Полный текст (83 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
١ - الذامون لأَصْحَاب الحَدِيث صنفان
قد لهج بذم أَصْحَاب الحَدِيث صنفان أهل الْكَلَام وَأهل الرَّأْي فهم فِي كل وَقت يقصدونهم بالثلب وَالْعَيْب وينسبونهم إِلَى الْجَهْل وَقلة الْعلم وَاتِّبَاع السوَاد على الْبيَاض
وَقَالُوا غثاء وغثر وزوامل أسفار وَقَالُوا أقاصيص وحكايات وأخبار وَرُبمَا قرؤوا ﴿كَمثل الْحمار يحمل أسفارا﴾
стр. 2
وَفِي الْحَقِيقَة مَا ثلموا إِلَّا دينهم وَلَا سعوا إِلَّا فِي هَلَاك أنفسهم وَمَا للأساكفة وصوغ الْحلِيّ وصناعة الْبَز وَمَا للحدادين وتقليب الْعطر وَالنَّظَر فِي الْجَوَاهِر أما يكفيهم صدأ الْحَدِيد وَنفخ فِي الْكِير وشواظ الذيل وَالْوَجْه وغبرة فِي الحدقة وَمَا لأهل الْكَلَام وَنقد حَملَة الْأَخْبَار وَمَا أحسن قَول من قَالَ
(بلَاء لَيْسَ يُشبههُ بلَاء ... عَدَاوَة غير ذِي حسب وَدين)
(ينيلك مِنْهُ عرضا لم يصنه ... ويرتع مِنْك فِي عرض مصون)
لَكِن الْحق عَزِيز وكل مَعَ عزته يَدعِيهِ ودعواهم الْحق تحجبهم عَن مُرَاجعَة الْحق نعم إِن على الْبَاطِل ظلمَة وَإِن على الْحق نورا وَلَا يبصر نور الْحق إِلَّا من حشي قلبه بِالنورِ ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾ فالمتخبط فِي ظلمات الْهوى والمتردي فِي مهاوي الهلكة والمتعسف فِي الْمقَال لَا يوفق للعود إِلَى الْحق وَلَا يرشد إِلَى طَرِيق الْهدى ليظْهر وعورة
стр. 3
مسلكه وَعز جَانِبه وتأبيه إِلَّا على أَهله ﴿كَذَلِك زينا لكل أمة عَمَلهم ثمَّ إِلَى رَبهم مرجعهم فينبئهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾
стр. 4
- ٢ بَاب الْحَث على السّنة وَالْجَمَاعَة والاتباع وَكَرَاهَة التَّفَرُّق والابتداع
-
اعْلَم أَن الله تَعَالَى أَمر خلقه بِلُزُوم الْجَمَاعَة ونهاهم عَن الْفرْقَة وندبهم إِلَى الِاتِّبَاع وحثهم عَلَيْهِ وذم الابتداع وأوعدهم عَلَيْهِ
وَذَلِكَ بَين فِي كِتَابه وَسنة رَسُوله ﷺ
قَالَ تَعَالَى ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ وَقَالَ ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾ وَقَالَ ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ وَأمر تَعَالَى بِاتِّبَاع النَّبِي ﷺ فِي آيَات من كِتَابه
وَقد وَردت الْأَحَادِيث حاثة على لُزُوم سنته وَاجْتنَاب كل بِدعَة
وَإِذا ثَبت أَنا أمرنَا بالاتباع والتمسك بأثر النَّبِي ﷺ وَلُزُوم مَا شرعة لنا من الدّين وَالسّنة وَلَا طَرِيق لنا إِلَى الْوُصُول إِلَى هَذَا إِلَّا بِالنَّقْلِ والْحَدِيث بمتابعة الْأَخْبَار الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَات والعدول من هَذِه الْأمة عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن الصَّحَابَة وَمن بعده
стр. 5
فنشرح الْآن قَول أهل السّنة إِن طَرِيق الدّين هُوَ السّمع والأثر وَأَن طَريقَة الْعقل وَالرُّجُوع إِلَيْهِ وَبِنَاء السمعيات عَلَيْهِ مَذْمُوم فِي الشَّرْع ومنهي عَنهُ وَنَذْكُر مقَام الْعقل فِي الشَّرْع وَالْقدر الَّذِي أَمر الشَّرْع بِاسْتِعْمَالِهِ وَحرم مجاوزته
وَقد سلك أهل الْكَلَام فِي رد النَّاس من الْأَحَادِيث إِلَى المعقولات طَرِيقا شبهوا بهَا على عَامَّة النَّاس قَالُوا
إِن أَمر الدّين أَمر لابد فِيهِ من وُقُوع الْعلم ليَصِح الِاعْتِقَاد فِيهِ فَإِن الْمُصِيب فِي ذَلِك عِنْد اخْتِلَاف الْمُخْتَلِفين وَاحِد والمخالف فِي أَمر من أُمُور الدّين الَّذِي مرجعه إِلَى الِاعْتِقَاد إِمَّا كَافِر أَو مُبْتَدع
وَمَا كَانَ أمره على هَذَا الْوَجْه فلابد فِي ثُبُوته من طَرِيق توجب الْعلم حَتَّى لَا يتداخل من حصل لَهُ الْعلم بذلك شُبْهَة وَشك بِوَجْه من الْوُجُوه
وَالْأَخْبَار الَّتِي يَرْوِيهَا أهل الحَدِيث فِي أُمُور الدّين أَخْبَار آحَاد وَهِي غير مُوجبَة للْعلم وَإِنَّمَا توجب الإعمال فِي الْأَحْكَام خَاصَّة
وَإِذا سقط الرُّجُوع إِلَى الْأَخْبَار فلابد من الرُّجُوع إِلَى دَلِيل الْعقل وَمَا يُوجِبهُ النّظر وَالِاعْتِبَار
стр. 6
فَهَذَا من أعظم شبههم فِي الْإِعْرَاض عَن الْأَحَادِيث والْآثَار وَسَيَأْتِي الْجَواب عَنْهَا
وَقد قَالَ عمر بن الْخطاب إِنَّه سَيَأْتِي أنَاس يأخذونكم بشبهات الْقُرْآن فخذوهم بالسنن فَإِن أَصْحَاب السّنَن أعلم بِكِتَاب الله
стр. 7
٣ - مَا ورد عَن الْأَئِمَّة فِي ذمّ الْكَلَام
وَنَذْكُر الْآن مَا ورد عَن الْأَئِمَّة فِي ذمّ الْكَلَام
عَن سُهَيْل بن نعيم قَالَ قَالَ الشَّافِعِي كل من تكلم بِكَلَام فِي الدّين أَو فِي شَيْء من هَذِه الْأَهْوَاء لَيْسَ لَهُ فِيهِ إِمَام مُتَقَدم من النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فقد أحدث فِي الْإِسْلَام حَدثا
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (من أحدث حَدثا أَو آوى مُحدثا فِي الْإِسْلَام فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا)
стр. 8
وَيَقُول إيَّاكُمْ وَالنَّظَر فِي الْكَلَام فَإِن رجلا لَو سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فِي الْفِقْه فَأَخْطَأَ فِيهَا أَو سُئِلَ عَن رجل قتل رجلا فَقَالَ دِيَته بَيْضَة كَانَ أَكثر شَيْء أَن يضْحك مِنْهُ وَلَو سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فِي الْكَلَام فَأَخْطَأَ فِيهَا نسب إِلَى الْبِدْعَة
فَهَذَا كَلَام الشَّافِعِي فِي ذمّ الْكَلَام والحث على السّنة وَهُوَ الإِمَام الَّذِي لَا يجارى والفحل الَّذِي لَا يُقَاوم
стр. 9
فَلَو جَازَ الرُّجُوع إِلَيْهِ وَطلب الدّين من طَرِيقه لَكَانَ بالترغيب فِيهِ أولى من الزّجر عَنهُ وبالندب إِلَيْهِ أولى من النَّهْي عَنهُ فَلَا يَنْبَغِي لأحد أَن ينصر مذْهبه فِي الْفُرُوع ثمَّ يرغب عَن طَرِيقَته فِي الْأُصُول
وَكَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ يبغض أهل الْأَهْوَاء وَينْهى عَن مجَالِسهمْ أَشد النَّهْي وَيَقُول عَلَيْكُم بالأثر وَإِيَّاكُم وَالْكَلَام فِي ذَات الله
وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول أَئِمَّة الْكَلَام زنادقة
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (تَفَكَّرُوا فِي خلق الله وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الله)
стр. 10
وَإِنَّمَا ترد الْبِدْعَة بالأثر لَا ببدعة مثلهَا فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الإِمَام الْمُقدم قَالَ
إِنَّمَا يرد على أهل الْبدع بآثار رَسُول الله ﷺ وآثار الصَّالِحين فَأَما من رد عَلَيْهِم بالمعقول فقد رد بَاطِلا بباطل
فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة هم المرجوع إِلَيْهِم فِي أَمر الدّين وَبَيَان الشَّرْع وَمن سلك طَرِيقا فِي الْإِسْلَام بعدهمْ فإياهم يتبع وبهم يَقْتَدِي وموافقتهم يتحَرَّى فَلَا يجوز لمُسلم أَن يظنّ بهم ظن السوء وَأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِك عَن جهل وَقلة علم وخبرة فِي الدّين
وَمَا هَذَا إِلَّا من الغل الَّذِي أَمر الله بالاستعاذة مِنْهُ فَقَالَ ﴿وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا﴾
فَتبين لنا أَن الطَّرِيق عِنْد الْأَئِمَّة الهادية اتِّبَاع السّلف والاقتداء بهم دون الرُّجُوع إِلَى الآراء
وَمن هُنَا قَالَ بَعضهم الْعلم علمَان علم نبوي وَعلم نَظَرِي
وَالْعلم النظري مُحْتَاج إِلَى الْعلم النَّبَوِيّ لِأَن الْعلم النَّبَوِيّ جَاءَ من الله وَهُوَ مقرون بِالصَّوَابِ على كل حَال
стр. 11
وَالْعلم النظري مَا يستنبط وَيجوز أَن يكون صَوَابا وَيجوز أَن يكون خطأ
وَمِثَال ذَلِك مَا قيل المَاء ماآن مَاء نزل من السَّمَاء وَمَاء نبع من الأَرْض
فالماء النَّازِل من السَّمَاء على طعم وَاحِد من اللَّذَّة وَالطّيب وعَلى لون وَاحِد من الصفاء والنقاء وعَلى جَوْهَر وَاحِد من الطَّهَارَة والنظافة كَذَلِك الْعلم النَّازِل من السَّمَاء كالوحي
وَالْمَاء النابع من الأَرْض فعلى أَنْوَاع مِنْهُ صَاف طَاهِر على مُوَافقَة وَحي الله وَمِنْه خَبِيث كدر لمُخَالفَته وَحي الله
وَقَالَ بَعضهم الحَدِيث أصل والرأي فرع وَلَا يجوز أَن يكون الأَصْل وَالْفرع سَوَاء وَلَا حَالهمَا فِي الرُّتْبَة والتقدمة وَاحِدَة
أَلا ترى إِلَى قَوْله ﷺ لِمعَاذ بن جبل حِين بَعثه إِلَى الْيمن (بِمَ تحكم) قَالَ بِكِتَاب الله قَالَ (فَإِن لم تَجِد) قَالَ بِسنة رَسُول الله قَالَ
стр. 12
(فَإِن لم تَجِد) قَالَ أجتهد رَأْيِي قَالَ (الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُول الله)
فَكَانَ الْمصير إِلَى الحَدِيث بِمَنْزِلَة المَاء فِي الطهارات وَالْقِيَاس والرأي بِمَنْزِلَة التُّرَاب وَإِنَّمَا يُصَار إِلَى التُّرَاب عِنْد عدم المَاء كَذَلِك لَا يُصَار إِلَى الرَّأْي إِلَّا عِنْد عدم الحَدِيث فَكَانَ مثل من آثر الرَّأْي وَالْقِيَاس وقدمهما على الحَدِيث والأثر مثل من يعدل عَن الطَّهَارَة بِالْمَاءِ فِي وَقت السعَة ويؤثر التَّيَمُّم بِالتُّرَابِ الَّذِي وضع للضَّرُورَة والعدم
وَلَقَد أحسن سعيد بن حميد حِين يَقُول
стр. 13
(فَإنَّك حِين تطرحني لقوم ... هم عدم وَفِي صور الْوُجُود)
(كمن هُوَ تَارِك مَاء طهُورا ... وراض بِالتَّيَمُّمِ بالصعيد)
وأنشدوا أَيْضا
(دين النَّبِي مُحَمَّد آثَار ... نعم المطية للفتى الْأَخْبَار)
(لَا تغفلن عَن الحَدِيث وَأَهله ... فَالرَّأْي ليل والْحَدِيث نَهَار)
(ولربما غلط الْفَتى سبل الْهدى ... وَالشَّمْس بازغة لَهَا أنوار)
وأنشدوا أَيْضا
(أهل الْكَلَام وَأهل الرَّأْي قد جهلوا ... علم الحَدِيث الَّذِي ينجو بِهِ الرجل)
(لَو أَنهم عرفُوا الْآثَار مَا انحرفوا ... عَنْهَا إِلَى غَيرهَا لكِنهمْ جهلوا)
وأنشدوا أَيْضا
(أهل الْكَلَام دَعونَا من تعسفكم ... كم تَبْتَغُونَ لدين الله تبديلا)
(مَا أحدث النَّاس فِي أديانهم حَدثا ... إِلَّا جعلتم لَهُ وَجها وتأويلا)
وَلأبي بكر بن أبي دَاوُد السجسْتانِي
стр. 14
(تمسك بِحَبل الله وَاتبع الْهدى ... وَلَا تَكُ بدعيا لَعَلَّك تفلح)
(ولذ بِكِتَاب الله وَالسّنَن الَّتِي ... أَتَت عَن رَسُول الله تنجو وتربح)
(ودع عَنْك آراء الرِّجَال وَقَوْلهمْ ... فَقَوْل رَسُول الله أزكى وأشرح)
وَأنْشد أَيْضا
(خُذ مَا أَتَاك بِهِ الْأَخْبَار من أثر ... شبها بشبه وأمثالا بأمثال)
(وَلَا تميلن يَا هَذَا إِلَى بدع ... تضل أَصْحَابهَا بالقيل والقال)
стр. 15
٤ - فصل فِيمَا رُوِيَ عَنْهُم من ذمّ الْجِدَال والخصومات فِي الدّين وَمَا كَرهُوا من ذَلِك
عَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون)
وَعَن عَليّ بن الْحُسَيْن قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه)
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه كَانَ ينْهَى عَن الْخُصُومَة وَيَقُول إِنَّمَا يُخَاصم الشاك فِي دينه
стр. 16
وَعَن ابْن سِيرِين قَالَ إِنِّي لأدع المراء وَإِنِّي لأعلمكم بِهِ
وَقد جَاءَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ﴾ يَعْنِي حب الجدل
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ الْمُنَازعَة والجدال فِي الدّين مُحدث
وَاعْلَم أَنَّك مَتى تدبرت سيرة الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من السّلف الصَّالح وَجَدتهمْ ينهون عَن جِدَال أهل الْبِدْعَة بأبلغ النَّهْي وَلَا يرَوْنَ رد كَلَامهم بدلائل الْعقل
стр. 17
وَإِنَّمَا كَانُوا إِذا سمعُوا بِوَاحِد من أهل الْبِدْعَة أظهرُوا التبري مِنْهُ ونهوا النَّاس عَن مُجَالَسَته ومحاورته وَالْكَلَام مَعَه وَرُبمَا نهوا عَن النّظر إِلَيْهِ
وَقد قَالُوا إِذا رَأَيْت مبتدعا فِي طَرِيق فَخذ فِي طَرِيق آخر
وَلَقَد ظَهرت هَذِه الْأَهْوَاء الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ رَأس الْأَهْوَاء أَعنِي الْقدر والإرجاء ورأي الحرورية والرافضة فِي آخر زمَان الصَّحَابَة
стр. 18
فَكَانَ إِذا بَلغهُمْ أَمرهم أمروا بِمَا ذكرنَا وَلم يبلغنَا عَن أحد مِنْهُم أَنه جادلهم بدلائل الْعقل أَو أَمر بذلك
وَقد كَانُوا إِلَى عهد رَسُول الله ﷺ أقرب وَقد شاهدوا الْوَحْي والتنزيل وعدلهم الله فِي الْقُرْآن وَشهد لَهُم بِالصّدقِ وَشهد لَهُم النَّبِي ﷺ بالخيرية فِي الدّين
وَكَانَت طاعتهم أجل وَقُلُوبهمْ أسلم وصدورهم أطهر وعلمهم أوفر وَكَانُوا من الْهوى والبدع أبعد
وَلَو كَانَ طَرِيق الرَّد على المبتدعة هُوَ الْكَلَام وَدَلَائِل الْعقل والجدال مَعَهم لاشتغلوا بِهِ وَأمرُوا بذلك وندبوا إِلَيْهِ
وَإِنَّمَا ظَهرت المجادلات فِي الدّين والخصومات بعد مُضِيّ قرن التَّابِعين وَمن يليهم حِين ظهر الْكَذِب وفشت شَهَادَات الزُّور وشاع الْجَهْل واندرس أَمر السّنة بعض الاندراس وأتى على النَّاس زمَان حذر مِنْهُ النَّبِي ﷺ وَالصَّحَابَة من بعده
стр. 19
وَلَقَد صدق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ حَيْثُ يَقُول إِن الْقَوْم لم يُؤَخر عَنْهُم شَيْء خبئ لكم لفضل عنْدكُمْ وَإِنَّمَا كَانَ غايتهم التبري وَإِظْهَار المجانبة وَالْأَمر بالتباعد
وَالْمَشْهُور عَن ابْن عمر ﵄ أَنه لما بلغه قَول أهل الْقدر قَالَ أبلغوهم أَنِّي مِنْهُم بَرِيء وَلَو وجدت أعوانا لجاهدتهم
وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ لَو رَأَيْت بَعضهم لضَرَبْت رَأسه
وأتى رجل عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَقَالَ أَخْبرنِي عَن الْقدر قَالَ طَرِيق مظلم فَلَا تسلكه قَالَ أَخْبرنِي عَن الْقدر قَالَ بَحر عميق فَلَا تلجه قَالَ أَخْبرنِي عَن الْقدر قَالَ سر الله فَلَا تكلفه
وَعَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر قَالَ يُسْتَتَاب القدري فَإِن تَابَ وَإِلَّا نفي من بِلَاد الْمُسلمين
وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز يَنْبَغِي أَن نتقدم إِلَيْهِم فِيمَا أَحْدَثُوا من الْقدر فَإِن كفوا وَإِلَّا استلت ألسنتهم من أقفيتهم استلال
стр. 20
فَهَذَا طَرِيق الْقَوْم فِي أَمر الْبدع وَأَهْلهَا
قَالَ رجل من أهل الْبدع لأيوب السّخْتِيَانِيّ يَا أَبَا بكر أَسأَلك عَن كلمة فولى وَهُوَ يَقُول وَلَا نصف كلمة
وَقَالَ ابْن طَاوس لِابْنِ لَهُ وَتكلم رجل من أهل الْبدع يَا بني أَدخل أصبعيك فِي أذنيك ثمَّ قَالَ اشْدُد اشْدُد
وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز من جعل دينه غَرضا للخصومات أَكثر التنقل
стр. 21
وَقَالَ رجل للْحكم بن عتيبة مَا حمل أهل الْأَهْوَاء على هواهم
قَالَ الْخُصُومَات
وَقَالَ مُعَاوِيَة بن قُرَّة وَكَانَ أَبوهُ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ إيَّاكُمْ وَهَذِه الْخُصُومَات إِنَّهَا تحبط الْأَعْمَال
وَقَالَ أَبُو قلَابَة وَكَانَ قد أدْرك غير وَاحِد من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ لَا تجالسوا أَصْحَاب الْأَهْوَاء أَو قَالَ أَصْحَاب الْخُصُومَات لَا تكلموهم
стр. 22
فَإِنِّي لَا آمن أَن يغمسوكم فِي ضلالتهم أَو يلبسوا عَلَيْكُم بعض مَا تعرفُون
وَدخل رجلَانِ من أَصْحَاب الْأَهْوَاء على مُحَمَّد بن سِيرِين فَقَالَا يَا أَبَا بكر نحدثك بِحَدِيث قَالَ لَا قَالَا نَقْرَأ عَلَيْك آيَة من كتاب الله قَالَ لَا لتقومان أَو لأقومن
وَكَانُوا يَقُولُونَ إِن الْقلب ضَعِيف وَإِنَّا نَخَاف إِن استمعت مِنْهُم شَيْئا أَن يمِيل قَلْبك إِلَى قَوْلهم
وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي اعلموا أَن اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة أسلم والخوض فِي أَمر الدّين بالمنازعة وَالرَّدّ حرَام والاجتناب عَنهُ سَلامَة
وَأَرْجُو أَن يجوز الْقيَاس على الأَصْل الثَّابِت من الْعَالم الفطن المتيقظ
وَلَا تكَاد تَجِد شَيْئا من تَأْوِيل الْكتاب مُخَالفا لسنة النَّبِي ﷺ إِذا صحت الرِّوَايَة
стр. 23
وَعَامة تاركي الْعلم وَالسّنة وَأَصْحَاب الْأَهْوَاء والرأي والمقاييس لثقل السّنة عَلَيْهِم
وَلَا أعرف حديثين يُخَالف أَحدهمَا الآخر وَلكُل مَا رُوِيَ من الْأَحَادِيث الْمُخْتَلفَة معَان يعلمهَا أهل الْعلم بهَا
فَهَذَا الَّذِي نَقَلْنَاهُ طَريقَة السّلف وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ
стр. 24
وَاعْلَم أَن الْأَئِمَّة الماضين وأولي الْعلم من الْمُتَقَدِّمين لم يتْركُوا هَذَا النمط من الْكَلَام وَهَذَا النَّوْع من النّظر عَجزا عَنهُ وَلَا انْقِطَاعًا دونه وَقد كَانُوا ذَوي عقول وافرة وأفهام ثاقبة وَقد كَانَت هَذِه الْفِتَن قد وَقعت فِي زمانهم وَظَهَرت وَإِنَّمَا تركُوا هَذِه الطَّرِيقَة وأضربوا عَنْهَا لما تخوفوه من فتنتها وعلموه من سوء عَاقبَتهَا وسيء مغبتها
وَقد كَانُوا على بَيِّنَة من أُمُورهم وعَلى بَصِيرَة من دينهم لما هدَاهُم الله بنوره وَشرح صُدُورهمْ بضياء مَعْرفَته فَرَأَوْا أَن فِيمَا عِنْدهم من علم الْكتاب وحكمته وتوقيف السّنة وبيانها غناء ومندوحة مِمَّا سواهَا وَأَن الْحجَّة قد وَقعت وتمت بهما وَأَن الْعلَّة والشبهة قد أزيحت بماكنهما
فَلَمَّا تَأَخّر الزَّمَان بأَهْله وفترت عزائمهم فِي طلب حقائق عُلُوم الْكتاب وَالسّنة وَقلت عنايتهم بهَا واعترضهم الْمُلْحِدُونَ بشبههم والطاعنون فِي الدّين
стр. 25
بجدلهم حسبوا أَنهم إِن لم يردوهم عَن أنفسهم بِهَذَا النمط من الْكَلَام وَدَلَائِل الْعقل لم يقووا عَلَيْهِم وَلم يظهروا فِي الْحجَّاج عَلَيْهِم
فَكَانَ ذَلِك ضلة من الرَّأْي وخدعة من الشَّيْطَان
فَلَو سلكوا سَبِيل الْقَصْد ووقفوا عِنْدَمَا انْتهى بهم التَّوْقِيف لوجدوا برد الْيَقِين وروح الْقُلُوب ولكثرت الْبركَة وتضاعف النَّمَاء وانشرحت الصُّدُور وأضاءت فِيهَا مصابيح النُّور
وَإِنَّمَا وَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ عِنْد أهل الْحق بعد مَا تدبروا وَظهر لَهُم بِتَوْفِيق الله سَبَب ذَلِك
وَهُوَ أَن الشَّيْطَان صَار الْيَوْم بلطيف حيلته يسول لكل من أحس من نَفسه زِيَادَة فهم وَفضل ذكاء وذهن يُوهِمهُ أَنه إِن رَضِي فِي عمله ومذهبه بِظَاهِر من السّنة وَاقْتصر على وَاضح بَيَان مِنْهَا كَانَ أُسْوَة الْعَامَّة وعد وَاحِدًا من الْجُمْهُور والكافة وَأَنه قد ضل فهمه واضمحل عقله وذهنه
فحركهم بذلك على التنطع فِي النّظر والتبدع لمُخَالفَة السّنة والأثر ليمتازوا بذلك عَن طبقَة الدهماء ويتبينوا فِي الرُّتْبَة عَمَّن يرونهم دونهم فِي الْفَهم والذكاء
стр. 26
فاختدعهم بِهَذِهِ الْمُقدمَة حَتَّى استزلهم عَن وَاضح المحجة وأورطهم فِي شُبُهَات تعلقوا بزخارفها وتاهوا عَن حقائقها وَلم يخلصوا مِنْهَا إِلَى شِفَاء نفس وَلَا قبلوه بِيَقِين علم
وَلما رَأَوْا كتاب الله ينْطق بِخِلَاف مَا انتحلوه وَيشْهد عَلَيْهِم بباطل مَا اعتقدوه ضربوا بعض آيَاته بِبَعْض وتأولوها على مَا يسنح لَهُم فِي عُقُولهمْ واستوى عِنْدهم على مَا وضعوه من أصولهم
ونصبوا الْعَدَاوَة لأخبار رَسُول الله ﷺ ولسنته المأثورة عَنهُ وردوها على وجوهها وأساؤوا فِي نقلتها القالة ووجهوا عَلَيْهِم الظنون ورموهم بالتزيد ونسبوهم إِلَى ضعف الْمِنَّة وَسُوء الْمعرفَة بمعاني مَا يَرْوُونَهُ من الحَدِيث
وَلَو أَنهم أَحْسنُوا الظَّن بسلفهم وآثروا متابعتهم وسلموا حَيْثُ سلمُوا وطلبوا الْمعَانِي حَيْثُ طلبُوا واجتهدوا فِي رد الْهوى وخداع الشَّيْطَان لانشرحت صُدُورهمْ وَظهر لَهُم برد الْيَقِين وروح الْمعرفَة وضياء التَّسْلِيم مَا ظهر لسلفهم وبرز لَهُم من أَعْلَام الْحق مَا كَانَ مكشوفا لَهُم
غير أَن الْحق عَزِيز وَالدّين غَرِيب وَالزَّمَان مفتن
﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾
стр. 27
٥ - سُؤال من أهل الْكَلَام
قَالُوا إِن قَوْلكُم إِن السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لم يشتغلوا بإيراد دَلَائِل الْعقل وَالرُّجُوع إِلَيْهِ فِي علم الدّين وعدوا هَذَا النمط من الْكَلَام بِدعَة فَكَمَا أَنهم لم يشتغلوا بِهَذَا كَذَلِك لم يشتغلوا بِالِاجْتِهَادِ فِي الْفُرُوع وَطلب أَحْكَام الْحَوَادِث وَلم يرو عَنْهُم شَيْء من هَذِه المقايسات والآراء والعلل الَّتِي وَضعهَا الْفُقَهَاء فِيمَا بَينهم
وَإِنَّمَا ظهر هَذَا بعد زمَان أَتبَاع التَّابِعين وَقد استحسنه جَمِيع الْأمة ودونوه فِي كتبهمْ فَلَا يُنكر أَن يكون علم الْكَلَام على هَذَا الْوَجْه
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ قبيحا فَهُوَ عِنْد الله قَبِيح) وَهَذَا مِمَّا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ مستحسن عِنْد الله
стр. 28
والبدعة على وَجْهَيْن بِدعَة قبيحة وبدعة حَسَنَة
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ الْقَصَص بِدعَة ونعمت الْبِدْعَة كم من أَخ يُسْتَفَاد ودعوة مجابة وسؤل معطى
وَعَن بَعضهم أَنه سُئِلَ عَن الدُّعَاء عِنْد ختم الْقُرْآن كَمَا يَفْعَله النَّاس الْيَوْم قَالَ بِدعَة حَسَنَة
стр. 29
وَكَيف لَا يكون هَذَا النَّوْع من الْعلم حسنا وَهُوَ يتَضَمَّن الرَّد على الْمُلْحِدِينَ والزنادقة والقائلين بقدم الْعَالم وَكَذَلِكَ أهل سَائِر الْأَهْوَاء من هَذِه الْأمة وَلَوْلَا النّظر وَالِاعْتِبَار مَا عرف الْحق من الْبَاطِل وَالْحسن من الْقَبِيح وَبِهَذَا الْعلم انزاحت الشُّبْهَة عَن قُلُوب أهل الزيغ وَثَبت قدم الْيَقِين للموحدين
стр. 30
وَإِذا منعتم أَدِلَّة الْعُقُول فَمَا الَّذِي تعتقدون فِي صِحَة أصُول دينكُمْ وَمن أَي طَرِيق تتوصلون إِلَى معرفَة حقائقها
стр. 31
وَقد علم الْكل أَن الْكتاب لم يعلم حَقه وَالنَّبِيّ ﷺ لم يثبت صدقه إِلَّا بأدلة الْعُقُول وَقد نفيتم ذَلِك وَإِذا ذهب الدَّلِيل لم يبْق الْمَدْلُول أَيْضا وَفِي هَذَا الْكَلَام هدم الدّين وَرَفعه ونقضه فَلَا يجوز الِاشْتِغَال بمسائله
الْجَواب وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
أَنا قد دللنا فِيمَا سبق بِالْكتاب النَّاطِق من الله وَمن قَول النَّبِي ﷺ وَمن أَقْوَال الصَّحَابَة ﵃ أَنا أمرنَا بالاتباع وندبنا إِلَيْهِ ونهينا عَن الابتداع وزجرنا عَنهُ
وشعار أهل السّنة اتباعهم السّلف الصَّالح وتركهم كل مَا هُوَ مُبْتَدع مُحدث وَقد روينَا عَن سلفهم أَنهم نهوا عَن هَذَا النَّوْع من الْعلم وَهُوَ علم الْكَلَام وزجروا عَنهُ وعدوا ذَلِك ذَرِيعَة للبدع والأهواء
وَحمل بَعضهم قَوْله ﷺ (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من علم لَا ينفع) على هَذَا وَقَوله ﷺ (إِن من الْعلم لجهلا)
فَأَما قَوْلهم إِن السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لم ينْقل عَنْهُم أَنهم اشتغلوا بِالِاجْتِهَادِ فِي الْفُرُوع فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن
стр. 32
أَحدهمَا أَنه لم ينْقل عَنْهُم النَّهْي عَن ذَلِك والزجر عَنهُ بل من تدبر اخْتِلَاف الصَّحَابَة ﵃ فِي الْمسَائِل واحتجاجهم فِي ذَلِك عرف أَنهم كَانُوا يرَوْنَ الْقيَاس وَالِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع
وَقد روى أهل الحَدِيث وَالنَّقْل عَنْهُم ذَلِك واحتجاج بَعضهم على بعض وَطلب الْأَشْبَاه ورد الْفُرُوع إِلَى الْأُصُول
وَأما من كره ذَلِك فَيحْتَمل أَنه إِنَّمَا كره ذَلِك إِذا كَانَ مَعَ وجود النَّص من الْكتاب وَالسّنة على مَا سبق بَيَانه
وَأما الْكَلَام فِي أُمُور الدّين وَمَا يرجع إِلَى الِاعْتِقَاد من طَرِيق الْمَعْقُول فَلم ينْقل عَن أحد مِنْهُم بل عدوه من الْبدع والمحدثات وزجروا عَنهُ غَايَة الزّجر ونهوا عَنهُ
جَوَاب آخر أَن الْحَوَادِث للنَّاس والفتاوى فِي الْمُعَامَلَات لَيْسَ لَهَا حصر وَلَا نِهَايَة وبالناس إِلَيْهَا حَاجَة عَامَّة فَلَو لم يجز الِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع وَطلب الْأَشْبَه بِالنّظرِ وَالِاعْتِبَار ورد الْمَسْكُوت عَنهُ إِلَى الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بالأقيسة لتعطلت الْأَحْكَام وفسدت على النَّاس أُمُورهم والتبس أَمر الْمُعَامَلَات على النَّاس
ولابد للعامي من مفت فَإِذا لم يجد حكم الْحَادِثَة فِي الْكتاب وَالسّنة فلابد من الرُّجُوع إِلَى المستنبطات مِنْهُمَا فَوسعَ الله هَذَا الْأَمر على هَذِه الْأمة وَجوز الِاجْتِهَاد
стр. 33
ورد الْفُرُوع إِلَى الْأُصُول لهَذَا النَّوْع من الضَّرُورَة وَمثل هَذَا لَا يُوجد فِي المعتقدات لِأَنَّهَا محصورة محدودة قد وَردت النُّصُوص فِيهَا من الْكتاب وَالسّنة فَإِن الله تَعَالَى أَمر فِي كِتَابه وعَلى لِسَان رَسُوله ﷺ باعتقاد أَشْيَاء مَعْلُومَة لَا مزِيد عَلَيْهَا وَلَا نُقْصَان عَنْهَا وَقد أكملها بقوله ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ فَإِذا كَانَ قد أكمله وأتمه وَهَذَا الْمُسلم قد اعتقده وَسكن إِلَيْهِ وَوجد قَرَار الْقلب عَلَيْهِ فبماذا يحْتَاج إِلَى الرُّجُوع إِلَى دَلَائِل الْعقل وقضاياه وَالله أغناه عَنهُ بفضله وَجعل لَهُ المندوحة عَنهُ وَلم يدْخل فِي أَمر يدْخل عَلَيْهِ مِنْهُ الشُّبْهَة والإشكالات ويوقعه فِي المهالك والورطات
وَهل زاغ من زاغ وَهلك من هلك وألحد من ألحد إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى الخواطر والمعقولات وَاتِّبَاع الآراء فِي قديم الدَّهْر وَحَدِيثه
وَهل نجا من نجا إِلَّا بِاتِّبَاع سنَن الْمُرْسلين وَالْأَئِمَّة الهادية من الأسلاف الْمُتَقَدِّمين
وَإِذا كَانَ هَذَا النَّوْع من الْعلم لطلب زِيَادَة فِي الدّين فَهَل تكون الزِّيَادَة بعد الْكَمَال إِلَّا نُقْصَانا عَائِدًا على الْكَمَال مثل زِيَادَة الْأَعْضَاء والأصابع فِي الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ
فليتق امْرُؤ ربه وَلَا يدخلن فِي دينه مَا لَيْسَ مِنْهُ وليتمسك بآثار السّلف وَالْأَئِمَّة المرضية وليكونن على هديهم وطريقهم وليعض عَلَيْهَا بنواجذه وَلَا يوقعن نَفسه فِي مهلكة يضل فِيهَا الدّين وَيشْتَبه عَلَيْهِ الْحق وَالله حسيب أَئِمَّة الضلال الداعين إِلَى النَّار وَيَوْم الْقِيَامَة لَا ينْصرُونَ
стр. 34
٦ - حجية خبر الْوَاحِد
فصل
ونشتغل الْآن بِالْجَوَابِ عَن قَوْلهم فِيمَا سبق إِن أَخْبَار الْآحَاد لَا تقبل فِيمَا طَرِيقه الْعلم وَهَذَا رَأس شغب المبتدعة فِي رد الْأَخْبَار وَطلب الدَّلِيل من النّظر وَالِاعْتِبَار
فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن الْخَبَر إِذا صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ وَرَوَاهُ الثِّقَات وَالْأَئِمَّة وأسنده خَلفهم عَن سلفهم إِلَى رَسُول الله ﷺ وَتَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ فَإِنَّهُ يُوجب الْعلم فِيمَا سَبيله الْعلم
هَذَا قَول عَامَّة أهل الحَدِيث والمتقنين من القائمين على السّنة
стр. 35
وَإِنَّمَا هَذَا القَوْل الَّذِي يذكر أَن خبر الْوَاحِد لَا يُفِيد الْعلم بِحَال ولابد من نَقله بطرِيق التَّوَاتُر لوُقُوع الْعلم بِهِ شَيْء اخترعته الْقَدَرِيَّة والمعتزلة وَكَانَ قصدهم مِنْهُ رد الْأَخْبَار وتلقفه مِنْهُم بعض الْفُقَهَاء الَّذين لم يكن لَهُم فِي الْعلم قدم ثَابت وَلم يقفوا على مقصودهم من هَذَا القَوْل
وَلَو أنصفت الْفرق من الْأمة لأقروا بِأَن خبر الْوَاحِد يُوجب الْعلم فَإنَّك تراهم مَعَ اخْتلَافهمْ فِي طرائقهم وعقائدهم يسْتَدلّ كل فريق مِنْهُم على صِحَة مَا يذهب إِلَيْهِ بالْخبر الْوَاحِد
ترى أَصْحَاب الْقدر يستدلون بقول النَّبِي ﷺ (كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة) وَبِقَوْلِهِ ﷺ (خلقت عبَادي حنفَاء فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِين عَن دينهم)
وَترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله ﷺ (من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة) قَالُوا وَإِن زنى وَإِن سرق قَالَ (نعم وَإِن زنى وَإِن سرق)
стр. 36
وَترى الرافضة يستدلون بقوله ﷺ (يجاء بِقوم من أَصْحَابِي فيسلك بهم ذَات الشمَال فَأَقُول أصيحابي أصيحابي فَيُقَال إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك إِنَّهُم لن يزَالُوا مرتدين على أَعْقَابهم)
وَترى الْخَوَارِج يستدلون بقوله ﷺ (سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر) وَبِقَوْلِهِ ﷺ (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن)
إِلَى غير هَذَا من الْأَحَادِيث الَّتِي يسْتَدلّ بهَا أهل الْفرق
ومشهور مَعْلُوم اسْتِدْلَال أهل السّنة بالأحاديث ورجوعهم إِلَيْهَا فَهَذَا إِجْمَاع مِنْهُم على القَوْل بأخبار الْآحَاد
وَكَذَلِكَ أجمع أهل الْإِسْلَام متقدموهم ومتأخروهم على رِوَايَة الْأَحَادِيث فِي صِفَات الله وَفِي مسَائِل الْقدر والرؤية وأصل الْإِيمَان والشفاعة والحوض وَإِخْرَاج الْمُوَحِّدين المذنبين من النَّار وَفِي صفة الْجنَّة وَالنَّار وَفِي التَّرْغِيب والترهيب والوعد والوعيد وَفِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ ومناقب أَصْحَابه وأخبار الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ أَخْبَار الرَّقَائِق والعظات وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا يكثر عده وَذكره
стр. 37
وَهَذِه الْأَشْيَاء كلهَا علمية لَا عملية وَإِنَّمَا تروى لوُقُوع علم السَّامع بهَا فَإِذا قُلْنَا إِن خبر الْوَاحِد بهَا لَا يجوز أَن يُوجب الْعلم حملنَا أَمر الْأمة فِي نقل هَذِه الْأَخْبَار على الْخَطَأ وجعلناهم لاغين هاذين مشتغلين بِمَا لَا يُفِيد أحدا شَيْئا وَلَا يَنْفَعهُ وَيصير كَأَنَّهُمْ قد دونوا فِي أُمُور الدّين مَا لَا يجوز الرُّجُوع إِلَيْهِ والاعتماد عَلَيْهِ
وَرُبمَا يترقى هَذَا القَوْل إِلَى أعظم من هَذَا فَإِن النَّبِي ﷺ أدّى هَذَا الدّين إِلَى الْوَاحِد فالواحد من أَصْحَابه ليؤدوه إِلَى الْأمة وينقلوا عَنهُ فَإِذا لم يقبل قَول الرَّاوِي لِأَنَّهُ وَاحِد رَجَعَ هَذَا الْعَيْب إِلَى الْمُؤَدِّي نَعُوذ بِاللَّه من هَذَا القَوْل الشنيع والاعتقاد الْقَبِيح
وَيدل عَلَيْهِ أَن الْأَمر مشتهر فِي أَن النَّبِي ﷺ بعث الرُّسُل إِلَى الْمُلُوك إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر وَملك الْإسْكَنْدَريَّة وَإِلَى أكيدر دومة وَغَيرهم من مُلُوك الْأَطْرَاف وَكتب إِلَيْهِم كتبا على مَا عرف وَنقل واشتهر
стр. 38
وَإِنَّمَا بعث وَاحِدًا وَاحِدًا ودعاهم إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى التَّصْدِيق برسالته لإلزام الْحجَّة وَقطع الْعذر لقَوْله ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَهَذِه الْمعَانِي لَا تحصل إِلَّا بعد وُقُوع الْعلم لمن أرسل إِلَيْهِ بِالْإِرْسَال والمرسل وَأَن الْكتاب من قبله والدعوة مِنْهُ
وَقد كَانَ نَبينَا ﷺ بعث إِلَى النَّاس كَافَّة وَكثير من الْأَنْبِيَاء بعثوا إِلَى قوم دون قوم وَإِنَّمَا قصد بإرسال الرُّسُل إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُلُوك وَالْكتاب إِلَيْهِم بَث الدعْوَة فِي جَمِيع الممالك وَدُعَاء النَّاس عَامَّة إِلَى دينه على حسب مَا أمره الله تَعَالَى بذلك فَلَو لم يَقع الْعلم بِخَبَر الْوَاحِد فِي أُمُور الدّين لم يقْتَصر ﷺ على إرْسَال الْوَاحِد من أَصْحَابه فِي هَذَا الْأَمر
وَكَذَلِكَ فِي أُمُور كَثِيرَة اكْتفى ﷺ بإرسال الْوَاحِد من أَصْحَابه مِنْهَا
أَنه ﷺ بعث عليا ﵁ لينادي فِي موسم الْحَج بمنى أَلا لَا يَحُجن بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يَطُوفَن بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَمن كَانَ بَينه وَبَين النَّبِي ﷺ عهد فمدته إِلَى أَرْبَعَة أشهر وَلَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مسلمة وَلَا بُد فِي هَذِه الْأَشْيَاء من وُقُوع الْعلم للْقَوْم الَّذين كَانَ يناديهم حَتَّى إِن أقدموا على شَيْء
стр. 39
من هَذَا بعد سَماع هَذَا القَوْل كَانَ رَسُول الله ﷺ مَبْسُوط الْعذر فِي قِتَالهمْ وقتلهم
وَكَذَلِكَ بعث معَاذًا ﵁ إِلَى الْيمن لِيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام وَيُعلمهُم إِذا أجابوا شرائعه
وَبعث إِلَى أهل خَيْبَر فِي أَمر الْقَتِيل وَاحِدًا يَقُول لَهُم إِمَّا أَن تدوا أَو تؤذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله
وَبعث إِلَى قُرَيْظَة أَبَا لبَابَة بن عبد الْمُنْذر يستنزلهم على حكمه
وَجَاء أهل قبَاء وَاحِد وهم فِي مَسْجِدهمْ يصلونَ فَأخْبرهُم بِصَرْف الْقبْلَة إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام فانصرفوا فِي صلَاتهم واكتفوا بقوله ولابد فِي مثل هَذَا من وُقُوع الْعلم بِهِ
стр. 40
وَكَانَ النَّبِي ﷺ يُرْسل الطَّلَائِع والجواسيس فِي ديار الْكفْر ويقتصر على الْوَاحِد فِي ذَلِك وَيقبل قَوْله إِذا رَجَعَ وَرُبمَا أقدم عَلَيْهِم بِالْقَتْلِ والنهب بقوله وَحده
وَمن تدبر أُمُور النَّبِي ﷺ وَسيرَته لم يخف عَلَيْهِ مَا ذكرنَا وَمَا يرد هَذَا إِلَّا معاند مكابر
وَلَو أَنَّك وضعت فِي قَلْبك أَنَّك سَمِعت الصّديق أَو الْفَارُوق أَو غَيرهمَا من وُجُوه الصَّحَابَة ﵃ يروي لَك حَدِيثا عَن النَّبِي ﷺ فِي أَمر من الِاعْتِقَاد مثل جَوَاز الرُّؤْيَة على الله تَعَالَى أَو إِثْبَات الْقدر أَو غير ذَلِك لوجدت قَلْبك مطمئنا إِلَى قَوْله لَا يتداخلك شكّ فِي صدقه وَثُبُوت قَوْله
وَفِي زَمَاننَا هَذَا ترى الرجل يسمع من أستاذه الَّذِي يخْتَلف إِلَيْهِ ويعتقد فِيهِ التقدمة والصدق أَنه سمع أستاذه يخبر عَن شَيْء من عقيدته الَّتِي يُرِيد أَن يلقى الله تَعَالَى بهَا وَيرى نجاته فِيهَا فَيحصل للسامع علم بِمذهب من نقل عَنهُ أستاذه ذَلِك بِحَيْثُ لَا يختلجه شُبْهَة وَلَا يَعْتَرِيه شكّ
следующие страницы →