Полный текст (162 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ذكر قصَّة الْخضر فِي الْقُرْآن والْحَدِيث
الْخضر فِي الْقُرْآن الْكَرِيم:
سُورَة الْكَهْف (٦٠ - ٨٢)
стр. 2
- بَاب حَدِيث الْخضر مَعَ مُوسَى ﵉:
١ - حَدثنَا عَمْرو بن مُحَمَّد حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنِي أبي عَن صَالح عَن أبي شهَاب أَن عبيد الله بن عبد الله أخبرهُ " عَن ابْن عَبَّاس أَنه تمارى هُوَ وَالْحر بن قيس الْفَزارِيّ فِي صَاحب مُوسَى،
стр. 3
قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ خضر، فَمر بهما أبي بن كَعْب، فَدَعَاهُ ابْن عَبَّاس فَقَالَ: إِنِّي تماريت أَنا وصاحبي هَذَا فِي صَاحب مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيل إِلَيّ لَقيته، هَل سَمِعت رَسُول الله يذكر شَأْنه؟ قَالَ: نعم، سَمِعت رَسُول الله يَقُول: بَيْنَمَا مُوسَى فِي ملإ من بني اسرائيل جَاءَهُ رجل فَقَالَ: هَل تعلم أحد أعلم مِنْك؟ قَالَ: لَا. فَأوحى الله إِلَيّ مُوسَى بلَى عَبدنَا الْخضر، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيل إِلَيْهِ، فَجعل لَهُ الْحُوت آيَة، وَقيل لَهُ إِذا فقدت الْحُوت فَارْجِع فَإنَّك ستلقاه. فَكَانَ يتبع الْحُوت فِي الْبَحْر، فَقَالَ لمُوسَى فتاه: أَرَأَيْت إِذْ أوينا إِلَيّ الصَّخْرَة فَإِنِّي نسيت الْحُوت وَمَا أنسانيه إِلَّا الشَّيْطَان أَن أذكرهُ. فَقَالَ مُوسَى: ذَلِك مَا كُنَّا نبغي، فارتدا على آثارهما قصصا، فوجدا خضرًا، فَكَانَ من شَأْنهمَا الَّذِي قصّ الله فِي كِتَابه "
٢ - حَدثنَا عَليّ بن عبد الله حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار قَالَ أَخْبرنِي سعيد بن جُبَير قَالَ " قلت لِابْنِ عَبَّاس أَن نَوْفًا الْبكالِي يزْعم أَن مُوسَى صَاحب الْخضر لَيْسَ هُوَ مُوسَى بني اسرائيل، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخر. فَقَالَ: كذب عَدو الله، حَدثنَا أبي بن كَعْب عَن النَّبِي أَن مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بني اسرائيل فَسئلَ: أَي النَّاس أعلم؟ فَقَالَ أَنا. فعتب الله عَلَيْهِ إِذْ لم يرد الْعلم اليه فَقَالَ لَهُ: بلَى، لي عبد بمجمع الْبَحْرين هُوَ أعلم مِنْك. قَالَ أَي رب وَمن لي بِهِ؟ - وَرُبمَا قَالَ سُفْيَان: أَي رب وَكَيف لي بِهِ؟ - قَالَ تَأْخُذ حوتا فتجعله فِي مكتل، حَيْثُمَا فقدت الْحُوت فَهُوَ ثمَّ - وَرُبمَا
стр. 4
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم بَين يَدي الْكتاب
" إِن الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ، ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وسيئات أَعمالنَا، من يهده الله فَلَا مضل لَهُ، وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله. "
(يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته، وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ) [آل عمرَان: ١٠٢] (يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة، وَخلق مِنْهَا زَوجهَا، وَبث مِنْهُمَا رجَالًا كثيرا وَنسَاء، وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام، إِن الله كَانَ عَلَيْكُم رقيبا) [النِّسَاء: ١]
(يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا، يصلح لكم أَعمالكُم وَيغْفر لكم ذنوبكم، وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما) [الْأَحْزَاب: ٧٠ - ٧١]
أما بعد: فَإِن أصدق الحَدِيث كتاب الله، وَأحسن الْهدى هدى مُحَمَّد وَشر الْأُمُور محدثاتها، وكل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة، وكل ضَلَالَة فِي النَّار. "
وَبعد، فَإِن الْإِسْلَام رِسَالَة إلهية وَاضِحَة، وعقيدة ربانية صَافِيَة من أدران الشّرك والإلحاد، والعادات والتقاليد، والخرافات والأوهام.
وَلَكِن - وللأسف الشَّديد - كلما ابتعد الْمُسلمُونَ من الاغتراف من المنهل الصافي الشفاف للْكتاب وَالسّنة الصَّحِيحَة، بَدَت مَوَاطِن الضعْف والوهن فِي عقيدتهم، وتسربت إِلَيْهَا كثير من الخرافات والأوهام، الَّتِي مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان، وَلَيْسَت عَلَيْهَا أَي مسحة من العقيدة وَالدّين، وزد إِلَى ذَلِك أَنَّهَا سببت لتفريق كلمة الْمُسلمين، وتشتيت وحدة الْأمة الإسلامية فِي كل عصر ومصر.
стр. 5
وَمن الخرافات الَّتِي تطرقت إِلَى الأوساط الإسلامية من جِهَة بعض " المدعين المتهوسين للزهد الفارغ، والورع الأجوف "، وتروجت عبر التَّارِيخ الإسلامي، وآمن بهَا ضعفاء العقيدة وَالدّين: خرافة اسْتِمْرَار حَيَاة الْخضر ﵇.
وَلَا شكّ أَن الْعلمَاء - مُنْذُ الْقَدِيم - اخْتلفُوا فِي هَذَا الْأَمر وَلَكِن عندنَا، ميزانا دَقِيقًا لنقد مثل هَذِه القضايا الْمُخْتَلف فِيهَا هُوَ: " كتاب الله وَسنة رَسُوله - " (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم، فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول، إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا)
فنرد هَذِه الْقَضِيَّة إِلَى كتاب الله، وَسنة رَسُول الله، فَإِن وافقا عَلَيْهَا نعتقد بِأَن الْخضر ﵇ حَيّ يرْزق من يَوْم وِلَادَته حَتَّى الْآن، وَلَا يزَال، إِلَى مَا شَاءَ الله. وَهَذَا من أعظم الْآيَات لربوبية الله . (وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا، أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم) .
وَإِن لم نجد فِي الْكتاب وَالسّنة الصَّحِيحَة مَا يدل على اسْتِمْرَار حَيَاته، نرفضه وَلَا كَرَامَة، مهما ادّعى " الصُّوفِيَّة والصالحون " بلقائهم إِيَّاه فِي القفارى والفلوات، ومواطن الْخَيْر ومواضع الشّرف.
وَذَلِكَ لِأَن الْكتاب وَالسّنة الصَّحِيحَة هما الْوَسِيلَة الوحيدة للاطلاع على مثل هَذِه الْأُمُور الغيبية. وَالْإِيمَان باستمرار حَيَاة أحد من النَّاس، إِلَى مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض، يحْتَاج إِلَى دَلِيل نقلي صَرِيح، لِأَنَّهُ يمس جَانب العقيدة الَّتِي لَا تثبت إِلَّا بذلك.
стр. 6
أما ادِّعَاء مبْنى على الظَّن والتخمين بِأَن الْخضر ﵇ حَيّ وَلَا يزَال إِلَى قيام السَّاعَة، فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل وَلَا برهَان، بل هُوَ مُجَرّد وعاز من الْأَصَالَة وَالتَّحْقِيق وخرافة لَيست من الدّين فِي شَيْء. (إِن هِيَ إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان، إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس، وَقد جَاءَ من رَبهم الْهدى) .
هَذَا الْكتاب يحتوي على النُّصُوص الْمُوَافقَة والمخالفة المهمة، والأدلة القوية الصَّرِيحَة فِي الْمَوْضُوع، لما لمؤلفه شخصية موسوعية، وَعلم غزير، واطلاع وَاسع على كتب الْعلمَاء القدامى والمحدثين. وستنكشف حَقِيقَة اسْتِمْرَار حَيَاة الْخضر ﵇، تتبخر ادعاءات المدعين بذلك، خلال دراسة هَذَا الْكتاب، إِن شَاءَ الله.
الْكتب المستقلة فِي أَخْبَار الْخضر: لما كَانَ مَوْضُوع بَقَاء الْخضر ﵇ وَعَدَمه مُخْتَلفا فِيهِ لَدَى الْعلمَاء، فاسترعى انتباههم لكشف الستار عَن وَجهه، فألفوا كتبا مُسْتَقلَّة كَثِيرَة، قد عثرت على أَسمَاء بَعْضهَا خلال مُرَاجعَة المصادر والمراجع فِي الْمَوْضُوع، وَمِنْهَا: ١. جُزْء فِي أَخْبَار الْخضر: لأبي الْحُسَيْن أَحْمد بن جَعْفَر بن الْمُنَادِي الْبَغْدَادِيّ (- ٣٣٦ هـ) . ٢. جُزْء فِي أَخْبَار الْخضر: لعبد المغيث بن زُهَيْر الْحَرْبِيّ الْحَنْبَلِيّ الْبَغْدَادِيّ (- ٥٨٣ هـ) ٣. عجالة المنتظر فِي شرح حَال الْخضر: لعبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن
стр. 7
الْجَوْزِيّ (٥٩٧ هـ) (وَهَذَا فِي نقض مَا كتبه عبد المغيث الْحَرْبِيّ) . ٤. مُجَلد فِي موت الْخضر: لَهُ أَيْضا. ٥. مُخْتَصره: لَهُ أَيْضا. ٦. " إرشاد أهل الْإِخْلَاص لحياة الْخضر وإلياس ": لمُحَمد بن أبي الْخَيْر أَحْمد الْقزْوِينِي (٦٢٠ هـ) . ٧. " رِسَالَة فِي الْخضر هَل مَاتَ أم هُوَ حَيّ ": لعبد الْحَلِيم أَحْمد بن تَيْمِية الْحَرَّانِي (٧٢٨ هـ) . ٨. " جُزْء فِي وَفَاة الْخضر ": لمُحَمد بن عَليّ بن عبد الْوَاحِد الدكالي الْمَعْرُوف بِابْن النقاش (٧٦٣ هـ) . ٩. " جُزْء فِي حَيَاة الْخضر ": لعبد الله بن أسعد اليافعي (٧٦٨ هـ) . ١٠. " الرَّوْض النَّضر فِي أنباء الْخضر ": لأبي الْفضل الْعِرَاقِيّ (٨٠٦ هـ) . ١١. " جُزْء فِي الْخضر ": للْقَاضِي عليم الدّين الْبِسَاطِيّ (٨٤٢ هـ) . ١٢. " الزهر النَّضر فِي حَال الْخضر ": لِأَحْمَد بن عَليّ بن حجر الْعَسْقَلَانِي
стр. 8
(٨٥٢ هـ) . ١٣. " القَوْل الْمُنْتَصر على المقالات الفارغة بِدَعْوَى حَيَاة الْخضر ": للحسين بن عبد الرَّحْمَن الأهدل (٨٥٥ هـ) . ١٤. " رِسَالَة فِي الْخضر ": لجلال الدّين السُّيُوطِيّ (٩١١ هـ) . ١٥. " كشف الخدر عَن أَمر الْخضر ": لملا عَليّ الْقَارِي الْهَرَوِيّ (١٠١٤ هـ) . ١٦. " القَوْل المقبول فِي الْخضر، هَل نَبِي أم ملك أم رَسُول ": لِأَحْمَد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْمَعْرُوف بالغنيمي (١٠٣٤ هـ) . ١٧. " القَوْل الدَّال على حَيَاة الْخضر وَوُجُود الأبدال ": لنوح بن مصطفى الْحَنَفِيّ (١٠٧٠ هـ) .
هَذَا، وَمَا كتبه ابْن تَيْمِية فِي فَتَاوَاهُ فِي مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة، وَابْن الْقيم فِي الْمنَار المنيف، وَابْن كثير فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة، وَابْن حجر فِي الْإِصَابَة، يعْتَبر أَيْضا رسائل مُسْتَقلَّة.
كتَابنَا هَذَا: إِن الْحَافِظ ﵀ كتب تَرْجَمَة موسعة للخضر ﵇ فِي " الْإِصَابَة فِي تَمْيِيز الصَّحَابَة " لما اشْترط أَنه يذكر فِيهِ كل من قيل فِيهِ إِنَّه صَحَابِيّ، وَإِن لم يرد فِي خبر ثَابت أَنه من جملَة الصَّحَابَة. ثمَّ أفرده فِي كتاب مُسْتَقل بِشَيْء من الْحَذف وَالزِّيَادَة. وَفِي هَذَا الْكتاب ناقش
стр. 9
الْمُؤلف ﵀ مَسْأَلَة مَوته وبقائه حَيا إِلَى زمن النَّبِي - خلال دراسة الرِّوَايَات الْوَارِدَة فِي ذَلِك مناقشة طيبَة، باستقصاء فريد وقراءات مستوعبة، يطمئن إِلَيْهَا الْقلب. وَذكر أَخْبَار كثير مِمَّن ينتمي إِلَى الصّلاح بِأَنَّهُم يرونه وَأَنه حَيّ ﴿﴾ إِلَى أَن قَالَ: " وَالَّذِي تميل إِلَيْهِ النَّفس من حَيْثُ الْأَدِلَّة القوية خلاف مَا يَعْتَقِدهُ الْعَوام من اسْتِمْرَار حَيَاته ... "
تَحْقِيق اسْم هَذَا الْكتاب: لم يذكر الْحَافِظ ﵀ اسْم هَذَا الْكتاب فِي مقدمته لَهُ، وَاكْتفى بقوله: " وَقد أفردته الْآن ليقف كل سَائل عَنهُ، على كل مَا كنت قرأته وسمعته وَجَعَلته أبويا ... . "
وَقد طبعه الْعَلامَة مُحَمَّد مُنِير الدِّمَشْقِي ﵀ ضمن " مَجْمُوعَة الرسائل المنيرية " بعنوان " الزهر النَّضر فِي نبأ الْخضر. "
قَالَ السخاوي (تلميذ الْمُؤلف) - وَهُوَ يذكر المؤلفات فِي أَخْبَار الْخضر _: " وَأحسن مُصَنف فِي ذَلِك كَلَام صَاحب التَّرْجَمَة (يَعْنِي ابْن حجر) الَّذِي أفرده من كِتَابه (الْإِصَابَة) وَسَماهُ (الزهر النَّضر فِي حَال الْخضر) .
وَقد أثبت مَا ذكره السخاوي عنوانا للْكتاب، لما لَهُ صلَة علمية قَوِيَّة بشخصية شَيْخه الْمُؤلف، ودور كَبِير فِي جمع شتات تراثه بعد وَفَاته. وَقد لَازمه أَشد مُلَازمَة، وَحمل عَنهُ مالم يُشَارِكهُ فِيهِ غَيره. وَالله أعلم.
стр. 10
قصتي مَعَ هَذَا الْكتاب: نظم قسم النشاط الثقافي بإدارة الإشراف والتوجيه الاجتماعي بالجامعة الإسلامية بِالْمَدِينَةِ الطّيبَة، مسابقة حيفيية عَامَّة لعام (١٣٩٨ - ١٣٩٩ هـ) وأعلن الْقسم الْمَذْكُور الْمُسَابقَة - وَكُنَّا نمر بِزَمن اختبار النَّقْل من السّنة الثَّانِيَة إِلَى الثَّالِثَة بكلية الحَدِيث الشريف والدراسات الإسلامية - وَكَانَ من بَين المواضيع الْكَثِيرَة المطروحة لَهَا، مَوْضُوع " الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْخضر وحياته " (جمع ودراسة وَتَخْرِيج) .
وَقد أعجبني هَذَا الْمَوْضُوع، وجمعت - بِفضل الله وَمِنْه - مَا تيَسّر لي جمعه من الْأَحَادِيث وَالْأَخْبَار والحكايات، فِي بحث مُسْتَقل بِنَحْوِ تسعين صحيفَة (فل اسكاب) وقدمته إِلَى الْقسم، وفاز بالمرتبة الأولى، بتصحيح واختبار أستاذنا الدكتور / سعدي صَالح الْهَاشِمِي الْعِرَاقِيّ / أستاذ مَادَّة التَّخْرِيج ودراسة الْأَسَانِيد بكلية الحَدِيث، وَللَّه الْحَمد.
وَكَانَ أكبر اعتمادي فِي إعداد هَذَا الْبَحْث على هَذَا الْكتاب، وَكم كنت أَتَمَنَّى مُنْذُ ذَلِك الْوَقْت أَن أحقق هَذَا الْكتاب، وَلَكِن تَأَخّر الْعَمَل إِلَى مَا شَاءَ الله، وَكَانَت أمنيتي لتحقيقه تراود نَفسِي حينا لآخر، وَهَا أَنا قد أنجزت ذَلِك الْآن، بِفضل من الله وتوفيقه.
عَمَلي فِي هَذَا الْكتاب: ١. كتبت مُقَدّمَة التَّحْقِيق: (أ - تَرْجَمَة الْمُؤلف ب - خُلَاصَة المباحث فِي أَخْبَار الْخضر) ٢. عزوت الْآيَات القرآنية إِلَى موَاضعهَا من سورها. ٣. خرجت الْأَحَادِيث والاثار وَالْأَخْبَار والحكايات، وعزوتها إِلَى مصادرها الَّتِي نقل الْحَافِظ عَنْهَا، مَا دمات تَحت متناول يَدي، وَإِلَّا فعزوتها إِلَى مراجع ثانوية، وَذَلِكَ لضعف حيلتي وَقلة اطلاعي. ٤. قارنت النُّصُوص، وصححت الأخطاء الْوَارِدَة فِيهَا، وَإِن زِدْت عَلَيْهَا شَيْئا فَهُوَ مَا بَين المعكوفين [] . ٥. رقمت الفقرات لتسهيل الرُّجُوع إِلَى الْمَطْلُوب. ٦. وضعت ثَمَانِيَة فهارس متنوعة فِي آخر الْكتاب.
شكر وَتَقْدِير: أشكر الله على مَا أنعمني من الْوَقْت وَالصِّحَّة حَتَّى تمكنت من إِكْمَال هَذَا الْعَمَل المتواضع. ثمَّ أشكر الْإِخْوَة الأفاضل الَّذين راجعوا الْكتاب، وشجعوني على إِخْرَاجه فِي أسْرع وَقت مُمكن.
وَلَا يفوتني أَن أسجل شكري لفضيلة أستاذنا الشَّيْخ عبد الحميد عبد الْجَبَّار الرحماني - حفظه الله وتولاه - الرئيس الْعَام لمركز التوعية الإسلامية، والأمين الْعَام لمعهد التَّعْلِيم الإسلامي بدهلي الجديدة - الَّذِي قَامَ بنشر هَذَا الْكتاب، وحاول أَن يخرج فِي حلَّة قشيبة فجزاه الله خير مَا يجازى بِهِ عباده الصَّالِحين.
وأدعوا الله أَن يوفقني لخدمة كِتَابه، وَسنة رَسُوله، وَيجْعَل عَمَلي هَذَا خَالِصا لوجهه الْكَرِيم، يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون. وَهُوَ ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ وبنعمته تتمّ الصَّالِحَات.
وَصلى الله تَعَالَى على نَبينَا وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ.
стр. 11
تَرْجَمَة الْمُؤلف
نسبه: هُوَ شهَاب الدّين، أَبُو الْفضل أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مَحْمُود بن حجر الْكِنَانِي، الْعَسْقَلَانِي الشَّافِعِي، الْمصْرِيّ المولد والمنشأ والوفاة، القاهري.
وَقَالَ السخاوي: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمد فِي نسبه.
مولده: ولد فِي شعْبَان سنة ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة، على شاطئ النّيل بِمصْر الْقَدِيمَة. وَاخْتلف مترجموه فِي تَحْدِيد تأريخ وِلَادَته مَا بَين (الثَّانِي عشر، وَالثَّالِث عشر، وَالثَّانِي وَعشْرين، وَالثَّانِي من الشَّهْر الْمَذْكُور) .
نشأته: نَشأ ابْن حجر يَتِيما، كَمَا عبر هُوَ عَن نَفسه، إِذْ مَاتَ أَبوهُ فِي رَجَب سنة سبع وَسبعين وَسَبْعمائة، ذَلِك وَهُوَ وَمَاتَتْ أمه قبل طِفْل صَغِير.
وَقد أوصى أَبوهُ قبل وَفَاته بِاثْنَيْنِ من الَّذين كَانَت بَينه وَبينهمْ مَوَدَّة: (أَحدهمَا) : زكي الدّين أَبُو بكر بن نور الدّين عَليّ الخروبي (٧٨٧ هـ) ، وَلم يال جهدا فِي رعايته والعناية بتعليمه، وَكَانَ يستصحبه مَعَه عِنْد مجاورته فِي مَكَّة.
стр. 12
(وَالثَّانِي) : شمس الدّين مُحَمَّد بن الْقطَّان الْمصْرِيّ (٨١٣ هـ) ، لَازمه الحافط بعد وَفَاة وَصِيّه الأول زكي الدّين، وَحضر دروسه فِي الْفِقْه والعربية والحساب.
دخل الْكتاب وَهُوَ ابْن خمس سِنِين، وأكمل حفظ الْقُرْآن وَهُوَ فِي التَّاسِعَة من عمره، وَصلى بِالنَّاسِ التَّرَاوِيح فِي الْحرم الْمَكِّيّ سنة ٧٨٥ هـ، وَكَانَ حِينَئِذٍ مَعَ وَصِيّه الزكي الخروبي فِي مَكَّة المكرمة.
وَيُمكن تصور بَوَادِر نبوغه وشجاعته، فبقدر مَا كَانَت مفخرة لَهُ كصبي يتَقَدَّم إِمَامًا فَإِنَّهَا كَانَت لَحْظَة حاسمة وحرجة اجتازها بثبات وَحسن أَدَاء.
وَصلى بعد ذَلِك بالقدس أَيْضا.
مهمته العلمية: بلغ بِهِ الْحِرْص على تَحْصِيل الْعلم مبلغا جعله يسْتَأْجر أَحْيَانًا بعض الْكتب، وَفِي سنة ٧٩٠ هـ أكمل السَّابِعَة عشرَة من عمره، حفظ فِيهَا الْقُرْآن، وَكتب من مختصرات الْعُلُوم وَسمع صَحِيح البُخَارِيّ على بعض الْمَشَايِخ، كَمَا سمع من عُلَمَاء عصره البارزين، واهتم بالأدب والتاريخ.
وَهَذِه حصيلة ثقافية لَا يستهان بهَا بِالنِّسْبَةِ لعمره.
وَلما بلغ فِي التَّاسِعَة عشرَة من عمره، فاق أقرانه فِي فنون الْأَدَب، وَقَالَ الشّعْر الرَّائِق والنثر الْفَائِق، ونظم المدائح النَّبَوِيَّة والمقاطيع.
стр. 13
نقطة تحول فِي حَيَاته: لما بلغ الْحَافِظ الْغَايَة القصوى فِي الْفُنُون وَالْأَدب، شَاءَ الله أَن يصرفهُ عَنْهَا، وحبب إِلَيْهِ علم الحَدِيث النَّبَوِيّ، فَأقبل عَلَيْهِ سنة ٧٩٣ هـ، غير أَنه لم يكثر إِلَّا من سنة - ٧٩٦ هـ، وعلت لَهُ الشُّهْرَة واشتغل بِهِ حَتَّى صَار حَافظ عصره وَشَيخ الْإِسْلَام.
رحلاته فِي طلب الْعلم: كَانَت الرحلة فِي طلب الْعلم، فِي كل عصر من التَّارِيخ الإسلامي، سمة بارزة، ومظهرا مهما لتلقي الْعُلُوم على أَيدي الشُّيُوخ الَّذين كَانُوا فِي أنحاء بعيدَة وبلاد نائية من بلد الطَّالِب، وَكَانَ يلجأ إِلَى الرحلة إِلَيْهَا بعد استكمال ثقافته الْمَحَلِّيَّة.
وَمَا كَانَ الْحَافِظ ان يقتنع بثقافة بَلَده، بل رَحل إِلَى بِلَاد عديدة خَارج مصر. من أهمها: الْيمن، والحجاز وَالشَّام. وَأخذ علم الحَدِيث عَن مشاهير عُلَمَاء هَذِه الْبِلَاد.
شُيُوخه المعروفون: بلغ عدد شُيُوخه بِالسَّمَاعِ وبالإجازة وبالإفادة على مَا بَين بِخَطِّهِ، نَحْو أَرْبَعمِائَة وَخمسين نفسا. وَمن أَهَمَّهُمْ فِي الحَدِيث وَالْفِقْه:
عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي الْمَعْرُوف بالنشاوري (٧٩٠ هـ) مُسْند الْحجاز، هُوَ أول شيخ سمع عَلَيْهِ الحَدِيث الْمسند فِيمَا اتَّصل بِعِلْمِهِ، سمع عَلَيْهِ شَيْئا من صَحِيح البُخَارِيّ سنة ٧٨٥ هـ.
стр. 14
مُحَمَّد بن عبد الله ظهيرة، جمال الدّين الْمَكِّيّ (٨١٧ هـ) ، قَرَأَ عَلَيْهِ بحثا فِي عُلُوم الْأَحْكَام، وَهُوَ من عُلَمَاء الْحجاز.
نجم الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحِيم بن رزين بن غَالب الْمسند: سمع مِنْهُ صَحِيح البُخَارِيّ بِقِرَاءَة الْجمال الْمَذْكُور سنة ٦٧٦ هـ. وَقَالَ الْحَافِظ: وَكَانَ أول من سَمِعت بقرَاءَته الحَدِيث وَذَلِكَ سنة ٧٨٦ هـ بِمصْر.
عَليّ بن أبي بكر، أَبُو الْحسن الهيثمي (٧٣٥ - ٨٠٧ هـ) : وَكَانَ يود الْحَافِظ كثيرا، وَشهد لَهُ بالتقدم فِي الْفَنّ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ قرينا لشيخه الْعِرَاقِيّ، ومنفردا.
عمر بن عَليّ بن أَحْمد الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) : كَانَ أَكثر أهل عصره تصنيفا.
أَبُو حَفْص عمر بن رسْلَان البُلْقِينِيّ، سراج الدّين (٧٢٤ - ٨٠٥ هـ) : وَهُوَ أستاذه فِي الْفِقْه ولازمه مُدَّة، وَهُوَ أول من أذن لَهُ بالتدريس والإفتاء، وَتَبعهُ غَيره، وَشهد لَهُ بِالْحِفْظِ فِي الْمجْلس الْعَام.
أَبُو الْفضل عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن الْعِرَاقِيّ (٧٢٥ - ٨٠٦ هـ) : الْحَافِظ الْكَبِير: لَازمه الْحَافِظ ابْن حجر عشر سنوات، وَتخرج بِهِ، وَهُوَ أول من أذن لَهُ بالتدريس فِي عُلُوم المصطلح سنة ٧٩٧ هـ، ولقبه بِالْحَافِظِ، وعظمه ونوه بِذكرِهِ، وَشهد لَهُ بِأَنَّهُ أعلم أَصْحَابه بِالْحَدِيثِ.
أثنى الْحَافِظ ابْن حجر على هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الْأَوَاخِر بِصفة خَاصَّة، وَقَالَ: إِنَّهُم أعجوبة هَذَا الْعَصْر على رَأس الْقرن (أَي التَّاسِع الهجري) .
الأول: (ابْن الملقن) فِي كَثْرَة التصانيف؛ وَالثَّانِي: (البُلْقِينِيّ) فِي التَّوَسُّع فِي معرفَة مَذْهَب الشَّافِعِي؛ وَالثَّالِث: (الْعِرَاقِيّ) فِي معرفَة الحَدِيث.
وَقدر أَن كل وَاحِد من الثَّلَاثَة ولد قبل الاخر بِسنة، وَمَات قبله بِسنة، كَمَا هُوَ ظَاهر من تأريخ مواليدهم ووفياتهم.
стр. 15
والهيثمي أَيْضا مَاتَ بعد الْأَخير (أَي الْعِرَاقِيّ) بِسنة، وَإِن كَانَت وِلَادَته قبله بِعشر سنوات.
وَلَا شكّ أَن الْحَافِظ - كَمَا قَالَ البقاعي - تقدم على مشايخه فِي حياتهم، ووصفوه بِالْحِفْظِ والاتقان والنقد والعرفان. مَعَ ذَلِك كَانَ احترام الْحَافِظ وَتَقْدِيره لشيوخه أعظم وَأجل.
تلامذته: استقطبت دروسه الْعلمَاء والتلاميذ سَوَاء بِسَوَاء، وَأخذ النَّاس عَنهُ طبقَة بعد طبقَة، وَألْحق الْأَبْنَاء بِالْآبَاءِ، والأحفاد، بل أَبْنَاءَهُم بالأجداد، وأكب النَّاس على التَّرَدُّد إِلَيْهِ حَتَّى اصبحوا لَا يُحصونَ كَثْرَة، وانتشروا فِي أرجاء الأقطار فَكَانَ رُؤَسَاء الْعلمَاء من كل مَذْهَب وَفِي كل قطر من تلاميذه.
سرد ابْن خَلِيل الدِّمَشْقِي ثَلَاثمِائَة وَخمسين نفسا من تلاميذه والآخذين عَنهُ وأوصل عَددهمْ السخاوي إِلَى خَمْسمِائَة شخص، وَكِلَاهُمَا على حُرُوف المعجم.
وَمن أبرز هَؤُلَاءِ التلاميذ:
إِبْرَاهِيم بن عمر بن حسن البقاعي (٨٨٥ هـ) صَاحب " عنوان الزَّمَان "
زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ (٩٢٦ هـ) صَاحب " شرح ألفية الْعِرَاقِيّ "
стр. 16
ابْن تغري بردي (٨٧٤ هـ) صَاحب " النُّجُوم الزاهرة "
ابْن فَهد الْمَكِّيّ (٨٧١ هـ) صَاحب " لحظ الألحاظ "
وَابْن قَاضِي شُهْبَة الدِّمَشْقِي (٨٧٤ هـ) صَاحب " الطَّبَقَات "
اسماعيل بن مُحَمَّد بن أبي بكر المقريء اليمني (٨٣٧ هـ) صَاحب " عنوان الشّرف الوافي "
يُوسُف بن شاهين أَبُو المحاسن الكركي (٨٩٩ هـ) سبط ابْن حجر صَاحب " رونق الْأَلْفَاظ "
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السخاوي (٩٠٢ هـ) صَاحب " الضَّوْء اللامع " والمصنفات الْكَثِيرَة.
وَقد لَازمه السخاوي أَشد مُلَازمَة، وَحمل عَنهُ مالم يُشَارِكهُ فِيهِ غَيره، وَتُوفِّي بعد وَفَاة شَيْخه، وَجمع شتات تراثه، وَكتب فِي تَرْجَمَة شَيْخه مجلدا ضخما مُسْتقِلّا باسم " الْجَوَاهِر والدرر فِي تَرْجَمَة شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر "
تصانيفه: بَدَأَ الْحَافِظ ابْن حجر ﵀ التصنيف فِي سنة ٧٩٦ هـ، وَاسْتمرّ حَتَّى قبيل وَفَاته. وَهُوَ يعْتَبر من المكثرين فِي هَذَا الْبَاب حَتَّى صَار من الصعب حصر جَمِيع آثاره.
وَلذَلِك اكْتفى بعض مترجميه بقَوْلهمْ عَن مصنفاته أَنَّهَا تزيد على مائَة وَخمسين مصنفا.
وَقَالَ السخاوي: يزِيد على (٢٧٠) مصنفا.
стр. 17
وَقد ذكر الدكتور شَاكر مَحْمُود عبد الْمُنعم (٢٨٢) كتابا مَا بَين صَغِير وكبير مطبوع ومخطوط، وموجود ومفقود.
وَكَذَلِكَ ذكر تَحت عنوان " الْكتب المنسوبة إِلَيْهِ " (٣٨) كتابا، وَهِي الْكتب الَّتِي لم يذكرهَا إِلَّا مصدر معاصر وَاحِد، وَلَا تعضده فِي ذَلِك المصادر الْأُخْرَى،، وَنسبه إِلَيْهِ مصدر غير معاصر لَهُ، أَو وجد الْكتاب مَنْسُوبا إِلَى غَيره أَيْضا.
وَقد ذكرهَا الدكتور شَاكر تَحت هَذَا العنوان احْتِيَاطًا حَتَّى لَا ينْسب مُصَنف إِلَى مؤلف لم يعمله. وَقَالَ: إِن ذَلِك لَا يَعْنِي نفي نِسْبَة مُصَنف مَا إِلَى الْحَافِظ ابْن حجر، فَهُوَ موسوعي، وَلَا نستبعد مِنْهُ الْمَزِيد.
وَمن أهم كتبه المطبوعة:
الْإِصَابَة فِي تَمْيِيز الصَّحَابَة
فتح الْبَارِي بشرح صَحِيح البُخَارِيّ
تَهْذِيب التَّهْذِيب
تقريب التَّهْذِيب
الدُّرَر الكامنة فِي أَعْيَان الْمِائَة الثَّامِنَة
لِسَان الْمِيزَان
التَّلْخِيص الحبير
تَعْجِيل الْمَنْفَعَة
بُلُوغ المرام
نزهة النّظر فِي توضيح نخبة الْفِكر
القَوْل المسدد فِي الذب عَن مُسْند الإِمَام أَحْمد
الإمتاع فِي الْأَرْبَعين المتباينة بِشَرْط السماع (تَحت الطَّبْع)
стр. 18
أشغاله العلمية المتنوعة
التدريس والإملاء: درس فِي مدارس كَثِيرَة، وتفوق على خمس عشرَة مدرسة وَقَامَ بالإملاء الَّذِي درس بعد ابْن الصّلاح (٦٤٣ هـ) إِلَى أَوَاخِر أَيَّام الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ، فافتتحه سنة ٧٩٦ هـ، وَاسْتمرّ حَتَّى وَفَاته سنة ٨٠٦ هـ. وَشرع ابْن حجر بالإملاء فِي سنة ٨٠٨ هـ وَاسْتمرّ إِلَى أَن مَاتَ فأملى مَا يزِيد على ألف مجْلِس.
الْقَضَاء: لقد امْتنع باديء ذِي بَدْء عَن تولي منصب الْقَضَاء، ثمَّ رضى بِهِ نِيَابَة عَن البُلْقِينِيّ بعد وَفَاته، بِطَلَب القَاضِي ولي الدّين الْعِرَاقِيّ، ثمَّ مَا لبث أَن تولاه اسْتِقْلَالا فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من محرم سنة ٨٢٧ هـ وزادت مُدَّة قَضَائِهِ على إِحْدَى عشرَة سنة. وزهد فِيهِ زهدا تَاما، لِكَثْرَة مَا توالى عَلَيْهِ من التأزم والحرج بِسَبَبِهِ.
" وَصرح بِأَنَّهُ لم يبْق فِي بدنه شَعْرَة تقبل اسْمه "
الخطابة والإفتاء: تولى الخطابة فِي الْجَامِع الْأَزْهَر وجامع عَمْرو بن الْعَاصِ وَوصف السخاوي خطبَته فَقَالَ:
стр. 19
" أما خطبَته فَكَانَ لَهَا صدع فِي الْقُلُوب، وتزداد - وَهُوَ على الْمِنْبَر - فِي المهابة والنور ... ... مَا لَا أَسْتَطِيع وَصفه، بِحَيْثُ كنت إِذا نظرت إِلَيْهِ، وَهُوَ على الْمِنْبَر، يغلبني الْبكاء.
وَكَذَلِكَ نَهَضَ بمهمة الْفتيا بدار الْعَمَل سنة ٨١٥ هـ، وامتازت فَتَاوِيهِ بالإيجاز مَعَ حُصُول الْغَرَض مِنْهَا، وبز عُلَمَاء عصره فِيهَا، واعتنى بإخراجها محررة مستندة إِلَى الْأَدِلَّة ذَات الِاعْتِبَار، وَهُوَ فَقِيه النَّص.
وَبلغ معدل مَا كَانَ يَكْتُبهُ فِي بعض الْأَوْقَات (٣٠) فتيا فِي الْيَوْم.
خزن الْكتب: وَلَقَد قَامَ بمهمة خزن الْكتب بالمكتبة المحمودية، وَعمل لَهَا فهرسين: أَحدهمَا على الْأَبْوَاب، وَالثَّانِي على الْحُرُوف.
وَكَانَ مِثَالا للحرص على كتبهَا، ويفتديها بكتبه، فَكَانَ يَقُول: " لَا يُؤْخَذ من كتب الخزانة إلإ مَا لَيْسَ فِي كتبي "
هَذَا، وَكَانَ يقوم بدور عَام فِي الْإِصْلَاح والإرشاد، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَدفع الظُّلم والحيف عَن النَّاس.
وَيظْهر ذَلِك من انتقائه لمادة أَمَالِيهِ - خَاصَّة الْمُطلقَة مِنْهَا - لأمور ذَات مساس بِالْحَيَاةِ الاجتماعية.
هَذِه هِيَ الصِّفَات العلمية والخلقية الَّتِي جعلته مصداقا للقب شيخ الْإِسْلَام وحافظ الْعَصْر، وخاتمة الْمُحدثين، وأمير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث.
стр. 20
لقد شرب مَاء زَمْزَم ليصل إِلَى مرتبَة الذَّهَبِيّ فِي الْحِفْظ، ثمَّ حج بعد مُدَّة تقرب عشْرين سنة، فَسَأَلَ الله تَعَالَى الْمَزِيد، وَرَجا أَن ينَال ذَلِك، فحقق الله رَجَاءَهُ، وَشهد لَهُ بذلك التعبر غير وَاحِد.
مذْهبه فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات: لَا يخفى على من يقْرَأ كتاب الْحَافِظ ابْن حجر ﵀ بِأَنَّهُ يرى رأى المؤولين فِي أَسمَاء الله وَصِفَاته، وَهُوَ خلاف مُعْتَقد السّلف الصَّالح، وَقد عَمت هَذِه الْبلوى فَمَا عصم مِنْهَا إِلَّا من رحم ربه.
وإليكم مِثَالا من " فتح الْبَارِي " حَيْثُ يشْرَح حَدِيث " أحب الدّين اليه (أَي الله) أَي مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحبه " فَيَقُول:
" قَوْله (أحب) قَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: معنى الْمحبَّة من الله تعلق الْإِرَادَة بالثواب، أَي أَكثر الْأَعْمَال ثَوابًا وأدومها.
" وَهَذَا من التَّأْوِيل الْبَاطِل. وَالْحق الَّذِي عَلَيْهِ أهل السّنة أَن معنى الْمحبَّة غير معنى الْإِرَادَة، وَالله سُبْحَانَهُ مَوْصُوف بهَا على الْوَجْه الَّذِي يَلِيق بجلاله، ومحبته لَا تشابه محبَّة خلقه، كَمَا أَن إِرَادَته لَا تشابه إِرَادَة خلقه وَهَكَذَا سَائِر صِفَاته، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير) .
وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع التَّفْصِيل فِي هَذَا الْمَوْضُوع إِلَّا أَن عَلامَة الجزيرة الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن باز - حفظه الله - قد علق على تَأْوِيله فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات بحوالى سِتَّة مَوَاضِع فِي الْجُزْء الأول من الْفَتْح فَقَط.
стр. 21
مذْهبه الفقهي: كَانَ الْحَافِظ ﵀ شافعيا بِاتِّفَاق المصادر إِلَّا أَن الكتاني ذكر، نقلا عَن مَا فِي ثَبت الشهَاب أَحْمد بن الْقَاسِم الْبونِي: " إِن الْحَافِظ انْتقل فِي آخر عمره لمَذْهَب مَالك، وَقَالَ (أَي الْبونِي) : رَأَيْت ذَلِك بِخَطِّهِ فِي مَكَّة المكرمة ".
وَقَالَ الكتاني: وَلَعَلَّ رُجُوعه فِي مَسْأَلَة أَو مَسْأَلَتَيْنِ وَالله أعلم
وَلَا شكّ أَن أدوات الِاجْتِهَاد قد اجْتمعت لَدَيْهِ، وَهُوَ يَقْتَدِي بالأئمة وَلَا يقلدهم وشتان مَا بَين الِاثْنَيْنِ، فَهُوَ يوازن بَين الْأَدِلَّة وَيَأْخُذ بأرجحها، حَتَّى وَإِن لم توَافق السَّادة الشَّافِعِيَّة.
وَفَاته: قدم الْحَافِظ ابْن حجر ﵀ خدمات جليلة للْحَدِيث النَّبَوِيّ وعلومه، أَكثر من نصف قرن. وَصَارَ أعجوبة الدُّنْيَا، ولقب بِالْحَافِظِ وَشَيخ الْإِسْلَام لعلمه الغزير، وكفاءته فِي كل ميدان من ميادين الدّين وَالْعلم.
فِي آخر حَيَاته، أُصِيب بالإمساك، وَقد دَامَ أَكثر من شهر، حَيْثُ أُصِيب بإسهال وَرمى دم (ديسانتري) غير أَن السخاوي يَقُول:
" وَلَا استبعد أَنه أكْرم بِالشَّهَادَةِ، فقد كَانَ الطَّاعُون قد ظهر ... "
ووافاه الْأَجَل وَلحق بالرفيق الْأَعْلَى فِي أَوَاخِر شهر ذِي الْحجَّة من سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثمان مائَة.
стр. 22
وَاخْتلف مترجموه فِي تَحْدِيد تأريخ وَفَاته مَا بَين الثَّامِن وَالْعِشْرين، وَالتَّاسِع عشر وَالثَّامِن عشر من ذِي الْحجَّة.
وَكَانَ يَوْم مَوته عَظِيما على الْمُسلمين وَحَتَّى على أهل الذِّمَّة. شيعته الْقَاهِرَة إِلَى مدفنه، وَقدر أحد الأذكياء أَنه اشْترك فِيهِ نَحْو خمسين ألفا. تزاحم الْأُمَرَاء والأكابر على حمل نعشه، وَمَشى إِلَى تربته من لم يمش نصف مسافتها قطّ.
وَصلى عَلَيْهِ بمصلاة بكتمر المؤمنى حَيْثُ أَمر السُّلْطَان الظَّاهِر جقمق بِأَن يحضر إِلَى هُنَاكَ ليصلى عَلَيْهِ، وَتقدم فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ الْخَلِيفَة بِإِذن من السُّلْطَان.
وَدفن ﵀ تجاه تربة الديلمي بتربة بني الخروبي، بَين مقَام الشَّافِعِي ومقام سَيِّدي مُسلم السّلمِيّ. وَتَقَع تربته على بعد (١٥٠٠) م من مقَام الإِمَام الشَّافِعِي.
اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه واعفه واعف عَنهُ وَأكْرم نزله ووسع مدخله ﴿﴾
стр. 23
خُلَاصَة الْأَخْبَار فِي الْخضر
اسْمه وَنسبه: اخْتلف الْعلمَاء المؤرخون فِي اسْم الْخضر ﵇ وَنسبه على أَكثر من عشرَة أَقْوَال
وَأشهر أَسْمَائِهِ: بليابن ملكان.
وكنيته أَبُو الْعَبَّاس.
وَهُوَ مَعْرُوف بلقبه الْخضر.
سَبَب تَسْمِيَته بالخضر: يُوجد فِي مصَادر التَّفْسِير والْحَدِيث والتأريخ سببان لتسميته بالخضر. ١. مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأحمد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهم، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي - قَالَ:
" إِنَّمَا سمي الْخضر، لِأَنَّهُ جلس على فَرْوَة بَيْضَاء، فَإِذا هِيَ تهتز من خَلفه خضراء ". ٢. قَالَ الْخطابِيّ: " إِنَّمَا سمي الْخضر خضرًا، لحسنه وإشراقه ".
قَالَ ابْن كثير: هَذَا لَا ينافى مَا ثَبت فِي الصَّحِيح، فَإِن كَانَ وَلَا بُد من التَّعْلِيل بِأَحَدِهِمَا، فَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح أولى وَأقوى، بل لَا يلْتَفت إِلَى مَا عداهُ.
стр. 24
الْخضر الْمَعْرُوف هُوَ صَاحب مُوسَى بن عمرَان ﵉
وَقد ورد بعض الْخلاف فِي الْخضر، هَل صَاحبه مُوسَى بن عمرَان ﵇ أم غَيره؟
ومنشأ هَذَا الْخلاف بَين المؤرخين هُوَ بعض الرِّوَايَات الإسرائيلية والتأريخية الَّتِي ورد فِيهَا:
" أَن مُوسَى بن مِيشَا بن يُوسُف بن يَعْقُوب، نَبِي قبل مُوسَى بن عمرَان، وَأَنه هُوَ الَّذِي طلب الْخضر بن ملكان ... "
وَهُوَ قَول سَاقِط مَرْجُوح سندا وتأريخا.
وَالصَّحِيح الرَّاجِح فِي ضوء النُّصُوص الحديثية والتأريخية الصَّحِيحَة، أَن مُوسَى بن عمرَان ﵇ الَّذِي أنزلت عَلَيْهِ التَّوْرَاة، هُوَ صَاحب الْخضر الْمَعْرُوف الْوَارِد قصَّته مَعَ مُوسَى ﵉ فِي سُورَة الْكَهْف.
وَقد روى الشَّيْخَانِ - البُخَارِيّ وَمُسلم - فِي صَحِيحَيْهِمَا من طَرِيق سعيد بن جُبَير قَالَ: قلت لِابْنِ عَبَّاس: أَن نَوْفًا الْبكالِي يزْعم أَن الْخضر، لَيْسَ بِصَاحِب مُوسَى فَقَالَ: " كذب عَدو الله ".
وَلم يقل ذَلِك ابْن عَبَّاس ﵄ فِيهِ إِلَّا على وَجه
стр. 25
الإغلاظ، لمُخَالفَته قَول رَسُول الله - الثَّابِت بِأَن الْخضر هُوَ صَاحب مُوسَى بن عمرَان ﵉
وَقد غضب ابْن عَبَّاس على قَوْله هَذَا، وَقَالَ: " كذب عَدو الله " لشدَّة إِنْكَاره عَلَيْهِ. وَفِي حَال الْغَضَب تطلق الْأَلْفَاظ، وَلَا ترَاد بهَا حقائقها.
الْخضر: ملك أَو ولي أَو نَبِي
اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ والمؤرخون فِي الْخضر ﵇ بِهَذَا الصدد على ثَلَاثَة أَقْوَال مشهوره:
القَوْل الأول: إِنَّه ملك من الْمَلَائِكَة، يتَصَوَّر فِي صور الْآدَمِيّين مغيرا ذاتا.
قَالَ النَّوَوِيّ: " هَذَا غَرِيب بَاطِل ".
وَقَالَ ابْن كثير: " هَذَا غَرِيب جدا ".
القَوْل الثَّانِي: أَنه ولي ذهب إِلَيْهِ جمَاعَة من الصُّوفِيَّة وَغَيرهم. وَقَالَ بِهِ أَبُو عَليّ بن أبي مُوسَى من الْحَنَابِلَة، وَأَبُو بكر الْأَنْبَارِي، وَأَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي.
стр. 26
ويلاحظ أَن كثيرا مِنْهُم يفضلون الْوَلِيّ - فِي زعمهم - إِمَّا مُطلقًا، وَإِمَّا من بعض الْوُجُوه، على النَّبِي، زاعمين أَن فِي قصَّة الْخضر مَعَ مُوسَى ﵇ الْوَارِدَة فِي سُورَة الْكَهْف، حجَّة لَهُم.
وَمِمَّنْ يفضل بعض الْأَوْلِيَاء، أَمْثَال الْخضر ﵇، على الْأَنْبِيَاء: الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي كتاب ختم الْأَوْلِيَاء.
قَالَ: " يكون فِي آخر الْأَوْلِيَاء، من هُوَ أفضل من الصَّحَابَة، " وَرُبمَا لوح بِشَيْء من ذكرالأنبياء، فَقَامَ عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ، وأنكروا ذَلِك عَلَيْهِ، ونفوه من الْبَلَد بِسَبَب ذَلِك:
وَمِنْهُم: سعد الدّين بن حمويه
وَابْن عَرَبِيّ صَاحب الفصوص والفتوحات المكية الْقَائِل:
(مقَام النُّبُوَّة فِي برزخ ... فويق الرَّسُول وَدون الْوَلِيّ)
الرَّد على تَفْضِيل الْولَايَة على النُّبُوَّة والرسالة: وَقد رد شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ على خزعبلات الصُّوفِيَّة فِي تَفْضِيل الْوَلِيّ على النَّبِي، ردا جميلا، وحلل النواحي الْمُتَعَلّقَة بذلك تحليلا دَقِيقًا حَيْثُ قَالَ: " قد أجمع الْمُسلمُونَ على أَن مُوسَى أفضل من الْخضر. فَمن قَالَ: إِن الْخضر أفضل، فقد كفر، وَسَوَاء قيل: إِن الْخضر نَبِي أَو ولي. وَالْجُمْهُور على أَنه لَيْسَ بِنَبِي.
بل أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل الَّذين اتبعُوا التَّوْرَاة، وَذكرهمْ الله تَعَالَى كداود وَسليمَان أفضل من الْخضر.
بل، على قَول الْجُمْهُور: إِنَّه لَيْسَ بِنَبِي، فَأَبُو بكر وَعمر ﵄ أفضل مِنْهُ.
стр. 27
وَكَونه يعلم مسَائِل لَا يعلمهَا مُوسَى، لَا يُوجب أَن يكون أفضل مِنْهُ مُطلقًا. كَمَا أَن الهدهد قَالَ لِسُلَيْمَان: (أحطت بِمَا لم تحط بِهِ) لم يكن أفضل من سُلَيْمَان.
وكما أَن الَّذين كَانُوا يُلَقِّحُونَ النّخل، لما كَانُوا أعلم بتلقيحه من النَّبِي - لم يجب من ذَلِك أَن يَكُونُوا أفضل مِنْهُ -، وَقد قَالَ لَهُم: " وَأَنْتُم أعلم بِأَمْر دنياكم، وَأما مَا كَانَ من أَمر دينكُمْ فَإِلَيَّ. "
وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ كَانُوا يتعلمون مِمَّن هم دونهم علم الدّين الَّذِي هُوَ عِنْدهم.
وَقد قَالَ -: " لم يبْق بعدِي من النُّبُوَّة إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَة. " وَمَعْلُوم أَن ذُرِّيتهمْ فِي الْعلم أفضل مِمَّن حصلت لَهُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة.
وَغَايَة الْخضر أَن يكون عِنْده من الْكَشْف مَا هُوَ جُزْء من أَجزَاء النُّبُوَّة، فَكيف يكون أفضل من نَبِي؟ فَكيف بالرسول؟ فَكيف بِأولى الْعَزْم "؟ ! وَقَالَ ﵀: " قَول الْقَائِل: إِنَّه نقيب الْأَوْلِيَاء، فَيُقَال: لَهُ من ولاه النقابة. وَأفضل الْأَوْلِيَاء أَصْحَاب مُحَمَّد - وَلَيْسَ فيهم الْخضر ". وَقَالَ: " وَمن
стр. 28
قَالَ: إِنَّه نقيب الْأَوْلِيَاء، أَو إِنَّه يعلمهُمْ كلهم فقد قَالَ الْبَاطِل ". وَقَالَ بعد ذكر كَلَام الصُّوفِيَّة فِي تَفْضِيل الْولَايَة على النُّبُوَّة: " وكل هَذِه المقالات فِي أعظم الجهالات والضلالات، بل من أعظم أَنْوَاع النِّفَاق والإلحاد وَالْكفْر. "
وَقَالَ: وَقد يحْتَج بَعضهم بِقصَّة مُوسَى وَالْخضر، ويظنون أَن الْخضر خرج عَن الشَّرِيعَة. وهم فِي هَذَا ضالون من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن الْخضر لم يخرج عَن الشَّرِيعَة، بل الَّذِي فعله كَانَ جَائِزا فِي شَرِيعَة مُوسَى، وَلِهَذَا لما بَين لَهُ الْأَسْبَاب أقره على ذَلِك.
وَلَو لم يكن جَائِزا لما أقره، وَلَكِن لم يكن مُوسَى يعلم الْأَسْبَاب الَّتِي بهَا أبيحت تِلْكَ. فَظن أَن الْخضر كالملك الظَّالِم، فَذكر ذَلِك لَهُ الْخضر.
وَالثَّانِي: أَن الْخضر لم يكن من أمة مُوسَى، وَلَا كَانَ يجب عَلَيْهِ مُتَابَعَته، بل قَالَ لَهُ: إِنِّي على علم من علم الله علمنيه الله لَا تعلمه، وَأَنت على علم من علم الله علمكه الله لَا أعلمهُ. وَذَلِكَ أَن دَعْوَة مُوسَى لم تكن عَامَّة. فَإِن النَّبِي كَانَ يبْعَث إِلَى قومه خَاصَّة، وَمُحَمّد - بعث إِلَى النَّاس كَافَّة. بل بعث إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ بَاطِنا وظاهرا؛ فَلَيْسَ لأحد أَن يخرج عَن طَاعَته ومتابعته، لَا فِي الْبَاطِن، وَلَا فِي الظَّاهِر، لَا من الْخَواص وَلَا من الْعَوام ".
كَلَام نَفِيس لشارح العقيدة الطحاوية: قَالَ ﵀: " وَأما من يتَعَلَّق بِقصَّة مُوسَى مَعَ الْخضر ﵉ فِي تَجْوِيز الِاسْتِغْنَاء عَن الْوَحْي بِالْعلمِ اللدني، الَّذِي يَدعِيهِ بعض من عدم التَّوْفِيق، فَهُوَ ملحد زنديق. فَإِن مُوسَى - عَلَيْهِ
стр. 29
السَّلَام - لم يكن مَبْعُوثًا إِلَى الْخضر. وَلم يكن الْخضر مَأْمُورا بمتابعته وَلِهَذَا قَالَ: لَهُ: أَنْت مُوسَى بني إِسْرَائِيل؟ قَالَ: نعم.
وَمُحَمّد - مَبْعُوث إِلَى جَمِيع الثقلَيْن، وَلَو كَانَا مُوسَى وَعِيسَى حيين لكانا من أَتْبَاعه، وَإِذا نزل عِيسَى ﵇ إِلَى الأَرْض، إِنَّمَا يحكم بشريعة مُحَمَّد [] .
فَمن ادّعى أَنه مَعَ مُحَمَّد - كالخضر مَعَ مُوسَى، أَو جوز ذَلِك لأحد من الْأمة، فليجدد إِسْلَامه، وليشهد شَهَادَة الْحق، فَإِنَّهُ مفارق لدين الْإِسْلَام بِالْكُلِّيَّةِ، فضلا عَن أَن يكون من أَوْلِيَاء الله، وَإِنَّمَا هُوَ من أَوْلِيَاء الشَّيْطَان.
وَهَذَا الْموضع مفرق بَين زنادقة الْقَوْم وَأهل الاسْتقَامَة.
القَوْل الثَّالِث: أَنه نَبِي، قَالَه جُمْهُور الْعلمَاء الْمُحَقِّقين.
قَالَ الثَّعْلَبِيّ: هُوَ نَبِي فِي جَمِيع الْأَقْوَال.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْخضر نَبِي عِنْد الْجُمْهُور.
وَقَالَ الْحبرِي الْمُفَسّر وَأَبُو عمر: هُوَ نَبِي. وَذكر الآلوسي نبوته عِنْد الْجُمْهُور
وَقد رجح الْحَافِظ ابْن حجر ﵀ أَيْضا فِي هَذِه الرسَالَة أَنه نَبِي، وَقَالَ:
стр. 30
" وَكَانَ بعض أكَابِر الْعلمَاء يَقُول: أول عقدَة تحل من الزندقة اعْتِقَاد كَون الْخضر نَبيا، لِأَن الزَّنَادِقَة يتذرعون بِكَوْنِهِ غير نَبِي، إِلَى أَن الْوَلِيّ أفضل من النَّبِي كَمَا قَالَ قَائِلهمْ:
(مقَام النُّبُوَّة فِي برزخ ... فويق الرَّسُول وَدون الْوَلِيّ) .
الْأَدِلَّة على نبوة الْخضر ﵇: إِذا تَأمل الْقَارِي فِي أَمر الْخضر، لوجد أَدِلَّة عديدة من الْكتاب وَالسّنة على نبوته.
من الْكتاب: يدل سِيَاق قصَّة الْخضر مَعَ مُوسَى ﵉ الْوَارِدَة فِي سُورَة الْكَهْف من الْقُرْآن الْكَرِيم، على نبوته من وُجُوه: (١) قَوْله تَعَالَى: (فوجدا عبدا من عبادنَا، آتيناه رَحْمَة من عندنَا، وعلمناه من لدنا علما) .
ذكر الآلوسي فِي تَفْسِير (رَحْمَة من عندنَا) ثَلَاثَة أَقْوَال، أَشَارَ إِلَى تضعيفها كلهَا. ثمَّ قَالَ: " وَالْجُمْهُور على أَنَّهَا الْوَحْي والنبوة، وَقد أطلقت على ذَلِك فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن، وَأخرج ذَلِك ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس ... . والمنصور مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وشواهده من الْآيَات وَالْأَخْبَار كَثِيرَة، بمجموعها يكَاد يحصل الْيَقِين ".
стр. 31
(٢) قَول مُوسَى لَهُ: (هَل أتبعك على أَن تعلمني مِمَّا علمت رشدا، قَالَ: إِنَّك لن تَسْتَطِيع معي صبرا، وَكَيف تصبر على مالم تحط بِهِ خَبرا، قَالَ: ستجدني إِن شَاءَ الله صَابِرًا، وَلَا أعصي لَك أمرا، قَالَ: فَإِن اتبعتني فَلَا تسالني عَن شَيْء حَتَّى أحدث لَك مِنْهُ ذكرا) .
فَلَو كَانَ وليا وَلَيْسَ بِنَبِي، لم يخاطبه مُوسَى بِهَذِهِ المخاطبة، وَلم يرد على مُوسَى هَذَا الرَّد، بل مُوسَى إِنَّمَا سَأَلَ صحبته لينال مَا عِنْده من الْعلم الَّذِي اختصه الله بِهِ دونه، فَلَو كَانَ غير نَبِي لم يكن مَعْصُوما، وَلم تكن لمُوسَى وَهُوَ نَبِي عَظِيم وَرَسُول كريم وَاجِب الْعِصْمَة كَبِير رَغْبَة وَلَا عَظِيم طلبة فِي علم ولي غير وَاجِب الْعِصْمَة. . (٣) إِن الْخضر أقدم على قتل ذَلِك الْغُلَام. وَمَا ذَلِك إِلَّا للوحي إِلَيْهِ من الله : وَهَذَا دَلِيل مُسْتَقل على نبوته، وبرهان ظَاهر على عصمته، لِأَن الْوَلِيّ لَا يجوز لَهُ الْإِقْدَام على قتل النُّفُوس بِمُجَرَّد مَا يلقِي فِي خلده، لِأَن خاطره لَيْسَ بِوَاجِب الْعِصْمَة، إِذْ يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ بالِاتِّفَاقِ. (٤) لما فسر الْخضر تَأْوِيل تِلْكَ الأفاعيل لمُوسَى، ووضح لَهُ عَن حَقِيقَة أمره قَالَ بعد ذَلِك كُله: (رَحْمَة من رَبك وَمَا فعلته عَن أَمْرِي) .
يَعْنِي مَا فعلته من تِلْقَاء نَفسِي، بل أمرت بِهِ، وأوحي الي فِيهِ. (٥) قَالَ الله : (عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحدا، إِلَّا من
стр. 32
ارتضى من رَسُول) .
وَقد دلّت قصَّة الْخضر مَعَ مُوسَى أَنه كَانَ مظْهرا على الْغَيْب، وَلَيْسَ ذَلِك لأحد من الْأَوْلِيَاء.
من السّنة: ١ - قَوْله -: " وددت أَن مُوسَى صَبر؛ حَتَّى يقص علينا من أَمرهمَا ".
فِي تمني النَّبِي - هَذَا للاطلاع على مَا يَقع بَينهمَا، دَلِيل على أَن الْخضر كَانَ موحى إِلَيْهِ، وَلَو لم يكن كَذَلِك لما جَازَ هَذَا التَّمَنِّي بِأَن ينْتَظر النَّبِي - أمرا غير موحى من إِنْسَان غير موحى إِلَيْهِ. ٢ - تَأْوِيل الْخضر ﵇ فِي قتل الْغُلَام كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: " وَأما الْغُلَام فطبع يَوْم طبع كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قد عطفا عَلَيْهِ، فَلَو أَنه أدْرك أرهقهما طغيانا وَكفرا. فأردنا أَن يبدلهما ربهما خيرا مِنْهُ زَكَاة وَأقرب رحما ".
وَزَاد فِي رِوَايَة: " وَوَقع أَبوهُ على أمه، فَحملت فَولدت مِنْهُ خيرا مِنْهُ زَكَاة وَأقرب رحما ".
إخْبَاره ﵇ أَن الْغُلَام طبع كَافِرًا وَأَن أَبَاهُ وَقع على أمه فَحملت وَولدت خيرا مِنْهُ لَهو من الْأُمُور الغيبية الْمَحْضَة الَّتِي لَا مجَال للاطلاع عَلَيْهَا إِلَّا من طَرِيق النُّبُوَّة وَالْوَحي. فَذَلِك من أقوى الْأَدِلَّة على أَنه كَانَ نَبيا،
стр. 33
إِن لم يكن رَسُولا. ٣ - وَمن ذَلِك قَول النَّبِي الله -: " لما لقى مُوسَى الْخضر ﵉، جَاءَ طير فَألْقى منقاره فِي المَاء. فَقَالَ الْخضر لمُوسَى: تَدْرِي مَا يَقُول هَذَا الطير؟ قَالَ: وَمَا يَقُول؟ قَالَ: يَقُول: مَا علمك وَعلم مُوسَى فِي علم الله إِلَّا كَمَا أَخذ منقاري من المَاء؟
فَهَذَا صَرِيح فِي أَن الْخضر قد علم منطق الطير، وَهُوَ من الْغَيْب الَّذِي لَا يُعلمهُ الْبشر فَهُوَ فِي هَذَا على نَحْو النَّبِي سُلَيْمَان ﵇ الَّذِي حكى الله عَنهُ فِي الْقُرْآن: (يَا أَيهَا النَّاس علمنَا منطق الطير) . ٤ - حَدِيث أبي ابْن كَعْب الَّذِي ورد فِيهِ " بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلأ من بني اسرائيل إِذْ جَاءَهُ رجل، فَقَالَ: هَل تعلم أحدا أعلم مِنْك؟
قَالَ مُوسَى: لَا. فَأوحى الله إِلَى مُوسَى: بلَى، عَبدنَا خضر ﴿
إِن دلّ تَخْصِيص الله بِتِلْكَ الْأُمُور الغيبية بالخضر دون مُوسَى ﵉ مَعَ أَنه من أولي الْعَزْم من الرُّسُل فَإِنَّمَا يدل على نبوة الْخضر، وَيُؤَيِّدهُ سِيَاق هَذَا الحَدِيث حَيْثُ قَالَ الله " بلَى عَبدنَا خضر﴾ ". وَالله تَعَالَى أعلم.
стр. 34
سَبَب اسْتِمْرَار حَيَاته لَدَى من يرى ذَلِك
ذكر المؤرخون سببين لتعميره، واستمرار حَيَاته:
أَحدهمَا: أَنه دفن آدم بعد خُرُوجهمْ من الطوفان، فنالته دَعْوَة أَبِيه آدم بطول الْحَيَاة.
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِنَّه لَو كَانَ قبل نوح، لركب مَعَه فِي السَّفِينَة. وَلم ينْقل هَذَا أحد.
وَكَذَلِكَ اتّفق الْعلمَاء أَنه لم يبْق غير نسل نوح بعد نُزُوله من السَّفِينَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: (وَجَعَلنَا ذُريَّته هم البَاقِينَ) فَأَيْنَ كَانَ الْخضر؟
وَالثَّانِي: أَنه بلغ مَعَ ذِي القرنين نهر الْحَيَاة، فَشرب من مَائه وَهُوَ لَا يعلم، وَلَا يعلم ذُو القرنين وَمن مَعَه، فخلد، فَهُوَ حَيّ عِنْدهم إِلَى الْآن.
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: " قد روى عَن أهل الْكتاب أَنه شرب من مَاء الْحَيَاة، وَلَا يوثق بقَوْلهمْ ".
آراء الْقَائِلين باستمرار حَيَاته
قد وَردت طَائِفَة كَبِيرَة من الْأَخْبَار والحكايات، تحتوي على لقاءات " الصَّالِحين " مَعَه، وزياراتهم إِيَّاه فِي الفلوات والبراري، والأودية والصحارى؛
стр. 35
وعَلى رحلاته وتنقلاته من بلد إِلَى بلد، وَأَحَادِيثه مَعَ النَّاس، وبذله النصح لَهُم، وتعليمه الْأَدْعِيَة إيَّاهُم وَمَا شاكل ذَلِك. كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْكتاب بالتفصيل مَعَ الرَّد عَلَيْهِ.
قَالَ النَّوَوِيّ: " اخْتلفُوا فِي حَيَاة الْخضر نبوته. قَالَ الْأَكْثَرُونَ من الْعلمَاء هُوَ حَيّ مَوْجُود بَين أظهرنَا، وَذَلِكَ مُتَّفق عَلَيْهِ عِنْد " الصُّوفِيَّة "، و " أهل الصّلاح والمعرفة " وحكاياتهم فِي رُؤْيَته والاجتماع بِهِ، وَالْأَخْذ مِنْهُ، وسؤاله، وَجَوَابه، ووجوده الْمَوَاضِع الشَّرِيفَة ومواطن الْخَيْر " أَكثر من أَن تحصى وَأشهر من أَن تذكر ".
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح: هُوَ حَيّ عِنْد جَمَاهِير " الْعلمَاء الصَّالِحين " والعامة مِنْهُم؛ وَإِنَّمَا شَذَّ بإنكاره بعض الْمُحدثين.
وَأنْشد السُّيُوطِيّ فِي جَوَاب مَسْأَلَة عَن الْخضر:
(للنَّاس خلف شاع فِي الْخضر وَهل ... أودى قَدِيما أوحى بِبَقَاء)
(وَلكُل قَول حجَّة مَشْهُورَة ... تسمو على الجوزاء فِي العلياء)
(والمرتضى قَول الْحَيَاة فكم لَهُ ... حجج تجل الدَّهْر عَن إحصاء)
(خضر وإلياس بِأَرْض مثل مَا ... عِيسَى وَإِدْرِيس بقوا بسماء)
(هَذَا جَوَاب ابْن السُّيُوطِيّ الَّذِي ... يَرْجُو من الرَّحْمَن خير جَزَاء)
وروى عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " نسى للخضر فِي أَجله حَتَّى يكذب الدَّجَّال ".
стр. 36
(هَذَا حَدِيث بَاطِل لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ) .
وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: " يُقَال إِن الْخضر لَا يَمُوت إِلَّا فِي آخر الزَّمَان عِنْد رفع الْقُرْآن ".
(قلت: لَيْسَ عَلَيْهِ أَي دَلِيل من الْكتاب وَالسّنة) .
المناقشة فِي اسْتِمْرَار حَيَاته: لَا يخفى على طَالب الحَدِيث الَّذِي لَهُ أدنى إِلْمَام بقواعد نقد الحَدِيث، أَن الْأَحَادِيث المرفوعة والموقوفة، فِي اسْتِمْرَار حَيَاة الْخضر، وَكَذَلِكَ الْأَخْبَار والحكايات الْوَارِدَة بِهَذَا الصدد، واهية الصُّدُور والإعجاز لَا تقوم بِمِثْلِهَا حجَّة، كَمَا هُوَ مُقَرر فِي قَوَاعِد النَّقْد والتمحيص والبحث والدراسة. وسيتضح على القاريء الْكَرِيم من مطالعة هَذَا الْكتاب، زيف هَذِه الرِّوَايَات فِي ضوء دراسة أسانيدها وفحص متونها، إِن شَاءَ الله.
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ ﵀: " اعْلَم - وفقك الله - أَن البلية فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء تقع من ثَلَاث جِهَات:
(أَحدهَا) : الْجَهْل بالمنقولات، فترى خلقا كثيرا، يروون الشَّيْء مُسْندًا فيبنون عَلَيْهِ، وَلَا يعْرفُونَ صِحَّته من سقمه.
وَهَذِه عِلّة قد عَمت جُمْهُور الْعلمَاء - الْيَوْم - فِي كل فن من الْعُلُوم، فَإِذا قيل لأَحَدهم؛ قَالَ: هُوَ سَمَاعي، وَعِنْدِي بِإِسْنَاد.
وَكم قد أَدخل فِي حَدِيث رَسُول الله - مَا لَيْسَ مِنْهُ. فَكيف بِمثل هَذَا! ؟
(وَالثَّانيَِة) : سَلامَة الصُّدُور وَكَثْرَة الْغَفْلَة، عِنْد قوم من الأخيار، فَيرى أحدهم شخصا فيغيب عَنهُ، أَو يرى مِنْهُ مَا يشبه الْكَرَامَة - وَقد سمع أَقْوَامًا يَقُولُونَ:
стр. 37
الْخضر حَيّ - فَيَقُولُونَ: رَأينَا الْخضر.
وَرُبمَا رأى أحدهم شخصا اسْمه الْخضر، فيتوهمه خضر مُوسَى.
وَرُبمَا لقِيه شَيْطَان من الْإِنْس أَو من الْجِنّ، فَقَالَ لَهُ: أَنا الْخضر، يرِيه أَنَّك رجل صَالح.
(وَالثَّالِثَة) : حب الصيت وَالذكر، وَهُوَ يخْتَص بالملتمسين، فَيَقُول قَائِلهمْ: لقِيت الْخضر، يَجْعَل لَهُ جاها بَين الْعَوام، وَهَؤُلَاء قد اختصروا على دنى الثِّيَاب. ليروا بِعَين الزّهْد، واستعملوا خشوع الْأَبدَان، ليقال عَنْهُم أهل تقوى، وَلم يتعبوا جوارحهم فِي التَّعَبُّد، وَأَن التَّعَبُّد نصب صَعب، وادعاء زهد نصيب سهل، وَقد حذرت مِنْهُ فِي كتابي الْمُسَمّى بتلبيس ابليس.
لَا شكّ أَن ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ حلل النُّصُوص الْوَارِدَة فِي حَيَاة الْخضر ﵇ تَحْلِيل ناقد بَصِير، وَقد كتب كتابا مُسْتقِلّا فِي حَيَاته ثمَّ لخصه فِي رِسَالَة مختصرة.
تَعْبِير صِيغ الْأَقْوَال فِي بَقَائِهِ ولقائه: وَيصدق تَحْلِيله على هَذَا مَا أحصيته، من أَنْوَاع الادعاءات المتنوعة بلقاء الْخضر، الَّتِي لَا يُوجد فِيهَا الْجَزْم بِأَن الشَّخْص الَّذِي لقِيه الْمُدَّعِي كَانَ الْخضر فِي الْحَقِيقَة.
وَيُمكن تَلْخِيص هَذِه الادعاءات فِي النقاط التالية: ١ - الْخضر بِنَفسِهِ يَقُول لمن رَآهُ: أَنا الْخضر ٢ - رؤوا شخصا مَجْهُولا، فَغَاب، فَكَانُوا يرَوْنَ أَنه الْخضر ٣ - رأى الرجل الْمُدعى للقاء الْخضر رجلا، فَظَنهُ، أَو خيل إِلَيْهِ، أَو وَقع فِي نَفسه أَنه الْخضر ٤ - رؤوا رجلا فَقَالُوا: هَذَا الْخضر أَو إلْيَاس؛ أَو مَا أشبه أَن يكون هَذَا الْخضر أَو إلْيَاس، أَو بعض هَؤُلَاءِ الأبدال. ٥ - الرجل الثَّالِث يخبر من لقى أحدا من المجهولين، أَو سمع صَوت أحد، على صفة خَاصَّة، بقوله هَل تَدْرُونَ من هَذَا؟ هَذَا الْخضر! أَو أَنَّك لقِيت الْخضر. ٦ - الرجل بِنَفسِهِ يخبر الآخرين بِأَنِّي رَأَيْت الْخضر، أَو لقِيت الْخضر، أَو حَدثنِي الْخضر أَو عَلمنِي الْخضر. ٧ - رؤوا رجلا مَجْهُولا يعْمل عملا مجيدا، فَقَالُوا: ماهو إِلَّا الْخضر. ٨ - خَافَ الشَّخْص من قَول رجل، فَقَالَ لَهُ الْخَائِف: مَا علمك هَذَا القَوْل إِلَّا الْخضر.
هَذِه هِيَ الملامح الرئيسية فِي الرِّوَايَات الْوَارِدَة فِي وجود الْخضر واستمرار حَيَاته حَتَّى الْيَوْم.
وبمجرد أدنى تفكير فِي سياقها ينْكَشف زيفها، وَضعف أساليبها، وَعدم دلالتها على الْمَعْنى الْمَقْصُود، وَهُوَ اسْتِمْرَار حَيَاته؛ وبالتالي تتبخر ادعاءات لقائهم وزياراتهم لَهُ، فِي " الأودية والصحارى "، و " الْمَوَاضِع الشَّرِيفَة
стр. 38
ومواطن الْخَيْر. " وَمَا إِلَى ذَلِك. وَلذَلِك بعد دراسة هَذِه الرِّوَايَات قَالَ ابْن تَيْمِية ﵀: " وَعَامة مَا يحْكى فِي هَذَا الْبَاب من الحكايات: بَعْضهَا كذب، وَبَعضهَا بنى على ظن رجل، مثل شخص رأى رجلا ظن أَنه الْخضر. وَقَالَ: إِنَّه الْخضر، كَمَا أَن الرافضة ترى شخصا تظن أَنه الإِمَام المنتظر الْمَعْصُوم، أَو تَدعِي ذَلِك. "
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ ﵀: " فوا عجبا! ألهم فِيهِ عَلامَة يعْرفُونَ بهَا؟ وَهل يجوز لعاقل أَن يلقى شخصا، فَيَقُول لَهُ الشَّخْص: أَنا الْخضر، فيصدقه. ".
وَقْفَة مَعَ الصُّوفِيَّة فِي حَيَاة الْخضر: رُبمَا يحْتَج الْقَائِلُونَ بحياته بِكَلَام الصُّوفِيَّة، وَإِنَّمَا يحْتَج بِهَذَا من لَيْسَ لَهُ معرفَة باصطلاحات الصُّوفِيَّة، وإشاراتهم وَذَلِكَ أَن لَهُم اصْطِلَاحَات مَخْصُوصَة قد ألفوا لَهَا كتبا يعرف مِنْهَا. وكشف النقاب عَن هَذِه المسئلة على مصطلحهم أَنهم يشيرون إِلَى مقَام الْأنس والصفاء والانشراح بالخضر؛ وَإِلَى مقَام الْيَأْس وَالْقَبْض بإلياس.
وَمثل هَذَا مَا يحْكى عَن الْإِسْكَنْدَر أَنه دخل الظُّلُمَات، وَكَانَ الْخضر وزيره فَأخذ يبْحَث عَن عين الْحَيَاة فظفر بهَا الْخضر فَشرب مِنْهَا فحيى حَيَاة الْأَبَد وَلم يظفر بهَا إلاسكندر.
وَهَذَا - على اصطلاحهم - بِظَاهِرِهِ بَاطِل، وَحَقِيقَته أَن الأقدمين ضربوه مِثَالا للروح وسموها الْخضر، وللجسم وسموها الْإِسْكَنْدَر، فَكل من الْجِسْم وَالروح حَرِيص على الْبَقَاء فِي دَار الدُّنْيَا، إِلَّا أَن الرّوح نَالَتْ أمنيتها
стр. 39
فَلَا تفني، والجسد لم ينل أمْنِيته فَهُوَ الفاني.
وَقد صرح بذلك كثير مِنْهُم، كَابْن عَرَبِيّ الطَّائِي فِي رِسَالَة كشف بهَا اصْطِلَاحه فِي الفتوحات.
وَقد ذكر ابْن عَرَبِيّ، رَأس الطَّائِفَة الصُّوفِيَّة فِي تَفْسِير: (وَإِذ قَالَ مُوسَى لفتاه لَا أَبْرَح حَتَّى أبلغ مجمع الْبَحْرين أَو أمضي حقبا)
" ظَاهره على مَا ذكر فِي الْقَصَص، وَلَا سَبِيل إِلَى إِنْكَار المعجزات ".
أما بَاطِنه فَإِن يُقَال: وَإِذ قَالَ مُوسَى الْقلب لفتى النَّفس وَقت التَّعَلُّق بِالْبدنِ (لَا أَبْرَح) أَي لَا أَنْفك عَن السّير والمسافرة، أَو لَا أَزَال أَسِير (حَتَّى أبلغ مجمع الْبَحْرين) أَي ملتقى الْعَالمين، عَالم الرّوح وعالم الْجِسْم، وهما الْعَذَاب والأجاج فِي صُورَة إلانسانية ومقام الْقلب. ".
وَقَالَ فِي تَفْسِير: (ذَلِك مَا كُنَّا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا ... . .) أَي تملص الْحُوت، واتخاذه سَبيله الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي جبلته، مَا كُنَّا نطلبه، لِأَن هُنَاكَ مجمع الْبَحْرين الَّذِي وعد مُوسَى عِنْده بِوُجُود من هُوَ أعلم مِنْهُ، إِذْ الترقى إِلَى الْكَمَال بمتابعة الْعقل الْقُدسِي لَا يكون يلاقى هَذَا الْمقَام. (فارتدا على آثارهما) فِي الترقي إِلَى مقَام الْفطْرَة الأولى كَمَا كَانَا أَولا، " يقصان " أَي يتبعان آثارهما عِنْد الهبوط فِي الترقي إِلَى الْكَمَال، (فوجدا عبدا من عبادنَا) حَتَّى وجدا الْعقل الْقُدسِي، وَهُوَ عبد من عباد الله، مَخْصُوص بمزية عناية وَرَحْمَة: (آتيناه رَحْمَة من عندنَا) أَي كمالا معنويا بالتجرد عَن الْموَاد، والتقدس عَن الْجِهَات، والتورية الْمَحْضَة الَّتِي هِيَ آثَار الْقرب والعندية (علمناه من لدنا علما) من المعارف القدسية والحقائق الْكُلية اللدنية بِلَا وَاسِطَة تَعْلِيم بشري ".
هَذَا تَفْسِيره للآيات الَّتِي تتَعَلَّق بمُوسَى وفتاه وَالْخضر - عَلَيْهِم
стр. 40
السَّلَام - وَلَا نجد ذكرهم فِي تَفْسِيره كَمَا ثَبت بالأحاديث الصَّحِيحَة، بل مُوسَى عِنْدهم الْقلب، وفتاه: النَّفس، وَالْخضر هُوَ الْعقل الْقُدسِي.
هَكَذَا هم يَقُولُونَ بحياة الْخضر، ولقائهم وزيارتهم لَهُ، فَمن لَا يعرف اصطلاحهم يعْتَقد الْكَلَام على ظَاهره. وَفِي الْحَقِيقَة هم يُرِيدُونَ بِهِ خلاف الظَّاهِر.
آراء المنكرين لاستمرار حَيَاته
رَجَعَ الْمُحَقِّقُونَ من أَصْحَاب الحَدِيث وَالْعُلَمَاء الآخرين أَن الْخضر مَاتَ، كَمَا مَاتَ غَيره من الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ، مِنْهُم: الإِمَام البُخَارِيّ، وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ، وَأَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي، وَشرف الدّين أَبُو عبد الله المرسي، وَأَبُو طَاهِر الْعَبَّادِيّ، وَأَبُو يعلي الْحَنْبَلِيّ، وَأَبُو الْفضل بن نَاصِر، وَأَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ، وَأَبُو بكر بن النقاش، وَغَيرهم، رَحِمهم الله تَعَالَى.
قَالَ ابْن قيم الجوزية: " لم يَصح فِي حَيَاته حَدِيث وَاحِد ". وستظهر صِحَة مَا قَالَه ابْن الْقيم من مطالعة هَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله.
وَقْفَة مَعَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي حَيَاة الْخضر: سُئِلَ ابْن تَيْمِية ﵀ عَن الْخضر وإلياس، هَل هما معمران؟ قَالَ: " إنَّهُمَا ليسَا فِي الْأَحْيَاء، وَلَا معمران، وَقد سَأَلَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ أَحْمد بن حَنْبَل عَن تعمير الْخضر وإلياس، يرويان، ويروي عَنْهُمَا فَقَالَ الإِمَام
следующие страницы →