Полный текст (233 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أصيرك بوابا على بَابي، قَالَ: أَنْت اشترني، فَاشْتَرَاهُ، وَجَاء بِهِ إِلَى دَاره، [قَالَ: قَالَ:] وَكَانَ لمَوْلَاهُ ثَلَاث بَنَات يبغين فِي الْقرْيَة، وَأَرَادَ أَن يخرج إِلَى ضَيْعَة لَهُ فَقَالَ: إِنِّي قد أدخلت إلَيْهِنَّ طعامهن وَمَا يحتجن إِلَيْهِ فَإِذا خرجت فأغلق الْبَاب واقعد من وَرَائه وَلَا تفتحه حَتَّى أجيء. قَالَ: فخرجن إِلَيْهِ كَمَا كن يخْرجن، فَقُلْنَ لَهُ: افْتَحْ الْبَاب، فَأبى عَلَيْهِنَّ فشججنه، فَغسل الدَّم وَجلسَ فَلَمَّا قدم لم يُخبرهُ، ثمَّ عَاد مَوْلَاهُ بعد الْخُرُوج فَقَالَ: إِنِّي قد أدخلت إلَيْهِنَّ مَا يحتجن إِلَيْهِ فَلَا تفتحن الْبَاب فَلَمَّا خرج خرجن إِلَيْهِ فَقُلْنَ لَهُ: افْتَحْ فَأبى فشججن ورجعن فَجَلَسَ [يبكي] فَلَمَّا جَاءَ الْمولى لم يُخبرهُ بِشَيْء. قَالَ: فَقَالَت الْكَبِيرَة: وَمَا بَال هَذَا العَبْد الحبشي أولى بِطَاعَة اللَّهِ [ ] مني ﴿وَالله لأتوبن، فتابت. فَقَالَت الصُّغْرَى: وَمَا بَال هَذَا العَبْد الحبشي وَهَذِه الْكُبْرَى أولى بِطَاعَة الله مني﴾ وَالله لأتوبن، فتابت:
стр. 72
فَقَالَت الْوُسْطَى: مَا بَال هَاتَانِ وَهَذَا العَبْد الحبشي أولى بِطَاعَة اللَّهِ مني! وَالله لأتوبن. قَالَ: فَقُلْنَ غواة الْقرْيَة: مَا بَال هَذَا العَبْد الحبشي وَبَنَات فلَان أولى بِطَاعَة اللَّهِ منا فتبن إِلَى اللَّهِ ، فَكُن عوابد الْقرْيَة.
[٤٢] أَنبأَنَا يحيى بن ثَابت بن بنْدَار قَالَ أَنا أبي قَالَ أَنا الْحسن ابْن الْحُسَيْن بن دَوْمًا قَالَ أَنا مُحَمَّد بن جَعْفَر الباقرجي قَالَ أَنا الْحسن بن عَليّ الْقطَّان قَالَ أَنا إِسْمَاعِيل بن عِيسَى الْعَطَّار قَالَ ثَنَا إِسْحَاق بن بشر الْقرشِي قَالَ أَنا عبد اللَّهِ بن زِيَاد عَن مَكْحُول: أَن لُقْمَان كَانَ عبدا أسود، وَكَانَ قد أعطَاهُ اللَّهِ الْحِكْمَة وَكَانَ لرجل من بني إِسْرَائِيل اشْتَرَاهُ بِثَلَاثِينَ مِثْقَالا وَنصف وَكَانَ مَوْلَاهُ يلْعَب بالنرد يخاطر عَلَيْهِ، وَكَانَ لَهُ على بَابه نهر جَار، فلعب يَوْمًا بالنرد على أَن من قمر صَاحبه شرب المَاء الَّذِي فِي النَّهر كُله أَو افتدى مِنْهُ، فقهر سيد لُقْمَان فَقَالَ لَهُ سيد لُقْمَان: اشرب مَا فِي النَّهر وَإِلَّا فافتد مِنْهُ، فَقَالَ: سلني الْفِدَاء، فَقَالَ: عَيْنَيْك أفقؤهما وَجَمِيع
стр. 73
مَا تملك، قَالَ: أمهلني يَوْمًا، قَالَ: لَك ذَلِك. فأمسى كئيبا حَزينًا إِذْ جَاءَ لُقْمَان وَقد حمل حزمة من حطب على ظَهره فَسلم وَوضع مَا مَعَه، وَقَالَ لسَيِّده: مَالِي أَرَاك كئيبا حَزينًا؟ فَأَعْرض عَنهُ، فَأَعَادَ القَوْل فَأَعْرض عَنهُ، فَأَعَادَ فَأَعْرض، فَقَالَ لَهُ: أَخْبرنِي فَلَعَلَّ لَك عِنْدِي فرج [فَأخْبرهُ] قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: إِذا قَالَ الرجل لَك: اشرب مَا فِي النَّهر، فَقل لَهُ: أشْرب مَا بَين ضفتي النَّهر أَو الْمَدّ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَك: مَا بَين الضفتين، فَقل لَهُ: احْبِسْ عني الْمَدّ حَتَّى أشْرب مَا بَين الضفتين، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيع [ذَلِك] وَتَكون قد خرجت مِمَّا ضمنت لَهُ فَعرف الرجل أَنه قد صدقه، فطابت نَفسه، فَلَمَّا أصبح الرجل جَاءَ فَقَالَ لَهُ: ف لي بشرطي، فَقَالَ لَهُ: نعم، أشْرب مَا بَين الضفتين أَو الْمَدّ؟ فَقَالَ: لَا، مَا بَين الضفتين، قَالَ: فاحبس عني الْمَدّ، قَالَ كَيفَ أستطع! فخصمه قَالَ: فَأعْتقهُ مَوْلَاهُ، فَأكْرمه اللَّهِ.
وَكَانَ يخْتَلف إِلَى دَاوُد يقتبس مِنْهُ [الْحِكْمَة] فَاخْتلف إِلَيْهِ سنة. وَدَاوُد يتَّخذ درعا وَلَا يسْأَله مَا هَذَا؟ وَلَا يُخبرهُ دَاوُد حَتَّى فرغ مِنْهَا، فصبها دَاوُد على نَفسه فَقَالَ حِين رأى ذَلِك: الصمت حكم.
стр. 74
قَالَ الْقرشِي: وَأخْبرنَا خَالِد بن النَّضر عَن مَكْحُول: أَن أول مَا سمع دَاوُد [﵇] من حِكْمَة لُقْمَان أَنه رأى النَّاس يَخُوضُونَ وَهُوَ سَاكِت، فَقَالَ دَاوُد: أَلا تَقول يَا لُقْمَان كَمَا يَقُول النَّاس؟ فَقَالَ: لَا خير فِي الْكَلَام إِلَّا بِذكر اللَّهِ وَلَا فِي السُّكُوت إِلَّا فِي الفكرة فِي الْمعَاد، وَإِن صَاحب الدّين قد فكر، فعلته السكينَة، وشكر فتواضع، وقنع، فاستغنى، وَرَضي فَلم يهتم، وخلع الدُّنْيَا فنجا من الشرور، ورفض الشَّهَوَات فَصَارَ حرا، وَانْفَرَدَ، فَكفى الأحزان، وَطرح الْحَسَد، فظهرت الْمحبَّة، واستكمل الْعقل وَأبْصر الْعَاقِبَة، فأمن الندامة، فَالنَّاس مِنْهُ فِي رَاحَة، وَهُوَ من نَفسه فِي تَعب، فَقَالَ دَاوُد: صدقت يَا لُقْمَان، وأعجب بِهِ وشاع ذكره بالحكمة، وَاجْتمعَ بعد ذَلِك النَّاس إِلَيْهِ يقتبسون مِنْهُ ويسمعون مِنْهُ الْحِكْمَة.
قَالَ الْقرشِي: وَحدثنَا ابْن سمْعَان عَن زيد بن أسلم أَن لُقْمَان لما ظَهرت حكمته للنَّاس جَاءَهُ رجل من عُظَمَاء بني إِسْرَائِيل فَقَالَ لَهُ: يَا لُقْمَان، ألم تكن عبدا نوبيا لفُلَان؟ قَالَ: بلَى، قَالَ: فَمن أَيْن بلغت هَذِه الْمنزلَة؟ قَالَ: صدق الحَدِيث، وتركي مَالا يعنيني.
стр. 75
قَالَ الْقرشِي: وَحدثنَا ابْن سمْعَان عَن مَكْحُول عَن كَعْب أَن لُقْمَان قَالَ لِابْنِهِ: يَا بني، إِن الدُّنْيَا بَحر عريض، وَقد هلك فِيهِ عَالم كثير، فَإِن اسْتَطَعْت أَن تجْعَل سفينتك فِيهَا الْإِيمَان بِاللَّه، وشراعها التَّوَكُّل على اللَّهِ، وزادك فِيهَا التَّقْوَى، فَإِن نجوت فبرحمة اللَّهِ، وَإِن هَلَكت فبذنوبك.
قَالَ: وَحدثنَا عُثْمَان بن عَطاء عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ: يَا بني، رح من الدُّنْيَا باليسير، وَلَا تنافس فِي نعيمها؛ فَإِن الْقَلِيل يَكْفِيك مِنْهَا، إِن خير الْعلم مَا نفع، يَا بني، أعلم النَّاس أَشَّدهم خشيَة.
قَالَ الْقرشِي: وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن أدهم: بَلغنِي أَن لُقْمَان لما حَضرته الْوَفَاة بَكَى، فَقَالَ لَهُ ابْنه: يَا أبه، مَا يبكيك؟ قَالَ: يَا بني، لَيْسَ على الدُّنْيَا أبْكِي، وأنما أبْكِي على مَا أَمَامِي: شقة بعيدَة، ومفازة سحيقة، وَعقبَة كؤود، وَزَاد قَلِيل، وَحمل ثقيل، فَمَا أَدْرِي أيحط ذَلِك الْحمل حَتَّى أبلغ الْغَايَة، أَو يبْقى عَليّ، فأساق مَعَه إِلَى نَار جَهَنَّم؟ ﴿﴾ ثمَّ مَاتَ.
قَالَ: وَبَلغنِي أَن قبر لُقْمَان مَا بَين مَسْجِد الرملة وَمَوْضِع سوقها
стр. 76
الْيَوْم، وفيهَا قُبُور سبعين نَبيا مَاتُوا بعد لُقْمَان كلهم فِي يَوْم وَاحِد من الْجُوع؛ أخرجهم بَنو إِسْرَائِيل فألجأوهم إِلَى الرملة، ثمَّ أحاطوا بهم فماتوا كلهم جوعا [﵈] .
(فصل)
[قَالَ المُصَنّف] : وكما ضرب النَّاس الْمثل بحكمة لُقْمَان ضربوا الْمثل بنومة عبود وَكَانَ عبود أسود حطابا فَبَقيَ فِي محطبه أسبوعا لم ينم، ثمَّ انْصَرف فَنَامَ أسبوعا، فَضرب بِهِ الْمثل لمن ثقل نَومه.
قَالَ الشَّرْقِي بن قطامي: تماوت عبود على أَهله، وَقَالَ: اندبوني لأعْلم كَيفَ تندبوني إِذا مت، فسجينه وندبنه فَإِذا هُوَ قد مَاتَ.
стр. 77
(الْبَاب السَّادِس عشر)
(فِي ذكر كبار مُلُوك الْحَبَشَة)
سيدهم النَّجَاشِيّ الَّذِي هَاجَرت إِلَى بَلَده الصَّحَابَة، وَكتب إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَأسلم
وملوك الْحَبَشَة كلهم يتسمى بالنجاشي كَمَا يتسمى مُلُوك فَارس بكسرى.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: اسْم النَّجَاشِيّ: أَصْحَمَة، وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ: عَطِيَّة.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: إِنَّمَا النَّجَاشِيّ اسْم الْملك كَقَوْلِك: هِرقل وَقَيْصَر، قَالَ: وَلست أَدْرِي أَبَا الْعَرَبيَّة أم وفَاق وَقع بَين الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا؟
стр. 78
والناجشي هُوَ الناجش، والنجش استثارة الشَّيْء، وَمِنْه قيل للزائد فِي ثمن السّلْعَة: ناجش ونجاش.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: بعث رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - عَمْرو بن أُميَّة إِلَى النَّجَاشِيّ، وَكتب مَعَه:
" بِسم اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم. من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى النَّجَاشِيّ ملك الْحَبَشَة: إِنِّي أَحْمد إِلَيْك اللَّهِ الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن، وَأشْهد أَن عِيسَى بن مَرْيَم روح اللَّهِ وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم البتول الطّيبَة، فَحملت بِعِيسَى، وَإِنِّي أَدْعُوك إِلَى اللَّهِ وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن تتبعني فتؤمن بِالَّذِي جَاءَنِي؛ فَإِنِّي رَسُول اللَّهِ، وَقد بعثت إِلَيْكُم ابْن عمي جَعْفَر، وَمَعَهُ نفر من الْمُسلمين، وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى ".
فَكتب النَّجَاشِيّ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -:
стр. 79
بِسم اللَّهِ الرَّحْمَن. إِلَى مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - من النَّجَاشِيّ: سَلام عَلَيْك يَا نَبِي اللَّهِ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاته الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الَّذِي هَدَانِي إِلَى الْإِسْلَام. . أما بعد، فقد بَلغنِي كتابك يَا رَسُول اللَّهِ، فَمَا ذكرت من أَمر عِيسَى فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِن عِيسَى بن مَرْيَم [﵇] مَا يزِيد على مَا ذكرت ثفروقا إِنَّه كَمَا قلت، وَقد عرفنَا مَا بعثت بِهِ إِلَيْنَا، وَقد قدم ابْن عمك وَأَصْحَابه، وَأشْهد أَنَّك رَسُول اللَّهِ، وَقد بَايَعْتُك وبايعت ابْن عمك، وَأسْلمت على يَدَيْهِ لله رب الْعَالمين، وَقد بعثت إِلَيْك ابْني، وَإِن شِئْت أَن آتِيك فعلت يَا رَسُول اللَّهِ، فَإِنِّي أشهد أَن مَا تَقول حق، وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاته ".
قَالَ ابْن إِسْحَاق: فَذكر لي [أَنه] بعث ابْنه فِي سِتِّينَ من الْحَبَشَة] فِي سفينة] فَغَرقُوا.
وَقَالَ الْوَاقِدِيّ عَن أشياخه: كَانَ أول رَسُول بَعثه رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - عَمْرو بن أُميَّة إِلَى النَّجَاشِيّ، وَكتب إِلَيْهِ كتابين يَدعُوهُ فِي أَحدهمَا إِلَى الْإِسْلَام وَيَتْلُو عَلَيْهِ
стр. 80
الْقُرْآن وَأخذ كتاب رَسُول اللَّهِ فَوَضعه على عَيْنَيْهِ، وَنزل عَن سَرِيره فَجَلَسَ على الأَرْض تواضعا، ثمَّ أسلم وَشهد شَهَادَة الْحق، وَقَالَ: لَو كنت أَسْتَطِيع أَن آتيه لأتيته، وَكتب إِلَى رَسُول اللَّهِ [ ﷺ َ -] بإجابته وتصديقه وإسلامه.
وَفِي الْكتاب الآخر يَأْمُرهُ أَن يُزَوجهُ أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان، وَكَانَت قد هَاجَرت إِلَى الْحَبَشَة مَعَ زَوجهَا، وَأمره فِي الْكتاب أَن يبْعَث إِلَيْهِ بِمن قبله من أَصْحَابه ويحملهم، فَفعل ذَلِك.
ذكر أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - النَّجَاشِيّ أَن يُزَوجهُ أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان بن حَرْب.
كَانَت أم حَبِيبَة قد خرجت إِلَى أَرض الْحَبَشَة مَعَ زَوجهَا عبيد اللَّهِ بن جحش فَتَنَصَّرَ هُوَ هُنَاكَ وَثبتت [هِيَ] على الْإِسْلَام.
[٤٣] فأنبأنا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي عَن الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ ثَنَا أَبُو عمر بن حيوية قَالَ أَنا ابْن مَعْرُوف قَالَ نَا ابْن الْفَهم قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ أَنا مُحَمَّد بن عمر قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن عَمْرو بن زُهَيْر عَن إِسْمَاعِيل بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ قَالَ: قَالَت أم حَبِيبَة: رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن عبيد اللَّهِ
стр. 81
ابْن جحش زَوجي بأسوء صُورَة وأشوهها فَفَزِعت، فَقلت: تَغَيَّرت وَالله حَاله، فَإِذا هُوَ يَقُول حِين أصبح: يَا أم حَبِيبَة، إِنِّي نظرت فِي الدّين فَلم أر دينا خيرا من النَّصْرَانِيَّة، وَكنت قد دنت بهَا ثمَّ دخلت فِي دين مُحَمَّد، ثمَّ قد رجعت إِلَى النَّصْرَانِيَّة، فَقلت: وَالله مَا خير لَك، وأخبرته بالرؤيا الَّتِي رَأَيْت فَلم يحفل بهَا، وأكب على الْخمر حَتَّى مَاتَ. فَأرى فِي الْمَنَام كَأَن آتِيَا يَقُول: يَا أم الْمُؤمنِينَ، فَفَزِعت فَأَوَّلتهَا أَن رَسُول الله ﷺ َ - يَتَزَوَّجنِي.
قَالَت: فَمَا هُوَ إِلَّا أَن انْقَضتْ عدتي فَمَا شَعرت إِلَّا برَسُول النَّجَاشِيّ على أتان يسْتَأْذن، فَإِذا جَارِيَة لَهُ يُقَال لَهَا: أَبْرَهَة كَانَت تقوم على ثِيَابه ودهنه، فَدخلت عَليّ فَقَالَت: إِن الْملك يَقُول [لَك] : إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - كتب إِلَيّ أَن أزَوجك، فَقلت: بشرك اللَّهِ بِخَير يَقُول لَك الْملك وكلي من يزوجك، فَأرْسلت إِلَى خَالِد بن سعيد ابْن العَاصِي فَوَكَّلَتْهُ، وَأعْطيت أَبْرَهَة سِوَارَيْنِ من فضَّة، وخدمتين كَانَتَا فِي رجْلي، وخواتيم فضَّة كَانَت فِي أَصَابِع رجْلي سُرُورًا بِمَا بشرت، فَلَمَّا كَانَ الْعشي أَمر النَّجَاشِيّ جَعْفَر بن أبي طَالب وَمن هُنَاكَ من الْمُسلمين فَحَضَرُوا، فَخَطب النَّجَاشِيّ
стр. 82
[﵁] وَقَالَ: الْحَمد لله الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، وَأَن الَّذِي بشر بِهِ عِيسَى بن مَرْيَم ﷺ ، أما بعد ...
فَإِن رَسُول الله ﷺ َ - كتب إِلَيّ أَن أزَوجهُ أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان، فأجبت إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ، وَقد أصدقهَا أَربع مائَة دِينَار، ثمَّ سكب الدَّنَانِير بَين يَدي الْقَوْم.
فَتكلم خَالِد بن سعيد فَقَالَ: الْحَمد للَّهِ، أَحْمَده وَأَسْتَعِينهُ وأستغفره، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ، أما بعد ... فقد أجبْت إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ وَزَوجته أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان، فَبَارك الله لرَسُول اللَّهِ ﷺ َ -، وَدفع الدَّنَانِير لخَالِد بن سعيد فقبضها، ثمَّ أَرَادوا أَن يقومُوا فَقَالَ: اجلسوا فَإِن سنة الْأَنْبِيَاء إِذا تزوجوا أَن يُؤْكَل طَعَام على التَّزْوِيج، فدعي بِطَعَام فَأَكَلُوا، ثمَّ تفَرقُوا.
قَالَت أم حَبِيبَة: فَلَمَّا وصل إِلَيّ المَال أرْسلت إِلَى أَبْرَهَة الَّتِي بشرتني فَقلت لَهَا: إِنِّي كنت أَعطيتك مَا أَعطيتك يَوْمئِذٍ وَلَا مَال بيَدي، فَهَذِهِ خَمْسُونَ دِينَارا فخذيها واستعيني بهَا، فَأَبت وأخرجت حَقًا فِيهِ كل مَا
стр. 83
كنت أعطيتهَا فَردته عَليّ وَقَالَت: عزم عَليّ الْملك أَن لَا أرزأك شَيْئا، وَأَنا الَّتِي أقوم على ثِيَابه ودهنه، وَقد اتبعت دين مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ، وَأسْلمت لله رب الْعَالمين، وَقد أَمر الْملك نِسَاءَهُ يبْعَثْنَ إِلَيْك بِكُل مَا عِنْدهن من الْعطر قَالَت: فَلَمَّا كَانَ الْغَد جَاءَتْنِي بِعُود وَوَرس وَعَنْبَر وَزِيَاد كثير، فَقدمت بذلك كُله على رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -، وَكَانَ يرَاهُ عَليّ وَعِنْدِي فَلَا يُنكره، ثمَّ قَالَت أَبْرَهَة: حَاجَتي إِلَيْك أَن تقرئي على رَسُول الله ﷺ َ - مني السَّلَام، وتعلميه أنني اتبعت دينه. قَالَت: وَكَانَت الَّتِي جَهَّزْتنِي، وَكَانَت كلما دخلت عَليّ تَقول: لَا تنسي حَاجَتي إِلَيْك، فَلَمَّا قدمت على رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - أخْبرته كَيفَ كَانَت الْخطْبَة، وَمَا فعلت بِي أَبْرَهَة فتبشر وَأَقْرَأْته السَّلَام مِنْهَا فَقَالَ " وَعَلَيْهَا السَّلَام وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاته ".
قَالَ عبد اللَّهِ بن أبي بكر بن حزم: وَكَانَ ذَلِك [فِي] سنة سبع.
قَالَ الزُّهْرِيّ: وجهزها النَّجَاشِيّ وَبعث مَعهَا شُرَحْبِيل بن حَسَنَة.
وَلما بلغ أَبُو سُفْيَان تَزْوِيج رَسُول اللَّهِ أم حَبِيبَة قَالَ: ذَلِك الْفَحْل لَا يقرع أَنفه.
стр. 84
قَالَ الزُّهْرِيّ: فَلَمَّا قدم أَبُو سُفْيَان بن حَرْب الْمَدِينَة جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَكَلمهُ أَن يزِيد فِي هدنة الْحُدَيْبِيَة، فَلم يقبل عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ فَقَامَ فَدخل على ابْنَته أم حَبِيبَة، فَلَمَّا ذهب ليجلس على فرَاش النَّبِي ﷺ َ - طوته دونه، فَقَالَ: يَا بنية أرغبت بِهَذَا الْفراش عني أم بِي عَنهُ، فَقَالَت: بل هُوَ فرَاش رَسُول اللَّهِ
، وَأَنت امْرُؤ نجس مُشْرك. فَقَالَ: يَا بنية لقد أَصَابَك بعدِي شَرّ.
قَالَت عَائِشَة [﵂] : دعتني أم حَبِيبَة عِنْد مَوتهَا فَقَالَت: قد كَانَ يكون بَيْننَا مَا بَين الضرائر، فغفر اللَّهِ لي وَلَك، فَقلت: غفر اللَّهِ لَك ذَلِك كُله وَتجَاوز، وحللك من ذَلِك، فَقَالَت: سررتيني، سرك اللَّهِ، وَأرْسلت إِلَى أم سَلمَة فَقَالَت لَهَا مثل ذَلِك.
وَتوفيت سنة أَربع وَأَرْبَعين فِي خلَافَة مُعَاوِيَة.
ذكر إِعْلَام رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - النَّاس بِمَوْت النَّجَاشِيّ وَصلَاته عَلَيْهِ.
стр. 85
توفّي النَّجَاشِيّ فِي رَجَب سنة تسع من الْهِجْرَة.
[٤٤] وَأخْبرنَا ابْن الْحصين قَالَ أَنا ابْن الْمَذْهَب قَالَ أَنا أَبُو بكر ابْن مَالك قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن أَحْمد قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ ثَنَا يحيى عَن مَالك قَالَ حَدثنِي الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ:
نعى لنا رَسُول الله ﷺ َ - النَّجَاشِيّ الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخرج إِلَى الْمصلى، فَصف أَصْحَابه خَلفه، فَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا.
قَالَت عَائِشَة [﵂] : لما مَاتَ النَّجَاشِيّ كُنَّا نتحدث أَنه لَا يزَال يرى على قَبره نور.
стр. 86
(ذكر ملك كَبِير من مُلُوك الْحَبَشَة)
[٤٥] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر الْحَافِظ قَالَ أَنا مَحْفُوظ بن أَحْمد قَالَ أَنا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الجازري قَالَ ثَنَا الْمعَافى بن زَكَرِيَّا قَالَ ثَنَا الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ ثَنَا الْفضل بن الْعَبَّاس الربعِي قَالَ حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن عِيسَى بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور قَالَ سَمِعت عمي سُلَيْمَان بن أبي جَعْفَر يَقُول: كنت وَاقِفًا على رَأس الْمَنْصُور لَيْلَة وَعِنْده إِسْمَاعِيل بن عَليّ وَصَالح بن عَليّ وَسليمَان بن عَليّ وَعِيسَى بن عَليّ فتذاكروا زَوَال ملك بني أُميَّة، وَمَا صنع بهم عبد اللَّهِ، وَقتل مَا قتل مِنْهُم بنهر أبي فطرس، فَقَالَ الْمَنْصُور: أَلا من عَلَيْهِم ليروا من دولتنا مَا رَأينَا من دولتهم وَيرغبُوا إِلَيْنَا كَمَا رغبنا إِلَيْهِم، فقد لعمري عاشوا سعداء وماتوا فُقَرَاء، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيل بن عَليّ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن فِي حَبسك عبد اللَّهِ بن مَرْوَان بن مُحَمَّد، وَقد كَانَت لَهُ قصَّة عَجِيبَة مَعَ ملك النّوبَة، فَابْعَثْ إِلَيْهِ فسله عَنْهَا، فَقَالَ: يَا مسيب، عَليّ بِهِ، فَأخْرج فَتى مُقَيّدا بِقَيْد ثقيل وغل ثقيل، فَمثل بَين يَدَيْهِ، وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاته، فَقَالَ: يَا عبيد اللَّهِ، رد السَّلَام أَمن. وَلم
стр. 87
تسمح لَك نَفسِي بذلك بعد، وَلَكِن اقعد، فجاؤوا بوسادة فثنيت فَقعدَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ: قد بَلغنِي أَنه كَانَت لَك قصَّة عَجِيبَة مَعَ ملك النّوبَة، فَمَا هِيَ؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لَا وَالَّذِي أكرمك بالخلافة مَا أقدر على النَّفس من ثقل الْحَدِيد، وَلَقَد صدئ قيدي مِمَّا أرشش عَلَيْهِ من الْبَوْل، وأصب عَلَيْهِ المَاء فِي أَوْقَات الصَّلَاة، فَقَالَ: يَا مسيب، أطلق عَنهُ حديده. ثمَّ قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلما قصد عبد اللَّهِ بن عَليّ إِلَيْنَا كنت [أَنا] الْمَطْلُوب من بَين الْجَمَاعَة، لِأَنِّي كنت ولي عهد أبي من بعده فَدخلت إِلَى خزانَة فاستخرجت مِنْهَا عشرَة آلَاف دِينَار، ثمَّ دَعَوْت عشرَة من غلماني وحملت كل وَاحِد على دَابَّة، وَدفعت إِلَى كل غُلَام ألف دِينَار وأوقرت خَمْسَة أبغل، وشددت فِي وسطي جوهرا لَهُ قيمَة مَعَ ألف دِينَار، وَخرجت هَارِبا إِلَى بلد النّوبَة، فسرت فِيهَا ثَلَاثًا، فَوَقَعت إِلَى مَدِينَة خراب فَأمرت الغلمان فعدلوا إِلَيْهَا فكسحوا مِنْهَا مَا كَانَ قذرا، ثمَّ فرشوا بعض تِلْكَ الْفرش، ودعوت غُلَاما لي كنت أَثِق بعقله فَقلت: انْطلق إِلَى الْملك فأقرئه مني السَّلَام، وَخذ مِنْهُ الْأمان، وابتع لي ميرة. قَالَ: فَمضى فَأَبْطَأَ حَتَّى سُؤْت ظنا، ثمَّ أقبل وَمَعَهُ رجل آخر، فَلَمَّا أَن دخل كفر لي، ثمَّ قعد بَين يَدي فَقَالَ لي: الْملك يقْرَأ
стр. 88
عَلَيْك السَّلَام، وَيَقُول لَك: من أَنْت؟ وَمَا جَاءَ بك إِلَى بلادي؟ أمحارب لي، أم رَاغِب إِلَيّ، أم مستجير بِي؟ قلت: ترد على الْملك السَّلَام، وَتقول: أما محَارب لَك فمعاذ اللَّهِ، وَأما رَاغِب فِي دينك فَمَا كنت لأبغي بديني بَدَلا، وَأما مستجير بك فلعمري، قَالَ: فَذهب ثمَّ رَجَعَ إِلَيّ فَقَالَ: إِن الْملك يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام، وَيَقُول لَك: أَنا صائر إِلَيْك غَدا، فَلَا تحدثن فِي نَفسك حَدثا وَلَا تتَّخذ شَيْئا من ميرة، فَإِنَّهَا تَأْتِيك وَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ، فَأَقْبَلت الْميرَة، فَأمرت غلماني فرشوا ذَلِك الْفرش كُله، وَأمرت بفرشة ففرش لَهُ ولي مثله، [وَأَقْبَلت] من غَد أرقب مَجِيئه، فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِك أقبل غلماني يحْضرُون وَقَالُوا: إِن الْملك قد أقبل، فَقُمْت بَين شرفتين من شرف الْقصر أنظر إِلَيْهِ فَإِذا أَنا بِرَجُل قد لبس بردين ائتزر بِأَحَدِهِمَا وارتدى بِالْآخرِ حاف راجل، وَإِذا عشرَة مَعَهم الحراب، ثَلَاثَة يقدمونه وَسَبْعَة خَلفه، وَإِذا الرجل الموجه إِلَى جنبه، فاستصغرت أمره، وَهَان عَليّ لما رَأَيْته فِي تِلْكَ الْحَال، وسولت لي نَفسِي قَتله، فَلَمَّا قرب من الدَّار إِذا أَنا بسواد عَظِيم، فَقلت: مَا هَذَا السوَاد؟ فَقيل: الْخَيل توافي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ زهاء عشرَة آلَاف عنان،
стр. 89
فَكَانَت موافاة الْخَيل إِلَى الدَّار وَقت دُخُوله، فأحدقوا بهَا فَدخل إِلَيّ، فَلَمَّا نظر إِلَيّ قَالَ لِترْجُمَانِهِ: أَيْن الرجل؟ فَأَوْمأ الترجمان إِلَيّ فَلَمَّا نظر إِلَيّ وَثَبت إِلَيْهِ فأعظم ذَلِك، وَأخذ بيَدي فقبلها ووضعها على صَدره، وَجعل يدْفع مَا على الْفسْطَاط بِرجلِهِ، فتشوش الْفرش، فَظَنَنْت أَن ذَلِك يجلونه أَن يطأوا على مثله، حَتَّى انْتهى إِلَى الْفرش، فَقلت لِترْجُمَانِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لم لم يقْعد على الْموضع الَّذِي وطئ لَهُ؟ فَقَالَ: قل لَهُ: إِنِّي ملك، وكل ملك حَقه أَن يكون متواضعا لِعَظَمَة اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذْ رَفعه اللَّهِ تَعَالَى ثمَّ أقبل ينكت بِأُصْبُعِهِ فِي الأَرْض طَويلا، ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ لي: كَيفَ سلبتم هَذَا الْملك وَأخذ مِنْكُم وَأَنْتُم أقرب النَّاس إِلَى نَبِيكُم؟ فَقلت: جَاءَ من هُوَ أقرب قرَابَة إِلَى نَبينَا ﷺ َ - فسلبنا وقتلنا وطردنا، فَخرجت إِلَيْك مستجيرا بِاللَّه ثمَّ بك. قَالَ: فَلم كُنْتُم تشربون الْخمر وَهِي مُحرمَة عَلَيْكُم فِي كتابكُمْ؟ فَقلت: فعل ذَلِك عبيد وَأَتْبَاع وأعاجم دخلُوا فِي ملكنا من غير رَأينَا. قَالَ: [فَلم] كُنْتُم تَرْكَبُونَ على الديباج وعَلى دوابكم الذَّهَب وَالْفِضَّة، وَقد حرم ذَلِك عَلَيْكُم؟ قلت: عبيد وَأَتْبَاع وأعاجم دخلُوا فِي مملكتنا. قَالَ:
стр. 90
فَلم كُنْتُم إِذا خَرجْتُمْ إِلَى صيد تقحمتم على الْقرى وكلفتم أَهلهَا مَا لَا طَاقَة لَهُم بِهِ بِالضَّرْبِ الوجيع، ثمَّ لَا يقنعكم ذَلِك حَتَّى تموشوا زُرُوعهمْ فتفسدوها فِي طلب دراج قِيمَته نصف دِرْهَم، أَو فِي فِي عُصْفُور قِيمَته لَا شَيْء، وَالْفساد محرم عَلَيْكُم فِي دينكُمْ؟ قلت: عبيد وَأَتْبَاع قَالَ: لَا، وَلَكِنَّكُمْ استحللتم مَا حرم اللَّهِ وأتيتم مَا نهاكم عَنهُ فسلبكم اللَّهِ [تَعَالَى] الْعِزّ، وألبسكم الذل، وَللَّه فِيكُم نقمة لم تبلغ غايتها بعد، وَإِنِّي أَتَخَوَّف أَن تنزل النقمَة بك إِذا كنت من الظلمَة فتشملني مَعَك، فَإِن النقمَة إِذا نزلت عَمت وشملت، فَاخْرُج بعد ثَلَاث، فإنني إِن أخذتك بعْدهَا أخذت جَمِيع مَا مَعَك وقتلتك وَقتلت جَمِيع من مَعَك.
ثمَّ وثب فَخرج فأقمت ثَلَاثًا وَخرجت إِلَى مصر، فأخذني وليك فَبعث بِي إِلَيْك وَهَا أَنا إِذا وَالْمَوْت أحب إِلَيّ من الْحَيَاة، فهم أَبُو جَعْفَر بِإِطْلَاقِهِ،
стр. 91
فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيل بن عَليّ: فِي عنقِي بيعَة لَهُ قَالَ: فَمَا ترى؟ قَالَ: ينزل فِي دَار من دُورنَا وَيخرج عَلَيْهِ مَا يخرج على مثله. قَالَ: فَفعل ذَلِك بِهِ، فوَاللَّه مَا أَدْرِي أمات فِي حَبسه أم أطلقهُ الْمهْدي.
стр. 92
(ملك آخر)
[٤٦] روى أَبُو الْقَاسِم النَّخعِيّ قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن يُوسُف قَاضِي صنعاء قَالَ: كتب إِلَيّ ملك الزنج فَكَانَ فِي آخر كِتَابه:
(لَا أسأَل النَّاس عَن مَا فِي نُفُوسهم ... مَا فِي ضميري لَهُم من ذَاك يَكْفِينِي)
(وَلَا أَقُول لعرس الْجَار فِي لطف ... فِي غَفلَة من عُيُون الْحَيّ أرويني)
(لَا أَبْتَغِي وصل من يَبْغِي مفارقي ... وَلَا أَلين لمن لَا يَبْتَغِي ليني)
(وَالله لَو كرهت كفي مصاحبتي يَوْمًا ... لَقلت لَهَا من ساعدي بيني)
(ثمَّ الْتفت إِلَى الْأُخْرَى وَقلت لَهَا ... مهلا عَلَيْك وَإِلَّا مثلهَا كوني)
стр. 93
(الْبَاب السَّابِع عشر)
فِي ذكر أَشْرَاف السودَان من الصَّحَابَة: سَالم مولى أبي حُذَيْفَة كَانَ يؤم الْمُهَاجِرين من مَكَّة حَتَّى قدم الْمَدِينَة لِأَنَّهُ كَانَ أقرأهم وَصلى خَلفه أَبُو بكر وَعمر [﵄ وأرضاهما] .
[٤٧] أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي بن أَحْمد قَالَ أَنا حمد بن أَحْمد قَالَ أَنا أَبُو نعيم أَحْمد بن عبد اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ: نَا أَبُو حَامِد بن جبلة قَالَ نَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق السراج قَالَ نَا مَحْمُود بن خِدَاش قَالَ ثَنَا مَرْوَان بن مُعَاوِيَة قَالَ نَا سعيد قَالَ سَمِعت شهر بن حَوْشَب يَقُول: قَالَ عمر بن الْخطاب [﵁] : لَو اسْتخْلفت سالما مولى أبي حُذَيْفَة فَسَأَلَنِي عَنهُ رَبِّي : مَا حملك على ذَلِك لَقلت: رب سَمِعت نبيك ﷺ َ - وَهُوَ يَقُول: " يحب اللَّهِ [ ] حَقًا من قلبه ".
стр. 94
قَالَ أَبُو نعيم: أَخذ سَالم يَوْم الْيَمَامَة لِوَاء الْمُسلمين بِيَدِهِ فَقطعت، فَأَخذهَا بِشمَالِهِ فَقطعت، ثمَّ اعتنق اللِّوَاء، وَجعل يقْرَأ: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل﴾ [فَقتل ﵁] .
стр. 95
(بِلَال بن رَبَاح)
وينسب إِلَى أمه فَيُقَال: بِلَال بن حمامة، وَفِي الصَّحَابَة جمَاعَة نسبوا إِلَى أمهاتهم، واشتهر ذَلِك، مِنْهُم: معَاذ ومعوذ ابْنا عفراء، وَهِي أمهما، وأبوهما الْحَارِث بن رِفَاعَة، وَسُهيْل وَصَفوَان ابْنا بَيْضَاء وَهِي أمهما، وَاسم أَبِيهِمَا وهب، وَمَالك بن نميلَة وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه ثَابت الْمُزَكي، وشرحبيل بن حَسَنَة وَهِي أمه، أَبوهُ عبد اللَّهِ بن المطاع، وَبشر بن الخصاصية وَهِي أمه، وَأَبوهُ معبد بن شرَاحِيل، وَابْن أم مَكْتُوم، وَأَبُو عَمْرو بن قيس، وَعبد اللَّهِ بن بُحَيْنَة، وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه مَالك الْأَزْدِيّ، والْحَارث بن البرصاء وَهِي أمه وَاسم أَبِيه مَالك بن قيس، ويعلى بن منية، وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه أُميَّة، ويعلى بن سيابة وَهِي أمه، وأسم أَبِيه مرّة، وَسعد بن حبتة، وَهِي أمه، وَأَبوهُ بجير بن مُعَاوِيَة وَمن وَلَده
стр. 96
أَبُو يُوسُف القَاضِي، وَبُدَيْل بن أم أَصْرَم [وَهِي أمه] وَاسم أَبِيه سَلمَة وخفاف بَين ندبة، وَهِي أمه، وَاسم أَبِيه عُمَيْر، وَهَؤُلَاء كلهم صحابة.
وَفِي التَّابِعين وَمن بعدهمْ خلق اشتهروا بأسماء أمهاتهم كإسماعيل بن علية وَاسم أَبِيه إِبْرَاهِيم، وَمُحَمّد بن عتمة [وَهِي أمه] وَاسم أَبِيه خَالِد، وَسليمَان بن قَتَّة، وَمَنْصُور بن صَفِيَّة وَغَيرهم.
(فَأَما حَدِيث بِلَال)
فَإِنَّهُ أسلم قَدِيما وَكَانَ قومه يعذبونه وَيَقُولُونَ لَهُ: رَبك اللات والعزى، وَهُوَ يَقُول: أحد، فَأتى عَلَيْهِ أَبُو بكر [الصّديق ﵁] وَاشْتَرَاهُ بِسبع أَوَاقٍ، فَأعْتقهُ، فَشهد بَدْرًا وأحدا والمشاهد كلهَا، وَهُوَ أول من أذن لرَسُول اللَّهِ ﷺ َ - كَانَ يُؤذن لَهُ حضرا وسفرا، وَكَانَ خازنه على بَيت مَاله، وَكَانَ آدم شَدِيد الأدمة نحيفا طوَالًا أقنى لَهُ شعر كثير، خَفِيف العارضين بِهِ شمط.
стр. 97
[٤٨] أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر الْبَزَّاز قَالَ أَنا الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا ابْن حيويه قَالَ أَنا أَحْمد بن مَعْرُوف قَالَ ثَنَا الْحُسَيْن ابْن الْفَهم قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ أَنا جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد قَالَ:
أول من أظهر الْإِسْلَام سَبْعَة: رَسُول اللَّهِ، وَأَبُو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار، وَسُميَّة أم عمار. فَأَما رَسُول اللَّهِ فَمَنعه عَمه، وَأما أَبُو بكر فَمَنعه قومه، وَأخذ الْآخرُونَ فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاع الْحَدِيد، ثمَّ صهروهم فِي الشَّمْس، حَتَّى بلغ الْجهد مِنْهُم كل مبلغ، فأعطوهم مَا سَأَلُوا فجَاء إِلَى كل [رجل] مِنْهُم بأنطاع الْأدم فِيهَا المَاء وألقوهم فِيهِ، وحملوا بجوانبه، إِلَّا بِلَال، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفسه فِي اللَّهِ حَتَّى جعلُوا فِي عُنُقه حبلا، ثمَّ أمروا صبيانهم يشدونه بَين أخشبي مَكَّة، فَجعل بِلَال يَقُول: أحد أحد.
стр. 98
[٤٩] أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم الْبَغْدَادِيّ قَالَ أَنا حمد ابْن أَحْمد قَالَ أَنا أَحْمد بن عبد اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ ثَنَا جُنْدُب بن الْحسن قَالَ نَا مُحَمَّد بن يحيى قَالَ ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَيُّوب قَالَ ثَنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ حَدثنِي هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير عَن أَبِيه: كَانَ ورقة بن نَوْفَل يمر ببلال وَهُوَ يعذب وَهُوَ يَقُول: أحد أحد، ثمَّ أقبل ورقة على أُميَّة بن خلف فَقَالَ: أَحْلف بِاللَّه لأتخذنه حنانا، حَتَّى مر بِهِ أَبُو بكر الصّديق يَوْمًا وهم يصنعون ذَلِك بِهِ، فَقَالَ لأمية: أَلا تتقي اللَّهِ فِي هَذَا الْمِسْكِين، حَتَّى مَتى؟ قَالَ: أَنْت أفسدته، فأنقذه مِمَّا ترى، فَقَالَ أَبُو بكر: أفعل، عِنْدِي غُلَام أسود أجلد مِنْهُ وَأقوى على دينك أعطيكه بِهِ. قَالَ: قد قبلت. قَالَ: هُوَ لَك. فَأعْطَاهُ أَبُو بكر غُلَامه ذَلِك وَأخذ بِلَالًا.
قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: وَكَانَ أُميَّة يُخرجهُ إِذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظَهره فِي بطحاء مَكَّة، ثمَّ يَأْمر بالصخرة الْعَظِيمَة فتوضع على صَدره، ثمَّ يَقُول لَهُ: لَا تزَال هَكَذَا حَتَّى تَمُوت أَو تكفر بِمُحَمد وَتعبد اللات والعزى فَيَقُول - وَهُوَ فِي ذَلِك الْبلَاء - أحد أحد.
стр. 99
[٥٠] أخبرنَا يحيى بن ثَابت بن بنْدَار قَالَ: أَنا أبي، قَالَ: أَنا أَبُو بكر البرقاني قَالَ أَنا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو يعلى قَالَ نَا صَالح بن مَالك قَالَ نَا عبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون قَالَ نَا مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر قَالَ سَمِعت جَابر بن عبد اللَّهِ يَقُول: قَالَ عمر: كَانَ أَبُو بكر سيدنَا وَأعْتق سيدنَا، يَعْنِي بِلَالًا.
[٥١] أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم قَالَ أَنا حمد بن أَحْمد قَالَ أَنا أَبُو نعيم أَحْمد بن عبد اللَّهِ قَالَ نَا سُلَيْمَان بن أَحْمد قَالَ نَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز قَالَ نَا أَبُو حُذَيْفَة قَالَ نَا عمَارَة بن زَاذَان عَن ثَابت عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -:
(بِلَال سَابق الْحَبَشَة)
[٥٢] قَالَ سُلَيْمَان: وَحدثنَا أَحْمد بن حَامِد قَالَ ثَنَا أَبُو تَوْبَة قَالَ ثَنَا مُعَاوِيَة بن سَلام عَن زيد سَلام يَقُول: [حَدثنِي عبد اللَّهِ الْهَوْزَنِي قَالَ: لقِيت بِلَالًا فَقلت: يَا بِلَال:] حَدثنِي كَيفَ كَانَت نَفَقَة رَسُول
стр. 100
اللَّهِ ﷺ َ -؟ فَقَالَ: مَا كَانَ لَهُ شَيْء، كنت أَنا الَّذِي آتِي لَهُ بعد ذَلِك مذ بَعثه اللَّهِ حَتَّى توفّي وَكَانَ إِذا أَتَاهُ الرجل الْمُسلم فَرَآهُ عَارِيا فيأمرني فأنطلق فأستقرض لَهُ الْبردَة فأكسوه وأطعمه.
[٥٣] أخبرنَا ابْن الْحصين قَالَ أَنا ابْن الْمَذْهَب قَالَ أَنا أَبُو بكر بن مَالك قَالَ نَا عبد اللَّهِ بن أَحْمد قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي زيد بن الْحباب قَالَ حَدثنِي حُسَيْن بن وَاقد قَالَ أَخْبرنِي عبد اللَّهِ بن بُرَيْدَة قَالَ سَمِعت أبي يَقُول: أصبح النَّبِي
فَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ: يَا بِلَال بِمَ سبقتني إِلَى الْجنَّة؟ مَا دخلت الْجنَّة قطّ إِلَّا سَمِعت خشخشتك أَمَامِي، إِنِّي دخلت البارحة الْجنَّة فَسمِعت خشخشتك " قَالَ: مَا أحدثت إِلَّا تَوَضَّأت وَصليت رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " بِهَذَا ".
стр. 101
[٥٤] قَالَ أَحْمد وثنا يُونُس قَالَ ثَنَا حَمَّاد - يَعْنِي بن زيد - عَن هِشَام ابْن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة [﵂] قَالَت: قدم رَسُول اللَّهِ الْمَدِينَة وَهِي وبيئة، فَكَانَ بِلَال إِذا أَخَذته الْحمى يَقُول:
(أَلا لَيْت شعري هَل أبيتن لَيْلَة ... بواد وحولي إذخر وجليل)
(وَهل أردن يَوْمًا مياه مجنة ... وَهل يبدون لي شامة وطفيل)
اللَّهُمَّ الْعَن عتبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة وَأُميَّة بن خلف كَمَا أخرجونا من مَكَّة.
قَالَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: لما توفّي رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - أذن بِلَال وَرَسُول اللَّهِ لم يقبر، وَكَانَ إِذا قَالَ أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، انتحب النَّاس فِي الْمَسْجِد، فَلَمَّا دفن رَسُول اللَّهِ قَالَ لَهُ أَبُو بكر: أذن، فَقَالَ: إِن كنت إِنَّمَا أعتقتني لِأَن أكون مَعَك فسبيل ذَلِك، وَإِن كنت أعتقتني لله [ ] فخلني وَمن أعتقتني لَهُ، فَقَالَ: مَا أَعتَقتك إِلَّا للَّهِ [ ]
قَالَ: فَإِنِّي لَا أؤذن لأحد بعد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -[قَالَ: فَذَاك إِلَيْك.
قَالَ: فَأَقَامَ حَتَّى خرج بعوث الشَّام فَسَار مَعَهم.
стр. 102
قَالَ المُصَنّف: توفّي بِلَال بِدِمَشْق سنة ثَمَانِي عشرَة وَهُوَ ابْن بضع وَسِتِّينَ وَسنة ".
стр. 103
(مهجع مولى عمر بن الْخطاب)
كَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، وَهُوَ أول من قتل من الْمُسلمين يَوْم بدر، قَتله عَامر بن الْحَضْرَمِيّ.
[٥٥] أَنبأَنَا هبة اللَّهِ بن أَحْمد الحريري قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عَليّ ابْن الْفَتْح قَالَ نَا ابْن سمعون قَالَ أَنا أَحْمد بن سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي قَالَ نَا هِشَام بن عمار قَالَ ثَنَا صَدَقَة بن خَالِد قَالَ نَا عبد الرَّحْمَن ابْن يزِيد بن جَابر قَالَ: بَلغنِي أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ: " سادة السودَان أَرْبَعَة: لُقْمَان وَمهجع وبلال وَالنَّجَاشِي ".
стр. 104
(أُسَامَة بن زيد بن حَارِثَة بن شرَاحِيل)
كَانَت خيل لبني الْقَيْن فِي الْجَاهِلِيَّة قد أغارت على أَبْيَات بني معن فاحتملوا زيدا وَهُوَ يؤمئذ غُلَام، فوافوا بِهِ سوق عكاظ. فَعَرَضُوهُ للْبيع، فَاشْتَرَاهُ حَكِيم بن حزَام لِعَمَّتِهِ خَدِيجَة بأربعمائة دِرْهَم، فَلَمَّا تزَوجهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وهبته لَهُ، فَتَبَنَّاهُ قبل الْإِسْلَام، وَكَانَ زيد قَصِيرا آدم شَدِيد الأدمة، فِي أَنفه فطس، فَأعْتقهُ رَسُول اللَّهِ وزوجه مولاته أم أَيمن وَكَانَت حاضنة رَسُول اللَّهِ فَولدت لَهُ أُسَامَة ويكنى أُسَامَة أَبَا مُحَمَّد، وَكَانَ يُقَال لَهُ: الْحبّ بن الْحبّ وَكَانَ أسود.
[٥٦] أخبرنَا أَبُو بكر بن أبي طَاهِر الْبَزَّاز قَالَ أَنبأَنَا أَبُو إِسْحَاق الْبَرْمَكِي قَالَ أَنا ابْن حيويه قَالَ: أَنا ابْن مَعْرُوف قَالَ أَنا ابْن الْقَاسِم قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ ثَنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ نَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - أخر الْإِفَاضَة من عَرَفَة من أجل أُسَامَة بن زيد ينتظره، فجَاء غُلَام أفطس أسود، فَقَالَ أهل الْيمن: إِنَّمَا حبسنا من أجل هَذَا، قَالَ: فَلذَلِك كفر أهل الْيمن من أجل ذَا، قلت ليزِيد بن هَارُون: وَمَا يَعْنِي بقوله: كفر أهل الْيمن؟ قَالَ: ردتهم حِين ارْتَدُّوا فِي زمن أبي بكر،
стр. 105
إِنَّمَا كَانَت لاستخفافهم بِأَمْر النَّبِي ﷺ َ -.
[٥٧] قَالَ ابْن سعد: وَأخْبرنَا عبد الْوَهَّاب بن عَطاء قَالَ ثَنَا الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ َ - بعث سَرِيَّة فيهم أَبُو بكر وَعمر وَاسْتعْمل عَلَيْهِم أُسَامَة بن زيد فَكَأَن النَّاس طعنوا فِيهِ - أَي فِي صغرة - فَبلغ رَسُول اللَّهِ فَصَعدَ الْمِنْبَر فَحَمدَ اللَّهِ وَأثْنى عَلَيْهِ، وَقَالَ: " إِن النَّاس قد طعنوا فِي إِمَارَة أُسَامَة ابْن زيد، وَقد كَانُوا طعنوا فِي إِمَارَة أَبِيه من قبله، وإنهما الخليقان لَهَا، وَكَانَا خليقين لذَلِك، وَإنَّهُ لمن أحب النَّاس إِلَيّ، وَكَانَ أَبوهُ من أحب النَّاس إِلَيّ، أَلا فأوصيكم بأسامة خيرا ".
[٥٨] قَالَ ابْن سعد: وَحدثنَا الْفضل بن دُكَيْن قَالَ نَا حَنش قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: اسْتعْمل النَّبِي ﷺ َ - أُسَامَة وَهُوَ ابْن ثَمَانِي عشرَة سنة.
стр. 106
[٥٩] قَالَ ابْن سعد: وَأخْبرنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم قَالَ ثَنَا قُرَّة بن خَالِد قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن سِيرِين قَالَ: بلغت النَّخْلَة على عهد عُثْمَان بن عَفَّان [﵁] ألف دِرْهَم، قَالَ: فَعمد أُسَامَة إِلَى نَخْلَة فنقرها، فَأخْرج جمارها فأطعمه أمه، فَقَالُوا لَهُ: مَا يحملك على هَذَا وَأَنت ترى النَّخْلَة قد بلغت ألف دِرْهَم؟ قَالَ: إِن أُمِّي سألتنيه وَلَا تَسْأَلنِي شَيْئا أقدر عَلَيْهِ إِلَّا أعطيتهَا.
قَالَ الْوَاقِدِيّ: قبض النَّبِي ﷺ َ - وَأُسَامَة ابْن عشْرين سنة، وَكَانَ قد سكن بعد النَّبِي ﷺ َ - وَادي الْقرى ثمَّ نزل الْمَدِينَة، فَمَاتَ بالجرف فِي آخر خلَافَة مُعَاوِيَة.
قَالَ الزُّهْرِيّ: حمل أُسَامَة حِين مَاتَ من الجرف إِلَى الْمَدِينَة.
(أَبُو بكرَة واسْمه: نفيع)
لما حاصر رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - الطَّائِف نَادَى مناديه: أَيّمَا عبد نزل من الْحصن وَخرج إِلَيْنَا فَهُوَ حر، فَخرج جمَاعَة مِنْهُم أَبُو بكرَة، نزل فِي بكرَة، فَقيل: أَبُو بكرَة. فَهُوَ يعد من موَالِي رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -
стр. 107
(أسلم الْأسود)
كَانَ غُلَاما لرجل من بني نَبهَان من طَيئ، بَعثه طَيئ ربية، فَلَمَّا ورد عَليّ بن أبي طَالب بِلَادهمْ أَخذ أَصْحَابه هَذَا العَبْد وأوثقوه وخوفوه الْقَتْل، فَأسلم وَشهد مَعَ خَالِد الْيَمَامَة.
(مغيث زوج بَرِيرَة)
[٦٠] روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ زوج بَرِيرَة عبدا أسود يُقَال لَهُ: مغيث عبدا لبني فلَان كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ يطوف وَرَاءَهَا فِي سِكَك الْمَدِينَة، ودموعه تسيل على لحيته، فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - للْعَبَّاس: " يَا عَبَّاس، أَلا تعجب من حب مغيث بَرِيرَة وَمن بغض بَرِيرَة مغيثا ".
فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " أَو راجعتيه ".
فَقَالَت: يَا رَسُول اللَّهِ، تَأْمُرنِي؟
قَالَ: " إِنَّمَا أشفع ". قَالَت: فَلَا حَاجَة لي فِيهِ.
стр. 108
[٦١] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أَنا أَبُو الْحُسَيْن بن عبد الْجَبَّار قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا أَبُو عمر بن حيوية قَالَ أنبأ أَبُو بكر مُحَمَّد بن خلف بن الْمَرْزُبَان قَالَ نَا مُحَمَّد بن الْهَيْثَم قَالَ ثَنَا يُوسُف بن عدي عَن سعيد وَأَيوب عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا أسود [مولى] لبني الْمُغيرَة، وَالله لكَأَنِّي بِهِ فِي أَطْرَاف الْمَدِينَة ونواحيها وَإِن دُمُوعه لتجري على لحيته يتبعهَا يَتَرَضَّاهَا لتختاره، فَلم تفعل.
стр. 109
(سعد الْأسود)
[٦٢] أخبرنَا أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الْملك قَالَ أَنا إِسْمَاعِيل ابْن مسْعدَة قَالَ أَنا حَمْزَة بن يُوسُف قَالَ أَنا أَبُو أَحْمد بن عدي قَالَ أَنا بهْلُول بن إِسْحَاق عَن بهْلُول الْأَنْبَارِي وَعبد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَالَا ثَنَا سُوَيْد بن سعيد (ح) وأنبأنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي طَاهِر الْبَزَّاز قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن المحسن التنوخي قَالَ أَنا أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْعَبَّاس قَالَ نَا عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَالَ نَا سُوَيْد بن سعيد قَالَ نَا مُحَمَّد بن عمر بن صَالح بن مَسْعُود الكلَاعِي قَالَ حَدثنِي الْحسن وَقَتَادَة عَن أنس بن مَالك قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله
فَقَالَ: يمْنَع سوَادِي ودمامتي دُخُول الْجنَّة؟ قَالَ: " لَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا اتَّقَيْت اللَّهِ وَآمَنت بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُوله " قَالَ: فوالذي أكرمك بِالنُّبُوَّةِ لقد شهِدت أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَالْإِقْرَار بِمَا جَاءَ بِهِ من قبل أَن أَجْلِس مِنْك هَذَا
стр. 110
الْمجْلس بِثمَانِيَة أشهر، فَمَا لي يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَالَ: " لَك مَا للْقَوْم وَعَلَيْك مَا عَلَيْهِم، وَأَنت أخوهم ".
قَالَ: فَلَقَد خطبت إِلَى عَامَّة من بحضرتك وَمن لَيْسَ مَعَك فردوني لسوادي ودمامة وَجْهي، وَإِنِّي لفي حسب من قومِي من بني سليم مَعْرُوف الْآبَاء، وَلَكِن غلب عَليّ سَواد أخوالي. قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " هَل شهد الْمجْلس الْيَوْم عَمْرو بن وهيب؟ " وَكَانَ رجلا من ثَقِيف قريب الْعَهْد بِالْإِسْلَامِ - قَالُوا: لَا، قَالَ: " تعرف منزله؟ " قَالَ: نعم، قَالَ: " فَاذْهَبْ واقرع الْبَاب قرعا رَفِيقًا، ثمَّ سلم، فَإِذا دخلت عَلَيْهِ فَقل: زَوجنِي رَسُول الله ﷺ َ - فتاتكم. "
وَكَانَت لَهُ ابْنة عاتق، وَكَانَ لَهَا حَظّ من جمال وعقل، فَلَمَّا أَتَى
следующие страницы →