← Тараджим

Тараджим · id 5742

جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس

أبو عبد الله الحميدي

Полный текст (408 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجزء الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد نبيه الكريم وعلى آله بحمد الله نبتدئ ونختم، وبتأييده إلى كل مراد نتقدم؛ وبالصلاة على رسوله المصطفى نتبرك، وبالسلام عليه نرجو أن يسهل علينا المسك. فالحمد لله على ما أولانا من النعم، وذكرنا به منها ونحن في العدم، ثم والاها على الدوام، وحملنا فيها على أتم الإكرام، حمداً يوجب لنا به بلوغ الرضى، وصلاح الآخرة والأولى؛ وصلى الله على نبيه محمد المصطفى صلاة موصولة بالوصول، مقرونة بالقبول، مقتضية للبركات، قاضية بأفضل السعادات، وعلى آله وسلم عليه وعليهم تسليماً دائم الأمد، وافر العدد، ما أشرق الضياء، ودامت الأرض والسماء. أما بعد فإن بعض من التزم واجب شكره على جميل بره، لما وصلت إلى بغداد، وحصلت من إفادته على أفضل مستفاد، نبهنى على أن أجمع ما يحضرنى من أسماء رواة الحديث بالأندلس، وأهل الفقه والأدب، وذوى النباهة والشعر، ومن له ذكر منهم، أو ممن دخل إليهم، أو خرج عنهم في معنى من معانى العلم والفضل، أو الرياسة والحرب. فأعلمته ببعدى عن مكان هذا المطلوب، وقلة ما صحبنى من الغرض المرغوب، وأنى إن رمته على قلة ما عندى، وتعاطيته على انقطاع موادى وبعدى، لم أخل من أحد وجهين: إما أن أبخس القوم حظهم

стр. 2

وأنقصهم، فأتعرض للائمتهم فيما أوردت، وأقف موقف الاعتذار فيما له قصدت؛ وإما أن أوهم من رأى قلة جمعى، ونهاية ما في وسعى أنه ليس من أهل الفضل في تلك البلاد إلا نزر من الأعداد، فأكون بعد احتفالى لهم قد قصرت بهم، وعند اجتهادى في ذكرهم قد أخللت بفخرهم، وما أرانى مع ذلك إلا متصدياً لمذمة الطائفتين، منتظماً لتتبع الفرقتين لا سيما ولعلماء أقطار ذلك البلد في أنواع هذا المعنى كتب كثيرة العدد، منها لابن حارث، ولابن عبد البر، ولأحمد بن محمد التاريخى، وابن حيان، وسائر المؤرخين هناك على تباين مراتب جمعهم واهتمامهم، مما لو حضرنى بعضه فحذفت التكرار، واقتصرت على العيون، ووصلت به ما عندى، لا ستطيل واستكثر؛ على أنى أعلم أن هذا المقصد الذي سبق إلى تقييده المؤرخون من أسلافنا، وتلاهم التابعون لهم في ضبطه من أخلافنا، جم الفائدة، عظيم العائدة، لما فيه مما لا يخفى على متميز، إلى جهة من جهات المعرفة متحيز؛ ولحرصى على قبول هذا التنبيه، وإن قل ما عندى فيه، بادرت إلى جمع المفترق الحاضر، وإخراج ما في الحفظ منه وإتعاب الخاطر، رجاء الثواب في تنويه بعالم، وتنبيه على فضل فاضل، وتوقيف على غرض، وتحقيق لنسب أو خبر؛ ولا يخلو أن يكون في أثناء ذلك زيادة علم تقتنى، أو ثمرة أدب وشعر تجتنى. وعلينا إن بلغنا إلى المراد، في سلوك تلك البلاد، أن نستأنف الاستيفاء مع وجود المواد إن شاء الله ، وبالله تعالى نستعيذ من موارد الزلل، وإياه نستعين على إدراك الصواب في القول والعمل، وهو حسبنا في كل أمل، ونعم الوكيل. فأول ما نبدأ به أن نذكر وقت افتتاحها، ومن فتحها، ومن وقع إلينا

стр. 3

ذكره ممن دخلها من التابعين وممن وليها من الأمراء هلم جرا، ثم نذكر سائر من قصدنا ذكره مما في الحفظ أو في حاضر الكتب، مرتباً على حروف المعجم، ونعتمد ذلك أيضاً في كل حرف إذ لم يصح لنا ترتيبهم على الأوقات، ولا على الطبقات؛ وكل ذلك على الاختصار المقصود؛ ومع ما في ذكر أمرائها وأزمانهم من المعرفة فإن فيه فائدة أخرى وهو أنا إذا لم نقف على تحديد وقت وفاة أحد ممن ذكرناه من غيرهم، نسبناه إلى أيام من عرفنا أنه كان في أيامه من الأمراء، فاستبانت بذلك طبقته، وعرف زمانه. فأما أول أوقات افتتاحها ففي سنة اثنتين وتسعين من الهجرة، في القرن الثاني الذي أخبر النبي ﷺ أنه خير القرون بعد قرنه؛ وأما الذي تولى فتحها وكان أمير الجيش السابق إليها فطارق، قيل ابن زياد، وقيل ابن عمرو، وكان والياً على طنجة مدينة من المدن المتصلة ببر القيروان في أقصى المغرب، بينها وبين الأندلس فيما يقابلها خليج من البحر يعرف بالزقاق وبالمجاز؛ رتبه فيها موسى بن نصير أمير القيروان. وقيل إن مروان بن موسى بن نصير خلف طارقاً هناك على العساكر، وانصرف إلى أبيه لأمر عرض له، فركب طارق البحر إلى الأندلس من جهة مجاز الخضراء، منتهزاً لفرصة أمكنته، فدخلها وأمعن فيها، واستظهر على العدو بها، وكتب إلى موسى ابن نصير بغلبته على ما غلب عليه من الأندلس وفتحه، وما حصل له من الغنائم، فحسده على الانفراد بذلك، وكتب إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان يعلمه بالفتح، وينسبه إلى نفسه، وكتب إلى طارق يتوعده إذ دخلها بغير إذنه،

стр. 4

ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به؛ وخرج متوجهاً إلى الأندلس، واستخلف على القيروان ولده عبد الله وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين، وخرج معه حبيب ابن أبي عبيدة الفهرى ووجوه العرب والموالى وعرفاء البربر، في عسكر ضخم، ووصل من جهة المجاز إلى الأندلس، وقد استولى طارق على قرطبة دار المملكة، وقتل لذريق ملك الروم بالأندلس، فتلقاه طارق وترضاه، ورام أن يستسل ما في نفسه من الحسد له، وقال له: إنما أنا مولاك ومن قبلك وهذا الفتح لك، وحمل طارق ما كان غنم من الأموال، فلذلك نسب الفتح إلى موسى بن نصير لأن طارقا من قبله، ولأنه استزاد في الفتح ما بقى على طارق. وأقام موسى في الأندلس مجاهداً وجامعاً للأموال، ومرتباً للأمور بقية سنة ثلاث وتسعين، وسنة أربع وتسعين، وأشهراً من سنة خمس وتسعين، وقبض على طارق؛ ثم استخلف على الأندلس ولده عبد العزيز بن موسى، وترك معه من العساكر ووجوه القبائل من يقوم بحماية البلاد، وسد الثغور، وجهاد العدو؛ ورجع إلى القيروان، ثم سار منها بما حصل له من الغنائم، وأعده من الهدايا إلى الوليد بن عبد الملك، ومعه فيما يقال طارق، فمات الوليد وقد وصل موسى إلى طبرية في سنة ست وتسعين، فحمل

стр. 5

ما كان معه إلى سليمان بن عبد الملك؛ ويقال إنه وصل وأدرك الوليد حيا، فالله أعلم. وأقام عبد العزيز بن موسى بن نصير أميراً على الأندلس، إلى أن ثار عليه من الجند جماعة فيهم حبيب بن أبي عبيدة الفهرى، وزياد بن النابغة التميمي، فقتله بعضهم، وخرجوا برأسه إلى سليمان بن عبد الملك، بعد أن أمروا على الأندلس أيوب بن أخت موسى بن نصير؛ ويقال إنهم كتبوا إلى سليمان بما أنكروا من أمره فأمرهم بما فعلوه. ثم اختلفت الأمور هنالك، ومكث أهل الأندلس بعد ذلك زماناً لا يجمعهم وال؛ ثم ولى عليهم السمح بن مالك الخولاني قبل المائة؛ ثم ولى عليها الحر بن عبد الرحمن القيسى؛ ثم وليها عنبسة بن سحيم الكلبي، وعزل الحر بن عبد الرحمن؛ ثم وليها عبد الرحمن بن عبد الله العكى نحو العشر ومائة، وكان رجلاً صالحاً؛ ثم وليها عبد الملك ابن قطن الفهرى، ثم عقبة بن الحجاج، فهلك عقبة بالأندلس، فرد عبد الملك بن قطن، ثم جاء بلج بن بشر فادعى ولايتها، وشهد له بعض من كان معه، ووقعت فتن من أجل ذلك افترق أهل الأندلس فيها على أربعة أمراء، حتى أرسل إليهم والياً أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي، فحسم مواد الفتنة، وجمعهم على الطاعة بعد الفرقة؛ وفي تقديم بعضهم على بعض اختلاف، إلا أن هؤلاء المذكورين كانوا أمراءها، وولاة الحروب فيها ايام بنى أمية قبل ذهاب دولتهم من المشرق.

стр. 6

وسنذكر إن شاء الله في الأبواب، ممن دخل الأندلس للجهاد من التابعين جماعة، منهم: محمد بن أوس بن ثابت الأنصاري يروى عن أبي هريرة. ومنهم: حنش بن عبد الله الصنعاني يروى عن علي بن أبي طالب، وفضالة ابن عبيد. ومنهم: عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي يروى عن ابن عمر. ومنهم: زيد بن قاصد السكسكى المصري، يروى عن عبد الله بن عمرو ابن العاص. ومنهم: موسى بن نصير الذي ينسب الفتح إليه يروى عن تميم الدارى. وقد جاء في فضل المغرب غير حديث؛ من ذلك ما أخرجه مسلم بن الحجاج في الصحيح. رواه عن يحيى بن يحيى، عن هشيم بن بشير الواسطى، عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان النهدى، عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله ﷺ قال: لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة، وهذا النص وإن كان عاماً لما يقع عليه، فللأندلس منه حظ وافر لدخولها في العموم، ومزية لتحققها بالغرب وانتهاء آخر المعمور فيه، وبعض ساحلها الغربي على البحر المحيط، وليس بعده مسلك. ومن فضلها أنه لم يذكر قط على منابرها أحد من السلف إلا بخير وإلى الآن، وهي ثغر من ثغور المسلمين لمجاورتهم الروم، واتصال بلادهم ببلادهم وإنما قيل جزيرة الأندلس لأن البحر محيط بجميع جهاتها إلا ما كان الروم فيه من جهة الشمال منها، فصارت كالجزيرة بين

стр. 7

البحر والروم، وإلا فمنها إلى القسطنطينية بر متصل من جهة بلاد الروم؛ وقد بشر النبي ﷺ أهل تلك البلاد في هذا الحديث المتصل الإسناد، بظهور الإسلام فيها وثباته إلى أن تقوم الساعة بها؛ هذا مع زيادة أعداد الروم وبلادهم أضعافاً مضاعفة عليهم، وقلة المسلمين هنالك بالإضافة إليهم، وصح بخبر الصادق ﷺ أنه ثغر منصور إلى قيام الساعة والحمد لله رب العالمين.

стр. 8

فصل وما زالت الولاة بالأندلس أيام بنى أمية تليها من قبلهم ومن قبل من يقيمونه بالقيروان أو بمصر؛ فلما اضطرب أمر بنى أمية في سنة ست وعشرين ومائة بقتل الوليد ابن يزيد بن عبد الملك، واشتغلوا عن مراعاة أقاصى البلاد، وقع الاضطراب بإفريقية، والاختلاف بالأندلس أيضاً من القبائل، ثم اتفقوا بالأندلس على تقديم قرشى يجمع الكلمة إلى أن تستقر الأمور بالشام لمن يخاطب، ففعلوا، وقدموا يوسف ابن عبد الرحمن الفهرى أميرا، فسكنت به الأمور، واتفقت عليه القلوب، واتصلت إمارته إلى سنة ثمان وثلاثين بعد ذهاب دولة بني أمية بست سنين؛ وكان ذهاب دولتهم جملة بقتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم في بعض نواحى الفيوم من أعمال مصر، في آخر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة بعد بيعة أبي العباس السفاح بتسعة أشهر. وكان ممن هرب إلى الأندلس من بني أمية عبد الرحمن بن معاوية، ونحن نذكر تاريخ وصوله إليها، وسبب ولايته عليها ومن وليها بعده من أولاده وغيرهم، إلى آخر ما عندنا، ثم نذكر ما بعد ذلك على ما شرطناه إن شاء الله، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله تعالى وجل. أول أمراء بنى أمية بالأندلس عبد الرحمن، بن معاوية بن هشام، بن عبد الملك، بن مروان، يكنى أبا المطرف، مولده بالشام سنة ثلاث عشرة ومائة، وأمه أم ولد اسمها راح؛ هرب لما ظهرت دولة بنى

стр. 9

العباس، ولم يزل مستتراً إلى أن دخل الأندلس سنة ثمان وثلاثين ومائة في زمن أبي جعفر المنصور، فقامت معه اليمانية، وحارب يوسف ابن عبد الرحمن بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري الوالي على الأندلس فهزمه، واستولى عبد الرحمن على قرطبة يوم الأضحى من العام المذكور، فاتصلت ولايته إلى أن مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. كذا قال لنا أبو محمد على بن أحمد بن سعيد الفقيه: يوسف بن عبد الرحمن بن أبي عبيدة. ورأيت في غير موضع يوسف بن عبد الرحمن بن أبي عبدة، فالله أعلم. وكان عبد الرحمن بن معاوية من أهل العلم، وعلى سيرة جميلة من العدل. ومن قضاته: معاوية بن طليح الحضرمى الحمصى. وله أدب وشعر. ومما أنشدونا له يتشوق إلى معاهده بالشام قوله: أيها الراكب الميمم أرضى ... أقر من بعضى السلام لبعضى إن جسمي، كما علمت، بأرض ... وفؤادى ومالكيه بأرض قدر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوتى غمضى قد قضى الله بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضى

стр. 10

؟ ولاية الأمير هشام بن عبد الرحمن ثم ولى بعد عبد الرحمن ابنه هشام، يكنى أبا الوليد، وسنه حينئذ ثلاثون سنة، فاتصلت ولايته سبعة أعوام إلى أن مات في صفر سنة ثمانين ومائة؛ وكان حسن السيرة متحيزاً للعدل، يعود المرضى ويشهد الجنائز، أمه حوراء. ولاية الحكم بن هشام ثم ولى بعده ابنه الحكم، وله اثنتان وعشرون سنة، يكنى أبا العاص، أمه أم ولد اسمها زخرف؛ وكان طاغياً مسرفاً، وله آثار سوء قبيحة، وهو الذي أوقع بأهل الربض الوقعة المشهورة فقتلهم، وهدم ديارهم ومساجدهم؛ وكان الربض محلة متصلة بقصره، فاتهمهم في بعض أمره، ففعل بهم ذلك، فسمى الحكم الربضى لذلك؛ واتصلت ولايته إلى أن مات في آخر ذي الحجة سنة ست ومائتين. ولاية عبد الرحمن بن الحكم ثم ولي بعده ابنه عبد الرحمن، يكنى أبا المطرف، وله ثلاثون سنة، وأمه أم ولد اسمها حلاوة، فاتصلت ولايته إلى أن مات في صفر سنة ثمان وثلاثين ومائتبن؛ وكان وادعاً محمود السيرة.

стр. 11

ولاية الأمير محمد بن عبد الرحمن ثم ولى بعده ابنه محمد يكنى أبا عبد الله، وأمه أم ولد اسمها نهتز؛ فاتصلت ولايته إلى أن مات في آخر صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين. قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: وكان محباً للعلوم، مؤثراً لأهل الحديث، عارفاً، حسن السيرة؛ ولما دخل الأندلس أبو عبد الرحمن بقى بن مخلد بكتاب مصنف أبي بكر ابن أبي شيبة: وقرىء عليه، أنكر جماعة من أهل الرأى ما فيه من الخلاف واستشنعوه، وبسطوا العامة عليه، ومنعوه من قراءته، إلى أن اتصل ذلك بالأمير محمد، فاستحضره وإياهم، واستحضر الكتاب كله، وجعل يتصفحه جزءاً، جزءا، إلى أن أتى على آخره، وقد ظنوا أنه يوافقهم في الإنكار عليه، ثم قال لخازن الكتب: هذا كتاب لا تستغنى خزانتنا عنه، فانظر في نسخه لنا؛ ثم قال لبقى بن مخلد: انشر علمك، وارو ما عندك من الحديث، واجلس للناس حتى ينتفعوا بك. أو كما قال، ونهاهم أن يتعرضوا له. ولاية المنذر بن محمد ثم ولى بعده ابنه المنذر بن محمد، ويكنى أبا الحكم. وأمه أم ولد اسمها أثل، وكان مولده في سنة تسع وعشرين ومائتين، فاتصلب ولايته سنتين غير خمسة عشر يوماً، ومات وهو على قلعة يقال لها بباشتر محاصراً لعمر بن حفصون:

стр. 12

خارجي قام هناك وتحصن. وكان موته في سنة خمس وسبعين ومائتين؛ وقد انقرض عقب المنذر. ولاية عبد الله بن محمد فولى بعده أخوه عبد الله بن محمد، وكان مولده سنة ثلاثين ومائتين؛ يكنى أبا محمد. أمه أم ولد اسمها عشار، طال عمرها إلى أن ماتت قبل موته بسنة وشهر؛ وكان وادعاً لا يشرب الخمر، وفي أيامه امتلأت الأندلس بالفتن، وصار في كل جهة متغلب، فلم يزل كذلك طول ولايته إلى أن مات مستهل ربيع الأول سنة ثلاث مائة. ولاية عبد الرحمن الناصر ثم ولى بعده ابن ابنه عبد الرحمن، بن محمد، بن عبد الله، وكان والده محمد قد قتله أخوه المطرف بن عبد الله في صدر دولة أبيهما عبد الله، وترك ابنه عبد الرحمن هذا وهو ابن عشرين يوماً، فولى الأمر وله اثنتان وعشرون سنة. قال لي أبو محمد علي بن أحمد: وكانت ولايته من المستطرف، لأنه كان في هذا الوقت شاباً، وبالحضرة جماعة أكابر من أعمامه وأعمام أبيه، وذوى القعدد في النسب من أهل بيته، فلم يعترض معترض واستمر له الأمر، وكان شهماً صارما، وكل من ذكرنا من الأمراء أجداده إلى عبد الرحمن بن محمد هذا، فليس

стр. 13

منهم أحد تسمى بإمرة المؤمنين، وإنما كان يسلم عليهم، ويخطب لهم بالإمارة فقط؛ وجرى على ذلك عبد الرحمن بن محمد إلى آخر السنة السابعة عشر من ولايته، فلما بلغه ضعف الخلافة بالعراق في أيام المقتدر، وظهور الشيعة بالقيروان، تسمى عبد الرحمن بأمير المؤمنين، وتلقب بالناصر لدين الله، وكان يكنى أبا المطرف، وأمه أم ولد اسمها مزنة، ولم يزل منذ ولى يستنزل المتغلبين حتى استكمل إنزال جميعهم في خمس وعشرين سنة من ولايته، وصار جميع أقطار الأندلس في طاعته، ثم اتصلت ولايته إلى أن مات في صدر رمضان سنة خمسين وثلاث مائة، ولم يبلغ أحد من بني أمية من الولاية مدته فيها. ولاية الحكم المستنصر ثم ولى بعده ابنه الحكم بن عبد الرحمن، ويلقب بالمستنصر بالله، وله إذ ولى سبع وأربعون سنة، يكنى أبا العاص؛ أمه أم ولد اسمها مرجان، وكان حسن السيرة، جامعاً للعلوم، محباً لها، مكرما لأهلها، وجمع من الكتب في أنواعها ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله هنالك؛ وذلك بإرساله عنها إلى الأقطار، واشترائه لها بأغلى الأثمان، ونفق ذلك عليه فحمل إليه، وكان قد رام قطع الخمر من الاندلس وأمر بإراقتها وتشدد في ذلك، وشاور في استئصال شجرة العنب من جميع أعماله، فقيل له إنهم يعملونها من التين وغيره، فتوقف عن ذلك. وفي أمره بإراقة الخمور في سائر الجهات يقول أبو عمر يوسف بن هارون الكندي قصيدته المشهورة فيها، متوجعاً لشاربها، وإنما أوردناها تحقيقاً لما ذكرنا عنه من ذلك، وهي قوله:

стр. 14

بخطب الشاربين يضيق صدري ... وترمضني بليتهم لعمري وهل هم غير عشاق أصيبوا ... بفقد حبائب ومنوا بهجر أعشاق المدامة إن جزعتم ... لفرقتها فليس مكان صبر سعى طلابكم حتى أريقت ... دماء فوق وجه الأرض تجرى تضوع عرفها شرقاً وغرباً ... وطبق أفق قرطبة بعطر فقل للمسفحين لها بسفح ... وما سكنته من ظرف بكسر وللأبواب إحراقاً إلى أن ... تركتم أهلها سكان قفر تحريتم بذاك العدل فيها ... بزعمكم فإن يك عن تحري فإن أبا حنيفة وهو عدل ... وفر عن القضاء مسير شهر فقيه لا يدانيه فقيه ... إذا جاء القياس أتى بدر وكان من الصلاة طويل ليل ... يقطعه بلا تغميض شفر وكان له من الشراب جار ... يواصل مغرباً فيها بفجر وكان إذا انتشى غنى بصوت ال ... مضاع بسجنه من آل عمرو أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر فغيب صوت ذاك الجار سجن ... ولم يكن الفقيه بذاك يدرى فقال، وقد مضى ليل وثان ... ولم يسمعه غنى: ليت شعري!

стр. 15

أجاري المؤنسى ليلاً غناء ... لخير قطع ذلك ام لشر فقالوا إنه في سجن عيسى ... أتاه به المحارس وهو يسرى فنادى بالطويلة وهي مما ... يكون برأسه لجليل أمر ويمم جاره عيسى بن موسى ... فلاقاه بإكرام وبر وقال: أحاجة عرضت فإني ... لقاضيها ومتبعها بشكر فقال: سجنت لي جاراً يسمى ... بعمر وقال: يطلق كل عمرو بسجنى حين وافقه اسم جار ال ... فقيه ولو سجنتهم بوتر فأطلقهم له عيسى جميعاً ... لجار لايبيت بغير سكر فإن أحببت قل لجوار جار ... وإن أحببت قل لطلاب أجر فإن أبا حنيفة لم يؤب من ... تطلبه تخلصه بوزر نواقعها من أجل النهي سرا ... وكم نهى نواقعه بجهر وقد وقع لنا معنى هذا الخبر الذي نظمه يوسف بن هارون عن أبي حنيفة بإسناد؛ حدثناه الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الحافظ، قراءة علينا بدمشق من كتابه قال: أخبرني علي بن أحمد الرزاز قال: نا أبو الليث نصر بن محمد الزاهد البخاري قدم علينا، قال: نا محمد بن محمد بن سهل النيسابوري، قال: نا أبو أحمد بن محمد بن أحمد الشعيبي، قال: نا أسد بن نوح، قال: نا محمد بن عباد، قال:

стр. 16

نا القاسم بن غسان، قال: أخبرني أبي قال: أخبرني عبد الله بن رجاء الغداني، قال: كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحماً فطبخه، أو سمكة فشواها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غزل بصوت وهو يقول: أضاعوني واي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته كل يوم، وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس منذ ليال وهو محبوس، فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وركب بغلة واستأذن على الأمير، قال الأمير: ائذنوا له، وأقبلوا به راكباً ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعل، فلم يزل الأمير يوسع له في مجلسه، وقال ما حاجتك؟ قال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال، يأمر الأمير بتخليته، فقال: نعم وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه فقال: يا فتى؟ أضعناك؟ فقال: لا. بل حفظت ورعيت، جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار، ورعاية الحق؛ وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان. وكان الحكم المستنصر مواصلاً لغزو الروم، ومن خالفه من المحاربين، فاتصلت ولايته إلى أن مات في صفر سنة ست وستين وثلاث مائة؛ وقد انقرض عقبه.

стр. 17

؟؟ ولاية هشام المؤيد ثم ولي بعده ابنه هشام يكنى أبا الوليد، وأمه أم ولد تسمى صبح، وكان له إذ ولى عشرة أعوام وأشهر، فلم يزل متغلباً عليه، لا يظهر ولا ينفذ له أمر، وتغلب عليه أبو عامر محمد بن أبي عامر الملقب بالمنصور، فكان يتولى جميع الأمور إلى أن مات، فصار مكانه ابنه عبد الملك بن محمد الملقب بالمظفر، فجرى على ذلك أيضا إلى أن مات، فصار مكانه أخوه عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر، فخلط وتسمى ولي العهد، وبقي كذلك أربعة أشهر، إلى أن قام عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار يوم الثلاثاء لثمان عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلثمائة، فخلع هشام بن الحكم وأسلمت الجيوش عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن أبي عامر، فقتل وصلب، وبقي كذلك إلى أن قتل محمد بن هشام بن عبد الجبار وصرف هشام المؤيد إلى الأمر، وذلك يوم الأحد السابع من ذي الحجة سنة أربع مائة، فيبقى كذلك وجيوش البربر تحاصره مع سليمان بن الحكم بن سليمان، واتصل ذلك إلى خمس خلون من شوال سنة ثلاث وأربع مائة، فدخل البربر مع سليمان قرطبة، وأخلوها من أهلها، حاشا المدينة وبعض الربض الشرقي، وقتل هشام، وكان في طول دولته متغلباً عليه لا ينفذ له أمر وتغلب عليه في هذا الحصار واحد بعد واحد من العبيد، ولم يولد له قط.

стр. 18

ولاية محمد بن هشام المهدي قام محمد بن هشام، بن عبد الجبار، بن عبد الرحمن الناصر، على هشام بن الحكم في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاث مائة، فخلعه وتسمى بالمهدي، وبقي كذلك إلى أن قام عليه يوم الخميس لخمس خلون من شوال سنة تسع وتسعين، هشام بن سليمان ابن الناصر مع البربر، فحار به بقية يومه والليلة المقبلة، وصبيحة اليوم الثاني، وقام عليه عامة أهل قرطبة مع محمد بن هشام، فانهزم البربر، وأسر هشام بن سليمان، فأتى إلى المهدي فضرب عنقه، واجتمع البربر عند ذلك، فقدموا على أنفسهم سليمان بن الحكم بن سليمان الناصر، ابن أخي هشام القائم المذكور، ونهض بهم إلى الثغر، فاستجاش بالنصارى وأتى إلى باب قرطبة، وبرز إليه جماعة أهل قرطبة، فلم تكن إلا ساعة حتى قتل من أهل قرطبة نيف على عشرين ألف رجل في جبل هناك يعرف بجبل قنطيش، وهي الوقعة المشهورة، ذهب فيها من الخيار. وأئمة المساجد، والمؤذنين خلق عظيم، واستتر محمد بن هشام المهدي أياما ثم لحق بطليطلة، وكانت الثغور كلها من طر طوشة إلى الأشبونة باقية على طاعته ودعوته، فاستجاش بالأفرنج، وأتى بهم إلى قرطبة، فبرز إليه سليمان بن الحكم مع البربر إلى موضع بقرب قرطبة على نحو بضعة

стр. 19

عشر ميلاً يدعى عقبة البقر، فانهزم سليمان والبربر، واستولى المهدي على قرطبة، ثم خرج بعد أيام إلى قتال جمهور البربر، وكانوا قد صاروا بالجزيرة فالتقوا بواد في آر فكانت الهزيمة على محمد ابن هشام، وانصرف إلى قرطبة فوثب عليه العبيد مع واضح الصقلبي، فقتلوه وصرفوا هشاماً المؤيد كما ذكرنا قبل، فكانت مدة ولاية محمد المهدي مذقام إلى أن قتل ستة عشر شهراً من جملتها الستة الأشهر التي كان فيها سليمان بقرطبة، وكان هو بالثغر؛ وكان يكنى أبا الوليد، أمه أم ولد تسمى مزنة، وكان له اسمه عبيد الله، انقرض ولا عقب للمهدي، وكان مولد المهدي في سنة ست وستين وثلاث مائة. ولاية سليمان بن الحكم المستعين قام سليمان بن الحكم كما ذكرنا يوم الجمعة لست خلون من شوال سنة تسع وتسعين وثلاث مائة وتلقب بالمستعين بالله، ثم دخل قرطبة كما ذكرنا في ربيع الآخر سنة أربع مائة، وتلقب حينئذ بالظافر بحول الله مضافاً إلى المستعين، ثم خرج عنها في شوال سنة أربع مائة فلم يزل يجول بعساكر البربر في بلاد الأندلس، يفسد وينهب، ويقفر المدائن والقرى بالسيف والغارة، لا تبقى البربر معه على صغير ولا كبير ولا امرأة، إلى أن دخل قرطبة في صدر شوال سنة ثلاث وأربع مائة. وكان من جملة جنده رجلان من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب، يسميان القاسم وعلياً ابنى حمود، بن

стр. 20

ميمون، بن أحمد، بن علي، بن عبيد الله، بن عمر، بن إدريس، بن إدريس ابن عبد الله، بن الحسن، بن الحسن، بن علي، بن أبي طالب، رضى الله عنه، فقودهما على المغاربة ثم ولى أحدهما سبتة وطنجة، وهو علي الأصغر منها؛ وولي القاسم الجزيرة الخضراء، وبين الموضعين المجاز المعروف بالزقاق، وسعة البحر هناك اثنا عشر ميلا، وافترق العبيد، إذ دخل البربر مع سليمان قرطبة، فملكوا مدناً عظيمة، وتحصنوا فيها، فراسلهم علي بن حمود المذكور، وقد حدث له طمع في ولاية الأندلس، وكتب إليهم يذكر لهم أن هشام بن الحكم إذ كان محاصراً بقرطبة كتب إليه يوليه عهده، فاستجابوا له وبايعوه، فزحف من سبتة إلى مالقة، وفيها عامر بن فتوح الفائقي مولى فائق، مولى الحكم المستنصر، فأطاع له، وأدخله، مالقة فتملكها علي بن حمود، وأخرج عنها عامر بن فتوح، ثم زحف بمن معه من البربر، وجمهور العبيد إلى قرطبة، فخرج إليه محمد بن سليمان في عساكر البربر، فانهزم محمد ابن سليمان، ودخل علي بن حمود قرطبة، وقتل سليمان، بن الحكم صبراً؛ ضرب عنقه بيده يوم الأحد لتسع بقين من المحرم سنة سبع وأربع مائة، وقتل أباه الحكم بن سليمان بن الناصر أيضا في ذلك اليوم، وهو شيخ كبير له اثنتان وسبعون سنة، فكانت مدة سليمان مذ دخل قرطبه إلى أن قتل ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر وأياما، وقد كان ملكها قبل ذلك ستة أشهر كما ذكرنا، وكانت مدته مذ قام مع البربر إلى أن قتل سبعة أعوام وثلاثة أشهر وأياما، وانقطعت دولة بني أمية في هذا الوقت وذكرهم على المنابر في جميع أقطار الأندلس، إلى أن عاد بعد ذلك في الوقت الذي نذكره إن شاء الله.

стр. 21

وكانت أمه أم ولد اسمها ظبية، ومولده سنة أربع وخمسين وثلاث مائة، وترك من الولد ولي عهده محمداً لم يعقب، والوليد، ومسلمة؛ وكان سليمان أديباً شاعراً أنشدني أبو محمد على بن أحمد قال: أنشدني فتى من ولد اسماعيل بن إسحاق المنادى الشاعر، كان يكتب لأبي جعفر أحمد بن سعيد بن الدب قال: أنشدني أبو جعفر قال: أنشدني أمير المؤمنين سليمان الظافر لنفسه، قال أبو محمد: وأنشدنيها قاسم بن محمد المروانى قال: أنشدنيها وليد بن محمد الكاتب لسليمان الظافر: عجباً يهاب الليث حد سناني ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان وأقارع الأهوال لا متهيباً ... منها سوى الإعراض والهجران وتملكت نفسي ثلاث كالدمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان ككواكب الظلماء لحن لناظر ... من فوق أغصان على كثبان هذى الهلال وتلك بنت المشترى ... حسناً وهذى أخت غصن البان حاكمت فيهن السلو إلى الصبا ... فقضى بسلطان على سلطان فأبحن من قلبي الحمى وثنيننى ... في عز ملكى كالأسيرالعاني لا تعذلوا ملكا تذلل للهوى ... ذل الهوى عز وملك ثانى ماضر أنى عبدهن صبابة ... وبنو الزمان وهن من عبدانى إن لم أطع فيهن سلطان الهوى ... كلفاً بهن فلست من مروان وإذا الكريم أحب أمن إلفه ... خطب القلى وحوادث السلوان وإذا تجارى في الهوى أهل الهوى ... عاش الهوى في غبطة وأمان وهذه الأبيات معارضة للأبيات التي

стр. 22

تنسب إلى هارون الرشيد، وأنشدنيها له أبو محمد عبد الله بن عثمان ابن مروان العمري وهي: ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان مالي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصيان ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعز من سلطانى ولاية علي بن حمود الناصر تسمى بالخلافة، وتلقب بالناصر، ثم خالف عليه العبيد الذين كانوا بايعوه وقدموا عبد الرحمن، بن محمد، بن عبد الملك، بن عبد الرحمن الناصر، وسموه المرتضى، وزحفوا إلى أغرناطة من البلاد التي تغلب عليها البربر، ثم ندموا على إقامته لما رأوا من صرامته، وخافوا عواقب تمكنه وقدرته، فانهزموا عنه، ودسوا عليه من قتله غيلة، وخفى أمره، وبقي علي بن حمود بقرطبة مستمر ألا مر، عامين غير شهرين، إلى أن قتله صقالبة له في الحمام سنة ثمان وأربع مائة. وكان له من الولد، يحيى، وإدريس. ولاية القاسم بن حمود المأمون فولى بعده أخوه القاسم بن حمود، وكان أسن منه بعشرة أعوام، وتلقب بالمأمون، وكان وادعاً أمن الناس معه، وكان يذكر عنه أنه يتشيع، ولكنه لم

стр. 23

يظهر ذلك، ولا غير للناس عادة ولا مذهبا، وكذلك سائر من ولى منهم بالأندلس، فبقى القاسم كذلك إلى شهر ربيع الأول سنة اثنتى عشرة وأربع مائة، فقام عليه ابن أخيه يحيى بن علي بن حمود بمالقة، فهرب القاسم عن قرطبة بلا قتال، وصار بإشبيلية، وزحف ابن أخيه المذكور من مالقه بالعساكر، فدخل دون مانع، وتسمى بالخلافة، وتلقب بالمعتلى، فبقي كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره، واستمال البربر، وزحف بهم إلى قرطبة، فدخلها في سنة ثلاث عشرة وأربع مائة، وهرب يحيى ابن علي إلى مالقة فبقى القاسم بقرطبة شهوراً اضطرب أمره، وغلب ابن أخيه يحيى على الجزيرة المعروفة بالجزيرة الخضراء، وهي كانت معقل القاسم وبها كانت امرأته وذخائره، وغلب ابن أخيه الثاني إدريس بن علي صاحب سبتة على طنجة، وهي كانت عدة القاسم ليلجأ إليها إن رأى ما يخاف بالأندلس؛ وقام عليه جماعة أهل قرطبة في المدينة، وأغلقوا أبوابها دونه، فحاصرهم نيفاً وخمسين يوماً، وأقام الجمعة في مسجد ابن أبي عثمان؛ ثم إن أهل قرطبة زحفوا إلى البربر، فانهزم البربر عن القاسم، وخرجوا من الأرباض كلها في شعبان سنة أربع عشرة وأربع مائة، ولحقت كل طائفة من البربر ببلد غلبت عليه، وقصد القاسم إشبيلية، وبها كان ابناه محمد والحسن؛ فلما عرف أهل إشبيلية خروجه عن قرطبة، ومجيئه إليهم، طردوا بنيه ومن كان معهما من البربر، وضبطوا البلد، وقدموا على أنفسهم ثلاثة رجال من شيوخ البلد وأكابرهم؛ وهم القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمى، ومحمد بن يريم

стр. 24

الإلهاني، ومحمد بن محمد بن الحسن الزبيدي، ومكثوا كذلك أياماً مشتركين في سياسة البلد وتدبيره، ثم انفرد القاضي أبو القاسم بن عباد بالأمر، واستبد بالتدبير، وصار الآخران في جملة الناس، ولحق القاسم بشريش، واجتمع البربر على تقديم ابن أخيه يحيى، وزحفوا إلى القاسم فحصروه حتى صار في قبضة ابن أخيه يحيى، وانفرد ابن أخيه يحيى بولاية البربر، وبقى القاسم أسيراً عنده وعند أخيه إدريس بعده، إلى أن مات إدريس، فقتل القاسم خنقاً سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة، وحمل إلى ابنه محمد ابن القاسم بالجزيرة، فدفنه هنالك؛ فكانت ولاية القاسم مذ تسمى بالخلافة بقرطبة، إلى أن أسره ابن أخيه ستة أعوام، ثم كان مقبوضاً عليه ست عشرة سنة عند ابني أخيه إلى أن قتل كما ذكرنا في أول سنة إحدى وثلاثين، ومات وله ثمانون سنة، وله من الولد محمد والحسن، أمهما أميرة بنت الحسن، بن قنون، بن إبراهيم، ابن محمد بن القاسم، بن إدريس، بن إدريس، بن عبد الله بن الحسن بن علي، ابن أبي طالب. ولاية يحيى بن علي المعتلى اختلف في كنيته فقيل أبو إسحاق، وقيل أبو محمد، وأمه لبونة، بنت محمد، بن الحسن، بن القاسم المعروف بقنون، بن إبراهيم، بن محمد، بن القاسم، ابن إدريس، بن إدريس، بن عبد الله، بن الحسن، بن الحسن، بن علي، بن أبي طالب؛ وكان الحسن بن قنون من كبار الملوك الحسنين وشجعانهم، ومردتهم، وطغاتهم المشهورين، فتسمى يحيى بالخلافة بقرطبة سنة ثلاث عشرة وأربع مائة كما ذكرنا، ثم هرب عنها إلى مالقة سنة أربع عشرة كما وصفنا، ثم سعى قوم من المفسدين في رد دعوته إلى قرطبة في

стр. 25

سنة ست عشرة فتم لهم ذلك، إلا أنه تأخر عن دخولها باختياره، واستخلف عليها عبد الرحمن بن عطاف اليفرني، فبقى الأمر كذلك إلى سنة سبع عشرة، ثم قطعت دعوته عن قرطبة، وبقى يتردد عليها بالعساكر إلى أن اتفقت على طاعته جماعة البربر، وسلموا إليه الحصون والقلاع والمدن، وعظم أمره، فصار بقرمونة محاصراً لإشبيلية طامعاً في أخذها، فخرج يوماً وهو سكران إلى خيل ظهرت من إشبيلية بقرب قرمونة، فلقيها وقد كمنوا له، فلم يكن بأسرع من أن قتل، وذلك يوم الأحد لسبع خلون من المحرم سنة سبع وعشرين وأربع مائة، وكان له من الولد: الحسن، وإدريس، لأمي ولد. ولاية عبد الرحمن هشام المستظهر ولما انهزم البرابر عن أهل قرطبة مع القاسم كما ذكرنا، اتفق رأى أهل قرطبة على رد الأمر إلى بنى أمية، فاختاروا منهم ثلاثة، وهم: عبد الرحمن، بن هشام، ابن عبد الجبار، بن عبد الرحمن الناصر، أخو المهدي المذكور آنفاً، وسليمان بن المرتضى المذكور آنفاً، ومحمد عبد الرحمن بن هشام القائم على المهدي بن سليمان بن الناصر؛ ثم استفر الأمر لعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار، فبويع بالخلافة لثلاث عشرة ليلة خلت لرمضان سنة أربع عشرة وأربع مائة، وله اثنان وعشرون سنة، وتلقب بالمستظهر، وكان مولده سنة اثنين وتسعين وثلاث مائة، في ذي القعدة، يكنى أبا المطرف، وأمه أم ولد اسمها غاية. ثم قام عليه أبو عبد الرحمن، بن عبيد الله، بن

стр. 26

عبد الرحمن الناصر، مع طائفة من أراذل العوام، فقتل عبد الرحمن بن هشام، وذلك لثلاث بقين من ذي القعدة سنة أربع عشرة المؤرخ ولا عقب له. وكان في غاية الأدب والبلاغة والفهم ورقة النفس. كذا قال أبو محمد على بن أحمد وكان خبيراً به. وقال الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد: كان المستظهر ﵀ شاعراً مطبوعاً، ويستعمل الصناعة، فيجيد وهو القائل في ابنة عمه: حمامة بيت العبشميين رفرفت ... فطرت إليها من سراتهم صقرا تقل الثريا أن تكون لها يداً ... ويرجو الصباح أن يكون لها نحرا وإنى لطعان إذا الخيل أقبلت ... جوانبها حتى ترى جونها شقرا ومكرم ضيفي حين ينزل ساحتي ... وجاعل وفرى عند سائله وقرا وهي طويلة قالها أيام خطبته لابنة عمه أم الحكم بنت المستعين. قال أبو عامر: وكان يتهم في أشعاره ورسائله، حتى كتب أمان يعلى بن أبي زيد حين وفد عليه ارتجالاً، فعجب أهل التمييز منه، وأما أنا فقد كنت بلوته؛ وكان ورود يعلى فجأة ولم يبرح من مجلسه حتى ارتجل الأمان، وأنا والله أخاف أن يزل فأجاد وزاد. هذا آخر كلام أبي عامر. ولاية محمد بن عبد الرحمن المستكفى وولى محمد بن عبد الرحمن المذكور، وله ثمان وأربعون سنة وأشهر، لأن مولده في سنة ست وستين وثلاث مائة، وكنيته أبو عبد الرحمن، وأمه وأم ولد اسمها حوراء، وكان أبوه قد قتله محمد بن أبي عامر في أول دولة هشام المؤيد لسعيه في القيام، وطلبه

стр. 27

للأمر؛ وكان محمد بن عبد الرحمن هذا قد تلقب بالمستكفى، فولى ستة عشر شهراً وأياماً إلى أن خلع ورجع الأمر إلى يحيى بن علي الحسنى، وهرب المستكفى فلما صار بقرية يقال لها شمونت من أعمال مدينة سالم جلس ليأكل، وكان معه عبد الرحمن بن محمد ابن السليم من ولد سعيد بن المنذر القائد المشهور أيام عبد الرحمن الناصر، فكره التمادي معه، وأخذ شيئاً من البيش وهو كثير في ذلك البلد، فدهن له به دجاجة، فلما أكلها مات لوقته، فقبره هنالك، وكان هذا المستكفى في غاية التخلف وله في ذلك أخبار يقبح ذكرها، وكان متغلباً عليه طول مدته، لا ينفذ له أمر ولا عقب له. ولاية هشام بن محمد المعتد ولما قطعت دعوة يحيى بن علي الحسيني من قرطبة سنة سبع عشرة كما ذكرنا، أجمع رأى أهل قرطبة على رد الأمر إلى بني أمية، وكان عميدهم في ذلك الوزير أبو الحزم جهور، بن محمد، بن جهور، بن عبيد الله، بن محمد، بن الغمر، ابن يحيى، بن عبد الغافر، بن أبي عبدة، وقد كان ذهب كل من كان ينافس في الرياسة ويخب في الفتنة بقرطبة، فراسل جهور ومن معه من أهل الثغور والمتغلبين هنالك على الأمور، وداخلهم في هذا، فاتفقوا بعد مدة طويلة على تقديم أبي بكر؛ هشام ابن محمد، بن عبد الملك، بن عبد الرحمن الناصر، وهو أخو المرتضى المذكور؛ قيل: كان

стр. 28

مقيما بالبونت عند أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم المتغلب بها، فبايعوه في شهر ربيع الأول سنة ثمان عشرة وأربع مائة، وتلقب بالمعتد بالله، وكان مولده سنة أربع وستين وثلاث مائة، وكان أسن من أخيه المرتضى بأربعة أعوام؛ وأمه أم ولد اسمها عاتب، فبقى متردداً في الثغور ثلاثة أعوام غير شهرين، ودارت هنالك فتن كثيرة، واضطراب شديد بين الرؤساء بها إلى أن اتفق أمرهم على أن يصير إلى قرطبة قصبة الملك، فصار ودخلها يوم منى ثامن ذي الحجة سنة عشرين وأربع مائة، ولم يبق إلا يسيراً حتى قامت عليه فرقة من الجند، فخلع، وجرت أمور يكثر شرحها، وانقطعت الذعوة الأموية من يومئذ فيها، واستولى على قرطبة جهور ابن محمد المذكور آنفاً، وكان من وزراء الدولة العامرية، قد يم الرياسة، موصوفاً بالدهاء والعقل، لم يدخل في أمور الفتن قبل ذلك، وكان يتصاون عنها؛ فلما خلا له الجو، وأمكنته الفرصة وثب عليها، فتولى أمرها، واستضلع بحمايتها، ولم ينتقل إلى رتبة الإمارة ظاهرا، بل دبرها تدبيراً لم يسبق إليه، وجعل نفسه ممسكا للموضع إلى أن يجئ مستحق يتفق عليه، فيسلم إليه ورتب البوابين والحشم على أبواب تلك القصور على ما كانت عليه أيام الدولة، ولم يتحول عن داره إليها، وجعل ما يرتفع من الأموال السلطانية بأيدي رجال

стр. 29

رتبهم لذلك، وهو المشرف عليه، وصير أهل الأسواق جنداً، وجعل أرزاقهم رؤوس أموال تكون بأيديهم محصلة عليهم يأخذون ربحها فقط ورؤس الأموال باقية محفوظة يؤخذون بها، ويراعون في الوقت بعد الوقت كيف حفظهم لها، وفرق السلاح عليهم، وأمرهم بتفرقته في الدكاكين، وفي البيوت، حتى إذا دهم أمر في ليل أو نهار، كان سلاح كل واحد معه؛ وكان يشهد الجنائز، ويعود المرضى جارياً في طريقة الصالحين، وهو مع ذلك يدبر الأمور تدبير السلاطين المتغلبين؛ وكان مأموناً وقرطبة في أيامه حريماً يأمن فيه كل خائف من غيره، إلى أن مات في صفر سنة خمس وثلاثين وأربع مائة. وتولى أمرها بعده ابنه أبو الوليد محمد بن جهور على هذا التدبير، إلى أن مات، فغلب عليها بعد أمور جرت هنالك، الأمير الملقب بالمأمون صاحب طليطلة، ودبرها مدة يسيرة، ومات فيها، ثم غلب عليها صاحب إشبيلية الأمير الظافر ابن عباد، فهي الآن بيده على ما بلغنا؛ وبقى هشام بن المعتد معتقلا، ثم هرب ولحق بابن هود بلاردة، فأقام هنالك إلى أن مات سنة سبع وعشرين وأربع مائة، ولا عقب له، وانقطعت دولة بني مروان جملة، إلا أن أهل إشبيلية ومن كان على رأيهم من أهل تلك البلاد، لما ضيق عليهم يحيى بن علي الحسني، وخافوا أمره، أظهروا أن هشام ابن الحكم المؤيد حي، وأنهم

стр. 30

ظفروا به فبايعوه، وأظهروا دعوته، وتابعهم أكثر أهل الأندلس. وبقي الأمر كذلك إلى حدود الخمسين وأربع مائة، فإنهم أظهروا موت هشام المؤيد الذي ذكروا أنه وصل إليهم، وحصل عندهم، وانقطعت الخطبة لبني أمية من جميع أقطار الأندلس من حينئذ وإلى الآن. وأما الحسنيون فإنه لما قتل يحيى بن علي كما ذكرنا لسبع خلون من المحرم سنة سبع وعشرين، رجع أبو جعفر أحمد بن أبي موسى المعروف بابن بقنة، ونجا: الخادم الصقلبي، وهما مدبراً دولة الحسينين، فأتيا مالقة وهي دار مملكتهم، فخاطبا أخاه إدريس بن علي، وكان بسبتة، وكان يمتلك معها طنجة، واستدعياه، فأتى إلى مالقة، وبايعاه بالخلافة على أن يجعل حسن بن يحيى المقتول مكانه بسبتة، ولم يبايعا واحدا من ابني يحيى وهما: إدريس، وحسن لصغرهما، فأجابهما إلى ذلك، ونهض نجا مع حسن هذا إلى سبتة وطنجة، وكان حسن أصغر، ابني يحيى، ولكنه كان أشدهما وتلقب إدريس بالمتأيد، فبقي كذلك إلى سنة ثلاثين، أو إحدى وثلاثين، فتحركت فتن. وحدث للقاضي أبي القاسم محمد بن اسماعيل بن عباد صاحب إشبيلية أمل في التغلب على تلك البلاد، فأخرج ابنه اسماعيل في عسكر مع من أجابه من قبائل البربر، ونهض إلى قرمونة فحاصرها، ثم نهض إلى أشونة وأستجة فأخذهما وكانتا بيد محمد بن عبد الله البرزالي صاحب

стр. 31

قرمونة، فاستصرخ محمد بن عبد الله بإدريس بن علي الحسنى وبصنهاجة، فأمده صاحب صنهاجة بنفسه، وأمده إدريس بعسكر يقوده ابن بقنة مدبر دولته، فاجتمعوا مع ابن عبد الله، ثم غلبت عليهم هيبة إسماعيل ابن محمد بن اسماعيل بن عباد قائد عسكر القاضي أبيه فافترقوا، وانصرف كل واحد منهم راجعاً إلى بلده، فبلغ ذلك إسماعيل بن محمد فقوى أمله، ونهض بعسكره قاصدا طريق صاحب صنهاجة من بينهم وركض ركضا شديداً في اتباعه، فلما قرب منه، وأيقن صاحب صنهاجة بأنه سيلحقه، وجه إلى ابن بقنة يسترجعه، وإنما كان فارقه قبل ذلك بساعة، فرجع إليه، والتقت العساكر، فما كان إلا أن تراءت، وولى عسكر ابن عباد منهزما، وأسلموه، فكان إسماعيل أول مقتول، وحمل رأسه إلى إدريس ابن علي، وقد كان أيقن بالهلاك، وزال عن مالقة إلى جبل بباشتر متحصناً به، وهو مريض مدنف، فلم يعش إلا يومين ومات، وترك من الولد: يحيى قتل بعده، ومحمداً الملقب بالمهدي، وحسناً المعروف بالسامي وكان له ابن هو أكبر بنيه اسمه علي مات في حياة أبيه، وترك ابنا اسمه عبد الله أخرجه عمه ونفاه لما ولى. وقد كان يحيى ابن علي المذكور قبل قد اعتقل ابني عمه محمداً والحسن ابني القاسم بن حمود بالجزيرة، وكان. الموكل بهما رجل من المغاربة يعرف بأبلي الحجاج، فحين وصل إليه خبر قتل يحيى جمع من كان في الجزيرة من المغاربة والسودان، وأخرج محمدا والحسن، وقال هذان سيداكم، فسارع جميعهم، إلى الطاعة لهما، لشدة ميل أبيهما إلى السودان قديما، وإيثاره لهم، وانفرد محمد بالأمر، وملك

стр. 32

الجزيرة، إلا أنه بم يتسم بالخلافة، وبقي معه أخوه حسن مدة، إلى أنه حدث له رأى في التنسك، فلبس الصوف، وتبرأ عن الدنيا، وخرج إلى الحج مع أخته فاطمة بنت القاسم زوجة يحيى بن علي المعتلى، فلما مات إدريس كما ذكرنا، رام ابن بقنة ضبط الأمر لولده يحيى بن إدريس المعروف بحيون، ثم لم يجسر على ذلك الجسر التام، وتحير وتردد، ولما وصل خبر قتل إسماعيل بن عباد وموت إدريس بن علي إلى نجا الصقلبي بسبتة، استخلف عليها من وثق به من الصقالبة، وركب البحر هو وحسن بن يحيى إلى مالقة ليرتب الأمر له، فلما وصلا إلى موسى مالقة خارت قوى ابن بقنة، وهرب إلى حصن ممارش على تمانية عشر ميلا من مالقة. ودخل حسن ونجا مالقة، واجتمع إليهما من بها من البربر، فبايعوا حسن بن يحيى بالخلافة، وتسمي المستنصر، ثم خاطب ابن بقنة وأمنه؛ فلما رجع إليه قبض عليه وقتله، وقتل ابن عمه يحيى بن إدريس، ورجع نجا إلى سبتة وطنجة، وترك مع حسن رجلاً كان من التجار يعرف بالسطيفى كان نجا شديد الثقة به، فبقي الأمر كذلك نحواً من عامين، وكان حسن بن يحيى متزوجاً بابنة عمه إدريس، فقيل إنها سمته أسفاً على أخيها، فلما مات احتاط السطيفى على الأمر، واعتقل إدريس ابن يحيى، وكتب إلى نجا بالخبر، وكان لحسن ابن، صغير عند

стр. 33

نجا، فقيل إنه اغتاله أيضاً وقتله. والله أعلم. ولم يعقب حسن بن يحيى، واستخلف نجا على سبتة وطنجة من وثق به من الصقالبة عند وصول الخبر إليه، وركب البحر إلى مالقة، فلما وصل إليها زاد في الاحتياط على إدريس بن يحيى، وأكد اعتقاله، وعزم على محو أمر الحسنيين، وأن يضبط تلك البلاد لنفسه، فدعا البربر الذين كانوا جند البلد، وكشف الأمر إليهم علانية، ووعدهم بالإحسان، فلم يجدوا من مساعدته بداً في الظاهر، وعظم ذلك في أنفسهم باطناً، ثم جمع عسكره ونهض إلى الجزيرة ليستأصل محمداً بن القاسم، فحار بها أياما، ثم أحس بفتور نية من معه، فرأى أن يرجع إلى مالقة، فإذا رجع إليها، وحصل فيها نفي من خاف غائلته منهم، واستصلح سائرهم، واستدعى الصقالبة من حيث ما أمكنه ليقوى بهم على غيرهم وأحس البربر بهذا منه، فاغتالوه في الطريق قبل أن يصل إلى مالقة، فقتل وهو على دابته في مضيق صار فيه، وقد تقدمه إليه الذي أراد الفتك به، وفر من كان معه من الصقالبة بأنفسهم، ثم تقدم فارسان من الذين غدروا به يركضان حتى وردا مالقة ودخلا وهما يقولان: البشرى البشرى، فلما وصلا إلى السطيفى وضعا سيوفهما عليه فقتلاه، ثم وافيا العسكر، فاستخرجوا إدريس بن يحيى من محبسه، فقدموه وبايعوه بالخلافة، وتسمى بالعالي فظهرت منه أمور متناقضة؛ منها أنه كان أرحم الناس قلبا، كثير الصدقة، يتصدق كل يوم جمعة بخمس مائة دينار، ورد كل مطرود عن وطنه

стр. 34

إلى أوطانهم، ورد عليهم ضياعهم وأملاكهم، ولم يسمع بغيا في أحد من الرعية، وكان أديب اللقاء، حسن المجلس، يقول من الشعر الأبيات الحسان؛ ومع هذا فكان لا يصحب ولا يقرب إلا كل ساقط رذل، ولا يحجب حرمه عنهم، وكل من طلب منه حصناً من حصون بلاده ممن يجاوره من صنهاجة أو بني يفرن أعطاهم إياه، وكتب إليه أمير صنهاجة في أن يسلم إليه وزيره ومدبره أمره وصاحب أبيه وجده؛ موسى بن عفان السبتي، فلما أخبره بأن الصنهاجي طلبه منه، وأنه لا بدله من تسليمه إليه، قال له موسى بن عفان أفعل ما تؤثر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فبعت به إلى الصنهاجي فقتله، وكان قد اعتقل ابني عمه محمداً وحسنا ابني إدريس في حصن يعرف بأيرس، فلما رأى ثقته الذي في الحصن اضطراب آرائه، خالف عليه، وقدم ابن عمه محمد بن إدريس، فلما بلغ ذلك السودان المرتبين في قصبة مالقة، نادوا بدعوة ابن عمه محمد بن إدريس، وراسلوه في المجيء إليهم، وامتنعوا بالقصبة، فاجتمعت العامة إلى إدريس بن يحيى واستأذنوه في حرب القصبة والدفاع عنه، ولو أذن لهم ما ثبت السودان ساعة من النهار فأبى وقال: ألزموا منازلكم ودعوني، فتفرقوا عنه، وجاء ابن عمه فسلم إليه، وبويع بالخلافة وتسمى المهدي، وولي أخاه عهده، وسماه السامي، واعتقل ابن عمه إدريس العالي في الحصن الذي كان هو معتقلاً فيه، وظهرت في محمد ابن إدريس هذا رجلة وجرأة شديدة هابه بها جميع البرابر، وأشفقوا منه، وراسلوا المرتب في الحصن الذي كان فيه إدريس بن يحيى واستمالوه فأجابهم، وقام بدعوته.

стр. 35

وكان إدريس بن يحيى هذا أول ولايته بعد قتل نجا قد ولى سبتة وطنجة رجلين برغواطيين من عبيد أبيه يسميان رزق الله، وسكات، فلما خلع كما ذكرنا بقيا حافظين لمكانهما، فلما قام كما ذكرنا في حصن أيرش، لم يظهر محمد بن إدريس مبالاة بذلك، بل ثبت ثباتاً شديداً، وكانت والدته تشد منه، وتقوى منته، وتشرف على الحرب بنفسها، وتحسن إلى من أبلى، فلما رأى البربر شدة عزمه وثباته، فت ذلك في أعضادهم، وانحلوا عن إدريس بن يحيى، ورأوا أن يبعثوا به إلى سبتة وطنجة إلى البراغواطيين اللذين ذكرنا، وقد كان جعل ابنه عندهما في حضانتهما، فلما وصل إليهما أظهرا تعظيمه ومخاطبته بالخلافة، إلا أن الأمر كله لهما دونه، فتوصل إليه قوم من أكابر البربر، وقالوا له: إن هذين العبدين قد غلبا عليك، وقد حالا بينك وبين أمرك، فأذن لنا نكفك أمرهما فأبى، ثم أخبرهما بذلك فنفيا أولئك القوم، وأخرجا إدريس ابن يحيى عن أنفسهما إلى الأندلس، وتمسكا بولده لصغره، إلا أنهما في كل ذلك يخطبان لإدريس بالخلافة؛ ثم إن محمد بن إدريس أنكر من أخيه الملقب بالسامي أمراً فنفاه إلى العدوة، فصار في جبال غمارة وهي بلاد تنقاد لهؤلاء الحسنيين، وأهلها يعظمونهم جدا؛ ثم إن البرابر خاطبو محمد بن القاسم بالجزيرة، واجتمعوا إليه، ووعدوه بالنصر فاستفزه الطمع، وخرج إليهم، فبايعوه بالخلافة، وتسمى بالمهدي، فصار الأمر في غاية الأخلوقة والفضيحة؛ أربعة كلهم يسمى بأمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخاً في مثلها، فأقاموا معه أياماً ثم افترقوا عنه إلى بلادهم، ورجع خاسئاً إلى الجزيرة، ومات إلى أيام، وقيل إنه مات غما، وترك

стр. 36

نحو ثمانية ذكور؛ فتولى أمر الجزيرة ابنه القاسم بن محمد ابن القاسم، إلا أنه لم يتسم بالخلافة، وبقي محمد ابن إدريس بمالقة إلى أن مات سنة خمس وأربعين وأربع مائة؛ وكان إدريس بن يحيى المعروف بالعالي عند بني يفرن بتاكرنا، فلما توفي محمد بن إدريس ردته العامة إلى مالقة واستولى عليها. هذا آخر ما استفدنا أكثره من شيخنا أبي محمد علي بن أحمد ﵀، وعلمناه نحن، من جمل أخبار من ذطرنا من ملوك تلك البلاد إلى وقت خروجنا منها. وهنالك ملوك أخر قد تقاسموا البلاد، وغلب كل سلطان منهم على جانب منها عند حدوث الفتن لم نتعرض لذكرهم، إذ لم يدع واحد منهم خلافة، ولا انتسب بعد إليها، وحقيقة أخبارهم أيضا قد بعدت عنا ونسأل الله أن يتدارك الكل بما فيه الصلاح الشامل، ويجمع كلمتهم على ما يرضيه برحمته. وقد آن أن نرجع إلى ذكر المقصود من الأسماء على ترتيب الحروف، ونبدأ بذكر المحمدين والأحمدين منهم أولا، ثم نفعل ذلك في الآباء مستمراً إلى الانتهاء إن شاء لله، والحول والقوة بالله . تم الجزء الأول بحمد الله وعونه من تجزئة الأصل وصلى الله على محمد نبيه وسلم يتلوه في الثاني من اسمه محمد

стр. 37

الجزء الثاني

стр. 38

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه أستعين من اسمه محمد محمد بن محمد الصدفي محدث أندلسي، سمع أبا خالد مالك بن علي بن مالك القطيني مات بالأندلس. محمد بن محمد بن عبد السلام بن ثعلبة بن الحسن بن كليب أو كلب الخشني ، يكنى أبا الحسن، يروى عن أبيه وعن غيره؛ وروى عنه أبو بكر حاتم بن عبد الله بن حاتم الرصافي. مات بالأندلس سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة. محمد بن محمد بن أبي دليم، يروى عن أحمد بن خالد بن يزيد، وعبد الله بن يونس المرادي، ومحمد بن محمد بن عبد السلام الخشني، وهذه الطبقة. روى عنه أبو الوليد عبد الله محمد بن يوسف المعروف بابن الفرضي وغيره. ذكره لنا أبو عمر يوسف ابن عبد الله بن عبد البر النمري الحافظ. محمد بن محمد بن الحسن الزبيدي أبو الوليد. من أهل الأدب والرياسة. ذكره أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الفقيه، وهو أحد الثلاثة الذين تقدموا بإشبيلية في تدبير الأمور على ما قدمنا قبل، ثم أخرج عنها ودخل القيروان، ثم استوطن المرية وولى القضاء بها. وقد شاهدته هنالك بعد الأربعين وأربع مائة، وسمعته يقول: إنه سمع كتاب مختصر العين من أبيه، وأخرجه إلينا وقرأه بعض أصحابنا. وقد روى عن عمه عبد الله أيضاً.

стр. 39

محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة بن حميد بن عتبة. أندلسي فقيه يعرف بالعتبى، منسوب إلى ولاء عتبة بن أبي سفيان روى عن يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي؛ وله رحلة سمع فيها من جماعة بالمشرق، وحدث، وألف في الفقه كتبا كثيرة سميت العتبية، وهي المستخرجة من الأسمعة المسموعة من مالك ابن أنس، رواها عنه أبو عبد الله محمد بن عمر بن لبابة. أخبرنا بها أبو عمر يوسف ابن عبد الله الحافظ بالأندلس، قال: أخبرنا بها أبو عمر أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي الباجي وقرأتها عليه، قال: أخبرنا بها أبي عن محمد بن عمر بن لبابة عنه. وأخبرنا بها أيضاً أبو الوليد هشام بن سعيد الخير بن فتحون، قال: أخبرنا بها أبو الحزم خلف بن عيسى بن أبي درهم القاضي الوشقي، قال: أخبرنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى بها، عند أبي عبد الله محمد بن عمر عن العتبي. مات العتبي بالأندلس سنة خمس وخمسين ومائتين. محمد بن أحمد الجبلي محدث سمع من أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد، وأبي عبد الله محمد بن وضاح بن بزيع؛ مات سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة. محمد بن أحمد بن الزراد، يروى عن محمد بن وضاح، روى عنه أبو عمر أحمد بن سعيد ابن حزم الصدفي. محمد بن أحمد بن حزم بن تمام بن مصعب بن عمرو بن عمير بن محمد بن مسلمة الأنصاري، يكنى أبا عبد الله أندلسي، محدث، مات قريباً من سنة عشرين وثلاث مائة. ذكر ذلك عبد الرحمن بن أحمد الصدفي. محمد بن أحمد بن خالد بن يزيد، يروى عن أبيه أحمد بن خالد، روى عنه

стр. 40

أبو محمد مسلمة بن محمد البتري شيخ من شيوخ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد ابن عبد البر النمري. ؟؟ محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج القاضي أبو عبد الله، وقيل أبو بكر؛ محدث حافظ جليل، سمع بالأندلس من أبي محمد قاسم بن أصبغ البياني وطبقته، وله رحلة سمع فيها من أبي الحسن محمد بن أيوب بن حبيب الرقي الصموت صاحب أحمد بن عمرو ابن عبد الخالق البزار البصري، ومن أحمد بن بهزاذ السيرافي المصري، وأبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن الأعزابي، وخيثمة بن سليمان، وأبي يعقوب ابن حمدان صاحب أبي يحيى زكريا بن يحيى الساجي وغيرهم؛ وحدث بالأندلس، وصنف كتباً في فقه الحديث، وفي فقه التابعين، منها: فقه الحسن البصري في سبع مجلدات؛ وفقه الزهري في أجزاء كثيرة؛ وجمع مسند حديث قاسم بن أصبغ للحكم المستنصر. روى عنه بمصر أبو سعيد بن يونس، وبالأندلس أبو الوليد بن الفرضي، وأبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله المقرىء المعروف بالطلمنكي وغيرهم. ؟ محمد بن أحمد بن مسعود أبو عبد الله. يروى عن محمد بن فطيس بن واصل الإلبيري؛ روى عنه أبو الوليد بن الفرضي. ؟ محمد بن أحمد بن قاسم بن هلال أبو عبد الله، يروى عن عبيد الله بن يحيى ابن يحيى الليثي؛ روى عنه أحمد بن فتح بن عبد الله التاجر. محمد بن أحمد بن محمد المكتب. روى عن أبي محمد جعفر بن أحمد بن عبد الله البزار؛ روى عنه شيخنا أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر الحافظ.
следующие страницы →