد نَجْرانَ على رسول الله ﷺ ، دخلوا عليه مسجدَه بعد العصر، فحانت صلاتهم، فقاموا يُصلُّون في مسجده، فأراد النَّاس مَنْعَهُم، فقال رسول الله ﷺ : "دَعُوهُمْ" فاستقبلوا المَشْرقَ فصلَّوا صلاتهم، وكانوا ستين راكبًا، منهم أربَعَةٌ وعشرون (٣) رجلًا من أشرافهم، منهم ثلاثةُ نَفَرٍ إليهم يؤول أمرهم: "العَاقِبُ": أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا

стр. 132

يَصْدُرُونَ إلا عن رأيه وأمره، واسمُه عَبْدُ المَسِيْحِ. "والسيِّد" ثِمَالُهم (١) وصاحب رَحْلِهم (٢) ومجمعهم. "وأبو حارثة بنُ عَلْقَمَةَ": أُسْقُفُهُمْ وحِبْرُهم وإمامهم وصاحب مِدْرَاسِهِمْ (٣)، وكان أبو حارثةَ قد شَرُفَ فيهم ودَرَس كتبهم، وكانت ملوك الرُّوم من أهل النَّصرانيَّة قد شرَّفوه وموَّلوه وأخْدَموه، وبَنَوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لِمَا بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فلما وجَّهوا إلى رسول الله ﷺ من نَجْرَانَ، جلس أبو حَارثةَ على بَغْلَةٍ له (٤) متوجِهًا إلى رسول الله ﷺ ، وإلى جنبه (٥) أخٌ له يقال له: كُرْزُ بنُ عَلْقَمَةَ، يسايرُه إذْ عثرتْ بغلةُ أبي حارثةَ، (فقال له كُرْزٌ: تَعِسَ الأبْعَدُ -يريد رسولَ الله ﷺ - فقال له أبو حارثة) (٦): بل أنتَ تَعِسْتَ. فقال: ولِمَ يا أخي؟! فقال: والله إنه لَلنَّبِيُّ الذي كنَّا ننتظرُه. فقال له كُرْزُ: فما يَمنعُك من اتِّباعه وأنت تعلم هذا؟ فقال: ما صنَع بنا هؤلاء القومُ؛ شرَّفونا وموَّلونا (٧) وأكرمونا، وقد أَبَوْا إلا خلافَه، ولو فَعَلْتُ (نَزَعوا منَّا كلَّ ما تَرى) (٨). فأصر (٩) عليها أخوه كُرْزُ بنُ عَلْقَمةَ حتى أسْلَمَ بعد ذلك.

стр. 133

فهذا وأمثالُه من الذين مَنَعَتْهُمُ الرِّياسة والمَأكْل من اختيار الهدى، وآثَروا دينَ قومِهم. وإذا كانَ هذا حالَ الرؤساء المتبوعين -الذين هم علماؤهم وأحبارهم- كان بَقيَّتُهم تَبَعًا لهم. وليس بمُسْتَنْكَرٍ أنْ تمنع الرِّياسةُ والمناصبُ والمآكلُ الرؤساءَ، ويمنع الأتباَعَ تقليدُهم. بل هذا هو الواقع، والعقلُ لا يَسْتَشْكِلُه. فصل وكان من رؤساء النَّصارى الذين دخلوا في الإسلام -لما تبيَّن أنه الحق-: الرَّئيسُ المُطَاعُ في قومه "عَدِيُّ بنُ حاتم الطائي"، ونحن نذكر قصته، رواها الإمام أحمد، والترمذيُّ، والحاكم، وغيرهم (١). قال عَدِيُّ بنُ حاتم: أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو جالسٌ في المسجد، فقالَ القومُ: هذا عديُّ بنُ حاتمٍ. وجئت بغير أمانٍ ولا كتابٍ، فلما دُفِعْتُ إليه أخذ بيدي، وقد كان قال قبل ذلك: "إني لأرجو أن يجعلَ اللهُ يدَه في يدي". قال: فقام لي، فَلَقِيَتْهُ امرأةٌ وصبيٌّ معها فقالا: إنَّ لنا إليك حاجةً. فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى بي داره، فألقَتْ

стр. 134

له الوليدةُ وسادةً، فجلس عليها، وجلستُ بين يديه، فحَمِدَ الله وأثنى عليه. ثم قال: "ما يُفِرُّك أنْ تقولَ لا إله إلا الله، فهل تعلم من إلهٍ سوى الله؟ " قال: قلت: لا، ثم تكلَّم ساعةً. ثم قال: ("إنما يُفِرُّك أنْ يُقال: الله) (١) أكبر، وتَعْلَمُ أنَّ شيئًا أكبر من الله؟! ". قال: قلت لا. قال: "فإنَّ اليهود مغضوبٌ عليهم وإنَّ النصارى ضُلَّالٌ". قال: قلت: فإنّي حَنِيْفٌ مُسْلمٌ. قال: فرأيتُ وجهه ينبسطُ (٢) فَرَحًا. قال: ثُمَّ أَمرَ بي فأنْزِلْتُ عند رجلٍ من الأنصار جعلتُ أغْشَاهُ -آتيه- طَرَفَي النَّهار، قال فَبَيْنَا أنا عنده عشيةً إذْ جاءه قومٌ في ثيابٍ من الصُّوف من هذه النِّمار. قال: فصلَّى وقام فحثَّ عليهم، ثم قال: "ولوْ بِصَاعٍ، ولو بنصفِ صاعٍ، ولو بقَبْضةٍ، ولو ببعضِ قبضةٍ، يَقِي أحدُكم وجهَهُ حَرَّ جهنَّمَ أو النَّارِ، ولو بتمرةٍ، ولو بشِقِّ تمرةٍ، فإن أحدَكم لاقِي الله وقائلٌ له ما أقول لكم: أَلَمْ أجعلْ لك سَمعًا وبَصَرًا؟ فيقولُ: بلى، فيقول: ألم أجعلْ لك مالًا وولدًا؟ فيقولُ: بلى. فيقول: أين ما قدَّمْتَ لنفسك؟! فينظر قُدَّامه

стр. 135

وخَلْفَهُ وعن يمينه وعن شمالِه ثمَّ لا يجد شيئًا يَقِي وجهَهُ حرَّ جهنَّمَ، لِيَقِ أحدُكم وجهَه النَّار ولو بشِقِّ تمرة، فإنْ لم يجدْ فبكلمةٍ طيِّبةٍ، فإنّي لا أخاف عليكم الفَاقَةَ، فإن الله ناصرُكُمْ ومُعْطِيْكُم حتّى تَسِيْرَ الظَّعِيْنَةُ فيما بين يَثربَ والحِيْرَةِ أو أكثر، ما يُخَافُ على مَطِيَّتِهَا السَّرَقُ" (١). قال: فجعلتُ أقولُ في نفسي: فأين لُصُوصُ طيّ؟. وكان عَدِيٌّ مطاعًا في قومه بحيث يأخذ المِرْبَاعَ (٢) من غنائمهم. وقال حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن محمدِ بنِ سِيْرِيْنَ، قال: قال أبو عُبَيْدَةَ ابنُ حُذَيْفَةَ (٣)، قال عديُّ بن حاتم: بعث الله محمدًا ﷺ فكرهته أشدَّ ما كرهتُ شيئًا قط، فخرجتُ حتى أتيتُ أقصى أرض العرب مما يلي الرُّوم، ثم كرهت مكاني أشدَّ مما كرهتُ مكاني الأول، فقلتُ: لو أَتَيْتُهُ فسمعتُ منه، فأتيتُ المدينةَ فَاسْتَشْرَفَنِي النَّاسُ، وقالوا جاء عديُّ ابنُ حاتمٍ الطَائي!؛ جاء عديُّ بنُ حاتمٍ الطَّائي! فقال: "يا عديَّ بنَ حاتمٍ الطَائي) (٤)، أسْلِمْ تَسْلَمْ"، فقلت: إنّي على دينٍ. قال: "أنا أعلم بدينِك منكَ" قلت: أنتَ أعلم بديني مني؟! قال: "نعم"، قال هذا ثلاثًا، قال: "ألستَ رَكُوسِيًّا"؟ (٥) قلتُ: بلى، قال:

стр. 136

"ألست تَرْأسُ قومَك"؟ قلتُ: بلَى، قال: "ألستَ تأخذ المِرْبَاعَ؟ " قلت: بلَى، قال: "فإنَّ ذلك لا يحل لك في دينك". قال: فوجدتُ بها عليَّ غضاضةً. ثم قال: "لعلَّه أنْ يمنعَك أنْ تُسْلِمَ أنْ ترى عندنا خَصَاصةً، وترى النَّاس علينا إِلْبًا واحدًا، هل رأيتَ الحِيْرَةَ"؟ قلتُ: لم (١) أَرَهَا، وقد علمتُ مكانَها، قال: "فإن الظَّعِيْنَةَ سترحلُ من الحِيْرَة تطوفُ بالبيت بغير جوارٍ، وليفتحنَّ الله علينا كُنُوزَ كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ". قلت: كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ؟ قال: "كنوزُ كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ، ولَيفِيْضُ المالُ حتَى يهتمَّ (٢) الرَّجُلُ مَنْ يقبلُ منه صَدَقَتَهُ". قال: فقد رأيتُ الظَّعِيْنَةَ ترحل مِنَ الحِيْرَةِ بغير جوارٍ، وكنت في أوَّلِ خيلٍ أغارتْ على المَدَائِنِ. وواللهِ لتكونَنَّ الثالثةُ؛ إنَّه حديثُ رسولِ الله ﷺ . وقد كان "سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ" من أعلم النصارى بدينهم، وكان قد تيقَّن خروجَ النبيِّ ﷺ ، فَقَدِمَ المدينةَ قبل مبعثه، فلما رآه عرف أنَّه هو النبيُّ الذي بشَّر به المسيح، فآمن به واتَّبعه، ونحن نسوق قِصَّتَه: قال ابن إسحاق (٣): حدَّثني عاصمُ، عن محمودٍ، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: حدَّثني سَلْمانُ الفارسيُّ مِنْ فيه، قال: كنت رجلًا فارسيًا من أهل أصْبَهَان من قريةٍ يُقَال لها جَيّ، وكان أبي دِهْقَان

стр. 137

قَرْيته، وكنتُ أحبَّ خَلْقِ الله إليه، لم يزل حُبُّه إيَّاي، حتى حبسني في بيتٍ كما تُحْبَسُ الجاريةُ، فاجتهدت في المجوسيَّة حتى كنت قَطِنَ (١) النَّار التي نوقدها لا نتركها تخبو ساعةً. وكانت لأبي ضيعةٌ عظيمة، فشُغِل في بُنْيانٍ له يومًا، فقال: يا بنيَّ إنِّي قد شُغِلْت في بُنْياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهبْ إليها فاطَّلِعها (٢). وأمَرَني فيها ببعض ما يريد، ثم قال لي: ولا تحتبس عنِّي؛ فإنك إن احتبستَ عنّي كنتَ أهمَّ إليَّ مِنْ ضيعتي، وشَغَلتَنِي عن كلِّ شيء من أمري. فخرجت أريد ضيعتَه التي بعثني إليها، فمررت بكنيسةٍ من كنائس النَّصارى، فسمعتُ أصواتَهم فيها وهم يصلُّون، وكنت لا أدري ما أمر الناس، لحَبْس أبي إيَّايَ في بيته، فلما سمعتُ أصواتهم دخلتُ عليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتُهم أعجَبَتْنِي صلاتُهم، ورغبتُ في أمرهم، وقلتُ: هذا -والله- خيرٌ من الذي نحن عليه. فوالله ما بَرِحْتُهُم حتى غربتِ الشَّمسُ، وتركتُ ضيعتَه فلم آتِهَا، ثم قلت لهم: أين أصلُ هذا الدِّين؟ قالوا: بالشام. فرجعت إلى أبي وقد بعثَ في طلبي، وشغلتُه عن عمله كلِّه، فلما جئتُه قال: يا بنيَّ أين كنت؟ ألم (٣) أكن عهدتُ إليك ما عهدتُ؟ قلت: يا أبتِ (٤) مررت بأناسٍ يصلُّون في كنيسةٍ لهم فأعجبني ما رأيتُ من دينهم، فوالله ما زلتُ حتى غربتِ الشمسُ. قال: أي بنيَّ! ليس في ذلك

стр. 138

الدِّين خيرٌ، دينُك ودينُ آبائك خيرٌ منه، فقلت له: كلا والله، إنه لخيرٌ من ديننا. قال (١): فخافني، فجعل في رِجْلي قيدًا، ثم حَبَسَنِي في بيته. وبعثتُ إلى النَّصارى فقلت لهم: إذا قَدِم عليكم ركب من الشام فأخْبِرُوني بهم، فقَدِمَ عليهم تجَّارٌ من النَّصارى، فأخبروني، فقلت لهم: إذا قَضَوا حوائجهم. وأرادوا الرَّجعةَ إلى بلادهم فآذِنُوني بهم. قال: فلما أرادوا الرجعة أخبروني بهم فألقيتُ الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قَدِمْتُ الشَّامَ، فلما قَدِمْتُها قلت: مَنْ أفضلُ أهلِ هذا الدِّين عِلْمًا؟ قالوا: الأُسْقُفُّ في الكنيسة. فجئتُه فقلت له: إنِّي قد رغبتُ (٢) في هذا الدِّين، وأحببتُ أن أكون معك فأخدمك في كنيستك، وأتعلَّم منك، وأصلِّي معك. قال: ادخُلْ، فدخلت معه. فكان رَجُلَ سَوْءٍ، يأمرهم بالصدقة ويرغِّبهم فيها، فإذا جمعوا إليه شيئًا منها اكتنزه لنفسه ولم يُعْطِهِ المساكينَ، حتى جمع سَبْع (٣) قِلَالٍ من ذهب ووَرِقٍ، فأبغضتُه (٤) بُغْضًا شديدًا لِمَا رأيتُه يصنعُ. ثم مات واجتمعت النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إنَّ هذا كان رجل سَوْءٍ يأمركم بالصدقة ويرغِّبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يُعْطِ المساكينَ منها شيئًا. فقالوا لي: وما عِلْمُك بذلك؟ قلت: أنا أدلُّكم على كنزه؛ فأريتُهُم موضِعَه فاستخرجوا سَبْعَ قِلَالٍ مملوءةً ذهبًا ووَرِقًا، فلمَّا رأوها قالوا: والله لا نَدْفِنُه أبدًا، فصلبوه ورمَوْه بالحجارة!!

стр. 139

وجاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانه، فما رأيت رجلًا يصلِّي (١) أرى أنَّه أفضلُ منه، ولا أزهدُ في الدنيا، ولا أرغبُ في الآخرة، ولا أدأبُ ليلًا ولا نهارًا منه، فأحببته حُبًّا لم أحبَّه شيئًا قبله (٢). فأقمت معه زمانًا ثم حضَرَتْهُ الوفاة، فقلت له: يا فلان؛ إنّي قد كنت معك وأحببتُك حُبًّا لم أحبَّه شيئًا قبلك، وقد حضرك (٣) من أمر الله ما ترى، فإلى مَنْ تُوصِي بي؟ وبِمَ تأمرني؟ فقال: أي بنيَّ والله ما أعلم أحدًا على ما كنت عليه، ولقد هلك الناس وبدَّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلًا بالمَوْصِل، وهو فلانٌ، وهو على ما كنت عليه. فلما مات وغُيِّب، لحقتُ بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان إنَّ فلانًا أوصاني عند موته أنْ ألْحَقَ بك، وأخبرني أنَّك على أمره، فقال: أقِم عندي، فأقمتُ عنده، فوجدتُه خيرَ رجلٍ على أمر صاحبه، فلما حَضرَتْه الوفاةُ، قلت له: يا فلان إنَّ فلانًا أوصى بي إليك وأمرني باللُّحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى مَنْ تُوصِي بي؟ وبِمَ تأمرني؟ قال: يا بنيَّ والله ما أعلم رجلًا على مثل ما كُنَّا عليه إلا رجلًا بنَصِيْبِيْن، وهو فلانٌ فألْحَقْ به. فلما مات وغُيِّب لحقت بصاحب نَصِيْبِيْنِ، فأخبرته خبري وما أمَرَني به صاحبي، فقال: أقِمْ عندي، فأقمتُ عنده، فوجدتُه على أمر صاحبه، فأقمت مع خيرِ رجلٍ، فوالله ما لبث أن نزل به الموتُ، فلمَّا حُضِرَ قلت له: يا فلان إنَّ فلانًا أوصى بي إلى فلانٍ، ثم أوصى بي فلانٌ إليك، فإلى

стр. 140

من تُوصِي بي؟ وبِمَ تأمرني؟ فقال: يا بنيَّ! والله ما أعلمه بقي أحدٌ على أَمْرِنا آمرك أن تأتيَه إلا رجلًا (١) بِعَمُّورِيَّة من أرض الروم، فإنَّه على مثل ما نحن عليه، فإنْ أحْبَبْتَ فَأتِهِ. فلما مات وغُيِّب لحقت بصاحب عَمُّوريَّة فأخبرتُه خبري، فقال: أقم عندي. فأقمتُ عند خيرِ رجلٍ على هَدْي أصحابه وأمْرِهِم، فاكتسبت حتى كانت لي بُقَيْرات (٢) وَغُنَيْمَة، ثم نزل به أمر الله، فلما حُضِر، قلت له: يا فلانُ إنّي كنت مع فلانٍ فأوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلانٌ إليك، فإلى من توصي بي؟ وبمَ تأمرني؟ قال: يا بنيَّ والله ما أعلمه أصبح على (مثل ما كُنَّا عليه) (٣) أحدٌ من الناس آمرك أن تأتِيَهُ، ولكنَّه قد أظلَّ زمان نبيٍّ مبعوثٍ بدينِ إبراهيمَ، يخرج بأرضِ العرب، مُهَاجَره (٤) إلى أرضٍ بين حَرَّتَيْنِ، بينهما نخل، به علاماتٌ لا تخفى؛ يأكل الهديَّة ولا يأكل الصدقة، بينَ كتفيه خاتَمُ النُّبوَّة، فإنِ استطعتَ أن تلحق بتلك البلادِ فافعلْ، ثم مات وغُيِّبَ. فمكثتُ بعَمُّوريَّةَ ما شاء الله أن أمكث، ثم مرَّ بي نَفَرٌ مِنْ كَلْب تُجَّار، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بُقَيْراتي هذه وغُنيْمَتي هذه؛ قالوا: نعم. فاعْطَيْتُهمُوها فحملُوني معهم، حتى إذا بلغوا وادي القُرَى ظلموني، فباعوني من رجل يهوديٍّ، فكنت عنده، فرأيتُ النَّخْلَ فرجوت أن يكون البلد الذي وَصَفَ لي صاحبي، ولم يَحِقَّ في نفسي،

стр. 141

فبينا أنا عنده، إذْ قَدِمَ عليه ابنُ عمٍّ له من بني قُرَيْظَةَ من المدينة، فابتاعني منه، فحملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فعرفتُها بصفة صاحبي، فأقمتُ بها. وبُعِثَ رسولُ الله ﷺ ، فأقام بمكةَ ما أقام، لا أسمع له بذِكْرٍ، مع ما أنا فيه من شغل الرِّقِّ، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إنّي لفي رأس عَذْقٍ لسيِّدي أعمل فيه بعض العمل، وسيّدي جالس تحتي، إذْ أقبل ابنُ عمٍّ له حتى وقف عليه، فقال: يا فلان، قاتل الله بني قَيْلَةَ (١) والله إنهم الآن لمجتمعون معنا (٢) على رجلٍ قَدِم عليهم من مكةَ اليومَ، يزعمون أنّه نبيٌّ. فلما سمعتُها أخذتني العُرَوَاءُ (٣) حتى ظننتُ أنِّي ساقطٌ على سيِّدي، فنزلت عن النخلة فجعلت أقولُ لابنِ عمِّه ذلك: ما تقول؟ فغضب سيِّدي فلَكَمَنِي لكمةً شديدةً، ثمَّ قال: مالَكَ ولهذا؟ أقْبِلْ على عَمَلِكَ! فقلت: لا شيء، إنما أردتُ أن أستثبته عمَّا قال. وقد كان عندي شيءٌ جمعته، فلما أمْسَيْتُ أخذتُه ثم ذهبت به إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو بقُبَا، فدخلتُ عليه، فقلت له: إنَّه قد بلغني أنِّك رجل صالح ومعك أَصحابٌ لك غُرَبَاء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحقَّ به من غيركم، فقرَّبْتُهُ إليه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "كُلُوا"، وأمسك فلم يأكل. فقلت في نفسي: هذه واحدة.

стр. 142

ثم انصرفتُ عنه فجمعتُ شيئًا، وتحوَّل رسولُ الله ﷺ إلى المدينة ثم جئتُه به، فقلت: إني قد رأيتك لا تأكلُ الصَّدقة، وهذه هديةٌ أكرمْتُك بها. فأكلَ رسولُ الله ﷺ ، وأمَرَ أصحابَه فأكلُوا معه. فقلت في نفسي: هاتان اثنتان. ثم جئت رسول الله وهو بِبَقِيْع الغَرْقَد، قد تَبعَ جنازةَ رجلٍ من أصحابه، وعليَّ شَمْلَتَانِ لي، وهو جاَلس في أصحابه، فسلَّمْتُ عليه، ثم استَدَرْتُ أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتَم الذي وصف لي صاحبي؛ فلما رآني ﷺ اسْتَدْبَرْتُه (١) عرف أنِّي أستَثْبِتُ في شيءٍ وُصِفَ لي، فألقى الرِّدَاء عن ظهره، فنظرتُ إلى الخاتَم فعرفتُه، فأكْبَبْتُ عليه أُقبِّله وأبكي، فقال لي رسول الله ﷺ : "تحوَّلْ"، فتحوَّلتُ فجلست بين يديه، فقصصت عليه حديثي كما حدَّثْتُك يا ابْنَ عبَّاس، فأعجبَ رسولَ الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابُه. ثم شغل سلمانَ الرقُّ حتى فاته مع رسول الله ﷺ بَدْرٌ وأُحُدٌ، قال سلمان: ثم قال لي رسولُ الله ﷺ : "كاتِبْ يا سَلْمَانُ" فكاتبتُ صاحبي على ثلاثمائةِ نخلةٍ أحْيِيْها له بالفَقِير، وأربعينَ أوقيَّةً، فقال رسول الله ﷺ : "أعِيْنُوا أخاكم" فأَعانُونِي بالنَّخْل؛ الرجل بثلاثين وَدِيَّة (٢)، والرجل بعشرين وَدِيَّة، والرجل بخمسة عشر، والرجل بعشر، يعينني الرجل بِقَدْر ما عنده، حتى اجتمعتْ لي ثلاثُمائة وَدِيَّة، فقال لي رسول الله ﷺ :

стр. 143

"اذهبْ يا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لها (١)، (فإذا فرغتَ فَأْتِنِي أكنْ أنا أضعها بيدي". فَفَقَّرْتُ) (٢)، وأعانني أصحابي حتى إذا فرغتُ جئتُه فأخبرتُه، فخرج معي إليها، فجَعَلْنا نقرِّب إليه الوَدِيَّ ويضعُه رسولُ الله ﷺ بيده حتى فرغت، فوالذي نَفْسُ سلمانَ بيده ما ماتت منها وَدِيَّة واحدة، فأدَّيت النخل وبقي عليَّ المال، فأُتِيَ رسولُ الله ﷺ بمثل بيضة الدَّجَاجة من ذهبٍ، من بعض المعادن، فقال: "ما فعل الفارسيُّ المكاتَب" فدُعِيْتُ له، فقال: "خُذْ هذه فَأدِّها (٣) ممَّا عليك يا سَلْمَانُ" فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليَّ؟! قال: "خذها فإنَّ الله سيؤدِّي بها" فأخذتُها فوزنت منها لهم، والذي (نفسي بيده) (٤)، أربعينَ أوقيَّةً فأوفيتُهم (٥) حقَّهم، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخَنْدَقَ، ثم لم يَفُتْنِي معه مَشْهَدٌ (٦).

стр. 144

فصل وكان مَلِكُ الشَّام أحد أكابر علمائهم بالنصرانية (هِرَقْل)، قد عرف أنَّه رسولُ الله ﷺ حقًّا، وعزم على الإسلام، فأبى عليه عُبَّادُ الصَّليب، فخافهم (١) على نفسه، وضنَّ بِمُلْكِهِ مع علمه بأنَّه سَيُنْقَلُ عنه إلى رسول الله ﷺ وأمَّتِهِ. ونحن نسوقُ قِصَّتَه. ففي "الصحيحين" من حديث عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ، أنَّ أبا سفيان أخبره مِنْ فِيْه إلى فِيْهِ، قال: انطلقتُ في المُدَّةِ التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ قال: فَبَيْنَا أنا بالشَّام إذْ جِيءَ بكتاب رسولِ الله ﷺ إلى هِرَقْلَ، وقد كان دِحْيَةُ بنُ خَلِيفَةَ جاء به، فدفعه إلى عظيم بُصْرَى (٢)، فدفعه عظيم بُصْرى إلى هِرَقْلَ، فقال هِرَقْلُ: هل هاهُنَا أحدٌ مِنْ قومِ هذا الرَّجُل الذي يزعُم أنَّه نبيٌّ؟ قالوا: نعم. قال: فدُعِيْتُ في نَفَرٍ من قريشٍ، فدخلنا على هِرَقْل، فأجْلَسَنَا بين يديه، وأجلسوا أصحابي خَلْفِي، فدعا بِتَرْجُمَانِهِ فقال: قلْ لهم: إني سائلٌ هذا عن الرَّجل الذي يَزْعُمُ أنَّه نبيُّ، فإَنْ كَذَبَنِي فكذِّبوه، فقال أبو سفيان: وَايْمُ اللهِ! لولا مَخَافَةُ أنْ يُؤْثَرَ عليَّ الكَذِبُ لَكَذَبْتُ (٣). ثم قال لتَرْجُمَانِه: سَلْهُ كيف حَسَبُه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حَسَبٍ. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتَّهمونه بالكَذِب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: ومَنِ اتَّبعَه؟

стр. 145

أشرافُ الناس أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: لا، بل يزيدون، قال: فهل يرتدُّ أحدٌ منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سَخْطَةً له؟ قال: قلت: لا، قال: فهل قاتلتموه؟ قلتُ: نعم، قال: فكيف كان قتالُكم إيَّاهُ؟ قال: قلت: تكونُ الحربُ بيننا وبينه سِجَالًا، يُصِيب منَّا ونُصِيب منه، قال: فهل يَغْدِرُ؟ قلت: لا، ونحن منه في مُدَّةٍ ما ندري ما هو صانِعٌ فيها. قال: فوالله! ما أمْكَنَنِي من كلمةٍ أُدْخِلُ فيها شيئًا غيرَ هذه. قال: فهل قال هذا القولَ أحدٌ قَبْلَه؟ قلت: لا. قال لترجمانه: قل له: إنِّي سألتُك عن حَسَبهِ، فزعمتَ أنِّه فيكم ذو حَسَبٍ، وكذلك الرُّسُل تُبْعَثُ في أحساب قومها. وسألتك: هل كان في آبائه مَلِكٌ؟ فزعمتَ أنْ لا، فقلتُ: لو كانَ في آبائه مَلِكٌ لقلتُ: رجلٌ يطلب مُلْكَ آبائه. وسألتُك عن أتْبَاعه أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرُّسل. وسألتُك: هل كنتم تَتَّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فقد عرفتُ أنَّه لم يكن لِيَدَعَ الكَذِبَ على النَّاس ثم يذهبَ فيكذبَ على الله . وسألتُك: هل يرتدُّ أحدٌ منهم عن دينه بعد أن يدخله سَخْطَةً له؟ فزعمتَ أن لا، وكذلك الإيمانُ إذا خالطتْ بشاشَتُه القلوبَ. وسألتُك هل يزيدونَ أم ينقصونَ؟ فزعمتَ أنَّهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يَتِمَّ.
следующие страницы →