Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَاف. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي اتعالى عَنهُ، أَنه كَانَ يُؤْتى بِتُرَاب فَيُوضَع على الْخمْرَة فَيسْجد عَلَيْهِ. قلت: كَانَ هَذَا مِنْهُ على تَقْدِير الصِّحَّة للْمُبَالَغَة فِي التَّوَاضُع والخشوع، لَا على أَنه كَانَ لَا يرى الصَّلَاة على الْخمْرَة، وَكَيف هَذَا وَقد صلى عَلَيْهَا وَهُوَ أَكثر تواضعاً وَأَشد خضوعاً؟ فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن عُرْوَة أَنه كَانَ يكره على كل شَيْء دون الأَرْض. قلت: لَا حجَّة لأحد فِي خلاف مَا فعله النَّبِي، وَيُمكن أَن يُقَال: إِن مُرَاده من الْكَرَاهَة التَّنْزِيه، وَكَذَا يُقَال فِي كل من رُوِيَ عَنهُ مثله.
٩٧٣٥٤ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ عنْ خالِدٍ قالَ حدّثنا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قالتْ كانَ رسولُ اللَّهِ يُصَلِّي وأنَا حِذَاءَهُ وأَنَا حائِضٌ وَرُبَّما أصابَنِي ثَوْبُهُ إذَا سَجَدَ قالتْ وَكَانَ يُصَلِّي عَلى الخُمْرَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة تقدم ذكرهم، وخَالِد هُوَ ابْن عبد االواسطي الطَّحَّان أَبُو الْهَيْثَم، وَسليمَان هُوَ أَبُو إِسْحَاق التَّابِعِيّ، وَعبد ابْن شَدَّاد بن الْهَاد، ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث أم الْمُؤمنِينَ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي وكوفي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن الْحسن بن مدرك، وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن عَمْرو بن زُرَارَة وَعَن أبي النُّعْمَان. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عَمْرو بن عون. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه. قَوْله: (يُصَلِّي) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ. قَوْله: (وَأَنا حذاءه) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا أَي: وَالْحَال أَنا بإزائه ومحاذيه، والحذاء والحذوة والحذة كلهَا بِمَعْنى. قَالَ الْكرْمَانِي: حذاءه، نصب على الظَّرْفِيَّة، ويروى: حذاؤه، بِالرَّفْع. قلت: الصَّحِيح الرّفْع على الخبرية. قَوْله: (وَأَنا حَائِض) أَيْضا جملَة إسمية وَقعت حَالا إِمَّا من الْأَحْوَال المترادفة أَو من الْأَحْوَال المتداخلة الأولى: بِالْوَاو وَالضَّمِير، وَالثَّانيَِة: بِالْوَاو فَقَط. قَوْله: (وَرُبمَا) كلمة رُبمَا تحْتَمل التقليل حَقِيقَة والتكثير مجَازًا. قَوْله: (على الْخمْرَة) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم: سجادة صَغِيرَة تعْمل من سعف النّخل وترمل بالخيوط. قيل: سميت خمرة لِأَنَّهَا تستر وَجه الْمُصَلِّي عَن الأَرْض. وَمِنْه سمي الْخمار الَّذِي يستر الرَّأْس. وَقَالَ ابْن بطال: الْخمْرَة مصلى صَغِير ينسج من السعف، فَإِن كَانَ كَبِيرا قدر طول الرجل أَو أَكثر فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ حينئذٍ: حَصِير، وَلَا يُقَال لَهُ خمرة، وَجَمعهَا: خمر. وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: (جَاءَت فَأْرَة فَأخذت تجر الفتيلة فَجَاءَت بهَا فألقتها بَين يَدي رَسُول ا، على الْخمْرَة الَّتِي كَانَ قَاعِدا عَلَيْهَا، فأحرقت مِنْهَا مثل مَوضِع دِرْهَم) . وَهَذَا ظَاهر فِي إِطْلَاق الْخمْرَة على الْكَبِيرَة من نوعها.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام. الأول: فِيهِ جَوَاز مُخَالطَة الْحَائِض. الثَّانِي: فِيهِ طَهَارَة بدن الْحَائِض وثوبها. الثَّالِث: إِذا أصَاب ثوب الْمُصَلِّي الْمَرْأَة لَا يضر ذَلِك صلَاته وَلَو كَانَت الْمَرْأَة حَائِضًا. الرَّابِع: جَوَاز الصَّلَاة على الْخمْرَة من غير كَرَاهَة، وَعَن ابْن الْمسيب: الصَّلَاة على الْخمْرَة سنة، وَقد فعل ذَلِك جَابر وَأَبُو ذَر وَزيد بن ثَابت وَابْن عمر رَضِي اتعالى عَنْهُم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: أَن الصَّلَاة لَا تبطل بمحاذاة الْمُصَلِّي، وَتَبعهُ بَعضهم فَقَالَ. وَفِيه: أَن محاذاة الْمَرْأَة لَا تفْسد الصَّلَاة. قلت: قصدهما بذلك الغمز فِي مَذْهَب أبي حنيفَة فِي أَن محاذاة الْمَرْأَة للْمُصَلِّي مفْسدَة لصَلَاة الرجل، وَلَكِن هَيْهَات لما قَالَا لِأَن الْمُحَاذَاة الْمفْسدَة عِنْده أَن يكون الرجل وَالْمَرْأَة مشتركين فِي الصَّلَاة أَدَاء وتحريمة، وَهُوَ أَيْضا يَقُول: إِن الْمُحَاذَاة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الحَدِيث غير مفْسدَة، فحينئذٍ إطلاقهما الحكم فِيهِ غير صَحِيح، وَهُوَ من ضَرْبَان عرق العصبية.
٠٢ - (بابُ الصَّلاةِ عَلَى الحَصِيرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة على الْحَصِير، يَعْنِي جَائِزَة، والحصير، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ. وَذكر ابْن سَيّده
стр. 1052
فِي (الْمُحكم) و (الْمُحِيط) الْأَعْظَم: أَنَّهَا سفيفة تصنع من بردى وأسل، ثمَّ تفرش، سمي بذلك لِأَنَّهُ على وَجه الأَرْض، وَوجه الأَرْض يُسمى حَصِيرا، والسفيفة، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وبالفاءين: شَيْء يعْمل من الخوص كالزنبيل؛ والأسل، بِفَتْح الْهمزَة وَالسِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره لَام. نَبَات لَهُ أَغْصَان كَثِيرَة دقاق لَا ورق لَهَا. وَفِي (الجمهرة) : والحصير عَرَبِيّ، سمي حَصِيرا لانضمام بَعْضهَا إِلَى بعض. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْحَصِير البارية.
فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبله؟ قلت: قد ذكرت عِنْد قَوْله: بَاب عقد الْإِزَار على الْقَفَا، أَن الْأَبْوَاب الْمُتَعَلّقَة بالثياب سَبْعَة عشر بَابا، والمناسبة بَينهَا ظَاهِرَة، غير أَنه تخَلّل بَين هَذِه الْأَبْوَاب خَمْسَة أَبْوَاب لَيْسَ لَهَا تعلق بِأَحْكَام الثِّيَاب، وَقد ذكرنَا وَجه تخللها والمناسبة بَينهَا هُنَاكَ فَارْجِع إِلَيْهِ تظفر بجوابك.
وَصَلَّى جابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السَّفِينَةِ قائِماً.
الْكَلَام فِيهِ من وُجُوه.
الأول فِي مَعْنَاهُ: وَاسم أبي سعيد: سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ. قَوْله: (فِي السَّفِينَة) هِيَ: الْفلك لِأَنَّهَا تسفن وَجه المَاء أَي تقشره، فعيلة بِمَعْنى فاعلة، وَالْجمع سفائن وسفن وسفين. قَوْله: (قيَاما) جمع قَائِم وَأَرَادَ بِهِ التَّثْنِيَة أَي: قَائِمين، نصب على الْحَال وَفِي بعض النّسخ: قَائِما، بِالْإِفْرَادِ بِتَأْوِيل كل مِنْهُمَا قَائِما.
الثَّانِي: أَن هَذَا تَعْلِيق وَصله أَبُو بكر بن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح: عَن عبيد ابْن أبي عتبَة مولى أنس، قَالَ: (سَافَرت مَعَ أبي الدَّرْدَاء وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَجَابِر بن عبد اوأناس قد سماهم، قَالَ: فَكَانَ إمامنا يُصَلِّي بِنَا فِي السَّفِينَة قَائِما، وَنُصَلِّي خَلفه قيَاما، وَلَو شِئْنَا لأرفينا) . أَي: لأرسينا. يُقَال أرسى السَّفِينَة بِالسِّين الْمُهْملَة، وأرفى، بِالْفَاءِ: إِذا وقف بهَا على الشط. وَالْبُخَارِيّ اقْتصر هُنَا على ذكر الْإِثْنَيْنِ، وهما: جَابر وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي اتعالى عَنْهُمَا.
الثَّالِث: فِي وَجه مُنَاسبَة إِدْخَال هَذَا الْأَثر فِي بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير، فَقَالَ ابْن الْمُنِير: لِأَنَّهُمَا اشْتَركَا فِي الصَّلَاة على غير الأَرْض لِئَلَّا يتخيل أَن مُبَاشرَة الْمُصَلِّي الأَرْض شَرط من، قَوْله: ﵊، لِمعَاذ رَضِي اتعالى عَنهُ: (عفر وَجهك فِي التُّرَاب) . قلت: ثمَّة وَجه أقوى مِمَّا ذكره فِي الْمُنَاسبَة وَهُوَ أَن هَذَا الْبَاب فِي الصَّلَاة على الْحَصِير، وَفِي الْبَاب الَّذِي قبله: وَكَانَ يُصَلِّي على الْخمْرَة، وكل وَاحِد من الْحَصِير والخمرة يعْمل من سعف النّخل، وَيُسمى: سجادة، والسفينة أَيْضا مثل السجادة على وَجه المَاء، فَكَمَا أَن الْمُصَلِّي يسْجد على الْخمْرَة والحصير دون الأَرْض، فَكَذَلِك الَّذِي يُصَلِّي فِي السَّفِينَة يسْجد على غير الأَرْض.
الرَّابِع فِي استنباط الحكم مِنْهُ: وَهُوَ أَن الصَّلَاة فِي السَّفِينَة إِنَّمَا تجوز: إِذا كَانَ قَائِما. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تجوز قَائِما وَقَاعِدا بِعُذْر وَبِغير عذر. وَبِه قَالَ الْحسن بن مَالك وَأَبُو قلَابَة وَطَاوُس، روى عَنهُ ابْن أبي شيبَة، وروى أَيْضا عَن مُجَاهِد أَن جُنَادَة بن أبي أُميَّة قَالَ: (كُنَّا نغزو مَعَه لَكنا نصلي فِي السَّفِينَة قعُودا) ، أَو لِأَن الْغَالِب دوران الرَّأْس فَصَارَ كالمحقق، وَالْأولَى أَن يخرج إِن اسْتَطَاعَ الْخُرُوج مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا تجوز قَاعِدا إلَاّ من عذر، لِأَن الْقيام ركن فَلَا يتْرك إلَاّ من عذر، وَالْخلاف فِي غير المربوطة، فَلَو كَانَت مربوطة لم تجز قَاعِدا إِجْمَاعًا. وَقيل: تجوز عِنْده فِي حالتي الإجراء والإرساء وَيلْزمهُ التَّوَجُّه عِنْد الِافْتِتَاح كلما دارت السَّفِينَة لِأَنَّهَا فِي حَقه كالبيت، حَتَّى لَا يتَطَوَّع فِيهَا مومياً مَعَ الْقُدْرَة على الرُّكُوع وَالسُّجُود، بِخِلَاف رَاكب الدَّابَّة.
وَقَالَ الحَسَنُ تُصلِّي قائِماً مَا لَمْ تَشُقَّ على أصْحَابِكَ تَدُورُ مَعَها وَإِلَّا فَقاعِداً.
الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح: حدّثنا حَفْص عَن عَاصِم عَن الشّعبِيّ، وَالْحسن وَابْن سِيرِين أَنهم قَالُوا: صل فِي السَّفِينَة قَائِما. وَقَالَ الْحسن: لَا تشق على أَصْحَابك، وَفِي رِوَايَة الرّبيع بن صبيح: أَن الْحسن ومحمداً قَالَا: يصلونَ فِيهَا قيَاما جمَاعَة، ويدورون مَعَ الْقبْلَة حَيْثُ دارت. وَالْبُخَارِيّ اقْتصر على الذّكر عَن الْحسن. قَوْله: (تصلي) خطاب لمن سَأَلَهُ عَن الصَّلَاة فِي السَّفِينَة: هَل يُصَلِّي قَائِما أَو قَاعِدا؟ فَأجَاب لَهُ: (تصلي قَائِما) أَي: حَال كونك قَائِما (مَا لم تشق على أَصْحَابك تَدور مَعهَا) أَي: مَعَ السَّفِينَة. قَوْله: (وإلَاّ) أَي؛ وَإِن شقّ على أَصْحَابك الْقيام فقاعداً، أَي: فصل حَال كونك قَاعِدا، لِأَن الْحَرج مَدْفُوع.
٠٨٣٦٤ - ح دّثنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ أخْبرنا مالكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلْحَةَ عَنْ أنَسِ بنِ
стр. 1053
مالِكٍ أنَّ جَدَّتَهُ مُليْكَةَ دَعَتْ رسولَ اللَّهِ لَطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: (قُومُوا فَلأضلِّيَ لَكُمْ) قَالَ أنَسٌ فَقمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ رَسولُ الله وَصَفَفْتُ واليَتِيمَ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَّلَى لَنا رَسولُ الله رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ. (الحَدِيث ٠٨٣ أَطْرَافه فِي: ٧٢٧، ٠٦٨، ١٧٨، ٤٧٨، ٤٦١١) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: عبد ابْن يُوسُف التنيسِي، وَالْإِمَام مَالك بن أنس وَإِسْحَاق بن عبد ابْن أبي طَلْحَة، وَرُبمَا يُقَال إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة، بنسبته إِلَى جده، وَاسم أبي طَلْحَة: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ النجاري، وَكَانَ مَالك لَا يقدم على إِسْحَاق أحد فِي الحَدِيث، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. وَالرَّابِع: أنس بن مَالك خَادِم النَّبِي. وَالْخَامِس: جدته مليكَة، بِضَم الْمِيم، والآن يَأْتِي بَيَانهَا مفصلا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين وَفِيه: عَن إِسْحَاق بن عبد ابْن أبي طَلْحَة، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي: عَن إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة بنسبته إِلَى جده. وَفِيه: الِاخْتِلَاف فِي الضَّمِير الَّذِي فِي جدته. فَقَالَ ابْن عبد الْبر وَعبد الْحق وعياض يعود على إِسْحَاق، وَصَححهُ النَّوَوِيّ، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حدّثنا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حدّثنا الْمثنى بن سعيد حدّثنا قَتَادَة عَن أنس بن مَالك: (أَن النَّبِي كَانَ يزور أم سليم فَتُدْرِكهُ الصَّلَاة أَحْيَانًا فَيصَلي على بِسَاط لنا، وَهُوَ حَصِير ننضحه بِالْمَاءِ) . وَأم سليم هِيَ: أم أنس، وَأمّهَا مليكَة بنت مَالك بن عدي، وَهِي جدة أنس. وَاخْتلف فِي اسْم: أم سليم، فَقيل: سهلة. وَقيل: رميلة. وَقيل: رميثة. وَقيل: الرميصاء. وَقيل: الغميصاء. وَقيل: أنيفة، بالنُّون وَالْفَاء مصغرة، وَتزَوج أم سليم: مَالك بن النَّضر فَولدت لَهُ أنس بن مَالك، ثمَّ خلف عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَة فَولدت لَهُ: عبد اوأبا عُمَيْر، وَعبد اهو وَالِد إِسْحَاق، رَاوِي هَذَا الحَدِيث عَن عَمه أخي أَبِيه لأمه: أنس بن مَالك. وَقَالَ ابْن سعد وَابْن مَنْدَه وَابْن الْحصار: يعود الضَّمِير فِي جدته على أنس نَفسه، وَيُؤَيِّدهُ مَا ذكره أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الْحَادِي عشر من (فَوَائِد الْعِرَاقِيّين) : حدّثنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ؛ حدّثنا مقدم بن مُحَمَّد بن يحيى عَن عَمه الْقَاسِم بن يحيى عَن عبيد ابْن عمر عَن إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة، عَن أنس، قَالَ: (أرْسلت، جدتي إِلَى النَّبِي وَاسْمهَا مليكَة فجاءنا فَحَضَرت الصَّلَاة فَقُمْت إِلَى حَصِير لنا) الحَدِيث. وَلَا تنَافِي بَين كَون مليكَة جدة أنس، وَبَين كَونهَا جدة إِسْحَاق.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَعَن أبي نعيم وَعَن عبد ابْن مُحَمَّد المسندي. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى، وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي، وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن بن عِيسَى، وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة.
ذكر اخْتِلَاف أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: وَعند مُسلم: (فَرُبمَا تحضر الصَّلَاة وَهُوَ فِي بيتنا، فيأمر بالبساط الَّذِي تَحْتَهُ فيكنس ثمَّ ينضح، ثمَّ يؤم رَسُول الله فنقوم خَلفه، وَكَانَ بساطهم من جريد النّخل) . وَعند ابْن أبي شيبَة: عَن أنس بن مَالك، قَالَ: (صنع بعض عمومتي للنَّبِي طَعَاما، فَقَالَ إِنِّي أحب أَن تَأْكُل فِي بَيْتِي وَتصلي فِيهِ. قَالَ: فَأَتَاهُ وَفِي الْبَيْت فَحل من تِلْكَ الفحول، فَأمر بِجَانِب مِنْهُ فكنس. ورش فصلى فصلينا مَعَه) . وَعند النَّسَائِيّ: (أَن أم سليم سَأَلت رَسُول الله أَن يَأْتِيهَا فَيصَلي فِي بَيتهَا فتتخذه مصلى، فَأَتَاهَا فعمدت إِلَى حَصِير فنضحته فصلى عَلَيْهِ، وصلينا مَعَه) . وَفِي (الغرائب) للدارقطني: عَن أنس، قَالَ: (صنعت مليكَة طَعَاما لرَسُول الله فَأكل مِنْهُ وَأَنا مَعَه، ثمَّ دَعَا بِوضُوء فَتَوَضَّأ، ثمَّ قَالَ لي: قُم فَتَوَضَّأ وَمر الْعَجُوز فلتتوضأ وَمر هَذَا الْيَتِيم فَليَتَوَضَّأ. فلأصلي لكم. قَالَ: فعمدت إِلَى حَصِير عندنَا خلق قد اسود) . وَفِي رِوَايَة: (قِطْعَة حَصِير عندنَا خلق) . وَفِي (سنَن الْبَيْهَقِيّ) من حَدِيث أبي قلَابَة: عَن أنس (أَن النَّبِي، كَانَ يَأْتِي أم سليم يقيل عِنْدهَا، وَكَانَ يُصَلِّي على نطع، وَكَانَ كثير الْعرق فتتبع الْعرق من النطع فتجعله فِي الْقَوَارِير مَعَ الطّيب، وَكَانَ يُصَلِّي على الْخمْرَة) .
стр. 1054
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (لطعام) أَي: لأجل طَعَام، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ مشْعر بِأَن مَجِيئه كَانَ لذَلِك لَا ليُصَلِّي بهم ليتخذوا مَكَان صلَاته مصلى لَهُم، كَمَا فِي قصَّة عتْبَان بن مَالك الْآتِيَة، وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي كَونه بَدَأَ فِي قصَّة عتْبَان بِالصَّلَاةِ قبل الطَّعَام، وَهَهُنَا بِالطَّعَامِ قبل الصَّلَاة، فَبَدَأَ فِي كل مِنْهُمَا بِأَصْل مَا دعِي لَهُ. قلت: لَا مَانع فِي الْجمع بَين الدُّعَاء للطعام وَبَين الدُّعَاء للصَّلَاة، وَلِهَذَا صلى رَسُول الله فِي هَذَا الحَدِيث، وَالظَّاهِر أَن قصد مليكَة من دعوتها كَانَ للصَّلَاة، وَلكنهَا جعلت الطَّعَام مُقَدّمَة لَهَا. وَقَوله: وَهَذَا هُوَ السِّرّ إِلَى آخِره، فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن الطَّعَام كَانَ قد حضر وتهيأ فِي دَعْوَة مليكَة، وَالطَّعَام إِذا حضر لَا يُؤَخر فَيقدم على الصَّلَاة، وَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ فِي قصَّة عتْبَان لعدم حُضُور الطَّعَام.
قَوْله: (فنضحته) من النَّضْح وَهُوَ الرش، وَذَلِكَ إِمَّا لأجل تلبين الْحَصِير، أَو لإِزَالَة الأوساخ مِنْهُ لِأَنَّهُ أسود من كَثْرَة الِاسْتِعْمَال. وَقَوله: (من طول مَا لبس) كِنَايَة عَنْهَا وأصل هَذِه الْمَادَّة تدل على مُخَالطَة ومداخلة، وَلَيْسَ هَهُنَا: لبس، من: لبست الثَّوْب، وَإِنَّمَا هُوَ من قَوْلهم: لبست امْرَأَة، أَي: تمتعت بهَا زَمَانا، فحينئذٍ يكون مَعْنَاهُ: قد اسود من كَثْرَة مَا تمتّع بِهِ طول الزَّمَان، وَمن هَذَا يظْهر لَك بطلَان قَول بَعضهم، وَقد اسْتدلَّ بِهِ على منع افتراش الْحَرِير لعُمُوم النَّهْي عَن لبس الْحَرِير، وَقصد هَذَا الْقَائِل الغمز فِيمَا قَالَ أَبُو حنيفَة من جَوَاز افتراش الْحَرِير وتوسده، وَلَكِن الَّذِي يدْرك دقائق الْمعَانِي ومدارك الْأَلْفَاظ الْعَرَبيَّة يعرف ذَلِك، ويقر بِأَن أَبَا حنيفَة لَا يذهب إِلَى شَيْء سدىً. قَوْله: (واليتيم) ، هُوَ ضميرَة بن أبي ضميرَة، وَأَبُو ضمير مولى رَسُول ا، كَذَا قَالَه الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) ، ثمَّ قَالَ: لَهُ ولأبيه صُحْبَة. وَقَالَ فِي (الكنى) أَبُو ضميرَة مولى رَسُول ا، كَانَ من حمير، اسْمه سعد، وَكَذَا قَالَ البُخَارِيّ: إِن اسْمه سعد الْحِمْيَرِي من آل ذِي يزن، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: سعيد الْحِمْيَرِي هُوَ جد حُسَيْن بن عبد ابْن ضميرَة بن أبي ضميرَة. انْتهى. وَيُقَال: اسْم أبي ضميرَة: روح بن سندر، وَقيل: روح بن شيرزاد؛ وضميرة، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء فِي آخِره هَاء. قَوْله: (والعجوز) هِيَ: مليكَة الْمَذْكُورَة أَولا. قَوْله: (ثمَّ انْصَرف) أَي: من الصَّلَاة، وَذهب إِلَى بَيته.
ذكر إعرابه: قَوْله: (صَنعته) جملَة فعلية فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لطعام. قَوْله: (فلأصلي لكم) فِيهِ سِتَّة أوجه من الْإِعْرَاب. الأول: فلأصلي، بِكَسْر اللَّام وَضم الْهمزَة وَفتح الْيَاء، وَوَجهه أَن اللَّام فِيهِ. لَام كي، وَالْفِعْل بعْدهَا مَنْصُوب: بِأَن، الْمقدرَة تَقْدِيره: فَلِأَن أُصَلِّي. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: روينَاهُ كَذَا، و: الْفَاء، زَائِدَة، أَو: الْفَاء، جَوَاب الْأَمر، ومدخول: الْفَاء، مَحْذُوف تَقْدِيره: قومُوا فقيامكم لأصلي لكم. وَيجوز أَن تكون: الْفَاء، زَائِدَة على رَأْي الْأَخْفَش، وَاللَّام مُتَعَلق: بقوموا. الْوَجْه الثَّانِي: فلأصلي، مثلهَا إِلَّا أَنَّهَا سَاكِنة الْيَاء، وَوَجهه أَن تسكين الْيَاء الْمَفْتُوحَة للتَّخْفِيف فِي مثل هَذَا لُغَة مَشْهُورَة. الثَّالِث: فلأصلِّ: بِحَذْف الْيَاء، لكَون اللَّام لَام الْأَمر، وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ. الرَّابِع: فأصلي، على صِيغَة الْإِخْبَار عَن نَفسه، وَهُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: فَأَنا أُصَلِّي، وَالْجُمْلَة جَوَاب الْأَمر. الْخَامِس: فلنصل؛ بِكَسْر اللَّام فِي الأَصْل وبنون الْجمع، وَوَجهه أَن: اللَّام، لَام الْأَمر، وَالْفِعْل مجزوم بهَا وعلامة الْجَزْم سُقُوط الْيَاء. السَّادِس: فلأصلي، بِفَتْح اللَّام، وَرُوِيَ هَكَذَا فِي بعض الرِّوَايَات، وَوَجهه: أَن تكون: اللَّام، لَام الِابْتِدَاء للتَّأْكِيد، أَو تكون جَوَاب قسم مَحْذُوف، و: الْفَاء، جَوَاب شَرط مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن قُمْتُم فوا لأصلي لكم.
قَوْله: (فصففت أَنا واليتيم) كَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (فصففت واليتيم) ، بِغَيْر لفظ، أَنا، وَفِي مثل هَذَا خلاف بَين الْبَصرِيين والكوفيين، فَعِنْدَ الْبَصرِيين لَا يعْطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع، إلَاّ بعد أَن يُؤَكد بضمير مُنْفَصِل ليحسن الْعَطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل، بارزاً كَانَ أَو مستتراً. كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣، والأعراف: ٩١) وَعند الْكُوفِيّين: يجوز ذَلِك بِدُونِ التَّأْكِيد، وَالْأول هُوَ الْأَفْصَح. قَوْله: (واليتيم) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فَلِأَنَّهُ مَعْطُوف على الضَّمِير الْمَرْفُوع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: بِالنّصب، وَلَو صَحَّ رِوَايَة الرّفْع فَهُوَ مُبْتَدأ و: وَرَاء، خَبره، وَالْجُمْلَة حَال. قلت: وَجه النصب هُوَ أَن تكون: الْوَاو، فِيهِ: وَاو المصاحبة، وَالتَّقْدِير: فصففت أَنا مَعَ الْيَتِيم. قَوْله: (والعجوز من وَرَائِنَا) جملَة إسمية وَقعت حَالا. وَفِي حَالَة الرّفْع تكون مَعْطُوفًا. فَافْهَم. قَوْله: (فصلى) أَي، النَّبِي: (لنا) ، أَي: لأجلنا.
ذكر استنباط الْأَحْكَام: فِيهِ: إِجَابَة الدعْوَة وَإِن لم تكن وَلِيمَة عرس وَالْأكل من طعامها. وَفِيه: جَوَاز النَّافِلَة جمَاعَة. فَإِن قلت: قد جَاءَ فِي رِوَايَة أبي الشَّيْخ الْحَافِظ: (فَحَضَرت الصَّلَاة) . قلت: لَا يلْزم من حُضُور وَقت الصَّلَاة أَن صلَاته
стр. 1055
فِي بَيت مليكَة كَانَت للْفَرض، أَلَا ترى أَن فِي رِوَايَة مُسلم: (قومُوا فلأصلي لكم) ، فِي غير وَقت صَلَاة، فصلى بِنَا فَإِن قلت: قد جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى لمُسلم: (فَرُبمَا تحضر الصَّلَاة وَهُوَ فِي بيتنا) . قلت: الْجَواب مَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَمَعَ هَذَا كره أَصْحَابنَا وَجَمَاعَة آخَرُونَ التَّنَفُّل بِالْجَمَاعَة فِي غير رَمَضَان. وَقَالَ ابْن حبيب، عَن مَالك: لَا بَأْس أَن يَفْعَله النَّاس الْيَوْم فِي الْخَاصَّة من غير أَن يكون مشتهراً، مَخَافَة أَن يَظُنهَا الْجُهَّال من الْفَرَائِض.
وَفِيه: أَن الْأَفْضَل أَن تكون النَّوَافِل فِي الْبَيْت لِأَن الْمَسَاجِد تبنى لأَدَاء الْفَرَائِض.
وَفِيه: الصَّلَاة فِي دَار الدَّاعِي وتبركه بهَا، وَقَالَ بَعضهم: وَلَعَلَّه أَرَادَ تَعْلِيم أَفعَال الصَّلَاة مُشَاهدَة مَعَ تبركهم، فَإِن الْمَرْأَة قَلما تشاهد أَفعاله فِي الْمَسْجِد، فَأَرَادَ أَن تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غَيرهَا.
وَفِيه: تنظيف مَكَان الْمصلى من الأوساخ، وَمثله التَّنْظِيف من الكناسات والزبالات.
وَفِيه: قيام الطِّفْل مَعَ الرِّجَال فِي صف وَاحِد.
وَفِيه: تَأَخّر النِّسَاء عَن الرِّجَال.
ويستنبط مِنْهُ أَن إِمَامَة الْمَرْأَة للرِّجَال لَا تصح لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مقَامهَا مُتَأَخِّرًا عَن مرتبَة الصَّبِي فبالأولى أَن لَا تتقدمهم، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، خلافًا للطبري وَأبي ثَوْر، فِي إجازتهما إِمَامَة النِّسَاء مُطلقًا، وَحكى عَنْهُمَا أَيْضا إجَازَة ذَلِك فِي التَّرَاوِيح إِذا لم يُوجد قارىء غَيرهَا.
وَفِيه: أَن الْأَفْضَل فِي نوافل النَّهَار أَن تكون رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: الِاقْتِصَار فِي نَافِلَة النَّهَار على رَكْعَتَيْنِ، خلافًا لمن اشْترط أَرْبعا. قلت: إِن كَانَ مُرَاده أَبَا حنيفَة، فَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ لم يشْتَرط ذَلِك، بل قَالَ الْأَرْبَع أفضل سَوَاء كَانَ فِي اللَّيْل أَو فِي النَّهَار. وَفِيه: صِحَة صَلَاة الصَّبِي الْمُمَيز. وَقَالَ النَّوَوِيّ: احْتج بقوله: من طول مَا لبس أَصْحَاب مَالك فِي الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة بِالْخِلَافِ، وَهِي إِذا حلف لَا يلبس ثوبا ففرشه فعندهم يَحْنَث، وَأجَاب أَصْحَابنَا: بِأَن لبس كل شَيْء بِحَسبِهِ، فحملنا اللّبْس فِي الحَدِيث على الافتراش للقرينة، وَلِأَنَّهُ الْمَفْهُوم مِنْهُ، بِخِلَاف من حلف لَا يلبس ثوبا، فَإِن أهل الْعرف لَا يفهمون من لبسه الافتراش. انْتهى. قلت: لَيْسَ معنى اللّبْس فِي الحَدِيث الافتراش، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّمَتُّع، كَمَا قَالَ صَاحب (اللُّغَة) يُقَال: لبست امْرَأَة أَي تمتعت بهَا زَمَانا طَويلا، وَلَيْسَ هُوَ من: اللّبْس، الَّذِي من: لبست الثِّيَاب، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
وَفِيه: الصَّلَاة على الْحَصِير وَسَائِر مَا تنبته الأَرْض، وَهُوَ إِجْمَاع إلَاّ من شَذَّ بِحَدِيث أَنه لم يصلِّ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَصح قلت: كَذَا ذكره صَاحب (التَّلْوِيح) وَأَرَادَ بقوله: لَا يَصح، الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من حَدِيث يزِيد بن المقادم عَن أَبِيه شُرَيْح بن هانىء: (أَنه سَأَلَ عَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهَا، أَكَانَ النَّبِي يُصَلِّي على الْحَصِير؟ وَا تَعَالَى يَقُول: ﴿وَجَعَلنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ حَصِيرا﴾ (الْإِسْرَاء: ٨) فَقَالَت: لَا لم يكن يُصَلِّي على الْحَصِير) وَقَالُوا: هَذَا غير صَحِيح لضعف يزِيد بن الْمِقْدَام، وَلِهَذَا بوب البُخَارِيّ بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير، فَإِن هَذَا الحَدِيث لم يثبت عِنْده، أوردهُ لمعارضة مَا هُوَ أقوى مِنْهُ، وَالَّذِي شَذَّ فِيهِ هُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز فَإِنَّهُ كَانَ يسْجد على التُّرَاب، وَلَكِن يحمل فعله هَذَا على التَّوَاضُع.
وَفِيه: أَن الأَصْل فِي الْحَصِير وَنَحْوه الطَّهَارَة، وَلَكِن النَّضْح فِيهِ إِنَّمَا كَانَ لأجل التليين أَو لإِزَالَة الْوَسخ، كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الْأَظْهر أَنه كَانَ للشَّكّ فِي نَجَاسَته. قُلْنَا: هَذَا على مذْهبه فِي أَن النَّجَاسَة الْمَشْكُوك فِيهَا تطهر بنضحها من غير غسل، وَعِنْدنَا الطَّهَارَة لَا تحصل إلَاّ بِالْغسْلِ.
وَفِيه: أَن الْإِثْنَيْنِ يكونَانِ صفا وَرَاء الإِمَام، وَهُوَ مَذْهَب الْعلمَاء كَافَّة إلَاّ ابْن مَسْعُود، فَإِنَّهُ قَالَ: يكون الإِمَام بَينهمَا. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة والكوفيون. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة لَيْسَ كَذَلِك، بل مذْهبه أَنه إِذا أم اثْنَيْنِ يتَقَدَّم عَلَيْهِمَا، وَبِه قَالَ مُحَمَّد، واحتجا فِي ذَلِك بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب، نعم، عَن أبي يُوسُف رِوَايَة أَنه يتوسطهما. قَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَنقل ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود. قلت: هَذَا مَوْقُوف عَلَيْهِ، وَقد رَوَاهُ مُسلم من ثَلَاث طرق وَلم يرفعهُ فِي الْأَوليين، وَرَفعه إِلَى النَّبِي فِي الثَّالِثَة. وَقَالَ؛ هَكَذَا فعل رَسُول ا. وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا الحَدِيث لَا يَصح رَفعه، وَأما فعله هُوَ فَإِنَّمَا كَانَ لضيق الْمَسْجِد، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي (شرح الْآثَار) بِسَنَد عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ: لَا أرى ابْن مَسْعُود فعل ذَلِك إلَاّ لضيق الْمَسْجِد، أَو لعذر آخر، لَا على أَنه السّنة.
وَفِيه: أَن الْمُنْفَرد خلف الصَّفّ تصح صلَاته بِدَلِيل وقُوف الْعَجُوز فِي الْأَخير، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَمَالك، وَقَالَ أَحْمد وَأَصْحَاب الحَدِيث: لَا يَصح لقَوْله: (لَا صَلَاة للمنفرد خلف الصَّفّ) . قُلْنَا؛ أُرِيد بِهِ نفي الْكَمَال.
وَفِيه: أَن السَّلَام لَيْسَ بِوَاجِب فِي الْخُرُوج من الصَّلَاة، لقَوْله؛ ثمَّ انْصَرف، وَلم يذكر سَلاما. فَإِن قلت: المُرَاد مِنْهُ الِانْصِرَاف من الْبَيْت الَّذِي فِيهِ. قلت: ظَاهره الِانْصِرَاف من الصَّلَاة، وَإِن كَانَ يحْتَمل الِانْصِرَاف من الْبَيْت، وَبِهَذَا الِاحْتِمَال لَا تقوم الْحجَّة.
١٢ -
стр. 1056
(بابُ الصلَاةِ عَلى الخُمْرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة على الْخمْرَة: يَعْنِي تجوز.
فَإِن قلت: قد ذكر ذَلِك فِي حَدِيث مَيْمُونَة فِي الْبَاب الَّذِي قبل بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير، فَمَا فَائِدَة إِعَادَته؟ قلت: لِأَنَّهُ رُوِيَ هُنَاكَ عَن مُسَدّد مطولا، وَهَهُنَا رُوِيَ عَن أبي الْوَلِيد مُخْتَصرا، فَأَعَادَهُ مُوَافقَة لَهُ، وَقد مر تَفْسِير الْخمْرَة عَن قريب.
١٨٣٧٤ - ح دّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدّثنا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عنْ عَبْدِ اللَّهِ ابنِ شَدَّادٍ عنْ مَيْمُونَةَ قالَتْ كانَ النبيُّ يُصَلِّي عَلى الخُمْرَةِ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث مَيْمُونَة، وَالطَّرِيق الأول ذكره فِي بَاب: إِذا أصَاب ثوب الْمُصَلِّي امْرَأَته إِذا سجد، لَكِن هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن خَالِد عَن سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ، وَهَهُنَا عَن أبي الْوَلِيد: هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ.
وَفَائِدَة تكراره اخْتِلَاف بعض رجال الْإِسْنَاد كَمَا ترى، وَبَيَان مقصد شَيْخه عِنْد نَقله الحَدِيث، وَاخْتِلَاف اسْتِخْرَاج الْأَحْكَام مِنْهُ، وَلكُل من مشايخه مَقْصُود غير مَقْصُود الآخر.
٢٢ - (بابُ الصَّلَاةِ عَلى الفِرَاشِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة على الْفراش، يَعْنِي: تجوز، والفراش هُنَا اسْم لما يفترش من أَي نوع كَانَ من أَنْوَاع مَا يبسط، وَيجمع على: فرش، وَيَجِيء مصدرا من: فرشت الشَّيْء أفرشه فراشا: بسطته. وَهُوَ من بَاب: نصر ينصر.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.
وَصَلَّى أنسٌ على فِراشِهِ.
هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة وَسَعِيد بن مَنْصُور، كِلَاهُمَا عَن ابْن الْمُبَارك عَن حميد قَالَ: كَانَ أنس يُصَلِّي على فرَاشه.
وَقَالَ أنَسٌ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النبيِّ فَيَسْجُدُ أحَدُنَا على ثَوْبِهِ.
هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ أَيْضا فِيمَا بعد فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ. قَوْله: (أَحَدنَا) أَي: بَعْضنَا. قَوْله: (على ثَوْبه) ، يحْتَمل أَن يكون المُرَاد مِنْهُ بعض ثَوْبه الَّذِي كَانَ لابسه، نَحْو الْفَاضِل من كمه أَو ذيله، وَيحْتَمل أَن يكون ثَوْبه الَّذِي يقلعه من جِسْمه فَيسْجد عَلَيْهِ، وَحَدِيثه الْمسند يُصَرح بِأَن المُرَاد مِنْهُ بعض ثَوْبه حَيْثُ قَالَ فِيهِ: فَيَضَع أَحَدنَا طرف الثَّوْب من شدَّة الْحر فِي مَكَان السُّجُود، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ اتعالى.
وَوجه مُنَاسبَة هَذِه الْأَثر للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ أَنه إِذا سجد على ثَوْبه يكون سَاجِدا على الْفراش، لِأَنَّهُ اسْم لما يبسط كَمَا ذكرنَا.
٢٨٣ - ح دّثنا إسْماعِيلُ قَالَ حدّثني مالِكٌ عَنْ أبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبيْدِ اللَّهِ عنْ أبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ عائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ أنَّهَا قالَتْ كُنْتُ أنامُ بَيْن يَدَيْ رسولِ الله وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْليَّ فإِذَا قامَ بَسَطْتُهُما قالَتْ والبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. (الحَدِيث ٢٨٣ أَطْرَافه فِي: ٣٨٣، ٤٨٣، ٨٠٥، ١١٥، ٢١٥، ٣١٥، ٤١٥، ٥١٥، ٩١٥، ٧٩٩، ٩٠٢١، ٦٧٢٦) .
وَجه مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (كنت أَنَام) ، لِأَن نومها كَانَ على الْفراش، وَقد صرحت فِي حَدِيثهَا الآخر بقولِهَا: (على الْفراش) الَّذِي ينامان عَلَيْهِ.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: إِسْمَاعِيل بن عبد ابْن أبي أويس الْمدنِي ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَأَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْمه سَالم مولى عمر، بِدُونِ الْوَاو: ابْن عبيد االتيمي، وَأَبُو سَلمَة عبد ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِفْرَاد فِي آخر. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن القعْنبِي وَعبد ابْن يُوسُف كِلَاهُمَا عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم
стр. 1057
فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك عَن أبي النَّضر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عَاصِم بن النَّضر عَن الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان عَن عبيد ابْن عمر عَن أبي النَّضر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ورجلاي فِي قبلته) جملَة وَقعت حَالا أَي: فِي مَكَان سُجُوده. قَوْله: (غمزني) ، من الغمز بِالْيَدِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: غمزت الشَّيْء بيَدي، وغمزته بعيني، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذا مروا بهم يتغامزون﴾ (المطففين: ٠٣) وَالْمرَاد هَهُنَا: الغمز بِالْيَدِ، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سَلمَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: (كنت أكون نَائِمَة ورجلاي بَين يَدي رَسُول الله وَهُوَ يُصَلِّي من اللَّيْل، فَإِذا أَرَادَ أَن يسْجد ضرب رجْلي فقبضتهما، فَسجدَ) . قَوْله: (فقبضت رجْلي) ، بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء بِصِيغَة التَّثْنِيَة، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (رجْلي) ، بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الْيَاء، بِصِيغَة الْإِفْرَاد. قَوْله: (بسطتهما) ، بتثنية الضَّمِير على رِوَايَة الْأَكْثَرين، وبالإفراد على رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. قَوْله: (والبيوت) ، مُبْتَدأ. وَقَوله: (لَيْسَ فِيهَا مصابيح) خَبره، وَالْجُمْلَة حَال، والمصابيح جمع: مِصْبَاح، وَهَذَا اعتذار من عَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهَا، عَن نومها على هَذِه الْهَيْئَة، وَالْمعْنَى: لَو كَانَت المصابيح لقبضت رجْلي عِنْد إِرَادَته السُّجُود، وَلما أحوجته إِلَى غمزي، وَهَذَا يدل على أَنَّهَا كَانَت رَاقِدَة غير مستغرقة فِي النّوم، إِذْ لَو كَانَت مستغرقة لما كَانَت تدْرك شَيْئا، سَوَاء كَانَت مصابيح أَو لم تكن. قَوْله: (يومئذٍ) مَعْنَاهُ: وقئتذ، أَي: وَقت إِذْ كَانَ الرَّسُول حَيا، وَإِنَّمَا فسرناه هَكَذَا لِأَن المصابيح من وظائف اللَّيْل، فَلَا يُمكن إِجْرَاء الْيَوْم على حَقِيقَة مَعْنَاهُ، وَقد يذكر الْيَوْم وَيُرَاد بِهِ الْوَقْت، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يولهم يومئذٍ دبره إلَاّ متحرفاً لقِتَال أَو متحيزاً إِلَى فِئَة فقد بَاء بغضب من اومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾ (الْأَنْفَال: ٦١) .
ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهُ: الأول: فِيهِ جَوَاز صَلَاة الرجل إِلَى الْمَرْأَة، وَأَنَّهَا لَا تقطع صلَاته، وَكَرِهَهُ بَعضهم لغير الشَّارِع لخوف الْفِتْنَة بهَا واشتغال الْقلب بِالنّظرِ إِلَيْهَا، وَأما النَّبِي فمنزه عَن هَذَا كُله، مَعَ أَنه كَانَ فِي اللَّيْل وَلَا مصابيح فِيهِ.
الثَّانِي: فِيهِ اسْتِحْبَاب إيقاظ النَّائِم للصَّلَاة.
الثَّالِث: أَن الْمَرْأَة لَا تبطل صَلَاة من صلى إِلَيْهَا، وَلَا من مرت بَين يَدَيْهِ، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْفُقَهَاء سلفا وخلفاً، مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ، وَمَعْلُوم أَن اعتراضها بَين يَدَيْهِ أَشد من مرورها، وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه يقطع مُرُور الْمَرْأَة وَالْحمار وَالْكَلب، وَقَالَ أَحْمد: يقطعهَا الْكَلْب الْأسود، وَفِي قلبِي من الْحمار وَالْمَرْأَة شَيْء. وَالْجَوَاب: عَن حَدِيث قطع الصَّلَاة بهؤلاء من وَجْهَيْن: إِن المُرَاد من الْقطع: النَّقْص، لشغل الْقلب بِهَذِهِ الْأَشْيَاء، وَلَيْسَ المُرَاد إِبْطَالهَا لِأَن الْمَرْأَة تغير الْفِكر فِيهَا، وَالْحمار ينهق، وَالْكَلب يهوش، فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْأَشْيَاء آيلة إِلَى الْقطع أطلق عَلَيْهَا الْقطع.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِحَدِيث: (لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء، وادرؤوا مَا اسْتَطَعْتُم) ، وَصلى الشَّارِع وَبَينه وَبَين الْقبْلَة عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا، وَكَانَت الأتان ترتع بَين يَدَيْهِ وَلم يُنكره أحد، لَكِن النّسخ لَا يُصَار إِلَيْهِ إلَاّ بِأُمُور مِنْهَا التَّارِيخ، وأنى بِهِ؟ وَذهب ابْن عَبَّاس وَعَطَاء إِلَى أَن الْمَرْأَة الَّتِي تقطع الصَّلَاة إِنَّمَا هِيَ الْحَائِض، ورد بِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَات هَذَا الحَدِيث، قَالَ شُعْبَة: (وأحسبها قَالَت: وَأَنا حَائِض) . قَالَ: فَإِن قلت: ورد فِي الحَدِيث: (يقطع الصَّلَاة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ والمجوسي وَالْخِنْزِير) ؟ قلت: هَذَا حَدِيث ضَعِيف.
الرَّابِع: أَن الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة غير قَادِح.
الْخَامِس: جَوَاز الصَّلَاة إِلَى النَّائِم، وَكَرِهَهُ بَعضهم وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: لَا تصلوا خلف النَّائِم وَلَا المتحدث) . قلت: قَالَ أَبُو دَاوُد: روى هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن مُحَمَّد بن كَعْب، كلهَا واهية، وَهَذَا أمثلها وَهُوَ أَيْضا ضَعِيف، وَصرح بِهِ الْخطابِيّ، وَغَيره؛ (وَكَانَ ابْن عمر لَا يُصَلِّي خلف رجل يتَكَلَّم إلَاّ يَوْم الْجُمُعَة) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَد مُنْقَطع، وَفِي (مراسيله) بِسَنَد ضَعِيف: (نهى النَّبِي أَن يتحدث الرّجلَانِ وَبَينهمَا أحد يُصَلِّي) ، وَفِي (كَامِل ابْن عدي بِسَنَد واهٍ عَن ابْن عمر: (نهى رَسُول الله أَن يُصَلِّي الْإِنْسَان إِلَى نَائِم أَو متحدث) . وَفِي (الْأَوْسَط) للطبراني. من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد ضَعِيف مَرْفُوعا: (نهيت أَن أُصَلِّي خلف النَّائِم والمتحدثين) . وَفِي (كتاب الصَّلَاة) لأبي نعيم: حدّثنا سُفْيَان عَن ابْن إِسْحَاق عَن معدي كرب عَن عبد ا، قَالَ: (لَا يُصَلِّي بَين يَدي قوم يمترون) . وَعَن سعيد بن جُبَير: (إِذا كَانُوا يذكرُونَ افلا بَأْس) . وَفِي رِوَايَة: (كره سعيد أَن يُصَلِّي وَبَين يَدَيْهِ متحدث) ، وَضرب عمر بن الْخطاب رَضِي اتعالى عَنهُ، رجلَيْنِ أَحدهمَا يسْتَقْبل الآخر وَهُوَ يُصَلِّي.
السَّادِس: قَالَ بَعضهم: وَقد اسْتدلَّ بقولِهَا: غمزني، على أَن لمس الْمَرْأَة لَا ينْقض الْوضُوء، وَتعقب بِاحْتِمَال الْحَائِل أَو بالخصوصية،
стр. 1058
قلت: هَذَا الْقَائِل أَخذ بعض هَذَا من الْكرْمَانِي، فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِن قلت: هَل هُوَ دَلِيل على أَن لمس الْمَرْأَة لَا ينْتَقض الْوضُوء؟ قلت: لَا لاحْتِمَال أَن يكون بَينهمَا حَائِل من ثوب وَنَحْوه، بل هُوَ الظَّاهِر من حَال النَّائِم. قلت: هَذَا غير موجه، قَالَ ابْن بطال: الأَصْل فِي الرجل أَن يكون بِغَيْر حَائِل عرفا. وَكَذَلِكَ الْيَد، وَقَول الشَّافِعِي: كَانَ غمزه إِيَّاهَا على ثوب فِيهِ بعد. وَقَوله: أَو بالخصوصية، غير صَحِيح، لِأَن النَّبِي فِي هَذَا الْمقَام فِي مقَام التشريع لَا الخصوصية، إِذْ من الْمَعْلُوم أَن اعصمه فِي جَمِيع أَفعاله وأقواله، وَأَيْضًا مُجَرّد دَعْوَى الخصوصية بِلَا دَلِيل بَاطِل، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك قَامَ لنا الدَّلِيل من الحَدِيث أَن لمس الْمَرْأَة غير نَاقض للْوُضُوء، والعناد بعد ذَلِك مُكَابَرَة.
السَّابِع: فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة على الْفراش، وَعقد البُخَارِيّ الْبَاب الْمَذْكُور لذَلِك، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَاخْتلف فِي الصَّلَاة على الْفراش وَشبهه، فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: يُصَلِّي على الْبسَاط والطنفسة. وَحكى ابْن أبي شيبَة ذَلِك عَن أبي الدَّرْدَاء بِلَفْظ: (مَا أُبَالِي لَو صليت على سِتّ طنافس بَعْضهَا فَوق بعض) . قَالَ: وَصلى ابْن عَبَّاس على مسح وعَلى طنفسة قد طبقت الْبَيْت صَلَاة الْمغرب، وَفعله أَبُو وَائِل وَعمر بن الْخطاب وَعَطَاء وَسَعِيد بن جُبَير، وَقَالَ الْحسن: لَا بَأْس بِالصَّلَاةِ على الطنفسة. وَصلى قيس بن عباد على لبد دَابَّته، وَكَذَلِكَ قُرَّة الْهَمدَانِي، وَصلى على الْمسْح عمر بن عبد الْعَزِيز وَجَابِر بن عبد ا، وَعلي بن أبي طَالب وَأَبُو الدَّرْدَاء وَعبد ابْن مَسْعُود رَضِي اتعالى عَنْهُم، وَقَالَ مَالك: الْبسَاط الصُّوف وَالشعر وَشبهه إِذا وضع الْمُصَلِّي جَبهته وَيَديه على الأَرْض فَلَا أرى بِالْقيامِ عَلَيْهَا بَأْسا، كَأَنَّهُ يُرِيد مَا ذكره ابْن أبي شيبَة عَن جرير عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود وَأَصْحَابه أَنهم كَانُوا يكْرهُونَ أَن يصلوا على الطنافس والفرا والمسوح، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حدّثنا ابْن علية عَن يُونُس عَن الْحسن أَنه كَانَ يُصَلِّي على طنفسة وَقَدمَاهُ وَركبَتَاهُ عَلَيْهَا وَيَديه وجبهته على الأَرْض أَو بردي، وَعَن ابْن سِيرِين وَابْن الْمسيب وَقَتَادَة: الصَّلَاة على الطنفسة مُحدث، وَكره الصَّلَاة على غير الأَرْض عُرْوَة بن الزبير وَجَابِر بن زيد وَابْن مَسْعُود، وَنهى أَبُو بكر عَن الصَّلَاة على البرادع، وَقَالَ أَبُو نعيم فِي (كتاب الصَّلَاة) تأليفه: حدّثنا زَمعَة بن صَالح عَن سَلمَة بن وهرام عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: (أَن النَّبِي صلى على بِسَاط) ، وحدّثنا زَمعَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن كريب عَن أبي معبد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (قد صلى رَسُول ا، على بِسَاط) .
٣٨٣٩٤ - ح دّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدّثنا الليْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ أخْبَرَتْهُ أَن رسولَ الله كَانَ يُصَلِّي وَهْيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أهْلِهِ اعْتِرَاضَ الجَنَازَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: بكير، بِضَم الْبَاء وَاللَّيْث: هُوَ ابْن سعد، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد بن عقيل، بِفَتْح الْعين، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع، وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مصري ومدني.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: (كَانَ النَّبِي: يُصَلِّي صلَاته كلهَا من اللَّيْل وَأَنا مُعْتَرضَة بَينه وَبَين الْقبْلَة على فرَاش أَهله اعْتِرَاض الْجِنَازَة) . وَفِي لفظ: (وسط السرير وَأَنا مُضْطَجِعَة بَينه وَبَين الْقبْلَة تكون لي الْحَاجة فأكره أَن أقوم فأستقبله، فأنسل انسلالاً من قبل رجلَيْهِ) . وَفِي لفظ: (وَأَنا حذاءه وَأَنا حَائِض) . وَرُبمَا قَالَت: (أصابني ثَوْبه إِذا سجد) . وَفِي لفظ: (عَليّ مرط وَعَلِيهِ بعضه) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن هَاشم بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: (أَن رَسُول الله كَانَ يُصَلِّي صَلَاة من اللَّيْل وَهِي مُعْتَرضَة بَينه وَبَين الْقبْلَة رَاقِدَة على الْفراش الَّذِي يرقد عَلَيْهِ، حَتَّى إِذا أَرَادَ أَن يُوتر أيقظها فأوترت) . وَفِي لفظ: (فَإِذا أَرَادَ أَن يسْجد ضرب رجْلي فقبضتهما) . وَفِي لفظ: (فَإِذا أَرَادَ أَن يُوتر قَالَ؛ تنحي) . وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بِهِ.
стр. 1059
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهِي بَينه وَبَين الْقبْلَة) أَي: وَالْحَال أَن عَائِشَة بَين النَّبِي وَبَين مَوضِع سُجُوده. قَوْله: (اعْتِرَاض الْجِنَازَة) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، أَي: كاعتراض الْجِنَازَة، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة صفة لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره، وَهِي مُعْتَرضَة بَينه وَبَين الْقبْلَة اعتراضاً كاعتراض الْجِنَازَة. وَالْمرَاد: أَنَّهَا تكون نَائِمَة بَين يَدَيْهِ من جِهَة يَمِينه إِلَى جِهَة شِمَاله، كَمَا تكون الْجِنَازَة بَين يَدي الْمُصَلِّي. والجنازة، بِكَسْر الْجِيم وَهُوَ اخْتِيَار ثَعْلَب فِي (فصيحه) ، وَحكى فِي (نوادره) عَن أبي زيد: الْجِنَازَة، مَكْسُورَة الْجِيم وَلَا تفتح، وَكَذَا ذكره أَبُو عَليّ أَحْمد بن جَعْفَر الدينَوَرِي فِي كِتَابه (إصْلَاح الْمنطق) ، وَحكى المطرزي عَن الْأَصْمَعِي: الْجِنَازَة والجنازة لُغَتَانِ بِمَعْنى وَاحِد، وَكَذَا قَالَه كرَاع فِي (الْمُنْتَخب) وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْجِنَازَة النعش، والجنازة الْمَيِّت. وَفِي (الصِّحَاح) : الْعَامَّة تَقول: الْجِنَازَة، بِالْفَتْح وَالْمعْنَى: الْمَيِّت على السرير، وَفِي (شرح الفصيح) لِابْنِ عَليّ أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن المرزوقي: الْجِنَازَة اسْم المتوفي فِي الأَصْل. وَقَالَ بَعضهم، بِفَتْح الْجِيم فِي الْمُتَوفَّى، وَقَالَ الْخَلِيل: الْجِنَازَة بِكَسْر الْجِيم: السرير، يَعْنِي سَرِير الْمَيِّت. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر: لَا يُقَال للْمَيت جَنَازَة حَتَّى يكون على نعش، وَلَا يُقَال للنعش جَنَازَة حَتَّى يكون عَلَيْهَا ميت. وَفِي (الْمُحكم) : جنز الشَّيْء يجنزه جنزاً: ستره، وَقَالَ ابْن دُرَيْد عَن قوم: إِن اشتقاق الْجِنَازَة من ذَلِك، قَالَ: وَلَا أَدْرِي مَا صِحَّته، وَقد قيل: هُوَ نبطي.
٣٢ - (بابٌ السُّجُودِ عَلى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سُجُود الْمُصَلِّي على طرف ثَوْبه مثل كمه وذيله لأجل شدَّة الْحر، وَلَفظ: الْحر، لَيْسَ بِقَيْد، لِأَن حكم الْبرد كَذَلِك. وَإِنَّمَا ذكر مُوَافقَة للفظ الحَدِيث.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.
وَقَالَ الحَسَنُ كانَ القَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلى العِمَامَةِ وَالقَلَنْسَوَةِ وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ.
مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة إلَاّ بالتعسف، لِأَن التَّرْجَمَة فِي السُّجُود على الثَّوْب، وَهَذَا لَا يُطلق على الْعِمَامَة، وَلَا على القلنسوة، وَلَكِن كَانَ هَذَا الْبَاب والأبواب الثَّلَاثَة الَّتِي قبله فِي السُّجُود على غير وَجه الأَرْض، بل كَانَ على شَيْء هُوَ على الأَرْض، وَهُوَ أَعم من أَن يكون حَصِيرا أَو خمرة أَو فراشا أَو عِمَامَة أَو قلنسوة أَو نَحْو ذَلِك، فبهذه الْحَيْثِيَّة تدخل الْعِمَامَة والقلنسوة فِي الْبَاب؛ وَالْحسن هُوَ: الْبَصْرِيّ، وَأَرَادَ بالقوم الصَّحَابَة، والقلسنوة: غشاء مبطن تلبس على الرَّأْس. قَالَه الْقَزاز فِي (شرح الفصيح) وَعَن ابْن خالويه: الْعَرَب تسمي القلنسوة برنساً. وَفِي (التَّلْخِيص) لأبي هِلَال العسكري: الْبُرْنُس: القلنسوة الواسعة الَّتِي تغطى بهَا العمائم، تستر من الشَّمْس والمطر. وَفِي (الْمُحكم) : هِيَ من ملابس الرؤوس مَعْرُوف. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي (شَرحه) : هِيَ الَّتِي تَقول لَهَا الْعَامَّة الشاشية، وَذكر ثَعْلَب فِي (فصيحه) لُغَة أُخْرَى وَهِي: القليسية، بِضَم الْقَاف وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء وَكسر
стр. 1060
السِّين وَفتح الْيَاء وَفِي آخِره هاه، وَفِي (الْمُحكم) : وَعِنْدِي أَن قليسية لَيست بلغَة، وَإِنَّمَا هِيَ مصغرة، وَفِي (شرح الْغَرِيب) لِابْنِ سَيّده: وَهِي قلنساة وقلساة، وَجَمعهَا: قلانس وقلاسي وقلنس وقلونس، ثمَّ يجمع على: قلنس، وَفِيه قلب حَيْثُ جعل الْوَاو قبل النُّون، وَعَن يُونُس: أهل الْحجاز يَقُولُونَ: قلنسية، وَتَمِيم يَقُولُونَ: قلنسوة. وَفِي (شرح المرزوقي) : قلنست الشَّيْء إِذا غطيته.
قَوْله: (ويداه فِي كمه) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وَيَديه فِي كمه) ، وَجه الأول أَن: يَدَاهُ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: فِي كمه، خَبره وَالْجُمْلَة حَال، وَالتَّقْدِير: ويدا كل وَاحِد فِي كمه، فلأجل ذَلِك قَالَ: ويداه فِي كمه، وَذَلِكَ لِأَن الْمقَام يَقْتَضِي أَن يُقَال: وأيديهم فِي أكمامهم، وَوجه الثَّانِي: أَن: يَدَيْهِ، مَنْصُوب بِفعل مُقَدّر تَقْدِيره: وَيجْعَل كل وَاحِد يَدَيْهِ فِي كمه، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن أبي أُسَامَة عَن هِشَام عَن الْحسن قَالَ: (إِن أَصْحَاب النَّبِي كَانُوا يَسْجُدُونَ وأيديهم فِي ثِيَابهمْ، وَيسْجد الرجل مِنْهُم على قلنسوته وعمامته) .
وَأخرجه أَيْضا عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه عَن هِشَام بن حسان عَن الْحسن نَحوه. وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن يُونُس: (عَن الْحسن أَنه كَانَ يسْجد فِي طيلسانه) . وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن عدي: (عَن حميد: رَأَيْت الْحسن يلبس أنبجانيا فِي الشتَاء وَيُصلي فِيهِ وَلَا يخرج يَدَيْهِ) . وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن زيد يسْجد على كور عمَامَته، وَكَذَلِكَ الْحسن وَسَعِيد بن الْمسيب وَبكر بن عبد ا، وَمَكْحُول وَالزهْرِيّ وَعبد ابْن أبي أوفى وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد، وَكَانَ عبَادَة بن الصَّامِت وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عمر وَأَبُو عُبَيْدَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَابْن سِيرِين وَمَيْمُون بن مهْرَان وَعُرْوَة بن الزبير وَعمر بن عبد الْعَزِيز وجعدة بن هُبَيْرَة يكْرهُونَ السُّجُود على الْعِمَامَة، وَذكر مُحَمَّد بن أسلم الطوسي فِي كِتَابه (تَعْظِيم قدر الصَّلَاة) : عَن خَلاد بن يحيى عَن عبد ابْن المحرز عَن يزِيد بن الْأَصَم عَن أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي سجد على كور عمَامَته) . قَالَ ابْن أسلم: هَذَا سَنَد ضَعِيف.
٥٨٣١٥ - ح دّثنا أبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ قَالَ حدّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ قَالَ حدّثني غالِبٌ القَطَّانُ عَنْ بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أنَس بنِ مالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبيِّ فيضَعُ أحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ منْ شِدَّةِ الحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ. (الحَدِيث ٥٨٣ طرفاه فِي: ٢٤٥، ٨٠٢١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، ذكرُوا، و: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة: ابْن الْمفضل، بِضَم الْمِيم وَفتح الْفَاء وَتَشْديد الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة: الرقاشِي، بِفَتْح الرَّاء: العثماني، كَانَ يُصَلِّي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة رَكْعَة. وغالب، بالغين الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام: ابْن خطَّاف، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَبِفَتْحِهَا وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة: الْقطَّان، بِالْقَافِ.
ذكر لطائف إِسْنَاده وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أبي الْوَلِيد، وَفِي بشر وبالإفراد فِي غَالب عِنْد الْأَكْثَرين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: حِكَايَة قَول الصَّحَابِيّ عَمَّا يَفْعَله، وَالنَّبِيّ يُشَاهِدهُ وَلَا يُنكره، فَيكون تقريراً مِنْهُ. فَإِن قلت: كَانَ أنس خلف النَّبِي؟ قلت: مَا كَانَ يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أَحْوَال من كَانَ خَلفه فِي الصَّلَاة، لِأَنَّهُ قد كَانَ يرى من خَلفه كَمَا يرى من قدامه، فَيكون قَول الصَّحَابِيّ، كُنَّا نَفْعل كَذَا من قبيل الْمَرْفُوع، وَلَا سِيمَا اتّفق الشَّيْخَانِ على تَخْرِيج هَذَا الحَدِيث فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَغَيرهمَا كَذَلِك.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُسَدّد، وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن ابْن الْمُبَارك، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (فَيَضَع أَحَدنَا) جملَة معطوفة على قَوْله: (كُنَّا نصلي) . قَوْله: (طرف ثَوْبه) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: يضع، وَفِي رِوَايَة مُسلم وَأبي دَاوُد: (بسط ثَوْبه فَسجدَ عَلَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (كُنَّا إِذا صلينَا خلف رَسُول الله بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الْحر) . وَعند ابْن أبي شيبَة: (كُنَّا نصلي مَعَ النَّبِي فِي شدَّة الْحر وَالْبرد فَيسْجد على ثَوْبه) .
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَمَالك، وَأحمد وَإِسْحَاق على جَوَاز السُّجُود على الثَّوْب فيشدة الْحر وَالْبرد، وَهُوَ قَول عمر بن الْخطاب، رَضِي اتعالى عَنهُ، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من حَدِيث إِبْرَاهِيم قَالَ: (صلى
стр. 1061
عمر ذَات يَوْم بِالنَّاسِ الْجُمُعَة فِي يَوْم شَدِيد الْحر، فَطرح طرف ثَوْبه بِالْأَرْضِ فَجعل يسْجد عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِذا وجد أحدكُم الْحر فليسجد على طرف ثَوْبه) . وَرَوَاهُ زيد بن وهب عَن عمر بِنَحْوِهِ، وَأمر بِهِ إِبْرَاهِيم أَيْضا وَعَطَاء، وَفعله مُجَاهِد. وَقَالَ الْحسن: لَا بَأْس بِهِ، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر أَيْضا عَن الشّعبِيّ وَطَاوُس وَالْأَوْزَاعِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالزهْرِيّ وَمَكْحُول ومسروق وَشُرَيْح. وَقَالَ صَاحب (التَّهْذِيب) من الشَّافِعِيَّة: وَبِه قَالَ أَكثر الْعلمَاء، والْحَدِيث حجَّة على الشَّافِعِي حَيْثُ لم يجوز ذَلِك. وَقَالَ النَّوَوِيّ: حمله الشَّافِعِي على الثَّوْب الْمُنْفَصِل، قُلْنَا: لفظ: ثَوْبه، دلّ على الْمُتَّصِل بِهِ من حَيْثُ اللَّفْظ، وَهُوَ تعقيب السُّجُود بالبسط، كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم وَأبي دَاوُد، وَكَذَا دلّ على الْمُتَّصِل بِهِ من خَارج اللَّفْظ، وَهُوَ قلَّة الثِّيَاب عِنْدهم. فَإِن قلت: أيد الْبَيْهَقِيّ حمل الشَّافِعِي على الثَّوْب الْمُنْفَصِل بِمَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ: (فَيَأْخُذ أَحَدنَا الْحَصَى فِي يَده فَإِذا برد وَضعه وَسجد عَلَيْهِ) . قَالَ: فَلَو جَازَ السُّجُود على شَيْء مُتَّصِل بِهِ لما احتاجوا إِلَى تبريد الْحَصَى مَعَ طول الْأَمر فِيهِ.
قلت: ورد هَذَا بِاحْتِمَال أَن يكون الَّذِي كَانَ يبرد الْحَصَى لم يكن فِي ثَوْبه فضلَة يسْجد عَلَيْهَا مَعَ بَقَاء ستْرَة لَهُ. فَإِن قلت: احْتج الشَّافِعِي بِحَدِيث خباب قَالَ: (شَكَوْنَا إِلَى النَّبِي ﵊، حر الرمضاء فِي جباهنا فَلم يشكنا) . أَي: فَلم يزل شكوانا، وَبِمَا روى عَنهُ أَنه قَالَ: (ترب جبينك يَا رَبَاح) . قلت: حَدِيث خباب لَيْسَ فِيهِ ذكر الجباه والأكف فِي المسانيد الْمَشْهُورَة، ثَبت فَهُوَ مَحْمُول على التَّأْخِير الْكثير حَتَّى تبرد الرمضاء، وَذَلِكَ يكون فِي أَرض الْحجاز بعد الْعَصْر. وَيُقَال: إِنَّه مَنْسُوخ بقوله: (أبردوا بِالظّهْرِ فَإِن شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم) . وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عبد ابْن عبد الرَّحْمَن قَالَ: (جَاءَنَا رَسُول اعليه الصَّلَاة وَالسَّلَام، فصلى بِنَا فِي مَسْجِد بني عبد الْأَشْهَل، فرأيته وَاضِعا يَدَيْهِ فِي ثَوْبه إِذا سجد) . رَوَاهُ أَحْمد وَابْن ماجة. فَإِن قلت: هَذَا مَحْمُول على الثَّوْب الْمُنْفَصِل الَّذِي لَا يَتَحَرَّك بحركته.
قلت: هَذَا بعيد لقَوْله: (بسط ثَوْبه فَسجدَ عَلَيْهِ) . إِذْ: الْفَاء، فِيهِ للتعقيب. وكل حَدِيث احْتج بِهِ الشَّافِعِي فِي هَذَا الْبَاب فَهُوَ مُحْتَمل، وَمَا احْتج بِهِ غَيره من الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين فَهُوَ مُحكم، فَيحمل الْمُحْتَمل على الْمُحكم على أَنه قد رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة أَنهم رووا سُجُوده، ﵊، على كور عمَامَته. مِنْهُم: أَبُو هُرَيْرَة، أخرج حَدِيثه عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) . وَابْن عَبَّاس، أخرج حَدِيثه أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) . وَعبد ابْن أبي أوفي، أخرج حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) ، وَجَابِر أخرج حَدِيثه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) . وَأنس أخرج حَدِيثه ابْن أبي حَاتِم فِي كِتَابه (الْعِلَل) . وَابْن عمر أخرج حَدِيثه الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم تَمام بن مُحَمَّد الرَّازِيّ فِي (فَوَائده) . فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) : أما مَا روى أَن النَّبِي كَانَ يسْجد على كور عمَامَته فَلَا يثبت مِنْهُ شَيْء. قلت: حَدِيث ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَابْن أبي أوفى جِيَاد، وَمَا كَانَ مِنْهُ من الضَّعِيف يشْتَد بِالْقَوِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي هَذَا الْبَاب. وَبِمَا ذكرنَا هَهُنَا يحصل الْجَواب عَمَّا قَالَه الْكرْمَانِي فِي هَذَا الْبَاب من فرقه بَين الْمَحْمُول المتحرك وَغَيره، وَالِاسْتِدْلَال بقوله: (ترب وَجهك) ، وَحَدِيث الْبَاب أَيْضا يرد مَا ذكره من قَوْله: وَالْقِيَاس على سَائِر الْأَعْضَاء قِيَاس بالفارق، وَقِيَاس فِي مُقَابلَة النَّص.
قُلْنَا: لَا نسلم ذَلِك لأَنا عَملنَا أَولا بِالْحَدِيثِ الَّذِي ورد فِي هَذَا الْبَاب، وبالقياس أَيْضا، فَهَذَا أقوى. وَقَوله: ثَبت أَنه كَانَ يُبَاشر الأَرْض بِوَجْهِهِ فِي سُجُوده، فَنَقُول: بَاشر أَيْضا ثَوْبه فِي سُجُوده، كَمَا مر، وبدليل مَا لَو سجد على الْبسَاط يجوز بِالْإِجْمَاع، فَإِن احْتج بقوله: (مكن جبهتك وأنفك من الأَرْض) ، فَنَقُول بِمُوجبِه، وَهُوَ وجدان حجم الأَرْض حَتَّى إِذا امْتنع حجمها لَا يجوز. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ أَي فِي حَدِيث الْبَاب تَقْدِيم الظّهْر فِي أول الْوَقْت قُلْنَا: ظَاهر الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْأَمر بالإيراد بِالظّهْرِ يُعَارضهُ، وَدفعهَا إِمَّا بِأَن نقُول: إِن التَّقْدِيم رخصَة والإيراد سنة، فَإِذا قُلْنَا: أَحَادِيث الْأَمر بالإيراد ناسخة لَا يبْقى تعَارض. فَافْهَم.
وَمِمَّا يستنبط من الحَدِيث الْمَذْكُور أَن الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة عَفْو، لِأَن وضع طرف الثَّوْب فِي مَوضِع السُّجُود، عمل. وَا أعلم.
٤٢ - (بابُ الصَّلَاةِ فِي النعالِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة فِي النِّعَال، أَي: على النِّعَال أَو؛ بالنعال، لِأَن الظَّرْفِيَّة غير صَحِيحَة.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب السَّابِق تَغْطِيَة الْوَجْه بِالثَّوْبِ الَّذِي يسْجد عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا الْبَاب تَغْطِيَة بعض الْقَدَمَيْنِ.
стр. 1062
٦٨٣٢٥ - ح دّثنا آدَمُ بنُ أبي إيَاسٍ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخبرنَا أبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بنُ يَزِيدَ الأَزْرِيُّ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ أكانَ النَّبيُّ يُصلِّي فِي نَعْلَيْهِ قَالَ نعَمْ. (الحَدِيث ٦٨٣ طرفه فِي ٠٥٨٥) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة مر ذكرهم، وَأَبُو مسلمة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام، وَسَعِيد بِالْيَاءِ، وَيزِيد من الزِّيَادَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده. فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين عسقلاني وكوفي وبصري.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى عَن بشر بن الْمفضل وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن عباد بن الْعَوام. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يزِيد بن زُرَيْع وغسان بن مُضر.
ذكر مَعْنَاهُ واستنباط الحكم مِنْهُ: قَوْله: (أَكَانَ النَّبِي) اسْتِفْهَام على سَبِيل الاستفسار. قَوْله: (يُصَلِّي فِي نَعْلَيْه؟) أَي: على نَعْلَيْه، أَو بنعليه، كَمَا ذكرنَا. والنعل: الْحذاء مُؤَنّثَة وتصغيرها: نعيلة، وَقَالَ ابْن بطال: معنى هَذَا الحَدِيث عِنْد الْعلمَاء إِذا لم يكن فِي النَّعْلَيْنِ نَجَاسَة فَلَا بَأْس بِالصَّلَاةِ فيهمَا، وَإِن كَانَ فيهمَا نَجَاسَة فليمسحهما وَيصلى فيهمَا. وَاخْتلفُوا فِي تَطْهِير النِّعَال من النَّجَاسَات، فَقَالَت طَائِفَة: إِذا وطىء القذر الرطب يجْزِيه أَن يمسحهما بِالتُّرَابِ وَيُصلي فِيهِ. وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: لَا يجْزِيه أَن يطهر الرطب إِلَّا بِالْمَاءِ، وَإِن كَانَ يَابسا أَجزَأَهُ حكه. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يطهر النَّجَاسَات إِلَّا المَاء فِي الْخُف والنعل وَغَيرهمَا. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الصَّلَاة فِي النِّعَال من الرُّخص لَا من المستحبات، لِأَن ذَلِك لَا يدْخل فِي الْمَعْنى الْمَطْلُوب من الصَّلَاة.
قلت: كَيفَ لَا تكون من المستحبات بل يَنْبَغِي أَن تكون من السّنَن، لِأَن أَبَا دَاوُد روى فِي (سنَنه) : حدّثنا قُتَيْبَة بن سعيد حدّثنا مَرْوَان ابْن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ عَن هِلَال بن مَيْمُون الرَّمْلِيّ عَن يعلى بن شَدَّاد بن أَوْس عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (خالفوا الْيَهُود فَإِنَّهُم لَا يصلونَ فِي نعَالهمْ وَلَا فِي خفافهم) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا، فَيكون مُسْتَحبا من جِهَة قصد مُخَالفَة الْيَهُود، وَلَيْسَت بِسنة لِأَن الصَّلَاة فِي النِّعَال لَيست بمقصوده بِالذَّاتِ، وَقد روى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله حافياً ومتنعلاً) ، وَهَذَا يدل على الْجَوَاز من غير كَرَاهَة، وَحكى الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) عَن بَعضهم أَن الصَّلَاة فِيهِ أفضل.
وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ: جَوَاز الْمَشْي فِي الْمَسْجِد بالنعل.
٥٢ - (بابُ الصَّلَاةِ فِي الخِفَافِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة فِي الْخفاف أَي: بالخفاف. وَهُوَ جمع خف.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.
٧٨٣٣٥ - ح دّثنا آدَمُ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ عَنه الأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ إبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عنْ هَمّامِ بنُ الْحَارِثِ قَالَ رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلى خفَّيْهِ ثُمَّ قامَ فَصَلى فَسُئِلَ فَقالَ رَأَيْتُ النبيَّ صَنَعَ مِثْلَ هذَا قَالَ إبْرَاهِيمُ فَكانَ يُعْجِبُهُمْ لأَنَّ جَرِيراً كانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أسْلَمَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمسح على خفيه ثمَّ قَامَ فصلى) لِأَنَّهُ صلى وَهُوَ لابس خفيه، إِذْ لَو نزعهما بعد الْغسْل لوَجَبَ غسل رجلَيْهِ، وَلَو غسلهمَا لنقل فِي الحَدِيث.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: آدم بن أبي إِيَاس، وَشعْبَة بن الْحجَّاج، وَسليمَان الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ، وَهَمَّام: على وزن فعال بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد، كَانَ من الْعباد مَاتَ فِي زمن الْحجَّاج، وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد االبجلي الصَّحَابِيّ، رَضِي اتعالى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والتحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد من الْمُضَارع. وَفِيه: السماع
стр. 1063
فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل وَالرِّوَايَة. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي وكوفي. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين: الْأَعْمَش وَإِبْرَاهِيم، وَعلي بن خشرم وَعَن يحيى بن يحيى وَإِسْحَاق وَأبي كريب وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن ابْن أبي شيبَة وَعَن ابْن أبي عَمْرو عَن منْجَاب بن الْحَارِث. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَفِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن عَليّ بن مُحَمَّد، الْكل عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَمعنى حَدِيثهمْ وَاحِد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن عبد ابْن دَاوُد عَن بكير بن عَامر عَن أبي زرْعَة بن عَمْرو بن جرير: (أَن جَرِيرًا بَال ثمَّ تَوَضَّأ فَمسح على خفيه، قَالَ: مَا يَمْنعنِي أَن أَمسَح وَقد رَأَيْت رَسُول الله يمسح؟ قَالُوا: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك قبل نزُول الْمَائِدَة. قَالَ: مَا أسلمت إِلَّا بعد نزُول الْمَائِدَة) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث ربعي بن حِرَاش عَنهُ، قَالَ: (وضأت رَسُول الله فَمسح على خفيه بعد مَا نزلت سُورَة الْمَائِدَة) . ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان عَن ربعي إلَاّ ياسين الزيات، تفرد بِهِ عبد الرَّزَّاق، وَيَاسِين مُتَكَلم فِيهِ، وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين عَنهُ أَنه كَانَ مَعَ رَسُول الله فِي حجَّة الْوَدَاع فَذهب النَّبِي ﵊، يتبرز فَرجع فَتَوَضَّأ وَمسح على خفيه، ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن مُحَمَّد بن سِيرِين إلَاّ خَالِد الْحذاء، وَلَا عَن خَالِد إلَاّ حَارِث بن شُرَيْح، تفرد بِهِ سِنَان بن فروخ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ثمَّ قَامَ فصلى) ، ظَاهره أَنه صلى فِي خفيه كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (فَسئلَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: سُئِلَ جرير عَن الْمسْح عل الْخُفَّيْنِ وَالصَّلَاة فيهمَا، وَقد بَين الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيثه من طَرِيق جَعْفَر بن الْحَارِث عَن الْأَعْمَش أَن السَّائِل لَهُ عَن ذَلِك هُوَ همام بن الْحَارِث الْمَذْكُور، وَله من طَرِيق زَائِدَة عَن الْأَعْمَش، فعاب عَلَيْهِ ذَلِك رجل من الْقَوْم. قَوْله: (مثل هَذَا) أَي: من الْمسْح على خفيه وَالصَّلَاة فيهمَا. قَوْله: (قَالَ إِبْرَاهِيم) أَي: الْمَذْكُور، وَهُوَ النَّخعِيّ. قَوْله: (فَكَانَ) أَي: فَكَانَ حَدِيث جرير يعجبهم، أَي: يعجب الْقَوْم لِأَنَّهُ من جملَة الَّذين أَسْلمُوا فِي آخر حَيَاة رَسُول ا، وَقد أسلم فِي السّنة الَّتِي توفّي فِيهَا رَسُول ا، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش: كَانَ يعجبهم هَذَا الحَدِيث، وَمن طَرِيق عِيسَى بن يُونُس، فَكَانَ أَصْحَاب عبد ابْن مَسْعُود يعجبهم. قَوْله: (من آخر من أسلم) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لِأَن إِسْلَام جرير كَانَ بعد نزُول الْمَائِدَة) .
وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (إِنَّمَا كَانَ ذَلِك) أَي: مسح النَّبِي ﵊، على الْخُفَّيْنِ بعد نزُول الْمَائِدَة. فَقَالَ جرير: مَا أسلمت إلَاّ بعد نزُول الْمَائِدَة، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، من طَرِيق شهر بن حَوْشَب: (قَالَ: رَأَيْت جرير بن عبد ا) فَذكر نَحْو حَدِيث الْبَاب، قَالَ: (فَقلت لَهُ: أقبل الْمَائِدَة أم بعْدهَا؟ قَالَ: مَا أسلمت إلَاّ بعد الْمَائِدَة) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث مُفَسّر، لِأَن بعض من أنكر الْمسْح على الْخُفَّيْنِ تَأَول أَن مسح النَّبِي على الْخُفَّيْنِ كَانَ قبل نزُول آيَة الْوضُوء الَّتِي فِي الْمَائِدَة، فَيكون مَنْسُوخا: فَذكر جرير فِي حَدِيثه أَنه رَآهُ يمسح بعد نزُول الْمَائِدَة، فَكَانَ أَصْحَاب ابْن مَسْعُود يعجبهم حَدِيث جرير لِأَن فِيهِ ردا على أَصْحَاب التَّأْوِيل الْمَذْكُور. قلت: قَالَ اتعالى فِي سُورَة الْمَائِدَة: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾ (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) الْآيَة، فَلَو كَانَ إِسْلَام جرير مُتَقَدما على نزُول الْمَائِدَة لاحتمل كَون حَدِيثه فِي مسح الْخُف مَنْسُوخا بِآيَة الْمَائِدَة، فَلَمَّا كَانَ إِسْلَامه مُتَأَخِّرًا علمنَا أَن حَدِيثه يعْمل بِهِ، وَهُوَ مُبين أَن المُرَاد بِآيَة الْمَائِدَة غير صَاحب الْخُف، فَتكون السّنة مخصصة لِلْآيَةِ. وَفِي (سنَن الْبَيْهَقِيّ) : عَن إِبْرَاهِيم بن أدهم رَضِي اعنه، قَالَ: مَا سَمِعت فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ أحسن من حَدِيث جرير رَضِي اعنه، وَقد ورد مؤرخاً بِحجَّة الْوَدَاع فِي حَدِيث الطَّبَرَانِيّ كَمَا ذَكرْنَاهُ.
وَاعْلَم أَنه وَردت فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ عدَّة أَحَادِيث تبلغ التَّوَاتُر على رَأْي كثير من الْعلمَاء. قَالَ الْمَيْمُونِيّ: عَن أَحْمد: فِيهَا سَبْعَة وَثَلَاثُونَ صحابياً. وَفِي رِوَايَة الْحسن بن مُحَمَّد عَنهُ: أَرْبَعُونَ، كَذَا قَالَه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: أحد وَأَرْبَعُونَ صحابياً. وَفِي (الْأَشْرَاف) عَن الْحسن: حَدثنِي بِهِ سَبْعُونَ صحابياً. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: مسح على الْخُفَّيْنِ سَائِر أهل بدر وَالْحُدَيْبِيَة، وَغَيرهم من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَسَائِر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وفقهاء الْأَمْصَار وَعَامة أهل الْعلم والأثر، وَلَا يُنكره إلَاّ مخذول مُبْتَدع خَارج عَن جمَاعَة الْمُسلمين. وَفِي (الْبَدَائِع) : الْمسْح على الْخُفَّيْنِ جَائِز عِنْد عَامَّة الْفُقَهَاء وَعَامة الصَّحَابَة إلَاّ مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: إِنَّه لَا يجوز، وَهُوَ قَول الرافضة. ثمَّ قَالَ: رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ:
стр. 1064
أدْركْت سبعين بَدْرِيًّا من الصَّحَابَة رَضِي اتعالى عَنْهُم، كلهم يرَوْنَ الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، وَلِهَذَا رَآهُ أَبُو حنيفَة من شَرَائِط السّنة وَالْجَمَاعَة، فَقَالَ: مِنْهَا أَن تفضل الشَّيْخَيْنِ، وتحب الختنين، وَترى الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، وَأَن لَا تحرم نَبِيذ الْجَرّ يَعْنِي المثلث. وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: مَا قلت بِالْمَسْحِ حَتَّى جَاءَنِي مثل ضوء النَّهَار، فَكَانَ الْجُحُود ردا على كبار الصَّحَابَة، ونسبته إيَّاهُم إِلَى الْخَطَأ فَكَانَ بِدعَة، وَلِهَذَا قَالَ الْكَرْخِي: أَخَاف الْكفْر على من لَا يرى الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز الْبَوْل بمشهد الرجل وَإِن كَانَت السّنة الاستتار عَنهُ. وَفِيه: الْمسْح على الْخُفَّيْنِ جَائِز، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. وَفِيه: الْإِعْجَاب بِبَقَاء حكم من الْأَحْكَام، وَهُوَ يدل على عدم النّسخ، وَقَالَ ابْن بطال: وَهَذَا الْبَاب كالباب الَّذِي قبله فِي أَن الْخُف لَو كَانَ فِيهِ قذر فَحكمه حكم النَّعْل.
٦٢ - (بابٌ إذَا لَمْ يُتِم السُّجُودَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي حكم الْمُصَلِّي إِذا لم يتم سُجُوده فِي صلَاته، يَعْنِي أَنه: لَا يجوز لترتب الْوَعيد الشَّديد فِي حَقه. هَذَا الْبَاب، وَالْبَاب الَّذِي يَلِيهِ لم يقعا هَهُنَا أصلا عِنْد الْمُسْتَمْلِي، لِأَن مَحلهمَا فِي أَبْوَاب صفة الْوضُوء، وَإِنَّمَا وَقعا عِنْد الْأصيلِيّ، وَلَكِن قبل بَاب الصَّلَاة فِي النِّعَال، وَقَالَ بَعضهم: إِعَادَة هَاتين الترجمتين هُنَا، وَفِي بَاب السُّجُود، الْحمل فِيهِ عِنْدِي على النساخ بِدَلِيل سَلامَة رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي من ذَلِك وَهُوَ أحفظهم. قلت: تكْرَار هَذَا الْبَاب وإعادته لَهُ وَجه، لِأَن عَادَته التّكْرَار عِنْد وجود الْفَائِدَة، وَهِي مَوْجُودَة فِيهِ لِأَنَّهُ ترْجم هُنَا بقوله: (بَاب إِذا لم يتم السُّجُود) ، وَهُنَاكَ ترْجم بقوله: (بَاب إِذا لم يتم الرُّكُوع) . وَشَيْخه هُنَا: الصَّلْت ابْن مُحَمَّد يروي عَن مهْدي عَن وَاصل عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة أَنه رأى رجلا ... وَهُنَاكَ شَيْخه: حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان، قَالَ: سَمِعت زيد بن وهب، قَالَ: رأى حُذَيْفَة رجلا. وَفِي بَقِيَّة الْمَتْن أَيْضا تغاير. وَأما الْبَاب الثَّانِي فَلَيْسَ لذكره مَحل هَهُنَا، لِأَنَّهُ كَمَا هُوَ مَذْكُور هَهُنَا مَذْكُور هُنَاكَ، كَذَلِك: تَرْجَمَة ورواةً ومتناً.
فَإِن قلت: على مَا ذكره الْأصيلِيّ: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين بَاب السُّجُود على الثَّوْب فِي شدَّة الْحر؟ قلت: ظَاهر، لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا فِي حكم السُّجُود.
٥٥ - (أخبرنَا الصَّلْت بن مُحَمَّد أخبرنَا مهْدي عَن وَاصل عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة أَنه رأى رجلا لَا يتم رُكُوعه وَلَا سُجُوده فَلَمَّا قضى صلَاته قَالَ لَهُ حُذَيْفَة مَا صليت قَالَ وَأَحْسبهُ قَالَ لَو مت مت على غير سنة مُحَمَّد ﷺ َ -)
стр. 1065
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول الصَّلْت بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الخاركي الْبَصْرِيّ ونسبته إِلَى خارك بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَالْكَاف وَهُوَ من سواحل الْبَصْرَة. الثَّانِي مهْدي بِلَفْظ الْمَفْعُول ابْن مَيْمُون أَبُو يحيى الْأَزْدِيّ مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة. الثَّالِث وَاصل بن حبَان الأحدب. الرَّابِع أَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. الْخَامِس حُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي النّصْف الأول بَصرِي وَالنّصف الثَّانِي كُوفِي وَحَدِيث حُذَيْفَة هَذَا مُعَلّق من إِفْرَاد البُخَارِيّ قَوْله " لَا يتم رُكُوعه " جملَة وَقعت صفة لقَوْله " رجلا " قَوْله " فَلَمَّا قضى صلَاته " أَي فَلَمَّا أدّى صلَاته وَالْقَضَاء يَجِيء بِمَعْنى الْأَدَاء كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض﴾ قَوْله " مَا صليت " قد نفى الصَّلَاة عَنهُ لِأَن الْكل يَنْتَفِي بِانْتِفَاء الْجُزْء فانتفاء إتْمَام الرُّكُوع مُسْتَلْزم لانْتِفَاء الرُّكُوع المستلزم لانْتِفَاء الصَّلَاة وَكَذَا حكم السُّجُود قَوْله " وَأَحْسبهُ " أَي قَالَ أَبُو وَائِل وأحسب حُذَيْفَة قَالَ أَيْضا لَو مت ويروى فِيهِ كسر الْمِيم من مَاتَ يمات وَضمّهَا من مَاتَ يَمُوت وَالْمرَاد من السّنة الطَّرِيقَة المتناولة للْفَرض وَالنَّفْل وَقَالَ ابْن بطال مَا صليت يَعْنِي صَلَاة كَامِلَة وَنفى عَنهُ الْعَمَل لقلَّة التجويد فِيهَا كَمَا تَقول للصانع إِذا لم يجد مَا صنعت شَيْئا تُرِيدُ نفي الْكَمَال وَهُوَ يدل على أَن الطُّمَأْنِينَة سنة (قلت) هَذَا التَّأْوِيل لمن يَدعِي أَن الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود سنة وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعند أبي يُوسُف وَالشَّافِعِيّ فرض على مَا يَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
٧٢ - (بابٌ يُبْدِي ضَبْعَيْهِ ويُجَافِي فِي السجُودِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن السّنة للْمُصَلِّي أَن يُبْدِي ضبعيه. قَوْله: (يُبْدِي) ، بِضَم الْيَاء من الإبداء، وَهُوَ: الْإِظْهَار. قَوْله: (ضبعيه) تَثْنِيَة: ضبع، بِفَتْح الضَّاد وَسُكُون الْبَاء. وَفِي (الموعب) : الضبع مِثَال صقر: الْعَضُد، مُذَكّر وَيُقَال: الْإِبِط. وَقيل: مَا بَين الْإِبِط إِلَى نصف الْعَضُد من أَعْلَاهُ. وَفِي (الْمُخَصّص) : قيل: الضبع هُوَ إِذا أدخلت يدك تَحت إبطَيْهِ من خَلفه واحتملته، والعضد يذكر وَيُؤَنث. وَفِي (الْمُحكم) : الضبع يكون للْإنْسَان وَغَيره. وَفِي (الْجَامِع) ، للقزاز و (الجمهرة) لِابْنِ دُرَيْد: الضبعان رَأس الْمَنْكِبَيْنِ، الْوَاحِد ضبع، سَاكن الْبَاء. وَفِي (الْجَامِع) و (الصِّحَاح) : الْجمع أضباع. وَقَالَ السفاقسي: الضبع مَا تَحت الْإِبِط، وَمعنى: يُبْدِي ضبعيه، لَا يلصق عضديه بجنبيه. قَوْله: (ويجافي) أَي: يباعد عضديه عَن جَنْبَيْهِ ويرفعهما عَنْهُمَا، ويجافي: من الْجفَاء، وَهُوَ الْبعد عَن الشَّيْء. يُقَال: جفاه إِذا بعد عَنهُ، وأجفاه إِذا أبعده ويجافي بِمَعْنى يجفي أَي: يبعد جَنْبَيْهِ، وَلَيْسَت المفاعلة هَهُنَا على بَابهَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وسارعوا﴾ (آل عمرَان: ٣٣١) أَي: أَسْرعُوا.
فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ على تَقْدِير ثُبُوت هَذَا الْبَاب هَهُنَا. قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق حكم الطُّمَأْنِينَة فِي السُّجُود، وَهَهُنَا إبداء الضبعين ومجافاة الجنبين فِي السُّجُود، وَكلهَا من أَحْكَام السُّجُود.
٥٦ - (أخبرنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا بكر بن مُضر عَن جَعْفَر عَن ابْن هُرْمُز عَن عبد الله بن مَالك بن بُحَيْنَة أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ إِذا صلى فرج بَين يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُو بَيَاض إبطَيْهِ) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " كَانَ إِذا صلى " لِأَن المُرَاد من قَوْله صلى سجد من قبيل إِطْلَاق الْكل وَإِرَادَة الْجُزْء. وَإِذا فرج بَين يَدَيْهِ لَا بُد من إبداء ضبعيه والمجافاة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة يحيى بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَبكر بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مُضر بِضَم الْمِيم وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وروى غير منصرف للعلمية وَالْعدْل مثل عمر وَقَالَ الْكرْمَانِي أما بِاعْتِبَار العجمة (قلت) هَذَا بعيد لِأَنَّهُ لفظ عَرَبِيّ خَالص من مُضر اللَّبن يمضر مضورا وَهُوَ الَّذِي يحذي اللِّسَان قبل أَن يروب وَقَالَ أَبُو عبيد قَالَ أَبُو الْوَلِيد اسْم مُضر مُشْتَقّ مِنْهُ وَهُوَ مُضر بن نزار بن معد بن عدنان وجعفر هُوَ ابْن ربيعَة بن شُرَحْبِيل الْمصْرِيّ توفّي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَابْن هُرْمُز بِضَم الْهَاء وَالْمِيم هُوَ عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج الْمَشْهُور بالرواية عَن أبي هُرَيْرَة وَعبد الله بن مَالك بن القشب بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وبالباء الْمُوَحدَة الْأَزْدِيّ وبحينة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون وَهُوَ اسْم أم عبد الله فَهُوَ مَنْسُوب إِلَى الْوَالِدين أسلم قَدِيما وَصَحب النَّبِي ﷺ َ - وَكَانَ ناسكا فَاضلا يَصُوم الدَّهْر مَاتَ زمن مُعَاوِيَة وَقَالَ النَّوَوِيّ الصَّوَاب فِيهِ أَن ينون مَالك
стр. 1066
وَيكْتب ابْن بِالْألف لِأَن ابْن بُحَيْنَة لَيْسَ صفة لمَالِك بل صفة لعبد الله اسْم أَبِيه مَالك وَاسم أمه بُحَيْنَة فبحينة امْرَأَة مَالك وَأم عبد الله فَلَيْسَ الابْن وَاقعا بَين علمين متناسبين (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين مصري ومدني. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صفة النَّبِي ﷺ َ - عَن قُتَيْبَة عَن بكر بن مُضر وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن عَمْرو بن سَواد عَن ابْن وهب وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ وَمَا اخْتلف من أَلْفَاظه) قَوْله " فرج بَين يَدَيْهِ " مَعْنَاهُ فرج بَين يَدَيْهِ وجنبيه وَفرج الله الْغم بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَهُوَ من بَاب ضرب يضْرب وَهُوَ لفظ مُشْتَرك بَين الْفرج الْعَوْرَة والثغر وَمَوْضِع المخافة وَالْحكمَة فِيهِ أَنه أشبه بالتواضع وأبلغ فِي تَمْكِين الْجَبْهَة من الأَرْض وَأبْعد من هيئات الكسالى قَوْله " بَين يَدَيْهِ " على حَقِيقَته يَعْنِي قدامه وَأَرَادَ يبعد قدامه من الأَرْض حَتَّى يَبْدُو بَيَاض إبطَيْهِ وَيُؤَيّد هَذَا مَا فِي رِوَايَة مُسلم " إِذا سجد يجنح فِي سُجُوده حَتَّى يرى وضح إبطَيْهِ " وَفِي رِوَايَة اللَّيْث " كَانَ إِذا سجد فرج يَدَيْهِ عَن إبطَيْهِ حَتَّى أَنِّي لأرى بَيَاض إبطَيْهِ " وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث مَيْمُونَة " كَانَ ﷺ َ - إِذا سجد لَو شَاءَت بهمة أَن تمر بَين يَدَيْهِ لمرت " وَفِي رِوَايَة " خوى بيدَيْهِ " يَعْنِي جنح " حَتَّى يرى وضح إبطَيْهِ من وَرَائه " وَعند التِّرْمِذِيّ محسنا وَعند الْحَاكِم مصححا عَن عبد الله بن أقرم فَكنت أنظر إِلَى عفرتي إبطَيْهِ ﷺ َ - إِذا سجد وَعند الْحَاكِم مصححا عَن ابْن عَبَّاس " أتيت النَّبِي ﷺ َ - من خَلفه فَرَأَيْت بَيَاض إبطَيْهِ وَهُوَ مجخ قد فرج يَدَيْهِ " وَعند الدَّارَقُطْنِيّ ملزما للْبُخَارِيّ تَخْرِيجه عَن أَحْمد بن جُزْء أَنه قَالَ " كُنَّا لنأوي لرَسُول الله ﷺ َ - مِمَّا يُجَافِي مرفقيه عَن جَنْبَيْهِ إِذا سجد " وَعند أَحْمد وَصَححهُ أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ وَابْن خُزَيْمَة عَن جَابر " كَانَ النَّبِي ﷺ َ - إِذا سجد جافى حَتَّى يرى بَيَاض إبطَيْهِ " وَعند ابْن خُزَيْمَة عَن عدي بن عميرَة " كَانَ النَّبِي ﷺ َ - إِذا سجد يرى بَيَاض إبطَيْهِ " وَفِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة أَيْضا عَن الْبَراء " كَانَ النَّبِي ﷺ َ - إِذا سجد جنح " وَعند الْحَاكِم على شَرطهمَا عَن أبي هُرَيْرَة " إِذا سجد يرى وضح إبطَيْهِ " وَعند مُسلم من حَدِيث أبي حميد فِي عشرَة من الصَّحَابَة " إِذا سجد جافى بَين يَدَيْهِ " وَعند أبي دَاوُد عَن أبي مَسْعُود وَوصف صلَاته ﷺ َ - وَفِيه " ثمَّ جافى بَين مرفقيه حَتَّى اسْتَقر كل شَيْء مِنْهُ " قَوْله " يجنح " من التجنيح وَهُوَ أَن يرفع ساعديه فِي السُّجُود عَن الأَرْض فيصيران لَهُ مثل جناحي الطير فَكَذَلِك التجنح قَوْله " وضح إبطَيْهِ " أَي بياضهما وَهُوَ بِفَتْح الْوَاو وَالضَّاد الْمُعْجَمَة قَوْله " بهمة " بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة قَالَ الْجَوْهَرِي البهمة من أَوْلَاد الضَّأْن خَاصَّة وَتطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى والسخال أَوْلَاد المعزى وَقَالَ أَبُو عبيد وَغَيره البهمة وَاحِد البهم وَهِي أَوْلَاد الْغنم من الذُّكُور وَالْإِنَاث وَجمع البهم البهام بِكَسْر الْبَاء وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ بَهِيمَة بالصغير وَقيل هُوَ الصَّوَاب وَفتح الْبَاء خطأ قَوْله " خوى " بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْوَاو الْمَفْتُوحَة أَي جافى بَطْنه عَن الأَرْض ورفعها وجافى عضديه عَن جَنْبَيْهِ حَتَّى يخوى مَا بَين ذَلِك قَوْله " مجخ " بِضَم الْمِيم وَكسر الْجِيم وبالخاء الْمُعْجَمَة الْمُشَدّدَة من جخ بِفَتْح الْجِيم وَالْخَاء الْمُعْجَمَة الْمُشَدّدَة إِذا فتح عضديه عَن جَنْبَيْهِ ويروى جخي بِالْيَاءِ وَهُوَ أشهر وَهُوَ مثل جخ وَقيل كَانَ إِذا صلى جخ يَعْنِي تحول من مَكَان إِلَى مَكَان قَوْله " لنأوى " أَي نرق لَهُ ونرثي يُقَال أويت الرجل أَوَى لَهُ إِذا أَصَابَهُ شَيْء فرثيت لَهُ والعفرة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء الْبيَاض وَزعم أَبُو نعيم فِي دَلَائِل النُّبُوَّة أَن بَيَاض إبطَيْهِ ﷺ َ - من عَلَامَات نبوته (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) فِيهِ التَّفْرِيج بَين يَدَيْهِ وَهُوَ سنة للرِّجَال وَالْمَرْأَة وَالْخُنْثَى تضمان لِأَن الْمَطْلُوب فِي حَقّهمَا السّتْر وَحكي عَن بَعضهم أَن السّنة فِي حق النِّسَاء التربع وَبَعْضهمْ خَيرهَا بَين الانفراج والانضمام وَقَالَ ابْن بطال وشرعت المجافاة فِي الْمرْفق ليخف على الأَرْض وَلَا يثقل عَلَيْهَا كَمَا روى أَبُو عُبَيْدَة عَن عَطاء أَنه قَالَ خففوا على الأَرْض وَفِي المُصَنّف وَمِمَّنْ كَانَ يُجَافِي أنس بن مَالك وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَقَالَهُ الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم وَعلي بن أبي طَالب قَالَ وَمِمَّنْ رخص أَن يعْتَمد الْمُصَلِّي بمرفقيه أَبُو ذَر وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن سِيرِين وَقيس بن سعد قَالَ وَحدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن سمي عَن النُّعْمَان
стр. 1067
ابْن أبي عَيَّاش قَالَ " شَكَوْنَا إِلَى النَّبِي ﷺ َ - الْإِدْغَام والاعتماد فِي الصَّلَاة فَرخص لَهُم أَن يَسْتَعِين الرجل بمرفقيه على رُكْبَتَيْهِ أَو فَخذيهِ " وَعند التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة " أَنه اشْتَكَى أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - مشقة السُّجُود عَلَيْهِم فَقَالَ اسْتَعِينُوا بالركب " وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا وَلَفظه " اشْتَكَى أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - إِلَى النَّبِي ﷺ َ - مشقة السُّجُود عَلَيْهِم إِذا انفرجوا فَقَالَ اسْتَعِينُوا بالركب وَفِي المُصَنّف حَدثنَا يزِيد بن هَارُون عَن ابْن عون قَالَ " قلت لمُحَمد الرجل يسْجد إِذا اعْتمد بمرفقيه على رُكْبَتَيْهِ قَالَ مَا أعلم بِهِ بَأْسا حَدثنَا عَاصِم عَن ابْن جريج عَن نَافِع قَالَ كَانَ ابْن عمر يضم يَدَيْهِ إِلَى جَنْبَيْهِ إِذا سجد حَدثنَا ابْن نمير حَدثنَا الْأَعْمَش عَن حبيب قَالَ " سَأَلَ رجل ابْن عمر أَضَع مرفقي على فَخذي إِذا سجدت فَقَالَ اسجد كَيفَ تيَسّر عَلَيْك " حَدثنَا وَكِيع عَن أَبِيه عَن أَشْعَث بن أبي الشعْثَاء عَن قيس بن السكن قَالَ كل ذَلِك قد كَانُوا يَفْعَلُونَ ويضمون ويتجافون كَانَ بَعضهم يضم وَبَعْضهمْ يتجافى. وَفِي الْأُم للشَّافِعِيّ يسن للرجل أَن يُجَافِي مرفقيه عَن جَنْبَيْهِ وَيرْفَع بَطْنه عَن فَخذيهِ وتضم الْمَرْأَة بَعْضهَا إِلَى بعض وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَحكم الْفَرَائِض والنوافل فِي هَذَا سَوَاء
(وَقَالَ اللَّيْث حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة نَحوه) هَذَا التَّعْلِيق أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه فَقَالَ حَدثنَا عَمْرو بن سَواد عَن ابْن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث وَاللَّيْث بن سعد كِلَاهُمَا عَن جَعْفَر بن ربيعَة وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث " إِذا سجد يجنح فِي سُجُوده حَتَّى يرى وضح إبطَيْهِ " وَفِي رِوَايَة اللَّيْث " كَانَ إِذا سجد فرج يَدَيْهِ عَن إبطَيْهِ حَتَّى أَنِّي لأرى بَيَاض إبطَيْهِ " وَقَالَ الْكرْمَانِي وَقَالَ اللَّيْث عطف على بكر أَي حَدثنَا يحيى قَالَ اللَّيْث حَدثنِي جَعْفَر بِلَفْظ التحديث وَمَا روى بكر عَنهُ بطرِيق العنعنة
٨٢ - (بابُ فَضْلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ)
لما فرغ من بَيَان أَحْكَام ستر الْعَوْرَة بأنواعها شرع فِي بَيَان اسْتِقْبَال الْقبْلَة على التَّرْتِيب، لِأَن الَّذِي يُرِيد الشُّرُوع فِي الصَّلَاة يحْتَاج أَولا إِلَى ستر الْعَوْرَة، ثمَّ إِلَى اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَذكر مَا يتبعهَا من أَحْكَام الْمَسَاجِد.
يَسْتَقْبِلُ بِأطْرَافِ رِجْلَيْهِ قالَهُ أبُو حُمَيْدٍ عنِ النبيِّ.
٠ - أَي: يسْتَقْبل الْمُصَلِّي برؤوس أَصَابِع رجلَيْهِ نَحْو الْقبْلَة، هَذَا تَعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل فِي صفة الصَّلَاة، رَوَاهُ أَبُو حميد عَن النَّبِي، وخرجه البُخَارِيّ مُسْندًا فِيمَا بعد فِي بَاب سنة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد، وَجعل هَذِه الْقطعَة تَرْجَمَة لباب آخر فِيمَا بعد، حَيْثُ قَالَ: بَاب يسْتَقْبل الْقبْلَة بأطراف رجلَيْهِ، قَالَ أَبُو حميد عَن النَّبِي، وَاسم أبي حميد: عبد الرَّحْمَن بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، قيل: اسْمه الْمُنْذر، غلبت عَلَيْهِ كنيته، مَاتَ فِي آخر زمن مُعَاوِيَة.
فَإِن قلت: مَا مُطَابقَة هَذِه الْقطعَة للتَّرْجَمَة؟ قلت: إِذا عرف فرض الِاسْتِقْبَال وَعرف فَضله عرفت الْمُطَابقَة؛ أما فَرْضه فَهُوَ توجه الْمُصَلِّي بكليته إِلَى الْقبْلَة، وَأما فَضله فَهُوَ استقباله بِجَمِيعِ مَا يُمكن من أَعْضَائِهِ حَتَّى بأطراف أَصَابِع رجلَيْهِ فِي التَّشَهُّد، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيّ، فَقَالَ: الِاسْتِقْبَال بأطراف أَصَابِع الْقدَم الْقبْلَة عِنْد الْقعُود للتَّشَهُّد، ثمَّ روى حَدِيث عبد ابْن عمر رَضِي اتعالى عَنْهُمَا، قَالَ: من سنة الصَّلَاة أَن تنصب الْقدَم الْيُمْنَى، واستقباله بأصابعها الْقبْلَة وَالْجُلُوس على الْيُسْرَى. وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِذكرِهِ بَيَان مَشْرُوعِيَّة الِاسْتِقْبَال بِجَمِيعِ مَا يُمكن من الْأَعْضَاء. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن التَّرْجَمَة فِي فضل الِاسْتِقْبَال لَا فِي مشروعيته، على مَا لَا يخفى.
١٩٣٧٥ - ح دّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدّثنا ابنُ مَهْدِيَ قَالَ حدّثنا مَنْصُورُ بنُ سَعْدٍ عنْ مَيْمُونِ بنِ سِيَاهٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ قَالَ رسولُ اللَّهِ (مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وأكَلَ ذَبيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسُولِهِ فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ) . (الحَدِيث ١٩٣ طرفاه فِي: ٢٩٣، ٣٩٣) .
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واستقبل قبلتنا) ، بَيَانه أَنه أفرد بِذكر اسْتِقْبَال الْقبْلَة بعد قَوْله: (من صلى
стр. 1068
صَلَاتنَا) مَعَ كَونه دَاخِلا فِيهَا، لِأَنَّهُ من شرائطها، وَذَلِكَ للتّنْبِيه على تَعْظِيم شَأْن الْقبْلَة وَعظم فضل استقبالها، وَهُوَ غير مقتصر على حَالَة الصَّلَاة، بل أَعم من ذَلِك على مَا لَا يخفى.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عَمْرو، بِالْوَاو: ابْن عَبَّاس، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: أَبُو عُثْمَان الْأَهْوَازِي الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الرَّحْمَن بن مهْدي بن حسان أَبُو سعيد الْبَصْرِيّ اللؤْلُؤِي. الثَّالِث: مَنْصُور بن سعد، وَهُوَ صَاحب اللؤْلُؤِي الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: مَيْمُون بن سياه، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف هَاء، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَمَعْنَاهُ: الْأسود، وَيجوز فِيهِ الصّرْف وَمنعه، أما مَنعه فللعلمية والعجمة، وَأما صرفه فلعدم شَرط الْمَنْع، وَهُوَ أَن يكون علما فِي الْعَجم. وَلَفظ: سياه، لَيْسَ بِعلم فِي الْعَجم، فَلذَلِك يكون صرفه أولى. وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ فَارسي، وَقيل: عَرَبِيّ. قلت: قَوْله: وَقيل عَرَبِيّ، غير صَحِيح لعدم تصرف وُجُوه الِاشْتِقَاق فِيهِ. الْخَامِس: أنس بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان عَن حَفْص بن عمر عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ.
ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ وَإِعْرَابه. قَوْله: (من صلى صَلَاتنَا) أَي: صلى كَمَا نصلي، وَلَا يُوجد إلَاّ من معترف بِالتَّوْحِيدِ والنبوة، وَمن اعْترف بنبوة مُحَمَّد فقد اعْترف بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ عَن اتعالى، فَلهَذَا جعل الصَّلَاة علما لإسلامه، وَلم يذكر الشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا داخلتان فِي الصَّلَاة، وَإِنَّمَا ذكر اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَالصَّلَاة متضمنة لَهُ مَشْرُوطَة بِهِ، لِأَن الْقبْلَة أعرف من الصَّلَاة، فَإِن كل أحد يعرف قبلته وَإِن كَانَ لَا يعرف صلَاته، وَلِأَن من أَعمال صَلَاتنَا مَا هُوَ يُوجد فِي صَلَاة غَيرنَا: كالقيام وَالْقِرَاءَة، واستقبال قبلتنا مَخْصُوص بِنَا، ثمَّ لما ذكر من الْعِبَادَات مَا يُمَيّز الْمُسلم من غَيره أعقبه بِذكر مَا يميزه عَادَة وَعبادَة: فَقَالَ: (وَأكل ذبيحتنا) ، فَإِن التَّوَقُّف عَن أكل الذَّبَائِح كَمَا هُوَ من الْعَادَات، فَكَذَلِك هُوَ من الْعِبَادَات الثَّابِتَة فِي كل مِلَّة. قَالَ الطَّيِّبِيّ: وَأَقُول، وَا أعلم، إِذا أجري الْكَلَام على الْيَهُود سهل تعَاطِي عطف الِاسْتِقْبَال على الصَّلَاة بعد الدُّخُول فِيهَا، ويعضده اخْتِصَاص ذكر الذَّبِيحَة، لِأَن الْيَهُود خُصُوصا يمتنعون من أكل ذبيحتنا، وهم الَّذين حِين تحولت الْقبْلَة شنعوا بقَوْلهمْ: ﴿مَا ولاهم عَن قبلتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٤١) أَي: صلوا صَلَاتنَا وَتركُوا الْمُنَازعَة فِي أَمر الْقبْلَة والامتناع عَن أكل الذَّبِيحَة، لِأَنَّهُ من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام، فَلَمَّا ذكر الصَّلَاة عطف مَا كَانَ الْكَلَام فِيهِ وَمَا هُوَ مهتم بِشَأْنِهِ عَلَيْهَا، كَمَا أَنه يجب عَلَيْهِم أَيْضا عِنْد الدُّخُول فِي الْإِسْلَام أَن يقرُّوا بِبُطْلَان مَا يخالفون بِهِ الْمُسلمين فِي الِاعْتِقَاد بعد إقرارهم بِالشَّهَادَتَيْنِ.
قَوْله: (صَلَاتنَا) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، وَهُوَ فِي نفس الْأَمر صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: من صلى صَلَاة كصلاتنا، كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَذَلِك الْمُسلم) ، جَوَاب الشَّرْط، وَذَلِكَ، مُبْتَدأ وَخَبره: الْمُسلم، وَقَوله: (الَّذِي) صفته، وَقَوله: (ذمَّة ا) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره. هُوَ قَوْله: لَهُ، وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول. قَوْله: (ذمَّة ا) ، الذِّمَّة: الْأمان والعهد، وَمَعْنَاهُ فِي أَمَان اوضمانه، وَيجوز أَن يُرَاد بهَا الذمام وَهُوَ الْحُرْمَة. وَيُقَال: الذِّمَّة الْحُرْمَة أَيْضا. قَالَ الْقَزاز: الذمام كل حُرْمَة تلزمك مِنْهَا مذمة، تَقول: ألزمني لفُلَان ذمام وَذمَّة ومذمة، هَذَا بِكَسْر الذَّال، وَكَذَا لزمتني لَهُ ذمَامَة، مَفْتُوح الأول. وَفِي (الْمُحكم) : الذمام والمذمة: الْحق، وَالْجمع: أذمة، والذمة: الْعَهْد وَالْكَفَالَة، وَالْجمع: ذمم، وَفِي (الغريبين) : قَالَ ابْن عَرَفَة: الذِّمَّة الضَّمَان وَبِه سمي أهل الذِّمَّة لدخولهم فِي ضَمَان الْمُسلمين. قَالَ الْأَزْهَرِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إلاًّ وَلَا ذمَّة﴾ أَي: وَلَا أَمَانًا. قَوْله: (فَلَا تخفروا ا) ، قَالَ ثَعْلَب فِي (فصيحه) : خفرت الرجل إِذا أجرته وأخفرته إِذا نقضت عَهده. وَقَالَ كرَاع فِي (الْمُجَرّد) وَابْن القطاع فِي كتاب (الْأَفْعَال) أخفرته بعثت مَعَه خفيراً، وَقَالَ الْقَزاز، خفر فلَان بفلان وأخفره إِذا غدر بِهِ، وَقَالَ ابْن سَيّده: خفره خفراً وخفراً وأخفره: نقض عَهده وغدره، وأخفر الذِّمَّة: لم يَفِ بهَا. قلت: لَا تخفروا، بِضَم التَّاء من الإخفار، والهمزة فِيهِ للسلب، أَي: لسلب الْفَاعِل عَن الْمَفْعُول أصل الْفِعْل نَحْو أشكيته، أَي: أزلت شكايته، وَكَذَلِكَ: أخفرته، أَي: أزلت خفارته. وَقَالَ الْخطابِيّ: فَلَا تخفروا ا، مَعْنَاهُ: وَلَا تخونوا افي تَضْييع حق من هَذَا سَبيله، وَإِنَّمَا اكْتفى فِي النَّهْي بِذِمَّة اوحده، وَلم يذكر الرَّسُول كَمَا ذكر أَولا، لِأَنَّهُ ذكر الأَصْل لحُصُول الْمَقْصُود بِهِ ولاستلزامه عدم إخفاره ذمَّة الرَّسُول، وَأما ذكره أَولا فللتأكيد وَتَحْقِيق عصمته مُطلقًا، وَالضَّمِير فِي ذمَّته يرجع إِلَى الْمُسلم أَو إِلَى اتعالى، فَافْهَم.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: فِيهِ: أَن أُمُور النَّاس مَحْمُولَة على الظَّاهِر دون بَاطِنهَا، فَمن أظهر شَعَائِر الدّين أجريت عَلَيْهِ أَحْكَام أَهله مَا لم يظْهر مِنْهُ خلاف ذَلِك، فَإِذا دخل رجل غَرِيب فِي بلد من بِلَاد الْمُسلمين بدين أَو مَذْهَب فِي الْبَاطِن
стр. 1069
غير أَنه عَلَيْهِ زِيّ الْمُسلمين حمل على ظَاهر أمره على أَنه مُسلم حَتَّى يظْهر خلاف ذَلِك. وَفِيه: مَا يدل على تَعْظِيم شان الْقبْلَة، وَهِي من فَرَائض الصَّلَاة، وَالصَّلَاة أعظم قربات الدّين، وَمن ترك الْقبْلَة مُتَعَمدا فَلَا صَلَاة لَهُ، وَمن لَا صَلَاة لَهُ فَلَا دين لَهُ. وَفِيه: أَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة شَرط للصَّلَاة مُطلقًا، إلَاّ فِي حَالَة الْخَوْف، ثمَّ من كَانَ بِمَكَّة شرفها اتعالى فالفرض فِي حَقه إِصَابَة عينهَا سَوَاء كَانَ بَين الْمُصَلِّي وَبَين الْكَعْبَة حَائِل بجدار أَو لم يكن، حَتَّى لَو اجْتهد وَصلى فَبَان خَطؤُهُ، فَقَالَ الرَّازِيّ: يُعِيد، وَنقل ابْن رستم عَن مُحَمَّد بن الْحسن: لَا يُعِيد إِذا بَان خَطؤُهُ بِمَكَّة أَو بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: وَهُوَ الأقيس لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وَسعه، وَذكر أَبُو الْبَقَاء أَن جِبْرِيل ﵊ وضع محراب رَسُول الله مسامت الْكَعْبَة، وَقيل: كَانَ ذَلِك بالمعاينة، بِأَن كشف الْحَال وأزيلت الحوائل، فَرَأى رَسُول الله الْكَعْبَة فَوضع قبْلَة مَسْجده عَلَيْهَا، وَأما من كَانَ غَائِبا عَن الْكَعْبَة ففرضه جِهَة الْكَعْبَة لَا عينهَا، وَهُوَ قَول الْكَرْخِي وَأبي بكر الرَّازِيّ وَعَامة مَشَايِخ الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ أَبُو عبد االجرجاني، شيخ أبي الْحسن الْقَدُورِيّ الْفَرْض إِصَابَة عينهَا فِي حق الْحَاضِر وَالْغَائِب، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي. قَالَ النوووي: الصَّحِيح عَن الشَّافِعِي فرض الْمُجْتَهد مطلوبية عينهَا. وَفِي تعلم أَدِلَّة الْقبْلَة ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه فرض كِفَايَة. الثَّانِي: فرض عين وَلَا يَصح. الثَّالِث: فرض كِفَايَة إلَاّ أَن يُرِيد سفرا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) : وَالَّذِي رُوِيَ مَرْفُوعا: (الْكَعْبَة قبْلَة من يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، وَالْمَسْجِد الْحَرَام قبْلَة أهل مَكَّة مِمَّن يُصَلِّي فِي بَيته أَو فِي الْبَطْحَاء، وَمَكَّة قبْلَة أهل الْحرم، وَالْحرم قبْلَة لأهل الْآفَاق) . فَهُوَ حَدِيث ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ. وَفِيه: أَن من جملَة الشواهد بِحَال الْمُسلم أكل ذَبِيحَة الْمُسلمين، وَذَلِكَ أَن طوائف من الكتابيين والوثنيين يتحرجون من أكل ذَبَائِح الْمُسلمين، والوثني الَّذِي يعبد الوثن أَي الصَّنَم.
٢٩٣٨٥ - ح دّثنا نُعَيْمٌ قَالَ حدّثنا ابنُ المبارَك عِنْ حُمَيْدِ الطَّوِيل عنْ أنسَ بن مالكٍ قَالَ قَالَ رَسُول الله أَمرتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقولوا لَا إلَهَ إِلَاّ اللَّهُ فإِذَا قالُوها وصَلَّوْا صَلَاتَنا واسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا فَقَدْ حَرُمَتْ عَليْنا دِماؤُهُمْ وأمْوالُهُمْ إلَاّ بِحَقِّها وحسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ. .
حَدِيث أنس هَذَا أخرجه البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب من ثَلَاثَة أوجه. الأول: مُسْند عَن عَمْرو بن عَبَّاس الخ، وَقد مر. وَالثَّانِي: فِيهِ خلاف بَين الروَاة من أَرْبَعَة أوجه. الأول: حَدثهُ البُخَارِيّ عَن نعيم بن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ، ونعيم خرجه مُعَلّقا من حَيْثُ قَالَ: قَالَ ابْن الْمُبَارك، وَهُوَ عبد ابْن الْمُبَارك، وَهَذَا هُوَ الْمَذْكُور فِي نسختنا. الثَّانِي: قَالَ ابْن شَاكر رَاوِي البُخَارِيّ عَنهُ: قَالَ نعيم بن حَمَّاد: فَالْبُخَارِي علقه. وَالثَّالِث: رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، قَالَ ابْن الْمُبَارك بِغَيْر ذكر نعيم: فَالْبُخَارِي أَيْضا علقه. وَالرَّابِع: وَقع مُسْندًا حَيْثُ قَالَ فِي بعض النّسخ: حدّثنا نعيم حدّثنا ابْن الْمُبَارك ... الخ. وَالثَّالِث من الْأَوْجه: الَّتِي ذكرهَا البُخَارِيّ: مُعَلّق مَوْقُوف على مَا يَأْتِي عَن قريب.
وَأخرج أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث فِي الْجِهَاد وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن سعيد بن يَعْقُوب عَن ابْن الْمُبَارك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُحَاربَة عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن حبَان عَن ابْن الْمُبَارك.
قَوْله: (أمرت) أَي: أَمرنِي اتعالى، وَإِنَّمَا طوى ذكر الْفَاعِل لشهرته ولتعظيمه. قَوْله: (أَن أقَاتل النَّاس) أَي: بِأَن أقَاتل، وكملة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَأَرَادَ بِالنَّاسِ: الْمُشْركين. قَوْله: (حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إلَاّ ا) ، إِنَّمَا اكْتفى بِذكر هَذَا الشَّرْط من غير انضمام: مُحَمَّد رَسُول ا، لِأَنَّهُ عبر على طَرِيق الْكِنَايَة عَن الْإِقْرَار برسالته بِالصَّلَاةِ والاستقبال وَالذّبْح، لِأَن هَذِه الثَّلَاثَة من خَواص دينه، لِأَن الْقَائِلين: لَا إِلَه إِلَّا ا، كاليهود فصلاتهم بِدُونِ الرُّكُوع، وقبلتهم غير الْكَعْبَة، وذبيحتهم لَيست كذبيحتنا. وَقد يُجَاب بِأَن هَذَا الشَّرْط الأول من كلمة الشَّهَادَة شعار لمجموعها، كَمَا يُقَال قَرَأت: ﴿ألم ذَلِك الْكتاب﴾ (الْبَقَرَة: ١ ٢) وَالْمرَاد كل السُّورَة، لَا يُقَال: فعلى هَذَا لَا يحْتَاج إِلَى الْأُمُور الثَّلَاثَة، لِأَن مُجَرّد هَذِه الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ شعار الْإِسْلَام مُحرمَة للدماء وَالْأَمْوَال، لأَنا نقُول: الْغَرَض مِنْهُ بَيَان تَحْقِيق القَوْل بِالْفِعْلِ وتأكيد أمره، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا قالوها وحققوا مَعْنَاهَا بموافقة الْفِعْل لَهَا فَتكون مُحرمَة. وَأما تَخْصِيص هَذِه الثَّلَاثَة من بَين سَائِر الْأَركان وواجبات الدّين فلكونها أظهرها وَأَعْظَمهَا وأسرعها علما بهَا، إِذْ فِي الْيَوْم الأول من الملاقاة مَعَ الشَّخْص يعلم صلَاته وَطَعَامه، غَالِبا، بِخِلَاف نَحْو الصَّوْم فَإِنَّهُ لَا يظْهر الامتياز بَيْننَا وَبينهمْ بِهِ وَنَحْو الْحَج فَإِنَّهُ قد يتَأَخَّر إِلَى شهور وسنين، وَقد لَا يجب عَلَيْهِ أصلا. قَوْله: (وذبحوا ذبيحتنا) أَي: ذَبَحُوا الْمَذْبُوح مثل مذبوحنا،
стр. 1070
والذبيحة على وزن: فعيلة بِمَعْنى: الْمَذْبُوح. فَإِن قلت: فعيل: إِذا كَانَ بِمَعْنى الْمَفْعُول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث فَلَا تدخله التَّاء. قلت: لما زَالَ عَنهُ معنى الوصفية وغلبت الإسمية عَلَيْهِ واستوى فِيهِ الْمُذكر والمؤنث فدخله التَّاء، وَقد يُقَال: إِن الاسْتوَاء فِيهِ عِنْد ذكر الْمَوْصُوف مَعَه، وَأما إِذا انْفَرد عَنهُ فَلَا. قَوْله: (إِلَّا بِحَقِّهَا) . أَي: إلَاّ بِحَق الدِّمَاء وَالْأَمْوَال، وَفِي حَدِيث ابْن عمر: (فَإِذا فعلوا ذَلِك عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إلَاّ بِحَق الْإِسْلَام) . قَوْله: (وحسابهم على ا) ، على سَبِيل التَّشْبِيه أَي: هُوَ كالواجب على افي تحقق الْوُقُوع، وإلَاّ فَلَا يجب على اشيء، وَكَانَ الأَصْل فِيهِ أَن يُقَال: وحسابهم أَو إِلَى ا، وَقد مر تَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب مُسْتَوفى فِي بَاب ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ (التَّوْبَة: ٥، ١١) .
وقالَ عَلِيُّ بنُ عبْدِ اللَّهِ حدّثنا خالِدُ بنُ الْحَارِثِ قَالَ حدّثنا حُمَيْدٌ قَالَ سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ أنَسَ بْنَ مالِكٍ قَالَ يَا أَبَا حَمْزَةَ وَمَا يُحَرِّمُ دَمَ الْعَبْدِ ومالَهُ فَقَالَ مَنْ شَهِدَ أنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلَاتَنا وأكَلَ ذَبِيحَتَنا فَهْوَ الْمُسْلِمُ لهُ مَا لِلْمُسْلِمِ وعلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ.
هَذَا مُعَلّق وَمَوْقُوف أما التَّعْلِيق فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ عَليّ بن عبد اهو ابْن الْمَدِينِيّ. وفاعل قَالَ الأول: هُوَ: البُخَارِيّ، وفاعل قَالَ الثَّانِي: ظَاهر وَهُوَ شَيْخه عَليّ بن الْمَدِينِيّ. وَأما الْوَقْف فَإِن أنسا لم يرفعهُ. قَوْله: (يَا با حَمْزَة) أَصله: يَا أَبَا حَمْزَة، فحذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف، وَأَبُو حَمْزَة كنية أنس. قَوْله: (وَمَا يحرم؟) ، بِالتَّشْدِيدِ من التَّحْرِيم، وَكلمَة: مَا، استفهامية. فَإِن قلت: و: مَا يحرم، عطف على: مَاذَا؟ قلت: على شَيْء مَحْذُوف كَأَنَّهُ سَأَلَ عَن شَيْء قبل هَذَا، ثمَّ قَالَ: وَمَا يحرم، وَلم تقع: الْوَاو، فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة. وَقَالَ بَعضهم: الْوَاو استئنافية. قلت: الِاسْتِئْنَاف كَلَام مُبْتَدأ فعلى هَذَا لَا يبْقى مقول لقَالَ، فَيحْتَاج إِلَى تَقْدِير. فَإِن قلت: الْجَواب: يَنْبَغِي أَن يكون مطابقاً للسؤال، وَالسُّؤَال هُنَا عَن سَبَب التَّحْرِيم، فَالْجَوَاب كَيفَ يطابقه؟ قلت: الْمُطَابقَة ظَاهِرَة لِأَن قَوْله: من شهد، الخ هُوَ الْجَواب وَزِيَادَة، لِأَنَّهُ لما ذكر الشَّهَادَة وَمَا عطف عَلَيْهَا علم أَن الَّذِي يفعل هَذَا هُوَ الْمُسلم، وَالْمُسلم يحرم دَمه وَمَاله إِلَّا بِحقِّهِ. قَوْله: (لَهُ) أَي: من النَّفْع، و: (عَلَيْهِ) أَي: من الْمضرَّة، والتقديم يُفِيد الْحصْر أَي: لَهُ ذَلِك لَا لغيره.
(٣٩٣) قَالَ ابنُ أبي مَرْيَمَ أخْبَرَنَا يَحْيَى قالَ حدّثنا حُمَيْدٌ قالَ حدّثنا أنَسٌ عنِ النبيِّ.
هَذَا أَيْضا مُعَلّق رَوَاهُ ابْن أبي مَرْيَم، وَهُوَ سعيد بن الحكم الْمصْرِيّ عَن يحيى بن أَيُّوب الغافقي الْمصْرِيّ عَن حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك، وَقد وَصله أَبُو نعيم: حدّثنا أَبُو أَحْمد الْجِرْجَانِيّ حدّثنا، إِبْرَاهِيم بن مُوسَى حدّثنا إِبْرَاهِيم بن هانىء حدّثنا عَمْرو بن الرّبيع (ح) وحدّثنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد حدّثنا أَبُو عرُوبَة حدّثنا عمر بن الْخطاب حدّثنا ابْن أبي مَرْيَم، قَالَا: حدّثنا يحيى بن أَيُّوب أَخْبرنِي حميد سمع أنسا ... فَذكره، وَفِي هَذَا فَائِدَة وَهِي: تَصْرِيح حميد بِسَمَاعِهِ إِيَّاه من أنس، وَلَكِن طعن فِيهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَقَالَ: الحَدِيث حَدِيث مَيْمُون وَإِنَّمَا سَمعه حميد مِنْهُ، وَلَا يحْتَج بِيَحْيَى بن أَيُّوب فِي قَوْله: عَن حميد حدّثنا أنس قَالَ، وَيدل على ذَلِك مَا أخبرنَا يحيى بن مُحَمَّد بن البحتري حدّثنا عبيد ابْن معَاذ حدّثنا أبي عَن حميد عَن مَيْمُون، قَالَ: (سَأَلت أنسا مَا يحرم مَال الْمُسلم وَدَمه؟) الحَدِيث
قلت: رِوَايَة معَاذ لَا دَلِيل فِيهَا على أَن حميدا لم يسمعهُ من أنس، لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون سَمعه من أنس ثمَّ استثبت فِيهِ عَن مَيْمُون، فَكَأَنَّهُ تَارَة يحدث بِهِ عَن أنس لأجل الْعُلُوّ، وَتارَة عَن مَيْمُون للاستثبات، وَقد جرت عَادَة حميد وَغَيره بِهَذِهِ الطَّرِيقَة. فَإِن قلت: جَاءَ عَن أبي هُرَيْرَة: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّا ا، فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا) . وَجَاء عَن ابْن عمر: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّا اويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة، فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ) ، وَجَاء عَن أنس الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب، فَمَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات الثَّلَاث؟ قلت: إِنَّمَا اخْتلفت هَذِه الْأَلْفَاظ فزادت ونقصت لاخْتِلَاف الْأَحْوَال والأوقات الَّتِي وَقعت هَذِه الْأَقْوَال فِيهَا، وَكَانَت أُمُور الشَّرِيعَة تشرع شَيْئا فَشَيْئًا فَخرج كل قَول فِيهَا على شَرط الْمَفْرُوض فِي حِينه، فَصَارَ كل مِنْهَا فِي زَمَانه شرطا لحقن الدَّم وَحُرْمَة المَال، وَلَا مُنَافَاة بَين الرِّوَايَات وَلَا اخْتِلَاف.
стр. 1071
٩٢ - (بابُ قِبْلَةِ أهْلِ المَدِينةِ وأهْلِ الشَّأَمِ والمَشْرِقِ لَيْسَ فِي المَشْرِقِ ولَا فِي المَغْرِبِ قِبْلَة)
هَذَا الْموضع يحْتَاج إِلَى تَحْرِير قوي، فَإِن أَكثر من تصدى لشرحه لم يغنِ شَيْئا بل بَعضهم ركب البعاد وخرط القتاد، فَنَقُول، وبا التَّوْفِيق: إِن قَوْله: بَاب، إِمَّا أَن يُضَاف إِلَى مَا بعده أَو يقطع عَنهُ، وَإِن لَفْظَة: قبْلَة، بعد قَوْله: وَلَا فِي الْمغرب، إِمَّا أَن تكون مَوْجُودَة أَو لَا، وَلكُل وَاحِد من ذَلِك وَجه.
فَفِي الْقطع وَعدم وجود لَفْظَة: قبْلَة، يكون لَفْظَة. بَاب، منوناً على تَقْدِير: هَذَا بَاب. وَيجوز أَن يكون سَاكِنا مثل تعداد الْأَسْمَاء لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بِالْعقدِ والتركيب، وَيكون قَوْله: قبْلَة أهل الْمَدِينَة، الَّذِي هُوَ كَلَام إضافي مُبْتَدأ، أَو، قَوْله: وَأهل الشَّام، بِالْجَرِّ عطفا على الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَوْله: والمشرق، بِالْجَرِّ. وَقَوله: لَيْسَ فِي الْمشرق، خبر الْمُبْتَدَأ. وَلَكِن لَا بُد فِيهِ من تقديرين: أَحدهمَا: أَن يقدر لفظ: قبْلَة، الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأ بِلَفْظ: مُسْتَقْبل أهل الشَّام، لوُجُوب التطابق بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فِي التَّذْكِير والتأنيث. وَالثَّانِي: أَن يؤول لفظ: الْمشرق، بالتشريق، وَلَفظ: الْمغرب، بالتغريب، وَالْعرب تطلق الْمشرق وَالْمغْرب لِمَعْنى التَّشْرِيق والتغريب، قَالَه ثَعْلَب وَأنْشد.
أبعد مغربهم بَغْدَاد ساحتها
وَقَالَ ثَعْلَب: مَعْنَاهُ أبعد تغريبهم؟ فَإِن قلت: لم لم يذكر: الْمغرب، بعد قَوْله: والمشرق، مَعَ أَن الْعلَّة فيهمَا مُشْتَركَة؟ قلت: اكْتفى بذلك عَنهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سرابيل تقيكم الْحر﴾ (النَّحْل: ١٨) أَي: وَالْبرد، وَأما تَخْصِيص الْمشرق فَلِأَن أَكثر بِلَاد الْإِسْلَام فِي جِهَة الْمشرق.
وَأما فِي الْإِضَافَة، وَتَقْدِير وجود لفظ: قبْلَة، بعد قَوْله: وَلَا فِي الْمغرب، فتقديره؛ هَذَا بَاب فِي بَيَان قبْلَة أهل الْمَدِينَة وقبلة أهل الشَّام وقبلة أهل الْمشرق، ثمَّ بَين ذَلِك بِالْجُمْلَةِ الاستئنافية، وَهِي قَوْله: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة، وَلِهَذَا ترك العاطف، وَالْجُمْلَة الاستئنافية فِي الْحَقِيقَة جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر، وَهُوَ أَنه: لما قَالَ: بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة وَأهل الشَّام والمشرق، انتصب سَائل فَقَالَ: كَيفَ قبْلَة هَذِه الْمَوَاضِع؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة. وَقَالَ السفاقسي: يُرِيد أَن قبْلَة هَؤُلَاءِ الْمُسلمين لَيست فِي الْمشرق مِنْهُم وَلَا فِي الْمغرب، بِدَلِيل أَن النَّبِي، أَبَاحَ لَهُم قَضَاء الْحَاجة فِي جِهَة الْمشرق مِنْهُم وَالْمغْرب. قلت: مَعْنَاهُ: الْقبْلَة مَا بَينهمَا، لما روى التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ النَّبِي: (مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة) . ثمَّ قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن غير وَاحِد من أَصْحَاب النَّبِي: مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة، مِنْهُم عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن عمر: (إِذا جعلت الْمغرب عَن يَمِينك والمشرق عَن يسارك فَمَا بَينهمَا قبْلَة إِذا اسْتقْبلت الْقبْلَة) وَقَوله: (مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة) ، لَيْسَ عَاما فِي سَائِر الْبِلَاد، وَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة، وَمَا وَافق قبلتها، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) : وَالْمرَاد، وَا أعلم، أهل الْمَدِينَة. وَمن كَانَت قبلته على سمت أهل الْمَدِينَة. وَقَالَ أَحْمد بن خَالِد الذَّهَبِيّ: قَول عمر بن الْخطاب، رَضِي اتعالى عَنهُ: مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة، قَالَه بِالْمَدِينَةِ، فَمن كَانَت قبلته مثل قبْلَة الْمَدِينَة فَهُوَ من سَعَة مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، ولسائر الْبلدَانِ من السعَة فِي الْقبْلَة مثل ذَلِك بَين الْجنُوب وَالشمَال، وَنَحْو ذَلِك؛ وَقَالَ ابْن بطال: تَفْسِير هَذِه التَّرْجَمَة يَعْنِي: وقبلة مشرق الأَرْض كلهَا إلَاّ مَا قَابل مشرق مَكَّة من الْبِلَاد الَّتِي تكون تَحت الْخط الْمَار عَلَيْهَا من الْمشرق إِلَى الْمغرب، فَحكم مشرق الأَرْض كلهَا كَحكم مشرق أهل الْمَدِينَة وَالشَّام فِي الْأَمر بالانحراف عِنْد الْغَائِط، لأَنهم إِذا شرقوا أَو غربوا لم يستقبلوا الْقبْلَة وَلم يستدبروها. قَالَ: وَأما مَا قَابل مشرق مَكَّة من الْبِلَاد الَّتِي تكون تَحت الْخط الْمَار عَلَيْهَا من مشرقها، إِلَى مغْرِبهَا فَلَا يجوز لَهُم اسْتِعْمَال هَذَا الحَدِيث، وَلَا يَصح لَهُم أَن يشرقوا. وَلَا أَن يغربوا لأَنهم إِذا شرقوا استدبروا الْقبْلَة، وَإِذا غربوا استقبلوها، وَكَذَلِكَ من كَانَ موازياً بمغرب مَكَّة إِن غرب استدبر الْقبْلَة، وَإِن شَرق اسْتَقْبلهَا، وَإِنَّمَا ينحرف إِلَى الْجنُوب أَو الشمَال، فَهَذَا هُوَ تغريبه وتشريقه.
قَالَ: وَتَقْدِير التَّرْجَمَة: بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة وَأهل الشَّام والمشرق وَالْمغْرب لَيْسَ فِي التَّشْرِيق وَلَا فِي التَّغْرِيب يَعْنِي أَنهم عِنْد الانحراف للتشريق والتغريب لَيْسُوا مواجهين للْقبْلَة وَلَا مستدبرين لَهَا.
لقوْلِ النَّبيِّ (لَا تسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا) . هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ النَّسَائِيّ مَوْصُولا. فَقَالَ: أخبرنَا مَنْصُور، قَالَ: حدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَن النَّبِي، قَالَ: (لَا تستقبلوا الْقبْلَة بغائط وَلَا بَوْل وَلَكِن شرقوا أَو غربوا) . وَاحْتج البُخَارِيّ
стр. 1072
بِعُمُوم هَذَا الحَدِيث، وَسوى بَين الصَّحَارِي والأبنية، وَجعله دَلِيلا للتَّرْجَمَة الَّتِي وَضعهَا، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن فِي نفس حَدِيثه الَّذِي ذكره أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) وَالْبُخَارِيّ أَيْضا على مَا يَجِيء الْآن، مَا يدل على عكس مَا أَرَادَهُ وَذَلِكَ أَن أَبَا أَيُّوب رَضِي اتعالى عَنهُ، قَالَ فِي حَدِيثه، (فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض قد بنيت نَحْو الْكَعْبَة، لَكنا ننحرف عَنْهَا، ونستغفر اعز وَجل) . قلت: لَا يرد عَلَيْهِ هَذَا أصلا لِأَن الْمَنْع لأجل تَعْظِيم الْقبْلَة وَهُوَ مَوْجُود فِي الصَّحرَاء والبنيان، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو أَيُّوب: (لَكنا ننحرف عَنْهَا ونستغفر اعز وَجل) ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة، وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَذهب الشَّافِعِي وَمَالك إِلَى أَنه يحرم اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي الصَّحرَاء بالبول وَالْغَائِط، وَلَا يحرم ذَلِك فِي الْبُنيان، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْوضُوء.
٤٩٣٩٥ - ح دّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا سُفْيانُ قَالَ حدّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ عَطاءِ بنِ يَزِيدَ عنْ أبي أيُّوب الأَنْصارِيِّ أنَّ النبيَّ قَالَ: (إِذَا أَتَيْتُمُ الْغائِطَ فَلَا تَسْتَقْبلوا القِبْلَةَ ولَا تَسْتَدْبِرُوها ولَكنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا) قَالَ أبُو أيُّوبَ فَقَدِمْنا الشَّأَمَ فَوَجَدْنا مَراحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى. (انْظُر الحَدِيث ٤٤١) .
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (شرقوا أَو غربوا) لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة، فَإِذا لم تكن فيهمَا قبْلَة يتَوَجَّه المستنجي إِلَيْهَا إِمَّا يشرق وَإِمَّا يغرب.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: عَليّ بن عبد االمديني، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَاسم أبي أَيُّوب خَالِد بن زيد رَضِي اتعالى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي ومدني.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه مُسلم فِيهَا عَن يحيى بن يحيى وَزُهَيْر وَابْن نمير، وَأَبُو دَاوُد فِيهَا أَيْضا عَن مُسَدّد، وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، خمستهم عَن سُفْيَان بِهِ، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ، وَابْن مَاجَه كَذَلِك عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ نَحوه.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (الْغَائِط) ، اسْم للْأَرْض المطمئنة لقَضَاء الْحَاجة. قَوْله: (فقدمنا الشَّام) ، وَهُوَ إقليم مَشْهُور يذكر وَيُؤَنث، وَيُقَال مهموزاً ومسهلاً، وَسميت بسام بن نوح ﵊، لِأَنَّهُ أول من نزلها، فَجعلت السِّين شيناً مُعْجمَة تغييراً للفظ الأعجمي، وَقيل: سميت بذلك لِكَثْرَة قراها وتداني بَعْضهَا من بعض فشبهت بالشامات. قَوْله: (مراحيض) ، بِفَتْح الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة: جمع مرحاض، بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ الْبَيْت الْمُتَّخذ لقَضَاء حَاجَة الْإِنْسَان، أَي: التغوط، قَوْله: (قبل الْكَعْبَة) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: مقابلها. قَوْله: (فننحرف) أَي: عَن جِهَة الْقبْلَة من الانحراف. ويروى: (فنتحرف) من التحرف. قَوْله: (ونستغفر اتعالى) ، قيل: نَسْتَغْفِر الْمَنّ بناها فَإِن الاسْتِغْفَار للمذنبين سنة. وَقيل: نَسْتَغْفِر امن الِاسْتِقْبَال، وَقيل: نَسْتَغْفِر امن ذنُوبه. وَيُقَال: لَعَلَّ أَبَا أَيُّوب لم يبلغهُ حَدِيث ابْن عمر فِي ذَلِك وَلم يره مُخَصّصا. وَحمل مَا رَوَاهُ على الْعُمُوم، وَهَذَا الاسْتِغْفَار لنَفسِهِ لَا للنَّاس على هَذِه الْهَيْئَة. فَإِن قلت: الغالط والساهي لم يفعل إِثْمًا فَلَا حَاجَة فِيهِ إِلَى الاسْتِغْفَار. قلت: أهل الْوَرع والمناصب الْعلية فِي التَّقْوَى قد يَفْعَلُونَ مثل هَذَا بِنَاء على نسبتهم التَّقْصِير إِلَى أنفسهم فِي التحفظ ابْتِدَاء، وَقد مر مَا يستنبط مِنْهُ فِيمَا مضى فِي كتاب الْوضُوء.
وعنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَطاءٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أيُّوبَ عنِ النبيِّ مِثْلَهُ.
قَوْله: (وَعَن الزُّهْرِيّ) عطف على قَوْله: (حدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَيْضا عَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد الْمَذْكُور، سَمِعت أَبَا أَيُّوب. وَفَائِدَة ذكره مكرراً أَن فِي الطّرق الأول عنعن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء عَن أبي أَيُّوب، وَفِي هَذَا الطَّرِيق صرح عَطاء بِالسَّمَاعِ عَن أبي أَيُّوب، وَالسَّمَاع أقوى من العنعنة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: السماع أقوى من العنعنة. وَهِي أقوى من أَن، لَكِن فِيهِ ضعف من جِهَة التَّعْلِيق عَن الزُّهْرِيّ. قلت: الظَّاهِر مَعَ الْكرْمَانِي، وَلَكِن الحَدِيث بِهَذَا
стр. 1073
الطَّرِيق مُسْندًا فِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن سُفْيَان. إِلَى آخِره. وَا أعلم.
٠٣
- (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾
(الْبَقَرَة: ٥٢١) .)
أَي هَذَا بَاب قَول اتعالى إِنَّمَا بوب بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَن فِيهَا بَيَان الْقبْلَة على مَا نذكرهُ، وَهَذَا أَيْضا هُوَ وَجه الْمُنَاسبَة فِي ذكر هَذَا الْبَاب بَين هَذِه الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة هَهُنَا الْمُتَعَلّقَة بالقبلة وأحكامها. قَوْله: (وَاتَّخذُوا) بِلَفْظ الْأَمر على الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَاتَّخذُوا على إِرَادَة القَوْل أَي: وَقُلْنَا: اتَّخذُوا مِنْهُ مَوضِع صَلَاة تصلونَ فِيهِ، وَهُوَ على وَجه الِاخْتِيَار والاستحباب دون الْوُجُوب. وَقَالَ غَيره: وقرىء بِلَفْظ الْمَاضِي عطفا على ﴿جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا وَاتَّخذُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢١) وَقد اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي المُرَاد بالْمقَام مَا هُوَ؟ فَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حدّثنا عَمْرو بن شيبَة النميري حدّثنا أَبُو خلف، يَعْنِي: عبد ابْن عِيسَى، حدّثنا دَاوُد بن أبي هِنْد عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢١) قَالَ: مقَام إِبْرَاهِيم الْحرم كُله، وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعَطَاء مثل ذَلِك. وَقَالَ السّديّ: الْمقَام: الْحجر الَّذِي وَضعته زَوْجَة إِسْمَاعِيل تَحت قدم إِبْرَاهِيم ﵇، حَتَّى غسلت رَأسه، حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ وَضَعفه وَرجح غَيره، وَحَكَاهُ الرَّازِيّ فِي (تَفْسِيره) عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة وَالربيع بن أنس، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حدّثنا الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح حدّثنا عبد الْوَهَّاب بن عَطاء عَن ابْن جريج عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه سمع جَابِرا يحدث عَن حجَّة النَّبِي قَالَ: (لما طَاف النَّبِي قَالَ لَهُ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ: هَذَا مقَام أَبينَا إِبْرَاهِيم ﵇؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أَفلا نتخذه مصلى؟ فَأنْزل اعز وَجل: ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢١) .
وَقَالَ عُثْمَان بن أبي شيبَة: حدّثنا أَبُو أُسَامَة عَن زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي ميسرَة، قَالَ: قَالَ عمر: (قلت: يَا رَسُول اهذا مقَام خَلِيل رَبنَا؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أَفلا نتخذه مصلى؟ فَنزلت: ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢١) . وَقَالَ ابْن مرْدَوَيْه؛ حدّثنا دعْلج بن أَحْمد حدّثنا غيلَان بن عبد الصَّمد حدّثنا مَسْرُوق بن الْمَرْزُبَان حدّثنا زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن أبي إِسْحَاق عَن عَمْرو بن مَيْمُون: (عَن عمر بن الْخطاب أَنه مر بمقام إِبْرَاهِيم ﵇ فَقَالَ: يَا رَسُول األيس تقوم مقَام خَلِيل ا؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: أَفلا نتخذه مصلى؟ فَلم يلبث إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نزلت: (وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى) (الْبَقَرَة: ٥٢١) وَحكى ابْن بطال عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْحَج كُله مقَام إِبْرَاهِيم، وَقَالَ مُجَاهِد: الْحرم كُله مقَام إِبْرَاهِيم، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ قَالَ: هُوَ عَرَفَة وَجمع وَمنى. وَقَالَ عَطاء: مقَام، إِبْرَاهِيم عَرَفَة والمزدلفة والجمار، وَاخْتلفُوا فِي قَوْله: ﴿مصلى﴾ (الْبَقَرَة: ٥٢١) فَقَالَ مُجَاهِد: مدعى، كَأَنَّهُ أَخذه من: صليت، بِمَعْنى: دَعَوْت. وَقَالَ الْحسن؛ قبْلَة، وَقَالَ السّديّ وَقَتَادَة: أمروا أَن يصلوا عِنْده، وَلَا شكّ أَن من صلى إِلَى الْكَعْبَة من غير الْجِهَات الثَّلَاث الَّتِي لَا تقَابل مقَام إِبْرَاهِيم فقد أدّى فَرْضه، فالفرض إِذا الْبَيْت لَا الْمقَام، وَقد صلى الشَّارِع خَارِجهَا، وَقَالَ: هَذِه الْقبْلَة، وَلم يسْتَقْبل الْمقَام حِين صلى داخلها، ثمَّ اسْتقْبل الْمقَام فَإِن الْمقَام إِنَّمَا يكون قبْلَة، إِذا جعله الْمصلى بَينه وَبَين الْقبْلَة.
٦٠ - (حَدثنَا الْحميدِي قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار قَالَ سَأَلنَا ابْن عمر عَن رجل طَاف بِالْبَيْتِ للْعُمْرَة وَلم يطف بَين الصَّفَا والمروة أَيَأتِي امْرَأَته فَقَالَ قدم النَّبِي ﷺ َ - فَطَافَ بِالْبَيْتِ سبعا وَصلى خلف الْمقَام رَكْعَتَيْنِ وَطَاف بَين الصَّفَا والمروة وَقد لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة وَسَأَلنَا جَابر بن عبد الله فَقَالَ لَا يقربنها حَتَّى يطوف بَين الصَّفَا والمروة) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَصلى خلف الْمقَام " (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول الْحميدِي بِضَم الْحَاء وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف واسْمه عبد الله بن الزبير الْقرشِي الْأَسدي أَبُو بكر الْمَكِّيّ ونسبته إِلَى بطن من قُرَيْش يُقَال لَهُ حميد بن زُهَيْر بن الْحَارِث بن أَسد بن عبد الْعُزَّى. الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار الْمَكِّيّ. الرَّابِع عبد الله بن عمر بن الْخطاب. الْخَامِس جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه السُّؤَال فِي موضِعين وَفِيه أَن رُوَاته الثَّلَاثَة مكيون وَلَا يدْخل هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند جَابر لِأَنَّهُ لم يرفعهُ إِنَّمَا هُوَ من مُسْند ابْن عمر قَالَه خلف
стр. 1074
(ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا وَفِي الْحَج عَن الْحميدِي وَفِي الْحَج أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَعلي بن عبد الله فرقهم ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان وَعَن آدم عَن شُعْبَة وَعَن مكي بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن جريج وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن سُفْيَان وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن عبد الله بن حميد عَن مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج وَأخرج النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن مَنْصُور وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ فرقهم ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد وَعَمْرو بن عبد الله كِلَاهُمَا عَن وَكِيع (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " طَاف بِالْبَيْتِ للْعُمْرَة " كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي " طَاف بِالْبَيْتِ للْعُمْرَة " بِحَذْف اللَّام من قَوْله " للْعُمْرَة " وَلَا بُد من تَقْدِيره إِذْ الْمَعْنى لَا يَصح بِدُونِهِ قَوْله " وَلم يطف " أَي لم يسع بَين الصَّفَا والمروة فَأطلق الطّواف على السَّعْي إِمَّا لِأَن السَّعْي نوع من الطّواف وَإِمَّا للمشاكلة ولوقوعه فِي مصاحبة طواف الْبَيْت قَوْله " يَأْتِي امْرَأَته " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستفسار أَي أَيجوزُ لَهُ الْجِمَاع يَعْنِي أحصل لَهُ التَّحَلُّل من الْإِحْرَام قبل السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة أم لَا قَوْله " فَقَالَ " أَي ابْن عمر فِي جَوَابه قدم النَّبِي ﷺ َ - إِلَى آخِره فَأجَاب ابْن عمر بِالْإِشَارَةِ إِلَى وجوب اتِّبَاع النَّبِي ﷺ َ - لَا سِيمَا فِي أَمر الْمَنَاسِك لقَوْله ﷺ َ - " خُذُوا عني مَنَاسِككُم " وَالنَّبِيّ ﷺ َ - مَا تحلل قبل السَّعْي فَيجب التأسي بِهِ وَهُوَ معنى قَوْله " وَقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة " والأسوة بِضَم الْهمزَة وَكسرهَا أَي قدوة قَوْله " لَا يقربنها " جملَة فعلية مضارعية مأكدة بالنُّون الثَّقِيلَة وَهَذَا جَوَاب جَابر بن عبد الله بِصَرِيح النَّهْي عَنهُ وَإِنَّمَا خص إتْيَان الْمَرْأَة بِالذكر وَإِن كَانَ الحكم سَوَاء فِي جَمِيع الْمُحرمَات لِأَن إتْيَان الْمَرْأَة من أعظم الْمُحرمَات (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) فِيهِ أَن السَّعْي وَاجِب فِي الْعمرَة وَهُوَ مَذْهَب الْعلمَاء كَافَّة إِلَّا مَا حَكَاهُ عِيَاض عَن ابْن عَبَّاس أَنه أجَاز التَّحَلُّل بعد الطّواف وَإِن لم يسع وَهُوَ ضَعِيف ومخالف للسّنة. وَفِيه أَن الطّواف لَا بُد فِيهِ من سَبْعَة أَشْوَاط. وَفِيه الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ خلف الْمقَام فَقيل أَنَّهَا سنة وَقيل وَاجِبَة وَقيل تَابِعَة للطَّواف إِن كَانَ الطّواف سنة فَالصَّلَاة سنة وَإِن كَانَ وَاجِبا فَالصَّلَاة وَاجِبَة
٦١ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن سيف قَالَ سَمِعت مُجَاهدًا قَالَ أُتِي ابْن عمر فَقيل لَهُ هَذَا رَسُول الله ﷺ َ - دخل الْكَعْبَة فَقَالَ ابْن عمر فَأَقْبَلت وَالنَّبِيّ ﷺ َ - قد خرج وَأَجد بِلَالًا قَائِما بَين الْبَابَيْنِ فَسَأَلت بِلَالًا فَقلت أصلى النَّبِي ﷺ َ - فِي الْكَعْبَة قَالَ نعم رَكْعَتَيْنِ بَين الساريتين اللَّتَيْنِ على يسَاره إِذا دخلت ثمَّ خرج فصلى فِي وَجه الْكَعْبَة رَكْعَتَيْنِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فصلى فِي وَجه الْكَعْبَة " أَي مواجه بَاب الْكَعْبَة وَهُوَ مقَام إِبْرَاهِيم ﷺ . (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي يحيى الْقطَّان. الثَّالِث سيف بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء ابْن سُلَيْمَان أَو ابْن أبي سُلَيْمَان المَخْزُومِي الْمَكِّيّ ثَبت صَدُوق مَاتَ سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة. الرَّابِع مُجَاهِد الإِمَام الْمُفَسّر تكَرر ذكره. الْخَامِس عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه السماع وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع هُنَا عَن مُسَدّد عَن يحيى وَأخرجه أَيْضا عَن أبي نعيم عَن يحيى عَن سيف وَفِي الْحَج عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن ابْن شهَاب عَن سَالم وَحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ َ - صلى بَين العمودين أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة وَفِي الْأَطْرَاف للمزي فِي الْمَغَازِي عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر وَعَن ابْن
стр. 1075
مُحَمَّد عَن ابْن الْمُبَارك وَعَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن مُحَمَّد بن شُرَيْح بن النُّعْمَان وَفِي الْجِهَاد عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث وَفِي الصَّلَاة عَن أبي النُّعْمَان وقتيبة كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث وَعَن حَرْمَلَة وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي الرّبيع وَعَن ابْن أبي عمر وَعَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن حميد بن مسْعدَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن القعْنبِي وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَعَن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَتَى ابْن عمر " بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " خرج " أَي من الْكَعْبَة قَوْله " وَأَجد " على صِيغَة الْمُتَكَلّم وَحده من الْمُضَارع وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يَقُول وَوجدت بعد قَوْله " فَأَقْبَلت " لكنه عدل عَن الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارع حِكَايَة عَن الْحَال الْمَاضِيَة واستحضارا لتِلْك الْحَالة قَوْله " بِلَالًا " مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول أجد وَقَائِمًا مَنْصُوب لِأَنَّهُ حَال من بِلَال قَوْله " بَين الْبَابَيْنِ " قَالَ الْكرْمَانِي أَي مصارعي الْبَاب إِذا الْكَعْبَة لم يكن لَهَا حِينَئِذٍ إِلَّا بَاب وَاحِد وَأطلق ذَلِك بِاعْتِبَار مَا كَانَ من الْبَابَيْنِ لَهَا فِي زمن إِبْرَاهِيم ﵇ أَو أَنه كَانَ فِي زمَان رِوَايَة الرَّاوِي لَهَا بَابَانِ لِأَن ابْن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ جعل لَهَا بَابَيْنِ وَقَالَ بَعضهم بَين الْبَابَيْنِ أَي المصراعين وَحمله الْكرْمَانِي على حَقِيقَة التَّثْنِيَة وَقَالَ أَرَادَ بِالْبَابِ الثَّانِي الْبَاب الَّذِي لم تفتحه قُرَيْش حِين بنت الْكَعْبَة وَهَذَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون ابْن عمر وجد بِلَالًا فِي وسط الْكَعْبَة وَفِيه بعد (قلت) الْكرْمَانِي فسر قَوْله بَين الْبَابَيْنِ بِثَلَاثَة أوجه فَأخذ هَذَا الْقَائِل الْوَجْه الأول من تَفْسِيره وَلم يعزه إِلَيْهِ ثمَّ نسب إِلَيْهِ مَا لم تشهد بِهِ عِبَارَته لِأَن عبارَة الْكرْمَانِي فِي شَرحه مَا ذكرته الْآن ثمَّ قَالَ وَهَذَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون ابْن عمر وجد بِلَالًا فِي وسط الْكَعْبَة (قلت) هَذِه الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة لِأَن عبارَة الْكَلَام لَا تَقْتَضِي ذَلِك ثمَّ قَالَ وَفِيه بعد (قلت) مَا فِيهِ بعد بل الْبعد فِي الَّذِي اخْتَارَهُ من التَّفْسِير وَهُوَ ظَاهر لَا يخفى فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ " وَأَجد بِلَالًا قَائِما بَين النَّاس " بالنُّون وَالسِّين الْمُهْملَة قَوْله " أصلى النَّبِي ﷺ َ - " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام قَوْله " قَالَ نعم رَكْعَتَيْنِ " أَي نعم صلى رَكْعَتَيْنِ قَوْله " بَين الساريتين " تَثْنِيَة سَارِيَة وَهِي الأسطوانة قَوْله " على يسَاره " الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الدَّاخِل بِقَرِينَة إِذا دخلت وَفِي بعض النّسخ " يسارك " وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسب أَو كَانَ يَقُول إِذا دخل وَوجه الأول أَن يكون من الِالْتِفَات أَو يكون الضَّمِير فِيهِ عَائِدًا إِلَى الْبَيْت قَوْله " ثمَّ خرج " أَي من الْبَيْت قَوْله " فِي وَجه الْكَعْبَة " أَي مواجه بَاب الْكَعْبَة وَهُوَ مقَام إِبْرَاهِيم ﵇ أَو يكون الْمَعْنى فِي جِهَة الْكَعْبَة فَيكون أَعم من جِهَة الْبَاب قَوْله " رَكْعَتَيْنِ " مفعول قَوْله " فصلى " (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) فِيهِ جَوَاز الدُّخُول فِي الْبَيْت وَفِي الْمُغنِي وَيسْتَحب لمن حج أَن يدْخل الْبَيْت وَيُصلي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا فعل النَّبِي ﷺ َ - وَلَا يدْخل الْبَيْت بنعليه وَلَا خفيه وَلَا يدْخل الْحجر أَيْضا لِأَن الْحجر من الْبَيْت. وَفِيه اسْتِحْبَاب الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ فِي الْبَيْت فَإِن بِلَالًا أخبر فِي هَذَا الحَدِيث أَنه ﷺ َ - صلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ النَّوَوِيّ أجمع أهل الحَدِيث على الْأَخْذ بِرِوَايَة بِلَال لِأَنَّهُ مُثبت وَمَعَهُ زِيَادَة علم فَوَجَبَ تَرْجِيحه وَأما نفي من نفى كأسامة فسببه أَنهم لما دخلُوا الْكَعْبَة أغلقوا الْبَاب وَاشْتَغلُوا بِالدُّعَاءِ فَرَأى أُسَامَة النَّبِي ﷺ َ - يَدْعُو فاشتغل هُوَ أَيْضا بِالدُّعَاءِ فِي نَاحيَة من نواحي الْبَيْت وَرَسُول الله ﷺ َ - فِي نَاحيَة أُخْرَى وبلال قريب مِنْهُ ثمَّ صلى النَّبِي ﷺ َ - فَرَآهُ بِلَال بِقُرْبِهِ وَلم يره أُسَامَة لبعده مَعَ خفَّة الصَّلَاة وإغلاق الْبَاب واشتغاله بِالدُّعَاءِ وَجَاز لَهُ نَفيهَا عملا بظنه وَقَالَ بعض الْعلمَاء يحْتَمل أَنه ﷺ َ - دخل الْبَيْت مرَّتَيْنِ فَمرَّة صلى فِيهِ وَمرَّة دَعَا فَلم يُصَلِّي وَلم تتضاد الْأَخْبَار (قلت) روى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ " دخل رَسُول الله ﷺ َ - الْبَيْت فصلى بَين الساريتين رَكْعَتَيْنِ ثمَّ خرج فصلى بَين الْبَاب وَالْحجر رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قَالَ هَذِه الْقبْلَة ثمَّ دخل مرّة أُخْرَى فَقَامَ فِيهِ يَدْعُو ثمَّ خرج وَلم يصل (فَإِن قلت) روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ " مَا أحب أَن أُصَلِّي فِي الْكَعْبَة من صلى فِيهَا فقد ترك شَيْئا خَلفه وَلَكِن حَدثنِي أخي أَن رَسُول الله ﷺ َ - حِين دَخلهَا خر بَين العمودين سَاجِدا ثمَّ قعد فَدَعَا وَلم يصل " (قلت) هَذَانِ نفي وَإِثْبَات فِي رِوَايَتَيْنِ فرواية الْإِثْبَات مُقَدّمَة كَمَا ذكرنَا وَكَيف
стр. 1076
وَقد صرح بِلَال فِي الحَدِيث الْمَذْكُور بقوله " نعم رَكْعَتَيْنِ " (فَإِن قلت) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَشْهُور عَن ابْن عمر من طَرِيق نَافِع وَغَيره عَنهُ أَنه قَالَ " ونسيت أَن أسأله كم صلى " فَدلَّ على أَنه أخبرهُ بالكيفية وَهِي تعْيين الْموقف فِي الْكَعْبَة وَلم يُخبرهُ بالكمية وَنسي هُوَ أَن يسْأَله عَنْهَا (قلت) أُجِيب بِأَن المُرَاد من قَوْله صلى الصَّلَاة الْمَعْهُودَة وأقلها رَكْعَتَانِ لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه تنفل فِي النَّهَار بِأَقَلّ من رَكْعَتَيْنِ فَكَانَت الركعتان متحققا وقوعهما وأصرح من هَذَا مَا رَوَاهُ عَمْرو بن أبي شيبَة فِي كتاب مَكَّة من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن أبي دَاوُد عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي هَذَا الحَدِيث " فاستقبلني بِلَال فَقلت مَا صنع رَسُول الله ﷺ َ - هَهُنَا فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَن صلى رَكْعَتَيْنِ بالسبابة وَالْوُسْطَى " فعلى هَذَا يحمل قَوْله " نسيت أَن أسأله كم صلى " على أَنه لم يسْأَله بِاللَّفْظِ وَلم يجبهُ بِاللَّفْظِ وَإِنَّمَا اسْتُفِيدَ مِنْهُ صلَاته الرَّكْعَتَيْنِ بِالْإِشَارَةِ لَا بالنطق وَقد قيل يجمع بَين الْحَدِيثين بِأَن ابْن عمر نسي أَن يسْأَل بِلَالًا ثمَّ لقِيه مرّة أُخْرَى فَسَأَلَ وَقَالَ بَعضهم فِيهِ نظر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْقِصَّة لم تَتَعَدَّد لِأَنَّهُ أَتَى فِي السُّؤَال بِالْفَاءِ المعقبة فِي الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا فَقَالَ فِي هَذِه فَأَقْبَلت ثمَّ قَالَ فَسَأَلت بِلَالًا وَقَالَ فِي الْأُخْرَى فبدرت فَسَأَلت بِلَالًا فَدلَّ على أَن السُّؤَال عَن ذَلِك كَانَ وَاحِدًا فِي وَقت وَاحِد وَثَانِيهمَا أَن رَاوِي قَول ابْن عمر ونسيت هُوَ نَافِع مَوْلَاهُ وَيبعد مَعَ طول ملازمته لَهُ إِلَى وَقت مَوته أَن يسْتَمر على حِكَايَة النسْيَان وَلَا يتَعَرَّض لحكاية الذّكر أصلا (قلت) فِي نظره نظر من وُجُوه. الأول أَن قَوْله أَن الْقِصَّة لم تَتَعَدَّد دَعْوَى بِلَا برهَان فَمَا الْمَانِع من تعددها. وَالثَّانِي أَنه علل على ذَلِك بِالْفَاءِ لكَونهَا للتعقيب وَلقَائِل أَن يَقُول لَهُ فَلم لَا يجوز أَن تكون الْفَاء هَهُنَا بِمَعْنى ثمَّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة﴾ فَإِن الْفَاء فِي ﴿فخلقنا المضغة﴾ وَفِي ﴿فكسونا﴾ بِمَعْنى ثمَّ لتراخي معطوفاتها وَتارَة تكون بِمَعْنى الْوَاو كَمَا فِي قَول الشَّاعِر
(بَين الدُّخُول فحومل ... )
. وَلَئِن سلمنَا أَنَّهَا للتعقيب وَهُوَ فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ أَلا ترى أَنه يُقَال تزوج فلَان فولد لَهُ إِذا لم يكن بَينهمَا إِلَّا مُدَّة الْحمل وَإِن كَانَ مُدَّة متطاولة وَدخلت الْبَصْرَة فبغداد إِذا لم يقم فِي الْبَصْرَة وَلَا بَين البلدتين. وَالثَّالِث أَن قَوْله وَيبعد مَعَ طول ملازمته إِلَى آخِره غير بعيد فَإِن الْإِنْسَان مَأْخُوذ من النسْيَان (فَإِن قلت) قَالَ عِيَاض أَن قَوْله رَكْعَتَيْنِ غلط من يحيى بن سعيد الْقطَّان لِأَن ابْن عمر قد قَالَ نسيت أَن أسأله كم صلى وَإِنَّمَا دخل الْوَهم عَلَيْهِ من ذكر الرَّكْعَتَيْنِ (قلت) لم ينْفَرد يحيى بن سعيد بذلك حَتَّى يغلط فقد تَابعه أَبُو نعيم عِنْد البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو عَاصِم عِنْد ابْن خُزَيْمَة وَعمر بن عَليّ بن الْإِسْمَاعِيلِيّ وَعبد الله بن نمير عِنْد أَحْمد عَنهُ كلهم عَن سيف وَلم ينْفَرد بِهِ سيف أَيْضا فقد تَابعه عَلَيْهِ خصيف عَن مُجَاهِد عِنْد أَحْمد وَلم ينْفَرد بِهِ مُجَاهِد عَن ابْن عمر فقد تَابعه عَلَيْهِ ابْن أبي مليكَة عِنْد أَحْمد. وَالنَّسَائِيّ وَعَمْرو بن دِينَار عِنْد أَحْمد أَيْضا بِاخْتِصَار وَمن حَدِيث عُثْمَان بن طَلْحَة عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد قوي وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد الْبَزَّار وَمن حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن صَفْوَان قَالَ " فَلَمَّا خرج سَأَلت من كَانَ مَعَه فَقَالُوا صلى رَكْعَتَيْنِ عِنْد السارية الْوُسْطَى " أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَمن حَدِيث شيبَة بن عُثْمَان قَالَ " لقد صلى رَكْعَتَيْنِ عِنْد العمودين " أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَكيف يقدم عِيَاض على تغليط حَافظ جهبذ من غير تَأمل فِي بَابه. وَفِيه حجَّة لمن يَقُول الأولى فِي نفل النَّهَار رَكْعَتَانِ وَالشَّافِعِيّ يَقُول الْأَفْضَل فِي النَّوَافِل مثنى مثنى فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد مثنى أفضل بِاللَّيْلِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة الْأَرْبَع أفضل فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَاحْتج فِي ذَلِك بِحَدِيث ابْن عَبَّاس حِين بَات عِنْد خَالَته مَيْمُونَة يرقب صَلَاة النَّبِي ﷺ َ - وَفِيه " كَانَ يُصَلِّي أَرْبعا لَا تسْأَل عَن حسنهنَّ وطولهن ". وَفِيه حجَّة على ابْن جرير الطَّبَرِيّ حَيْثُ قَالَ بِعَدَمِ جَوَاز الصَّلَاة فِي الْكَعْبَة فرضا كَانَ أَو نفلا وَقَالَ مَالك لَا تصلى فِيهِ الْفَرِيضَة وَلَا رَكعَتَا الطّواف الْوَاجِب فَإِن صلى أعَاد فِي الْوَقْت وَيجوز أَن يُصَلِّي فِيهِ النَّافِلَة وَفِي المسالك لِابْنِ الْعَرَبِيّ روى مُحَمَّد عَن أصبغ أَن من صلى فِي الْبَيْت أعَاد أبدا وَقَالَ مُحَمَّد لَا إِعَادَة عَلَيْهِ وَقَالَ أَشهب من صلى على ظهر الْبَيْت أعَاد أبدا وَعند أبي حنيفَة يجوز الْفَرْض وَالنَّفْل فِيهِ وَبِه قَالَ الشَّافِعِي
٨٩٣٢٦ - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قَالَ حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عَطاءٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عبَّاسٍ قَالَ لَمَّا دَخَلَ النبيُّ البَيْتَ دَعا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ
стр. 1077
حَتَّى خرجَ مِنْهُ فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبْلِ الكَعْبَةِ وَقَالَ: (هَذِهِ القِبْلَة) . (الحَدِيث ٨٩٣ أَطْرَافه فِي: ١٠٦١، ١٥٣٣، ٢٥٣٣، ٨٨٢٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قبل الْكَعْبَة) ، وَالْمرَاد: مُقَابل الْكَعْبَة، وَهُوَ مقَام إِبْرَاهِيم ﵊.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِسْحَاق بن نصر، ذكر فِي (أَسمَاء رجال الصَّحِيحَيْنِ) إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر أَبُو إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ، وَكَانَ ينزل الْمَدِينَة، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع فِي كِتَابه، مرّة يَقُول: حدّثنا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن سعد، وَمرَّة يَقُول: حدّثنا إِسْحَاق بن نصر، فينسبه إِلَى جده. الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الرَّابِع: عَطاء بن أبي رَبَاح. الْخَامِس: عبد ابْن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: إِسْحَاق وَقع مَنْسُوبا فِي الرِّوَايَات كلهَا، وَبِذَلِك جزم الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم وَابْن مَسْعُود وَآخَرُونَ، وَذكر أَبُو الْعَبَّاس فِي (الْأَطْرَاف) لَهُ: أَن البُخَارِيّ أخرجه عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم فِي (مستخرجيهما) من طَرِيق إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن عبد الرَّزَّاق شيخ إِسْحَاق بن نصر فِيهِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا، فَجعله من رِوَايَة ابْن عَبَّاس عَن أُسَامَة بن زيد، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج، وَهُوَ الْأَرْجَح. قلت: هَذَا يدل على أَن هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل ابْن عَبَّاس، وَأَيْضًا لم يثبت أَن ابْن عَبَّاس دخل الْكَعْبَة مَعَ النَّبِي. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مدنِي وصنعاني ومكي.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَعبد بن حميد، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج عَن عَطاء بِهِ، وَفِيه قصَّة، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن خشيش بن أَصْرَم عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج بِإِسْنَادِهِ، وَرَوَاهُ عبد الْمجِيد بن عبد الْعَزِيز بن أبي دَاوُد عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن أُسَامَة، وَلم يذكر ابْن عَبَّاس.
ذكر مَعَانِيه قَوْله: (فِي نواحيه) جمع: نَاحيَة وَهِي الْجِهَة. قَوْله: (ركع) أَي: صلى، أطلق الْجُزْء وَأَرَادَ الْكل. قَوْله: (فِي قبل الْكَعْبَة) ، بِضَم الْقَاف وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وتضم الْبَاء وتسكن أَي: مقابلها وَمَا استقبلك مِنْهَا. قَوْله: (هَذِه الْقبْلَة) ، الْإِشَارَة إِلَى الْكَعْبَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن أَمر الْقبْلَة قد اسْتَقر على اسْتِقْبَال هَذَا الْبَيْت فَلَا ينْسَخ بعد الْيَوْم فصلوا إِلَيْهِ أبدا، وَيحْتَمل أَنه علمهمْ سنة موقف الإِمَام فَإِنَّهُ يقف فِي وَجههَا دون أَرْكَانهَا وجوانبها الثَّلَاثَة، وَإِن كَانَت الصَّلَاة فِي جَمِيع جهاتها مجزئة. وَيحْتَمل أَنه دلّ بِهَذَا القَوْل على أَن حكم من شَاهد الْبَيْت وعاينه خلاف حكم الْغَائِب عَنهُ فِيمَا يلْزمه من مواجهته عيَانًا دون الِاقْتِصَار على الِاجْتِهَاد، وَذَلِكَ فَائِدَة مَا قَالَ: هَذِه الْقبْلَة، وَإِن كَانُوا قد عرفوها قَدِيما وَأَحَاطُوا بهَا علما. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيحْتَمل معنى آخر وَهُوَ: أَن مَعْنَاهُ: هَذِه الْكَعْبَة هِيَ الْمَسْجِد الْحَرَام أمرْتُم باستقباله، لَا كل الْحرم وَلَا مَكَّة وَلَا الْمَسْجِد الَّذِي هُوَ حول الْكَعْبَة، بل هِيَ الْكَعْبَة نَفسهَا فَقَط. فَإِن قلت: روى الْبَزَّار من حَدِيث عبد ابْن حبشِي الْخَثْعَمِي قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله يُصَلِّي إِلَى بَاب الْكَعْبَة وَهُوَ يَقُول: أَيهَا النَّاس إِن الْبَاب قبْلَة الْبَيْت) . قلت: هَذَا مَحْمُول على النّدب لقِيَام الْإِجْمَاع على جَوَاز اسْتِقْبَال الْبَيْت من جَمِيع جهاته، كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ.
وَوجه التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَة وَالَّتِي قبلهَا قد مر مُسْتَوفى.
١٣ - (بابُ التَّوَجُّهِ نَحْوَ القِبْلَةِ حَيْث كانَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّوَجُّه إِلَى جِهَة الْقبْلَة حَيْثُ كَانَ الْمُصَلِّي، أَي: حَيْثُ وجد فِي سفر أَو حضر، وَكَانَ، تَامَّة فَلذَلِك: اقْتصر على اسْمه، وَالْمرَاد بِهِ: فِي صَلَاة الْفَرِيضَة، وَذَلِكَ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ (الْبَقَرَة: ٤٤١، ٠٥١) .
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ قَالَ النبيُّ ﷺ : (اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَكَبِّرْ) .
هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي قصَّة الْمُسِيء فِي صلَاته، سَاقه البُخَارِيّ بِهَذَا اللَّفْظ فِي كتاب الاسْتِئْذَان.
٩٩٣٣٦ - ح دّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَجاءٍ قَالَ حدّثنا إسْرَائِيلُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ رَضِي اعنهما قَالَ كانَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّة عَشَرَ أوْ سَبْعَةَ
стр. 1078
عَشَرَ شَهْراً وكانَ رسولُ اللَّهِ يُحِبُّ أنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعبَةِ فأنْزَلَ اللَّهُ قدْ نَرَى تقَلَبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكعْبَةِ وَقَالَ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ وَهُمُ اليَهُودُ مَا وَلَاّهُمْ عنْ قِبْلَتِهمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَصَلَّى مَعَ النبيِّ رَجلٌ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَما صَلَّى فَمَرَّ عَلى قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ فِي صَلَاةِ العَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ فقالَ هُوَ يَشْهَدُ أنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسولِ اللَّهِ وَأنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ فَتَحَرَّفَ القَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَتوجه نَحْو الْكَعْبَة الَّتِي اسْتَقَرَّتْ قبْلَة أبدا) فِي أَي حَالَة كَانَ الْمُصَلِّي صَلَاة الْفَرْض.
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد ابْن رَجَاء، بتَخْفِيف الْجِيم: الغداني، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة. الثَّانِي: إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق السبيعِي، جد إِسْرَائِيل واسْمه: عَمْرو بن عبد االكوفي. الرَّابِع: الْبَراء بن عَازِب رَضِي اتعالى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان عَن عَمْرو بن خَالِد عَن زُهَيْر عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء، وَأخرجه فِي التَّفْسِير أَيْضا عَن أبي نعيم وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَفِي خبر الْوَاحِد عَن يحيى عَن وَكِيع. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأبي بكر بن خَلاد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَقد ذكرنَا جَمِيع ذَلِك فِي بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (صلى نَحْو بَيت الْمُقَدّس) أَي: بِالْمَدِينَةِ، صلى جِهَة بَيت الْمُقَدّس (سِتَّة عشر شهرا أَو سَبْعَة عشر شهرا) فالشك من الْبَراء، وَكَذَا وَقع الشَّك عِنْد البُخَارِيّ فِي رِوَايَة زُهَيْر وَأبي نعيم، وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) : من رِوَايَة أبي نعيم، فَقَالَ: سِتَّة عشر، من غير شكّ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم رِوَايَة الْأَحْوَص، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة. وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ، عَن ابْن عَبَّاس: سَبْعَة عشر، وَنَصّ النَّوَوِيّ على صِحَة سِتَّة عشر، وَالْقَاضِي على صِحَة سَبْعَة عشر وَهُوَ قَول أبي إِسْحَاق وَابْن الْمسيب وَمَالك بن أنس؛ وَالْجمع بَينهمَا أَن من جزم بِسِتَّة عشر أَخذ من شهر الْقدوم وَشهر التَّحْوِيل شهرا، وألغى الْأَيَّام الزَّائِدَة فِيهِ، وَمن جزم بسبعة عشر عدهما مَعًا، وَمن شكّ تردد فيهمَا، وَذَلِكَ أَن قدوم النَّبِي الْمَدِينَة كَانَ فِي شهر ربيع الأول بِلَا خلاف، وَكَانَ التَّحْوِيل فِي نصف شهر رَجَب فِي السّنة الثَّانِيَة على الصَّحِيح، وَبِه جزم الْجُمْهُور.
وَجَاءَت فِيهِ رِوَايَات أُخْرَى: فَفِي (سنَن) أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه: ثَمَانِيَة عشر شهرا، وَحكى الْمُحب الطَّبَرِيّ: ثَلَاثَة عشر شهرا، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى سنتَيْن، وَأغْرب مِنْهُمَا: تِسْعَة أشهر، وَعشرَة أشهر، وهما شَاذان. قَوْله: (أَن يُوَجه) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَصلى مَعَ النَّبِي ﵊، رجل) واسْمه: عباد بن بشر، قَالَه ابْن بشكوال. وَقَالَ أَبُو عمر: عباد بن نهيك، بِفَتْح النُّون وَكسر الْهَاء، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (فصلى مَعَ النَّبِي رجال) ، بِالْجمعِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فعلى هَذِه الرِّوَايَة إِلَى مَا يرجع الضَّمِير فِي قَوْله: (ثمَّ خرج) ؟ قلت: إِلَى مَا دلّ عَلَيْهِ؛ رجال، وَهُوَ مُفْرد، أَو مَعْنَاهُ: ثمَّ خرج خَارج. قلت: مَعْنَاهُ على هَذَا: ثمَّ خرج خَارج مِنْهُم، فَيكون الْفَاعِل محذوفاً. قَوْله: (بَعْدَمَا صلى) كَلمه: مَا، إِمَّا مَصْدَرِيَّة وَإِمَّا مَوْصُولَة. قَوْله: (فِي صَلَاة الْعَصْر نَحْو بَيت الْمُقَدّس) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فِي صَلَاة الْعَصْر يصلونَ نَحْو بَيت الْمُقَدّس) ، أَي: جِهَته. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: الرجل.
قَوْله: (وَهُوَ يشْهد) أَرَادَ بِهِ نَفسه، وَلَكِن عبر عَنْهَا بِلَفْظ الْغَيْبَة على سَبِيل التَّجْرِيد، أَو على طَريقَة الِالْتِفَات، أَو نقل كَلَامه بِالْمَعْنَى، وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة فِي بَاب الْإِيمَان من الصَّلَاة بِلَفْظ: أشهد، وَوَقع هُنَا صَلَاة الْعَصْر، وَجَاء فِي رِوَايَة أُخْرَى عَن ابْن عمر فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ: صَلَاة الصُّبْح، والتوفيق بَينهمَا أَن هَذَا الْخَبَر وصل إِلَى قوم كَانُوا يصلونَ فِي نفس الْمَدِينَة صَلَاة الْعَصْر، ثمَّ وصل إِلَى أهل قبا فِي صبح الْيَوْم الثَّانِي، لأَنهم
стр. 1079
كَانُوا خَارِجين عَن الْمَدِينَة، لِأَن قبا من جملَة سوادها، وَفِي حكم رساتيقها، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز نسخ الْأَحْكَام عِنْد الْجُمْهُور إلَاّ طَائِفَة لَا يَقُولُونَ بِهِ وَلَا يعبأ بهم. وَفِيه: الدَّلِيل على نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ عِنْد الْجُمْهُور، وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ. وَفِيه: دَلِيل على قبُول خبر الْوَاحِد. وَفِيه: وجوب الصَّلَاة إِلَى الْقبْلَة وَالْإِجْمَاع على أَنَّهَا الْكَعْبَة. وَفِيه: جَوَاز الصَّلَاة الْوَاحِدَة إِلَى جِهَتَيْنِ. وَفِيه: أَن النّسخ لَا يثبت فِي حق الْمُكَلف حَتَّى يبلغهُ، وَفِي هَذَا الْبَاب أبحاث طَوِيلَة، فَمن أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهَا فَعَلَيهِ بالمراجعة إِلَى مَا ذكرنَا فِي شرح بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان.
٠٠٤٤٦ - حدّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حدّثنا هِشَامٌ قَالَ حدّثنا يَحْيَى بنْ أبي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْد الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كانَ رسولُ اللَّهِ يُصَلِّي عَلى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ فإِذَا أرَادَ الفَرِيضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. (الحَدِيث ٠٠٤ أَطْرَافه فِي: ٤٩٠١، ٩٩٠١، ٠٤١٤) .
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَاسْتقْبل الْقبْلَة) .
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُسلم بن إِبْرَاهِيم القصاب، الثَّانِي: هِشَام الدستوَائي. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير، بالثاء الْمُثَلَّثَة. الرَّابِع: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان العامري الْمدنِي. الْخَامِس: جَابر بن عبد االأنصاري.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: ذكر مُسلم شيخ البُخَارِيّ غير مَنْسُوب وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَفِيه: ذكر هِشَام أَيْضا غير مَنْسُوب، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: هِشَام بن أبي عبد ا. وَفِيه: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح عَن جَابر غير هَذَا الحَدِيث، وَفِي طبقته: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن نَوْفَل، وَلم يخرج لَهُ البُخَارِيّ عَن جَابر شَيْئا. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ويماني ومدني.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي تَقْصِير الصَّلَاة عَن معَاذ بن فضَالة عَن هِشَام، وَعَن أبي نعيم عَن شَيبَان عَن يحيى بن أبي كثير بِهِ، وَأخرجه أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب عَن عُثْمَان بن عبد ابْن سراقَة عَن جَابر رَضِي اتعالى عَنهُ. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله يُصَلِّي على حمَار وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى خَيْبَر) . وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث جَابر: (بَعَثَنِي النَّبِي فِي حَاجَة فَجئْت وَهُوَ يُصَلِّي على رَاحِلَته نَحْو الْمشرق، السُّجُود أَخفض) ، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح. وَفِي الْبَاب عَن أنس عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غرائب مَالك) وعامر بن أبي ربيعَة عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم وَأبي سعيد عِنْد (١) .
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (على رَاحِلَته) ، الرَّاحِلَة: النَّاقة الَّتِي تصلح لِأَن ترحل، وَكَذَلِكَ الرحول، وَيُقَال: الرَّاحِلَة الْمركب من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى. قَوْله: (حَيْثُ تَوَجَّهت بِهِ) ، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (تَوَجَّهت) بِدُونِ لَفْظَة: بِهِ. قَوْله: (فَإِذا أَرَادَ الْفَرِيضَة) أَي: إِذا أَرَادَ أَن يُصَلِّي صَلَاة الْفَرْض نزل عَن الرَّاحِلَة واستقبل الْقبْلَة.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: الدّلَالَة على عدم ترك اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي الْفَرِيضَة، وَهُوَ إِجْمَاع، وَلَكِن رخص فِي شدَّة الْخَوْف، وَفِي خُلَاصَة الفتاوي، أما صَلَاة الْفَرْض على الدَّابَّة بالعذر فجائزة، وَمن الْأَعْذَار: الْمَطَر، وَعَن مُحَمَّد: إِذا كَانَ الرجل فِي السّفر فأمطرت السَّمَاء فَلم يجد مَكَانا يَابسا ينزل للصَّلَاة، فَإِنَّهُ يقف على الدَّابَّة مُسْتَقْبل الْقبْلَة وَيُصلي بِالْإِيمَاءِ إِذا أمكنه إيقاف الدَّابَّة، فَإِن لم يُمكنهُ يُصَلِّي مستدبر الْقبْلَة وَهَذَا إِذا كَانَ الطين بِحَال يغيب وَجهه، فَإِن لم يكن بِهَذِهِ المثابة لَكِن الأَرْض ندية صلى هُنَالك، ثمَّ قَالَ: هَذَا إِذا كَانَت الدَّابَّة تسير بِنَفسِهَا، أما إِذا سيَّرها صَاحبهَا فَلَا يجوز التَّطَوُّع وَلَا الْفَرْض، فَمن الْأَعْذَار كَون الدَّابَّة جموحاً لَو نزل لَا يُمكنهُ الرّكُوب. وَمِنْهَا: اللص وَالْمَرَض وَكَونه شَيخا كَبِيرا لَا يجد من يركبه. وَمِنْهَا: الْخَوْف من السَّبع، وَفِي (الْمُحِيط) : تجوز الصَّلَاة على الدَّابَّة فِي هَذِه الْأَحْوَال، وَلَا يلْزمه الْإِعَادَة بعد زَوَال الْعذر، وَهَذَا كُله إِذا كَانَ خَارج الْمصر. وَفِي (الْمُحِيط) : من النَّاس من يَقُول إِنَّمَا يجوز التَّطَوُّع
стр. 1080
على الدَّابَّة إِذا تَوَجَّهت إِلَى الْقبْلَة عِنْد افتتاحها ثمَّ يتْرك التَّوَجُّه وانحرف عَن الْقبْلَة، أما لَو افتتحها إِلَى غير الْقبْلَة لَا تجوز، وَعند الْعَامَّة: تجوز كَيفَ مَا كَانَ، وَصرح فِي (الْإِيضَاح) : أَن الْقَائِل بِهِ الشَّافِعِي. وَقَالَ ابْن بطال: اسْتحبَّ ابْن حَنْبَل وَأَبُو ثوران يفتتحها مُتَوَجها إِلَى الْقبْلَة، ثمَّ لَا يُبَالِي حَيْثُ تَوَجَّهت. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: الْمُنْفَرد فِي الرّكُوب على الدَّابَّة إِن كَانَت سهلة يلْزمه أَن يُدِير رَأسهَا عِنْد الْإِحْرَام إِلَى الْقبْلَة فِي أصح الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ رِوَايَة ابْن الْمُبَارك، ذكرهَا فِي (جَوَامِع الْفِقْه) . وَفِي الْوَجْه الثَّانِي: لَا يلْزمه، وَفِي القطار وَالدَّابَّة الصعبة لَا يلْزمه، وَفِي الْعمادِيَّة وَفِي الْمحمل الْوَاسِع يلْزمه التَّوَجُّه كالسفينة، وَقيل: فِي الدَّابَّة يلْزمه فِي السَّلَام أَيْضا، وَالأَصَح أَن الْمَاشِي يتم رُكُوعه وَسُجُوده وَيسْتَقْبل فيهمَا وَفِي إِحْرَامه وَلَا يمشي إلَاّ فِي قِيَامه، وَمذهب أَصْحَابنَا قَول الْجُمْهُور، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن الزبير وَأبي ذَر وَأنس وَابْن عمر، وَبِه قَالَ طَاوس وَعَطَاء وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَمَالك وَاللَّيْث، وَلَا يشْتَرط أَن يكون السّفر طَويلا عِنْد الْجُمْهُور، بل لكل من كَانَ خَارج الْمصر فَلهُ الصَّلَاة على الدَّابَّة. وَاشْترط مَالك مَسَافَة الْقصر، ويحكى هَذَا أَيْضا عَن بعض الشَّافِعِيَّة، وَمذهب ابْن عمر منع التَّنَفُّل فِي السّفر بِالنَّهَارِ جملَة. وجوازه لَيْلًا على الأَرْض وَالرَّاحِلَة، حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر فِي (حَوَاشِيه) . وَأما التَّنَفُّل على الدَّابَّة فِي الْحَضَر فَلَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد والإصطخري من الشَّافِعِيَّة، وَيجوز عِنْد أبي يُوسُف. وَعَن مُحَمَّد: يجوز وَلَكِن يكره، وَالْأَحَادِيث الدَّالَّة على جَوَاز التَّنَفُّل على الدَّابَّة وَردت فِي السّفر، فَفِي رِوَايَة جَابر: كَانَت فِي غَزْوَة أَنْمَار، وَهِي غَزْوَة ذَات الرّقاع، وَفِي رِوَايَة: (أَرْسلنِي رَسُول الله وَهُوَ منطلق إِلَى بني المصطلق، فَأَتَيْته وَهُوَ يُصَلِّي على بعيره) . وَفِي رِوَايَة ابْن عمر: (بطرِيق مَكَّة) ، وَفِي رِوَايَة: (مُتَوَجّه إِلَى الْمَدِينَة) . وَفِي رِوَايَة: (مُتَوَجّه إِلَى خَيْبَر) ، وَالْحَاصِل أَنَّهَا كَانَت مَرَّات كلهَا فِي السّفر. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن أبي يُوسُف فِي جَوَازه فِي الْمَدِينَة أَيْضا، فَقَالَ: حَدثنِي فلَان، وَرفع الْإِسْنَاد: (أَن رَسُول الله ركب الْحمار فِي الْمَدِينَة يعود سعد بن عبَادَة وَكَانَ يُصَلِّي) . قلت: هَذَا شَاذ، وَهُوَ فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى لَا يكون حجَّة، وَلَكِن لقَائِل أَن يَقُول: لأبي يُوسُف على مَا ذهب إِلَيْهِ أَن يحْتَج بِمَا رَوَاهُ أنس: (أَنه صلى على حمَار فِي أَزِقَّة الْمَدِينَة يومي إِيمَاء) ، ذكره ابْن بطال.
١٠٤٥٦ - ح دّثنا عُثْمانُ قَالَ حدّثنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهيمَ عنْ عَلْقَمَة قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ صَلى النَّبيُّ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَا أدْرِي زَادَ أوْ نَقَصَ فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ يَا رَسولَ اللَّهِ أحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ قالَ (وَمَا ذَاكَ) قالُوا صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاستَقْبَلَ القِبْلَةَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمَّا أقَبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ لإِنَّهُ لوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ وَلَكنْ إِنَّما أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي وَإذَا شكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عليهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) . (الحَدِيث ١٠٤ أَطْرَافه فِي: ٤٠٤، ٦٢٢١، ١٧٦٦، ٩٤٢٧) .
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَثنى رجلَيْهِ واستقبل الْقبْلَة) لِأَنَّهُ اسْتَقْبلهَا بعد أَن سلم سَلام الْخُرُوج من الصَّلَاة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: عُثْمَان بن أبي شيبَة. الثَّانِي: جرير بن عبد الحميد. الثَّالِث: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر. الرَّابِع: إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ. الْخَامِس: عَلْقَمَة بن قيس النَّخعِيّ. السَّادِس: عبد ابْن مَسْعُود، رَضِي اعنه.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم كوفيون وأئمة إجلاء وَإِسْنَاده من أصح الْأَسَانِيد.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النذور عَن إِسْحَاق. وَأخرجه مُسلم عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن يحيى وَأبي كريب وَمُحَمّد بن حَاتِم وَعبد ابْن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ وَمُحَمّد بن الْمثنى وَيحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد االمخزومي وَعَن الْحسن بن إِسْمَاعِيل وَعَن سُوَيْد بن نصر وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن بنْدَار وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع بِهِ.
стр. 1081
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه: قَوْله: (صلى النَّبِي) هَذِه الصَّلَاة قيل: الظّهْر، وَقيل: الْعَصْر. وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث طَلْحَة بن مصرف عَن إِبْرَاهِيم بِهِ: أَنَّهَا الْعَصْر، فنقص فِي الرَّابِعَة وَلم يجلس حَتَّى صلى الْخَامِسَة. وَمن حَدِيث شُعْبَة عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم أَنَّهَا الظّهْر وَأَنه صلاهَا خمْسا. قَوْله: (قَالَ إِبْرَاهِيم) أَي: النَّخعِيّ الْمَذْكُور. قَوْله: (لَا أَدْرِي زَاد أَو نقص) مدرج، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَلَا أَدْرِي) ، أَي: فَلَا أعلم هَل زَاد النَّبِي فِي صلَاته أَو نقص، وَالْمَقْصُود أَن إِبْرَاهِيم شكّ فِي سَبَب سُجُود السَّهْو الْمَذْكُور، هَل كَانَ لأجل الزِّيَادَة أَو النُّقْصَان؟ وَهُوَ مُشْتَقّ من النَّقْص الْمُتَعَدِّي لَا من النُّقْصَان اللَّازِم، وَالصَّحِيح كَمَا قَالَ الْحميدِي: إِنَّه زَاد. قَوْله: (أحدث؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، وَمَعْنَاهُ السُّؤَال عَن حُدُوث شَيْء من الْوَحْي يُوجب تَغْيِير حكم الصَّلَاة بِالزِّيَادَةِ على مَا كَانَت معهودة، أَو بِالنُّقْصَانِ عَنهُ. قَوْله: (حدث) بِفَتْح الدَّال مَعْنَاهُ: وَقع، وَأما: حدث، بِضَم الدَّال فَلَا يسْتَعْمل فِي شَيْء من الْكَلَام إلَاّ فِي قَوْلهم: أَخَذَنِي مَا قدُم وَمَا حدُث، للازدواج.
قَوْله: (وَمَا ذَاك؟) سُؤال من لم يشْعر بِمَا وَقع مِنْهُ وَلَا يَقِين عِنْده وَلَا غَلَبَة ظن، وَهُوَ خلاف مَا عِنْدهم حَيْثُ قَالَ: صليت كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّهُ إِخْبَار من يتَحَقَّق مَا وَقع. وَقَوله: (كَذَا وَكَذَا) ، كِنَايَة عَمَّا وَقع إِمَّا زَائِدا على الْمَعْهُود أَو نَاقِصا. قَوْله: (فَثنى) ، بتَخْفِيف النُّون، مُشْتَقّ من الثني أَي: عطف، وَالْمَقْصُود مِنْهُ: فَجَلَسَ كَمَا هوهيئة الْقعُود للتَّشَهُّد. قَوْله: (رجله) بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والأصيلي: (رجلَيْهِ) بالتثنية. قَوْله: (لنبأتكم بِهِ) : لأخبرتكم بِهِ، وَهَذَا من بَاب؛ نبأ، بتَشْديد الْبَاء، وَهُوَ مِمَّا ينصب ثَلَاثَة مفاعيل، وَكَذَلِكَ: أنبأ، منباب أفعل، والثلاثي: نبأ، والمصدر، النبأ، مَعْنَاهُ الْخَبَر. تَقول نبأ وأنبأ ونبأ، أَي: أخبر، وَمِنْه أَخذ النَّبِي لِأَنَّهُ أنبأ عَن اتعالى، وللام فِيهِ لَام الْجَواب. وتفيد التَّأْكِيد أَيْضا، وَزعم بَعضهم أَن: اللَّام، بعد: لَو، جَوَاب قسم مُقَدّر.
فَإِن قلت: أَيْن المفاعيل الثَّلَاثَة هَهُنَا؟ قلت: الأول: ضمير المخاطبين، وَالثَّانِي: الْجَار وَالْمَجْرُور، أَعنِي لَفْظَة: بِهِ، وَالضَّمِير يه يرجع إِلَى الْحُدُوث الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (لَو حدث فِي الصَّلَاة شَيْء) ، كَمَا فِي قَوْله: ﴿أعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ (الْمَائِدَة: ٨) . وَالثَّالِث: مَحْذُوف. قَوْله: (وَلَكِن إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ) لَا نزاع أَن كلمة؛ إِنَّمَا، للحصر، لَكِن تَارَة تَقْتَضِي الْحصْر الْمُطلق، وَتارَة حصراً مَخْصُوصًا، وَيفهم ذَلِك بالقرائن والسياق، وَمعنى الْحصْر فِي الحَدِيث بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإطلاع على بوانط المخاطبين لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل شَيْء، فَإِن لرَسُول الله أوصافاً أخر كَثِيرَة.
قَوْله: (أنسى كَمَا تنسون) ، النسْيَان فِي اللُّغَة خلاف الذّكر ولحفظ، وَفِي الِاصْطِلَاح: النيسان غَفلَة الْقلب عَن الشَّيْء، وَيَجِيء النسْيَان بمنى التّرْك كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿نسوا افنسيهم﴾ (وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم) (التَّوْبَة: ٧٦، وَالْبَقَرَة: ٧٣٢) . قَوْله: (فذكروني) أَي: فِي الصَّلَاة بالتسبيح وَنَحْوه. قَوْله: (وَإِذا شكّ أحدكُم) الشَّك فِي اللُّغَة خلاف الْيَقِين، وَفِي الِاصْطِلَاح الشَّك: مَا يَسْتَوِي فِيهِ طرف الْعلم وَالْجهل، وَهُوَ الْوُقُوف بَين الشَّيْئَيْنِ بِحَيْثُ لَا يمِيل إِلَى أَحدهمَا، فاذا قوي أَحدهمَا وترجح على الآخر، وَلم يَأْخُذ بِمَا رجح وَلم يطْرَح الآخر فَهُوَ الظَّن، وَإِذا عقد الْقلب على أَحدهمَا وَترك الآخر فَهُوَ أكبر الظَّن، وغالب الرَّأْي، فَيكون الظَّن أحد طرقي الشَّك بِصفة الرجحان. قَوْله: (فليتحرَّ) الصَّوَاب التَّحَرِّي: الْقَصْد وَالِاجْتِهَاد فِي الطّلب والعزم على تَخْصِيص الشَّيْء بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (فَينْظر أَحْرَى ذَلِك إِلَى الصَّوَاب) . وَفِي رِوَايَة: (فليتحر أقرب ذَلِك إِلَى الصَّوَاب) . وَفِي رِوَايَة: (فليتحر الَّذِي يرى أَنه صَوَاب. وَيعلم من هَذَا أَن التَّحَرِّي طلب أحد الْأَمريْنِ، وأولاهما بِالصَّوَابِ. قَوْله: (فليتم عَلَيْهِ) أَي: فليتم بانياً عَلَيْهِ، وَلَوْلَا تضمين الْإِتْمَام معنى الْبناء لما جَازَ اسْتِعْمَاله بِكَلِمَة الاستعلاء، وَقصد الصَّوَاب فِي الْبناء على غَالب الظَّن عِنْد أبي حنيفَة وَعند الشَّافِعِي: الْأَخْذ بِالْيَقِينِ. قَوْله: (ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ) ، ويروى: (ثمَّ ليسجد سَجْدَتَيْنِ) يَعْنِي للسَّهْو.
ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: أَن فِيهِ دَلِيلا على جَوَاز النّسخ وَجَوَاز توقع الصَّحَابَة ذَلِك، دلّ على ذَلِك استفهامهم حَيْثُ قيل لَهُ: أحدث فِي الصَّلَاة شَيْء؟ وَمِنْهَا: أَن فِيهِ جَوَاز وُقُوع السَّهْو من الْأَنْبِيَاء. عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي الْأَفْعَال. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَهُوَ قَول عَامَّة الْعلمَاء والنظار، وشذت طَائِفَة فَقَالُوا: لَا يجوز على النَّبِي السَّهْو، وَهَذَا الحَدِيث يرد عَلَيْهِم. قلت: هم منعُوا السَّهْو عَلَيْهِ فِي الْأَفْعَال البلاغية، وَأَجَابُوا عَن الوظاهر الْوَارِدَة فِي ذَلِك بِأَن السَّهْو لَا يُنَاقض النُّبُوَّة وَإِذا لم يقر عَلَيْهِ لم تحل مِنْهُ مفْسدَة بل تحصل فِيهِ فَائِدَة، وَهُوَ بَيَان أَحْكَام النَّاس وَتَقْرِير الْأَحْكَام، وَإِلَيْهِ مَال أَبُو إِسْحَاق الإسفرايني، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز السَّهْو عَلَيْهِ فِي الْأُمُور الَّتِي لَا تتَعَلَّق بالبلاغ وَبَيَان
стр. 1082
أَحْكَام الشَّرْع من أَفعاله وعاداته وأذكار قلبه، فجوزه الْجُمْهُور. وَأما السَّهْو فِي الْأَقْوَال البلاغية فَأَجْمعُوا على مَنعه كَمَا أَجمعُوا على امْتنَاع تَعَمّده. وَأما السَّهْو فِي الْأَقْوَال الدُّنْيَوِيَّة، وَفِيمَا لَيْسَ سَبيله الْبَلَاغ من الْكَلَام الَّذِي لَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ وَلَا أَخْبَار الْقِيَامَة وَمَا يتَعَلَّق بهَا، وَلَا يُضَاف إِلَى وَحي فجوزه قوم، إِذْ لَا مفْسدَة فِيهِ. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَالْحق الَّذِي لَا شكّ فِيهِ تَرْجِيح قَول من منع ذَلِك على الْأَنْبِيَاء فِي كل خبر من الْأَخْبَار، كَمَا لَا يجوز عَلَيْهِم خلف فِي خبر لَا عمدا وَلَا سَهوا، لَا فِي صِحَة وَلَا فِي مرض، وَلَا رضى وَلَا غضب. وَأما جَوَاز السَّهْو فِي الاعتقادات فِي أُمُور الدُّنْيَا فَغير مُمْتَنع.
وَمِنْهَا: أَن فِيهِ جَوَاز النسْيَان فِي الْأَفْعَال على الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَاتَّفَقُوا على أَنهم لَا يقرونَ عَلَيْهِ بل يعلمهُمْ اتعالى بِهِ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: شَرطه تنبيهه على الْفَوْر أَي مُتَّصِلا بالحادثة، وجوزت طَائِفَة تَأْخِير مُدَّة حَيَاته. فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين السَّهْو وَالنِّسْيَان؟ قيل: النسْيَان غَفلَة الْقلب عَن الشَّيْء، والسهو غَفلَة الشَّيْء عَن الْقلب، فَفِي هَذَا قَالَ قوم: كَانَ النَّبِي لَا يسهو وَلَا ينسى، فَلذَلِك نفى عَن نَفسه النسْيَان فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ، (بقوله: لم أنس) ، لِأَن فِيهِ غَفلَة، وَلم يغْفل. وَقَالَ الْقشيرِي: يبعد الْفرق بَينهمَا فِي اسْتِعْمَال اللُّغَة، وَكَأَنَّهُ يتلوح من اللَّفْظ على أَن النيسان عدم الذّكر لأمر لَا يتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ، والسهو عدم الذّكر لَا لأجل الْإِعْرَاض. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا نسلم الْفرق، وَلَئِن سلم فقد أضَاف النسْيَان إِلَى نَفسه فِي غير مَا مَوضِع كَقَوْلِه: (إِنَّمَا أَنا بشر أنسى كَمَا تنسون فَإِذا نسيت فذكروني) . وَقَالَ القَاضِي: إِنَّمَا أنكر: نسيت الْمُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ قد نهى عَن هَذَا بقوله: (بئْسَمَا لأحدكم أَن يَقُول: نسيت كَذَا، وَلكنه نسِّي) ، وَقد قَالَ أَيْضا: (لَا أنسى) على النَّفْي، (وَلَكِن أُنسَّى (. وَقد شكّ بعض الروَاة فِي رِوَايَته فَقَالَ: (أنسى أَو أنسَّى) . وَإِن: أَو، للشَّكّ أَو للتقسيم، وَإِن هَذَا يكون مِنْهُ مرّة من قبل شغله، وَمرَّة يغلب وَيجْبر عَلَيْهِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ السَّائِل بذلك فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ أنكرهُ، وَقَالَ: كل ذَلِك لم يكن، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (لم أنس وَلم تقصر) ، أما الْقصر فبيِّن، وَكَذَلِكَ: لم أنس حَقِيقَة من قبل نَفسِي، وَلَكِن اأنساني. وسنتكلم فِي هَذَا كَمَا هُوَ الْمَطْلُوب فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ اتعالى.
وَمِنْهَا: أَن بَعضهم احْتج بِهِ على أَن كَلَام النَّاسِي لَا يبطل الصَّلَاة. وَقَالَ أَبُو عمر: ذهب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه إِلَى أَن الْكَلَام وَالسَّلَام سَاهِيا فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا، كَقَوْل مَالك وَأَصْحَابه سَوَاء، وَإِنَّمَا الْخلاف بَينهمَا أَن مَالِكًا يَقُول: لَا يفْسد الصَّلَاة تعمد الْكَلَام فِيهَا إِذا كَانَ فِي شَأْنهَا وإصلاحها، وَهُوَ قَول ربيعَة وَابْن الْقَاسِم إلَاّ مَا رُوِيَ عَنهُ فِي الْمُنْفَرد، وَهُوَ قَول أَحْمد، ذكر الْأَثْرَم عَنهُ أَنه قَالَ: مَا تكلم بِهِ الْإِنْسَان فِي صلَاته لإصلاحها لم يفْسد عَلَيْهِ صلَاته، فَإِن تكلم لغير ذَلِك فَسدتْ عَلَيْهِ. وَذكر الْخرقِيّ عَنهُ: أَن مذْهبه فِيمَن تكلم عَامِدًا أَو سَاهِيا بطلت صلَاته إلَاّ الإِمَام خَاصَّة، فَإِنَّهُ إِذا تكلم لمصْلحَة صلَاته لم تبطل صلَاته. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَمن تَابعهمْ من أَصْحَاب مَالك وَغَيرهم: إِن من تعمد الْكَلَام وَهُوَ يعلم أَنه لم يتم الصَّلَاة وَأَنه فِيهَا أفسد صلَاته، فَإِن تكلم نَاسِيا أَو تكلم وَهُوَ يظنّ أَنه لَيْسَ فِي الصَّلَاة لَا تبطل، وَأَجْمعُوا على أَن الْكَلَام عَامِدًا إِذا كَانَ الْمُصَلِّي يعملم أَنه فِي الصَّلَاة وَلم يكن ذَلِك لإِصْلَاح صلَاته أَنه يفْسد الصَّلَاة إلَاّ مَا رُوِيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه: من تكلم لإحياء نفس أَو مثل ذَلِك من الْأُمُور الجسام لم تفْسد بذلك صلَاته، وَهُوَ قَول ضَعِيف فِي النّظر. وَفِي (الْمُغنِي) : وَقَالَ ابْن الْمُنْذر مَا ملخصه: إِن الْكَلَام لغير مصلحَة الصَّلَاة يَنْقَسِم خَمْسَة أَقسَام:
الأول: الْكَلَام جَاهِلا بِتَحْرِيمِهِ فِيهَا. قَالَ القَاضِي فِي (الْجَامِع) : لَا أعرف عَن أحد نصا فِيهِ، وَيحْتَمل أَن لَا تبطل.
الثَّانِي: الْكَلَام نَاسِيا وَهُوَ على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا: أَن ينسى أَنه فِي الصَّلَاة، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: لَا تبطل، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَالْأُخْرَى: تبطل، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَقَتَادَة وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَأَصْحَاب الرَّأْي. وَالنَّوْع الآخر: أَن يظنّ أَن صلَاته تمت فيتكلم، فَإِن كَانَ سَلاما لَا تبطل رِوَايَة وَاحِدَة، وإلَاّ فالمنصوص عَن أَحْمد: إِن كَانَ لأمر الصَّلَاة لَا تبطل، وَإِن كَانَ لغير أمرهَا مثل: إسقني يَا غُلَام مَاء، تبطل. وَعنهُ رِوَايَة ثَانِيَة أَنَّهَا تفْسد بِكُل حَال، وَهَذَا مَذْهَب أَصْحَاب الرَّأْي، وَفِيه رِوَايَة ثَالِثَة: أَنَّهَا لَا تبطل بالْكلَام فِي تِلْكَ الْحَال بِحَال، سَوَاء كَانَ من شَأْن الصَّلَاة أَو لم يكن، إِمَامًا كَانَ أَو مَأْمُوما، وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَتخرج رِوَايَة رَابِعَة وَهُوَ أَن الْمُتَكَلّم إِن كَانَ إِمَامًا تكلم لمصْلحَة الصَّلَاة لم تفْسد، وَإِن تكلم غَيره فَسدتْ.
الْقسم الثَّالِث: أَن يتَكَلَّم مَغْلُوبًا على الْكَلَام، وَهُوَ ثَلَاثَة: أَنْوَاع: أَحدهَا: بِأَن تخرج الْحُرُوف من فِيهِ بِغَيْر اخْتِيَاره، مثل: إِن تثاوب فَقَالَ: آه، أَو تنفس
стр. 1083
فَقَالَ: آه، أَو يسعل فينطق فِي السعلة بحرفين وَمَا أشبه هَذَا، أَو يغلط فِي الْقِرَاءَة فيعدل إِلَى كلمة من غير الْقُرْآن، أَو يَجِيئهُ بكاء فيبكي وَلَا يقدر على رده، فَهَذَا لَا تفْسد صلَاته، نَص عَلَيْهِ أَحْمد. وَقَالَ القَاضِي: فِيمَن تثاوب فَقَالَ: آه، آه، فَسدتْ صلَاته: النَّوْع الثَّانِي: أَن ينَام فيتكلم، فقد توقف أَحْمد عَن الْجَواب فِيهِ، وَيَنْبَغِي أَن لَا تبطل. النَّوْع الثَّالِث: أَن يكره على الْكَلَام، فَيحْتَمل أَن يخرج على كَلَام النَّاسِي، وَالصَّحِيح إِن شَاءَ اأن هَذَا تفْسد صلَاته.
الْقسم الرَّابِع: أَن يتَكَلَّم بِكَلَام وَاجِب، مثل أَن يخْشَى على صبي أَو ضَرِير الْوُقُوع فِي هلكة، أَو يرى حَيَّة وَنَحْوهَا تقصد غافلاً أَو نَائِما، أَو يرى نَارا يخَاف أَن تشتعل فِي شَيْء وَنَحْو هَذَا، فَلَا يُمكنهُ التَّنْبِيه بالتسبيح، فَقَالَ أَصْحَابنَا: تبطل الصَّلَاة بِهَذَا، وَهُوَ قَول بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَيحْتَمل أَن لَا تبطل، وَهُوَ ظَاهر قَول أَحْمد، وَهَذَا ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي.
الْقسم الْخَامِس: أَن يتَكَلَّم لإِصْلَاح الصَّلَاة، وَجُمْلَته أَن من سلم من نقص فِي صلَاته يظنّ نها قد تمت، ثمَّ تكلم فَفِيهِ ثَلَاث رِوَايَات: إِحْدَاهَا: لَا تفْسد إِذا كَانَ لشأن الصَّلَاة. وَالثَّانيَِة: تفْسد، وَهُوَ قَول الْخلال وَأَصْحَاب الرَّأْي. وَالثَّالِثَة: صَلَاة الإِمَام لَا تفْسد، وَصَلَاة الْمَأْمُوم الَّذِي تكلم تفْسد انْتهى.
وَمذهب أَصْحَابنَا أَنه: لَا يجوز الْكَلَام فِي الصَّلَاة إلَاّ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيح والتهليل وَقِرَاءَة الْقُرْآن، وَلَا يجوز أَن يتَكَلَّم فِيهَا لأجل شَيْء حدث من الإِمَام فِي الصَّلَاة، وَالْكَلَام يبطل الصَّلَاة سَوَاء كَانَ عَامِدًا أَو نَاسِيا أَو جَاهِلا، وَسَوَاء كَانَ إِمَامًا أَو مُنْفَردا، وَهُوَ مَذْهَب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَقَتَادَة، وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَعبد ابْن وهب وَابْن نَافِع من أَصْحَاب مَالك، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ أخرجه مُسلم مطولا، وَفِيه: (إِن هَذِه الصَّلَاة لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن) ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا، وَهَذَا نَص صَرِيح على تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة سَوَاء كَانَ عَامِدًا أَو نَاسِيا، لحَاجَة أَو غَيرهَا، وَسَوَاء كَانَ لمصْلحَة الصَّلَاة أَو غَيرهَا. فَإِن احْتَاجَ إِلَى تَنْبِيه إِمَام وَنَحْوه سبح إِن كَانَ رجلا، وصفقت إِن كَانَت امْرَأَة، وَذَلِكَ لقَوْله: (من نابه شَيْء فِي الصَّلَاة فَلْيقل: سُبْحَانَ ا، وَإِنَّمَا التصفيق للنِّسَاء وَالتَّسْبِيح للرِّجَال) ، رَوَاهُ سهل بن سعد، أخرجه الطَّحَاوِيّ عَنهُ، وَأخرجه البُخَارِيّ مطولا، وَلَفظه: (أَيهَا النَّاس مَا لكم حِين نابكم شَيْء فِي الصَّلَاة أَخَذْتُم فِي التصفيق؟ وَإِنَّمَا التصفيق للنِّسَاء، من نابه شَيْء فِي صلَاته فَلْيقل: سُبْحَانَ ا، فَإِنَّهُ لَا يسمعهُ أحد حِين يَقُول: سُبْحَانَ ا، إِلَّا الْتفت) . وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ.
قَوْله: (من نابه) أَي من نزل بِهِ شَيْء من الْأُمُور المهمة، وَالْمرَاد من التصفيق ضرب ظَاهر إِحْدَى يَدَيْهِ على بَاطِن الْأُخْرَى، وَقيل: بإصبعين من أَحدهمَا على صفحة الْأُخْرَى للإنذار والتنبيه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: إِن هَذَا الحَدِيث دلّ على أَن كَلَام ذِي الْيَدَيْنِ لرَسُول الله بِمَا كَلمه بِهِ فِي حَدِيث عمرَان وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة، رَضِي اتعالى عَنْهُم، كَانَ قبل تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة.
وَمِنْهَا: أَن فِيهِ دَلِيلا على أَن سُجُود السَّهْو سَجْدَتَانِ، وَهُوَ قَول عَامَّة الْفُقَهَاء، وَحكي عَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه يلْزمه لكل سَهْو سَجْدَتَانِ، وَكَذَا حُكيَ عَن ابْن أبي ليلى. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَفِيه حَدِيث ضَعِيف.
وَمِنْهَا: أَن فِيهِ دَلِيلا عل أَن سَجْدَتي السَّهْو بعد السَّلَام، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي وَمن تبعه فِي أَنَّهُمَا قبل السَّلَام، وَفِي (الْمُغنِي) : السُّجُود كُله عِنْد أَحْمد قبل السَّلَام إلَاّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ اللَّذين ورد النَّص بسجودهما بعد السَّلَام، وهما: إِذا سلم من نقص فِي صلَاته، أَو تحرى الإِمَام فَبنى على غَالب ظَنّه، وَمَا عداهما يسْجد لَهُ قبل السَّلَام، نَص على هَذَا فِي رِوَايَة الْأَثْرَم، وَبِه قَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد وَأَبُو خَيْثَمَة وَابْن الْمُنْذر. وَحكى أَبُو الْخطاب عَن أَحْمد رِوَايَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ: إِحْدَاهمَا: إِن السُّجُود كُله قبل السَّلَام، وَالثَّانيَِة: أَنَّهَا قبل السَّلَام إِن كَانَت لنَقص، وَبعد السَّلَام إِن كَانَت لزِيَادَة، وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَأبي ثَوْر، وَبِمَا قَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَابْن أبي ليلى وَالْحسن الْبَصْرِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ بن أبي طَالب وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد ابْن مَسْعُود وَعبد ابْن عَبَّاس وعمار بن يَاسر وَعبد ابْن الزبير وَأنس بن مَالك، رَضِي اعنهم: فَإِن قلت: لَو سجد للسَّهْو قبل السَّلَام كَيفَ يكون حكمه عَن الْحَنَفِيَّة. قلت: قَالَ الْقَدُورِيّ: لَو سجد للسَّهْو قبل السَّلَام جَازَ عندنَا، هَذَا فِي رِوَايَة الْأُصُول، وَرُوِيَ عَنْهُم أَنه: لَا يجوز، لِأَنَّهُ أَدَّاهُ قبل وقته. وَفِي (الْهِدَايَة) : وَهَذَا الْخلاف فِي الْأَوْلَوِيَّة، وَكَذَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ فِي (الْحَاوِي) وَابْن عبد الْبر وَغَيرهم.
وَمِنْهَا: أَن فِيهِ الرُّجُوع إِلَى الْمَأْمُومين، وَفِيه إِشْكَال على مَذْهَب الشَّافِعِي لِأَن عِنْدهم أَنه لَا يجوز للْمُصَلِّي الرُّجُوع فِي قدر صلَاته إِلَى قَول غَيره إِمَامًا كَانَ أَو مَأْمُوما، وَلَا يعْمل إلَاّ على يَقِين نَفسه، وَاعْتذر النَّوَوِيّ عَن هَذَا بِأَنَّهُ سَأَلَهُمْ ليتذكر، فَلَمَّا ذَكرُوهُ تذكر، فَعلم السَّهْو فَبنى عَلَيْهِ لَا أَنه رَجَعَ إِلَى مُجَرّد قَوْلهم، وَلَو
стр. 1084
جَازَ ترك يَقِين نَفسه وَالرُّجُوع إِلَى قَول غَيره لرجع ذُو الْيَدَيْنِ حِين قَالَ: (لم تقصر وَلم أنس) . قلت: هَذَا لَيْسَ بِجَوَاب مخلص لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن الرُّجُوع، سَوَاء كَانَ رُجُوعه للتذكر أَو لغيره، وَعدم رُجُوع ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ لأجل كَلَام الرَّسُول لَا لأجل يَقِين نَفسه. فَافْهَم. وَقَالَ ابْن الْقصار: اخْتلفت الرِّوَايَة فِي هَذَا عَن مَالك، فَمرَّة قَالَ: يرجع إِلَى قَوْلهم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، لِأَنَّهُ قَالَ: يبْنى على غَالب ظَنّه. وَقَالَ مرّة أُخْرَى: يعْمل على يقينه وَلَا يرجع إِلَى قَوْلهم، كَقَوْل الشَّافِعِي.
وَمِنْهَا: أَن فِيهِ دلَالَة على أَن الْبَيَان لَا يُؤَخر عَن وَقت الْحَاجة لقَوْله: (لَو حدث فِي الصَّلَاة شَيْء لنبأتكم بِهِ) .
وَمِنْهَا: أَن فِيهِ حجَّة لأبي حنيفَة وَلغيره من أهل الْكُوفَة على أَن: من شكّ فِي صلَاته فِي عدد ركعاتها تحرى لقَوْله: (فليتحر الصَّوَاب) ، وَيَبْنِي على غَالب ظَنّه وَلَا يلْزمه الِاقْتِصَار على الْأَقَل، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي وَمن تبعه فِي قَوْلهم فِيمَن شكّ: هَل صلى ثَلَاثًا أم أَرْبعا مثلا؟ لزمَه الْبناء على الْيَقِين، وَهُوَ الْأَقَل فَيَأْتِي بِمَا بَقِي وَيسْجد للسَّهْو. فَإِن قلت: أَمر الشَّارِع بِالتَّحَرِّي وَهُوَ الْقَصْد بِالصَّوَابِ، وَهُوَ لَا يكون إلَاّ بِالْأَخْذِ بِالْأَقَلِّ الَّذِي هُوَ الْيَقِين، على مَا بَينه فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن رَسُول ا: (إِذا صلى أحدكُم فَلم يدر أَثلَاثًا صلى أم أَرْبعا فليبن على الْيَقِين ويدع الشَّك) الحَدِيث أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة. قلت: هَذَا مَحْمُول على مَا إِذا تحرى وَلم يَقع تحريه على شَيْء، فَفِي هَذَا نقُول: يَبْنِي على الْأَقَل لِأَن حَدِيثه ورد فِي الشَّك، وَهُوَ مَا اسْتَوَى طرفاه وَلم يتَرَجَّح لَهُ أحد الطَّرفَيْنِ، فَفِي هَذَا يبْنى على الْأَقَل بِالْإِجْمَاع، فَإِن قلت: قَالَ النَّوَوِيّ فِي دفع هَذَا: إِن تَفْسِير الشَّك هَكَذَا اصْطِلَاح طَار للأصوليين، وَأما فِي اللُّغَة فالتردد بَين وجود الشَّيْء وَعَدَمه كُله يُسمى شكا، سَوَاء المستوي وَالرَّاجِح والمرجوح، والْحَدِيث يحمل على اللُّغَة مَا لم يكن هُنَاكَ حَقِيقَة شَرْعِيَّة، أَو عرفية، فَلَا يجوز حمله على مَا يطْرَأ للمتأخرين من الِاصْطِلَاح. قلت: هَذَا غير مجدٍ وَلَا دافعٍ، لِأَن المُرَاد الْحَقِيقَة الْعُرْفِيَّة، وَهِي أَن: الشَّك مَا اسْتَوَى طرفاه، وَلَئِن سلمنَا أَن يكون المُرَاد مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ فَلَيْسَ معنى الشَّك فِي اللُّغَة مَا ذكره، لِأَن صَاحب (الصِّحَاح) فسر الشَّك فِي بَاب: الْكَاف، فَقَالَ: الشَّك خلاف الْيَقِين، ثمَّ فسر الْيَقِين فِي بَاب: النُّون، فَقَالَ: الْيَقِين الْعلم، فَيكون الشَّك ضد الْعلم، وضد الْعلم الْجَهْل، وَلَا يُسمى المتردد بَين وجود الشَّيْء وَعَدَمه جَاهِلا، بل يُسمى شاكاً، فَعلم، أَن قَوْله: وَأما فِي اللُّغَة فالتردد بَين وجود الشَّيْء وَعَدَمه يُسمى شكا هُوَ الْحَقِيقَة الْعُرْفِيَّة لَا اللُّغَوِيَّة.
وَمِنْهَا: أَن فِيهِ دَلِيلا على أَن سُجُود السَّهْو يتداخل وَلَا يَتَعَدَّد بِتَعَدُّد أَسبَابه، فَإِن النَّبِي تكلم بعد أَن سَهَا، وَاكْتفى فِيهِ بسجدتين، وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور من الْفُقَهَاء، وَمِنْهُم من قَالَ: يَتَعَدَّد السُّجُود بِتَعَدُّد السَّهْو.
وَمِنْهَا: أَن فِيهِ دَلِيلا على أَن سُجُود السَّهْو فِي آخر الصَّلَاة: لِأَنَّهُ لم يَفْعَله إلَاّ كَذَلِك، وَقيل: فِي حكمته: إِنَّه أخر لاحْتِمَال سَهْو آخر فَيكون جَابِرا للْكُلّ، وَفرع الْفُقَهَاء على أَنه لَو سجد ثمَّ تبين أَنه لم يكن آخر الصَّلَاة لزمَه إِعَادَته فِي آخرهَا، وصوروا ذَلِك فِي صُورَتَيْنِ. إِحْدَاهمَا: أَن يسْجد للسَّهْو فِي الْجُمُعَة ثمَّ يخرج الْوَقْت وَهُوَ فِي السُّجُود الْأَخير فَيلْزمهُ إتْمَام الظّهْر وَيُعِيد السُّجُود. وَالثَّانيَِة: أَن يكون مُسَافِرًا فَيسْجد للسَّهْو وَتصل بِهِ السَّفِينَة إِلَى الوطن أَو يَنْوِي الْإِقَامَة فَيتم ثمَّ يُعِيد السُّجُود.
الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قَالَه الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قَوْله: (وَسجد سَجْدَتَيْنِ) دَلِيل على أَنه لم ينقص شَيْئا من الرَّكْعَات وَلَا من السجدات وَإِلَّا لتداركها فَكيف صَحَّ أَن يَقُول إِبْرَاهِيم: لَا أَدْرِي؟ بل تعين أَنه زَاد إِذْ النُّقْصَان لَا يجْبر بالسجدتين، بل لَا بُد من الْإِتْيَان بالمتروك أَيْضا؟ قلت: كل نُقْصَان لَا يسْتَلْزم الْإِتْيَان بِهِ بل كثير مِنْهُ ينجبر بِمُجَرَّد السَّجْدَتَيْنِ، وَلَفظ: نقص، لَا يُوجب النَّقْص فِي الرَّكْعَة وَنَحْوهَا. قلت: قد ذكرنَا فِيمَا مضى عَن الْحميدِي أَنه قَالَ: بل زَاد، وَكَانَت زِيَادَته أَنه صلى الظّهْر خمْسا. كَمَا ذكره الطَّبَرَانِيّ، فحينئذٍ كَانَ سُجُوده لتأخير السَّلَام ولزيادته من جنس الصَّلَاة، وَقَوله: إِذْ النُّقْصَان لَا ينجبر بالسجدتين، غير مُسلم، لِأَن النُّقْصَان إِذا كَانَ فِي الْوَاجِبَات أَو فِي تَأْخِيرهَا عَن محلهَا أَو فِي تَأْخِير ركن من الْأَركان ينجبر بالسجدتين. وَقَوله: بل لَا بُد من الْإِتْيَان بالمتروك، إِنَّمَا يجب إِذا كَانَ الْمَتْرُوك ركنا، وَأما إِذا كَانَ من الْوَاجِبَات وَمن السّنَن الَّتِي هِيَ فِي قُوَّة الْوَاجِب فَلَا يلْزمه الْإِتْيَان بِمثلِهِ، وَإِنَّمَا ينجبر بالسجدتين.
وَمِنْهَا مَا قَالَه الْكرْمَانِي أَيْضا: فَإِن قلت: الصَّوَاب غير مَعْلُوم، وإلَاّ لما كَانَ ثمَّة شكّ، فَكيف يتحَرَّى الصَّوَاب؟ قلت: المُرَاد مِنْهُ: المتحقق والمتيقن، أَي: فليأخذ بِالْيَقِينِ. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه بِنَاء على مَذْهَب إِمَامه، فَإِنَّهُ فسر الصَّوَاب بِالْأَخْذِ بِالْيَقِينِ، وَأما عِنْد أبي حنيفَة: المُرَاد
стр. 1085
مِنْهُ الْبناء على غَالب الظَّن وَالْيَقِين فِي أَيْن هَهُنَا؟ وَمِنْهَا مَا قَالَه الْكرْمَانِي أَيْضا. فَإِن قلت: كَيفَ رَجَعَ إِلَى الصَّلَاة بانياً عَلَيْهَا وَقد تكلم بقوله: وَمَا ذَاك؟ قلت: إِنَّه كَانَ قبل تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة، أَو أَنه كَانَ خطابا للنَّبِي وجواباً، وَذَلِكَ لَا يبطل الصَّلَاة، أَو كَانَ قَلِيلا وَهُوَ فِي حكم الساهي أَو النَّاسِي، لِأَنَّهُ كَانَ يظنّ أَنه لَيْسَ فِيهَا. قلت: مَذْهَب إِمَامه أَن الْكَلَام فِي الصَّلَاة إِذا كَانَ نَاسِيا أَو سَاهِيا لَا يُبْطِلهَا، فَلَا فَائِدَة حينئذٍ فِي قَوْله: إِنَّه كَانَ قبل تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة. وَالْجَوَاب الثَّانِي: لَا يمشي بعد النَّبِي. وَالْجَوَاب الثَّالِث: غير موجه لِأَنَّهُ قَوْله: (وَمَا ذَاك؟) غير قَلِيل على مَا لَا يخفى.
وَمِنْهَا مَا قَالَه الْكرْمَانِي أَيْضا. فَإِن قيل: كَيفَ رَجَعَ النَّبِي إِلَى قَول غَيره، وَلَا يجوز للْمُصَلِّي الرُّجُوع فِي حَال صلَاته إلَاّ إِلَى علمه ويقين نَفسه؟ فَجَوَابه: أَن النَّبِي سَأَلَهُمْ ليتذكر، فَلَمَّا ذَكرُوهُ تذكر فَعلم السَّهْو فَبنى عَلَيْهِ، لَا أَنه رَجَعَ إِلَى مُجَرّد قَول الْغَيْر، أَو أَن قَول السَّائِل أحدث شكا عِنْد رَسُول الله فَسجدَ بِسَبَب حُصُول الشَّك لَهُ، فَلَا يكون رُجُوعا إِلَّا إِلَى حَال نَفسه قلت: هَذَا كَلَام فِيهِ تنَاقض، لِأَن قَوْله: سَأَلَهُمْ إِلَى قَوْله: فَبنى عَلَيْهِ، رُجُوع إِلَى الْغَيْر بِلَا نزاع، وَقَوله: لَا أَنه رَجَعَ إِلَى مُجَرّد قَول الْغَيْر، يُنَاقض ذَلِك. وَقَوله: فَسجدَ بِسَبَب حُصُول الشَّك، غير مُسلم، لِأَن سُجُوده إِنَّمَا كَانَ للزِّيَادَة لَا للشَّكّ الْحَاصِل من كَلَامهم، لِأَنَّهُ لَو شكّ لَكَانَ تردداً، إِذْ مُقْتَضى الشَّك التَّرَدُّد، فحين سمع قَوْلهم: صليت كَذَا وَكَذَا ثنى رجلَيْهِ واستقبل الْقبْلَة وَسجد سَجْدَتَيْنِ.
وَمِنْهَا مَا قَالَه الْكرْمَانِي أَيْضا. فَإِن قلت: آخر الحَدِيث يدل على سُجُود السَّهْو بعدالسلام وأوله على عَكسه. قلت: مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه يسن قبل السَّلَام، وَتَأَول آخر الحَدِيث بِأَنَّهُ قَول، وَالْأول فعل، وَالْفِعْل مقدم على القَوْل لِأَنَّهُ أدل على الْمَقْصُود، أَو أَنه أَمر بِأَن يسْجد بعد السَّلَام بَيَانا للْجُوَاز، وَفعل نَفسه قبل السَّلَام لِأَنَّهُ أفضل. قلت: لَا نسلم أَن الْفِعْل مقدم على القَوْل، لِأَن مُطلق القَوْل يدل على الْوُجُوب، على أَنا نقُول: يحْتَمل أَن يكون سلم قبل أَن يسْجد سَجْدَتَيْنِ، ثمَّ سلم سَلام سُجُود السَّهْو، فالراوي اخْتَصَرَهُ، وَلِأَن فِي السُّجُود بعد السَّلَام تضَاعف الْأجر، وَهُوَ الْأجر الْحَاصِل من سَلام الصَّلَاة وَمن سَلام سُجُود السَّهْو، وَلِأَنَّهُ شرع جبرا للنقص أَو للزِّيَادَة الَّتِي فِي غير محلهَا وَهِي أَيْضا نقص كالإصبع الزَّائِدَة، والجبر لَا يكون إلَاّ بعد تَمام المجبور، وَمَا بَقِي عَلَيْهِ سَلام الصَّلَاة، فَهُوَ فِي الصَّلَاة.
وَمِنْهَا مَا قَالَه الْكرْمَانِي أَيْضا. فَإِن قلت: لم عدل عَن لفظ الْأَمر إِلَى الْخَبَر وَغير أسلوب الْكَلَام؟ قلت: لَعَلَّ السَّلَام وَالسُّجُود كَانَا ثابتين يومئذٍ، فَلهَذَا أخبر عَنْهُمَا، وَجَاء بِلَفْظ الْخَبَر بِخِلَاف التَّحَرِّي والإتمام، فَإِنَّهُمَا ثبتا بِهَذَا الْأَمر، أَو للإشعار بِأَنَّهُمَا ليسَا بواجبين كالتحري والإتمام. قلت: الفصاحة من التفنن فِي أساليب الْكَلَام، وَالنَّبِيّ أفْصح النَّاس لَا يجارى فِي فَصَاحَته، وَقَوله: أَو للإشعار بِأَنَّهُمَا ليسَا بواجبين، غير مُسلم، بل هما واجبان لمقْتَضى الْأَمر الْمُطلق، وَهُوَ قَوْله: (من شكّ فِي صلَاته فليسجد سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا يسلم) ، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب هُوَ الْوُجُوب، ذكره فِي (الْمُحِيط) و (الْمَبْسُوط) و (الذَّخِيرَة) و (الْبَدَائِع) وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد، وَعند الْكَرْخِي من أَصْحَابنَا: أَنه سنة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وعَلى رِوَايَة: (فليتحر الصَّوَاب فليتم عَلَيْهِ ثمَّ ليسلم ثمَّ ليسجد سَجْدَتَيْنِ) ، لَا يرد هَذَا السُّؤَال فَلَا يحْتَاج إِلَى الْجَواب.
وَمِنْهَا مَا قَالَه الْكرْمَانِي أَيْضا. فَإِن قلت: السَّجْدَة مُسلم أَنَّهَا لَيست بواجبة، لَكِن السَّلَام وَاجِب. قلت: وُجُوبه بِوَصْف كَونه قبل السَّجْدَتَيْنِ مَمْنُوع، وَأما نفس وُجُوبه فمعلوم من مَوضِع آخر. قلت: قَوْله: مُسلم، غير مُسلم لما ذكرنَا الْآن، وَقَوله: مَمْنُوع، غير مَمْنُوع أَيْضا لِأَن مَحل السَّلَام الَّذِي هُوَ للصَّلَاة فِي آخرهَا مُتَّصِلا بهَا فَوَجَبَ بِهَذَا الْوَصْف، وَلَا يمْتَنع أَن يكون الشَّيْء وَاجِبا من جِهَتَيْنِ.
وَمِنْهَا مَا قيل: إِن التَّحَرِّي فِي حَدِيث الْبَاب مَحْمُول على الْأَخْذ بِالْأَقَلِّ الَّذِي هُوَ الْيَقِين، لِأَن التَّحَرِّي هُوَ الْقَصْد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿تحروا رشدا﴾ (الْجِنّ: ٤١) وَمعنى قَوْله (فليتحر الصَّوَاب) : فليتقصد الصَّوَاب فليعمل بِهِ، وَقصد الصَّوَاب هُوَ مَا بَينه فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ مُسلم، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فَلَا يدْرِي كم صلى ثَلَاثًا أم أَرْبعا؟ فليطرح الشَّك وليبن على الْيَقِين) الحَدِيث. وَأجِيب: بِأَنَّهُ مَحْمُول على مَا إِذا تحرى وَلم يَقع تحريه على شَيْء، فحينئذٍ نقُول: إِنَّه يَبْنِي على الْأَقَل، وَلَا يُخَالف هَذَا لما قُلْنَا.
وَمِنْهَا مَا قيل: الْمصير إِلَى التَّحَرِّي لضَرُورَة، وَلَا ضَرُورَة هَهُنَا، لِأَنَّهُ يُمكنهُ إِدْرَاك الْيَقِين بِدُونِهِ بِأَن يَبْنِي على الْأَقَل. فَلَا حَاجَة إِلَى التَّحَرِّي؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ قد يتَعَذَّر عَلَيْهِ الْوُصُول إِلَى مَا اشْتبهَ عَلَيْهِ بِدَلِيل من الدَّلَائِل، والتحري عِنْد عدم الْأَدِلَّة مَشْرُوع كَمَا فِي أَمر الْقبْلَة. فَإِن قيل: يسْتَقْبل. قلت: لَا وَجه لذَلِك لِأَنَّهُ عَسى أَن يَقع لَهُ ثَانِيًا. وَثَانِيا إِلَى مَا لَا يتناهى،
стр. 1086
فَإِن قلت: يبنيه على الْأَقَل. قلت: لَا وَجه لذَلِك أَيْضا، لِأَن ذَلِك لَا يوصله إِلَى مَا عَلَيْهِ، فَلَا يَبْنِي على الْأَقَل إلاّ عِنْد عدم وُقُوع تحريه على شَيْء، كَمَا ذكرنَا.
٢٣ - (بابُ مَا جاءَ فِي القِبْلَةِ وَمَنْ لَا يَرَى الإِعادَةَ عَلى منْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي أَمر الْقبْلَة، وَهُوَ بِخِلَاف مَا تقدم قبل هَذَا الْبَاب، فَإِن ذَاك فِي حكم التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة، وَهَذَا فِي حكم من سَهَا فصلى إِلَى غير الْقبْلَة. وَأَشَارَ إِلَى حكم هَذَا بقوله: وَمن لم ير الْإِعَادَة. إِلَى آخِره. وَهَذَا بَاب فِيهِ الْخلاف، وَهُوَ أَن الرجل إِذا اجْتهد فِي الْقبْلَة فصلى إِلَى غَيرهَا فَهَل يُعِيد أم لَا؟
فَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَعَطَاء وَسَعِيد بن الْمسيب وَحَمَّاد: لَا يُعِيد، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ. وَعَن مَالك كَذَلِك، وَعنهُ: يُعِيد فِي الْوَقْت اسْتِحْسَانًا. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر؛ وَهُوَ قَول الْحسن وَالزهْرِيّ، وَقَالَ الْمُغيرَة: يُعِيد أبدا. وَعَن حميد بن عبد الرَّحْمَن وطاووس وَالزهْرِيّ: يُعِيد فِي الْوَقْت. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن فرغ من صلَاته ثمَّ بَان لَهُ أَنه صلى إِلَى الْمغرب اسْتَأْنف الصَّلَاة، وَإِن لم يبن لَهُ ذَلِك إلَاّ بِاجْتِهَادِهِ فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن لم يتَيَقَّن الْخَطَأ فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ، وَإِلَّا أعَاد وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أَنه قَالَ: (كُنَّا مَعَ النَّبِي فِي سفر فغيمت السَّمَاء وأشكلت علينا الْقبْلَة فصليناه وَأَعْلَمنَا، فَلَمَّا طلعت الشَّمْس إِذا نَحن قد صلينَا إِلَى غير الْقبْلَة، فَذَكرنَا ذَلِك للنَّبِي فَأنْزل اتعالى ﴿فإينما توَلّوا فثم وَجه ا﴾ (الْبَقَرَة: ٥١١)) . وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) من حَدِيث جَابر: (أَنهم صلوا فِي لَيْلَة مظْلمَة كل رجل مِنْهُم على حياله، فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي فَقَالَ: (مَضَت صَلَاتكُمْ) ، وَنزلت ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه ا﴾ (الْبَقَرَة: ٥١١) ويحتج بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين لما ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَمن تبعه فِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة. فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: حَدِيث جَابر ضَعِيف قلت: رُوِيَ حَدِيث جَابر من ثَلَاث طرق: إِحْدَاهَا أخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) عَن مُحَمَّد بن سَالم عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَنهُ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَمُحَمّد بن سَالم لَا أعرفهُ بعدالة وَلَا جرح. وَقَالَ الواحدي: مَذْهَب ابْن عمرَان: الْآيَة نازلة فِي التَّطَوُّع بالنافلة. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا: لما توفّي النَّجَاشِيّ جَاءَ جِبْرِيل ﵇ إِلَى النَّبِي، فَقَالَ: إِن النَّجَاشِيّ توفّي فصل عَلَيْهِ. فَقَالَ الصَّحَابَة فِي أنفسهم: كَيفَ نصلي على رجل مَاتَ وَلم يصلِّ إِلَى قبلتنا؟ وَكَانَ النَّجَاشِيّ يُصَلِّي إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِلَى أَن مَاتَ، فَنزلت الْآيَة. وَقَالَ قَتَادَة: هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ (الْبَقَرَة: ٤٤١) وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَمن لم ير الْإِعَادَة) ، وَفِي بعض النّسخ (وَمن لم يرى الْإِعَادَة) ، وَهُوَ عطف على قَوْله: (فِي الْقبْلَة) أَي: وَبَاب مَا جَاءَ فِيمَن لَا يرى إِعَادَة الصَّلَاة على من سَهَا فصلى إِلَى غير الْقبْلَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فصلى تَفْسِير لقَوْله: سَهَا، وَالْفَاء، تفسيرية. قلت: وَفِيه: بعد، وَالْأولَى إِن تكون للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن اأنزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة﴾ (الْحَج: ٣٦) وَلَو قَالَ: بِالْوَاو، لَكِن أحسن على مَا لَا يخفى.
وقَد سَلَّمَ النبيُّ فِي رَكْعَتَيِ الظُّهْرِ وأقْبَلَ عَلى النَّاسِ بِوَجْهِهِ ثُمَّ أتَمَّ مَا بَقِيّ.
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ عدم وجوب الْإِعَادَة على من صلى سَاهِيا إِلَى غير الْقبْلَة، وَهُوَ ظَاهر لِأَنَّهُ، فِي حَال إقباله على النَّاس دَاخل فِي حكم الصَّلَاة، وَأَنه فِي ذَلِك الزَّمَان ساهٍ مصلَ إِلَى غير الْقبْلَة؛ وَهَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ، فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ، وَزعم ابْن بطال وَابْن التِّين أَنه طرف من حَدِيث ابْن مَسْعُود الَّذِي سلف، وَهَذَا وهم مِنْهُمَا، لِأَن حَدِيث ابْن مَسْعُود لَيْسَ فِي شَيْء من طرقه أَنه سلم من رَكْعَتَيْنِ.
٦٦ - (حَدثنَا عَمْرو بن عون قَالَ حَدثنَا هشيم عَن حميد عَن أنس قَالَ قَالَ عمر وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث فَقلت يَا رَسُول الله لَو اتخذنا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى فَنزلت وَاتَّخذُوا من مقَام
стр. 1087
إِبْرَاهِيم مصلى وَآيَة الْحجاب قلت يَا رَسُول الله لَو أمرت نِسَاءَك أَن يحتجبن فَإِنَّهُ يكلمهن الْبر والفاجر فَنزلت آيَة الْحجاب وَاجْتمعَ نسَاء النَّبِي ﷺ َ - فِي الْغيرَة عَلَيْهِ فَقلت لَهُنَّ عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن فَنزلت هَذِه الْآيَة) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي الْجُزْء الأول وَهُوَ قَوْله " لَو اتخذنا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى " وَالْمرَاد من مقَام إِبْرَاهِيم الْكَعْبَة على قَول وَهِي قبْلَة وَالْبَاب فِيمَا جَاءَ فِي الْقبْلَة وعَلى قَول من فسر مقَام إِبْرَاهِيم بِالْحرم فالحرم كُله قبْلَة فِي حق الأفاقيين وَالْبَاب فِي أُمُور الْقبْلَة وَأما على قَول من فسر الْمقَام بِالْحجرِ الَّذِي وقف عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم ﷺ فَتكون الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة مُتَعَلقَة بالمتعلق بالقبلة لَا بِنَفس الْقبْلَة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عَمْرو بن عون أَبُو عُثْمَان الوَاسِطِيّ الْبَزَّاز بالزاي المكررة نزيل الْبَصْرَة مَاتَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي هشيم بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن بشير بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَقد مر ذكره فِي أول كتاب التَّيَمُّم. الثَّالِث حميد الطَّوِيل وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع أنس بن مَالك. الْخَامِس عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه القَوْل. وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين واسطي وبصري وَفِيه رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عون وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن حميد بِقصَّة الْحجاب فَقَط وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم بالقصة الأولى وَعَن عبد بن حميد عَن حجاج وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد عَن يحيى بن زَائِدَة عَن حميد بالقصة الأولى وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن حميد بالقصة الثَّانِيَة قصَّة الْحجاب وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن هشيم بالقصة الثَّالِثَة اجْتمع نساؤه فِي الْغيرَة وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن هشيم بالقصة الأولى. (ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) قَوْله " وَافَقت رَبِّي " من الْمُوَافقَة من بَاب المفاعلة الَّتِي تدل على مُشَاركَة اثْنَيْنِ فِي فعل ينْسب إِلَى أَحدهمَا مُتَعَلقا بِالْآخرِ وَالْمعْنَى فِي الأَصْل وَافقنِي رَبِّي فَأنْزل الْقُرْآن على وفْق مَا رَأَيْت وَلكنه رَاعى الْأَدَب فأسند الْمُوَافقَة إِلَى نَفسه لَا إِلَى الرب جلّ وَعز قَوْله " فِي ثَلَاث " أَي فِي ثَلَاثَة أُمُور وَإِنَّمَا لم يؤنث الثَّلَاث مَعَ أَن الْأَمر مُذَكّر لِأَن الْمُمَيز إِذا لم يكن مَذْكُورا جَازَ فِي لفظ الْعدَد التَّذْكِير والتأنيث (فَإِن قلت) حصلت الْمُوَافقَة لَهُ فِي أَشْيَاء غير هَذِه الثَّلَاث. مِنْهَا فِي أُسَارَى بدر حَيْثُ كَانَ رَأْيه أَن لَا يفدون فَنزل ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى﴾ وَمِنْهَا فِي منع الصَّلَاة على الْمُنَافِقين فَنزل ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا﴾ وَمِنْهَا فِي تَحْرِيم الْخمر. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة حَدثنَا عَليّ بن زيد " عَن أنس قَالَ عمر وَافَقت رَبِّي فِي أَربع " وَذكر مَا فِي البُخَارِيّ قَالَ " وَنزلت ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين﴾ إِلَى قَوْله ﴿ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر﴾ فَقلت أَنا ﴿تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ فَنزلت كَذَلِك ". وَمِنْهَا فِي شَأْن عَائِشَة ﵂ " لما قَالَ أهل الْإِفْك مَا قَالُوا فَقَالَ يَا رَسُول الله من زوجكها فَقَالَ الله تَعَالَى قَالَ أفتنظر أَن رَبك دلّس عَلَيْك فِيهَا ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم﴾ فَأنْزل الله ذَلِك " ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه وَقد ذكر أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ أَن الْمُوَافقَة فِي أحد عشر موضعا (قلت) يشْهد لذَلِك مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مصححا من حَدِيث ابْن عمر " مَا نزل بِالنَّاسِ أَمر قطّ فَقَالُوا فِيهِ وَقَالَ فِيهِ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَّا نزل فِيهِ الْقُرْآن على نَحْو مَا قَالَ عمر ﵁ وَهَذَا يدل على كَثْرَة مُوَافَقَته فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكيف نَص على الثَّلَاث فِي الْعدَد (قلت) التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد وَقيل يحْتَمل أَنه ذكر ذَلِك قبل أَن يُوَافق فِي أَربع وَمَا زَاد وَفِيه نظر لِأَن عمر أخبر بِهَذَا بعد موت النَّبِي ﷺ َ - فَلَا يتَّجه مَا ذكر من ذَلِك وَيُقَال يحْتَمل أَن الرَّاوِي اعتنى بِذكر الثَّلَاث دون مَا سواهَا لغَرَض لَهُ قَوْله " قلت " ويروى " فَقلت " قَوْله " لَو اتخذنا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى " جَوَاب لَو مَحْذُوف وَيجوز أَن يكون لَو لِلتَّمَنِّي فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب وَاخْتلفُوا فِيهِ فَقَالَ ابْن الصَّائِغ وَابْن هِشَام هِيَ قسم برأسها لَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب كجواب الشَّرْط
стр. 1088
وَلَكِن قد يُؤْتى لَهَا بِجَوَاب مَنْصُوب كجواب لَيْت وَقَالَ بَعضهم هِيَ لَو الشّرطِيَّة أشربت معنى التَّمَنِّي وَقَالَ ابْن مَالك هِيَ لَو المصدرية أغنت عَن فعل التَّمَنِّي قَوْله " وَآيَة الْحجاب " هِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾ وَآيَة الْحجاب كَلَام إضافي يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب والجر أما الرّفْع فَيحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا بِالِابْتِدَاءِ مَحْذُوف الْخَبَر تَقْدِيره وَآيَة الْحجاب كَذَلِك وَالْآخر أَن يكون مَعْطُوفًا على مُقَدّر تَقْدِيره هُوَ اتِّخَاذ الْمصلى وَآيَة الْحجاب وَأما النصب فعلى الِاخْتِصَاص وَأما الْجَرّ فعلى أَنه مَعْطُوف على مجرور وَهُوَ بدل من ثَلَاث وَالتَّقْدِير فِي ثَلَاث اتِّخَاذ الْمصلى وَآيَة الْحجاب قَوْله " الْبر " بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة صفة مشبهة من بررت أبر من بَاب علم يعلم فَأَنا بر وبار وَيجمع الْبر على أبرار والبار على البررة وَالْبر مُقَابل الْفَاجِر من الْفُجُور قَالَ الْجَوْهَرِي فجر فجورا أَي فسق وفجر أَي كذب وَأَصله الْميل والفاجر المائل قَوْله " فِي الْغيرَة " بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهِي الحمية والأنفة يُقَال رجل غيور وَامْرَأَة غيور بِلَا هَاء لِأَن فعولًا يشْتَرك فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى يُقَال غرت على أَهلِي أغار غيرَة فَأَنا غائر وغيور للْمُبَالَغَة (ذكر استنباط الْأَحْكَام) وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع كَمَا صرح بهَا فِي الحَدِيث. الأول سُؤال عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَن يتَّخذ من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى وَقَالَ الْخطابِيّ سَأَلَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن يَجْعَل ذَلِك الْحجر الَّذِي فِيهِ أثر مقَامه مصلى بَين يَدي الْقبْلَة يقوم الإِمَام عِنْده فَنزلت الْآيَة وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فَإِن قيل مَا السِّرّ فِي أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لم يقنع بِمَا فِي شرعنا حَتَّى طلب الاستنان بِملَّة إِبْرَاهِيم ﵇ وَقد نَهَاهُ ﷺ َ - عَن مثل هَذَا حِين أَتَى بأَشْيَاء من التَّوْرَاة فَالْجَوَاب أَن عمر لما سمع قَوْله تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيم ﴿إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا﴾ ثمَّ سمع ﴿أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ على أَن الائتمام بِهِ مَشْرُوع فِي شرعنا دون غَيره ثمَّ رأى أَن الْبَيْت مُضَاف إِلَيْهِ وَأَن أثر قدمه فِي الْمقَام كرقم اسْم الْبَانِي فِي الْبناء ليذكر بِهِ بعد مَوته فَرَأى الصَّلَاة عِنْد الْمقَام كَقِرَاءَة الطَّائِف بِالْبَيْتِ اسْم من بناه انْتهى وَلم تزل آثَار قدمي إِبْرَاهِيم ﵇ ظَاهِرَة فِيهِ مَعْرُوفَة عِنْد الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا وَلِهَذَا قَالَ أَبُو طَالب فِي قصيدته اللامية الْمَعْرُوفَة
(وموطىء إِبْرَاهِيم فِي الصخر رطبَة ... على قَدَمَيْهِ حافيا غير ناعل)
وَقد أدْرك الْمُسلمُونَ ذَلِك فِيهِ أَيْضا كَمَا قَالَ عبد الله بن وهب أَخْبرنِي يُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب أَن أنس بن مَالك حَدثهمْ قَالَ رَأَيْت الْمقَام فِيهِ أَصَابِعه ﷺ َ - أَخْمص قَدَمَيْهِ غير أَنه أذهبه مسح النَّاس بِأَيْدِيهِم وَقَالَ ابْن جرير حَدثنَا بشر بن معَاذ حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا سعيد عَن قَتَادَة ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ إِنَّمَا أمروا أَن يصلوا عِنْده وَلم يؤمروا بمسحه وَلَقَد تكلفت هَذِه الْأمة شَيْئا مَا تكلفته الْأُمَم قبلهَا وَلَقَد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فِيهَا فَمَا زَالَت هَذِه الْأمة يمسحونه حَتَّى اخلولق وانمحى. الثَّانِي الْحجاب فَكَانَ ﷺ َ - جَارِيا فِيهِ على عَادَة الْعَرَب وَلم يكن يخفى عَلَيْهِ ﷺ َ - أَن حجبهن خير من غَيره لكنه كَانَ ينْتَظر الْوَحْي بِدَلِيل أَنه لم يُوَافق عمر حِين أَشَارَ بذلك قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَكَانَ الْحجاب فِي السّنة الْخَامِسَة فِي قَول قَتَادَة وَقيل فِي السّنة الثَّالِثَة قَالَه أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَعند ابْن سعد فِي ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَنه لما تزوج زَيْنَب بنت جحش أولم عَلَيْهَا فَأكل جمَاعَة وَهِي مولية بوجهها إِلَى الْحَائِط وَلم يخرجُوا فَخرج رَسُول الله ﷺ َ - وَلم يخرجُوا وَعَاد وَلم يخرجُوا فَنزلت آيَة الْحجاب وَقَالَ عِيَاض أما الْحجاب الَّذِي خص بِهِ زَوْجَات النَّبِي ﷺ َ - فَهُوَ فرض عَلَيْهِنَّ بِلَا خلاف فِي الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَلَا يجوز لَهُنَّ كشف ذَلِك لشهادة وَلَا لغَيْرهَا وَلَا إِظْهَار شخصهن إِذا خرجن كَمَا فعلت حَفْصَة يَوْم مَاتَ أَبوهَا ستر شخصها حِين خرجت وبنيت عَلَيْهَا قبَّة لما توفيت قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب﴾ . الثَّالِث اجْتِمَاع نسَاء النَّبِي ﷺ َ - فِي الْغيرَة عَلَيْهِ وَهُوَ مَا ذكره البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة حَدثنَا مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن حميد عَن أنس قَالَ " قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث أَو وَافقنِي رَبِّي فِي ثَلَاث فَقلت يَا رَسُول الله لَو اتَّخذت من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى وَقلت يَا رَسُول الله يدْخل عَلَيْك الْبر والفاجر فَلَو أمرت أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ بالحجاب فَأنْزل الله آيَة الْحجاب قَالَ وَبَلغنِي معاتبة النَّبِي ﷺ َ - بعض نِسَائِهِ فَدخلت عَلَيْهِنَّ قلت إِن انتهيتن أَو ليبدلن الله رَسُوله خيرا مِنْكُن حَتَّى أتيت إِحْدَى
стр. 1089
نِسَائِهِ فَقَالَت يَا عمر أما فِي رَسُول الله ﷺ َ - مَا يعظ نِسَاءَهُ حَتَّى تعظهن أَنْت فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن مسلمات﴾ " الْآيَة وَأخرج فِي سُورَة التَّحْرِيم وَقَالَ حَدثنَا عَمْرو بن عون حَدثنَا هشيم عَن حميد عَن أنس قَالَ " قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اجْتمع نسَاء النَّبِي ﷺ َ - فِي الْغيرَة عَلَيْهِ فَقلت لَهُنَّ ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن﴾ فَنزلت الْآيَة " وأصل هَذِه الْقَضِيَّة أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ إِذا صلى الْغَدَاة دخل على نِسَائِهِ امْرَأَة امْرَأَة وَكَانَت قد أهديت لحفصة بنت عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عكة من عسل فَكَانَت إِذا دخل عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ َ - مُسلما حَبسته وسقته مِنْهَا وَأَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنْكرت احتباسه عِنْدهَا فَقَالَت لجويرية عِنْدهَا حبشية يُقَال لَهَا خضرَة إِذا دخل رَسُول الله ﷺ َ - على حَفْصَة فادخلي عَلَيْهَا فانظري مَاذَا تصنع فَأَخْبَرتهَا الْخَبَر وشأن الْعَسَل فغارت فَأرْسلت إِلَى صواحبها وَقَالَت إِذا دخل عليكن رَسُول الله ﷺ َ - فَقُلْنَ إِنَّا نجد مِنْك ريح مَغَافِير وَهُوَ صمغ العرفط كريه الرَّائِحَة وَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يكره ويشق عَلَيْهِ أَن يُوجد مِنْهُ ريح مُنْتِنَة لِأَنَّهُ يَأْتِيك الْملك فَدخل رَسُول الله ﷺ َ - على سَوْدَة قَالَت فَمَا أردْت أَن أَقُول ذَلِك لرَسُول الله ﷺ َ - ثمَّ إِنِّي فرقت من عَائِشَة فَقلت يَا رَسُول الله مَا هَذِه الرّيح الَّتِي أَجدهَا مِنْك أكلت المغافير قَالَ لَا وَلَكِن حَفْصَة سقتني عسلا ثمَّ دخل رَسُول الله ﷺ َ - على امْرَأَة امْرَأَة وَهن يقلن لَهُ ذَلِك ثمَّ دخل على عَائِشَة فَأخذت بأنفها فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ َ - مَا شَأْنك قَالَت أجد ريح المغافير أأكلتها يَا رَسُول الله قَالَ لَا بل سقتني حَفْصَة عسلا قَالَت جرست إِذا نحله العرفط فَقَالَ لَهَا وَالله لَا أطْعمهُ أبدا فحرمه على نَفسه قَالُوا وَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - قسم الْأَيَّام بَين نِسَائِهِ فَلَمَّا كَانَ يَوْم حَفْصَة قَالَت يَا رَسُول الله إِن لي إِلَى أبي حَاجَة نَفَقَة لي عِنْده فَأذن لي أَن أَزورهُ وَآتِي بهَا فَأذن لَهَا فَلَمَّا خرجت أرسل رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى جَارِيَته مَارِيَة الْقبْطِيَّة أم إِبْرَاهِيم وَكَانَ قد أهداها لَهُ الْمُقَوْقس فَأدْخلهَا بَيت حَفْصَة فَوَقع عَلَيْهَا فَأَتَت حَفْصَة فَوجدت الْبَاب مغلقا فَجَلَست عِنْد الْبَاب فَخرج رَسُول الله وَوَجهه يقطر عرقا وَحَفْصَة تبْكي فَقَالَ مَا يبكيك فَقَالَت إِنَّمَا أَذِنت لي من أجل هَذَا أدخلت أمتك بَيْتِي ثمَّ وَقعت عَلَيْهَا فِي يومي وعَلى فِرَاشِي أما رَأَيْت لي حُرْمَة وَحقا مَا كنت تصنع هَذَا بِامْرَأَة مِنْهُنَّ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - أَلَيْسَ هِيَ جاريتي قد أحلهَا الله لي اسكتي فَهِيَ عَليّ حرَام ألتمس بِذَاكَ رضاك فَلَا تُخْبِرِي بِهَذَا امْرَأَة مِنْهُنَّ وَهُوَ عنْدك أَمَانَة فَلَمَّا خرج رَسُول الله ﷺ َ - قرعت حَفْصَة الْجِدَار الَّذِي بَينهَا وَبَين عَائِشَة فَقَالَت أَلا أُبَشِّرك أَن رَسُول الله ﷺ َ - قد حرم عَلَيْهِ أمته مَارِيَة فقد أراحنا الله مِنْهَا وأخبرت عَائِشَة بِمَا رَأَتْ وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سَائِر أَزوَاج النَّبِي ﷺ َ - فَلم يزل نَبِي الله ﷺ َ - حَتَّى حلف أَن لَا يقربهَا فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك﴾ يَعْنِي الْعَسَل ومارية ثمَّ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لما بلغه ذَلِك دخل على نِسَائِهِ ﷺ َ - فوعظهن وزجرهن وَمن جملَة مَا قَالَ ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن﴾ فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة فَهَذَا من جملَة مَا وَافق عمر ربه وَوَافَقَهُ ربه. وَقَالَ صَاحب الْكَشَّاف (فَإِن قلت) كَيفَ يكون المبدلات خيرا مِنْهُنَّ وَلم يكن على وَجه الأَرْض نسَاء خير من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ (قلت) إِذا طلقهن رَسُول الله ﷺ َ - لعصيانهن لَهُ وإيذائهن إِيَّاه لم يبْقين على تِلْكَ الصّفة وَكَانَ غَيْرهنَّ من الموصوفات بِهَذِهِ الْأَوْصَاف مَعَ الطَّاعَة لرَسُول الله ﷺ َ - النُّزُول على هَوَاهُ وَرضَاهُ خيرا مِنْهُنَّ وَإِنَّمَا أخليت الصِّفَات كلهَا عَن العاطف ووسط بَين الثيبات والأبكار لِأَنَّهُمَا صفتان متنافيتان لَا يجتمعن فيهمَا اجتماعهن فِي سَائِر الصِّفَات فَلم يكن بُد من الْوَاو وَقَالَ النَّسَفِيّ الْآيَة وَارِدَة فِي الْإِخْبَار عَن الْقُدْرَة لَا عَن الْكَوْن فِي الْوَقْت لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ إِن طَلَّقَكُن وَقد علم أَنه لَا يُطَلِّقهُنَّ وَهَذَا كَقَوْلِه ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ﴾ الْآيَة فَهَذَا إِخْبَار عَن الْقُدْرَة وتخويف لَهُم لَا أَن فِي الْوُجُود من هُوَ خير من أمة مُحَمَّد ﷺ َ -
(قَالَ أَبُو عبد الله قَالَ ابْن أبي مَرْيَم قَالَ أخبرنَا يحيى بن أَيُّوب قَالَ حَدثنِي حميد قَالَ سَمِعت أنسا بِهَذَا) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم الْمَعْرُوف بِابْن أبي مَرْيَم وَيحيى بن أَيُّوب الغافقي أَو حميد الطَّوِيل وَهَذَا ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا هَهُنَا وَفِي التَّفْسِير أَيْضا وَنَصّ عَلَيْهِ أَيْضا خلف وَصَاحب الْمُسْتَخْرج
стр. 1090
وَهُوَ الظَّاهِر وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم وَهُوَ غير ظَاهر لِأَن البُخَارِيّ لم يحْتَج بِيَحْيَى بن أَيُّوب وَإِنَّمَا ذكره فِي الاستشهاد والمتابعة (فَإِن قلت) قَالَ ابْن بطال خرج لَهُ الشَّيْخَانِ (قلت) فِيهِ نظر لِأَنَّهُ نقض كَلَام نَفسه بِنَفسِهِ بِذكرِهِ لَهُ تَرْجَمَة فِي إِفْرَاد مُسلم (فَإِن قلت) مَا فَائِدَة ذكر البُخَارِيّ لَهُ إِذا كَانَ الْأَمر كَمَا ذكرت (قلت) ليُفِيد تَصْرِيح حميد فِيهِ بِسَمَاعِهِ إِيَّاه من أنس فَحصل الْأَمْن من تدليسه وَقَالَ الْكرْمَانِي إِنَّمَا اسْتشْهد بِهَذَا الطَّرِيق للتقوية دفعا لما فِي الْإِسْنَاد السَّابِق من ضعف عنعنة هشيم إِذْ قيل أَنه مُدَلّس (قلت) فِيهِ نظر لِأَن معنعنات الصَّحِيحَيْنِ كلهَا مَقْبُولَة مَحْمُولَة على السماع وَكَلَامه يدل على هَذَا فَحِينَئِذٍ ذكره كَمَا ذكرنَا هُوَ الْوَاقِع فِي مَحَله ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) لم مَا عكس بِأَن يَجْعَل هَذَا الْإِسْنَاد أصلا (قلت) لما فِي يحيى من سوء الْحِفْظ وَلِأَن ابْن أبي مَرْيَم مَا نَقله بِلَفْظ النَّقْل والتحديث بل ذكره على سَبِيل المذاكرة وَلِهَذَا قَالَ البُخَارِيّ قَالَ ابْن أبي مَرْيَم (قلت) يُعَكر على مَا قَالَه رِوَايَة كَرِيمَة حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم كَمَا ذَكرْنَاهُ وَالظَّاهِر أَن الْكرْمَانِي لَو اطلع على هَذِه الرِّوَايَة لما قَالَ مَا ذكره قَوْله " بِهَذَا " أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور سندا ومتنا فَهُوَ من رِوَايَة أنس عَن عمر لَا من رِوَايَة أنس عَن النَّبِي ﷺ َ - فَافْهَم
٦٧ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك بن أنس عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر قَالَ بَينا النَّاس بقباء فِي صَلَاة الصُّبْح إِذْ جَاءَهُم آتٍ فَقَالَ إِن رَسُول الله ﷺ َ - قد أنزل عَلَيْهِ اللَّيْلَة قُرْآن وَقد أَمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة فاستقبلوها وَكَانَت وُجُوههم إِلَى الشَّام فاستداروا إِلَى الْكَعْبَة) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ الدّلَالَة عَلَيْهَا من الْجُزْء الأول وَهُوَ قَوْله " وَقد أَمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة " وَمن الْجُزْء الثَّانِي أَيْضا وَذَلِكَ لأَنهم صلوا فِي أول تِلْكَ الصَّلَاة إِلَى الْقبْلَة المنسوخة الَّتِي هِيَ غير الْقبْلَة الْوَاجِب استقبالها جاهلين بِوُجُوبِهِ وَالْجَاهِل كالناسي حَيْثُ لم يؤمروا بِإِعَادَة صلَاتهم. وَرِجَاله أَئِمَّة مَشْهُورُونَ. وَفِيه التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والإخبار كَذَلِك والعنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن يحيى بن قزعة وقتيبة فرقهما وَفِي خبر الْوَاحِد عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة وَالنَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي التَّفْسِير جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة أربعتهم عَنهُ بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " بَينا " أَصله بَين فأشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا يُقَال بَينا وبينما وهما ظرفا زمَان بِمَعْنى المفاجأة ويضافان إِلَى جملَة من فعل وفاعل مُبْتَدأ وَخبر ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى والأفصح فِي جوابهما أَن لَا يكون فِيهِ إِذْ وَإِذا وَقد جاآ كثيرا تَقول بَينا زيد جَالس دخل عَلَيْهِ عَمْرو وَإِذ دخل عَلَيْهِ عَمْرو وَإِذا دخل عَلَيْهِ وَبينا هَهُنَا أضيف إِلَى الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَجَوَابه قَوْله إِذْ جَاءَهُم آتٍ وَفِي قبَاء سِتّ لُغَات الْمَدّ وَالْقصر والتذكير والتأنيث وَالصرْف وَالْمَنْع وأفصحها الْمَدّ وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف ظَاهر الْمَدِينَة وَالْمعْنَى هُنَا بَينا النَّاس فِي مَسْجِد قبَاء وهم فِي صَلَاة الصُّبْح وَاللَّام فِي النَّاس للْعهد الذهْنِي لِأَن المُرَاد أهل قبَاء وَمن حضر مَعَهم فِي الصَّلَاة قَوْله " آتٍ " فَاعل من أَتَى يَأْتِي فأعل إعلال قَاض وَهَذَا الْآتِي هُوَ عباد بِالتَّشْدِيدِ ابْن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفِي حَدِيث الْبَراء الْمُتَقَدّم فِي صَلَاة الْعَصْر وَلَا مُنَافَاة بَين الْخَبَرَيْنِ وَقد ذكرنَا وَجهه فِي حَدِيث الْبَراء وَهُوَ أَن الْخَبَر وصل وَقت الْعَصْر إِلَى من هُوَ دَاخل الْمَدِينَة وَوقت الصُّبْح فِي الْيَوْم الثَّانِي إِلَى من هُوَ خَارِجهَا قَوْله " وَقد أنزل عَلَيْهِ اللَّيْلَة قُرْآن " أطلق اللَّيْلَة على بعض الْيَوْم الْمَاضِي وَمَا يَلِيهِ مجَازًا وَأَرَادَ بِالْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى ﴿قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء﴾ الْآيَات وَفِيه أَيْضا مجَاز حَيْثُ ذكر الْكل وَأَرَادَ الْجُزْء وَفِي بعض النّسخ الْقُرْآن بِالْألف وَاللَّام الَّتِي هِيَ للْعهد قَوْله " وَقد أَمر " على صِيغَة الْمَجْهُول أَي أَمر النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة " أَي بِأَن يسْتَقْبل وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالْمعْنَى باستقبال الْكَعْبَة قَوْله " فاستقبلوها " على صِيغَة الْجمع من الْمَاضِي وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ َ - وَأَصْحَابه وَيحْتَمل أَن يكون الضَّمِير لأهل قبَاء يَعْنِي حِين سمعُوا من الْآتِي مَا بَلغهُمْ استقبلوا الْكَعْبَة وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ " فاستقبلوها " بِكَسْر الْبَاء على صِيغَة الْأَمر للْجمع وَالْأَمر لأهل قبَاء من الْآتِي قَوْله " وَكَانَت وُجُوههم "
следующие страницы →