Полный текст (83 стр.). Показаны 71–83 · переход к 76.
стр. 71
مَذْهَب هَؤُلَاءِ وسلكوا غير طريقهم وَأَن هَذَا طَرِيق مُحدث مخترع لم يكن عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَلَا أَصْحَابه ﵃ وسلوكه يعود عَلَيْهِم بالطعن والقدح ونسبتهم إِلَى الْجَهْل وَقلة الْعلم فِي الدّين واشتباه الطَّرِيق عَلَيْهِم
وَبَلغنِي أَنه كَانَ لأبي هَاشم الجبائي ابْنة تسمى فَاطِمَة وَكَانَ أَصْحَابه يَقُولُونَ إِن فَاطِمَة بنت أبي هَاشم أعلم بِاللَّه وبطريق الْحق من فَاطِمَة بنت مُحَمَّد ﷺ وَرَضي عَنْهَا
فنعوذ بِاللَّه من طَرِيق يُؤَدِّي إِلَى مثل هَذَا القَوْل ونسأله التَّوْفِيق لما يحب ويرضى
وَإِيَّاك رَحِمك الله أَن تشتغل بكلامهم وَلَا تغتر بِكَثْرَة مقالاتهم فَإِنَّهَا سريعة التهافت كَثِيرَة التَّنَاقُض وَمَا من كَلَام تسمعه لفرقة مِنْهُم إِلَّا ولخصومهم عَلَيْهِ كَلَام يوازيه أَو يُقَارِبه فَكل بِكُل معَارض وَبَعض بِبَعْض مُقَابل وَإِنَّمَا يكون تقدم الْوَاحِد مِنْهُم وفلجه على خَصمه بِقدر حَظه من الْبَيَان وحذقه فِي صناعَة الجدل وَالْكَلَام
وَأكْثر مَا يغلب ببعضهم بَعْضًا إِنَّمَا هُوَ إِلْزَام من طَرِيق الجدل على أصُول لَهُم ومناقضات على أَقْوَال حفظوها عَلَيْهِم فهم يطالبونهم بعودها وطردها
стр. 72
فَمن تقاعد عَن ذَلِك سموهُ من طَرِيق الجدل مُنْقَطِعًا وجعلوه مُبْطلًا وحكموا بالفلج لخصمه
والجدل لَا يتَبَيَّن بِهِ حق وَلَا تقوم بِهِ حجَّة وَقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين كلتاهما بطالة وَيكون الْحق فِي ثَالِثَة غَيرهمَا فمناقضة أَحدهمَا صَاحبه لَا تصحح مذْهبه وَإِن أفسد بِهِ قَول خَصمه لِأَنَّهُمَا مجتمعان فِي الْخَطَأ مشتركان فِيهِ كَقَوْل الشَّاعِر فيهم
(حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حَقًا وكل كاسر مكسور)
وَإِنَّمَا كَانَ الْأَمر كَذَلِك لِأَن وَاحِدًا من الْفَرِيقَيْنِ لَا يعْتَمد فِي مقَالَته أصلا صَحِيحا وَإِنَّمَا هُوَ آراء تتقابل وأوضاع تَتَكَافَأ وتتعادل
وَلَو أنصفوا فِي المحاجة لزم الْوَاحِد مِنْهُم أَن ينْتَقل عَن مذْهبه كل يَوْم كَذَا وَكَذَا مرّة لما يُورد عَلَيْهِ من الإلزامات وتراهم ينقطعون فِي الْحجَّاج وَلَا ينتقلون وَهَذَا هُوَ الدَّلِيل على أَنه لَيْسَ قصدهم طلب الْحق وَإِنَّمَا طريقهم اتِّبَاع الْهوى فَحسب
стр. 73
فَإِذا ألزم قَالَ هَذَا إِلْزَام توجه عَليّ لَا على مذهبي وسنأتي بعد بِالْجَوَابِ أَو يُوجد من ينْفَصل عَن هَذِه الشُّبْهَة مِمَّن ينتحل ديني ومذهبي
فَإِذا راعينا مثل هَذَا لم تقم حجَّة على كَافِر أبدا وَمَا هَذَا إِلَّا طَرِيق يُوهم جَمِيع الْكَافرين أَنهم على الْحق قَاتلهم الله أَنى يؤفكون وَتَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا
وَمن قَبِيح مَا يلْزمهُم فِي اعْتِقَادهم أَنا إِذا بنينَا الْحق على مَا قَالُوا وأوجبنا طلب الدّين بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكرُوهُ وَجب من ذَلِك تَكْفِير الْعَوام بأجمعهم لأَنهم لَا يعْرفُونَ إِلَّا الِاتِّبَاع الْمُجَرّد
وَلَو عرض عَلَيْهِم طَرِيق الْمُتَكَلِّمين فِي معرفَة الله تَعَالَى مَا فهمه أَكْثَرهم فضلا من أَن يصير فِيهِ صَاحب اسْتِدْلَال وحجاج وَنظر
وَإِنَّمَا غَايَة توحيدهم الْتِزَام مَا وجدوا عَلَيْهِ سلفهم وأئمتهم فِي عقائد الدّين والعض عَلَيْهَا بالنواجذ والمواظبة على وظائف الْعِبَادَات وملازمة الْأَذْكَار بقلوب سليمَة طَاهِرَة عَن الشُّبُهَات والشكوك تراهم لَا يحيدون عَمَّا اعتقدوه وَإِن قطعُوا إربا إربا فهنيئا لَهُم هَذَا الْيَقِين وطوبى لَهُم هَذِه السَّلامَة فَإِذا كفرُوا هَؤُلَاءِ النَّاس وهم السوَاد الْأَعْظَم وَجُمْهُور الْأمة فَمَا هَذَا إِلَّا طي بِسَاط الْإِسْلَام وَهدم منار الدّين وأركان الشَّرِيعَة وأعلام الْإِسْلَام وإلحاق هَذِه الدَّار أَعنِي دَار الْإِسْلَام بدار الْكفْر وَجعل أهليهما بِمَنْزِلَة وَاحِدَة
وَمَتى يُوجد فِي الألوف من الْمُسلمين على الشَّرْط الَّذِي يراعونه لتصحيح معرفَة الله تَعَالَى أَو لَا يجد مُسلم ألم هَذِه الْمقَالة القبيحة الشنيعة فِي قلبه
стр. 74
بل لَو تقطع حسرات من عَظِيم مَا اخترعوه فِي الدّين وموهوه على النَّاس كَانَ جَدِيرًا بذلك
وَإِن قَالُوا إِنَّا لَا نكفر الْعَوام فقد ناقضوا أصولهم حِين أثبتوا حَقِيقَة الْمعرفَة وَالْإِيمَان بِغَيْر طريقها على أصولهم
وأظن أَن من قَالَ عَنْهُم ذَلِك فَإِنَّمَا هُوَ سلوك طَرِيق التقية ورد تشنيع النَّاس عَلَيْهِم وَإِلَّا فاعتقادهم وطريقتهم فِي أصولهم مَا ذكرنَا
وَالله يَكْفِي أهل السّنة وَالْجَمَاعَة شرهم وَيرد كيدهم فِي نحرهم وَيلْحق بهم عَاقِبَة مَكْرهمْ بقدرته وعظيم سطوته
стр. 75
١٠ - معنى الْعقل ومقامه من الدّين عِنْد أهل السّنة
فصل
ونشتغل الْآن بِذكر معنى الْعقل ومقامه من الدّين عِنْد أهل السّنة
اعْلَم أَن مَذْهَب أهل السّنة أَن الْعقل لَا يُوجب شَيْئا على أحد وَلَا يرفع شَيْئا عَنهُ وَلَا حَظّ لَهُ فِي تَحْلِيل أَو تَحْرِيم وَلَا تَحْسِين وَلَا تقبيح وَلَو لم يرد السّمع مَا وَجب على أحد شَيْء وَلَا دخلُوا فِي ثَوَاب وَلَا عِقَاب
стр. 76
وَاسْتَدَلُّوا على هَذَا بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَقَالَ تَعَالَى حاكيا عَن الْمَلَائِكَة فِيمَا خاطبوا بِهِ أهل النَّار ﴿ألم يأتكم رسل مِنْكُم يَتلون عَلَيْكُم آيَات ربكُم وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا بلَى﴾
стр. 77
فَأَقَامَ الْحجَّة عَلَيْهِم ببعثه الرُّسُل فَلَو كَانَت الْحجَّة لَازِمَة بِنَفس الْعقل لم يكن بَعثه للرسل شرطا لوُجُوب الْعقُوبَة
وَقَالَ ﷺ (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله) فَدلَّ أَنه الدَّاعِي إِلَى الْإِيمَان وَعِنْدهم أَن الدَّاعِي إِلَى الْإِيمَان هُوَ الْعقل
وَجَاء الْكتاب مؤيدا لهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الْآيَة
فَدلَّ على أَن الدعْوَة لَهُ وَأَن الْحجَّة تقوم بِهِ وأمثال هَذِه الْآيَات فِي الْقُرْآن كَثِيرَة
وَمَا أوحش قَول من يَقُول إِنَّه لَا دَعْوَة لأحد من النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ إِلَى الْإِيمَان على الْحَقِيقَة وَأَن وجودهم وعدمهم فِي هَذَا بِمَنْزِلَة وَاحِدَة وَلَو لم يَكُونُوا كَانَ وجوب الْإِيمَان على النَّاس على الْجِهَة الَّتِي وَجَبت عَلَيْهِم بعد وجوبهم ولاحظ لدعوتهم فِي هَذَا وَإِنَّمَا الْحَظ لدعوتهم فِي الشَّرَائِع وفروع الْعِبَادَات
فقد جعلُوا عُقُولهمْ دعاة إِلَى الله تَعَالَى ووضعوها مَوضِع الرُّسُل فِيمَا بَينهم
стр. 78
وَلَو قَالَ قَائِل لَا إِلَه إِلَّا الله عَقْلِي رَسُول الله لم يكن مستنكرا عِنْد الْمُتَكَلِّمين من جِهَة الْمَعْنى فَظهر فَسَاد قَول من سلك هَذَا المسلك
ثمَّ نقُول وَالله الْهَادِي والموفق
إِن الله تَعَالَى أسس دينه وبناه على الِاتِّبَاع وَجعل إِدْرَاكه وقبوله بِالْعقلِ
فَمن الدّين مَعْقُول وَغير مَعْقُول والاتباع فِي جَمِيعه وَاجِب
وَمن أهل السّنة من قَالَ بِلَفْظ آخر إِن الله لَا يعرف بِالْعقلِ وَلَا يعرف مَعَ عدم الْعقل
وَمعنى هَذَا أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي يعرف العَبْد ذَاته فَيعرف الله بِاللَّه لَا بِغَيْرِهِ لقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ وَلم يقل وَلَكِن الْعقل يهدي من يَشَاء
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة
وَقد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (وَالله لَوْلَا الله مَا اهتدينا وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا)
стр. 79
فَهَذِهِ الدَّلَائِل دلّت أَن الله تَعَالَى هُوَ الْمُعَرّف إِلَّا أَنه إِنَّمَا يعرف العَبْد نَفسه مَعَ وجود الْعقل لِأَنَّهُ سَبَب الْإِدْرَاك والتمييز لَا مَعَ عَدمه لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ وَقَالَ ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ وَقَالَ تَعَالَى مخبرا عَن أَصْحَاب النَّار ﴿وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾
وَالله يُعْطي العَبْد الْمعرفَة لهدايته إِلَّا أَنه لَا يحصل ذَلِك مَعَ فقد الْعقل
وَهَذَا كَمَا أَن العَبْد لَا يعرف الله تَعَالَى بجسمه وَلَا بشخصه وَلَا بِرُوحِهِ وَلَا يعرفهُ مَعَ عدم شخصه وجسمه وروحه كَذَلِك لَا يعرف الله بِالْعقلِ وَلَا يعرفهُ مَعَ عدم الْعقل
وَنَظِير هَذَا أَن الْوَلَد لَا يكون مَعَ فقد الْوَطْء وَلَا يكون بِالْوَطْءِ بل يكون بإنشاء الله تَعَالَى وخلقه
وَكَذَلِكَ لَا يكون الزَّرْع إِلَّا فِي أَرض وببذر وَمَاء وَلَا يكون بذلك بل يكون بقدرة الله وإنباته قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تَحْرُثُونَ أأنتم تزرعونه أم نَحن الزارعون﴾ مَعْنَاهُ أأنتم تنبتونه أم نَحن المنبتون يُقَال للْوَلَد زرعه الله أَي أَنْبَتَهُ الله تَعَالَى
وأمثال هَذَا كَثِيرَة والموفق يَكْتَفِي باليسير والمخذول لَا يشفيه الْكثير
وَقد قَالَ بعض أهل الْمعرفَة إِنَّمَا أعطينا الْعقل لإِقَامَة الْعُبُودِيَّة لَا لإدراك الربوبية فَمن شغل مَا أعطي لإِقَامَة الْعُبُودِيَّة بِإِدْرَاك الربوبية فَاتَتْهُ الْعُبُودِيَّة وَلم يدْرك الربوبية
стр. 80
وَمعنى قَوْلنَا إِنَّمَا أعطينا الْعقل لإِقَامَة الْعُبُودِيَّة هُوَ أَنه آلَة التَّمْيِيز بَين الْقَبِيح وَالْحسن وَالسّنة والبدعة والرياء وَالْإِخْلَاص ولولاه لم يكن تَكْلِيف وَلَا توجه أَمر وَلَا نهي
فَإِذا اسْتَعْملهُ على قدره وَلم يُجَاوز بِهِ حَده أَدَّاهُ ذَلِك إِلَى الْعِبَادَة الْخَالِصَة والثبات على السّنة وَاسْتِعْمَال المستحسنات وَترك المستقبحات
فَيكون هَذَا معنى قَول النَّبِي ﷺ فِي الرجل يكثر الصَّلَاة وَالصِّيَام (إِنَّمَا يجازى على قدر عقله)
وَقَالَ بَعضهم الْعقل مُدبر يدبر لصَاحبه أَمر دُنْيَاهُ وعقباه فَأول تَدْبيره الْإِشَارَة إِلَى الْمُدبر الصَّانِع ثمَّ إِلَى معرفَة النَّفس ثمَّ يُشِير إِلَى صَاحبه بالخضوع وَالطَّاعَة لله وَالتَّسْلِيم لأَمره والموافقة لَهُ
وَهَذَا معنى قَوْلهم الْعَاقِل من عقل عَن الله أمره وَنَهْيه
وَقَالَ بَعضهم الْعقل حجَّة الله على جَمِيع الْخلق لِأَنَّهُ سَبَب التَّكْلِيف إِلَّا أَن صَاحبه لَا يَسْتَغْنِي عَن التَّوْفِيق فِي كل وَقت وَنَفس الْعقل بالتوفيق كَانَ والعاقل مُحْتَاج فِي كل وَقت إِلَى توفيق جَدِيد تفضلا من الله تَعَالَى
стр. 81
وَلَو لم يكن كَذَلِك لَكَانَ الْعُقَلَاء مستغنين عَن الله بِالْعقلِ فيرتفع عَنْهُم الْخَوْف والرجاء ويصيرون آمِنين من الخذلان وَهَذَا تجَاوز عَن دَرَجَة الْعُبُودِيَّة وتعد عَنْهَا ومحال من الْأَمر إِذْ لَيْسَ من الْحِكْمَة أَن ينزل الله تَعَالَى أحدا غير مَنْزِلَته فَإِذا أغْنى عبيده عَن نَفسه فقد أنزلهم غير مَنْزِلَتهمْ وَجَاوَزَ بهم حدودهم
وَلَو كَانَ هَذَا هَكَذَا لاستوى الْخلق والخالق فِي معنى من مَعَاني الربوبية وَالله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء فِي جَمِيع الْمعَانِي
وَقَالَ بَعضهم الْعقل على ثَلَاثَة أوجه
عقل مَوْلُود مطبوع وَهُوَ عقل ابْن آدم الَّذِي بِهِ فضل على أهل الأَرْض وَهُوَ مَحل التَّكْلِيف وَالْأَمر وَالنَّهْي وَبِه يكون التَّدْبِير والتمييز
وَالْعقل الثَّانِي هُوَ عقل التأييد الَّذِي يكون مَعَ الْإِيمَان مَعًا وَهُوَ عقل الْأَنْبِيَاء وَالصديقين وَذَلِكَ تفضل من الله تَعَالَى
وَالْعقل الثَّالِث هُوَ عقل التجارب والعبر وَذَلِكَ مَا يَأْخُذهُ النَّاس بَعضهم من بعض وَمن هَذَا قَول من قَالَ ملاقاة النَّاس تلقيح الْعُقُول
وَقَالَ بعض أهل الْمعرفَة مِقْدَار الْعقل فِي الْمعرفَة كمقدار الإبرة عِنْد ديباج أَو خَز فَإِنَّهُ لَا يُمكن لبس ديباج وَلَا خَز إِلَّا أَن يخاط بالإبرة فَإِذا خيط بالإبرة فَلَا حَاجَة بهَا إِلَى الإبرة
كَذَلِك تضبط الْمعرفَة بِالْعقلِ لَا أَن الْمعرفَة تحصل من الْعقل أَو تثبت بِهِ
وَاعْلَم أَن فصل مَا بَيْننَا وَبَين المبتدعة هُوَ مَسْأَلَة الْعقل فَإِنَّهُم أسسوا دينهم على الْمَعْقُول وَجعلُوا الِاتِّبَاع والمأثور تبعا للمعقول
стр. 82
وَأما أهل السّنة قَالُوا الأَصْل الِاتِّبَاع والعقول تبع وَلَو كَانَ أساس الدّين على الْمَعْقُول لاستغنى الْخلق عَن الْوَحْي وَعَن الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم ولبطل معنى الْأَمر وَالنَّهْي ولقال من شَاءَ مَا شَاءَ
وَلَو كَانَ الدّين بني على الْمَعْقُول وَجب أَلا يجوز للمؤمين أَن يقبلُوا شَيْئا حَتَّى يعقلوا
وَنحن إِذا تدبرنا عَامَّة مَا جَاءَ فِي أَمر الدّين من ذكر صِفَات الله وَمَا تعبد النَّاس بِهِ من اعْتِقَاده وَكَذَلِكَ مَا ظهر بَين الْمُسلمين وتداولوه بَينهم ونقلوه عَن سلفهم إِلَى أَن أسندوه إِلَى رَسُول الله ﷺ من ذكر عَذَاب الْقَبْر وسؤال الْملكَيْنِ والحوض وَالْمِيزَان والصراط وصفات الْجنَّة وصفات النَّار وتخليد الْفَرِيقَيْنِ فيهمَا أُمُور لَا ندرك حقائقها بعقولنا وَإِنَّمَا ورد الْأَمر بقبولها وَالْإِيمَان بهَا
فَإِذا سمعنَا شَيْئا من أُمُور الدّين وعقلناه وفهمناه فَللَّه الْحَمد فِي ذَلِك وَالشُّكْر وَمِنْه التَّوْفِيق وَمَا لم يمكنا إِدْرَاكه وفهمه وَلم تبلغه عقولنا آمنا بِهِ وصدقنا واعتقدنا أَن هَذَا من قبل ربوبيته وَقدرته واكتفينا فِي ذَلِك بِعِلْمِهِ ومشيئته وَقَالَ تَعَالَى فِي مثل هَذَا ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
ثمَّ نقُول لهَذَا الْقَائِل الَّذِي يَقُول بني ديننَا على الْعقل وأمرنا باتباعه أخبرنَا إِذا أَتَاك أَمر من الله تَعَالَى يُخَالف عقلك فبأيهما تَأْخُذ بِالَّذِي تعقل أَو بِالَّذِي تُؤمر
فَإِن قَالَ بِالَّذِي أَعقل فقد أَخطَأ وَترك سَبِيل الْإِسْلَام
стр. 83
وَإِن قَالَ إِنَّمَا آخذ بِالَّذِي جَاءَ من عِنْد الله فقد ترك قَوْله
وَإِنَّمَا علينا أَن نقبل مَا عَقَلْنَاهُ إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَمَا لم نعقله قبلناه وتسليما واستسلاما
وَهَذَا معنى قَول الْقَائِل من أهل السّنة إِن الْإِسْلَام قنطرة لَا تعبر إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ فنسأل الله التَّوْفِيق فِيهِ والثبات عَلَيْهِ وَأَن يتوفانا على مِلَّة رَسُول الله ﷺ بمنه وفضله