← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 5748

تنوير الغبش في فضل السودان والحبش

ابن الجوزي

Полный текст (233 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثمَّ بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي وَعَمْرو بن العَاصِي، وأمروهما [أَمرهم] وَقَالُوا لَهما: ادفعا إِلَى كل بطرِيق هديته قبل أَن تكلمُوا النَّجَاشِيّ فيهم، ثمَّ قدمُوا إِلَى النَّجَاشِيّ هداياه، ثمَّ سلوه أَن يسلمهم إِلَيْكُم قبل أَن يكلمهم. قَالَت: فخرجنا فقدمنا على النَّجَاشِيّ، وَنحن عِنْده بِخَير دَار، وَعند خير جوَار، فَلم يبْق من بطارقته بطرِيق إِلَّا دفعا إِلَيْهِ هديته قبل أَن يكلما النَّجَاشِيّ، ثمَّ قَالَا لكل بطرِيق مِنْهُم: إِنَّه قد صبا إِلَى بلد الْملك منا غلْمَان سُفَهَاء فارقوا دين قَومهمْ، وَلم يدخلُوا فِي دينكُمْ، وَجَاءُوا بدين مُبْتَدع لَا نعرفه نَحن وَلَا أَنْتُم، وَقد بعثنَا إِلَى الْملك فيهم أَشْرَاف قَومهمْ ليردهم إِلَيْهِم، فَإِذا كلمنا الْملك فيهم فأشيروا عَلَيْهِ أَن يسلمهم إِلَيْنَا وَلَا يكلمهم، فَإِن قَومهمْ أَعلَى بهم عينا، وَأعلم بِمَا عابوا عَلَيْهِم، فَقَالُوا لَهما: نعم. ثمَّ إنَّهُمَا قربا هداياهم إِلَى النَّجَاشِيّ فقبلها مِنْهُم ثمَّ كلماه فَقَالَا لَهُ: أَيهَا الْملك، إِنَّه قد حبا إِلَى بلدك منا غلْمَان سُفَهَاء فارقوا دين قَومهمْ، وَلم يدخلُوا فِي دينك، وَجَاءُوا بدين مُبْتَدع لَا نعرفه نَحن وَلَا أَنْت، وَقد بعثنَا إِلَيْك

стр. 37

فيهم أَشْرَاف قَومهمْ من آبَائِهِم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إِلَيْهِم، فهم أَعلَى بهم عينا،، وَأعلم بِمَا عابوا عَلَيْهِم وعاتبوهم فِيهِ، قَالَت، وَلم يكن شَيْء أبْغض إِلَى عبد اللَّهِ بن أبي ربيعَة وَعَمْرو بن العَاصِي من أَن يسمع النَّجَاشِيّ كَلَامهم، فَقَالَت بطارقته حوله: صدقُوا أَيهَا الْملك، قَومهمْ أَعلَى بهم، وَأعلم بِمَا عابوا عَلَيْهِم، فأسلمهم إِلَيْهِمَا فليردا هما إِلَى بِلَادهمْ وقومهم. قَالَت: فَغَضب الجاشي ثمَّ قَالَ: لَا هَا اللَّهِ إِذا لَا أسلمهم إِلَيْهِمَا، وَلَا أكاد قوما جاوروني ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي حَتَّى أدعوهم، وأسألهم مَا يَقُول هَذَانِ فِي أَمرهم، فَإِن كَانُوا كَمَا يَقُولُونَ سلمتهم إِلَيْهِمَا، ورددتهم إِلَى قَومهمْ، وَإِن كَانُوا على غير ذَلِك منعتهم مِنْهُم؛ وَأمنت جوارهم مَا جاوروني. قَالَت: ثمَّ أرسل إِلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا أَن جَاءَهُم رَسُوله اجْتَمعُوا ثمَّ قَالَ بَعضهم لبَعض: مَا تَقولُونَ للرجل إِذا جئتموه؟

стр. 38

قَالُوا: نقُول وَالله مَا علمناه وَمَا أمرنَا بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - كَائِن فِي ذَلِك مَا هُوَ كَائِن. فَلَمَّا جَاءُوهُ وَقد دَعَا النَّجَاشِيّ أساقفته فنشروا مصاحفتهم حوله سَأَلَهُمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الدّين الَّذِي فارقتم فِيهِ قومكم وَلم تدْخلُوا فِي ديني وَلَا فِي دين أحد من هَذِه الْأُمَم؟ قَالَت: وَكَانَ الَّذِي كَلمه جَعْفَر بن أبي طَالب فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْملك، كُنَّا قوما أهل جَاهِلِيَّة نعْبد الْأَصْنَام، وَنَأْكُل الْميتَة، ونأتي الْفَوَاحِش، ونقطع الْأَرْحَام، ونسيء الْجوَار، فيأكل الْقوي منا الضَّعِيف، وَكُنَّا على ذَلِك حَتَّى بعث اللَّهِ إِلَيْنَا رَسُولا منا نَعْرِف نسبه وَصدقه وأمانته وَشرف عفافه فَدَعَانَا إِلَى الله لنوحده ونعبده، ونخلع مَا كُنَّا نعْبد نَحن وآباؤنا من دونه من الْحِجَارَة والأوثان، وأمرنا بِصدق الحَدِيث، وَأَدَاء الْأَمَانَة، وصلَة الرَّحِم، وَحسن الْجوَار [وكف الْأَذَى] والكف عَن الْمَحَارِم والدماء، ونهانا عَن الْفَوَاحِش، وَقَول الزُّور، وَأكل مَال الْيَتِيم، وَقذف المحصنة، وأمرنا أَن نعْبد اللَّهِ لَا نشْرك بِهِ شَيْئا، وأمرنا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصِّيَام. قَالَت: فعدد عَلَيْهِ أُمُور الْإِسْلَام فصدقنا وآمنا بِهِ واتبعناه على مَا جَاءَ بِهِ فعبدنا اللَّهِ وَحده فَلم نشْرك بِهِ شَيْئا، وحرمنا مَا حرم علينا، وأحللنا مَا أحل لنا، فَعدا علينا قَومنَا فعذبونا وفتنونا عَن ديننَا، ليردونا إِلَى عبَادَة الْأَوْثَان من

стр. 39

عبَادَة الله ، وَأَن نستحل مَا كُنَّا نستحل من الْخَبَائِث، فَلَمَّا قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بَيْننَا وَبَين ديننَا، خرجنَا إِلَى بلدك فاخترناك على من سواك، ورغبنا فِي جوارك، ورجونا أَن لَا نظلم عنْدك أَيهَا الْملك. قَالَت؛ فَقَالَ [لَهُ] النَّجَاشِيّ: هَل مَعَك مِمَّا جَاءَ بِهِ عَن الله من شَيْء؟ فَقَالَ [لَهُ] جَعْفَر: نعم، فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيّ: فاقرأه عَليّ: قَالَت: فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدرا من ﴿كهيعص﴾ . قَالَت: فَبكى وَالله النَّجَاشِيّ حَتَّى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حَتَّى اخضلت مصاحفهم حِين سمعُوا مَا تلِي عَلَيْهِم، ثمَّ قَالَ النَّجَاشِيّ: إِن هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى ليخرج من مشكاة وَاحِدَة، انْطَلقَا فوَاللَّه لَا أسلمهم إلَيْكُمَا أبدا وَلَا أكاد. قَالَت أم سَلمَة: فَلَمَّا خرجنَا من عِنْده قَالَ عَمْرو بن العَاصِي: وَالله

стр. 40

لَآتِيَنه غَدا أعيبهم عِنْده بِمَا أستأصل بِهِ غضراءهم، فَقَالَ لَهُ عبد اللَّهِ بن أبي ربيعَة - وَكَانَ أتقى الرجلَيْن - فِينَا: لَا تفعل، فَإِن لَهُم أرحاما، وَإِن كَانُوا قد خالفونا. قَالَ: وَالله لأخبرنه أَنهم يَزْعمُونَ أَن عِيسَى ابْن مَرْيَم [﵇] عبد. قَالَت: ثمَّ غَدا عَلَيْهِ الْغَد، فَقَالَ: أَيهَا الْملك، أَنهم يَقُولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم قولا عَظِيما، فَأرْسل إِلَيْهِم فَسَأَلَهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ. قَالَت: فَأرْسل إِلَيْهِم يسألهم عَنهُ، قَالَت: وَلم ينزل بِنَا مثلهَا، فَاجْتمع الْقَوْم، فَقَالَ بَعضهم لبَعض: مَاذَا تَقولُونَ فِي عِيسَى إِذا سألكم عَنهُ؟ قَالُوا: نقُول وَالله فِيهِ مَا قَالَ اللَّهِ وَمَا جَاءَ بِهِ نَبينَا كَائِنا فِي ذَلِك مَا هُوَ كَائِن. فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم؟ فَقَالَ لَهُ جَعْفَر بن أبي طَالب: نقُول فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبينَا ﷺ َ - هُوَ عبد اللَّهِ وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم الْعَذْرَاء البتول. قَالَت: فَضرب النَّجَاشِيّ يَده على الأَرْض فَأخذ مِنْهَا عودا ثمَّ قَالَ:

стр. 41

مَا عدا عِيسَى بن مَرْيَم مَا قلت هَذَا الْعود، فتناخرت بطارقته حوله حِين قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِن نخرتم وَالله اذْهَبُوا فَأنْتم سيوم بأرضي، والشيوم الآمنون من سبكم غرم، من سبكم غرم، مَا أحب أَن لي دبرا [من] ذهب وَأَنِّي آذيت رجلا مِنْكُم - والدبر بِلِسَان الْحَبَشَة: الْجَبَل - ردوا عَلَيْهِمَا هداياهما فَلَا حَاجَة لنا بهَا فوَاللَّه مَا أَخذ اللَّهِ مني الرِّشْوَة حِين رد عَليّ ملكي فآخذ الرِّشْوَة فِيهِ، وَمَا أطَاع النَّاس فِي فأطعهم فِيهِ. قَالَت: فَخَرَجَا من عِنْده مقبوحين مردودا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ، وأقمنا عِنْده بِخَير دَار مَعَ خير جَار. قَالَت: فوَاللَّه إِنَّا على ذَلِك إِذْ نزل بِهِ من ينازعه فِي ملكه، قَالَت: فوَاللَّه مَا علمنَا حزنا قطّ كَانَ أَشد من حزن حزناه عِنْد ذَلِك تخوفا أَن يظْهر ذَلِك على النَّجَاشِيّ، فَيَأْتِي رجل لَا يعرف من حَقنا مَا كَانَ النَّجَاشِيّ يعرف مِنْهُ. قَالَت: وَسَار النَّجَاشِيّ وَبَينهمَا عرض النّيل. قَالَت: فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ -[هَل] من رجل يخرج حَتَّى

стр. 42

يحضر وقيعة الْقَوْم، ثمَّ يأتينا بالْخبر؟ فَقَالَ الزبير بن الْعَوام: أَنا قَالَت: وَكَانَ من أحدث الْقَوْم سنا، قَالَت: فنفخوا لَهُ قربَة فَجَعلهَا فِي صَدره، ثمَّ سبح عَلَيْهَا حَتَّى خرج إِلَى بَاب النّيل الَّتِي بهَا ملتقى الْقَوْم، ثمَّ انْطلق حَتَّى حضرهم. قَالَت: ودعونا اللَّهِ للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين لَهُ فِي بِلَاده. واستوسق عَلَيْهِ أَمر الْحَبَشَة، وَكُنَّا عِنْده فِي خير منزل حَتَّى قدمنَا على رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَهُوَ بِمَكَّة. [٢٤] أَنبأَنَا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب قَالَ أَنا أَبُو جَعْفَر بن الْمسلمَة قَالَ أَنا أَبُو طَاهِر المخلص قَالَ أَنا أَحْمد بن سُلَيْمَان بن دَاوُد قَالَ أَنا الزبير بن بكار قَالَ: حَدثنِي عمي مُصعب بن عبد اللَّهِ قَالَ: بعثت قُرَيْش عمَارَة بن الْوَلِيد مَعَ عَمْرو بن العَاصِي إِلَى النَّجَاشِيّ يكلمانه فِيمَن

стр. 43

قدم عَلَيْهِ من الْمُهَاجِرين، فراسل عمَارَة بن الْوَلِيد جَارِيَة للنجاشي لعَمْرو بن العَاصِي وَكَانَت مَعَه حَتَّى مَضَت إِلَيْهِ فَأطلع على ذَلِك عَمْرو بن العَاصِي فَقَالَ: (تعلم عمَارَة أَن من شرشيمة ... لمثلك أَن تدعى ابْن عمر لَهُ ابْن أما) (فَإِن كنت ذَا بردين أحوى مرجلا ... فلست برَاء لِابْنِ عمك محرما) (إِذا الْمَرْء لم يتْرك طَعَاما يُحِبهُ ... وَلم ينْه قلبا هاويا حَيْثُ يمما) (قضى وطرا مِنْهُ وغادر سبة ... إِذا ذكرت أَمْثَالهَا تملأ الفما) وَقد كَانَ عمَارَة أخبر عمرا أَن زَوْجَة الْملك النَّجَاشِيّ علقته وأدخلته، فَلَمَّا يئس عَمْرو بن العَاصِي من أَمر الْمُهَاجِرين عِنْد النَّجَاشِيّ مَحل بعمارة عِنْده، فَأخْبرهُ خَبره وَخبر زَوجته. فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيّ: ائْتِنِي بعلامة أستدل بهَا على مَا قلت، فَعَاد عمَارَة وَأخْبر عمرا بأَمْره وَأمر زَوْجَة النَّجَاشِيّ فَقَالَ لَهُ

стр. 44

عَمْرو: لَا أقبل هَذَا مِنْك، إِلَّا بِأَن لَا ترْضى مِنْهَا إِلَّا بِأَن تعطيك [شَيْئا] من دهن الْملك الَّذِي لَا يدهن بِهِ غَيره. فكلمها عمَارَة فِي الدّهن، فَقَالَت: أَخَاف من الْملك. فَأبى أَن يرضى مِنْهَا حَتَّى تعطيه ذَلِك الدّهن فَأَعْطَتْهُ مِنْهُ فَأعْطَاهُ عمرا، فجَاء بِهِ إِلَى النَّجَاشِيّ، فَنفخ سحرًا فِي إحليله، فَذهب مَعَ الْوَحْش فِيمَا يَقُوله قُرَيْش، فَلم يزل مستوحشا يرد مَاء فِي جَزِيرَة بِأَرْض الْحَبَش، حَتَّى خرج إِلَيْهِ عبد اللَّهِ بن أبي ربيعَة فِي جمَاعَة من أَصْحَابه، فرصده على المَاء فَأَخذه فَجعل يَصِيح بِهِ: أَرْسلنِي فَإِنِّي أَمُوت إِن أمسكتني، فأمسكه فَمَاتَ فِي يَده.

стр. 45

(الْبَاب الْعَاشِر) (فِي ذكر مُكَاتبَة النَّبِي ﷺ َ -) (النَّجَاشِيّ [﵁] يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام وإسلامه) [قَالَ مُؤَلفه ﵀] : كتب رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - إِلَى النَّجَاشِيّ يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام، فَأسلم وآمن مَعَه جمَاعَة من أَصْحَابه، وأجابه عَن كِتَابه وَبعث إِلَيْهِ وَلَده فِي سِتِّينَ من الْحَبَشَة فَغَرقُوا فِي الْبَحْر، وَسَيَأْتِي ذكر قصَّته فِي بَاب ذكر مُلُوك الْحَبَشَة إِن شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 46

(الْبَاب الْحَادِي عشر) (فِي ذكر قدوم الْحَبَشَة على رَسُول اللَّهِ ولعبهم بالحراب فِي الْمَسْجِد وَرَسُول الله ﷺ َ - ينظر) [٢٥] أخبرنَا ابْن الْحصين قَالَ أَنا ابْن الْمَذْهَب قَالَ أَنا أَحْمد بن جَعْفَر قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن أَحْمد قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ ثَنَا أَبُو الْمُغيرَة قَالَ ثَنَا الْأَوْزَاعِيّ قَالَ ثَنَا الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة [﵂] قَالَت رَأَيْت رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - يسترني بردائه وَأَنا أنظر إِلَى الْحَبَشَة يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِد حَتَّى أكون أَنا أسأم، فاقدروا قدر الْجَارِيَة الحديثة السن الحريصة على اللَّهْو. [٢٦] قَالَ أَحْمد وثنا عبد الرَّزَّاق قَالَ ثَنَا معمر عَن ثَابت عَن أنس قَالَ: لما قدم رَسُول اللَّهِ الْمَدِينَة لعبت الْحَبَشَة لقدومه بِحِرَابِهِمْ فَرحا بذلك.

стр. 47

[٢٧] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر الْبَزَّار قَالَ أَنبأَنَا إِبْرَاهِيم بن عمر الْبَرْمَكِي أَن أَبَا بكر أَحْمد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن سلم أخبرهُ إجَازَة قَالَ ثَنَا أَبُو بكر بن دَاوُد قَالَ ثَنَا أَحْمد بن صَالح قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ ابْن وهب قَالَ أَخْبرنِي عَمْرو ابْن الْحَارِث قَالَ حَدثنِي أَبُو الْأسود عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة [﵂] قَالَت: كَانَ عِنْدِي رَسُول اللَّهِ يَوْم لعب السودَان بالدرق والحراب. فإمَّا سَأَلت رَسُول اللَّهِ ، وَإِمَّا قَالَ لي: " تشتهين تنظرين؟ " فَقلت: نعم، فأقامني من وَرَائه خدي على خَدّه وَهُوَ يَقُول: " دونكم يَا بني أرفدة ". حَتَّى إِذا مللت قَالَ: " حَسبك؟ ". قلت: نعم. قَالَ: فاذهبي ".

стр. 48

[٢٨] قَالَ ابْن مُسلم: وَحدثنَا أَبُو عبد اللَّهِ الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن سعيد قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن مَنْصُور الطوسي قَالَ: ثَنَا زيد بن الْحباب قَالَ: حَدثنِي خَارِجَة بن عبد اللَّهِ قَالَ ثَنَا يزِيد بن رُومَان عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: كَانَ النَّبِي ﷺ َ - جَالِسا فَسمع لَغطا وَصَوت صبيان فَقَامَ فَإِذا حبشية تزفن وَالصبيان حولهَا، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " يَا عَائِشَة تعالي وانظري ". فَجئْت فَوضعت ذقني على منْكب رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -، فَجعلت أنظر إِلَيْهَا مَا بَين مَنْكِبَيْه إِلَى رَأسه فَقَالَ لي: " أما شعبت؟ ". فَقلت: لَا؛ لأنظر منزلتي عِنْده.

стр. 49

[٢٩] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي بن أَحْمد قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد السراج قَالَ أَنا عبيد اللَّهِ بن عَمْرو بن أَحْمد المروروذي قَالَ ثَنَا أبي قَالَ: ثَنَا نصر بن الْقَاسِم قَالَ ثَنَا لوين قَالَ ثَنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر أَن النَّبِي ﷺ َ - وَأَبا بكر مرا بِالْحَبَشَةِ وهم يَلْعَبُونَ وَيَقُولُونَ: (يَا أَيهَا الطيف المعرج طَارِقًا ... لَوْلَا مَرَرْت بآل عبد الدَّار) (لَوْلَا مَرَرْت بهم تُرِيدُ قراهم ... مفعول من جهد وَمن إقتار)

стр. 50

(الْبَاب الثَّانِي عشر) (فِي ذكر مَا جَاءَ من الْقُرْآن مُوَافقا للغة الْحَبَشَة) [٣٠] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر الْبَزَّاز قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا مُحَمَّد بن المظفر الْحَافِظ قَالَ أَنا عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد قَالَ ثَنَا أَبُو حَفْص عَمْرو بن عَليّ قَالَ ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي قَالَ ثَنَا إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي الْأَحْوَص عَن أبي مُوسَى: ﴿يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته﴾ ، قَالَ: ضعفين وَهُوَ بِلِسَان الْحَبَشَة: كِفْلَيْنِ. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: والمشكاة: الكوة بِلِسَان الْحَبَشَة. [٣١] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي بن أَحْمد قَالَ ثَنَا جَعْفَر بن أَحْمد السراج قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر قَالَ أَنا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْبَزَّاز عَن شيخ لَهُ قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الحساني قَالَ نَا وَكِيع قَالَ نَا إِسْرَائِيل عَن سعيد بن عِيَاض قَالَ: الْمشكاة: الكوة بِلِسَان الْحَبَشَة.

стр. 51

قَالَ وَكِيع: وَحدثنَا عمر بن أبي زَائِدَة قَالَ: سَمِعت عِكْرِمَة يَقُول ﴿طه﴾ بِلِسَان الْحَبَشَة: قل يَا رجل. قَالَ وَكِيع: وَحدثنَا أَبُو إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: ﴿إِن ناشئة اللَّيْل﴾ قَالَ بِلِسَان الْحَبَشَة إِذا شَاءَ قَامَ. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: هِيَ قيام اللَّيْل بِلِسَان الْحَبَشَة. وَقَالَ الزّجاج: ناشئة اللَّيْل: ساعاته كل مَا تشَاء مِنْهُ. [٣٢] أخبرنَا عبد الْوَهَّاب بن الْمُبَارك قَالَ أَنا أَبُو الْفضل ابْن خيرون قَالَ أَنا ابْن شَاذان قَالَ أَنا أَحْمد بن كَامِل قَالَ أَنا مُحَمَّد بن سعيد قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي عمر عَن أَبِيه عَن جده عَن ابْن عَبَّاس (إِن

стр. 52

إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم﴾ قَالَ: الأواه: الْمُؤمن وَهُوَ بالحبشية.

стр. 53

(الْبَاب الثَّالِث عشر) (فِي ذكر مَا سَمعه رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - من كَلَام الْحَبَشَة فأعجبه) [٣٣] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر الْحَافِظ قَالَ أَنا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أَنا عبيد اللَّهِ بن عمر الْوَاعِظ قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ نَا عَليّ بن مُحَمَّد ابْن أَيُّوب الرقي وَعبد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن زِيَاد النَّيْسَابُورِي قَالَا ثَنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى قَالَ ثَنَا ابْن وهب قَالَ أَخْبرنِي مُسلم بن خَالِد عَن ابْن خثيم عَن أبي الزبير عَن جَابر قَالَ: لما رجعت مهاجرة الْحَبَشَة إِلَى رَسُول اللَّهِ قَالَ: " أَلا تحدثوني بِأَعْجَب شَيْء رَأَيْتُمْ بِأَرْض الْحَبَشَة ". قَالَ فتية مِنْهُم: يَا رَسُول اللَّهِ، بَينا نَحن جُلُوس إِذْ مرت علينا عَجُوز من عجائزهم، تحمل على رَأسهَا قلَّة من مَاء، فمرت بفتى مِنْهُم، فَجعل إِحْدَى يَدَيْهِ بَين كتفيها، ثمَّ رَفعهَا [فخرت] على ركبتيها فَانْكَسَرت قلتهَا فَلَمَّا ارْتَفَعت التفتت إِلَيْهِ فَقَالَت: سَوف تعلم يَا غدر إِذا وضع اللَّهِ عز وَجل

стр. 54

الْكُرْسِيّ، وَجمع الْأَوَّلين والآخرين، وتكلمت الْأَيْدِي والأرجل بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، تعلم أَمْرِي وأمرك عِنْده غَدا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " صدقت: كَيفَ يقدس اللَّهِ قوما، لَا يُؤْخَذ لضعيفهم من قويهم؟ ".

стр. 55

(الْبَاب الرَّابِع عشر) (فِي ذكر تَخْصِيص الْحَبَشَة بِالْأَذَانِ) [٣٤] أخبرنَا الكروخي قَالَ: أَنا أَبُو عَامر الْأَزْدِيّ قَالَ: أَنا الجراحي قَالَ ثَنَا المحبوبي قَالَ ثَنَا التِّرْمِذِيّ قَالَ ثَنَا أَحْمد بن منيع قَالَ ثَنَا زيد بن حباب قَالَ ثَنَا مُعَاوِيَة بن صَالح قَالَ ثَنَا أَبُو مَرْيَم الْأنْصَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة [﵁] قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " الْملك فِي قُرَيْش، وَالْقَضَاء فِي الْأَنْصَار، وَالْأَذَان فِي الْحَبَشَة، وَالْأَمَانَة فِي الأزد " يَعْنِي: الْيمن.

стр. 56

(الْبَاب الْخَامِس عشر) (فِيمَن ذكر أَنه كَانَ نَبيا من السودَان فَمِمَّنْ رُوِيَ أَنه كَانَ من الْأَنْبِيَاء أسود نَبِي أَصْحَاب الْأُخْدُود.) [٣٥] فروى جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْفضل الرَّسْعَنِي فِي تَارِيخه بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: كَانَ نَبِي أَصْحَاب الْأُخْدُود حَبَشِيًّا. [وَذكر أهل التَّفْسِير: أَن الَّذين أحرقوا كَانُوا من الْحَبَشَة] . قَالَ وهب بن مُنَبّه: كَانُوا اثْنَي عشر ألفا. وَقَالَ ابْن السَّائِب: سبعين ألفا. وَكَانَ السَّبَب فِي إحراقهم مَا روينَا عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ: " كَانَ ملك من الْمُلُوك قد سكر فَوَقع على أُخْته، فَلَمَّا أَفَاق قَالَ لَهَا: وَيحك، كَيفَ الْمخْرج؟ فَقَالَت لَهُ: اجْمَعْ أهل مملكتك

стр. 57

فَأخْبرهُم أَن اللَّهِ قد أحل نِكَاح الْأَخَوَات /، فَإِذا ذهب هَذَا فِي النَّاس وتناسوه، خطبتهم تحرمه، فَفعل ذَلِك، فَأَبَوا أَن يقبلُوا ذَلِك مِنْهُ، فَبسط فيهم السَّوْط، ثمَّ جرد السَّيْف فَأَبَوا، فَخدَّ لَهُم أُخْدُودًا وأوقد فِيهِ النَّار، وَقذف من أَبى قبُول ذَلِك.

стр. 58

(فصل) وَقد اخْتلفُوا فِي ذِي القرنين. فَقَالَ عبد اللَّهِ بن عَمْرو بن سعيد بن الْمسيب وَالضَّحَّاك بن مُزَاحم: كَانَ نَبيا. [٣٦] وروينا عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ: كَانَ عبدا صَالحا من الْقُرُون الأول من ولد يافث بن نوح. [٣٧] وَذكر جَعْفَر بن مُحَمَّد الرَّسْعَنِي فِي تَارِيخه عَن إِبْرَاهِيم عَن عَليّ ابْن أبي طَالب ﵁ قَالَ: كَانَ ذُو القرنين أسود. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي: كَانَ ذُو القرنين فِي زمن [إِبْرَاهِيم] الْخَلِيل [﵇] وَمَات فِي ذَلِك الزَّمن. وَفِي عِلّة تَسْمِيَته بِذِي القرنين عشرَة أَقْوَال: الأول: أَنه دَعَا قومه إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فضربوه على قرنه فَهَلَك،

стр. 59

فغبر زَمَانا ثمَّ بَعثه اللَّهِ تَعَالَى فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ [تَعَالَى] فضربوه على قرنه الآخر فَهَلَك، فَذَلِك قرناه، قَالَه عَليّ [بن أبي طَالب] . الثَّانِي: أَنه سمي بذلك لِأَنَّهُ سَار إِلَى مغرب الشَّمْس وَإِلَى مطْلعهَا. رَوَاهُ أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّالِث: لِأَن صفحتي رَأسه كَانَتَا من نُحَاس. الرَّابِع: لِأَنَّهُ رأى فِي النّوم كَأَنَّهُ امْتَدَّ من السَّمَاء إِلَى الأَرْض فَأخذ بقرني الشَّمْس فَقص ذَلِك على قومه فَسُمي بِذِي القرنين. الْخَامِس: لِأَنَّهُ ملك فَارس وَالروم. السَّادِس: لِأَنَّهُ كَانَ فِي رَأسه شبه القرنين. رويت هَذِه الْأَقْوَال الْأَرْبَعَة عَن وهب بن مُنَبّه. السَّابِع: لِأَنَّهُ كَانَت لَهُ غديرتان من شعر. قَالَه الْحسن. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَالْعرب تسمي ضفيرتي الشّعْر غديرتين وقرنين. الثَّامِن: أَنه كَانَ كريم الطَّرفَيْنِ من أهل بَيت ذَوي شرف. التَّاسِع: لِأَنَّهُ انقرض فِي زَمَانه قرنان من النَّاس وَهُوَ حَيّ.

стр. 60

الْعَاشِر: لِأَنَّهُ سلك الظلمَة والنور. ذكر هَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ. قَالَ مُجَاهِد: ملك الأَرْض أَرْبَعَة: مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ، فالمؤمنان: سُلَيْمَان بن دَاوُد [نَبِي اللَّهِ] وَذُو القرنين، والكافران: نمْرُود، وبخت نصر. [٣٨] أخبرنَا مُحَمَّد بن عمر الأرموي قَالَ أَنا أَبُو الْحُسَيْن بن الْمُهْتَدي قَالَ نَا أَبُو حَفْص بن شاهين قَالَ نَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد الباغندي قَالَ ثَنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة قَالَ ثَنَا أَبُو أُسَامَة قَالَ حَدثنِي زَائِدَة عَن سماك بن حَرْب عَن حبيب بن حَازِم قَالَ: قَالَ رجل لعَلي [﵁] كَيفَ بلغ ذُو القرنين الْمشرق وَالْمغْرب؟ فَقَالَ عَليّ: سخر لَهُ السَّحَاب، ومدت لَهُ الْأَسْبَاب، وَبسط لَهُ النُّور. قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: كَانَ ذُو القرنين يركب فِي ألف ألف، وعَلى مقدمته سِتّمائَة ألف، وعَلى ساقته مائَة ألف. [فسبحان الْحَيّ الْبَاقِي] .

стр. 61

(ذكر صفة بنائِهِ السد) [٣٩] روى أَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي: أَنه لما عزم ذُو القرنين على الْمسير إِلَى مطلع الشَّمْس أَخذ على طَرِيق كابل والهند وتبت فَتَلَقَّتْهُ الْمُلُوك بالتحف وَالْأَمْوَال، وانْتهى إِلَى الْحُصُون المعطلة، وَقد بقيت فِيهِ بقايا فَسَأَلُوهُ أَن يسد الرَّدْم، فَنزل مَعَه الصناع، فَاتخذ قدور [النّحاس و] الْحَدِيد الْكِبَار، والمغارف الْحَدِيد، وَأمر أَن يَجْعَل كل أَرْبَعَة من تِلْكَ الْقُدُور على حِدة، كَانَ طول كل وَاحِد خَمْسُونَ ذِرَاعا، وَأمر الصناع أَن يضْربُوا لبن الْحَدِيد فضربوها طول كل لبنة ذِرَاع وَنصف، وسمكها شبر، وبنوا السد، وَجعلُوا فِي وَسطه بَابا عَظِيما عَلَيْهِ مصراعان، كل مصراع خَمْسُونَ ذِرَاعا وَعَلِيهِ قفل نَحْو عشرَة أَذْرع، فَلَمَّا فرغ من بِنَاء السد أضرم عَلَيْهِ النَّار فَصَارَ معجونا كَأَنَّهُ حجر وَاحِد. [٤٠] قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي: وَبَلغنِي عَن ابْن خرداذبة قَالَ: حَدثنِي سَلام الترجمان أَن الواثق لما رأى فِي الْمَنَام أَن السد الَّذِي سَده ذُو القرنين قد انْفَتح وجهني فَقَالَ: عاينه وائتني بِخَبَرِهِ. وَضم إِلَيّ

стр. 62

خمسين رجلا، ووصلني بِخَمْسَة آلَاف دِينَار وَأَعْطَانِي ديتي عشرَة آلَاف دِرْهَم، [وَأمر بِإِعْطَاء كل رجل معي ألف دِرْهَم] ، ورزق سِتَّة أشهر، وَأَعْطَانِي مِائَتي بغل تحمل الزَّاد وَالْمَاء، فشخصنا من سر من رأى بِكِتَاب من الواثق إِلَى أبي إِسْحَاق بن إِسْمَاعِيل صَاحب أرمينية فِي إنفاذها فَكتب لنا إِسْحَاق إِلَى صَاحب السرر، فَكتب لنا ذَلِك إِلَى اللاب وَكتب لنا إِلَى فيلا نشاه، فَكتب لنا إِلَى الخزر، فَأَقَمْنَا عِنْد ملك الخزر يَوْمًا وَلَيْلَة، ثمَّ وَجه مَعنا خمسين رجلا أدلاء، فسرنا من عِنْده خمْسا وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ صرنا إِلَى أَرض سَوْدَاء منتنه الرّيح، وَقد كُنَّا تزودنا قبل دُخُولهَا طيبا نشمه للرائحة الْمَكْرُوهَة فسرنا فِيهَا عشرَة أَيَّام، ثمَّ صرنا إِلَى مدن خراب، فسرنا

стр. 63

فِيهَا سَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا، فسألنا عَن تِلْكَ المدن فخبرنا أَنَّهَا المدن الَّتِي كَانَ يَأْجُوج وَمَأْجُوج يطرقونها، فخربوها، ثمَّ صرنا إِلَى حصون بِالْقربِ من الْجَبَل الَّذِي السد فِي شعب مِنْهُ، وَفِي تِلْكَ الْحُصُون قوم يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية، مُسلمُونَ يقرؤون الْقُرْآن لَهُم كتاتيب ومساجد، فَسَأَلُونَا من أَيْن أقبلتم؟ فأخبرناهم أَنا رسل أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَقْبَلُوا يتعجبون وَيَقُولُونَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ! قُلْنَا: نعم، فَقَالُوا: شيخ هُوَ أم شَاب؟ فَقُلْنَا: شَاب، فَقَالُوا: أَيْن يكون؟ قُلْنَا: بالعراق فِي مَدِينَة يُقَال لَهَا: سر من رأى، فَقَالُوا: مَا سمعنَا بِهَذَا قطّ. ثمَّ صرنا إِلَى جبل أملس لَيْسَ عَلَيْهِ خضراء، وَإِذا جبل مَقْطُوع بواد عرض مائَة وَخَمْسُونَ ذِرَاعا، وَإِذا عضادتان مبنيتان مِمَّا يَلِي الْجَبَل من جنبتي الْوَادي عرض كل عضادة خمس وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، الظَّاهِر من تحتهَا عشرَة أَذْرع خَارج الْبَاب، وَعَلِيهِ بِنَاء بِلَبن من حَدِيد مغيب فِي نُحَاس فِي سمك خمسين ذِرَاعا، وَإِذا دروند حَدِيد طرفاه على العضادتين طوله مائَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، قد ركب على العضادتين على وَاحِد بِمِقْدَار عشرَة أَذْرع فِي عرض خَمْسَة أَذْرع، وَفَوق الدروند بِنَاء بذلك الْحَدِيد المغيب فِي النّحاس إِلَى

стр. 64

رَأس الْجَبَل فِي ارتفاعه مد الْبَصَر، وَفَوق ذَلِك شرف حَدِيد فِي كل شرفة قرنان، ينثني كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى صَاحبه، وَإِذا بَاب حَدِيد عَلَيْهِ مصراعان مغلقان عرض كل مصراع خَمْسُونَ ذِرَاعا، فِي ارْتِفَاع خمسين فِي نَحْو خَمْسَة أَذْرع وقائمتاهما فِي دوارة فِي قدر الدروند وعَلى الْبَاب قفل طوله تِسْعَة أَذْرع فِي غلظ ذِرَاع فِي الاستدارة وارتفاع القفل من الأَرْض خمس وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، وَفَوق القفل بِقدر خَمْسَة أَذْرع غلق طوله أَكثر من طول القفل، وقفيز كل وَاحِد مِنْهُمَا ذراعان، وعَلى الغلق مِفْتَاح مُعَلّق طوله ذِرَاع وَنصف، وَله اثْنَتَا عشرَة دريجة، كل وَاحِدَة قدر فَرسَخ أكبر مَا يكون من هاون مُعَلّق فِي سلسلة طولهَا ثَمَان أَذْرع فِي استدارة أَرْبَعَة أشبار وَالْحَلقَة الَّتِي فِيهَا السلسلة مثل حَلقَة المنجنيق، وَعتبَة الْبَاب عشرَة أَذْرع بسط مائَة ذِرَاع سوى مَا تَحت العضادتين، وَالظَّاهِر مِنْهَا خَمْسَة أَذْرع، وَهَذَا الذِّرَاع كُله بالذراع السرداء، وَرَئِيس تِلْكَ الْحُصُون يركب فِي كل جُمُعَة فِي

стр. 65

عشرَة فوارس مَعَ كل فَارس مرزبة حَدِيد، فِي كل وَاحِدَة خَمْسُونَ وَمِائَة منا، فَيضْرب القفل بِتِلْكَ المرزبات فِي كل يَوْم مَرَّات ليسمع من وَرَاء الْبَاب الصَّوْت، فيعلموا أَن هُنَالك حفظَة، وَيعلم هَؤُلَاءِ أَنه أُولَئِكَ لم يحدثوا فِي الْبَاب حَدثا، وَإِذا ضرب أَصْحَابنَا القفل وضعُوا آذانهم فيسمعون لمن هُوَ دَاخل دويا، وبالقرب من هَذَا الْموضع حصن كَبِير يكون عشرَة فراسخ فِي عشرَة فراسخ تكسير مائَة فَرسَخ، وَمَعَ الْبَاب حصنان يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مِائَتي ذِرَاع فِي مِائَتي ذِرَاع، وعَلى بَاب هذَيْن الحصنين شجرتان، وَبَين الحصنين عين عذبة، فِي أحد الحصنين آلَة الْبناء الَّذِي بني بِهِ السد من الْقُدُور الْحَدِيد والمغارف الْحَدِيد، على كل أثفية أَربع قدور مثل قدور الصابون، وَهُنَاكَ بَقِيَّة من اللَّبن قد التزق بَعْضهَا بِبَعْض من الصدأ، واللبنة ذِرَاع وَنصف فِي سمك شبر، وسألوا من هُنَالك؟ هَل رَأَوْا أحدا من يَأْجُوج وَمَأْجُوج فَذكرُوا أَنهم رَأَوْا مرّة عددا فَوق الشّرف فَهبت ريح

стр. 66

سَوْدَاء، فألقتهم إِلَى جانبهم، وَكَانَ مِقْدَار الرجل مِنْهُم فِي رَأْي الْعين شبْرًا وَنصفا. قَالَ سَلام الترجمان: فَلَمَّا انصرفنا أخذتنا الأدلاء إِلَى نَاحيَة خُرَاسَان فسرنا إِلَيْهَا حَتَّى خرجنَا خلف سَمَرْقَنْد بِسبع فراسخ، وَقد كَانَ أَصْحَاب الْحُصُون زودونا مَا كفانا، ثمَّ صرنا إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر، قَالَ سَلام: فوصلني بِمِائَة ألف دِرْهَم، وَوصل كل رجل معي بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم، وأجرى للفراس خَمْسَة دَرَاهِم، وللراجل ثَلَاثَة دَرَاهِم فِي كل يَوْم إِلَى الرّيّ، فرجعنا إِلَى سر من رأى بعد خروجنا بِثمَانِيَة وَعشْرين شهرا. قَالَ ابْن خرداذبة: فَحَدثني سَلام الترجمان بجملة هَذَا الْخَيْر، ثمَّ أمله عَليّ من كتاب كتبه للواثق. وَقد روى عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَن ذَا القرنين لَقِي إِبْرَاهِيم الْخَلِيل [عَلَيْهِ

стр. 67

السَّلَام] بِمَكَّة فَسلم عَلَيْهِ واعتنقه. وَفِي حَدِيث آخر أَنه سمع بإبراهيم فَنزل فَمشى إِلَيْهِ، وَقَالَ: مَا كنت لأركب فِي بلد فِيهِ إِبْرَاهِيم. وروى أَرْبَاب السّير: أَن ذَا القرنين أَمر بِبِنَاء مدن كَثِيرَة مِنْهَا، الدهرسية، وجهدان، وسيرل، وبرج الْحِجَارَة، وَلما بلغ الْهِنْد بنى مَدِينَة: سرنديب، وَأَن أَرْبَاب الْحساب قَالُوا لَهُ: إِنَّك لَا تَمُوت إِلَّا على أَرض [من] حَدِيد وسماء من خشب. وَكَانَ يدْفن كنوز كل أَرض بهَا، وَيكْتب ذَلِك بمقداره وموضعه فَبلغ بابل فرعف فَسقط عَن دَابَّته فبسطت

стр. 68

لَهُ درع، فَنَامَ عَلَيْهِ، فآذته الشَّمْس فأظلوه بترس فَنظر فَقَالَ: هَذِه أَرض من حَدِيد وسماء من خشب، فأيقن بِالْمَوْتِ فَمَاتَ وَهُوَ ابْن ألف وسِتمِائَة سنة.

стр. 69

(فصل) [قَالَ المُصَنّف ﵀] وَقد اخْتلفُوا فِي لُقْمَان: فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إِنَّه كَانَ حكيما وَلم يكن نَبيا. وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: بل كَانَ نَبيا. قَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَ لُقْمَان أسود، وَقَالَ غَيره: كَانَ حَبَشِيًّا لرجل قصار من بني إِسْرَائِيل اشْتَرَاهُ بِثَلَاثِينَ دِينَارا، وَإِن مَوْلَاهُ أمره يَوْمًا بِذبح

стр. 70

شَاة وأوصاه أَن يخرج مِنْهَا أطيب مضغتين فِيهَا فَأخْرج اللِّسَان وَالْقلب، ثمَّ إِن مَوْلَاهُ قَالَ لَهُ بعد مُدَّة: اذْبَحْ لنا شَاة، وَأخرج أَخبث مضغتين فِيهَا، فَأخْرج مِنْهَا اللِّسَان وَالْقلب، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: مَا فِي الشَّاة أطيب من قَلبهَا ولسانها [إِذا طابا] ، وَلَا أَخبث مِنْهُمَا - إِذا خبثا -[وَكَذَلِكَ ابْن آدم لَيْسَ شَيْء أحسن من قلبه وَلسَانه وَلَا أَخبث مِنْهُمَا إِذا خبثا] . وَقَالَ الْحسن: اعتزل لُقْمَان النَّاس فَنزل فِيمَا بَين الرملة وَبَيت الْمُقَدّس لَا يخالطهم. [٤١] حَدثنَا الْمُبَارك بن عَليّ الصَّيْرَفِي لفظا قَالَ أَنا أَحْمد بن الْحُسَيْن بن قُرَيْش قَالَ أَنا إِبْرَاهِيم بن عمر الْبَرْمَكِي قَالَ أَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الدقاق قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن سُلَيْمَان قَالَ ثَنَا عبد الْملك بن مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ قَالَ نَا ابْن عَائِشَة قَالَ ثَنَا سعيد بن عَامر قَالَ حَدثنِي حسن أَبُو جَعْفَر قَالَ: كَانَ لُقْمَان الحبشي عبدا لرجل جَاءَ بِهِ إِلَى السُّوق ليَبِيعهُ قَالَ: فَكَانَ كلما جَاءَ إِنْسَان يَشْتَرِيهِ، قَالَ لَهُ لُقْمَان: مَا تصنع بِي؟ قَالَ: أصنع بك كَذَا وَكَذَا، قَالَ: حَاجَتي إِلَيْك أَن لَا تشتريني حَتَّى جَاءَ رجل فَقَالَ: مَا تصنع بِي؟ قَالَ:

стр. 71

أصيرك بوابا على بَابي، قَالَ: أَنْت اشترني، فَاشْتَرَاهُ، وَجَاء بِهِ إِلَى دَاره، [قَالَ: قَالَ:] وَكَانَ لمَوْلَاهُ ثَلَاث بَنَات يبغين فِي الْقرْيَة، وَأَرَادَ أَن يخرج إِلَى ضَيْعَة لَهُ فَقَالَ: إِنِّي قد أدخلت إلَيْهِنَّ طعامهن وَمَا يحتجن إِلَيْهِ فَإِذا خرجت فأغلق الْبَاب واقعد من وَرَائه وَلَا تفتحه حَتَّى أجيء. قَالَ: فخرجن إِلَيْهِ كَمَا كن يخْرجن، فَقُلْنَ لَهُ: افْتَحْ الْبَاب، فَأبى عَلَيْهِنَّ فشججنه، فَغسل الدَّم وَجلسَ فَلَمَّا قدم لم يُخبرهُ، ثمَّ عَاد مَوْلَاهُ بعد الْخُرُوج فَقَالَ: إِنِّي قد أدخلت إلَيْهِنَّ مَا يحتجن إِلَيْهِ فَلَا تفتحن الْبَاب فَلَمَّا خرج خرجن إِلَيْهِ فَقُلْنَ لَهُ: افْتَحْ فَأبى فشججن ورجعن فَجَلَسَ [يبكي] فَلَمَّا جَاءَ الْمولى لم يُخبرهُ بِشَيْء. قَالَ: فَقَالَت الْكَبِيرَة: وَمَا بَال هَذَا العَبْد الحبشي أولى بِطَاعَة اللَّهِ [ ] مني ﴿وَالله لأتوبن، فتابت. فَقَالَت الصُّغْرَى: وَمَا بَال هَذَا العَبْد الحبشي وَهَذِه الْكُبْرَى أولى بِطَاعَة الله مني﴾ وَالله لأتوبن، فتابت:

стр. 72

فَقَالَت الْوُسْطَى: مَا بَال هَاتَانِ وَهَذَا العَبْد الحبشي أولى بِطَاعَة اللَّهِ مني! وَالله لأتوبن. قَالَ: فَقُلْنَ غواة الْقرْيَة: مَا بَال هَذَا العَبْد الحبشي وَبَنَات فلَان أولى بِطَاعَة اللَّهِ منا فتبن إِلَى اللَّهِ ، فَكُن عوابد الْقرْيَة. [٤٢] أَنبأَنَا يحيى بن ثَابت بن بنْدَار قَالَ أَنا أبي قَالَ أَنا الْحسن ابْن الْحُسَيْن بن دَوْمًا قَالَ أَنا مُحَمَّد بن جَعْفَر الباقرجي قَالَ أَنا الْحسن بن عَليّ الْقطَّان قَالَ أَنا إِسْمَاعِيل بن عِيسَى الْعَطَّار قَالَ ثَنَا إِسْحَاق بن بشر الْقرشِي قَالَ أَنا عبد اللَّهِ بن زِيَاد عَن مَكْحُول: أَن لُقْمَان كَانَ عبدا أسود، وَكَانَ قد أعطَاهُ اللَّهِ الْحِكْمَة وَكَانَ لرجل من بني إِسْرَائِيل اشْتَرَاهُ بِثَلَاثِينَ مِثْقَالا وَنصف وَكَانَ مَوْلَاهُ يلْعَب بالنرد يخاطر عَلَيْهِ، وَكَانَ لَهُ على بَابه نهر جَار، فلعب يَوْمًا بالنرد على أَن من قمر صَاحبه شرب المَاء الَّذِي فِي النَّهر كُله أَو افتدى مِنْهُ، فقهر سيد لُقْمَان فَقَالَ لَهُ سيد لُقْمَان: اشرب مَا فِي النَّهر وَإِلَّا فافتد مِنْهُ، فَقَالَ: سلني الْفِدَاء، فَقَالَ: عَيْنَيْك أفقؤهما وَجَمِيع

стр. 73

مَا تملك، قَالَ: أمهلني يَوْمًا، قَالَ: لَك ذَلِك. فأمسى كئيبا حَزينًا إِذْ جَاءَ لُقْمَان وَقد حمل حزمة من حطب على ظَهره فَسلم وَوضع مَا مَعَه، وَقَالَ لسَيِّده: مَالِي أَرَاك كئيبا حَزينًا؟ فَأَعْرض عَنهُ، فَأَعَادَ القَوْل فَأَعْرض عَنهُ، فَأَعَادَ فَأَعْرض، فَقَالَ لَهُ: أَخْبرنِي فَلَعَلَّ لَك عِنْدِي فرج [فَأخْبرهُ] قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: إِذا قَالَ الرجل لَك: اشرب مَا فِي النَّهر، فَقل لَهُ: أشْرب مَا بَين ضفتي النَّهر أَو الْمَدّ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَك: مَا بَين الضفتين، فَقل لَهُ: احْبِسْ عني الْمَدّ حَتَّى أشْرب مَا بَين الضفتين، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيع [ذَلِك] وَتَكون قد خرجت مِمَّا ضمنت لَهُ فَعرف الرجل أَنه قد صدقه، فطابت نَفسه، فَلَمَّا أصبح الرجل جَاءَ فَقَالَ لَهُ: ف لي بشرطي، فَقَالَ لَهُ: نعم، أشْرب مَا بَين الضفتين أَو الْمَدّ؟ فَقَالَ: لَا، مَا بَين الضفتين، قَالَ: فاحبس عني الْمَدّ، قَالَ كَيفَ أستطع! فخصمه قَالَ: فَأعْتقهُ مَوْلَاهُ، فَأكْرمه اللَّهِ. وَكَانَ يخْتَلف إِلَى دَاوُد يقتبس مِنْهُ [الْحِكْمَة] فَاخْتلف إِلَيْهِ سنة. وَدَاوُد يتَّخذ درعا وَلَا يسْأَله مَا هَذَا؟ وَلَا يُخبرهُ دَاوُد حَتَّى فرغ مِنْهَا، فصبها دَاوُد على نَفسه فَقَالَ حِين رأى ذَلِك: الصمت حكم.

стр. 74

قَالَ الْقرشِي: وَأخْبرنَا خَالِد بن النَّضر عَن مَكْحُول: أَن أول مَا سمع دَاوُد [﵇] من حِكْمَة لُقْمَان أَنه رأى النَّاس يَخُوضُونَ وَهُوَ سَاكِت، فَقَالَ دَاوُد: أَلا تَقول يَا لُقْمَان كَمَا يَقُول النَّاس؟ فَقَالَ: لَا خير فِي الْكَلَام إِلَّا بِذكر اللَّهِ وَلَا فِي السُّكُوت إِلَّا فِي الفكرة فِي الْمعَاد، وَإِن صَاحب الدّين قد فكر، فعلته السكينَة، وشكر فتواضع، وقنع، فاستغنى، وَرَضي فَلم يهتم، وخلع الدُّنْيَا فنجا من الشرور، ورفض الشَّهَوَات فَصَارَ حرا، وَانْفَرَدَ، فَكفى الأحزان، وَطرح الْحَسَد، فظهرت الْمحبَّة، واستكمل الْعقل وَأبْصر الْعَاقِبَة، فأمن الندامة، فَالنَّاس مِنْهُ فِي رَاحَة، وَهُوَ من نَفسه فِي تَعب، فَقَالَ دَاوُد: صدقت يَا لُقْمَان، وأعجب بِهِ وشاع ذكره بالحكمة، وَاجْتمعَ بعد ذَلِك النَّاس إِلَيْهِ يقتبسون مِنْهُ ويسمعون مِنْهُ الْحِكْمَة. قَالَ الْقرشِي: وَحدثنَا ابْن سمْعَان عَن زيد بن أسلم أَن لُقْمَان لما ظَهرت حكمته للنَّاس جَاءَهُ رجل من عُظَمَاء بني إِسْرَائِيل فَقَالَ لَهُ: يَا لُقْمَان، ألم تكن عبدا نوبيا لفُلَان؟ قَالَ: بلَى، قَالَ: فَمن أَيْن بلغت هَذِه الْمنزلَة؟ قَالَ: صدق الحَدِيث، وتركي مَالا يعنيني.

стр. 75

قَالَ الْقرشِي: وَحدثنَا ابْن سمْعَان عَن مَكْحُول عَن كَعْب أَن لُقْمَان قَالَ لِابْنِهِ: يَا بني، إِن الدُّنْيَا بَحر عريض، وَقد هلك فِيهِ عَالم كثير، فَإِن اسْتَطَعْت أَن تجْعَل سفينتك فِيهَا الْإِيمَان بِاللَّه، وشراعها التَّوَكُّل على اللَّهِ، وزادك فِيهَا التَّقْوَى، فَإِن نجوت فبرحمة اللَّهِ، وَإِن هَلَكت فبذنوبك. قَالَ: وَحدثنَا عُثْمَان بن عَطاء عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ: يَا بني، رح من الدُّنْيَا باليسير، وَلَا تنافس فِي نعيمها؛ فَإِن الْقَلِيل يَكْفِيك مِنْهَا، إِن خير الْعلم مَا نفع، يَا بني، أعلم النَّاس أَشَّدهم خشيَة. قَالَ الْقرشِي: وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن أدهم: بَلغنِي أَن لُقْمَان لما حَضرته الْوَفَاة بَكَى، فَقَالَ لَهُ ابْنه: يَا أبه، مَا يبكيك؟ قَالَ: يَا بني، لَيْسَ على الدُّنْيَا أبْكِي، وأنما أبْكِي على مَا أَمَامِي: شقة بعيدَة، ومفازة سحيقة، وَعقبَة كؤود، وَزَاد قَلِيل، وَحمل ثقيل، فَمَا أَدْرِي أيحط ذَلِك الْحمل حَتَّى أبلغ الْغَايَة، أَو يبْقى عَليّ، فأساق مَعَه إِلَى نَار جَهَنَّم؟ ﴿﴾ ثمَّ مَاتَ. قَالَ: وَبَلغنِي أَن قبر لُقْمَان مَا بَين مَسْجِد الرملة وَمَوْضِع سوقها
следующие страницы →