← Книги сунны

Книги сунны · id 5727

الانتصار لأصحاب الحديث

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (83 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَترى الرافضة يستدلون بقوله ﷺ (يجاء بِقوم من أَصْحَابِي فيسلك بهم ذَات الشمَال فَأَقُول أصيحابي أصيحابي فَيُقَال إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك إِنَّهُم لن يزَالُوا مرتدين على أَعْقَابهم) وَترى الْخَوَارِج يستدلون بقوله ﷺ (سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر) وَبِقَوْلِهِ ﷺ (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن) إِلَى غير هَذَا من الْأَحَادِيث الَّتِي يسْتَدلّ بهَا أهل الْفرق ومشهور مَعْلُوم اسْتِدْلَال أهل السّنة بالأحاديث ورجوعهم إِلَيْهَا فَهَذَا إِجْمَاع مِنْهُم على القَوْل بأخبار الْآحَاد وَكَذَلِكَ أجمع أهل الْإِسْلَام متقدموهم ومتأخروهم على رِوَايَة الْأَحَادِيث فِي صِفَات الله وَفِي مسَائِل الْقدر والرؤية وأصل الْإِيمَان والشفاعة والحوض وَإِخْرَاج الْمُوَحِّدين المذنبين من النَّار وَفِي صفة الْجنَّة وَالنَّار وَفِي التَّرْغِيب والترهيب والوعد والوعيد وَفِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ ومناقب أَصْحَابه وأخبار الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ أَخْبَار الرَّقَائِق والعظات وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا يكثر عده وَذكره

стр. 37

وَهَذِه الْأَشْيَاء كلهَا علمية لَا عملية وَإِنَّمَا تروى لوُقُوع علم السَّامع بهَا فَإِذا قُلْنَا إِن خبر الْوَاحِد بهَا لَا يجوز أَن يُوجب الْعلم حملنَا أَمر الْأمة فِي نقل هَذِه الْأَخْبَار على الْخَطَأ وجعلناهم لاغين هاذين مشتغلين بِمَا لَا يُفِيد أحدا شَيْئا وَلَا يَنْفَعهُ وَيصير كَأَنَّهُمْ قد دونوا فِي أُمُور الدّين مَا لَا يجوز الرُّجُوع إِلَيْهِ والاعتماد عَلَيْهِ وَرُبمَا يترقى هَذَا القَوْل إِلَى أعظم من هَذَا فَإِن النَّبِي ﷺ أدّى هَذَا الدّين إِلَى الْوَاحِد فالواحد من أَصْحَابه ليؤدوه إِلَى الْأمة وينقلوا عَنهُ فَإِذا لم يقبل قَول الرَّاوِي لِأَنَّهُ وَاحِد رَجَعَ هَذَا الْعَيْب إِلَى الْمُؤَدِّي نَعُوذ بِاللَّه من هَذَا القَوْل الشنيع والاعتقاد الْقَبِيح وَيدل عَلَيْهِ أَن الْأَمر مشتهر فِي أَن النَّبِي ﷺ بعث الرُّسُل إِلَى الْمُلُوك إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر وَملك الْإسْكَنْدَريَّة وَإِلَى أكيدر دومة وَغَيرهم من مُلُوك الْأَطْرَاف وَكتب إِلَيْهِم كتبا على مَا عرف وَنقل واشتهر

стр. 38

وَإِنَّمَا بعث وَاحِدًا وَاحِدًا ودعاهم إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى التَّصْدِيق برسالته لإلزام الْحجَّة وَقطع الْعذر لقَوْله ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَهَذِه الْمعَانِي لَا تحصل إِلَّا بعد وُقُوع الْعلم لمن أرسل إِلَيْهِ بِالْإِرْسَال والمرسل وَأَن الْكتاب من قبله والدعوة مِنْهُ وَقد كَانَ نَبينَا ﷺ بعث إِلَى النَّاس كَافَّة وَكثير من الْأَنْبِيَاء بعثوا إِلَى قوم دون قوم وَإِنَّمَا قصد بإرسال الرُّسُل إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُلُوك وَالْكتاب إِلَيْهِم بَث الدعْوَة فِي جَمِيع الممالك وَدُعَاء النَّاس عَامَّة إِلَى دينه على حسب مَا أمره الله تَعَالَى بذلك فَلَو لم يَقع الْعلم بِخَبَر الْوَاحِد فِي أُمُور الدّين لم يقْتَصر ﷺ على إرْسَال الْوَاحِد من أَصْحَابه فِي هَذَا الْأَمر وَكَذَلِكَ فِي أُمُور كَثِيرَة اكْتفى ﷺ بإرسال الْوَاحِد من أَصْحَابه مِنْهَا أَنه ﷺ بعث عليا ﵁ لينادي فِي موسم الْحَج بمنى أَلا لَا يَحُجن بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يَطُوفَن بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَمن كَانَ بَينه وَبَين النَّبِي ﷺ عهد فمدته إِلَى أَرْبَعَة أشهر وَلَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مسلمة وَلَا بُد فِي هَذِه الْأَشْيَاء من وُقُوع الْعلم للْقَوْم الَّذين كَانَ يناديهم حَتَّى إِن أقدموا على شَيْء

стр. 39

من هَذَا بعد سَماع هَذَا القَوْل كَانَ رَسُول الله ﷺ مَبْسُوط الْعذر فِي قِتَالهمْ وقتلهم وَكَذَلِكَ بعث معَاذًا ﵁ إِلَى الْيمن لِيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام وَيُعلمهُم إِذا أجابوا شرائعه وَبعث إِلَى أهل خَيْبَر فِي أَمر الْقَتِيل وَاحِدًا يَقُول لَهُم إِمَّا أَن تدوا أَو تؤذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله وَبعث إِلَى قُرَيْظَة أَبَا لبَابَة بن عبد الْمُنْذر يستنزلهم على حكمه وَجَاء أهل قبَاء وَاحِد وهم فِي مَسْجِدهمْ يصلونَ فَأخْبرهُم بِصَرْف الْقبْلَة إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام فانصرفوا فِي صلَاتهم واكتفوا بقوله ولابد فِي مثل هَذَا من وُقُوع الْعلم بِهِ

стр. 40

وَكَانَ النَّبِي ﷺ يُرْسل الطَّلَائِع والجواسيس فِي ديار الْكفْر ويقتصر على الْوَاحِد فِي ذَلِك وَيقبل قَوْله إِذا رَجَعَ وَرُبمَا أقدم عَلَيْهِم بِالْقَتْلِ والنهب بقوله وَحده وَمن تدبر أُمُور النَّبِي ﷺ وَسيرَته لم يخف عَلَيْهِ مَا ذكرنَا وَمَا يرد هَذَا إِلَّا معاند مكابر وَلَو أَنَّك وضعت فِي قَلْبك أَنَّك سَمِعت الصّديق أَو الْفَارُوق أَو غَيرهمَا من وُجُوه الصَّحَابَة ﵃ يروي لَك حَدِيثا عَن النَّبِي ﷺ فِي أَمر من الِاعْتِقَاد مثل جَوَاز الرُّؤْيَة على الله تَعَالَى أَو إِثْبَات الْقدر أَو غير ذَلِك لوجدت قَلْبك مطمئنا إِلَى قَوْله لَا يتداخلك شكّ فِي صدقه وَثُبُوت قَوْله وَفِي زَمَاننَا هَذَا ترى الرجل يسمع من أستاذه الَّذِي يخْتَلف إِلَيْهِ ويعتقد فِيهِ التقدمة والصدق أَنه سمع أستاذه يخبر عَن شَيْء من عقيدته الَّتِي يُرِيد أَن يلقى الله تَعَالَى بهَا وَيرى نجاته فِيهَا فَيحصل للسامع علم بِمذهب من نقل عَنهُ أستاذه ذَلِك بِحَيْثُ لَا يختلجه شُبْهَة وَلَا يَعْتَرِيه شكّ

стр. 41

وَكَذَلِكَ فِي كثير من الْأَخْبَار الَّتِي قضيتها الْعلم تُوجد بَين النَّاس فَيحصل لَهُم الْعلم بذلك الْخَبَر وَمن رَجَعَ إِلَى نَفسه علم ذَلِك وَاعْلَم أَن الْخَبَر وَإِن كَانَ يحْتَمل الصدْق وَالْكذب وللظن والتجوز فِيهِ مدْخل لَكِن هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ لَا يَنَالهُ أحد إِلَّا بعد أَن يكون مُعظم أوقاته وأيامه مشتغلا بِعلم الحَدِيث والبحث عَن سيرة النقلَة والرواة ليقف على رسوخهم فِي هَذَا الْعلم وكنه معرفتهم بِهِ وَصدق ورعهم فِي أَحْوَالهم وأقوالهم وَشدَّة حذرهم من الطغيان والزلل وَمَا بذلوه من شدَّة الْعِنَايَة فِي تمهيد هَذَا الْأَمر والبحث عَن أَحْوَال الروَاة وَالْوُقُوف على صَحِيح الْأَخْبَار وسقيهما وَلَقَد كَانُوا ﵏ وَأنزل رضوانه عَلَيْهِم بِحَيْثُ لَو قتلوا لم يسامحوا أحدا فِي كلمة يتقولها على رَسُول الله ﷺ وَلَا فعلوا هم بِأَنْفسِهِم ذَلِك وَقد نقلوا هَذَا الدّين إِلَيْنَا كَمَا نقل إِلَيْهِم وأدوا على مَا أُدي عَلَيْهِم وَكَانُوا فِي صدق الْعِنَايَة والاهتمام بِهَذَا الشَّأْن بِمَا يجل عَن الْوَصْف وَيقصر دونه الذّكر وَإِذا وقف الْمَرْء على هَذَا من شَأْنهمْ وَعرف حَالهم وَخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم ظهر لَهُ الْعلم فِيمَا نقلوه وَرَوَوْهُ وَلم يحْتَج إِلَى شَيْء من هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ وَالله ولي التَّوْفِيق والمعونة

стр. 42

٧ - من عَلَامَات الْفرْقَة النَّاجِية اتِّفَاقهم فِي أصُول الدّين ومسائل الِاعْتِقَاد وَالَّذِي يزِيد مَا قُلْنَاهُ إيضاحا أَن النَّبِي ﷺ حِين سُئِلَ عَن الْفرْقَة النَّاجِية قَالَ (مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي) بِمَعْنى من كَانَ على مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي فلابد من تعرف مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه وَلَيْسَ طَرِيق مَعْرفَته إِلَّا النَّقْل فَيجب الرُّجُوع إِلَى ذَلِك

стр. 43

وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (لَا تنازعوا الْأَمر أَهله) فَكَمَا يرجع فِي معرفَة مَذَاهِب الْفُقَهَاء الَّذين صَارُوا قدوة فِي هَذِه الْأمة إِلَى أهل الْفِقْه وَيرجع فِي معرفَة اللُّغَة إِلَى أهل اللُّغَة وَيرجع فِي معرفَة النَّحْو إِلَى أهل النَّحْو فَكَذَلِك يجب أَن يرجع فِي معرفَة مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه إِلَى أهل النَّقْل وَالرِّوَايَة لأَنهم عنوا بِهَذَا الشَّأْن وَاشْتَغلُوا بحفظه والتفحص عَنهُ وَنَقله ولولاهم لاندرس علم النَّبِي ﷺ وَلم يقف أحد على سنته وطريقته فَإِن قَالَ قَائِل إِن أهل الْفِقْه مجمعون على قَول الْفُقَهَاء وَطَرِيق كل وَاحِد مِنْهُم فِي الْفُرُوع وَأهل النَّحْو مجمعون على طَرِيق الْبَصرِيين والكوفيين فِي النَّحْو وَكَذَلِكَ أهل الْكَلَام مجمعون على طَرِيق كل وَاحِد مِنْهُم من متقدميهم وسلفهم فَأَما مَا يرجع إِلَى العقائد فَلم يجْتَمع أهل الْإِسْلَام على مَا كَانَ رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِ وَأَصْحَابه بل كل فريق يَدعِي دينه وينتسب إِلَى مِلَّته وَيَقُول نَحن الَّذين تمسكنا بِملَّة رَسُول الله ﷺ وَاتَّبَعنَا طَرِيقَته وَمن كَانَ على غير مَا نَحن عَلَيْهِ فَهُوَ مُبْتَدع صَاحب هوى فَلم يجز اعْتِبَار هَذَا الَّذِي تنازعنا فِيهِ بِمَا قُلْتُمْ الْجَواب أَن كل فريق من المبتدعة إِنَّمَا يَدعِي أَن الَّذِي يَعْتَقِدهُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ لأَنهم كلهم يدعونَ شَرِيعَة الْإِسْلَام ملتزمون فِي

стр. 44

شعائرها يرَوْنَ أَن مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ هُوَ الْحق غير أَن الطّرق تَفَرَّقت بهم بعد ذَلِك وأحدثوا فِي الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله وَرَسُوله فَزعم كل فريق أَنه هُوَ المتمسك بشريعة الْإِسْلَام وَأَن الْحق الَّذِي قَامَ بِهِ رَسُول الله ﷺ هُوَ الَّذِي يَعْتَقِدهُ وينتحله غير أَن الله تَعَالَى أَبى أَن يكون الْحق والعقيدة الصَّحِيحَة إِلَّا مَعَ أهل الحَدِيث والْآثَار لأَنهم أخذُوا دينهم وعقائدهم خلفا عَن سلف وقرنا عَن قرن إِلَى أَن انْتَهوا إِلَى التَّابِعين وَأَخذه التابعون عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَأَخذه أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا طَرِيق إِلَى معرفَة مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ النَّاس من الدّين الْمُسْتَقيم والصراط القويم إِلَّا هَذَا الطَّرِيق الَّذِي سلكه أَصْحَاب الحَدِيث وَأما سَائِر الْفرق فطلبوا الدّين لَا بطريقه لأَنهم رجعُوا إِلَى معقولهم وخواطرهم وآرائهم فطلبوا الدّين من قبله فَإِذا سمعُوا شَيْئا من الْكتاب وَالسّنة عرضوه على معيار عُقُولهمْ فَإِن استقام قبلوه وَإِن لم يستقم فِي ميزَان عُقُولهمْ ردُّوهُ فَإِن اضطروا إِلَى قبُوله حرفوه بالتأويلات الْبَعِيدَة والمعاني المستنكرة فحادوا عَن الْحق وزاغوا عَنهُ ونبذوا الدّين وَرَاء ظُهُورهمْ وَجعلُوا السّنة تَحت أَقْدَامهم تَعَالَى الله عَمَّا يصفونَ وَأما أهل الْحق فَجعلُوا الْكتاب وَالسّنة إمَامهمْ وطلبوا الدّين من قبلهمَا وَمَا وَقع لَهُم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الْكتاب وَالسّنة فَإِن وجدوه مُوَافقا لَهما قبلوه وشكروا الله حَيْثُ أَرَاهُم ذَلِك ووقفهم عَلَيْهِ وَإِن وجدوه مُخَالفا لَهما تركُوا مَا وَقع لَهُم وَأَقْبلُوا على الْكتاب وَالسّنة

стр. 45

وَرَجَعُوا بالتهمة على أنفسهم فَإِن الْكتاب وَالسّنة لَا يهديان إِلَّا إِلَى الْحق ورأي الْإِنْسَان قد يرى الْحق وَقد يري الْبَاطِل وَهَذَا معنى قَول أبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي وَهُوَ وَاحِد زَمَانه فِي الْمعرفَة مَا حَدَّثتنِي نَفسِي بِشَيْء إِلَّا طلبت مِنْهَا شَاهِدين من الْكتاب وَالسّنة فَإِن أَتَى بهما وَإِلَّا رَددته فِي نَحره أَو كَلَام هَذَا مَعْنَاهُ وَمِمَّا يدل على أَن أهل الحَدِيث هم على الْحق أَنَّك لَو طالعت جَمِيع كتبهمْ المصنفة من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم قديمهم وحديثهم مَعَ اخْتِلَاف بلدانهم وزمانهم وتباعد مَا بَينهم فِي الديار وَسُكُون كل وَاحِد مِنْهُم قطرا من الأقطار وَجَدتهمْ فِي بَيَان الِاعْتِقَاد على وتيرة وَاحِدَة ونمط وَاحِد يجرونَ فِيهِ على طَريقَة لَا يحيدون عَنْهَا وَلَا يميلون فِيهَا قَوْلهم فِي ذَلِك وَاحِد وفعلهم وَاحِد لَا ترى بَينهم اخْتِلَافا وَلَا تفَرقا فِي شَيْء مَا وَإِن قل بل لَو جمعت جَمِيع مَا جرى على ألسنتهم ونقلوه عَن سلفهم وجدته كَأَنَّهُ جَاءَ من قلب وَاحِد وَجرى على لِسَان وَاحِد وَهل على الْحق دَلِيل أبين من هَذَا

стр. 46

قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء فألف بَين قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا﴾ وَأما إِذا نظرت إِلَى أهل الْأَهْوَاء والبدع رَأَيْتهمْ مُتَفَرّقين مُخْتَلفين وشيعا وأحزابا لَا تكَاد تَجِد اثْنَيْنِ مِنْهُم على طَريقَة وَاحِدَة فِي الِاعْتِقَاد يبدع بَعضهم بَعْضًا بل يرتقون إِلَى التَّكْفِير يكفر الابْن أَبَاهُ وَالرجل أَخَاهُ وَالْجَار جَاره تراهم أبدا فِي تنَازع وتباغض وَاخْتِلَاف تَنْقَضِي أعمارهم وَلما تتفق كلماتهم ﴿تحسبهم جَمِيعًا وَقُلُوبهمْ شَتَّى ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يعْقلُونَ﴾ أَو مَا سَمِعت أَن الْمُعْتَزلَة مَعَ اجْتِمَاعهم فِي هَذَا اللقب يكفر البغداديون مِنْهُم الْبَصرِيين والبصريون مِنْهُم البغداديون وَيكفر أَصْحَاب أبي عَليّ الجبائي ابْنه أَبَا هَاشم وَأَصْحَاب أبي هَاشم يكفرون أَبَاهُ أَبَا عَليّ

стр. 47

وَكَذَلِكَ سَائِر رؤوسهم وأرباب المقالات مِنْهُم إِذا تدبرت أَقْوَالهم رَأَيْتهمْ مُتَفَرّقين يكفر بَعضهم بَعْضًا ويتبرأ بَعضهم من بعض وَكَذَلِكَ الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض فِيمَا بَينهم وَسَائِر المبتدعة بمثابتهم وَهل على الْبَاطِل دَلِيل أظهر من هَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء إِنَّمَا أَمرهم إِلَى الله﴾ وَكَانَ السَّبَب فِي اتِّفَاق أهل الحَدِيث أَنهم أخذُوا الدّين من الْكتاب وَالسّنة وَطَرِيق النَّقْل فأورثهم الِاتِّفَاق والائتلاف وَأهل الْبِدْعَة أخذُوا الدّين من المعقولات والآراء فأورثهم الِافْتِرَاق وَالِاخْتِلَاف فَإِن النَّقْل وَالرِّوَايَة من الثِّقَات والمتقنين قَلما يخْتَلف وَإِن اخْتلف فِي لفظ أَو كلمة فَذَلِك اخْتِلَاف لَا يضر الدّين وَلَا يقْدَح فِيهِ وَأما دَلَائِل الْعقل فقلما تتفق بل عقل كل وَاحِد يري صَاحبه غير مَا يري الآخر وَهَذَا بَين وَالْحَمْد لله

стр. 48

وَبِهَذَا يظْهر مُفَارقَة الِاخْتِلَاف فِي مَذَاهِب الْفُرُوع اخْتِلَاف العقائد فِي الْأُصُول فَإنَّا وجدنَا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَرَضي الله عَنْهُم من بعده اخْتلفُوا فِي أَحْكَام الدّين فَلم يفترقوا وَلم يصيروا شيعًا لأَنهم لم يفارقوا الدّين ونظروا فِيمَا أذن لَهُم فاختلفت أَقْوَالهم وآراؤهم فِي مسَائِل كَثِيرَة مثل مَسْأَلَة الْجد والمشركة وَذَوي الْأَرْحَام وَمَسْأَلَة الْحَرَام وَفِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَغير ذَلِك مِمَّا يكثر تعداده من مسَائِل الْبيُوع وَالنِّكَاح وَالطَّلَاق وَكَذَلِكَ فِي مسَائِل كَثِيرَة من بَاب الطَّهَارَة وهيئات الصَّلَاة وَسَائِر الْعِبَادَات فصاروا باختلافهم فِي هَذِه الْأَشْيَاء محمودين وَكَانَ هَذَا النَّوْع من الِاخْتِلَاف رَحْمَة من الله لهَذِهِ الْأمة حَيْثُ أَيّدهُم بِالْيَقِينِ ثمَّ وسع على الْعلمَاء النّظر فِيمَا لم يَجدوا حكمه فِي التَّنْزِيل وَالسّنة فَكَانُوا مَعَ هَذَا الِاخْتِلَاف أهل مَوَدَّة ونصح وَبقيت بَينهم أخوة الْإِسْلَام وَلم يَنْقَطِع عَنْهُم نظام الألفة فَلَمَّا حدثت هَذِه الْأَهْوَاء المردية الداعية صَاحبهَا إِلَى النَّار ظَهرت الْعَدَاوَة وتباينوا وصاروا أحزابا فَانْقَطَعت الْأُخوة فِي الدّين وَسَقَطت الألفة

стр. 49

فَهَذَا يدل على أَن هَذَا التباين والفرقة إِنَّمَا حدثت من الْمسَائِل المحدثة الَّتِي ابتدعها الشَّيْطَان فألقاها على أَفْوَاه أوليائه ليختلفوا وَيَرْمِي بَعضهم بَعْضًا بالْكفْر فَكل مَسْأَلَة حدثت فِي الْإِسْلَام فَخَاضَ فِيهَا النَّاس فَتَفَرَّقُوا وَاخْتلفُوا فَلم يُورث ذَلِك الِاخْتِلَاف بَينهم عَدَاوَة وَلَا بغضا وَلَا تفَرقا وَبقيت بَينهم الألفة والنصيحة والمودة وَالرَّحْمَة والشفقة علمنَا أَن ذَلِك من مسَائِل الْإِسْلَام يحل النّظر فِيهَا وَالْأَخْذ بقول من تِلْكَ الْأَقْوَال لَا يُوجب تبديعا وَلَا تكفيرا كَمَا ظهر مثل هَذَا الِاخْتِلَاف بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَعَ بَقَاء الألفة والمودة وكل مَسْأَلَة حدثت فَاخْتَلَفُوا فِيهَا فأورث اخْتلَافهمْ فِي ذَلِك التولي والإعراض والتدابر والتقاطع وَرُبمَا ارْتقى إِلَى التَّكْفِير علمت أَن ذَلِك لَيْسَ من أَمر الدّين فِي شَيْء بل يجب على كل ذِي عقل أَن يجتنبها ويعرض عَن الْخَوْض فِيهَا لِأَن الله شَرط فِي تمسكنا بِالْإِسْلَامِ أَنا نصبح فِي ذَلِك إخْوَانًا فَقَالَ تَعَالَى ﴿واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء فألف بَين قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا﴾ فَإِن قَالَ قَائِل إِن الْخَوْض فِي مسَائِل الْقدر وَالصِّفَات وَشرط الْإِيمَان يُورث التقاطع والتدابر وَالِاخْتِلَاف فَيجب طرحها والإعراض عَنْهَا على مَا زعمتم

стр. 50

الْجَواب إِنَّمَا قُلْنَا هَذَا فِي الْمسَائِل المحدثة فَأَما الْإِيمَان فِي هَذِه الْمسَائِل فَهُوَ من شَرط أصل الدّين ولابد من قبُوله على نَحْو مَا ثَبت فِيهِ النَّقْل عَن رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه وَلَا يجوز لنا الْإِعْرَاض عَن نقلهَا وروايتها وبيانها لتفرق النَّاس فِي ذَلِك كَمَا فِي أصل الْإِسْلَام وَالدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد وَإِظْهَار الشَّهَادَتَيْنِ وَقد ظهر بِمَا قدمنَا وَذكرنَا بِحَمْد الله وَمِنْه أَن الطَّرِيق الْمُسْتَقيم مَعَ أهل الحَدِيث وَأَن الْحق مَا نقلوه وَرَوَوْهُ وَمن تدبر مَا كتبناه وَأعْطى من قلبه النصفة وَأعْرض عَن هَوَاهُ واستمع وأصغى بقلب حَاضر وَكَانَ مسترشدا مستهديا وَلم يكن مُتَعَنتًا وأمده الله بِنور الْيَقِين عرف صِحَة جَمِيع مَا قُلْنَاهُ وَلم يخف عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك وَالله الْمُوفق ﴿من يشإ الله يضلله وَمن يَشَأْ يَجعله على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَقد أجَاب بعض أهل السّنة عَن قَوْلهم إِن الْخَبَر الْوَاحِد لَا يُوجب الْعلم بِجَوَاب آخر سوى مَا قُلْنَاهُ وَقد بَيناهُ فِي كتاب الْقدر وَإِن كَانَ الْجَواب الصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ طَرِيق أهل الْحق وَلَا معدل بِنَا عَن طريقهم بل لَا نَخْتَار عَلَيْهِ شَيْئا غَيره وَلَا نطلب طَرِيقا سواهُ

стр. 51

نسْأَل الله تَعَالَى أَن يثبتنا عَلَيْهِ وَأَن يمدنا بِتَوْفِيق بعد توفيق من قبله وَأَن يَجْعَل مَا قصدناه من بَيَان الْحق لوجهه وسعينا لطلب مَا عِنْده إِنَّه عليم قدير وَولي كريم

стр. 52

٨ - من عَلَامَات الْفرْقَة النَّاجِية اشتغالهم بِالْحَدِيثِ نقلا وَعَملا فَإِن قَالَ قَائِل إِنَّكُم سميتم أَنفسكُم أهل السّنة وَمَا نَرَاكُمْ فِي ذَلِك إِلَّا مدعين لأَنا وجدنَا كل فرقة من الْفرق تنتحل اتِّبَاع السّنة وتنسب من خالفها إِلَى الْهوى وَلَيْسَ على أصحابكم مِنْهَا سمة وعلامة أَنهم أَهلهَا دون من خالفها من سَائِر الْفرق فَكلهَا فِي انتحال هَذَا اللقب شُرَكَاء متكافئون ولستم أولى بِهَذَا اللقب إِلَّا أَن تَأْتُوا بِدلَالَة ظَاهِرَة من الْكتاب وَالسّنة أَو من إِجْمَاع أَو مَعْقُول الْجَواب قَوْلكُم إِنَّه لَا يجوز لأحد دَعْوَى إِلَّا بِبَيِّنَة عادلة أَو دلَالَة ظَاهِرَة من الْكتاب وَالسّنة هما لنا قائمتان بِحَمْد الله وَمِنْه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ فَأمرنَا باتباعه وطاعته فِيمَا سنّ وَأمر وَنهى وَحكم وَعلم وَقَالَ النَّبِي ﷺ (عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي) وَقَالَ (من رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني)

стр. 53

ثمَّ لعن تَارِك سنته على مَا رُوِيَ أَنه قَالَ (سِتَّة لعنتهم وكل نَبِي مجاب الدعْوَة) وَذكر فِي آخِره التارك لسنتي فَوَجَدنَا سنته وعرفناها بِهَذِهِ الْآثَار الْمَشْهُورَة الَّتِي رويت بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاح الْمُتَّصِلَة الَّتِي نقلهَا حفاظ الْعلمَاء بَعضهم عَن بعض ثمَّ نَظرنَا فَرَأَيْنَا فرقة أَصْحَاب الحَدِيث لَهَا أطلب وفيهَا أَرغب وَلها أجمع ولصحاحها أتبع فَعلمنَا يَقِينا أَنهم أَهلهَا دون من سواهُم من جَمِيع الْفرق فَإِن صَاحب كل حِرْفَة أَو صناعَة مَا لم يكن مَعَه دلَالَة عَلَيْهِ من صناعته وَآلَة من آلاته ثمَّ ادّعى تِلْكَ الصِّنَاعَة كَانَ فِي دَعْوَاهُ عِنْد الْعَامَّة مُبْطلًا وَفِي الْمَعْقُول عِنْدهم متجهلا فَإِذا كَانَت مَعَه آلَات الصِّنَاعَة والحرفة شهِدت لَهُ تِلْكَ الْآلَات بصناعته بل شهد لَهُ كل من عاينه قبل الاختبار كَمَا أَنَّك إِذا رَأَيْت رجلا قد فتح بَاب دكانه على بز علمت أَنه بزاز وَإِن لم تختبره وَإِذا فتح على تمر علمت أَن تمار وَإِذا فتح على عطر علمت

стр. 54

أَنه عطار وَإِذا رَأَيْت بَين يَدَيْهِ الْكِير والسندان والمطرقة علمت أَنه حداد وَإِذا رَأَيْت بَين يَدَيْهِ الإبرة والجلم علمت أَنه خياط وَكَذَلِكَ صَاحب كل صناعَة إِنَّمَا يسْتَدلّ على صناعته بآلته فَيحكم بالمعاينة من غير اختبار وَلَو رَأَيْت بَين يَدي نجار قدومًا ومنشارا ومثقبا وَهُوَ مستعد للْعَمَل بهَا ثمَّ سميته خياطا جهلت وَإِذا رَأَيْت بِنَاء مَعَه آلَة البنائين ثمَّ سميته حداد جهلت وَكَذَلِكَ من مَعَه الْكِير والسندان ومنفخ إِذا سميته بزازا أَو عطارا جهلت وَلَو قَالَ صَاحب التَّمْر لصَاحب الْعطر أَنا عطار قَالَ لَهُ كذبت بل أَنا هُوَ وَشهد لَهُ بذلك كل من أبصره من الْعَامَّة ثمَّ كل صَاحب صناعَة وحرفة يفتخر بصناعته ويستطيل بهَا ويجالس أَهلهَا وَلَا يذمها ورأينا أَصْحَاب الحَدِيث ﵏ قَدِيما وحديثا هم الَّذين رحلوا فِي طلب هَذِه الْآثَار الَّتِي تدل على سنَن رَسُول الله ﷺ فَأَخَذُوهَا من معادنها وجمعوها من مظانها وحفظوها واغتبطوا بهَا ودعوا إِلَى اتباعها وعابوا من

стр. 55

خالفها وَكَثُرت عِنْدهم وَفِي أَيْديهم حَتَّى اشتهروا بهَا كَمَا اشْتهر الْبَزَّاز ببزه والتمار بتمره والعطار بعطره ثمَّ رَأينَا أَقْوَامًا انسلخوا من حفظهَا ومعرفتها وتنكبوا اتِّبَاع أَصَحهَا وأشهرها وطعنوا فِيهَا وفيمن أَخذ بهَا وزهدوا النَّاس فِي جمعهَا ونشرها وضربوا لَهَا ولأهلها أَسْوَأ الْأَمْثَال فَعلمنَا بِهَذِهِ الدَّلَائِل الظَّاهِرَة والشواهد الْقَائِمَة أَن هَؤُلَاءِ الراغبين فِيهَا وَفِي جمعهَا وحفظها واتباعها أولى بهَا وأحق من سَائِر الْفرق الَّذين تنكبوا أَكْثَرهَا وَهِي الَّتِي تحكم على أهل الْأَهْوَاء بالأهواء لِأَن الِاتِّبَاع عِنْد الْعلمَاء هُوَ الْأَخْذ بسنن رَسُول الله ﷺ الَّتِي صحت عَنهُ عِنْد أَهلهَا ونقلتها وحفاظها والخضوع لَهَا وَالتَّسْلِيم لأمر النَّبِي ﷺ فِيهَا تَقْلِيد لمن أَمر الله بتقليده والإئتمار بأَمْره والانتهاء عَمَّا نهى الله عَنهُ وَوجدنَا أهل الْأَهْوَاء الَّذين استبدوا بالآراء والمعقولات بمعزل عَن الْأَحَادِيث والْآثَار الَّتِي هِيَ طَرِيق معرفَة سنة رَسُول الله ﷺ فَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ سمة ظَاهِرَة وعلامة بَيِّنَة تشهد لأهل السّنة باستحقاقها وعَلى أهل الْأَهْوَاء فِي تَركهَا والعدول عَنْهَا بِأَنَّهُم لَيْسُوا من أَهلهَا وَلَا نحتاج فِي هَذَا إِلَى شَاهد أبين من هَذَا وَلَا إِلَى دَلِيل أَضْوَأ من هَذَا فَإِن قَالُوا إِن لكل فريق من الْأَهْوَاء وَأَصْحَاب الآراء حجَجًا من آثَار رَسُول الله ﷺ يحتجون بهَا قُلْنَا أجل وَلَكِن يحْتَج بقول التَّابِعِيّ على قَول النَّبِي ﷺ أَو بِحَدِيث مُرْسل ضَعِيف على حَدِيث مُتَّصِل قوي

стр. 56

وَمن هُنَا امتاز أهل اتِّبَاع السّنة عَن غَيرهم لِأَن صَاحب السّنة لَا يألو أَن يتبع من السّنَن أقواها وَمن الشُّهُود عَلَيْهَا أعدلها وأتقاها وَصَاحب الْهوى كالغريق يتَعَلَّق بِكُل عود ضَعِيف أَو قوي فَإِذا رَأَيْت الْحَاكِم لَا يقبل من الشُّهُود إِلَّا أعدلها وأتقاها كَانَ ذَلِك مِنْهُ شَاهدا على عَدَالَته وَإِذا غمض وقنع بأرداها كَانَ ذَلِك دَلِيلا على جوره وَكَانَ المتبع لَا يتبع من الْآثَار إِلَّا مَا هُوَ عِنْد الْعلمَاء أقوى وَصَاحب الْهوى لَا يتبع إِلَّا مَا يهوى وَإِن كَانَ عِنْد الْعلمَاء أوهاها وكل ذِي حِرْفَة وصناعة مَوْسُوم بصناعته مَعْرُوف بآلته مَتى أعوزته الْآلَة زَالَت عَنهُ آيَة الصِّنَاعَة وَكَذَلِكَ سمات أهل السّنَن والأهواء وَفِي دون مَا فسرناه مَا يشفي والأقل من هَذَا يَكْفِي من كَانَ موفقا ولحقه عون من الله تَعَالَى قَالُوا قد كثرت الْآثَار فِي أَيدي النَّاس واختلطت عَلَيْهِم قُلْنَا مَا اخْتلطت إِلَّا على الْجَاهِلين بهَا فَأَما الْعلمَاء بهَا فَإِنَّهُم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فيميزون زيوفها وَيَأْخُذُونَ جيادها وَلَئِن دخل فِي غمار الروَاة من وسم بالغلط فِي الْأَحَادِيث فَلَا يروج ذَلِك على جهابذة أَصْحَاب الحَدِيث ورتوت الْعلمَاء حَتَّى أَنهم عدوا

стр. 57

أغاليط من غلط فِي الْأَسَانِيد والمتون بل تراهم يعدون على كل رجل مِنْهُم فِي كم حَدِيث غلط وَفِي كم حرف حرف وماذا صحف فَإِذا لم ترج عَلَيْهِم أغاليط الروَاة فِي الْأَسَانِيد والمتون والحروف فَكيف يروج عَلَيْهِم وضع الزَّنَادِقَة وتوليدهم الْأَحَادِيث يَقُول بعض النَّاس إِن بعض الزَّنَادِقَة ادّعى أَنه وضع ألوفا من الْأَحَادِيث وخلطها بالأحاديث الَّتِي يَرْوِيهَا النَّاس حَتَّى خفيت على أَهلهَا وَمَا يَقُول هَذَا إِلَّا جَاهِل ضال مُبْتَدع كَذَّاب يُرِيد أَن يهجن بِهَذِهِ الدَّعْوَى الكاذبة صِحَاح أَحَادِيث النَّبِي ﷺ وآثاره الصادقة فيغلط جهال النَّاس بِهَذِهِ الدَّعْوَى وَمَا احْتج مُبْتَدع فِي رد آثَار رَسُول الله ﷺ بِحجَّة أَوْهَى مِنْهَا وَلَا أَشد اسْتِحَالَة من هَذِه الْحجَّة فَصَاحب هَذِه الدَّعْوَى يسْتَحق أَن يسف فِي فِيهِ الرماد وينفى من بِلَاد الْإِسْلَام فَتدبر رَحِمك الله أيجعل حكم من أفنى عمره فِي طلب آثَار رَسُول الله ﷺ شرقا وغربا برا وبحرا وارتحل فِي الحَدِيث الْوَاحِد فراسخ واتهم أَبَاهُ وَأَدْنَاهُ فِي خبر يرويهِ عَن النَّبِي ﷺ إِذا كَانَ مَوضِع التُّهْمَة وَلم يحابه فِي مقَال وَلَا خطاب غَضبا لله وحمية لدينِهِ

стр. 58

ثمَّ ألف الصُّحُف والأجلاد فِي معرفَة الْمُحدثين وأسمائهم وأنسابهم وَقدر أعمارهم وَذكر أعصارهم وشمائلهم وأخبارهم وَفصل بَين الرَّدِيء والجيد وَالصَّحِيح والسقيم حنقا لله وَرَسُوله وغيرة على الْإِسْلَام وَالسّنة ثمَّ اسْتعْمل آثاره كلهَا حَتَّى فِيمَا عدا الْعِبَادَات من أكله وَطَعَامه وَشَرَابه ونومه ويقظته وقيامه وقعوده ودخوله وَخُرُوجه وَجَمِيع سيرته وسننه حَتَّى فِي خطراته ولحظاته ثمَّ دَعَا النَّاس إِلَى ذَلِك وحثهم عَلَيْهِ وندبهم إِلَى اسْتِعْمَاله وحبب إِلَيْهِم ذَلِك بِكُل مَا يُمكنهُ حَتَّى فِي بذل مَاله وَنَفسه كمن أفنى عمره فِي اتِّبَاع أهوائه وآرائه وخواطره وهواجسه ثمَّ ترَاهُ يرد مَا هُوَ أوضح من الصُّبْح من سنَن رَسُول الله ﷺ وَأشهر من الشَّمْس بِرَأْي دخيل واستحسان ذميم وَظن فَاسد وَنظر مشوب بالهوى فَانْظُر وفقك الله للحق أَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بِأَن ينْسب إِلَى اتِّبَاع السّنة وَاسْتِعْمَال الْأَثر الْفرْقَة الأولى أم الثَّانِيَة فَإِذا قضيت بَين هذَيْن بوافر لبك وصحيح نظرك وثاقب فهمك فَلْيَكُن شكرك لله على حسب مَا أَرَاك من الْحق ووفقك للصَّوَاب وألهمك من السداد واختصك بِهِ من إِصَابَة الْحسن فِي القَوْل وَالْعَمَل فَإِذا كنت كَذَلِك فقد ازددت يَقِينا على يَقِين وثلجا على ثلج وإصابة على إِصَابَة وَمن الله التأييد والتسديد والإلهام والإعلام وَهُوَ حسب أهل السّنة وَعَلِيهِ توكلهم وَمِنْه معونتهم وتوفيقهم ونصرتهم بمنه وفضله وعميم كرمه وَطوله

стр. 59

٩ - إبِْطَال طَريقَة النّظر عِنْد الْمُتَكَلِّمين فصل سُؤال قَالُوا قد جعلتم أصل الدّين هُوَ الِاتِّبَاع ورددتم على من يرجع إِلَى الْمَعْقُول وَيطْلب الدّين من قبله وَهَذَا خلاف الْكتاب لِأَن الله ذمّ التَّقْلِيد فِي الْقُرْآن وَندب النَّاس إِلَى النّظر وَالِاسْتِدْلَال وَالرُّجُوع إِلَى الِاعْتِبَار وَأمر بمجادلة الْمُشْركين بالدلائل الْعَقْلِيَّة وَإِنَّمَا ورد السّمع مؤيدا لما يدل عَلَيْهِ الْعقل وَمن تدبر الْقُرْآن وَنظر فِي مَعَانِيه وجد تَصْدِيق مَا قُلْنَاهُ فِيهِ الْجَواب قُلْنَا قد دللنا فِيمَا سبق أَن الدّين هُوَ الِاتِّبَاع فَذَكرنَا فِي بَيَانه ودلائله مَا يجد بِهِ الْمُؤمن شِفَاء الصَّدْر وطمأنينة الْقلب بِحَمْد الله وَمِنْه وتوفيقه

стр. 60

وَأما لفظ التَّقْلِيد فَلَا نعرفه جَاءَ فِي شَيْء من الْأَحَادِيث وأقوال السّلف فِيمَا يرجع إِلَى الدّين وَإِنَّمَا ورد الْكتاب وَالسّنة بالاتباع وَقد قَالُوا إِن التَّقْلِيد قبُول قَول الْغَيْر من غير حجَّة وَأهل السّنة إِنَّمَا اتبعُوا قَول رَسُول الله ﷺ وَقَوله نفس الْحجَّة فَكيف يكون هَذَا قبُول قَول الْغَيْر من غير حجَّة فَإِن الْمُسلمين قد قَامَت لَهُم الدَّلَائِل السمعية على نبوة رَسُول الله ﷺ لما نقل إِلَيْنَا أهل الإتقان والثقات من الروَاة مَا لَا يعد كَثْرَة من المعجزات والبراهين والدلالات الَّتِي ظَهرت عَلَيْهَا وَقد نقلهَا أَصْحَاب الحَدِيث فِي كتبهمْ ودونوها وَلَيْسَ الْمَقْصُود من ذكرهَا فِي هَذَا الْموضع بَيَانهَا بتفاصيلها وَإِنَّمَا قصدنا بَيَان طَرِيق أهل السّنة فَلَمَّا صحت عِنْدهم نبوته ووجدوا صدقه فِي قُلُوبهم وَجب عَلَيْهِم تَصْدِيقه فِيمَا أنبأهم من الغيوب ودعاهم إِلَيْهِ من وحدانية الله وَإِثْبَات صِفَاته وَسَائِر شَرَائِط الْإِسْلَام وعَلى أننا لَا ننكر النّظر قدر مَا ورد بِهِ الْكتاب وَالسّنة لينال الْمُؤمن بذلك زِيَادَة الْيَقِين وثلج الصَّدْر وَسُكُون الْقلب وَإِنَّمَا أَنْكَرْنَا طَريقَة أهل

стр. 61

الْكَلَام فِيمَا أسسوا فَإِنَّهُم قَالُوا أول مَا يجب على الْإِنْسَان النّظر الْمُؤَدِّي إِلَى معرفَة الْبَارِي وَهَذَا قَول مخترع لم يسبقهم إِلَيْهِ أحد من السّلف وأئمة الدّين وَلَو أَنَّك تدبرت جَمِيع أَقْوَالهم وكتبهم لم تَجِد هَذَا فِي شَيْء مِنْهَا لَا مَنْقُولًا من النَّبِي ﷺ وَلَا من الصَّحَابَة وَكَذَلِكَ من التَّابِعين بعدهمْ وَكَيف يجوز أَن يخفى عَلَيْهِم أول الْفَرَائِض وهم صدر هَذِه الْأمة والسفراء بَيْننَا وَبَين رَسُول الله ﷺ وَلَئِن جَازَ أَن يخفى الْفَرْض الأول على الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ حَتَّى لم يبينوه لأحد من هَذِه الْأمة مَعَ شدَّة اهتمامهم بِأَمْر الدّين وَكَمَال عنايتهم حَتَّى استخرجه هَؤُلَاءِ بلطيف فطنتهم وزعمهم فَلَعَلَّهُ خَفِي عَلَيْهِم فَرَائض أخر وَلَئِن كَانَ هَذَا جَائِزا فَلَقَد ذهب الدّين واندرس لأَنا إِنَّمَا نَبْنِي أقوالنا على أَقْوَالهم فَإِذا ذهب الأَصْل فَكيف يُمكن الْبناء عَلَيْهِ نَعُوذ بِاللَّه من قَول يُؤَدِّي إِلَى هَذِه الْمقَالة الْفَاحِشَة القبيحة الَّتِي تُؤدِّي إِلَى الانسلاخ من الدّين وتضليل الْأَئِمَّة الماضين هَذَا وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَدْعُو الْكفَّار إِلَى الْإِسْلَام والشهادتين قَالَ ﷺ لِمعَاذ ﵁ حِين بَعثه إِلَى الْيمن (ادعهم إِلَى شَهَادَة أَلا إِلَه إِلَّا الله)

стр. 62

وَقَالَ ﷺ أَيْضا (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله) وَقَالَ ﷺ أَيْضا (إِذا نازلتم أهل حصن أَو مَدِينَة فادعوهم إِلَى شَهَادَة أَلا إِلَه إِلَّا الله) وَمثل هَذَا كثير وَلم يرو أَنه دعاهم إِلَى النّظر وَالِاسْتِدْلَال وَإِنَّمَا يكون حكم الْكَافِر فِي الشَّرْع أَن يدعى إِلَى الْإِسْلَام فَإِن أَبى وَسَأَلَ النظرة والإمهال لَا يُجَاب إِلَى ذَلِك وَلكنه إِمَّا أَن يسلم أَو يُعْطي الْجِزْيَة أَو يقتل وَفِي الْمُرْتَد إِمَّا أَن يسلم أَو يقتل وَفِي مُشْركي الْعَرَب على مَا عرف وَإِذا جعلنَا الْأَمر على مَا قَالَه أهل الْكَلَام لم يكن الْأَمر على هَذَا الْوَجْه وَلَكِن يَنْبَغِي أَن يُقَال لَهُ أَعنِي الْكَافِر عَلَيْك النّظر وَالِاسْتِدْلَال لتعرف

стр. 63

الصَّانِع بِهَذَا الطَّرِيق ثمَّ تعرف الصِّفَات بدلائلها وطرقها ثمَّ مسَائِل كَثِيرَة إِلَى أَن يصل الْأَمر إِلَى النبوات وَلَا يجوز على طريقهم الْإِقْدَام على هَذَا الْكَافِر بِالْقَتْلِ والسبي إِلَّا بعد أَن يذكر لَهُ هَذَا ويمهل لِأَن النّظر وَالِاسْتِدْلَال لَا يكون إِلَّا بمهلة خُصُوصا إِذا طلب الْكَافِر ذَلِك وَرُبمَا لَا يتَّفق النّظر وَالِاسْتِدْلَال فِي مُدَّة يسيرَة فَيحْتَاج إِلَى إمهال الْكفَّار مُدَّة طَوِيلَة تَأتي على سِنِين ليتمكنوا من النّظر على التَّمام والكمال وَهُوَ خلاف إِجْمَاع الْمُسلمين وَقد حُكيَ عَن أبي الْعَبَّاس بن سُرَيج أَنه قَالَ لَو أَن رجلا جَاءَنَا وَقَالَ إِن الْأَدْيَان كَثِيرَة فخلوني أنظر فِي الْأَدْيَان فَمَا وجدت الْحق فِيهِ قبلته وَمَا لم أجد فِيهِ تركته لم نخله وكلفناه الْإِجَابَة إِلَى الْإِسْلَام وَإِلَّا أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْقَتْل وَقد جعل أهل الْكَلَام من تخلف نَاظرا فِيهِ وَفِي غَيره من الْأَدْيَان مُقيما على الطَّاعَة مؤتمرا بأَمْره مَحْمُودًا فِي فعله وَهَذَا جهل عَظِيم فِي الْإِسْلَام

стр. 64

وَيَنْبَغِي على قَوْلهم إِذا مَاتَ فِي مُدَّة النّظر والمهلة قبل قبُول الْإِسْلَام أَنه مَاتَ مُطيعًا لله مُقيما على أمره لابد من إِدْخَاله الْجنَّة كَمَا يدْخل الْمُسلمُونَ وَقد جعلُوا غير الْمُسلم مُطيعًا لله مؤتمرا بأَمْره فِي بَاب الدّين وأوجبوا إِدْخَاله الْجنَّة وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ (لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مُؤمنَة) وَهَذَا حَدِيث ثَابت لَا شكّ فِيهِ وَمِمَّا يدل على صِحَة مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ من أَن الدّين طَريقَة الِاتِّبَاع أَنا إِذا سلكنا طَرِيق الْإِنْصَاف وطرحنا التباغي والمكابرات من جَانب فلابد من الانقياد لما قُلْنَاهُ لِأَن الْمَقْصُود من النّظر فِي الِابْتِدَاء إِذا كَانَ هُوَ إِصَابَة الْحق فليتدبر الْمَرْء الْمُسلم المسترشد أَحْوَال هَؤُلَاءِ الناظرين وَكَيف تحيروا فِي نظرهم وارتكسوا فِيهِ فلئن نجا وَاحِد بنظره فقد هلك فِيهِ الألوف من النَّاس وَإِلَى أَن يبصر وَاحِد فواحد بنظره طَرِيق الْحق بِنَظَر رَحْمَة سبق من الله لَهُ فقد ارتطم بطرِيق الْكفْر والضلالات والبدع بنظرهم أَضْعَاف أَضْعَاف عدد الْأَوَّلين وَهل كَانَت الزندقة والإلحاد وَسَائِر أَنْوَاع الْكفْر والضلالات والبدع منشؤها وابتداؤها إِلَّا من النّظر

стр. 65

وَلَو أَنهم أَعرضُوا عَن ذَلِك وسلكوا طَرِيق الِاتِّبَاع مَا أداهم إِلَى شَيْء مِنْهَا فَمَا من هَالك فِي الْعَالم إِلَّا وبدو هَلَاكه من النّظر وَمَا من نَاجٍ فِي الدّين سالك سَبِيل الْحق إِلَّا وبدو نجاته من حسن الِاتِّبَاع أفيستجيز مُسلم أَن يَدْعُو الْخلق إِلَى مثل هَذَا الطَّرِيق المظلم ويجعله سَبِيل منجاتهم وَكَيف يستجيز ذُو لب وبصيرة أَن يسْلك مثل هَذَا الطَّرِيق وأنى لَهُ الْأمان من هَذِه المهالك وَكَيف لَهُ المنجاة من أَوديَة الْكفْر وعامتها بل جَمِيعهَا إِنَّمَا يهْبط عَلَيْهَا من هَذِه الْمرقاة أَعنِي طلب الْحق من النّظر وَلَو أعْطى الْخصم النصفة لَا يجد بدا من الْإِقْرَار أَن من كَانَ غوره فِي النّظر أَكثر كَانَت حيرته فِي الدّين أَشد وَأعظم وَهل رأى أحد متكلما أَدَّاهُ نظره وَكَلَامه إِلَى تقوى فِي الدّين أَو ورع فِي الْمُعَامَلَات أَو سداد فِي الطَّرِيقَة أَو زهد فِي الدُّنْيَا أَو إمْسَاك عَن حرَام أَو شُبْهَة أَو خشوع فِي عبَادَة أَو ازدياد فِي طَاعَة أَو تورع من مَعْصِيّة إِلَّا الشاذ النَّادِر

стр. 66

بل لَو قلبت الْقِصَّة كنت صَادِقا تراهم أبدا منهمكين فِي كل فَاحِشَة متلبسين بِكُل قاذورة لَا يرعوون عَن قَبِيح وَلَا يرتدعون من بَاطِل إِلَّا من عصمه الله فلئن دلهم النّظر على الْيَقِين وَحَقِيقَة التَّوْحِيد فبئس ثَمَرَة الْيَقِين هَذَا وتعسا لتوحيد أداهم إِلَى مثل هَذِه الْأَشْيَاء وأوردهم هَذِه المتالف فِي الدّين وَمن الله التَّوْفِيق وَحسن المعونة لإصابة طَرِيق الْحق والثبات عَلَيْهِ بمنه وَقَالُوا أَيْضا وَهُوَ الأَصْل الَّذِي يؤسسه المتكلمون وَالطَّرِيق الَّذِي يجعلونه قَاعِدَة علومهم من لم يحكم هَذَا الأَصْل لم يُمكنهُ إِثْبَات حدث الْعَالم وَذَلِكَ مَسْأَلَة الْعرض والجوهر وإثباتهما

стр. 67

فَإِنَّهُم قَالُوا إِن الْأَشْيَاء لَا تَخْلُو من ثَلَاثَة أوجه إِمَّا أَن يكون جسما أَو عرضا أَو جوهرا فالجسم مَا اجْتمع من الِافْتِرَاق

стр. 68

والجوهر مَا احْتمل الْأَعْرَاض وَالْعرض مَا لَا يقوم بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا يقوم بِغَيْرِهِ وَجعلُوا الرّوح من الْأَعْرَاض وردوا أَخْبَار رَسُول الله ﷺ فِي خلق الرّوح قبل الْجَسَد لِأَنَّهُ لم يُوَافق نظرهم وأصولهم واختراعهم وردوا خَبره ﷺ فِي خلق الْعقل قبل الْخلق

стр. 69

وَإِنَّمَا ردوا هَذِه الْأَخْبَار لِأَن الْعقل عِنْدهم عرض كالروح وَالْعرض لَا يقوم بِنَفسِهِ فَردُّوا الْأَخْبَار بِهَذَا الطَّرِيق وَكَذَلِكَ ردوا الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَن الْمَوْت يذبح على الصِّرَاط لِأَن الْمَوْت عرض لَا ينْفَرد بِنَفسِهِ فَهَذَا أصلهم الثَّانِي الَّذِي أدّى إِلَى رد الْأَخْبَار الثَّابِتَة عَن رَسُول الله ﷺ وَمثل هَذَا كثير يَأْتِي بَيَانه وَلِهَذَا قَالَ بعض السّلف إِن أهل الْكَلَام أَعدَاء الدّين لِأَن اعتمادهم على حدسهم وظنونهم وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ نظرهم وفكرهم ثمَّ يعرضون عَلَيْهِ الْأَحَادِيث فَمَا وَافقه قبلوه وَمَا خَالفه ردُّوهُ على مَا سبق بَيَانه وَأما أهل السّنة سلمهم الله فَإِنَّهُم يتمسكون بِمَا نطق بِهِ الْكتاب ووردت بِهِ السّنة ويحتجون لَهُ بالحجج الْوَاضِحَة والدلائل الصَّحِيحَة على

стр. 70

حسب مَا أذن فِيهِ الشَّرْع وَورد بِهِ السّمع وَلَا يدْخلُونَ بآرائهم فِي صِفَات الله تَعَالَى وَلَا فِي غَيرهَا من أُمُور الدّين وعَلى هَذَا وجدوا سلفهم وأئمتهم وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا﴾ وَقَالَ أَيْضا ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ وَقَالَ ﷺ فِي خطْبَة الْوَدَاع وَفِي مقامات لَهُ شَتَّى وبحضرته عَامَّة أَصْحَابه ﵃ (أَلا هَل بلغت) وَكَانَ مِمَّا أنزل إِلَيْهِ وَأمر بتبليغه أَمر التَّوْحِيد وَبَيَانه بطريقته فَلم يتْرك النَّبِي ﷺ شَيْئا من أُمُور الدّين وقواعده وأصوله وشرائعه وفصوله إِلَّا بَينه وبلغه على كَمَاله وَتَمَامه وَلم يُؤَخر بَيَانه عَن وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ إِذْ لَو أخر فِيهَا الْبَيَان لَكَانَ قد كلفهم مَا لَا سَبِيل لَهُم إِلَيْهِ وَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا قُلْنَاهُ وَقد علمنَا أَن النَّبِي ﷺ لم يدعهم فِي هَذِه الْأُمُور إِلَى الِاسْتِدْلَال بالأعراض والجواهر وَذكر ماهيتهما وَلَا يُمكن لأحد من النَّاس أَن يروي فِي ذَلِك عَنهُ وَلَا عَن أحد من الصَّحَابَة ﵃ من هَذَا النمط حرفا وَاحِدًا فَمَا فَوْقه لَا فِي طَرِيق تَوَاتر وَلَا آحَاد فَعلمنَا أَنهم ذَهَبُوا خلاف

стр. 71

مَذْهَب هَؤُلَاءِ وسلكوا غير طريقهم وَأَن هَذَا طَرِيق مُحدث مخترع لم يكن عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَلَا أَصْحَابه ﵃ وسلوكه يعود عَلَيْهِم بالطعن والقدح ونسبتهم إِلَى الْجَهْل وَقلة الْعلم فِي الدّين واشتباه الطَّرِيق عَلَيْهِم وَبَلغنِي أَنه كَانَ لأبي هَاشم الجبائي ابْنة تسمى فَاطِمَة وَكَانَ أَصْحَابه يَقُولُونَ إِن فَاطِمَة بنت أبي هَاشم أعلم بِاللَّه وبطريق الْحق من فَاطِمَة بنت مُحَمَّد ﷺ وَرَضي عَنْهَا فنعوذ بِاللَّه من طَرِيق يُؤَدِّي إِلَى مثل هَذَا القَوْل ونسأله التَّوْفِيق لما يحب ويرضى وَإِيَّاك رَحِمك الله أَن تشتغل بكلامهم وَلَا تغتر بِكَثْرَة مقالاتهم فَإِنَّهَا سريعة التهافت كَثِيرَة التَّنَاقُض وَمَا من كَلَام تسمعه لفرقة مِنْهُم إِلَّا ولخصومهم عَلَيْهِ كَلَام يوازيه أَو يُقَارِبه فَكل بِكُل معَارض وَبَعض بِبَعْض مُقَابل وَإِنَّمَا يكون تقدم الْوَاحِد مِنْهُم وفلجه على خَصمه بِقدر حَظه من الْبَيَان وحذقه فِي صناعَة الجدل وَالْكَلَام وَأكْثر مَا يغلب ببعضهم بَعْضًا إِنَّمَا هُوَ إِلْزَام من طَرِيق الجدل على أصُول لَهُم ومناقضات على أَقْوَال حفظوها عَلَيْهِم فهم يطالبونهم بعودها وطردها

стр. 72

فَمن تقاعد عَن ذَلِك سموهُ من طَرِيق الجدل مُنْقَطِعًا وجعلوه مُبْطلًا وحكموا بالفلج لخصمه والجدل لَا يتَبَيَّن بِهِ حق وَلَا تقوم بِهِ حجَّة وَقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين كلتاهما بطالة وَيكون الْحق فِي ثَالِثَة غَيرهمَا فمناقضة أَحدهمَا صَاحبه لَا تصحح مذْهبه وَإِن أفسد بِهِ قَول خَصمه لِأَنَّهُمَا مجتمعان فِي الْخَطَأ مشتركان فِيهِ كَقَوْل الشَّاعِر فيهم (حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حَقًا وكل كاسر مكسور) وَإِنَّمَا كَانَ الْأَمر كَذَلِك لِأَن وَاحِدًا من الْفَرِيقَيْنِ لَا يعْتَمد فِي مقَالَته أصلا صَحِيحا وَإِنَّمَا هُوَ آراء تتقابل وأوضاع تَتَكَافَأ وتتعادل وَلَو أنصفوا فِي المحاجة لزم الْوَاحِد مِنْهُم أَن ينْتَقل عَن مذْهبه كل يَوْم كَذَا وَكَذَا مرّة لما يُورد عَلَيْهِ من الإلزامات وتراهم ينقطعون فِي الْحجَّاج وَلَا ينتقلون وَهَذَا هُوَ الدَّلِيل على أَنه لَيْسَ قصدهم طلب الْحق وَإِنَّمَا طريقهم اتِّبَاع الْهوى فَحسب

стр. 73

فَإِذا ألزم قَالَ هَذَا إِلْزَام توجه عَليّ لَا على مذهبي وسنأتي بعد بِالْجَوَابِ أَو يُوجد من ينْفَصل عَن هَذِه الشُّبْهَة مِمَّن ينتحل ديني ومذهبي فَإِذا راعينا مثل هَذَا لم تقم حجَّة على كَافِر أبدا وَمَا هَذَا إِلَّا طَرِيق يُوهم جَمِيع الْكَافرين أَنهم على الْحق قَاتلهم الله أَنى يؤفكون وَتَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا وَمن قَبِيح مَا يلْزمهُم فِي اعْتِقَادهم أَنا إِذا بنينَا الْحق على مَا قَالُوا وأوجبنا طلب الدّين بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكرُوهُ وَجب من ذَلِك تَكْفِير الْعَوام بأجمعهم لأَنهم لَا يعْرفُونَ إِلَّا الِاتِّبَاع الْمُجَرّد وَلَو عرض عَلَيْهِم طَرِيق الْمُتَكَلِّمين فِي معرفَة الله تَعَالَى مَا فهمه أَكْثَرهم فضلا من أَن يصير فِيهِ صَاحب اسْتِدْلَال وحجاج وَنظر وَإِنَّمَا غَايَة توحيدهم الْتِزَام مَا وجدوا عَلَيْهِ سلفهم وأئمتهم فِي عقائد الدّين والعض عَلَيْهَا بالنواجذ والمواظبة على وظائف الْعِبَادَات وملازمة الْأَذْكَار بقلوب سليمَة طَاهِرَة عَن الشُّبُهَات والشكوك تراهم لَا يحيدون عَمَّا اعتقدوه وَإِن قطعُوا إربا إربا فهنيئا لَهُم هَذَا الْيَقِين وطوبى لَهُم هَذِه السَّلامَة فَإِذا كفرُوا هَؤُلَاءِ النَّاس وهم السوَاد الْأَعْظَم وَجُمْهُور الْأمة فَمَا هَذَا إِلَّا طي بِسَاط الْإِسْلَام وَهدم منار الدّين وأركان الشَّرِيعَة وأعلام الْإِسْلَام وإلحاق هَذِه الدَّار أَعنِي دَار الْإِسْلَام بدار الْكفْر وَجعل أهليهما بِمَنْزِلَة وَاحِدَة وَمَتى يُوجد فِي الألوف من الْمُسلمين على الشَّرْط الَّذِي يراعونه لتصحيح معرفَة الله تَعَالَى أَو لَا يجد مُسلم ألم هَذِه الْمقَالة القبيحة الشنيعة فِي قلبه

стр. 74

بل لَو تقطع حسرات من عَظِيم مَا اخترعوه فِي الدّين وموهوه على النَّاس كَانَ جَدِيرًا بذلك وَإِن قَالُوا إِنَّا لَا نكفر الْعَوام فقد ناقضوا أصولهم حِين أثبتوا حَقِيقَة الْمعرفَة وَالْإِيمَان بِغَيْر طريقها على أصولهم وأظن أَن من قَالَ عَنْهُم ذَلِك فَإِنَّمَا هُوَ سلوك طَرِيق التقية ورد تشنيع النَّاس عَلَيْهِم وَإِلَّا فاعتقادهم وطريقتهم فِي أصولهم مَا ذكرنَا وَالله يَكْفِي أهل السّنة وَالْجَمَاعَة شرهم وَيرد كيدهم فِي نحرهم وَيلْحق بهم عَاقِبَة مَكْرهمْ بقدرته وعظيم سطوته

стр. 75

١٠ - معنى الْعقل ومقامه من الدّين عِنْد أهل السّنة فصل ونشتغل الْآن بِذكر معنى الْعقل ومقامه من الدّين عِنْد أهل السّنة اعْلَم أَن مَذْهَب أهل السّنة أَن الْعقل لَا يُوجب شَيْئا على أحد وَلَا يرفع شَيْئا عَنهُ وَلَا حَظّ لَهُ فِي تَحْلِيل أَو تَحْرِيم وَلَا تَحْسِين وَلَا تقبيح وَلَو لم يرد السّمع مَا وَجب على أحد شَيْء وَلَا دخلُوا فِي ثَوَاب وَلَا عِقَاب
следующие страницы →