← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 5738

الزهر النضر في حال الخضر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (162 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

(هَذَا حَدِيث بَاطِل لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ) . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: " يُقَال إِن الْخضر لَا يَمُوت إِلَّا فِي آخر الزَّمَان عِنْد رفع الْقُرْآن ". (قلت: لَيْسَ عَلَيْهِ أَي دَلِيل من الْكتاب وَالسّنة) . المناقشة فِي اسْتِمْرَار حَيَاته: لَا يخفى على طَالب الحَدِيث الَّذِي لَهُ أدنى إِلْمَام بقواعد نقد الحَدِيث، أَن الْأَحَادِيث المرفوعة والموقوفة، فِي اسْتِمْرَار حَيَاة الْخضر، وَكَذَلِكَ الْأَخْبَار والحكايات الْوَارِدَة بِهَذَا الصدد، واهية الصُّدُور والإعجاز لَا تقوم بِمِثْلِهَا حجَّة، كَمَا هُوَ مُقَرر فِي قَوَاعِد النَّقْد والتمحيص والبحث والدراسة. وسيتضح على القاريء الْكَرِيم من مطالعة هَذَا الْكتاب، زيف هَذِه الرِّوَايَات فِي ضوء دراسة أسانيدها وفحص متونها، إِن شَاءَ الله. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ ﵀: " اعْلَم - وفقك الله - أَن البلية فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء تقع من ثَلَاث جِهَات: (أَحدهَا) : الْجَهْل بالمنقولات، فترى خلقا كثيرا، يروون الشَّيْء مُسْندًا فيبنون عَلَيْهِ، وَلَا يعْرفُونَ صِحَّته من سقمه. وَهَذِه عِلّة قد عَمت جُمْهُور الْعلمَاء - الْيَوْم - فِي كل فن من الْعُلُوم، فَإِذا قيل لأَحَدهم؛ قَالَ: هُوَ سَمَاعي، وَعِنْدِي بِإِسْنَاد. وَكم قد أَدخل فِي حَدِيث رَسُول الله - مَا لَيْسَ مِنْهُ. فَكيف بِمثل هَذَا! ؟ (وَالثَّانيَِة) : سَلامَة الصُّدُور وَكَثْرَة الْغَفْلَة، عِنْد قوم من الأخيار، فَيرى أحدهم شخصا فيغيب عَنهُ، أَو يرى مِنْهُ مَا يشبه الْكَرَامَة - وَقد سمع أَقْوَامًا يَقُولُونَ:

стр. 37

الْخضر حَيّ - فَيَقُولُونَ: رَأينَا الْخضر. وَرُبمَا رأى أحدهم شخصا اسْمه الْخضر، فيتوهمه خضر مُوسَى. وَرُبمَا لقِيه شَيْطَان من الْإِنْس أَو من الْجِنّ، فَقَالَ لَهُ: أَنا الْخضر، يرِيه أَنَّك رجل صَالح. (وَالثَّالِثَة) : حب الصيت وَالذكر، وَهُوَ يخْتَص بالملتمسين، فَيَقُول قَائِلهمْ: لقِيت الْخضر، يَجْعَل لَهُ جاها بَين الْعَوام، وَهَؤُلَاء قد اختصروا على دنى الثِّيَاب. ليروا بِعَين الزّهْد، واستعملوا خشوع الْأَبدَان، ليقال عَنْهُم أهل تقوى، وَلم يتعبوا جوارحهم فِي التَّعَبُّد، وَأَن التَّعَبُّد نصب صَعب، وادعاء زهد نصيب سهل، وَقد حذرت مِنْهُ فِي كتابي الْمُسَمّى بتلبيس ابليس. لَا شكّ أَن ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ حلل النُّصُوص الْوَارِدَة فِي حَيَاة الْخضر ﵇ تَحْلِيل ناقد بَصِير، وَقد كتب كتابا مُسْتقِلّا فِي حَيَاته ثمَّ لخصه فِي رِسَالَة مختصرة. تَعْبِير صِيغ الْأَقْوَال فِي بَقَائِهِ ولقائه: وَيصدق تَحْلِيله على هَذَا مَا أحصيته، من أَنْوَاع الادعاءات المتنوعة بلقاء الْخضر، الَّتِي لَا يُوجد فِيهَا الْجَزْم بِأَن الشَّخْص الَّذِي لقِيه الْمُدَّعِي كَانَ الْخضر فِي الْحَقِيقَة. وَيُمكن تَلْخِيص هَذِه الادعاءات فِي النقاط التالية: ١ - الْخضر بِنَفسِهِ يَقُول لمن رَآهُ: أَنا الْخضر ٢ - رؤوا شخصا مَجْهُولا، فَغَاب، فَكَانُوا يرَوْنَ أَنه الْخضر ٣ - رأى الرجل الْمُدعى للقاء الْخضر رجلا، فَظَنهُ، أَو خيل إِلَيْهِ، أَو وَقع فِي نَفسه أَنه الْخضر ٤ - رؤوا رجلا فَقَالُوا: هَذَا الْخضر أَو إلْيَاس؛ أَو مَا أشبه أَن يكون هَذَا الْخضر أَو إلْيَاس، أَو بعض هَؤُلَاءِ الأبدال. ٥ - الرجل الثَّالِث يخبر من لقى أحدا من المجهولين، أَو سمع صَوت أحد، على صفة خَاصَّة، بقوله هَل تَدْرُونَ من هَذَا؟ هَذَا الْخضر! أَو أَنَّك لقِيت الْخضر. ٦ - الرجل بِنَفسِهِ يخبر الآخرين بِأَنِّي رَأَيْت الْخضر، أَو لقِيت الْخضر، أَو حَدثنِي الْخضر أَو عَلمنِي الْخضر. ٧ - رؤوا رجلا مَجْهُولا يعْمل عملا مجيدا، فَقَالُوا: ماهو إِلَّا الْخضر. ٨ - خَافَ الشَّخْص من قَول رجل، فَقَالَ لَهُ الْخَائِف: مَا علمك هَذَا القَوْل إِلَّا الْخضر. هَذِه هِيَ الملامح الرئيسية فِي الرِّوَايَات الْوَارِدَة فِي وجود الْخضر واستمرار حَيَاته حَتَّى الْيَوْم. وبمجرد أدنى تفكير فِي سياقها ينْكَشف زيفها، وَضعف أساليبها، وَعدم دلالتها على الْمَعْنى الْمَقْصُود، وَهُوَ اسْتِمْرَار حَيَاته؛ وبالتالي تتبخر ادعاءات لقائهم وزياراتهم لَهُ، فِي " الأودية والصحارى "، و " الْمَوَاضِع الشَّرِيفَة

стр. 38

ومواطن الْخَيْر. " وَمَا إِلَى ذَلِك. وَلذَلِك بعد دراسة هَذِه الرِّوَايَات قَالَ ابْن تَيْمِية ﵀: " وَعَامة مَا يحْكى فِي هَذَا الْبَاب من الحكايات: بَعْضهَا كذب، وَبَعضهَا بنى على ظن رجل، مثل شخص رأى رجلا ظن أَنه الْخضر. وَقَالَ: إِنَّه الْخضر، كَمَا أَن الرافضة ترى شخصا تظن أَنه الإِمَام المنتظر الْمَعْصُوم، أَو تَدعِي ذَلِك. " وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ ﵀: " فوا عجبا! ألهم فِيهِ عَلامَة يعْرفُونَ بهَا؟ وَهل يجوز لعاقل أَن يلقى شخصا، فَيَقُول لَهُ الشَّخْص: أَنا الْخضر، فيصدقه. ". وَقْفَة مَعَ الصُّوفِيَّة فِي حَيَاة الْخضر: رُبمَا يحْتَج الْقَائِلُونَ بحياته بِكَلَام الصُّوفِيَّة، وَإِنَّمَا يحْتَج بِهَذَا من لَيْسَ لَهُ معرفَة باصطلاحات الصُّوفِيَّة، وإشاراتهم وَذَلِكَ أَن لَهُم اصْطِلَاحَات مَخْصُوصَة قد ألفوا لَهَا كتبا يعرف مِنْهَا. وكشف النقاب عَن هَذِه المسئلة على مصطلحهم أَنهم يشيرون إِلَى مقَام الْأنس والصفاء والانشراح بالخضر؛ وَإِلَى مقَام الْيَأْس وَالْقَبْض بإلياس. وَمثل هَذَا مَا يحْكى عَن الْإِسْكَنْدَر أَنه دخل الظُّلُمَات، وَكَانَ الْخضر وزيره فَأخذ يبْحَث عَن عين الْحَيَاة فظفر بهَا الْخضر فَشرب مِنْهَا فحيى حَيَاة الْأَبَد وَلم يظفر بهَا إلاسكندر. وَهَذَا - على اصطلاحهم - بِظَاهِرِهِ بَاطِل، وَحَقِيقَته أَن الأقدمين ضربوه مِثَالا للروح وسموها الْخضر، وللجسم وسموها الْإِسْكَنْدَر، فَكل من الْجِسْم وَالروح حَرِيص على الْبَقَاء فِي دَار الدُّنْيَا، إِلَّا أَن الرّوح نَالَتْ أمنيتها

стр. 39

فَلَا تفني، والجسد لم ينل أمْنِيته فَهُوَ الفاني. وَقد صرح بذلك كثير مِنْهُم، كَابْن عَرَبِيّ الطَّائِي فِي رِسَالَة كشف بهَا اصْطِلَاحه فِي الفتوحات. وَقد ذكر ابْن عَرَبِيّ، رَأس الطَّائِفَة الصُّوفِيَّة فِي تَفْسِير: (وَإِذ قَالَ مُوسَى لفتاه لَا أَبْرَح حَتَّى أبلغ مجمع الْبَحْرين أَو أمضي حقبا) " ظَاهره على مَا ذكر فِي الْقَصَص، وَلَا سَبِيل إِلَى إِنْكَار المعجزات ". أما بَاطِنه فَإِن يُقَال: وَإِذ قَالَ مُوسَى الْقلب لفتى النَّفس وَقت التَّعَلُّق بِالْبدنِ (لَا أَبْرَح) أَي لَا أَنْفك عَن السّير والمسافرة، أَو لَا أَزَال أَسِير (حَتَّى أبلغ مجمع الْبَحْرين) أَي ملتقى الْعَالمين، عَالم الرّوح وعالم الْجِسْم، وهما الْعَذَاب والأجاج فِي صُورَة إلانسانية ومقام الْقلب. ". وَقَالَ فِي تَفْسِير: (ذَلِك مَا كُنَّا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا ... . .) أَي تملص الْحُوت، واتخاذه سَبيله الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي جبلته، مَا كُنَّا نطلبه، لِأَن هُنَاكَ مجمع الْبَحْرين الَّذِي وعد مُوسَى عِنْده بِوُجُود من هُوَ أعلم مِنْهُ، إِذْ الترقى إِلَى الْكَمَال بمتابعة الْعقل الْقُدسِي لَا يكون يلاقى هَذَا الْمقَام. (فارتدا على آثارهما) فِي الترقي إِلَى مقَام الْفطْرَة الأولى كَمَا كَانَا أَولا، " يقصان " أَي يتبعان آثارهما عِنْد الهبوط فِي الترقي إِلَى الْكَمَال، (فوجدا عبدا من عبادنَا) حَتَّى وجدا الْعقل الْقُدسِي، وَهُوَ عبد من عباد الله، مَخْصُوص بمزية عناية وَرَحْمَة: (آتيناه رَحْمَة من عندنَا) أَي كمالا معنويا بالتجرد عَن الْموَاد، والتقدس عَن الْجِهَات، والتورية الْمَحْضَة الَّتِي هِيَ آثَار الْقرب والعندية (علمناه من لدنا علما) من المعارف القدسية والحقائق الْكُلية اللدنية بِلَا وَاسِطَة تَعْلِيم بشري ". هَذَا تَفْسِيره للآيات الَّتِي تتَعَلَّق بمُوسَى وفتاه وَالْخضر - عَلَيْهِم

стр. 40

السَّلَام - وَلَا نجد ذكرهم فِي تَفْسِيره كَمَا ثَبت بالأحاديث الصَّحِيحَة، بل مُوسَى عِنْدهم الْقلب، وفتاه: النَّفس، وَالْخضر هُوَ الْعقل الْقُدسِي. هَكَذَا هم يَقُولُونَ بحياة الْخضر، ولقائهم وزيارتهم لَهُ، فَمن لَا يعرف اصطلاحهم يعْتَقد الْكَلَام على ظَاهره. وَفِي الْحَقِيقَة هم يُرِيدُونَ بِهِ خلاف الظَّاهِر. آراء المنكرين لاستمرار حَيَاته رَجَعَ الْمُحَقِّقُونَ من أَصْحَاب الحَدِيث وَالْعُلَمَاء الآخرين أَن الْخضر مَاتَ، كَمَا مَاتَ غَيره من الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ، مِنْهُم: الإِمَام البُخَارِيّ، وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ، وَأَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي، وَشرف الدّين أَبُو عبد الله المرسي، وَأَبُو طَاهِر الْعَبَّادِيّ، وَأَبُو يعلي الْحَنْبَلِيّ، وَأَبُو الْفضل بن نَاصِر، وَأَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ، وَأَبُو بكر بن النقاش، وَغَيرهم، رَحِمهم الله تَعَالَى. قَالَ ابْن قيم الجوزية: " لم يَصح فِي حَيَاته حَدِيث وَاحِد ". وستظهر صِحَة مَا قَالَه ابْن الْقيم من مطالعة هَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله. وَقْفَة مَعَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي حَيَاة الْخضر: سُئِلَ ابْن تَيْمِية ﵀ عَن الْخضر وإلياس، هَل هما معمران؟ قَالَ: " إنَّهُمَا ليسَا فِي الْأَحْيَاء، وَلَا معمران، وَقد سَأَلَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ أَحْمد بن حَنْبَل عَن تعمير الْخضر وإلياس، يرويان، ويروي عَنْهُمَا فَقَالَ الإِمَام

стр. 41

أَحْمد: " من أحَال على غَائِب لم ينصف مِنْهُ، وَمَا ألْقى هَذَا إِلَّا شَيْطَان. " وَقَالَ فِي فَتَاوَاهُ: " وَسُئِلَ البُخَارِيّ عَن الْخضر وإلياس، هَل هما فِي الْأَحْيَاء؟ فَقَالَ: كَيفَ يكون هَذَا، وَقد قَالَ النَّبِي -: " لَا يبْقى على رَأس مائَة سنة مِمَّن هُوَ الْيَوْم على ظهر الأَرْض أحد. " وَقَالَ فِي فَتَاوَاهُ: " وَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَأَنه لم يدْرك الْإِسْلَام، وَلَو كَانَ مَوْجُودا فِي زمن النَّبِي - لوَجَبَ عَلَيْهِ أَن يُؤمن بِهِ ويجاهد مَعَه، كَمَا أوجب الله ذَلِك عَلَيْهِ وعَلى غَيره، ولكان يكون فِي مَكَّة وَالْمَدينَة ... . " وَقد نقل عَنهُ تِلْمِيذه ابْن الْقيم، فَقَالَ: " سُئِلَ عَنهُ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ فَقَالَ: لَو كَانَ الْخضر حَيا لوَجَبَ عَلَيْهِ أَن يَأْتِي النَّبِي - ويجاهد بَين يَدَيْهِ، ويتعلم مِنْهُ. وَقد قَالَ النَّبِي - يَوْم بدر: " اللَّهُمَّ ان تهْلك هَذِه الْعِصَابَة لَا تعبد فِي الأَرْض " وَكَانُوا ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر رجلا معروفين بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم وقبائلهم، فَأَيْنَ كَانَ الْخضر حِينَئِذٍ " تَحْقِيق فَتْوَى من فَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية مَعَ هَذِه الْأَقْوَال والآراء المثبوتة الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي إِنْكَار حَيَاة الْخضر،

стр. 42

من فَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية، نجد فَتْوَى من فَتَاوَاهُ مَا نَصهَا: سُئِلَ الشَّيْخ ﵀: هَل كَانَ الْخضر ﵇ نَبيا أَو وليا؟ وَهل هُوَ حَيّ إِلَى الْآن؟ وَإِن كَانَ حَيا فَمَا تَقولُونَ فِيمَا روى عَن النَّبِي - أَنه قَالَ: " لَو كَانَ حَيا لزارني " هَل هَذَا الحَدِيث صَحِيح أم لَا؟ فَأجَاب: أما نبوته: فَمن بعد مبعث رَسُول الله - لم يُوح إِلَيْهِ، وَلَا إِلَى غَيره من النَّاس. وَأما قبل مبعث النَّبِي - فقد اخْتلف فِي نبوته. وَمن قَالَ: إِنَّه نَبِي، لم يقل: إِنَّه سلب النُّبُوَّة، بل يَقُول: هُوَ كإلياس نَبِي، وَلكنه لم يُوح إِلَيْهِ فِي هَذِه الْأَوْقَات، وَترك الْوَحْي إِلَيْهِ فِي مُدَّة مُعينَة لَيْسَ نفيا لحقيقة النُّبُوَّة، كَمَا لَو فتر الْوَحْي عَن النَّبِي - فِي أثْنَاء مُدَّة رسَالَته. وأكثرالعلماء على أَنه لم يكن نَبيا، مَعَ أَن نبوة من قبلنَا يقرب كثير مِنْهَا من الْكَرَامَة والكمال فِي الْأمة. وَإِن كَانَ كل وَاحِد من النَّبِيين أفضل من كل وَاحِد من الصديقين، كَمَا رتبه الْقُرْآن. وكما روى النَّبِي - أَنه قَالَ: " مَا طلعت الشَّمْس وَلَا غربت، على أحد بعد النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ أفضل

стр. 43

من أبي بكر الصّديق ". وروى عَنهُ - أَنه قَالَ: " إِن كَانَ الرجل ليسمع الصَّوْت فَيكون نَبيا ". وَفِي هَذِه الْأمة من يسمعهُ وَيرى الضَّوْء وَلَيْسَ بِنَبِي؛ لِأَن مَا يرَاهُ ويسمعه يجب أَن يعرضه على مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد - فَإِن وَافقه فَهُوَ حق، وان خَالفه تَيَقّن أَن الَّذِي جَاءَ من عِنْد الله يَقِين لَا يخالطه ريب، وَلَا يحوجه أَن يشْهد عَلَيْهِ بموافقة غَيره. وَأما حَيَاته: فَهُوَ حَيّ والْحَدِيث الْمَذْكُور لَا أصل لَهُ، وَلَا يعرف لَهُ إِسْنَاد بل الْمَرْوِيّ فِي مُسْند الشَّافِعِي وَغَيره:

стр. 44

أَنه اجْتمع بِالنَّبِيِّ -. وَمن قَالَ: إِنَّه لم يجْتَمع بِالنَّبِيِّ - فقد قَالَ مَا لَا علم لَهُ بِهِ، فانه من الْعلم الَّذِي لَا يحاط بِهِ. وَمن احْتج على وَفَاته بقول النَّبِي -: " أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه، فانه على رَأس مائَة سنة لَا يبْقى على وَجه الأَرْض مِمَّن هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْم أحد ". فَلَا حجَّة فِيهِ فَإِنَّهُ يُمكن أَن [لَا] يكون الْخضر اذ ذَاك على وَجه الأَرْض.

стр. 45

وَلِأَن الدَّجَّال، - وَكَذَلِكَ الْجَسَّاسَة - الصَّحِيح أَنه كَانَ حَيا مَوْجُودا على عهد النَّبِي - وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْيَوْم لم يخرج، وَكَانَ فِي جَزِيرَة من جزائر الْبَحْر.

стр. 46

نقد الْجُزْء الْأَخير من هَذِه الْفَتْوَى كل من لَهُ إِلْمَام بكتابات ابْن تَيْمِية ﵀ الَّتِي ترد على اسْتِمْرَار حَيَاة الْخضر، يفاجأ بالجزء الْأَخير من هَذِه الْفَتْوَى، الَّذِي يثبت حَيَاته، وَلَا يُوجد لَهُ مثنى فِي جَمِيع ارائه وكتاباته، ويجد نَفسه أَمَام عدَّة تساؤلات من أهمها: لماذا اسْتدلَّ ابْن تَيْمِية ﵀ هَهُنَا بِالْحَدِيثِ على اجْتِمَاع الْخضر بِالنَّبِيِّ -، وَقد رد على بَقَائِهِ فِي أَكثر من مَوضِع وَقَالَ: " وَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، أَنه لم يدْرك الْإِسْلَام ... " فَكيف اجْتمع بِالنَّبِيِّ -. ولماذا أول - هَهُنَا - الحَدِيث الصَّحِيح " أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه ... " بِأَنَّهُ يُمكن أَن لَا يكون الْخضر اذ ذَاك على وَجه الأَرْض؛ وَقد نقل ﵀ اسْتِدْلَال البُخَارِيّ ﵀ بِالْحَدِيثِ نَفسه على عدم بَقَائِهِ، فِي فَتَاوَاهُ، وَسكت - هُنَاكَ - وَلم يرد عَلَيْهِ حسب عَادَته وَلَا على غَيره، أَيْضا مِمَّن نقل ﵀ عَنْهُم، عدم بَقَاء الْخضر، كَالْإِمَامِ أَحْمد وَغَيره. ولماذا اسْتدلَّ بِحَدِيث النَّبِي - الْوَارِد فِي غَزْوَة بدر: " اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة، لَا تعبد فِي الأَرْض " على عدم بَقَائِهِ، بِحَيْثُ لَو كَانَ مَوْجُودا، لوَجَبَ عَلَيْهِ أَن يُجَاهد مَعَ النَّبِي - وَمَعَ أَصْحَابه - رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ - فِي هَذِه الفترة العصيبة من التَّارِيخ الإسلامي، الَّتِي مرت بِالْمُسْلِمين، حَتَّى قَالَ النَّبِي - قَوْله السَّابِق.

стр. 47

وَالْمُجَاهِدُونَ فِي هَذِه الْغَزْوَة الفاصلة بَين الْحق وَالْبَاطِل كَانُوا ثَلَاثَة عشر وثلاثمائة رجل، معروفين بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم وقبائلهم ... فَأَيْنَ كَانَ الْخضر حِينَئِذٍ! ؟ ولماذا ترك تِلْمِيذه الملازم الْبَار شمس الدّين بن الْقيم، رأى أستاذه فِي اسْتِمْرَار حَيَاة الْخضر، وَنقل عَنهُ رَأْيه فِي عدم بَقَائِهِ فَقَط. ورد إِلَى ذَلِك أَنه ذكر فِي كِتَابه " أَسمَاء مؤلفات ابْن تَيْمِية " رِسَالَة فِي الْخضر هَل مَاتَ أم هُوَ حَيّ؟ ورسالة بعنوان التَّحْرِير فِي مسالة الْخضر (مُجَلد) . لَا بُد أَن تنشأ هَذِه التساؤلات وَغَيرهَا فِي ذهن القاريء، وتتطلب مِنْهُ الْإِجَابَة عَنْهَا. وَلَا يُمكن الْإِجَابَة عَنْهَا إِلَّا أَن تعرف بِأَن هَذِه الْفَتْوَى لَا تَخْلُو من إِحْدَى ثَلَاث أَحْوَال: ١ - إِمَّا أَن يُقَال بِأَن قَول ابْن تَيْمِية بحياة الْخضر، قَوْله الْأَخير الرَّاجِح. وَلكنه مَدْفُوع بِأَن استدلاله على إِنْكَار حَيَاته أقوى وادل مِنْهُ على بَقَائِهِ. وَكَذَلِكَ اراؤه فِي إِنْكَار حَيَاته كَثِيرَة، وَفِي أَكثر من مَوضِع، وَقَوله فِي بَقَائِهِ لَا يُوجد إِلَّا فِي مَوضِع وَاحِد. وَهَذَا خلاف مَنْهَج ابْن تَيْمِية الْمَعْرُوف، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما يرى شَيْئا يذكرهُ فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة وبادنى المناسبات. ٢ - وَإِمَّا أَن يُقَال بِأَن القَوْل بحياته قَوْله الْمُتَقَدّم، وَالْقَوْل الْمُتَأَخر الرَّاجِح هُوَ إِنْكَار حَيَاته، وَلذَلِك يُوجد الرَّأْي الْأَخير فِي أَكثر من مَوضِع. وَهَذَا أقرب إِلَى الصِّحَّة وَالتَّحْقِيق، نظرا إِلَى صلابة ابْن تَيْمِية فِي الْأُمُور

стр. 48

العقائدية، وتمسكه بِالْكتاب وَالسّنة الصَّحِيحَة. وَأَيْضًا بِدَلِيل أَن ابْن الْقيم نقل عَنهُ إِنْكَار حَيَاته، فَلَو كَانَ مرجوحا، أَو رَأيا مُتَقَدما لما نقل عَنهُ. وَقد مضى أَنه ذكر فِي كِتَابه " أَسمَاء مؤلفات ابْن تَيْمِية " كتابين لَهُ فِي الْخضر. ٣ - وَأما أَن يُقَال بِأَنَّهُ لم تثبت صِحَة نِسْبَة القَوْل بحياة الْخضر إِلَى ابْن تَيْمِية بتاتا، فَيعْتَبر مدسوسا عَلَيْهِ. مهما يكن من الْأَمر، تُوجد عدَّة أَسبَاب تقوى أحد الرأيين الْأَخيرينِ، وَمن أهمها: تَعْلِيق الشَّيْخ / عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن قَاسم العاصمي النجدي الْحَنْبَلِيّ (جَامع فَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام) على هَذِه الْفَتْوَى بقوله: " هَكَذَا وجدت هَذِه الرسَالَة ". وَمن عَادَة جَامع الْفَتَاوَى بِأَنَّهُ لَا يعلق مثل هَذِه التعليقات، وَلكنه - فِي نَظَرِي - اضْطر إِلَى هَذَا التَّعْلِيق فِي هَذَا الْمَكَان، لما راى فِيهِ من رَأْي شَاذ حول حَيَاة الْخضر، يُخَالف جَمِيع اراء شيخ الْإِسْلَام، فنبه عَلَيْهِ. وَهَذَا التَّعْلِيق من مُرَتّب الْفَتَاوَى الَّذِي لَهُ اطلَاع وَاسع ودقيق على جَمِيع كتابات ابْن تَيْمِية الْمَوْجُودَة، مثير للشَّكّ؛ وَلَا ريب أَنه تَعْلِيق دَقِيق ووجيه فِي مَحَله، وَلَا بُد مِنْهُ. هَذَا، وَقد وجدت فَتْوَى مختصرة من فَتَاوَى الشَّيْخ أبي عَمْرو بن الصّلاح (٦٤٣ هـ) ، تثبت حَيَاة الْخضر، وتشبهها فَتْوَى شيخ الْإِسْلَام هَذِه فِي الْمَعْنى، والمبني - أَيْضا - إِلَى حد مَا، كَمَا يَلِي: (مَسْأَلَة) . وَالْخضر ﵇، هَل ورد أَنه حَيّ إِلَى الْوَقْت الْمَعْلُوم؟ وَهل هُوَ ولي أَو نَبِي أم لَا؟ (اجاب) وَأما

стр. 49

الْخضر ﵇ فَهُوَ من الْأَحْيَاء عِنْد جَمَاهِير الْخَاصَّة من الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ، والعامة مَعَهم فِي ذَلِك. وَإِنَّمَا شَذَّ بإنكار ذَلِك بعض أهل الحَدِيث. وَهُوَ - صلى الله عَلَيْهِ، وعَلى نَبينَا، والنبيين، وَآل كل، وَسلم - نَبِي. وَاخْتلفُوا فِي كَونه مُرْسلا. وَالله اعْلَم ". لَا يفوتني أَن اقول مكررا: إِن الْجُزْء الْأَخير من هَذِه الْفَتْوَى الَّتِي نَحن بصدد الْبَحْث عَنْهَا، لَا يتَّفق صلابة عقيدة ابْن تَيْمِية، وتمسكه الشَّديد بِالْكتاب وَالسّنة، وتبحره فِي علومها، وَلَا يُمكن - عِنْدِي - أَن يعْتَقد فِي الْخضر مَا يُخَالف صَرِيح الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول. فبالنظر إِلَى ذَلِك لما وجدت هَذَا الرَّأْي الشاذ، فِي هَذَا السّفر الديني الْعَظِيم، وَهَذِه الموسوعة الْفِقْهِيَّة الْكَبِيرَة، وَهَذِه الخزانة العلمية الهادفة (مَجْمُوع فَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام) قُمْت بتحقيقه وتخريجه ونقده - بِفضل الله ، ليَكُون القاريء على بَيِّنَة من الْأَمر، ويتبين لَدَيْهِ الْخَطَأ من الصَّوَاب. فَإِن أصبت فِي ذَلِك فَمن الله ، وَإِن أَخْطَأت فَمن الشَّيْطَان. ونعوذ بِاللَّه من ذَلِك. إِنْكَار ابْن الْجَوْزِيّ على اسْتِمْرَار حَيَاة الْخضر ذكر ابْن الْقيم ﵀ رد ابْن الْجَوْزِيّ على حَيَاة الْخضر فَقَالَ: " " قَالَ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ ": " وَالدَّلِيل على أَن الْخضر لَيْسَ بباق

стр. 50

فِي الدُّنْيَا أَرْبَعَة أَشْيَاء الْقُرْآن وَالسّنة وَإِجْمَاع الْمُحَقِّقين من الْعلمَاء والمعقول. أما الْقُرْآن: فَقَوله تَعَالَى: (وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد افإن مت فهم الخالدون) فَلَو دَامَ الْخضر كَانَ خَالِدا. وَأما السّنة: فَذكر حَدِيث: " أريتكم ليلتكم هَذِه؟ فَإِن على رَأس مائَة

стр. 51

سنة مِنْهَا لَا يبْقى على ظهر الأَرْض مِمَّن هُوَ الْيَوْم عَلَيْهَا أحد " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَفِي صَحِيح مُسلم: عَن جَابر بن عبد الله - رَضِي الله - عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله - قبل مَوته بِقَلِيل: " مَا من نفس منفوسة يَأْتِي عَلَيْهَا مائَة سنة وَهِي يَوْمئِذٍ حَيَّة ". وَأما إِجْمَاع الْمُحَقِّقين من الْعلمَاء: فقد ذكر عَن البُخَارِيّ وعَلى بن مُوسَى الرِّضَا: أَن الْخضر مَاتَ. وَأَن البُخَارِيّ سُئِلَ عَن حَيَاته فَقَالَ: " وَكَيف يكون ذَلِك؟ وَقد قَالَ النَّبِي -: " أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه؟ فَإِن على رَأس مائَة سنة مِنْهَا لَا يبْقى مِمَّن على ظهر الأَرْض مِمَّن هُوَ على الْأَحَد " قَالَ: وَمِمَّنْ قَالَ إِن الْخضر مَاتَ: إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق الْحَرْبِيّ، وَأَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي وهما إمامان، وَكَانَ ابْن الْمُنَادِي يقتح قَول من يَقُول: إِنَّه حَيّ. وَحكى القَاضِي أَبُو يعلي مَوته عَن بعض أَصْحَاب أَحْمد، وَذكر عَن بعض أهل الْعلم: أَنه احْتج بِأَنَّهُ لَو كَانَ حَيا لوَجَبَ عَلَيْهِ أَن يَأْتِي إِلَى النَّبِي -. وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد، حَدثنَا شُرَيْح بن النُّعْمَان، حَدثنَا هشيم، أخبرنَا مجَالد، عَن الشّعبِيّ، عَن جَابر بن عبد الله ﵄ أَن رَسُول الله - قَالَ: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أَن مُوسَى كَانَ حَيا مَا وَسعه

стр. 52

إِلَّا أَن يَتبعني " فَكيف يكون حَيا، وَلَا يُصَلِّي مَعَ رَسُول الله - الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة، ويجاهد مَعَه؟ ﴿ أَلا ترى أَن عِيسَى ﵇ إِذا نزل إِلَى الأَرْض يُصَلِّي خلف إِمَام هَذِه الْأمة، وَلَا يتَقَدَّم، لِئَلَّا يكون ذَلِك خدشا فِي نبوة نَبينَا -. قَالَ أَبُو الْفرج: وَمَا أبعد فهم من يثبت وجود الْخضر، وينسى مَا فِي طي إثْبَاته من الْإِعْرَاض عَن هَذِه الشَّرِيعَة﴾ ! وَأما الدَّلِيل من الْمَعْقُول: فَمن عشرَة وُجُوه: أَحدهَا: أَن الَّذِي أثبت حَيَاته يَقُول: إِنَّه ولد آدم لصلبه، وَهَذَا فَاسد لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يكون عمره الْآن سِتَّة الاف سنة، فِيمَا ذكر فِي كتاب يوحنا المؤرخ؛ وَمثل هَذَا بعيد فِي الْعَادَات أَن يَقع فِي حق الْبشر. وَالثَّانِي: أَنه لَو كَانَ وَلَده لصلبه، أَو الرَّابِع من ولد وَلَده - كَمَا زَعَمُوا - وَأَنه كَانَ وَزِير ذِي القرنين، فَإِن تِلْكَ الْخلقَة لَيست على خلقتنا، بل مفرط فِي الطول وَالْعرض. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله - أَنه قَالَ: " خلق الله آدم طوله سِتُّونَ ذِرَاعا، فَلم يزل الْخلق ينقص بعد ".

стр. 53

الْوَجْه الثَّالِث: أَنه لوكان الْخضر قبل نوح لركب مَعَه فِي السَّفِينَة، وَلم ينْقل هَذَا أحد. الْوَجْه الرَّابِع: أَنه قد اتّفق الْعلمَاء أَن نوحًا لما نزل من السَّفِينَة مَاتَ من كَانَ مَعَه، ثمَّ مَاتَ نسلهم، وَلم يبْق غير نسل نوح وَالدَّلِيل على هَذَا قَوْله تَعَالَى: (وَجَعَلنَا ذُريَّته هم البَاقِينَ) وَهَذَا يبطل قَول من قَالَ: إِنَّه كَانَ قبل نوح. الْوَجْه الْخَامِس: أَن هَذَا لَو كَانَ صَحِيحا أَن بشرا من بني آدم يعِيش من حِين يُولد إِلَى آخر الدَّهْر، ومولده قبل نوح، لَكَانَ هَذَا من أعظم الْآيَات والعجائب، وَكَانَ خَبره فِي الْقُرْآن مَذْكُورا فِي غير مَوضِع، لِأَنَّهُ من أعظم آيَات الربوبية. وَقد ذكر الله من أَحْيَاهُ ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما وَجعله آيَة؛ فَكيف بِمن أَحْيَاهُ إِلَى اخر الدَّهْر؟ وَلِهَذَا قَالَ بعض أهل الْعلم: مَا ألْقى هَذَا بَين النَّاس، إِلَّا شَيْطَان. وَالْوَجْه السَّادِس: إِن القَوْل بحياة الْخضر قَول على الله بِلَا علم، وَذَلِكَ حرَام بِنَصّ الْقُرْآن. أما الْمُقدمَة الثَّانِيَة فظاهرة. وَأما الأولى، فَإِن حَيَاته لَو كَانَت ثابته لدل عَلَيْهِمَا الْقُرْآن أَو السّنة، أَو إِجْمَاع الْأمة. فَهَذَا كتاب الله تَعَالَى، فَأَيْنَ فِيهِ حَيَاة الْخضر؟

стр. 54

وَهَذِه سنة رَسُول الله - فَأَيْنَ فِيهَا مَا يدل على ذَلِك بِوَجْه؟ وَهَؤُلَاء عُلَمَاء الْأمة، هَل أَجمعُوا على حَيَاته؟ ﴿﴾ الْوَجْه السَّابِع: أَن غَايَة مَا يتَمَسَّك بِهِ من ذهب إِلَى حَيَاته، حكايات منقولة يخبر الرجل بهَا أَنه رأى الْخضر. فيالله الْعجب، هَل للخضر عَلامَة يعرفهُ بهَا من رَاه؟ وَكثير من هَؤُلَاءِ يغتر بقوله: أَنا الْخضر. وَمَعْلُوم أَنه لَا يجوز تَصْدِيق قَائِل ذَلِك بِلَا برهَان من الله. فَأَيْنَ للرأي أَن الْمخبر لَهُ صَادِق، لَا يكذب؟ الْوَجْه الثَّامِن: أَن الْخضر فَارق مُوسَى بن عمرَان كليم الرَّحْمَن، وَلم يصاحبه، وَقَالَ لَهُ: (هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك) . فَكيف يرضى لنَفسِهِ بمفارقته لمثل مُوسَى، ثمَّ يجْتَمع بجهله الْعباد الخارجين عَن الشَّرِيعَة، الَّذين لَا يحْضرُون جُمُعَة وَلَا جمَاعَة، وَلَا مجْلِس علم، وَلَا يعْرفُونَ من الشَّرِيعَة شَيْئا؟ وكل مِنْهُم يَقُول: قَالَ الْخضر، وَجَاءَنِي الْخضر، وأوصاني الْخضر ﴿﴾ ﴿فيا عجبا لَهُ﴾ يُفَارق كليم الله، تَعَالَى ويدور على صُحْبَة الْجُهَّال، وَمن لَا يعرف كَيفَ يتَوَضَّأ وَلَا كَيفَ يُصَلِّي؟ ! الْوَجْه التَّاسِع: أَن الْأمة مجمعة على أَن الَّذِي يَقُول: أَنا الْخضر، لَو قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - يَقُول: كَذَا وَكَذَا " لم يلْتَفت إِلَى قَوْله، وَلم يحْتَج بِهِ فِي الدّين. إِلَّا أَن يُقَال: إِنَّه لم يات إِلَى رَسُول الله - وَلَا بَايعه، أَو

стр. 55

يَقُول هَذَا الْجَاهِل: أَنه لم يُرْسل إِلَيْهِ. وَفِي هَذَا من الْكفْر مَا فِيهِ. الْوَجْه الْعَاشِر: أَنه لوكان حَيا، لَكَانَ جهاده الْكفَّار، ورباطه فِي سَبِيل الله، ومقامه فِي الصَّفّ سَاعَة، وحضوره الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة، وتعليمه الْعلم: أفضل لَهُ بِكَثِير من سياحته بَين الوحوش فِي القفار والفلوات. وَهل هَذَا إِلَّا من أعظم الطعْن عَلَيْهِ، وَالْعَيْب لَهُ؟ ﴿ هَذَا، وتكفينا النُّصُوص الْكَثِيرَة المدعمة بالدلائل الْعَقْلِيَّة والنقلية للرَّدّ على اسْتِمْرَار حَيَاة الْخضر، وسيقف القاريء الْكَرِيم على مَجْمُوعَة كَبِيرَة مِنْهَا أثْنَاء دراسة هَذَا الْكتاب أَيْضا. وَلَا يفوتني أَن أَقُول بِأَن الْأَحَادِيث المرفوعة الْوَارِدَة فِي حَيَاة الْخضر مَا بَين ضِعَاف وموضوعات؛ وَالْأَخْبَار والحكايات بِهَذَا الصدد واهية الصُّدُور والإعجاز ; أَو تصح أسانيدها إِلَى من لَيْسَ بمعصوم، يجب قبُوله. وَالْمِيزَان الصَّحِيح الوحيد، عندنَا، لنقد أَمْثَال هَذِه الْأُمُور هُوَ الْكتاب وَالسّنة، فَإِن وافقتهما فعلى الرَّأْس وَالْعين، وَإِن خالفتهما نرفضها وَلَا كَرَامَة. وَإِلَيْك نَص الْكتاب﴾

стр. 56

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الْمُنْفَرد بِالْبَقَاءِ والدوام. وعَلى من خصّه بمزيد التَّفْضِيل والسيادة، مزِيد الصَّلَاة وَالسَّلَام؛ وَأنزل عَلَيْهِ فِي الْكتاب الْمكنون: (وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد، أَفَإِن مت فهم الخالدون) ، وعَلى آله وَصَحبه الَّذين كَانُوا يأمرون بِالْخَيرِ، ويأتمرون، صَلَاة وَسلَامًا دائمين إِلَى يَوْم يبعثون ". أما بعد: فقد تكَرر السوال - قَدِيما وحديثا - عَن الْخضر - صَاحب مُوسَى -: هَل هُوَ: نَبِي أَو ولي؟

стр. 57

وَهل عمر إِلَى أَن أدْرك بعثة النَّبِي - وعاش بعده؟ أَو مَاتَ قبل ذَلِك؟ أَو هُوَ: حَيّ بَاقٍ؟ وَعَن كثير من أخباره. وَكنت جمعت فِي ذَلِك، مِمَّا صنف فِيهِ بِخُصُوصِهِ من القدماء: [أَبُو الْحُسَيْن] بن الْمُنَادِي. وَمن الْمُتَأَخِّرين: أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ. وأضفت إِلَيْهِمَا أَشْيَاء ظَفرت بهَا، بطول التتبع. ثمَّ لما التزمت فِي كتابي: " الْإِصَابَة فِي تَمْيِيز الصَّحَابَة "، أَن أذكر كل مَا جَاءَ فِي خبر من / الْأَخْبَار، أَنه لَقِي النَّبِي - لزم ذكرى للخضر ﵇، لِأَنَّهُ من شَرط الْإِصَابَة، وَإِن لم يرد فِي خبر ثَابت أَنه من جملَة الصَّحَابَة.

стр. 58

وَقد أفردته الْآن، ليقف كل سَائل عَنهُ، على كل مَا كنت قرأته وسمعته. وَجَعَلته أبوابا. وَالله أسأَل النَّفْع بِهِ، إِنَّه قريب مُجيب! - بَاب نسبه - ١ - قيل هُوَ: ابْن آدم من صلبه. وَهَذَا قَول، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الافراد، من طَرِيق رواد بن الْجراح، عَن مقَاتل بن سُلَيْمَان، عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس ﵄. ورواد ضَعِيف وَمُقَاتِل مترك،

стр. 59

وَالضَّحَّاك لم يسمع من ابْن عَبَّاس ﵄. ٢ - (القَوْل الثَّانِي) : إِنَّه ابْن قابيل بن آدم، ذكره أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب " المعمرين " قَالَ: حَدثنَا مشيختنا، مِنْهُم: أَبُو عُبَيْدَة، فَذكره. وَهَذَا " معضل "، وَحكى صَاحب هَذِه الْمقَالة: أَن اسْمه " خضرون " وَهُوَ: الْخضر. ٣ - (القَوْل الثَّالِث) : جَاءَ عَن وهب بن مُنَبّه، أَنه بليا بن ملكان بن فالغ

стр. 60

بن شالخ بن عَامر بن أرفخشذ بن سَام بن نوح. وَبِهَذَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة، وَحَكَاهُ النَّوَوِيّ، وَزَاد: " وَقيل: " كلمان " بدل ملكان ". ٤ - (القَوْل الرَّابِع) : جَاءَ عَن اسماعيل بن أبي أويس: إِنَّه المعمر بن مَالك بن [عبد الله] بن نصر بن [الأزد] . وَقيل: اسْمه عَامر ; حَكَاهُ أَبُو الْخطاب بن دحْيَة، عَن ابْن حبيب الْبَغْدَادِيّ.

стр. 61

٥ - (القَوْل الْخَامِس) : هُوَ ابْن عمائيل بن [النُّور] بن الْعيص بن إِسْحَاق. حَكَاهُ ابْن قُتَيْبَة أَيْضا، وَكَذَا سمى أَبَاهُ [عمائيل] مقَاتل. ٦ - (القَوْل السَّادِس) : أَنه من سبط هَارُون، أخي مُوسَى. روى عَن الْكَلْبِيّ، عَن أبي صَالح، عَن ابْن عَبَّاس ﵄، وَهُوَ بعيد. وأعجب مِنْهُ قَول ابْن إِسْحَاق: أَنه [أرميا بن خلقيا] . وَقد رد

стр. 62

ذَلِك أَبُو جَعْفَر بن جرير. ٧ - (القَوْل السَّابِع) : إِنَّه ابْن بنت فِرْعَوْن. حَكَاهُ مُحَمَّد بن أَيُّوب عَن ابْن لَهِيعَة. وَقيل: ابْن فِرْعَوْن لصلبه، حَكَاهُ النقاش. ٨ - (القَوْل الثَّامِن) : إِنَّه اليسع. حكى عَن مقَاتل أَيْضا. وَهُوَ بعيد أَيْضا. ٩ - (القَوْل التَّاسِع) : أَنه من ولد فَارس. جَاءَ ذَلِك عَن ابْن شَوْذَب، أخرجه الطَّبَرِيّ بِسَنَد جيد، من رِوَايَة ضَمرَة بن ربيعَة عَن ابْن شَوْذَب.

стр. 63

١٠ - (القَوْل الْعَاشِر) : إِنَّه من ولد بعض من كَانَ آمن بإبراهيم، وَهَاجَر مَعَه من أَرض بابل. حَكَاهُ ابْن جرير فِي تأريخه. وَقيل: كَانَ أَبوهُ فارسيا وَأمه رُومِية. ١١ - وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَن سَبَب تَسْمِيَته الْخضر، أَنه جلس على فَرْوَة بَيْضَاء، فَإِذا هِيَ تهتز تَحْتَهُ خضراء. هَذَا لفظ أَحْمد من رِوَايَة ابْن الْمُبَارك عَن معمر، عَن همام، عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِي الله - عَنهُ و " الفروة ": الأَرْض

стр. 64

الْيَابِسَة. ١٢ - وَقَالَ أَحْمد: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر، عَن همام عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ رَفعه: " إِنَّمَا سمي الْخضر خضرًا، لِأَنَّهُ جلس على فَرْوَة، فاهتزت تَحْتَهُ خضراء. " والفروة " الْحَشِيش الْأَبْيَض ... [وَمَا يُشبههُ] . قَالَ عبد الله بن أَحْمد: " أَظُنهُ تَفْسِير عبد الرَّزَّاق " ١٣ - وَفِي الْبَاب: عَن ابْن عَبَّاس ﵄:

стр. 65

من طَرِيق قَتَادَة، عَن عبد الله بن الْحَارِث عَنهُ. وَمن طَرِيق مَنْصُور، عَن مُجَاهِد. ١٤ - قَالَ النَّوَوِيّ: كنيته: أَبُو الْعَبَّاس، وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ.

стр. 66

بَاب مَا ورد فِي كَونه نَبيا ١٥ - قَالَ الله تَعَالَى فِي خَبره عَن مُوسَى، حِكَايَة عَنهُ: ( ... . . وَمَا فعلته عَن أَمْرِي ... .) . وَهَذَا ظَاهر أَنه بِأَمْر من الله، وَالْأَصْل عدم الْوَاسِطَة. وَيحْتَمل أَن يكون بِوَاسِطَة نَبِي آخر لم يذكرهُ، وَهُوَ بعيد. وَلَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِأَنَّهُ إلهام، لِأَن ذَلِك لَا يكون من غير النَّبِي وَحيا، حَتَّى يعْمل بِهِ مَا عمل، من قتل النَّفس، وتعريض الْأَنْفس للغرق. فَإِن قُلْنَا: إِنَّه نَبِي، فَلَا إِنْكَار فِي ذَلِك. وَأَيْضًا كَيفَ يكون غير النَّبِي أعلم من النَّبِي. وَقد أخبر النَّبِي - فِي الحَدِيث الصَّحِيح، أَن الله تَعَالَى قَالَ لمُوسَى: " بلَى! عَبدنَا خضر ". وَأَيْضًا كَيفَ يكون النَّبِي تَابعا لغير النَّبِي. ١٦ - وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: هُوَ نَبِي فِي جَمِيع الأقول.

стр. 67

١٧ - وَكَانَ بعض أكَابِر الْعلمَاء يَقُول: أول عقدَة تحل من الزندقة، اعْتِقَاد كَون الْخضر نَبيا، لِأَن الزَّنَادِقَة يتذرعون بِكَوْنِهِ غير نَبِي، إِلَى أَن الْوَلِيّ أفضل من النَّبِي؛ كَمَا قَالَ قَائِلهمْ: (مقَام النُّبُوَّة فِي برزخ ... فويق الرَّسُول وَدون الْوَلِيّ) ١٨ - قَالَ أَبُو جَعْفَر بن جرير فِي تَارِيخه: " كَانَ الخضرممن كَانَ فِي أَيَّام افريدون الْملك [بن أثفيان] ، فِي قَول عَامَّة أهل الْكتاب الأول [وَقيل: مُوسَى بن عمرَان -] وَقيل: إِنَّه كَانَ على مُقَدّمَة ذِي القرنين الْأَكْبَر، الَّذِي كَانَ أَيَّام إِبْرَاهِيم خَلِيل [الرَّحْمَن]-، [وَهُوَ الَّذِي قضى لَهُ بِئْر السَّبع - وَهِي بِئْر كَانَ إِبْرَاهِيم احتفرها لماشيته فِي صحراء الْأُرْدُن - وَإِن قوما من أهل الْأُرْدُن ادعوا الأَرْض الَّتِي احتفر بهَا إِبْرَاهِيم بئره، فحاكمهم إِبْرَاهِيم إِلَى ذِي القرنين، الَّذِي ذكر أَن الْخضر كَانَ على مقدمته، أَيَّام سيره فِي الْبِلَاد] وَأَنه بلغ مَعَ ذِي القرنين - الَّذِي ذكر أَن الْخضر كَانَ ملتزمه - نهر الْحَيَاة، فَشرب من مَائه - وَهُوَ لَا يعلم، وَلَا يعلم بِهِ ذُو القرنين، وَمن مَعَه - فخلد، فَهُوَ حَيّ عِنْدهم إِلَى الْآن ". ١٩ - قَالَ ابْن جرير: " وَذكر ابْن إِسْحَاق أَن الله تَعَالَى اسْتخْلف على بني اسرائيل رجلا مِنْهُم [يُقَال لَهُ: ناشية بن أموص] وَبعث الْخضر مَعَه نَبيا ".

стр. 68

٢٠ - وَقَالَ ابْن جرير: " بَين هَذَا الْوَقْت وَبَين أفريدون أَزِيد من ألف عَام ". وَقَالَ: " وَقَول من قَالَ: إِنَّه كَانَ فِي أَيَّام أفريدون أشبه [بِالْحَقِّ] ، إِلَّا أَن يحمل على أَنه لم يبْعَث نَبيا إِلَّا فِي زمن ذَلِك الْملك ". ٢١ - قلت: بل يحْتَمل أَن يكون قَوْله: " وَبعث الْخضر مَعَه نَبيا " أَي أيده ; لَا أَن ذَلِك الْوَقْت كَانَ وَقت إنْشَاء نبوته، فَلَا يمْتَنع أَن يكون نَبيا قبل ذَلِك. وَإِنَّمَا قلت ذَلِك، لِأَن غَالب أخباره مَعَ مُوسَى، هِيَ الدَّالَّة على تَصْحِيح قَول من قَالَ: إِنَّه كَانَ نَبيا. ٢٢ - ثمَّ اخْتلف من قَالَ: إِنَّه كَانَ نَبيا، هَل كَانَ مُرْسلا؟ فجَاء عَن ابْن عَبَّاس ووهب بن مُنَبّه، أَنه كَانَ نَبيا غير مُرْسل. وَجَاء عَن إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد، وَمُحَمّد بن إِسْحَاق، وَبَعض أهل الْكتاب: أَنه ارسل إِلَى قومه، فاستجابوا لَهُ. وَنصر هَذَا القَوْل أَبُو الْحسن الرماني، ثمَّ ابْن الْجَوْزِيّ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ هُوَ نَبِي على جَمِيع الْأَقْوَال، معمر مَحْجُوب عَن الْأَبْصَار. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَفْسِيره: وَالْجُمْهُور على أَنه نَبِي. وَكَانَ علمه معرفَة بواطن أوحيت إِلَيْهِ، وَعلم مُوسَى الحكم بِالظَّاهِرِ.

стр. 69

٢٣ - وَذهب إِلَى أَنه كَانَ وليا، جمَاعَة من الصُّوفِيَّة؛ وَقَالَ بِهِ أَبُو عَليّ بن أبي مُوسَى من الْحَنَابِلَة، وَأَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي فِي كِتَابه " الزَّاهِر "، بعد أَن حكى عَن الْعلمَاء قَوْلَيْنِ: هَل كَانَ نَبيا أَو وليا؟ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي، فِي رسَالَته: لم يكن الْخضر نَبيا، وَإِنَّمَا كَانَ وليا. ٢٤ - وَحكى الْمَاوَرْدِيّ قولا ثَالِثا: أَنه ملك من الْمَلَائِكَة يتَصَوَّر فِي صور الْآدَمِيّين مغيرا ذاتا. ٢٥ - وَقَالَ أَبُو الْخطاب بن دحْيَة: لَا نَدْرِي هُوَ: ملك، أَو نَبِي، أَو عبد صَالح. ٢٦ - وَجَاء من طَرِيق أبي صَالح - كَاتب اللَّيْث - عَن يحيى بن

стр. 70

أَيُّوب عَن خَالِد بن يزِيد أَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ: " إِن الْخضر بن عاميل، ركب فِي نفر من أَصْحَابه، حَتَّى بلغ بَحر التّرْك، وَهُوَ بَحر الصين. فَقَالَ لأَصْحَابه: دلوني، فدلوه فِي الْبَحْر أَيَّامًا وليالي، ثمَّ صعد. فَقَالُوا لَهُ: يَا خضر مَا رَأَيْت، فَلَقَد أكرمك الله وَحفظ لَك نَفسك فِي لجة هَذَا الْبَحْر. قَالَ: استقبلني ملك من الْمَلَائِكَة فَقَالَ لي: كَيفَ، وَقد أَهْوى رجل من زمَان دَاوُد النَّبِي - وَلم يبلغ ثلث قَعْره حَتَّى السَّاعَة. وَذَلِكَ مُنْذُ ثَلَاث مائَة سنة؟ أخرجه أَبُو نعيم فِي تَرْجَمَة كَعْب من الْحِلْية ". - بَاب مَا ورد فِي تعميره وَالسَّبَب فِي ذَلِك - ٢٧ - روى الدَّارَقُطْنِيّ بِالْإِسْنَادِ الْمَاضِي عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله

стр. 71

عَنْهُمَا - قَالَ: " نسى للخضر فِي أَجله حَتَّى يكذب الدَّجَّال ". ٢٨ - وَذكر ابْن إِسْحَاق فِي الْمُبْتَدَأ، فَقَالَ حَدثنَا اصحابنا أَن آدم لما حَضَره الْمَوْت، جمع بنيه، وَقَالَ: إِن الله تَعَالَى منزل على أهل الأَرْض عذَابا، فَلْيَكُن جَسَدِي مَعكُمْ فِي المغارة، حَتَّى تدفنوني بِأَرْض الشَّام، فَلَمَّا وَقع الطوفان، قَالَ نوح لِبَنِيهِ: إِن آدم دَعَا الله أَن يُطِيل عمر الَّذِي يدفنه، إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. فَلم يزل جَسَد آدم، حَتَّى كَانَ الْخضر هُوَ الَّذِي تولى دَفنه، وأنجز الله لَهُ مَا وعده فَهُوَ / يحيا مَا شَاءَ الله أَن يحيا ". ٢٩ - وروى ابْن عَسَاكِر، فِي تَرْجَمَة ذِي القرنين: من طَرِيق خَيْثَمَة بن سُلَيْمَان، حَدثنَا أَبُو عُبَيْدَة بن أخي هناد، حَدثنَا سُفْيَان بن وَكِيع، حَدثنَا أبي حَدثنَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان، عَن أبي جَعْفَر عَن أَبِيه:

стр. 72

" أَنه سُئِلَ عَن ذِي القرنين فَقَالَ: " كَانَ عبدا من عباد الله صَالحا، وَكَانَ من الله بمنزل ضخم، وَكَانَ قد ملك مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، وَكَانَ لَهُ خَلِيل من الْمَلَائِكَة، يُقَال لَهُ: رفائيل. وَكَانَ يزوره، فَبَيْنَمَا هما يتحدثان اذ قَالَ لَهُ: حَدثنِي كَيفَ عبادتكم فِي السَّمَاء؟ فَبكى، وَقَالَ: وَمَا عبادتنا عِنْد عبادتنا ﴿؟ إِن فِي السَّمَاء لملائكة قيَاما، لَا يَجْلِسُونَ أبدا، [وسجودا لَا يرفعون ابدا، وركعا لَا يقومُونَ ابدا] وَيَقُولُونَ: رَبنَا مَا عبدناك حق عبادتك، فَبكى ذُو القرنين. ثمَّ قَالَ: يَا رفائيل إِنِّي أحب أَن أعمر، حَتَّى أبلغ عبَادَة رَبِّي حق طَاعَته، قَالَ: وتحب ذَلِك؟ قَالَ: نعم﴾ قَالَ: فَإِن لله عينا تسمى عين الْحَيَاة، من شرب مِنْهَا شربة لم يمت ابدا، حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي يسْأَل ربه الْمَوْت. قَالَ ذُو القرنين: فَهَل تعلم موضعهَا، قَالَ: لَا، غير أَنا نتحدث فِي السَّمَاء أَن لله ظلمَة فِي الأَرْض، لم يَطَأهَا إنس وَلَا جَان، فَنحْن نظن أَن [تِلْكَ] الْعين فِي تِلْكَ الظلمَة. فَجمع ذُو القرنين عُلَمَاء الأَرْض، فَسَأَلَهُمْ عَن عين الْحَيَاة، فَقَالُوا: لَا نعرفها. قَالَ: فَهَل وجدْتُم فِي علمكُم أَن لله ظلمَة، فَقَالَ عَالم مِنْهُم: لم تسْأَل عَن هَذَا؟ فَأخْبرهُ، فَقَالَ: إِنِّي قَرَأت فِي وَصِيَّة آدم ذكر هَذِه الظلمَة، وانها عِنْد قرن الشَّمْس. فتجهز ذُو القرنين، وَسَار اثْنَتَيْ عشرَة سنة، إِلَى أَن بلغ طرف الظلمَة، فَإِذا هِيَ لَيست بلَيْل، وَهِي تَفُور مثل الدُّخان، فَجمع العساكر، وَقَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أسلكها، فمنعوه، فَسَأَلَهُ الْعلمَاء الَّذين مَعَه أَن يكف عَن ذَلِك، لِئَلَّا يسْخط الله عَلَيْهِم، فَأبى فانتخب من عساكره سِتَّة الاف رجل على سِتَّة الاف فرس أُنْثَى بكر، وَعقد للخضر على مقدمته فِي

стр. 73

ألفي رجل، فَسَار الْخضر بَين يَدَيْهِ، وَقد عرف مَا يطْلب، وَكَانَ ذُو القرنين يَكْتُمهُ ذَلِك، فَبَيْنَمَا هُوَ يسير إِذْ عَارضه وَاد، فَظن أَن الْعين فِي ذَلِك الْوَادي فَلَمَّا أَتَى شَفير الْوَادي، استوقف أَصْحَابه، وَتوجه، فَإِذا هُوَ على حافة عين من مَاء، وَنزع ثِيَابه، فَإِذا مَاء أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الشهد، فَشرب مِنْهُ وَتَوَضَّأ، واغتسل ثمَّ خرج، وَلبس ثِيَابه، وَتوجه، وَمر ذُو القرنين فَأَخْطَأَ الظلمَة. وَذكر بَقِيَّة الحَدِيث.

стр. 74

٣٠ - ويروى عَن سُلَيْمَان الْأَشَج - صَاحب كَعْب الْأَحْبَار - عَن كَعْب الْأَحْبَار: أَن الْخضر كَانَ وَزِير ذِي القرنين، وَإنَّهُ وقف مَعَه على جبل الْهِنْد، فَرَأى ورقة فِيهَا: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. من آدم أبي الْبشر إِلَى ذُريَّته أوصيكم بتقوى الله، واحذركم كيد عدوي، وَعَدُوكُمْ إِبْلِيس فَإِنَّهُ أنزلني هُنَا ". قَالَ: فَنزل ذُو القرنين فَمسح جُلُوس آدم، فَكَانَت مائَة وَثَلَاثِينَ ميلًا ". ٣١ - ويروي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: " وكل إلْيَاس بالفيافي، ووكل الْخضر بالبحور، وَقد أعطيا الْخلد فِي الدُّنْيَا إِلَى الصَّيْحَة الأولى، وإنهما يَجْتَمِعَانِ فِي موسم كل عَام ".

стр. 75

٣٢ - وَقَالَ الْحَارِث بن أبي أُسَامَة فِي مُسْنده: حَدثنَا عبد الرَّحِيم بن وَاقد، حَدثنِي مُحَمَّد بن بهْرَام، أخبرنَا أبان، عَن أنس قَالَ ; قَالَ رَسُول الله -: " إِن الْخضر فِي الْبَحْر، وَالْيَسع فِي الْبر، يَجْتَمِعَانِ كل لَيْلَة عِنْد الرَّدْم الَّذِي بناه ذُو القرنين بَين النَّاس، وَبَين يَأْجُوج وَمَأْجُوج، ويحجان ويعتمران كل عَام، ويشربان من [زمزمكم] شربة تكفيهما إِلَى قَابل ". قلت: وَعبد الرَّحِيم وَأَبَان مَتْرُوكَانِ ".
следующие страницы →