← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

فَإِن قلت: يبنيه على الْأَقَل. قلت: لَا وَجه لذَلِك أَيْضا، لِأَن ذَلِك لَا يوصله إِلَى مَا عَلَيْهِ، فَلَا يَبْنِي على الْأَقَل إلاّ عِنْد عدم وُقُوع تحريه على شَيْء، كَمَا ذكرنَا. ٢٣ - (بابُ مَا جاءَ فِي القِبْلَةِ وَمَنْ لَا يَرَى الإِعادَةَ عَلى منْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي أَمر الْقبْلَة، وَهُوَ بِخِلَاف مَا تقدم قبل هَذَا الْبَاب، فَإِن ذَاك فِي حكم التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة، وَهَذَا فِي حكم من سَهَا فصلى إِلَى غير الْقبْلَة. وَأَشَارَ إِلَى حكم هَذَا بقوله: وَمن لم ير الْإِعَادَة. إِلَى آخِره. وَهَذَا بَاب فِيهِ الْخلاف، وَهُوَ أَن الرجل إِذا اجْتهد فِي الْقبْلَة فصلى إِلَى غَيرهَا فَهَل يُعِيد أم لَا؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَعَطَاء وَسَعِيد بن الْمسيب وَحَمَّاد: لَا يُعِيد، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ. وَعَن مَالك كَذَلِك، وَعنهُ: يُعِيد فِي الْوَقْت اسْتِحْسَانًا. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر؛ وَهُوَ قَول الْحسن وَالزهْرِيّ، وَقَالَ الْمُغيرَة: يُعِيد أبدا. وَعَن حميد بن عبد الرَّحْمَن وطاووس وَالزهْرِيّ: يُعِيد فِي الْوَقْت. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن فرغ من صلَاته ثمَّ بَان لَهُ أَنه صلى إِلَى الْمغرب اسْتَأْنف الصَّلَاة، وَإِن لم يبن لَهُ ذَلِك إلَاّ بِاجْتِهَادِهِ فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن لم يتَيَقَّن الْخَطَأ فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ، وَإِلَّا أعَاد وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أَنه قَالَ: (كُنَّا مَعَ النَّبِي فِي سفر فغيمت السَّمَاء وأشكلت علينا الْقبْلَة فصليناه وَأَعْلَمنَا، فَلَمَّا طلعت الشَّمْس إِذا نَحن قد صلينَا إِلَى غير الْقبْلَة، فَذَكرنَا ذَلِك للنَّبِي فَأنْزل اتعالى ﴿فإينما توَلّوا فثم وَجه ا﴾ (الْبَقَرَة: ٥١١)) . وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) من حَدِيث جَابر: (أَنهم صلوا فِي لَيْلَة مظْلمَة كل رجل مِنْهُم على حياله، فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي فَقَالَ: (مَضَت صَلَاتكُمْ) ، وَنزلت ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه ا﴾ (الْبَقَرَة: ٥١١) ويحتج بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين لما ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَمن تبعه فِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة. فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: حَدِيث جَابر ضَعِيف قلت: رُوِيَ حَدِيث جَابر من ثَلَاث طرق: إِحْدَاهَا أخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) عَن مُحَمَّد بن سَالم عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَنهُ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَمُحَمّد بن سَالم لَا أعرفهُ بعدالة وَلَا جرح. وَقَالَ الواحدي: مَذْهَب ابْن عمرَان: الْآيَة نازلة فِي التَّطَوُّع بالنافلة. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا: لما توفّي النَّجَاشِيّ جَاءَ جِبْرِيل ﵇ إِلَى النَّبِي، فَقَالَ: إِن النَّجَاشِيّ توفّي فصل عَلَيْهِ. فَقَالَ الصَّحَابَة فِي أنفسهم: كَيفَ نصلي على رجل مَاتَ وَلم يصلِّ إِلَى قبلتنا؟ وَكَانَ النَّجَاشِيّ يُصَلِّي إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِلَى أَن مَاتَ، فَنزلت الْآيَة. وَقَالَ قَتَادَة: هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ (الْبَقَرَة: ٤٤١) وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَمن لم ير الْإِعَادَة) ، وَفِي بعض النّسخ (وَمن لم يرى الْإِعَادَة) ، وَهُوَ عطف على قَوْله: (فِي الْقبْلَة) أَي: وَبَاب مَا جَاءَ فِيمَن لَا يرى إِعَادَة الصَّلَاة على من سَهَا فصلى إِلَى غير الْقبْلَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فصلى تَفْسِير لقَوْله: سَهَا، وَالْفَاء، تفسيرية. قلت: وَفِيه: بعد، وَالْأولَى إِن تكون للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن اأنزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة﴾ (الْحَج: ٣٦) وَلَو قَالَ: بِالْوَاو، لَكِن أحسن على مَا لَا يخفى. وقَد سَلَّمَ النبيُّ فِي رَكْعَتَيِ الظُّهْرِ وأقْبَلَ عَلى النَّاسِ بِوَجْهِهِ ثُمَّ أتَمَّ مَا بَقِيّ. مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ عدم وجوب الْإِعَادَة على من صلى سَاهِيا إِلَى غير الْقبْلَة، وَهُوَ ظَاهر لِأَنَّهُ، فِي حَال إقباله على النَّاس دَاخل فِي حكم الصَّلَاة، وَأَنه فِي ذَلِك الزَّمَان ساهٍ مصلَ إِلَى غير الْقبْلَة؛ وَهَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ، فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ، وَزعم ابْن بطال وَابْن التِّين أَنه طرف من حَدِيث ابْن مَسْعُود الَّذِي سلف، وَهَذَا وهم مِنْهُمَا، لِأَن حَدِيث ابْن مَسْعُود لَيْسَ فِي شَيْء من طرقه أَنه سلم من رَكْعَتَيْنِ. ٦٦ - (حَدثنَا عَمْرو بن عون قَالَ حَدثنَا هشيم عَن حميد عَن أنس قَالَ قَالَ عمر وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث فَقلت يَا رَسُول الله لَو اتخذنا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى فَنزلت وَاتَّخذُوا من مقَام

стр. 1087

إِبْرَاهِيم مصلى وَآيَة الْحجاب قلت يَا رَسُول الله لَو أمرت نِسَاءَك أَن يحتجبن فَإِنَّهُ يكلمهن الْبر والفاجر فَنزلت آيَة الْحجاب وَاجْتمعَ نسَاء النَّبِي ﷺ َ - فِي الْغيرَة عَلَيْهِ فَقلت لَهُنَّ عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن فَنزلت هَذِه الْآيَة) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي الْجُزْء الأول وَهُوَ قَوْله " لَو اتخذنا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى " وَالْمرَاد من مقَام إِبْرَاهِيم الْكَعْبَة على قَول وَهِي قبْلَة وَالْبَاب فِيمَا جَاءَ فِي الْقبْلَة وعَلى قَول من فسر مقَام إِبْرَاهِيم بِالْحرم فالحرم كُله قبْلَة فِي حق الأفاقيين وَالْبَاب فِي أُمُور الْقبْلَة وَأما على قَول من فسر الْمقَام بِالْحجرِ الَّذِي وقف عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم ﷺ فَتكون الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة مُتَعَلقَة بالمتعلق بالقبلة لَا بِنَفس الْقبْلَة. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عَمْرو بن عون أَبُو عُثْمَان الوَاسِطِيّ الْبَزَّاز بالزاي المكررة نزيل الْبَصْرَة مَاتَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي هشيم بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن بشير بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَقد مر ذكره فِي أول كتاب التَّيَمُّم. الثَّالِث حميد الطَّوِيل وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع أنس بن مَالك. الْخَامِس عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه القَوْل. وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين واسطي وبصري وَفِيه رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عون وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن حميد بِقصَّة الْحجاب فَقَط وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم بالقصة الأولى وَعَن عبد بن حميد عَن حجاج وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد عَن يحيى بن زَائِدَة عَن حميد بالقصة الأولى وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن حميد بالقصة الثَّانِيَة قصَّة الْحجاب وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن هشيم بالقصة الثَّالِثَة اجْتمع نساؤه فِي الْغيرَة وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن هشيم بالقصة الأولى. (ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) قَوْله " وَافَقت رَبِّي " من الْمُوَافقَة من بَاب المفاعلة الَّتِي تدل على مُشَاركَة اثْنَيْنِ فِي فعل ينْسب إِلَى أَحدهمَا مُتَعَلقا بِالْآخرِ وَالْمعْنَى فِي الأَصْل وَافقنِي رَبِّي فَأنْزل الْقُرْآن على وفْق مَا رَأَيْت وَلكنه رَاعى الْأَدَب فأسند الْمُوَافقَة إِلَى نَفسه لَا إِلَى الرب جلّ وَعز قَوْله " فِي ثَلَاث " أَي فِي ثَلَاثَة أُمُور وَإِنَّمَا لم يؤنث الثَّلَاث مَعَ أَن الْأَمر مُذَكّر لِأَن الْمُمَيز إِذا لم يكن مَذْكُورا جَازَ فِي لفظ الْعدَد التَّذْكِير والتأنيث (فَإِن قلت) حصلت الْمُوَافقَة لَهُ فِي أَشْيَاء غير هَذِه الثَّلَاث. مِنْهَا فِي أُسَارَى بدر حَيْثُ كَانَ رَأْيه أَن لَا يفدون فَنزل ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى﴾ وَمِنْهَا فِي منع الصَّلَاة على الْمُنَافِقين فَنزل ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا﴾ وَمِنْهَا فِي تَحْرِيم الْخمر. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة حَدثنَا عَليّ بن زيد " عَن أنس قَالَ عمر وَافَقت رَبِّي فِي أَربع " وَذكر مَا فِي البُخَارِيّ قَالَ " وَنزلت ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين﴾ إِلَى قَوْله ﴿ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر﴾ فَقلت أَنا ﴿تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ فَنزلت كَذَلِك ". وَمِنْهَا فِي شَأْن عَائِشَة ﵂ " لما قَالَ أهل الْإِفْك مَا قَالُوا فَقَالَ يَا رَسُول الله من زوجكها فَقَالَ الله تَعَالَى قَالَ أفتنظر أَن رَبك دلّس عَلَيْك فِيهَا ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم﴾ فَأنْزل الله ذَلِك " ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه وَقد ذكر أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ أَن الْمُوَافقَة فِي أحد عشر موضعا (قلت) يشْهد لذَلِك مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مصححا من حَدِيث ابْن عمر " مَا نزل بِالنَّاسِ أَمر قطّ فَقَالُوا فِيهِ وَقَالَ فِيهِ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَّا نزل فِيهِ الْقُرْآن على نَحْو مَا قَالَ عمر ﵁ وَهَذَا يدل على كَثْرَة مُوَافَقَته فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكيف نَص على الثَّلَاث فِي الْعدَد (قلت) التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد وَقيل يحْتَمل أَنه ذكر ذَلِك قبل أَن يُوَافق فِي أَربع وَمَا زَاد وَفِيه نظر لِأَن عمر أخبر بِهَذَا بعد موت النَّبِي ﷺ َ - فَلَا يتَّجه مَا ذكر من ذَلِك وَيُقَال يحْتَمل أَن الرَّاوِي اعتنى بِذكر الثَّلَاث دون مَا سواهَا لغَرَض لَهُ قَوْله " قلت " ويروى " فَقلت " قَوْله " لَو اتخذنا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى " جَوَاب لَو مَحْذُوف وَيجوز أَن يكون لَو لِلتَّمَنِّي فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب وَاخْتلفُوا فِيهِ فَقَالَ ابْن الصَّائِغ وَابْن هِشَام هِيَ قسم برأسها لَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب كجواب الشَّرْط

стр. 1088

وَلَكِن قد يُؤْتى لَهَا بِجَوَاب مَنْصُوب كجواب لَيْت وَقَالَ بَعضهم هِيَ لَو الشّرطِيَّة أشربت معنى التَّمَنِّي وَقَالَ ابْن مَالك هِيَ لَو المصدرية أغنت عَن فعل التَّمَنِّي قَوْله " وَآيَة الْحجاب " هِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾ وَآيَة الْحجاب كَلَام إضافي يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب والجر أما الرّفْع فَيحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا بِالِابْتِدَاءِ مَحْذُوف الْخَبَر تَقْدِيره وَآيَة الْحجاب كَذَلِك وَالْآخر أَن يكون مَعْطُوفًا على مُقَدّر تَقْدِيره هُوَ اتِّخَاذ الْمصلى وَآيَة الْحجاب وَأما النصب فعلى الِاخْتِصَاص وَأما الْجَرّ فعلى أَنه مَعْطُوف على مجرور وَهُوَ بدل من ثَلَاث وَالتَّقْدِير فِي ثَلَاث اتِّخَاذ الْمصلى وَآيَة الْحجاب قَوْله " الْبر " بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة صفة مشبهة من بررت أبر من بَاب علم يعلم فَأَنا بر وبار وَيجمع الْبر على أبرار والبار على البررة وَالْبر مُقَابل الْفَاجِر من الْفُجُور قَالَ الْجَوْهَرِي فجر فجورا أَي فسق وفجر أَي كذب وَأَصله الْميل والفاجر المائل قَوْله " فِي الْغيرَة " بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهِي الحمية والأنفة يُقَال رجل غيور وَامْرَأَة غيور بِلَا هَاء لِأَن فعولًا يشْتَرك فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى يُقَال غرت على أَهلِي أغار غيرَة فَأَنا غائر وغيور للْمُبَالَغَة (ذكر استنباط الْأَحْكَام) وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع كَمَا صرح بهَا فِي الحَدِيث. الأول سُؤال عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَن يتَّخذ من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى وَقَالَ الْخطابِيّ سَأَلَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن يَجْعَل ذَلِك الْحجر الَّذِي فِيهِ أثر مقَامه مصلى بَين يَدي الْقبْلَة يقوم الإِمَام عِنْده فَنزلت الْآيَة وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فَإِن قيل مَا السِّرّ فِي أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لم يقنع بِمَا فِي شرعنا حَتَّى طلب الاستنان بِملَّة إِبْرَاهِيم ﵇ وَقد نَهَاهُ ﷺ َ - عَن مثل هَذَا حِين أَتَى بأَشْيَاء من التَّوْرَاة فَالْجَوَاب أَن عمر لما سمع قَوْله تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيم ﴿إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا﴾ ثمَّ سمع ﴿أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ على أَن الائتمام بِهِ مَشْرُوع فِي شرعنا دون غَيره ثمَّ رأى أَن الْبَيْت مُضَاف إِلَيْهِ وَأَن أثر قدمه فِي الْمقَام كرقم اسْم الْبَانِي فِي الْبناء ليذكر بِهِ بعد مَوته فَرَأى الصَّلَاة عِنْد الْمقَام كَقِرَاءَة الطَّائِف بِالْبَيْتِ اسْم من بناه انْتهى وَلم تزل آثَار قدمي إِبْرَاهِيم ﵇ ظَاهِرَة فِيهِ مَعْرُوفَة عِنْد الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا وَلِهَذَا قَالَ أَبُو طَالب فِي قصيدته اللامية الْمَعْرُوفَة (وموطىء إِبْرَاهِيم فِي الصخر رطبَة ... على قَدَمَيْهِ حافيا غير ناعل) وَقد أدْرك الْمُسلمُونَ ذَلِك فِيهِ أَيْضا كَمَا قَالَ عبد الله بن وهب أَخْبرنِي يُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب أَن أنس بن مَالك حَدثهمْ قَالَ رَأَيْت الْمقَام فِيهِ أَصَابِعه ﷺ َ - أَخْمص قَدَمَيْهِ غير أَنه أذهبه مسح النَّاس بِأَيْدِيهِم وَقَالَ ابْن جرير حَدثنَا بشر بن معَاذ حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا سعيد عَن قَتَادَة ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ إِنَّمَا أمروا أَن يصلوا عِنْده وَلم يؤمروا بمسحه وَلَقَد تكلفت هَذِه الْأمة شَيْئا مَا تكلفته الْأُمَم قبلهَا وَلَقَد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فِيهَا فَمَا زَالَت هَذِه الْأمة يمسحونه حَتَّى اخلولق وانمحى. الثَّانِي الْحجاب فَكَانَ ﷺ َ - جَارِيا فِيهِ على عَادَة الْعَرَب وَلم يكن يخفى عَلَيْهِ ﷺ َ - أَن حجبهن خير من غَيره لكنه كَانَ ينْتَظر الْوَحْي بِدَلِيل أَنه لم يُوَافق عمر حِين أَشَارَ بذلك قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَكَانَ الْحجاب فِي السّنة الْخَامِسَة فِي قَول قَتَادَة وَقيل فِي السّنة الثَّالِثَة قَالَه أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَعند ابْن سعد فِي ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَنه لما تزوج زَيْنَب بنت جحش أولم عَلَيْهَا فَأكل جمَاعَة وَهِي مولية بوجهها إِلَى الْحَائِط وَلم يخرجُوا فَخرج رَسُول الله ﷺ َ - وَلم يخرجُوا وَعَاد وَلم يخرجُوا فَنزلت آيَة الْحجاب وَقَالَ عِيَاض أما الْحجاب الَّذِي خص بِهِ زَوْجَات النَّبِي ﷺ َ - فَهُوَ فرض عَلَيْهِنَّ بِلَا خلاف فِي الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَلَا يجوز لَهُنَّ كشف ذَلِك لشهادة وَلَا لغَيْرهَا وَلَا إِظْهَار شخصهن إِذا خرجن كَمَا فعلت حَفْصَة يَوْم مَاتَ أَبوهَا ستر شخصها حِين خرجت وبنيت عَلَيْهَا قبَّة لما توفيت قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب﴾ . الثَّالِث اجْتِمَاع نسَاء النَّبِي ﷺ َ - فِي الْغيرَة عَلَيْهِ وَهُوَ مَا ذكره البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة حَدثنَا مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن حميد عَن أنس قَالَ " قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث أَو وَافقنِي رَبِّي فِي ثَلَاث فَقلت يَا رَسُول الله لَو اتَّخذت من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى وَقلت يَا رَسُول الله يدْخل عَلَيْك الْبر والفاجر فَلَو أمرت أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ بالحجاب فَأنْزل الله آيَة الْحجاب قَالَ وَبَلغنِي معاتبة النَّبِي ﷺ َ - بعض نِسَائِهِ فَدخلت عَلَيْهِنَّ قلت إِن انتهيتن أَو ليبدلن الله رَسُوله خيرا مِنْكُن حَتَّى أتيت إِحْدَى

стр. 1089

نِسَائِهِ فَقَالَت يَا عمر أما فِي رَسُول الله ﷺ َ - مَا يعظ نِسَاءَهُ حَتَّى تعظهن أَنْت فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن مسلمات﴾ " الْآيَة وَأخرج فِي سُورَة التَّحْرِيم وَقَالَ حَدثنَا عَمْرو بن عون حَدثنَا هشيم عَن حميد عَن أنس قَالَ " قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اجْتمع نسَاء النَّبِي ﷺ َ - فِي الْغيرَة عَلَيْهِ فَقلت لَهُنَّ ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن﴾ فَنزلت الْآيَة " وأصل هَذِه الْقَضِيَّة أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ إِذا صلى الْغَدَاة دخل على نِسَائِهِ امْرَأَة امْرَأَة وَكَانَت قد أهديت لحفصة بنت عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عكة من عسل فَكَانَت إِذا دخل عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ َ - مُسلما حَبسته وسقته مِنْهَا وَأَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنْكرت احتباسه عِنْدهَا فَقَالَت لجويرية عِنْدهَا حبشية يُقَال لَهَا خضرَة إِذا دخل رَسُول الله ﷺ َ - على حَفْصَة فادخلي عَلَيْهَا فانظري مَاذَا تصنع فَأَخْبَرتهَا الْخَبَر وشأن الْعَسَل فغارت فَأرْسلت إِلَى صواحبها وَقَالَت إِذا دخل عليكن رَسُول الله ﷺ َ - فَقُلْنَ إِنَّا نجد مِنْك ريح مَغَافِير وَهُوَ صمغ العرفط كريه الرَّائِحَة وَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يكره ويشق عَلَيْهِ أَن يُوجد مِنْهُ ريح مُنْتِنَة لِأَنَّهُ يَأْتِيك الْملك فَدخل رَسُول الله ﷺ َ - على سَوْدَة قَالَت فَمَا أردْت أَن أَقُول ذَلِك لرَسُول الله ﷺ َ - ثمَّ إِنِّي فرقت من عَائِشَة فَقلت يَا رَسُول الله مَا هَذِه الرّيح الَّتِي أَجدهَا مِنْك أكلت المغافير قَالَ لَا وَلَكِن حَفْصَة سقتني عسلا ثمَّ دخل رَسُول الله ﷺ َ - على امْرَأَة امْرَأَة وَهن يقلن لَهُ ذَلِك ثمَّ دخل على عَائِشَة فَأخذت بأنفها فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ َ - مَا شَأْنك قَالَت أجد ريح المغافير أأكلتها يَا رَسُول الله قَالَ لَا بل سقتني حَفْصَة عسلا قَالَت جرست إِذا نحله العرفط فَقَالَ لَهَا وَالله لَا أطْعمهُ أبدا فحرمه على نَفسه قَالُوا وَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - قسم الْأَيَّام بَين نِسَائِهِ فَلَمَّا كَانَ يَوْم حَفْصَة قَالَت يَا رَسُول الله إِن لي إِلَى أبي حَاجَة نَفَقَة لي عِنْده فَأذن لي أَن أَزورهُ وَآتِي بهَا فَأذن لَهَا فَلَمَّا خرجت أرسل رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى جَارِيَته مَارِيَة الْقبْطِيَّة أم إِبْرَاهِيم وَكَانَ قد أهداها لَهُ الْمُقَوْقس فَأدْخلهَا بَيت حَفْصَة فَوَقع عَلَيْهَا فَأَتَت حَفْصَة فَوجدت الْبَاب مغلقا فَجَلَست عِنْد الْبَاب فَخرج رَسُول الله وَوَجهه يقطر عرقا وَحَفْصَة تبْكي فَقَالَ مَا يبكيك فَقَالَت إِنَّمَا أَذِنت لي من أجل هَذَا أدخلت أمتك بَيْتِي ثمَّ وَقعت عَلَيْهَا فِي يومي وعَلى فِرَاشِي أما رَأَيْت لي حُرْمَة وَحقا مَا كنت تصنع هَذَا بِامْرَأَة مِنْهُنَّ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - أَلَيْسَ هِيَ جاريتي قد أحلهَا الله لي اسكتي فَهِيَ عَليّ حرَام ألتمس بِذَاكَ رضاك فَلَا تُخْبِرِي بِهَذَا امْرَأَة مِنْهُنَّ وَهُوَ عنْدك أَمَانَة فَلَمَّا خرج رَسُول الله ﷺ َ - قرعت حَفْصَة الْجِدَار الَّذِي بَينهَا وَبَين عَائِشَة فَقَالَت أَلا أُبَشِّرك أَن رَسُول الله ﷺ َ - قد حرم عَلَيْهِ أمته مَارِيَة فقد أراحنا الله مِنْهَا وأخبرت عَائِشَة بِمَا رَأَتْ وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سَائِر أَزوَاج النَّبِي ﷺ َ - فَلم يزل نَبِي الله ﷺ َ - حَتَّى حلف أَن لَا يقربهَا فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك﴾ يَعْنِي الْعَسَل ومارية ثمَّ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لما بلغه ذَلِك دخل على نِسَائِهِ ﷺ َ - فوعظهن وزجرهن وَمن جملَة مَا قَالَ ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن﴾ فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة فَهَذَا من جملَة مَا وَافق عمر ربه وَوَافَقَهُ ربه. وَقَالَ صَاحب الْكَشَّاف (فَإِن قلت) كَيفَ يكون المبدلات خيرا مِنْهُنَّ وَلم يكن على وَجه الأَرْض نسَاء خير من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ (قلت) إِذا طلقهن رَسُول الله ﷺ َ - لعصيانهن لَهُ وإيذائهن إِيَّاه لم يبْقين على تِلْكَ الصّفة وَكَانَ غَيْرهنَّ من الموصوفات بِهَذِهِ الْأَوْصَاف مَعَ الطَّاعَة لرَسُول الله ﷺ َ - النُّزُول على هَوَاهُ وَرضَاهُ خيرا مِنْهُنَّ وَإِنَّمَا أخليت الصِّفَات كلهَا عَن العاطف ووسط بَين الثيبات والأبكار لِأَنَّهُمَا صفتان متنافيتان لَا يجتمعن فيهمَا اجتماعهن فِي سَائِر الصِّفَات فَلم يكن بُد من الْوَاو وَقَالَ النَّسَفِيّ الْآيَة وَارِدَة فِي الْإِخْبَار عَن الْقُدْرَة لَا عَن الْكَوْن فِي الْوَقْت لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ إِن طَلَّقَكُن وَقد علم أَنه لَا يُطَلِّقهُنَّ وَهَذَا كَقَوْلِه ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ﴾ الْآيَة فَهَذَا إِخْبَار عَن الْقُدْرَة وتخويف لَهُم لَا أَن فِي الْوُجُود من هُوَ خير من أمة مُحَمَّد ﷺ َ - (قَالَ أَبُو عبد الله قَالَ ابْن أبي مَرْيَم قَالَ أخبرنَا يحيى بن أَيُّوب قَالَ حَدثنِي حميد قَالَ سَمِعت أنسا بِهَذَا) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم الْمَعْرُوف بِابْن أبي مَرْيَم وَيحيى بن أَيُّوب الغافقي أَو حميد الطَّوِيل وَهَذَا ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا هَهُنَا وَفِي التَّفْسِير أَيْضا وَنَصّ عَلَيْهِ أَيْضا خلف وَصَاحب الْمُسْتَخْرج

стр. 1090

وَهُوَ الظَّاهِر وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم وَهُوَ غير ظَاهر لِأَن البُخَارِيّ لم يحْتَج بِيَحْيَى بن أَيُّوب وَإِنَّمَا ذكره فِي الاستشهاد والمتابعة (فَإِن قلت) قَالَ ابْن بطال خرج لَهُ الشَّيْخَانِ (قلت) فِيهِ نظر لِأَنَّهُ نقض كَلَام نَفسه بِنَفسِهِ بِذكرِهِ لَهُ تَرْجَمَة فِي إِفْرَاد مُسلم (فَإِن قلت) مَا فَائِدَة ذكر البُخَارِيّ لَهُ إِذا كَانَ الْأَمر كَمَا ذكرت (قلت) ليُفِيد تَصْرِيح حميد فِيهِ بِسَمَاعِهِ إِيَّاه من أنس فَحصل الْأَمْن من تدليسه وَقَالَ الْكرْمَانِي إِنَّمَا اسْتشْهد بِهَذَا الطَّرِيق للتقوية دفعا لما فِي الْإِسْنَاد السَّابِق من ضعف عنعنة هشيم إِذْ قيل أَنه مُدَلّس (قلت) فِيهِ نظر لِأَن معنعنات الصَّحِيحَيْنِ كلهَا مَقْبُولَة مَحْمُولَة على السماع وَكَلَامه يدل على هَذَا فَحِينَئِذٍ ذكره كَمَا ذكرنَا هُوَ الْوَاقِع فِي مَحَله ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) لم مَا عكس بِأَن يَجْعَل هَذَا الْإِسْنَاد أصلا (قلت) لما فِي يحيى من سوء الْحِفْظ وَلِأَن ابْن أبي مَرْيَم مَا نَقله بِلَفْظ النَّقْل والتحديث بل ذكره على سَبِيل المذاكرة وَلِهَذَا قَالَ البُخَارِيّ قَالَ ابْن أبي مَرْيَم (قلت) يُعَكر على مَا قَالَه رِوَايَة كَرِيمَة حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم كَمَا ذَكرْنَاهُ وَالظَّاهِر أَن الْكرْمَانِي لَو اطلع على هَذِه الرِّوَايَة لما قَالَ مَا ذكره قَوْله " بِهَذَا " أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور سندا ومتنا فَهُوَ من رِوَايَة أنس عَن عمر لَا من رِوَايَة أنس عَن النَّبِي ﷺ َ - فَافْهَم ٦٧ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك بن أنس عَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر قَالَ بَينا النَّاس بقباء فِي صَلَاة الصُّبْح إِذْ جَاءَهُم آتٍ فَقَالَ إِن رَسُول الله ﷺ َ - قد أنزل عَلَيْهِ اللَّيْلَة قُرْآن وَقد أَمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة فاستقبلوها وَكَانَت وُجُوههم إِلَى الشَّام فاستداروا إِلَى الْكَعْبَة) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ الدّلَالَة عَلَيْهَا من الْجُزْء الأول وَهُوَ قَوْله " وَقد أَمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة " وَمن الْجُزْء الثَّانِي أَيْضا وَذَلِكَ لأَنهم صلوا فِي أول تِلْكَ الصَّلَاة إِلَى الْقبْلَة المنسوخة الَّتِي هِيَ غير الْقبْلَة الْوَاجِب استقبالها جاهلين بِوُجُوبِهِ وَالْجَاهِل كالناسي حَيْثُ لم يؤمروا بِإِعَادَة صلَاتهم. وَرِجَاله أَئِمَّة مَشْهُورُونَ. وَفِيه التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والإخبار كَذَلِك والعنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن يحيى بن قزعة وقتيبة فرقهما وَفِي خبر الْوَاحِد عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة وَالنَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي التَّفْسِير جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة أربعتهم عَنهُ بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " بَينا " أَصله بَين فأشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا يُقَال بَينا وبينما وهما ظرفا زمَان بِمَعْنى المفاجأة ويضافان إِلَى جملَة من فعل وفاعل مُبْتَدأ وَخبر ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى والأفصح فِي جوابهما أَن لَا يكون فِيهِ إِذْ وَإِذا وَقد جاآ كثيرا تَقول بَينا زيد جَالس دخل عَلَيْهِ عَمْرو وَإِذ دخل عَلَيْهِ عَمْرو وَإِذا دخل عَلَيْهِ وَبينا هَهُنَا أضيف إِلَى الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَجَوَابه قَوْله إِذْ جَاءَهُم آتٍ وَفِي قبَاء سِتّ لُغَات الْمَدّ وَالْقصر والتذكير والتأنيث وَالصرْف وَالْمَنْع وأفصحها الْمَدّ وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف ظَاهر الْمَدِينَة وَالْمعْنَى هُنَا بَينا النَّاس فِي مَسْجِد قبَاء وهم فِي صَلَاة الصُّبْح وَاللَّام فِي النَّاس للْعهد الذهْنِي لِأَن المُرَاد أهل قبَاء وَمن حضر مَعَهم فِي الصَّلَاة قَوْله " آتٍ " فَاعل من أَتَى يَأْتِي فأعل إعلال قَاض وَهَذَا الْآتِي هُوَ عباد بِالتَّشْدِيدِ ابْن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفِي حَدِيث الْبَراء الْمُتَقَدّم فِي صَلَاة الْعَصْر وَلَا مُنَافَاة بَين الْخَبَرَيْنِ وَقد ذكرنَا وَجهه فِي حَدِيث الْبَراء وَهُوَ أَن الْخَبَر وصل وَقت الْعَصْر إِلَى من هُوَ دَاخل الْمَدِينَة وَوقت الصُّبْح فِي الْيَوْم الثَّانِي إِلَى من هُوَ خَارِجهَا قَوْله " وَقد أنزل عَلَيْهِ اللَّيْلَة قُرْآن " أطلق اللَّيْلَة على بعض الْيَوْم الْمَاضِي وَمَا يَلِيهِ مجَازًا وَأَرَادَ بِالْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى ﴿قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء﴾ الْآيَات وَفِيه أَيْضا مجَاز حَيْثُ ذكر الْكل وَأَرَادَ الْجُزْء وَفِي بعض النّسخ الْقُرْآن بِالْألف وَاللَّام الَّتِي هِيَ للْعهد قَوْله " وَقد أَمر " على صِيغَة الْمَجْهُول أَي أَمر النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة " أَي بِأَن يسْتَقْبل وَأَن مَصْدَرِيَّة وَالْمعْنَى باستقبال الْكَعْبَة قَوْله " فاستقبلوها " على صِيغَة الْجمع من الْمَاضِي وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ َ - وَأَصْحَابه وَيحْتَمل أَن يكون الضَّمِير لأهل قبَاء يَعْنِي حِين سمعُوا من الْآتِي مَا بَلغهُمْ استقبلوا الْكَعْبَة وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ " فاستقبلوها " بِكَسْر الْبَاء على صِيغَة الْأَمر للْجمع وَالْأَمر لأهل قبَاء من الْآتِي قَوْله " وَكَانَت وُجُوههم "

стр. 1091

هُوَ من كَلَام ابْن عمر لَا كَلَام الرجل الْمخبر بِتَغَيُّر الْقبْلَة قَالَه الْكرْمَانِي (قلت) لَا مَانع أَن يكون من كَلَام الْمخبر فعلى هَذَا تكون الْوَاو للْحَال فَتكون جملَة حَالية على رِوَايَة الْأَكْثَرين وَهُوَ أَن يكون صِيغَة الْجمع من الْمَاضِي وعَلى رِوَايَة الْأصيلِيّ تكون الْوَاو للْعَطْف وَجَاء عطف الْجُمْلَة الخبرية على الإنشائية وَالضَّمِير فِي وُجُوههم يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين وَقَالَ بَعضهم عوده إِلَى أهل قبَاء أظهر ويرجح رِوَايَة الْكسر أَنه عِنْد المُصَنّف فِي التَّفْسِير " وَقد أَمر أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة أَلا فاستقبلوها " فدخول حرف الاستفتاح يشْعر بِأَن الَّذِي بعده أَمر لَا أَنه بَقِيَّة الْخَبَر الَّذِي قبله (قلت) إِلَّا فِي مثل هَذَا الْموضع تكون للتّنْبِيه لتدل على تحقق مَا بعْدهَا وَلَا يُسمى حرف استفتاح إِلَّا فِي مَكَان يهمل مَعْنَاهَا وَفِي تَرْجِيحه الْكسر بِهَذَا نظر لِأَنَّهُ يُعَكر عَلَيْهِ قَوْله " فاستداروا " إِذا جعل وَكَانَت وُجُوههم من كَلَام ابْن عمر (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) قد مر أَكْثَره فِي حَدِيث الْبَراء بن عَازِب وَفِيه مَا يُؤمر بِهِ النَّبِي ﷺ َ - يلْزم أمته وَفِيه أَن أَفعاله يجب الْإِتْيَان بهَا عِنْد قيام الدَّلِيل على الْوُجُوب وَيسن وَيسْتَحب بِحَسب الْمقَام والقرائن وَفِيه قبُول خبر الْوَاحِد وَفِيه جَوَاز تَعْلِيم من لَيْسَ فِي الصَّلَاة من هُوَ فِيهَا وَفِيه اسْتِمَاع الْمُصَلِّي لكَلَام من لَيْسَ فِي الصَّلَاة لَا يضر صلَاته وَفِيه أَن من تبلغه الدعْوَة وَلم يُمكنهُ استعلام ذَلِك فالفرض غير لَازم لَهُ هَكَذَا استنبطه الطَّحَاوِيّ مِنْهُ ٤٠٤ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عنِ الحَكَمِ عنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَة عنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ صَلَّى النبيُّ الظُّهْرَ خَمْساً فقالُوا أزِيدَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ وَمَا ذاكَ قالُوا صَلَّيْتَ خَمْساً فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ قَوْله: (وَمن لم ير الْإِعَادَة على من سَهَا فصلى) ظَاهِرَة لِأَنَّهُ سهى فصلى وَلم يعد تِلْكَ الصَّلَاة، وَهَذَا الحَدِيث مضى عَن قريب فِي الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا الْبَاب، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَالْحكم بن عُيَيْنَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ وَعبد ابْن مَسْعُود. فَإِن قلت: مَا وَجه احتجاج البُخَارِيّ بِهَذَا الحَدِيث؟ قلت: هُوَ أَن إقباله على النَّاس بِوَجْهِهِ بعد انْصِرَافه بعد السَّلَام كَانَ فِي غير صَلَاة، فَلَمَّا بنى على صلَاته بَان أَنه كَانَ فِي وَقت استدبار الْقبْلَة فِي حكم الْمُصَلِّي، لِأَنَّهُ لَو خرج من الصَّلَاة لم يجز لَهُ أَن يَبْنِي على مَا مضى مِنْهَا، فَظهر بِهَذَا أَن من أَخطَأ الْقبْلَة لَا يُعِيد. ٣٣ - (بابُ حَكِّ البُزَاقِ بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حك البزاق بِالْيَدِ، سَوَاء كَانَ بِآلَة أَو لَا. فَإِن قلت: فِي حَدِيث الْبَاب الحك بِالْيَدِ من غير ذكر آلَة وَكَذَلِكَ فِي التَّرْجَمَة قلت: قَوْله: بِالْيَدِ، أَعم من أَن يكون فِيهَا آلَة أَو لَا، على أَن أَبَا دَاوُد روى عَن جَابر قَالَ: (أَتَانَا رَسُول الله فِي مَسْجِدنَا وَفِي يَده عرجون ابْن طَابَ، فَنظر فَرَأى فِي قبْلَة الْمَسْجِد نخامة، فَأقبل عَلَيْهَا فحتها بالعرجون) الحَدِيث، فَهَذَا يدل على أَنه بَاشر بِيَدِهِ بعرجون فِيهَا؛ والعرجون، بِضَم الْعين: هُوَ الْعود الْأَصْغَر الَّذِي فِيهِ الشماريخ إِذا يبس واعوج، وَهُوَ من الانعراج، وَهُوَ الانعطاف، وَجمعه: عراجين، و: الْوَاو وَالنُّون فِيهِ زائدتان، و: ابْن طَابَ، رجل من أهل الْمَدِينَة ينْسب إِلَيْهِ نوع من تمر الْمَدِينَة، وَمن عاداتهم أَنهم ينسبون ألوان التَّمْر كل لون إِلَى أحد، وَمَعَ هَذَا يحْتَمل تعدد الْقِصَّة. وَفِي البزاق ثَلَاث لُغَات: بالزاي وَالصَّاد وَالسِّين، والأوليان مشهورتان. وَلما فرغ من بَيَان أَحْكَام الْقبْلَة شرع فِي بَيَان أَحْكَام الْمَسَاجِد، والمناسبة ظَاهِرَة. ٥٠٤٩٦ - ح دّثنا قتَيْبَةُ قَالَ حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ أنَّ النبيَّ رَأى نُخَامَةً فِي القبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُؤِيَ فِي وَجْهِهِ فقامَ فَحكَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: (إِنَّ أحَدَكُمْ إذَا قامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ أَو إنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ فَلَا يَبْزُقَنَّ أحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عنْ يَسَارِهِ أوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) ثُمَّ أخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فيهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فقالَ أَو يَفْعَلُ هَكَذَا. .

стр. 1092

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه تقدم فِي بَاب خوف الْمُؤمن أَن يحبط عمله. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب كَفَّارَة البزاق فِي الْمَسْجِد، وَفِي بَاب إِذا بدره البزاق وَفِي بَاب لَا يبصق عَن يَمِينه فِي الصَّلَاة، وَفِي بَاب ليبصق عَن يسَاره، وَفِي بَاب مَا يجوز من البزاق، وَفِي بَاب الْمُصَلِّي يُنَاجِي ربه. وَأخرجه مُسلم أَيْضا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَفِي هَذَا الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد وَعَائِشَة يَأْتِي عَن قريب، وَحَدِيث النَّسَائِيّ عَن أنس قَالَ: (رأى رَسُول الله نخامة فِي قبْلَة الْمَسْجِد فَغَضب حَتَّى احمر وَجهه، فَقَامَتْ امْرَأَة من الْأَنْصَار فحكتها وَجعلت مَكَانهَا خلوقاً، قَالَ رَسُول ا: مَا أحسن هَذَا) وَفِي كتاب (الْمَسَاجِد) لأبي نعيم: (من ابتلع رِيقه إعظاماً لِلْمَسْجِدِ وَلم يمح اسْما من أَسمَاء اتعالى ببزاق كَانَ من خِيَار عباد ا) . وَفِي سَنَده ضرار بن عَمْرو، وَفِيه كَلَام، وَذكر ابْن خالويه فِي هَذَا (أَن النَّبِي لما رأى النخامة فِي الْمِحْرَاب قَالَ: من إِمَام هَذَا الْمَسْجِد؟ قَالُوا؛ فلَان. قَالَ: قد عزلته، فَقَالَت امْرَأَته: لِمَ عزل النَّبِي زَوجي عَن الْإِمَامَة؟ فَقَالَ: رأى نخامة فِي الْمَسْجِد فعمدت إِلَى خلوق طيب فخلقت بِهِ الْمِحْرَاب، فاجتاز ﵊ بِالْمَسْجِدِ فَقَالَ: من فعل هَذَا؟ قَالَ: امْرَأَة الإِمَام قَالَ: قد وهبت ذَنبه لامْرَأَته ورددته إِلَى الْإِمَامَة) . فَكَانَ هَذَا أول خلوق كَانَ فِي الْإِسْلَام. ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (نخامة) ، بِضَم النُّون: النخاعة، وَقد ذكره البُخَارِيّ بِهَذَا اللَّفْظ فِي بَاب الِالْتِفَات. يُقَال: تنخم الرجل إِذا تنخع. وَفِي (الْمطَالع) : النخامة مَا يخرج من الصَّدْر وَهُوَ البلغم اللزج. وَفِي (النِّهَايَة) : النخامة البزقة الَّتِي تخرج من الرَّأْس. وَيُقَال: النخامة مَا يخرج من الصَّدْر. والبصاق مَا يخرج من الْفَم، والمخاط مَا يسيل من الْأنف. قَوْله: (فِي الْقبْلَة) أَي: فِي حَائِط من جِهَة قبْلَة الْمَسْجِد. قَوْله: (حَتَّى رُؤِيَ فِي وَجهه) ، بِضَم الرَّاء وَكسر الْهمزَة وَفتح الْيَاء، أَي: شوهد أثر الْمَشَقَّة فِي وَجهه، وَقد ذكرنَا أَن فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (فَغَضب حَتَّى أحمَّر وَجهه) ، وللبخاري فِي الْأَدَب من حَدِيث ابْن عمر: (فتغيظ على أهل الْمَسْجِد) . قَوْله: (إِذا قَامَ فِي صلَاته) ، الْفرق بَين: قَامَ فِي الصَّلَاة، وَقَامَ إِلَى الصَّلَاة، أَن الأول يكون بعد الشُّرُوع، وَالثَّانِي عِنْد الشُّرُوع. قَوْله: (فَإِنَّهُ) ، الْفَاء: فِيهِ جَوَاب: إِذا، وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة، قَائِمَة مقَام خبر الْمُبْتَدَأ. قَوْله: (يُنَاجِي ربه) ، من الْمُنَاجَاة. قَالَ النَّوَوِيّ: الْمُنَاجَاة إِشَارَة إِلَى إخلاص الْقلب وحضوره وتفريغه لذكر اتعالى. قلت: الْمُنَاجَاة والنجوى هُوَ السِّرّ بَين الْإِثْنَيْنِ، يُقَال: نَاجَيْته إِذا ساررته، وَكَذَلِكَ نجوت نجوى، ومناجاة الرب مجَاز لِأَن الْقَرِينَة صارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة، إِذْ لَا كَلَام محسوساً، إلَاّ من طرف العَبْد، فَيكون المُرَاد لَازم الْمُنَاجَاة وَهُوَ إِرَادَة الْخَيْر، وَيجوز أَن تكون من بَاب التَّشْبِيه أَي: كَأَنَّهُ ربه يُنَادي، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَنه شبه العَبْد وتوجهه إِلَى اتعالى فِي الصَّلَاة وَمَا فِيهَا من الْقِرَاءَة والأذكار وكشف الْأَسْرَار واستنزال رَحمته ورأفته مَعَ الخضوع والخشوع. بِمن يُنَاجِي مَوْلَاهُ ومالكه، فَمن شَرَائِط حسن الْأَدَب أَن يقف محاذيه ويطرق رَأسه وَلَا يمد بَصَره إِلَيْهِ ويراعي جِهَة أَمَامه حَتَّى لَا يصدر من تِلْكَ الهيئات شَيْء وَإِن كَانَ اتعالى منزهاً عَن الْجِهَات، لِأَن الْآدَاب الظَّاهِرَة والباطنة مُرْتَبِط بَعْضهَا بِبَعْض. قَوْله: (أَو أَن ربه بَينه وَبَين الْقبْلَة) ، كَذَا هُوَ بِالشَّكِّ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: بواو، الْعَطف وَلَا يَصح حمل هَذَا الْكَلَام على ظَاهره، لِأَن اتعالى منزه عَن الْحُلُول فِي الْمَكَان، فَالْمَعْنى على التَّشْبِيه، أَي: كَأَنَّهُ بَينه وَبَين الْقبْلَة، وَكَذَا معنى قَوْله فِي الحَدِيث الَّذِي بعده: (فَإِن اقِبَل وَجهه) . وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن توجهه إِلَى الْقبْلَة مفض بِالْقَصْدِ مِنْهُ إِلَى ربه، فَصَارَ فِي التَّقْدِير كَأَن مَقْصُوده بَينه وَبَين قبلته، فَأمر أَن تصان تِلْكَ الْجِهَة عَن البزاق وَنَحْوه من أثقال الْبدن. قَوْله: (قبل) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة. أَي: جِهَة الْقبْلَة. قَوْله: (أَو تَحت قدمه الْيُسْرَى) كَمَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَي: فِي الْبَاب الَّذِي بعده، وَزَاد أَيْضا من طَرِيق همام عَن أبي هُرَيْرَة: (فيدفنها) ، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ اتعالى. قَوْله: (ثمَّ أَخذ طرف رِدَائه) الخ، فِيهِ الْبَيَان بِالْفِعْلِ ليَكُون أوقع فِي نفس السَّامع. قَوْله: (أَو يفعل هَكَذَا) عطف على الْمُقدر بعد حرف الِاسْتِدْرَاك، أَي: وَلَكِن يبزق عَن يسَاره أَو يفعل هَكَذَا، وَلَيْسَت كلمة: أَو، هَهُنَا للشَّكّ بل للتنويع، وَمَعْنَاهُ أَنه: مُخَيّر بَين هَذَا وَهَذَا. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: تَعْظِيم الْمَسَاجِد عَن إثقال ابدن، وَعَن القاذورات بِالطَّرِيقِ الأولى. وَفِيه: احترام جِهَة الْقبْلَة. وَفِيه: إِزَالَة البزاق وَغَيره من الأقذار من الْمَسْجِد. وَفِيه: أَنه إِذا بزق يبزق عَن يسَاره وَلَا يبزق أَمَامه تَشْرِيفًا

стр. 1093

للْقبْلَة، وَلَا عَن يَمِينه تَشْرِيفًا للْيَمِين، وَجَاء فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (فَإِن عَن يَمِينه ملكا) ، وَعند ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح: (لَا يبزق عَن يَمِينه فَعَن يَمِينه كَاتب الْحَسَنَات، وَلَكِن يبزق عَن شِمَاله أَو خلف ظَهره) . وَقَوله: (فَإِن عَن يَمِينه ملكا) دَلِيل على أَنه لَا يكون حالتئذٍ عَن يسَاره ملك، لِأَنَّهُ فِي طَاعَة فَإِن قلت: يخدش فِي هَذَا قَوْله: (إِن الْكِرَام الْكَاتِبين لَا يفارقان العَبْد إلَاّ عِنْد الْخَلَاء وَالْجِمَاع) . قلت: هَذَا حَدِيث ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا فِي غير الْمَسْجِد، أما فِيهِ فَلَا يبزق إلَاّ فِي ثَوْبه. قلت: وَسِيَاق الحَدِيث على أَنه فِي الْمَسْجِد. وَاعْلَم أَن البصاق فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة مُطلقًا، سَوَاء احْتَاجَ إِلَيْهِ أم لَا، فَإِن احْتَاجَ يبزق فِي ثَوْبه، فَإِن بزق فِي الْمَسْجِد يكون خَطِيئَة وَعَلِيهِ أَن يكفر هَذِه الْخَطِيئَة بدفنه، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: البزاق لَيْسَ بخطيئة إلَاّ فِي حق من لم يدفنه، فَأَما من أَرَادَ دَفنه فَلَيْسَ بخطيئة، وَهَذَا غير صَحِيح، وَالْحق مَا ذَكرْنَاهُ. وَاخْتلفُوا فِي المُرَاد: بدفنه، فالجمهور على أَنه الدّفن فِي تُرَاب الْمَسْجِد ورمله وحصياته إِن كَانَت فِيهِ هَذِه الْأَشْيَاء، وإلَاّ يُخرجهَا. وَعَن أَصْحَاب الشَّافِعِي قَولَانِ: أَحدهمَا إِخْرَاجه مُطلقًا، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن الرَّوْيَانِيّ، فَإِن لم تكن الْمَسَاجِد تربة وَكَانَت ذَات حَصِير فَلَا يجوز احتراماً للمآلية، وَفِيه أَن البزاق طَاهِر، وَكَذَا النخامة طَاهِرَة، وَلَيْسَ فِيهِ خلاف إلَاّ مَا حُكيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ يَقُول: البزاق نجس. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الحَدِيث دَال على تَحْرِيم البصاق فِي الْقبْلَة، فَإِن الدّفن لَا يَكْفِيهِ. قيل: هُوَ كَمَا قَالَ. وَقيل: دَفنه كَفَّارَته. وَقيل: النَّهْي فِيهِ للتنزيه، وَالأَصَح أَنه للتَّحْرِيم، وَفِي (صحيحي) ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان، من حَدِيث حُذَيْفَة مَرْفُوعا: (من تفل تجاه الْقبْلَة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وتفله بَين عَيْنَيْهِ) . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة، من حَدِيث ابْن عمر، مَرْفُوعا: (يبْعَث صَاحب النخامة فِي الْقبْلَة يَوْم الْقِيَامَة وَهِي فِي وَجهه) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سهلة السَّائِب بن خَلاد، قَالَ أَحْمد، من أَصْحَاب النَّبِي: (إِن رجلا أم قوما فبصق فِي الْقبْلَة وَرَسُول الله ينظر، فَقَالَ رَسُول الله حِين فرغ: لَا يُصَلِّي لكم، فَأَرَادَ بعد ذَلِك أَن يُصَلِّي لَهُم فمنعوه وَأَخْبرُوهُ بقول رَسُول ا، فَذكر ذَلِك لرَسُول الله فَقَالَ: نعم، وحسبت أَنه قَالَ: إِنَّك آذيت اورسوله) . وَالْمعْنَى: أَنه فعل فعلا لَا يُرْضِي اورسوله. وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث جَابر أَنه قَالَ: (أَتَانَا رَسُول الله فِي مَسْجِدنَا هَذَا، وَفِي يَده عرجون ابْن طَابَ) ، ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (مَا بَال أحدكُم يقوم يسْتَقْبل ربه، ، فيتنخع أَمَامه، أَيُحِبُّ أَن يسْتَقْبل فيتنخع فِي وَجهه؟) الحَدِيث. ٦٠٤٠٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رسولَ الله رَأى بُصَاقاً فِي جِدَارِ القِبلَةِ فَحكَّهُ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى الناسِ فَقَالَ: (إذَا كانَ أحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ فإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى) . (الحَدِيث ٦٠٤ أَطْرَافه فِي: ٣٥٧، ٣١٢١، ١١١٦) . مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم من إِسْنَاد الحك إِلَيْهِ أَنه كَانَ بِيَدِهِ، وَأَن الْمَعْهُود من جِدَار الْقبْلَة، جِدَار قبْلَة مَسْجِد رَسُول ا، وَبِهَذَا التَّقْدِير يسْقط سُؤال من يَقُول: إِن هَذَا الحَدِيث لَا يدل إلَاّ على بعض التَّرْجَمَة، وَلَا يعلم أَن الحك كَانَ بِيَدِهِ وَلَا من الْمَسْجِد فَافْهَم. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب وَغَيره. وَأخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة، ثَلَاثَتهمْ عَنهُ بِهِ. قَوْله: (فِي جِدَار الْقبْلَة) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (فِي جِدَار الْمَسْجِد) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي أَوَاخِر الصَّلَاة من طَرِيق أَيُّوب عَن نَافِع: (فِي قبْلَة الْمَسْجِد) وَزَاد فِيهِ: (ثمَّ نزل فحكها بِيَدِهِ) ، وَفِيه إِشْعَار بِأَنَّهُ كَانَ فِي حَالَة الْخطْبَة، وَصرح الْإِسْمَاعِيلِيّ بذلك فِي رِوَايَة من طَرِيق شيخ البُخَارِيّ، وَزَاد فِيهِ أَيْضا قَالَ: (وَأَحْسبهُ دَعَا بزعفران فلطخه بِهِ) ، وَزَاد عبد الرَّزَّاق فِي رِوَايَة عَن معمر عَن أَيُّوب، فَلذَلِك صنع الزَّعْفَرَان فِي الْمَسَاجِد. قَوْله: (فَإِن اقبل وَجهه) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء، أَي: جِهَة وَجهه، وَهَذَا أَيْضا على سَبِيل التَّشْبِيه، أَي كَأَن اتعالى فِي مُقَابل وَجهه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن اقِبَل الْجِهَة الَّتِي عظمها، وَقيل: فَإِن قبله اوقبله ثَوَابه وَنَحْو ذَلِك، فَلَا يُقَابل هَذِه الْجِهَة بالبزاق الَّذِي هُوَ الاستخفاف لمن يبزق إِلَيْهِ وتحقيره. ٧٠٤١٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيهِ عنْ عائِشَة

стр. 1094

أمِّ المُؤْمِنِينَ أنَّ رسولَ اللَّهِ رَأى فِي جِدَارِ القِبْلَةِ مَخَاطاً أوْ بُصَاقاً أوْ نُخَامَةً فَحَكَّهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة أَيْضا. وَأخرجه مُسلم. أَيْضا. قَوْله: (أَو بصاقاً أَو نخامة) ، كَذَا هُوَ وَقع فِي (الْمُوَطَّأ) بِالشَّكِّ، وَفِي وَرَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق معن عَن مَالك: (أَو نخاعاً) بدل: (مخاطاً) . وَقد ذكرنَا الْفرق بَين هَذِه الثَّلَاثَة. ٤٣ - (بَاب حَكِّ المُخَاطِ بِالحَصَى مِنَ المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حك المخاط بالحصى من الْمَسْجِد. فَإِن قلت: ذكر فِي الْبَاب السَّابِق حك البصاق بِالْيَدِ، وَذكر هَهُنَا حك المخاط بالحصى، فَهَل فِيهِ زِيَادَة فَائِدَة؟ قلت: نعم، وَذَلِكَ أَن المخاط غَالِبا يكون لَهُ جرم لزج فَيحْتَاج فِي قلعه إِلَى معالجة وَهِي بالحصى وَنَحْوه، والبصاق لَيْسَ لَهُ ذَلِك فَيمكن نَزعه بِلَا آلَة، اللَّهُمَّ إلَاّ أَن يخالطه بلغم فحينئذٍ يلْحق بالمخاط. فَإِن قلت: الْبَاب مَعْقُود على حك المخاط، والْحَدِيث يدل على حك النخامة. قلت: لما كَانَا فضلتين طاهرتين لم يفرق بَينهمَا إشعاراً بِأَن حكمهمَا وَاحِد، هَذَا الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: وَإِن كَانَ بَينهمَا فرق، وَهُوَ أَن المخاط يكون من الْأنف والنخامة من الصَّدْر، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن (الْمطَالع) ، لكنه ذكر المخاط فِي التَّرْجَمَة والنخامة فِي الحَدِيث إشعاراً بِأَن بَينهمَا اتحاداً فِي الثخانة واللزوجة، وَأَن حكمهمَا وَاحِد من هَذِه الْحَيْثِيَّة أَيْضا. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي اعَنْهُما إِن وَطِئْتَ عَلَى قَذَرٍ رَطْبٍ فاغْسِلْهُ وإنْ كَانَ يابِساً فَلَا. قَالَ بَعضهم: مطابقته للتَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الْعلَّة فِي النَّهْي احترام الْقبْلَة لَا مُجَرّد التأذي بالبزاق، فَلهَذَا لم يفرق فِيهِ بَين رطب ويابس، بِخِلَاف مَا عِلّة النَّهْي فِيهِ مُجَرّد الاستقذار فَلَا يضر وَطْء الْيَابِس مِنْهُ. قلت: هَذَا تعسف وبعدٌ عَظِيم، لِأَن قَوْله: الْعلَّة فِي النَّهْي احترام الْقبْلَة لَا مُجَرّد التأذي بالبزاق، غير موجه لِأَن عِلّة النَّهْي فِيهِ احترام الْقبْلَة، وَحُصُول التأذي مِنْهُ كَمَا ذكره فِي حَدِيث أبي سهلة (أَنَّك آذيت اورسوله) : وَحُصُول الْأَذَى فِيهِ هُوَ مَا ذكره فِي الحَدِيث، (فَإِن اقبل وَجهه إِذا صلى) ، وبزاقه إِلَى تِلْكَ الْجِهَة أَذَى كبيرٌ وَهُوَ منباب ذكر اللَّازِم وَإِرَادَة الْمَلْزُوم، وَمَعْنَاهُ: لَا يرضى ابه وَلَا يرضى بِهِ رَسُوله أَيْضا، وتأذيه من ذَلِك هُوَ أَنه نَهَاهُ عَنهُ وَلم ينْتَه، وَفِيه مَا فِيهِ من الْأَذَى، فَعلم من ذَلِك أَن الْعلَّة الْعُظْمَى هِيَ حُصُول الْأَذَى مَعَ ترك احترام الْقبْلَة، وَالْحكم يثبت بعلل شَتَّى. وَقَوله بِخِلَاف مَا عِلّة النَّهْي فِيهِ مُجَرّد الاستقذار، فَلَا يضرّهُ وَطْء الْيَابِس غير صَحِيح، لِأَن عِلّة النَّهْي فِيهِ كَونه نجسا، وَلم تسْقط عَنهُ صفة النَّجَاسَة، غير أَن وَطْء يابسه لَا يضرّهُ لعدم التصاقه بالجسم وَعدم التلوث، لَا لمُجَرّد كَونه يَابسا، حَتَّى لَو صلى على مَكَان عَلَيْهِ نجس يَابِس لَا تجوز صلَاته، وَلَو كَانَ على بدنه أَو ثَوْبه نَجَاسَة يابسة لَا يجوز أَيْضا، فَعلم أَن النَّجَاسَة المائعة تضره مُطلقًا، غير أَنه عفى عَن يابسها فِي الْوَطْء، وَيُمكن أَن يُوَجه لَهُ تناسب بِوَجْهِهِ وَهُوَ أَن يُقَال: الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب حك النخامة بالحصى، وَفِي التَّرْجَمَة حك المخاط بالحصى، وَذَا يدل على أَنه كَانَ يَابسا إِذْ الحك لَا يُفِيد فِي رطبه لِأَنَّهُ ينتشر بِهِ ويزداد التلوث، فَظهر الْفرق بَين رطبه ويابسه وَإِن لم يُصَرح بِهِ فِي ظَاهر الحَدِيث، فَفِي الرطب يزَال بِمَا تمكن إِزَالَته بِهِ، وَفِي الْيَابِس بالحصاة وَنَحْوهَا، فَكَذَلِك فِي أثر ابْن عَبَّاس: الْفرق حَيْثُ قَالَ: إِن كَانَ رطبا فاغسله وَإِن كَانَ يَابسا فَلَا، أَي: فَلَا يَضرك وَطْؤُهُ، فَتكون الْمُنَاسبَة بَينهمَا من هَذِه الْحَيْثِيَّة، وَهَذَا الْقدر كافٍ، لِأَنَّهُ أقناعي غير برهاني، ثمَّ إِن أثر ابْن عَبَّاس ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا، وَوَصله ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح، وَقَالَ فِي آخِره: وَإِن كَانَ يَابسا لم يضرّهُ. ٩٠٤ - ح دّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ قَالَ أخبرنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قَالَ أخبرنَا ابنُ شِهَابٍ عنْ حُمَيْدٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ أبَا هُريْرةَ وأَبَا سَعِيدٍ حدَّثاه أنَّ رسولَ اللَّهِ رَأى نُخَامَةً فِي جِدَارِ المَسْجِدِ فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا فقالَ إذَا تَنخَّمَ أحَدُكُمْ فَلَا يَنَنَخَّمَنَّ قبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عنْ يَمِينِهِ وَليْبصقْ عنْ يَسَارِهِ أَو تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى. (الحَدِيث ٨٠٤ طرفاه فِي: ٠١٤، ٦١٤) (الحَدِيث ٩٠٤ طرفاه فِي: ١١٤، ٤١٤) .

стр. 1095

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَتَنَاول حَصَاة فحكها) . ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالتبوذكي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الْمدنِي. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة. السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، واسْمه: سعد بن مَالك، رَضِي اتعالى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده. فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة التَّثْنِيَة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا مُوسَى بن إِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ بَصرِي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عَليّ بن عبد اعن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ وَلم يذكر سُفْيَان أَبَا هُرَيْرَة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ، وَعَن زُهَيْر بن حَرْب عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان العثماني عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (فحكها) أَي: حك النخامة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فحتها) ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، ومعناهما وَاحِد. قَوْله: (إِذا تنخم) أَي: إِذا رمى بالنخامة. وَبَقِيَّة الْكَلَام تقدّمت. ٥٣ - (بابٌ لَا يَبْصُقْ عنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلَاةِ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ يذكر لَا يبصق الْمُصَلِّي عَن يَمِينه فِي الصَّلَاة. ١١٤ - ح دّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وأبَا سَعِيدٍ أخبراهُ أنَّ رَسولَ اللَّهِ رَأَى نُخَامَةً فِي حائِطِ المَسْجِد فَتَنَاوَلَ رسولُ اللَّهِ حَصَاةً فَحَتَّها ثُمَّ قَالَ: (إذَا تَنَخَّمَ أحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمْ قِبلَ وَجْهِهِ ولَا عنْ يَمِينهِ وَلْيَبْصُقْ عنْ يَسَارِهِ أوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى) . (انْظُر الْحَدِيثين ٨٠٤ و ٩٠٤ وطرفيهما) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَا يتنخم قبل وَجهه وَلَا عَن يَمِينه) أَي: وَلَا يتنخم عَن يَمِينه. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة: لَا يبصق عَن يَمِينه، وَلَفظ حَدِيث الْبَاب: (لَا يتنخم؟) قلت: جعل النَّبِي، حكم النخامة والبصاق وَاحِدًا، أَلا ترى أَنه قَالَ فِي حَدِيث أنس الْآتِي: (لَا يبزقن فِي قبلته، وَلَكِن عَن يسَاره) بعد أَن رأى نخامة فِي الْقبْلَة، فَدلَّ ذَلِك عل تساويهما فِي الحكم، وَهَذَا الحَدِيث هُوَ عين الحَدِيث الَّذِي مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله، غير أَنه من طَرِيق أُخْرَى عَن ابْن شهَاب، فَبين البُخَارِيّ وَبَين ابْن شهَاب ثَلَاثَة أنفس، وهم: يحيى بن بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَاللَّيْث بن سعد، وَعقيل بن خَالِد. وَفِي ذَاك الحَدِيث بَينهمَا اثْنَان، وهما: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَإِبْرَاهِيم بن سعد، وَهُنَاكَ أَن أَبَا هُرَيْرَة وَأَبا سعيد: حَدَّثَاهُ، وَهَهُنَا: أخبراه. وَهُنَاكَ فِي: جِدَار الْمَسْجِد، وَهَهُنَا فِي: حَائِط الْمَسْجِد، وَهُنَاكَ: فحكها، وَهَهُنَا: فحتها، وَهُنَاكَ: فَلَا يتنخمن؛ بالنُّون الْمُؤَكّدَة، وَهَهُنَا: فَلَا يتنخم، بِدُونِ التَّأْكِيد، وَهُنَاكَ: تَحت قدمه، وَهَهُنَا: تَحت قدمه الْيُسْرَى، وَقَوله هُنَاكَ: تَحت قدمه، أَعم من أَن يكون قدمه الْيُمْنَى أَو الْيُسْرَى، وَهَهُنَا فسر أَن المُرَاد من الْقدَم هُوَ الْيُسْرَى لِأَن الْيَمين لَهُ فضل عَن الْيَسَار. ثمَّ هَذَا الحَدِيث غير مُقَيّد بِحَالَة الصَّلَاة إلَاّ فِي حَدِيث أنس الْمُتَقَدّم الَّذِي رَوَاهُ عَن قُتَيْبَة، وَفِي حَدِيث ابْن عمر الْمُتَقَدّم الَّذِي رَوَاهُ عَن عبد ابْن يُوسُف، وَفِي حَدِيث أنس الْآتِي الَّذِي رَوَاهُ عَن آدم، وَمن ذَلِك جزم النَّوَوِيّ بِالْمَنْعِ فِي كل حَالَة دَاخل الصَّلَاة وخارجها، وَسَوَاء كَانَ فِي الْمَسْجِد أَو غَيره، وَنقل عَن مَالك أَنه قَالَ: لَا بَأْس بِهِ خَارج الصَّلَاة، وروى عبد الرَّزَّاق عَن ابْن مَسْعُود أَنه كره أَن يبصق عَن يَمِينه وَلَيْسَ فِي الصَّلَاة. وَعَن معَاذ بن جبل، قَالَ: مَا بصقت عَن يَمِيني مُنْذُ أسلمت، وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه نهى ابْنه عَنهُ مُطلقًا، وَهَذِه كلهَا تشهد للْمَنْع مُطلقًا. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: النَّهْي عَن البصاق عَن الْيَمين فِي الصَّلَاة إِنَّمَا هُوَ مَعَ إِمْكَان غَيره، فَإِن تعذر فَلهُ ذَلِك. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِن كَانَ عَن يسَاره وَاحِد فَلَا يبزق فِي وَاحِد من الْجِهَتَيْنِ، لَكِن تَحت

стр. 1096

قدمه أَو ثَوْبه، وَقد روى أَبُو دَاوُد عَن طَارق بن عبد االمحاربي قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (إِذا قَامَ الرجل إِلَى الصَّلَاة، أَو إِذا صلى أحدكُم، فَلَا يبزق أَمَامه وَلَا عَن يَمِينه، وَلَكِن عَن تِلْقَاء يسَاره إِن كَانَ فَارغًا، أَو تَحت قدمه الْيُسْرَى ثمَّ ليقل بِهِ) . وَهَذَا الحَدِيث يُؤَيّد مَا قَالَه الْخطابِيّ، وَمعنى قَوْله: (إِن كَانَ فَارغًا) أَي: مُتَمَكنًا من البزق فِي يسَاره. قَوْله: (ثمَّ ليقل بِهِ) ، أَي: ليدفنه إِذا بزقه تَحت قدمه الْيُسْرَى، وَقد ذكرنَا أَن لفظ: القَوْل، يسْتَعْمل عِنْد الْعَرَب فِي معانٍ كثيرةٍ. ٢١٤٤٧ - ح دّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي قَتَادةُ قَالَ سَمِعْتُ أنَساً قَالَ قَالَ النبيُّ (ل ايَتْفِلَنَّ أحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَن يَمِينهِ وَلَكِنْ عنْ يَسَارِهِ أوْ تَحْتَ رِجْلِهِ) . . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن معنى: لَا يتفلن: لَا يبزقن. وَهُوَ بالتءا الْمُثَنَّاة من فَوق وبضم الْفَاء وَكسرهَا، والتفل شَبيه بالبزق، وَهُوَ قل مِنْهُ أَوله البزق ثمَّ التفل ثمَّ النفث ثمَّ النفخ. وَقد ذكر المُصَنّف حَدِيث أنس هَذَا فِي مَوَاضِع، وَقد ذَكرنَاهَا. ٦٣ - (بابٌ لِيَبْزُقْ عنْ يَسَارِهِ أوْ تحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ يذكر البصق عَن يسَاره، وَفِي بعض النّسخ: (ليبزق) ، ومعناهما وَاحِد، وَذكر فِيهِ هَذَا الْبَاب حديثين: أَحدهمَا: عَن أنس بن مَالك، وَقد تكَرر وَفِيه الْقَيْد بِالصَّلَاةِ، وَالْآخر: عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَلَيْسَ فِيهِ الْقَيْد بِالصَّلَاةِ على مَا يَجِيء بَيَانه، والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة. ٣١٤ - ح دّثنا آدَمُ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدّثنا قَتَادَةُ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ قَالَ قَالَ النبيُّ (إنَّ المُؤْمنَ إذَا كانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عنْ يَمِينِهِ ولَكِنْ عنْ يَسَارِهِ أوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) . . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَكِن عَن يسَاره) ، وَمَعْنَاهُ: وَلَكِن ليبصق عَن يسَاره، وَقد ذكر هَذَا فِي بَاب حك البزاق بِالْيَدِ من الْمَسْجِد بأزيد مِنْهُ، وَقد تقدم مَا فِيهِ من الْكَلَام. وَفِي إِسْنَاده: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: التَّصْرِيح بِسَمَاع قَتَادَة عَن أنس رَضِي اعنه. ٤١٤٦٧ - ح دّثنا عليٌ قَالَ حدّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ أبي سَعِيدٍ أنَّ النبيَّ أبْصَر نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ فَحَكَّها بِحَصَاةٍ ثُمَّ نَهَى أنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ أوْ عنْ يَمينِهِ وَلَكنْ عنْ يَسَارِهِ أوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى. (انْظُر الحَدِيث ٩٠٤ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق، وَعلي هُوَ ابْن عبد االمديني، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بتصريح عبد ا، وَهَذَا الحَدِيث تقدم ذكره من وَجْهَيْن آخَرين عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ: مُحَمَّد بن شهَاب، وَلم يذكر سُفْيَان وَهُوَ ابْن عُيَيْنَة فيهمَا، وَإِنَّمَا ذكر هَهُنَا. وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر عَن أبي هُرَيْرَة بدل أبي سعيد، وَالظَّاهِر أَنه وهم، وَوَافَقَهُ فِي هَذَا مَا ذكره البُخَارِيّ فِي آخر الحَدِيث، و: عَن الزُّهْرِيّ سمع حميدا عَن أبي سعيد، فَظن أَنه عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد مَعًا وفرقهما. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَذِه التَّرْجَمَة مُقَيّدَة بالقدم الْيُسْرَى، وَلَفظ الْقدَم فِي الحَدِيث لَا تَقْيِيد فِيهِ؟ قلت: يُقيد بِهِ عملا بالقاعدة المقررة من تَقْيِيد الْمُطلق. قلت: لفظ الحَدِيث: (أَو تَحت قدمه الْيُسْرَى) ، وَكَأن نسخته قد سَقَطت مِنْهَا لَفْظَة: الْيُسْرَى، فَبنى هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب على هَذَا، وَمَعَ هَذَا سَأَلَ أَيْضا بقوله: فَإِن قلت: لَفْظَة: عَن يسَاره، شَامِل لقدمه الْيُسْرَى، فَمَا فَائِدَة تخصيصها بِالذكر؟ قلت: لَيْسَ شَامِلًا لَهَا إِذْ جِهَة الْيَمين وَالشمَال غير جِهَة التحت والفوق، وَبَين كلاميه تنَاقض. قَوْله: (وَلَكِن عَن يسَاره أَو تَحت قدمه) كَذَا هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: (وَتَحْت قدمه) ، بواو الْعَطف من غير شكّ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي اعنه: (وَلَكِن عَن يسَاره تَحت قدمه) ، بِحَذْف كلمة: أَو، وَكَذَا للْبُخَارِيّ من حَدِيث أنس رَضِي اعنه، فِي أَوَاخِر الصَّلَاة وَرِوَايَة كلمة: أَو، أَعم وأشمل.

стр. 1097

وعَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ حُمَيْداً عنْ أبي سَعِيدٍ نَحْوَهُ. أَشَارَ البُخَارِيّ بهَا أَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ روى أَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة روى هَذَا الحَدِيث من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: بالعنعنة وَالْآخر: صرح فِيهِ بِسَمَاعِهِ من حميد، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا تَعْلِيق، وَقَالَ بَعضهم: وَوهم بعض الشُّرَّاح فِي زَعمه أَن قَوْله: (وَعَن الزُّهْرِيّ) مُعَلّق، بل هُوَ مَوْصُول قلت: أَرَادَ بِالْبَعْضِ: الْكرْمَانِي، وَظَاهر الْأَمر مَعَه، وَهُوَ ادَّعى أَنه مَوْصُول وَلم يبين وَجه ذَلِك. ٧٣ - (بابُ كَفَّارَةِ البُزَاقِ فِي المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَفَّارَة البزاق فِي الْمَسْجِد، وَالْكَفَّارَة على وزن: فعالة، للْمُبَالَغَة، كقتالة وضرابة، وَهِي من الصِّفَات الْغَالِبَة فِي بَاب الإسمية، وَهِي عبارَة عَن الفعلة والخصلة الَّتِي من شَأْنهَا أَن تكفر الْخَطِيئَة أَي: تسترها وتمحوها، وأصل الْمَادَّة من الْكفْر وَهُوَ السّتْر، وَمِنْه سمى الزَّارِع: كَافِرًا لِأَنَّهُ يستر الْحبّ فِي الأَرْض، وَسمي الْمُخَالف لدين الْإِسْلَام كَافِرًا لِأَنَّهُ يستر الدّين الْحق، والتكفير هُوَ فعل مَا يجب بِالْحِنْثِ، والإسم مِنْهُ: الْكَفَّارَة. ٥١٤٧٧ - (حدّثنا آدَمُ قا حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدّثنا قَتَادَةُ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ قَالَ قَالَ النبيُّ (البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وكَفَّارَتُها دَفْنُها) .) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: التَّصْرِيح بِسَمَاع قَتَادَة عَن أنس. وَفِيه: القَوْل. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن حبيب عَن خَالِد بن الْحَارِث. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (البزاق فِي الْمَسْجِد) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (التفل فِي الْمَسْجِد) ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (وكفارته أَن تواريه) أَي: أَن تغيبه يَعْنِي: تدفنه. قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) ظرف للْفِعْل فَلَا يشْتَرط كَون الْفَاعِل فِيهِ حَتَّى لَو بَصق من هُوَ خَارج الْمَسْجِد فِيهِ يتَنَاوَلهُ النَّهْي. قَوْله: (خطية) أَي إِثْم، وَأَصلهَا بِالْهَمْزَةِ، وَلَكِن يجوز تَشْدِيد الْيَاء. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي المُرَاد بدفن البزاق، فالجمهور على أَنه الدّفن فِي تُرَاب الْمَسْجِد ورمله وحصائه إِن كَانَت فِيهِ هَذِه الْأَشْيَاء وإلَاّ يُخرجهُ. وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (من دخل هَذَا الْمَسْجِد فبزق فِيهِ أَو تنخم فليحفر فليدفنه. فَإِن لم يفعل فليبزق فِي ثَوْبه ثمَّ ليخرج بِهِ) . قَوْله: (فَإِن لم يفعل) ، أَي: فَإِن لم يحْفر أَو: لم يُمكن الْحفر (فليبزق فِي ثَوْبه) . وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) عَن ابْن عَبَّاس يرفعهُ: (البزاق فِي الْمَسْجِد خطية وكفارته دَفنه) ، وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا فِي غير الْمَسْجِد، وَأما الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِد فَلَا يبزق إلَاّ فِي ثَوْبه، ورد عَلَيْهِ بِأَحَادِيث كَثِيرَة إِن ذَلِك كَانَ فِي الْمَسْجِد، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص مَرْفُوعا بِإِسْنَاد حسن: (من تنخم فِي الْمَسْجِد فليغيب نخامته أَن تصيب جلد مُؤمن أَو ثَوْبه فتؤذيه) . وروى أَحْمد أَيْضا، وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث أبي أُمَامَة مَرْفُوعا، قَالَ: (من تنخع فِي الْمَسْجِد فَلم يدفنه فسيئة، وَإِن دَفنه فحسنة) . وَفِي حَدِيث مُسلم عَن ابي ذَر: (وَوجدت فِي مساوىء أَعمال أمتِي النخامة تكون فِي الْمَسْجِد وَلَا تدفن) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فَلم يثبت لَهَا حكم السَّيئَة بِمُجَرَّد إيقاعها فِي الْمَسْجِد، بل بِهِ وبتركها غير مدفونة، وروى سعيد بن مَنْصُور: (عَن أبي عُبَيْدَة أَنه تنخم فِي الْمَسْجِد لَيْلَة فنسي أَن يدفنها حَتَّى رَجَعَ إِلَى منزله، فَأخذ شعلة من نَار ثمَّ جَاءَ فطلبها حَتَّى دَفنهَا، ثمَّ قَالَ: الْحَمد الَّذِي لم يكْتب عليَّ خَطِيئَة اللَّيْلَة) . ٧٨ - (حَدثنَا إِسْحَاق بن نصر قَالَ حَدثنَا عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن همام سمع أَبَا هُرَيْرَة

стр. 1098

عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ إِذا قَامَ أحدكُم إِلَى الصَّلَاة فَلَا يبصق أَمَامه فَإِنَّمَا يُنَاجِي الله مادام فِي مُصَلَّاهُ وَلَا عَن يَمِينه فَإِن عَن يَمِينه ملكا وليبصق عَن يسَاره أَو تَحت قدمه فيدفنها) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فيدفنها " (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول اسحق بن نصر هُوَ اسحق بن إِبْرَاهِيم بن نصر وَقد تقدم. الثَّانِي عبد الرَّزَّاق صَاحب المُصَنّف. الثَّالِث معمر بن رَاشد. الرَّابِع همام على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن مُنَبّه. الْخَامِس أَبُو هُرَيْرَة. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والإخبار كَذَلِك وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه التَّصْرِيح بِسَمَاع همام عَن أبي هُرَيْرَة وَفِيه عنعنة أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين بخاري بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وصنعاني وبصري (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " فَلَا يبصق " نهى الْغَائِب قَوْله " فَإِنَّمَا يُنَاجِي الله " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " فَإِنَّهُ يُنَاجِي " قَوْله " مادام فِي مُصَلَّاهُ " أَي مُدَّة دَوَامه فِي مُصَلَّاهُ (فَإِن قلت) هَذَا تَخْصِيص الْمَنْع بِمَا إِذا كَانَ فِي الصَّلَاة وَرِوَايَة " أَذَى الْمُسلم " تَقْتَضِي الْمَنْع مُطلقًا وَلَو لم يكن فِي الصَّلَاة (قلت) هَذِه مَرَاتِب فكونه فِي الصَّلَاة أَشد إِثْمًا مُطلقًا وَكَونه فِي جِدَار الْقبْلَة أَشد إِثْمًا من كَونه فِي غَيرهَا من جدر الْمَسْجِد قَوْله " فيدفنها " بِنصب النُّون لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر وَيجوز رَفعهَا على أَن تكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي فَهُوَ يدفنها وَيجوز الْجَزْم عطفا على الْأَمر وتأنيث الضَّمِير فِي " فيدفنها " على تَأْوِيل البصقة الَّتِي يدل عَلَيْهَا قَوْله وليبصق وَقيل إِنَّمَا لم يقل يغطيها لِأَن التغطية يسْتَمر الضَّرَر بهَا إِذْ لَا يُؤمن أَن يجلس غَيره عَلَيْهَا فتؤذيه بِخِلَاف الدّفن فَإِنَّهُ يفهم مِنْهُ التعميق فِي بَاطِن الأَرْض (قلت) يُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ " فليحفره وليدفنه " وَعند ابْن أبي شيبَة مَرْفُوعا " إِذا بزق فِي الْمَسْجِد فليحفر وليمعن " وَفِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة " فليبعد " لَا يُقَال أَن الْبَاب مَعْقُود على دفن النخامة والْحَدِيث يدل على دفن البزاق لأَنا نقُول قد قُلْنَا فِيمَا مضى أَنه لَا تفَاوت بَينهمَا فِي الحكم (فَإِن قلت) قَوْله " فَإِن عَن يَمِينه ملكا " يَقْتَضِي اخْتِصَاص منع البزق عَن يَمِينه لأجل الْملك وَفِي يسَاره أَيْضا ملك (قلت) أُجِيب بِأَنا لَو سلمنَا ذَلِك فلليمين شرف وَفِيه نظر لَا يخفى وَقيل بِأَن الصَّلَاة أم الْحَسَنَات الْبَدَنِيَّة فَلَا دخل لكاتب السَّيِّئَات فِيهَا وَفِيه نظر أَيْضا لِأَنَّهُ وَلَو لم يكْتب لَا يغيب عَنهُ فَأحْسن مَا يُجَاب بِهِ أَن يُقَال أَن لكل وَاحِد قرينا وموقفه يسَاره كَمَا ورد فِي حَدِيث أبي أُمَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ " فَإِنَّهُ يقوم بَين يَدي الله وَملكه عَن يَمِينه وقرينه عَن يسَاره " فَلَعَلَّ الْمُصَلِّي إِذا تفل عَن يسَاره يَقع على قرينه وَهُوَ الشَّيْطَان وَلَا يُصِيب الْملك مِنْهُ شَيْء ٨٣ - (بابُ دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان دفن النخامة فِي الْمَسْجِد، يَعْنِي جَوَاز ذَلِك. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة. ٩٣ - (بابٌ إِذَا بَدَرَهُ البُزَاقُ فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا بدره البزاق: إِذا غلب عَلَيْهِ وَلم يقدر على دَفعه، وَلَكِن لَا يُقَال: بدره، بل يُقَال: بدر إِلَيْهِ، قَالَ الْجَوْهَرِي: بدرت إِلَى الشَّيْء أبدر بدوراً: أسرعت، وَكَذَلِكَ: بادرت إِلَيْهِ، وتبادر الْقَوْم تسارعوا، وَأجَاب بَعضهم عَن هَذَا نصْرَة للْبُخَارِيّ بِأَنَّهُ يسْتَعْمل فِي المغالبة فَيُقَال: بادرت كَذَا فبدرني أَي: سبقني قلت: هَذَا كَلَام من لم يمس شَيْئا من علم التصريف. فَإِن فِي المغالبة يُقَال: بادرني فبدرته، وَلَا يُقَال: بادرت كَذَا فبدرني، وَالْفِعْل اللَّازِم فِي بَاب المغالبة يَجْعَل مُتَعَدِّيا بِلَا حرف صلَة، يُقَال: كارمني فكرمته، وَلَيْسَ هُنَا بَاب المغالبة حَتَّى يُقَال: بدره. ٧١٤٩٧ - حدّثنا مالِك بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حدّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدّثنا حُمَيْدٌ عَنْ أنَس أنَّ النبيَّ رأى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ فَحَكَّها بِيَدِهِ ورُؤِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ أوْ رُؤِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وشِدَّتُهُ عليهِ وَقَالَ (إنَّ أحَدَكُمْ إذَا قامَ فِي صَلَاةِ فإنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ أوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قِبْلتِه فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ ولَكِنْ عَنْ يَسَارِه أَو تَحْتَ قَدَمِهِ) ثُمَّ أخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْض قَالَ أوْ يَفْعَلُ هَكذَا. .

стр. 1099

التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ: أَولهمَا مبادرة البزاق، وَالْآخر هُوَ أَخذ الْمُصَلِّي بزاقه بِطرف ثَوْبه، وَفِي الحَدِيث مَا يُطَابق الثَّانِي وَهُوَ قَوْله: (ثمَّ أَخذ طرف رِدَائه فبزق فِيهِ) وَلَيْسَ للجزء الأول ذكر فِي الحَدِيث أصلا، وَلِهَذَا اعْترض عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال، وَإِن كَانَ فِيهِ تعسف: كَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا فِي بعض طرق الحَدِيث، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر بِلَفْظ: (وليبصق عَن يسَاره تَحت رجله الْيُسْرَى، فَإِن عجلت بِهِ بادرة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا، ثمَّ طوى بعضه على بعض) . وروى أَبُو دَاوُد: (فَإِن عجلت بِهِ بادرة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا، وَضعه على فِيهِ ثمَّ دلكه) . قَوْله: (بادرة) أَي: حِدة، وبادرة الْأَمر: حِدته، وَالْمعْنَى: إِذا غلب غليه البصاق والنخامة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا. وَقَوله: (وَضعه على فِيهِ) تَفْسِير لقَوْله: (فَلْيقل بِهِ) ، وَلأَجل ذَلِك ترك العاطف أَي: وضع ثَوْبه على فَمه حَتَّى يتلاشى البزاق فِيهِ. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مَالك بن إِسْمَاعِيل أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ، وَقد مر فِي بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان. الثَّانِي: زُهَيْر، بِالتَّصْغِيرِ: ابْن مُعَاوِيَة الْكُوفِي. الثَّالِث: حميد الطَّوِيل. الرَّابِع: أنس بن مَالك. وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي بَاب حك البزاق بِالْيَدِ من الْمَسْجِد، وَذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الأبحاث. ولنذكر هَهُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ. قَوْله: (كَرَاهِيَة) ، مَرْفُوع بقوله: رُؤِيَ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَو رُؤِيَ كراهيته) شكّ من الرَّاوِي قَوْله: (لذَلِك) أَي: لأجل رُؤْيَة النخامة فِي الْقبْلَة. قَوْله: (وشدته عَلَيْهِ) يجوز فِيهِ الرّفْع والجر عطفا على الْكَرَاهِيَة أَو على لذَلِك قَوْله: (أَو ربه) مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (بَينه وَبَين الْقبْلَة) ، وَالْجُمْلَة معطوفة على: (يُنَاجِي ربه) ، عطف الْجُمْلَة الإسمية على الفعلية. قَوْله: (وَقَالَ) فِي بعض النّسخ: (فَقَالَ) ، بِالْفَاءِ. وَفِيه من الْفَوَائِد: اسْتِحْبَاب إِزَالَة مَا يستقذر أَو يتنزه عَنهُ من الْمَسْجِد. وَفِيه: تفقد الإِمَام أَحْوَال الْمَسَاجِد وتعظيمها وصيانتها. وَفِيه: أَن للْمُصَلِّي أَن يبصق فِي الصَّلَاة وَلَا تفْسد صلَاته. وَفِيه: أَنه إِذا نفخ أَو تنحنح جَازَ، كَذَا قَالُوا، وَلَكِن هَذَا بالتفصيل وَهُوَ أَن التنحنح لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بِغَيْر اخْتِيَاره فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ بِاخْتِيَارِهِ فَإِن حصلت مِنْهُ حُرُوف ثَلَاثَة تفْسد صلَاته، وَفِي الحرفين قَولَانِ، وَعَن أبي حنيفَة: إِن النفخ إِذا كَانَ يسمع فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْكَلَام يقطع الصَّلَاة. وَفِيه: إِن البصاق طَاهِر، وَكَذَا النخامة والمخاط، خلافًا لمن يَقُول: كل مَا تستقذره النَّفس حرَام. وَمن فَوَائده: أَن التحسين والتقبيح إِنَّمَا هُوَ بِالشَّرْعِ، لكَون الْيَمين مفضلة على الْيَسَار، وَالْيَد مفضلة على الْقدَم. ٠٤ - (بَاب عِظَةِ الإمامِ النَّاسَ فِي إتْمَامِ الصَّلاةِ وذِكْرِ القِبْلَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الإِمَام النَّاس بِأَن يتموا صلَاتهم وَلَا يتْركُوا مِنْهَا شَيْئا، والعظة على وزن: عِلّة، مصدر من: وعظ يعظ وعظاً وعظة وموعظة، وأصل: عظة: وعظ، فَلَمَّا حذفت مِنْهُ الْوَاو عوضت مِنْهَا التَّاء فِي آخِره، أما الْحَذف فلوجوده فِي فعله، وَأما كسر الْعين فَمن الْوَاو. فَافْهَم. والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، وَيُقَال: وعظته فاتعظ أَي: قبل الموعظة. وَجه الْمُنَاسبَة فِي ذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة من حَيْثُ إِنَّه كَانَ فِيهَا أَمر وَنهي وَتَشْديد فيهمَا، وَهِي كلهَا وعظ ونصح، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا فِي الْوَعْظ والنصح. قَوْله: (وَذكر الْقبْلَة) بِالْجَرِّ عطف على: (عظة) أَي: وَفِي بَيَان الْقبْلَة. ٨١٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أَن رَسُول الله قَالَ (هلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي ههُنا فَوَا مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشوُعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ إنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ ورَاءِ ظِهْرِي) . (الحَدِيث ٨١٤ طرفه فِي: ١٤٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي هَذَا الحديبث وعظاً لَهُم وتذكيراً وتنبيهاً لَا يخفى عَلَيْهِ ركوعهم وسجودهم، يظنون أَنه لَا يراهم لكَونه مستدبراً لَهُم، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَنَّهُ يرى من خَلفه مثل مَا يرى من بَين يَدَيْهِ. ذكر رِجَاله: وَقد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: عبد اللَّه بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا هَهُنَا عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك.

стр. 1100

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (هَل ترَوْنَ قِبْلَتِي؟) اسْتِفْهَام على سَبِيل إِنْكَار مَا يلْزمه مِنْهُ، الْمَعْنى، أَنْتُم تحسبون قِبْلَتِي هَهُنَا، وإنني لَا أرى إلَاّ مَا فِي هَذِه الْجِهَة، فوا إِن رؤيتي لَا تخْتَص بِجِهَة قِبْلَتِي هَذِه، فَإِنِّي أرى من خَلْفي كَمَا أرى من جِهَة قِبْلَتِي، ثمَّ الْعلمَاء اخْتلفُوا هَهُنَا فِي موضِعين: الأول: فِي معنى هَذِه الرُّؤْيَة، فَقَالَ قوم: المُرَاد بهَا الْعلم إِمَّا بطرِيق أَنه كَانَ يُوحى إِلَيْهِ بَيَان كَيْفيَّة فعلهم، وَإِمَّا بطرِيق الإلهام، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك بطرِيق الْعلم مَا كَانَت فَائِدَة فِي التَّقْيِيد بقوله: (من وَرَاء ظَهْري) ، وَقَالَ قوم: المُرَاد بِهِ أَنه يرى من عَن يَمِينه وَمن عَن يسَاره، مِمَّن تُدْرِكهُ عينه مَعَ الْتِفَات يسير فِي بعض الْأَحْوَال وَهَذَا أَيْضا لَيْسَ بِشَيْء، وَهُوَ ظَاهر. وَقَالَ الْجُمْهُور، وَهُوَ الصَّوَاب: إِنَّه من خَصَائِصه، ﵊، وَإِن إبصاره إِدْرَاك حَقِيقِيّ انخرقت لَهُ فِيهِ الْعَادة، وَلِهَذَا أخرجه البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي عَلَامَات النُّبُوَّة، وَفِيه دلَالَة للأشاعرة حَيْثُ لَا يشترطون فِي الرُّؤْيَة مُوَاجهَة وَلَا مُقَابلَة، وجوزوا إبصار أعمى الصين بقْعَة أندلس قلت: هُوَ الْحق عِنْد أهل السّنة: إِن الرُّؤْيَة لَا يشْتَرط لَهَا عقلا عُضْو مَخْصُوص، وَلَا مُقَابلَة وَلَا قرب، فَلذَلِك حكمُوا بِجَوَاز رُؤْيَة اتعالى فِي الدَّار الْآخِرَة خلافًا للمعتزلة فِي الرُّؤْيَة مُطلقًا، وللمشبهة والكرامية فِي خلوها عَن المواجهة وَالْمَكَان، فَإِنَّهُم إِنَّمَا جوزوا رُؤْيَة اتعالى لاعتقادهم كَونه تَعَالَى فِي الْجِهَة وَالْمَكَان، وَأهل السّنة أثبتوا رُؤْيَة اتعالى بِالنَّقْلِ وَالْعقل، كَمَا ذكر فِي مَوْضِعه، وبينوا بالبرهان على أَن تِلْكَ الرُّؤْيَة مبرأة عَن الانطباع والمواجهة واتصال الشعاع بالمرئي. الْموضع الثَّانِي: اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة رُؤْيَة النَّبِي، ﵊، من خلف ظَهره، فَقيل: كَانَت لَهُ عين خلف ظَهره يرى بهَا من وَرَائه دَائِما، وَقيل: كَانَت لَهُ بَين كَتفيهِ عينان مثل سم الْخياط، يَعْنِي: مثل خرق الإبرة يبصر بهما لَا يحجبهما ثوب وَلَا غَيره. وَقيل: بل كَانَت صورهم تنطبع فِي حَائِط قبلته كَمَا تنطبع فِي الْمرْآة أمثلتهم فِيهَا، فيشاهد بذلك أفعالهم. قَوْله: (لَا يخفى عَليّ ركوعكم وَلَا خُشُوعكُمْ) يَعْنِي: إِذا كنت فِي الصَّلَاة مستدبراً لكم؛ وَيجوز أَن يكون المُرَاد من الْخُشُوع السُّجُود لِأَنَّهُ غَايَة الْخُشُوع، وَقد صرح فِي رِوَايَة مُسلم بِالسُّجُود، وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ أَعم من ذَلِك. فَيتَنَاوَل جَمِيع أفعالهم فِي صلَاتهم. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْخُشُوع بِمَعْنى الْأَعَمّ يتَنَاوَل الرُّكُوع أَيْضا، فَمَا فَائِدَة ذكره، قلت: لكَونه من أكبر عمد الصَّلَاة، وَذَلِكَ لِأَن الرجل مَا دَامَ فِي الْقيام لَا يتَحَقَّق أَنه فِي الصَّلَاة، فَإِذا ركع تحقق أَنه فِي الصَّلَاة، وَيكون فِيهِ عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (فوا) ، قسم مِنْهُ وَجَوَابه قَوْله: (لَا يخفى) . وَقَوله: (إِنِّي لأَرَاكُمْ) إِمَّا بَيَان وَإِمَّا بدل. قَوْله: (ركوعكم) بِالرَّفْع فَاعل (لَا يخفى) وَقَوله: (وَلَا خُشُوعكُمْ) ، عطف عَلَيْهِ، أَي: لَا يخفى عَليّ خُشُوعكُمْ، والهمزة فِي لأَرَاكُمْ مَفْتُوحَة، وَاللَّام للتَّأْكِيد. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنه يَنْبَغِي للْإِمَام إِذا رأى أحدا مقصراً فِي شَيْء من أُمُور دينه أَو نَاقِصا للكمال مِنْهُ أَن ينهاه عَن فعله، ويحضه على مَا فِيهِ جزيل الْحَظ. أَلا ترى أَنه كَيفَ وبخ من نقص كَمَال الرُّكُوع وَالسُّجُود، ووعظهم فِي ذَلِك بِأَنَّهُ يراهم من وَرَاء ظَهره كَمَا يراهم من بَين يَدَيْهِ؟ وَفِي تَفْسِير سنيد: حدّثنا حجاج عَن ابْن أبي ذِئْب حدّثنا يحيى بن صَالح حدّثنا فليح عَن هِلَال ابْن عَليّ عَن أنس قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله صَلَاة، ثمَّ رقى الْمِنْبَر فَقَالَ، فِي الصَّلَاة وَفِي الرُّكُوع إِنِّي لأَرَاكُمْ من ورائي كَمَا أَرَاكُم) . وَفِي لفظ: (أُقِيمَت الصَّلَاة فَأقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أقِيمُوا صفوفكم وتراصوا، فَإِنِّي أَرَاكُم من وَرَاء ظَهْري) . وَفِي لفظ: (أقِيمُوا الرُّكُوع وَالسُّجُود فوا إِنِّي لأَرَاكُمْ من بعدِي، وَرُبمَا قَالَ: من بعد ظَهْري، إِذا رَكَعْتُمْ وَإِذا سجدتم) . وَعند مُسلم: (صلى بِنَا ذَات يَوْم، فَلَمَّا قضى صلَاته أقبل علينا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس: إِنِّي إمامكم فَلَا تسبقوني بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُود وَلَا بالانصراف، فَإِنِّي أَرَاكُم أَمَامِي وَمن خَلْفي، ثمَّ قَالَ. وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ، لَو رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْت لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا. قَالُوا: وَمَا رَأَيْت يَا رَسُول ا؟ قَالَ رَأَيْت: الْجنَّة وَالنَّار) . ٨١ - (حَدثنَا يحيى بن صَالح قَالَ حَدثنَا فليح بن سُلَيْمَان عَن هِلَال بن عَليّ عَن أنس بن مَالك قَالَ صلى بِنَا النَّبِي ﷺ َ - صَلَاة ثمَّ رقي الْمِنْبَر فَقَالَ فِي الصَّلَاة وَفِي الرُّكُوع إِنِّي لأَرَاكُمْ من ورائي كَمَا أَرَاكُم) مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث الَّذِي قبله. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. يحيى بن صَالح الوحاظي بِضَم

стр. 1101

الْوَاو الثَّانِي فليح بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة وَقد مر ذكره الثَّالِث اهلال بن عَليّ وَيُقَال هِلَال بن أبي هِلَال بن عَليّ وَيُقَال ابْن أُسَامَة الفِهري الْمَدِينِيّ مَاتَ فِي آخر خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك الرَّابِع أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان عَن فليح وَأخرجه فِي الرقَاق عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن فليح عَن أَبِيه بِهِ. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " صلى لنا " أَي صلى لأجلنا قَوْله " صَلَاة " بالتنكير للإبهام قَوْله " ثمَّ رقي الْمِنْبَر " بِكَسْر الْقَاف وَيجوز فتحهَا على لُغَة طَيء قَوْله " فَقَالَ فِي الصَّلَاة " فِيهِ حذف تَقْدِيره فَقَالَ فِي شَأْن الصَّلَاة وَفِي أمرهَا أَو يكون متعلقها محذوفا تَقْدِيره أَرَاكُم فِي الصَّلَاة وَقَالَ بَعضهم هُوَ مُتَعَلق بقوله بعد لأَرَاكُمْ (قلت) هَذَا غلط لِأَن مَا فِي حيّز ان لَا يتَقَدَّم عَلَيْهَا قَوْله " وَفِي الرُّكُوع " إِنَّمَا أفرده بِالذكر وَإِن كَانَ دَاخِلا فِي الصَّلَاة للاهتمام بِشَأْنِهِ إِمَّا لِأَنَّهُ أعظم أَرْكَانهَا بِدَلِيل أَن الْمَسْبُوق لَو أدْرك الرُّكُوع أدْرك تِلْكَ الرَّكْعَة بِتَمَامِهَا وَإِمَّا لِأَنَّهُ ﷺ َ - علم أَنهم قصروا فِي حَال الرُّكُوع فَذكره لزِيَادَة التَّنْبِيه قَوْله " من ورائي " وَفِي بعض الرِّوَايَات " من وَرَاء " حذفت الْيَاء مِنْهُ وَاكْتفى بالكسرة عَنْهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) الرُّؤْيَة من الوراء كَانَت مَخْصُوصَة بِحَال الصَّلَاة أم هِيَ عَامَّة لجَمِيع الْأَحْوَال (قلت) اللَّفْظ سِيمَا فِي الحَدِيث السَّابِق يَقْتَضِي الْعُمُوم والسياق يَقْتَضِي الْخُصُوص (قلت) نقل عَن مُجَاهِد أَنه كَانَ فِي جَمِيع أَحْوَاله قَوْله " كَمَا أَرَاكُم " أَي كَمَا أَرَاكُم من أَمَامِي وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة أُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي رِوَايَة مُسلم " إِنِّي لَأبْصر من ورائي كَمَا أبْصر من بَين يَدي " وَعَن بَقِي بن مخلد أَنه ﷺ َ - كَانَ يبصر فِي الظلمَة كَمَا يبصر فِي الضَّوْء وَالْكَاف فِي كَمَا أَرَاكُم للتشبيه فالمشبه بِهِ الرُّؤْيَة الْمقيدَة بالوراء وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت فِي الحَدِيث السَّابِق ١٤ - (بابٌ هَلْ يُقالُ مَسْجِدُ بَنِي فلَانٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِضَافَة مَسْجِد من الْمَسَاجِد إِلَى قَبيلَة أَو إِلَى أحد مثل بانيه أَو الملازم للصَّلَاة فِيهِ، هَل يجوز أَن يُقَال ذَلِك؟ نعم يجوز، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيث ابْن عمر الْآتِي ذكره، وَإِنَّمَا ترْجم الْبَاب بِلَفْظَة: هَل، الَّتِي للاستفهام لِأَن فِي هَذَا خلاف إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، فَإِنَّهُ كَانَ يكره أَن يُقَال: مَسْجِد بني فلَان، أَو: مصلى فلَان، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن الْمَسَاجِد﴾ (الْجِنّ: ٨١) ذكره ابْن أبي شيبَة عَنهُ، وَحَدِيث الْبَاب يرد عَلَيْهِ، وَالْجَوَاب عَن تمسكه بِالْآيَةِ أَن الْإِضَافَة فِيهَا حَقِيقَة، وإضافتها إِلَى غَيره إِضَافَة تَمْيِيز وتعريف. فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر هَذَا الْبَاب هَهُنَا؟ وَمَا وَجه الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين الْأَبْوَاب الْمُتَقَدّمَة؟ قلت: الْمَذْكُور فِي الْأَبْوَاب السَّابِقَة أَحْكَام تتَعَلَّق بالمساجد، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب أَيْضا حكم من أَحْكَامهَا، وَهَذَا الْمِقْدَار كَاف. ٠٢٤٢٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نَافِعٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ أنَّ رَسُول الله سَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنَ الحَفْياءِ وأَمَدُها ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ وسابَقَ بَيْنَ الخَيْل الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّة إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ وَأن عَبْدَ اللَّه بنَ عُمَرَ كانَ فِيمَنْ سابَقَ بهَا. (الحَدِيث ٠٢٤ أَطْرَافه فِي: ٨٦٨٢، ٩٦٨٢، ٠٧٨٢، ٦٣٣٧) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِلَى مَسْجِد بني زُرَيْق) ، وَرِجَاله تكرروا غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْخَيل عَن مُحَمَّد بن مسلمة والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَابق) ، من الْمُسَابقَة وَهِي السَّبق الَّذِي يشْتَرك فِي الِاثْنَان، وَبَاب المفاعلة يَقْتَضِي ذَلِك، وَالْخَيْل الَّتِي أضمرت هِيَ الَّتِي كَانَت الْمُسَابقَة بَينهَا، وَكَانَ فرس النَّبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، بَينهَا يُسمى: السكب، وَكَانَ أغر محجلاً طلق الْيَمين لَهُ مسحة، وَهُوَ أول فرس ملكه، وَأول فرس غزا عَلَيْهِ، وَاشْتَرَاهُ من أَعْرَابِي من بني فَزَارَة بِعشر أَوَاقٍ، وَكَانَ إسمه عِنْد الْأَعرَابِي: الضرس، فَسَماهُ رَسُول اصلى اتعالى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: السكب، وسابق عَلَيْهِ فَسبق وَفَرح بِهِ، وَهُوَ أول فرس سَابق عَلَيْهِ فَسبق وَفَرح الْمُسلمُونَ بِهِ. قَوْله: (أضمرت) ، بِضَم الْهمزَة على صِيغَة

стр. 1102

الْمَجْهُول من الْإِضْمَار، يُقَال: ضمر الْفرس، بِالْفَتْح وأضمرته أَنا والضمر، بِضَم الضَّاد وَسُكُون الْمِيم: الهزال، وَكَذَلِكَ الضمور، وتضمير الْفرس أَن يعلف حَتَّى يسمن ثمَّ يردهُ إِلَى الْقُوت، وَذَلِكَ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَفِي (النِّهَايَة) : وتضمير الْخَيل هُوَ أَن تظاهر عَلَيْهَا الْعلف حَتَّى تسمن ثمَّ لَا تعلف إلَاّ قوتاً لتخف. وَقيل: تشد عَلَيْهَا سروجاً وتجلل بالأجلة حَتَّى تعرق تحتهَا فَيذْهب رهلها ويشتد لَحمهَا. قَوْله: رهلها، بِفَتْح الرَّاء وَالْهَاء وباللام، من رهل لَحْمه، بِالْكَسْرِ: اضْطربَ واسترخى، قَالَه الْجَوْهَرِي، والمضمر الَّذِي يضمر خيله لغزو أَو سباق، والمضمار الْموضع الَّذِي يضمر فِيهِ الْخَيل، وَتَكون وقتا للأيام الَّتِي يضمر فِيهَا. قَوْله: (من الحفياء) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء وبالياء آخر الْحُرُوف وَالْألف الممدودة، وَقدم بَعضهم الْيَاء على الْفَاء، وَهُوَ اسْم مَوضِع بَينه وَبَين ثنية الْوَدَاع خَمْسَة أَمْيَال أَو سِتَّة أَو سَبْعَة، وثنية الوادع عِنْد الْمَدِينَة سميت بذلك لِأَن الْخَارِج من الْمَدِينَة يمشي مَعَه المودعون إِلَيْهَا، والثنية: لُغَة الطَّرِيقَة إِلَى الْعقبَة، فَاللَّام فِيهِ للْعهد. قَوْله: (وأمدها) الأمد، بِفَتْح الْهمزَة وَفتح الْمِيم: الْغَايَة. قَوْله: (بني زُرَيْق) ، بِضَم الزَّاي الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره قَاف، وَبَنُو زُرَيْق ابْن عَامر حَارِثَة بن غضب بن جشم بن الْخَزْرَج. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَبَنُو زُرَيْق بطن من الْخَوَارِج قلت: تَفْسِيره بِهَذَا هُنَا غلط، وَالصَّحِيح هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (وَأَن عبد ا) ، يجوز أَن يكون مقول عبد اللَّه بن عمر بطرِيق الْحِكَايَة عَن نَفسه باسمه على لفظ الْغَيْبَة، كَمَا تَقول عَن نَفسك: العَبْد فعل كَذَا، وَيجوز ان يكون مقول نَافِع قَوْله: (بهَا) أَي: بِالْخَيْلِ أَو بِهَذِهِ الْمُسَابقَة. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز الْمُسَابقَة بَين الْخُيُول وَجَوَاز تضميرها وتمرينها على الجري، وإعدادها لذَلِك لينْتَفع بهَا عِنْد الْحَاجة فِي الْقِتَال كراً وفراً، وَهَذَا إِجْمَاع، وَعَن الشَّافِعِيَّة أَنَّهَا سنة، وَقيل: مُبَاح، وَكَانَت الْجَاهِلِيَّة يفعلونها فأقرها الْإِسْلَام، وَلَا يخْتَص جَوَازهَا بِالْخَيْلِ، خلافًا لقوم، والْحَدِيث مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ بِغَيْر رهان، وَالْفُقَهَاء شرطُوا فِيهَا شُرُوطًا مِنْهَا: جَوَاز الرِّهَان من جَانب وَاحِد، وَمن الْجَانِبَيْنِ قمار إلَاّ بِمُحَلل، وَقد علم فِي مَوْضِعه، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث دلَالَة على جَوَاز ذَلِك وَلَا على مَنعه. وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّه سَابق بَين الْخَيل على حلل أَتَتْهُ من الْيمن، فَأعْطى السَّابِق ثَلَاث حلل وَأعْطى الثَّانِي حلتين وَالثَّالِث حلَّة وَالرَّابِع دِينَارا، وَالْخَامِس درهما، وَالسَّادِس فضَّة. وَقَالَ: (بَارك افيك. وَفِي كلكُمْ وَفِي السَّابِق والفسكل) . قلت: الفسكل، بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بَينهمَا وَفِي آخِره اللَّام: وَهُوَ الَّذِي يَجِيء فِي الجلبة آخر الْخَيل. وَفِيه: تجويع الْبَهَائِم على وَجه الصّلاح وَلَيْسَ من بَاب التعذيب. وَفِيه: بَيَان الْغَايَة وَمِقْدَار أمدها. وَفِيه: جَوَاز إِضَافَة الْمَسْجِد إِلَى بانيه وَإِلَى مصلَ فِيهِ، كَمَا ذكرنَا، وَكَذَلِكَ تجوز إِضَافَة أَعمال الْبر إِلَى أَرْبَابهَا ونسبتها إِلَيْهِم وَلَيْسَ فِي ذَلِك تَزْكِيَة لَهُم. ٢٤ - (بابُ الْقِسْمَةِ وتعلْيقِ الْقِنْوِ فِي الْمَسْجِد) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قسْمَة الشَّيْء فِي الْمَسْجِد يَعْنِي: يجوز لِأَنَّهُ فعلهَا كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب. قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) ، يتَعَلَّق بِالْقِسْمَةِ. (وَتَعْلِيق القنو) عطف على الْقِسْمَة. والمناسبة بَين هَذِه الْأَبْوَاب ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي أَحْكَام تتَعَلَّق بِالْمَسْجِدِ. قَالَ أبُو عَبْدِ اللَّه القِنْوُ العِزْقُ والإِثْنَانِ قِنْوَانِ وَالجمَاعَةُ أيْضاً قُنْوَانٌ مثْلُ صِنْوٍ وصِنْوَانٍ. أَبُو عبد اللَّه هُوَ: البُخَارِيّ نَفسه، وَفسّر القنو بالعذق، والقنو، بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون النُّون. وَقَالَ ابْن سَيّده: القنو والقنا الكياسة، والقنا بِالْفَتْح لُغَة فِيهِ عَن أبي حنيفَة، وَالْجمع فِي كل ذَلِك أقناء وقنوان وقنيان. وَفِي (الْجَامِع) : فِي القنوان لُغَتَانِ، بِكَسْر الْقَاف وَضمّهَا، وكل الْعَرَب تَقول: قنو وقنو فِي الْوَاحِد. قَوْله: (العذق) بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: هُوَ كالعنقود للعنب، والعذق، بِفَتْح الْعين: النَّخْلَة. قَوْله: (والاثنان قنوان) ، على وزن: فعلان، بِكَسْر الْفَاء، وَكَذَلِكَ الْجمع هَذَا الْوَزْن؟ فَإِن قلت: فَبِأَي شَيْء يفرق بَين التَّثْنِيَة وَالْجمع؟ قلت: بِسُقُوط النُّون فِي التَّثْنِيَة عِنْد الْإِضَافَة وثبوتها فِي الْجمع، وبكسرها فِي التَّثْنِيَة وإعرابها فِي الْجمع. قَوْله: (مثل صنو) يَعْنِي: فِي الحركات والسكنات، وَفِي التَّثْنِيَة وَالْجمع، والصنو هُوَ: النخلتان أَو ثَلَاثَة تخرج من أصل وَاحِدَة، وكل وَاحِد مِنْهُنَّ صنو، والإثنان صنْوَان، بِكَسْر النُّون، الْجمع: صنْوَان بإعرابها، وَالْبُخَارِيّ لم يذكر جمعه لظُهُوره من الأول.

стр. 1103

(وَقَالَ إِبْرَاهِيم يَعْنِي ابْن طهْمَان عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس ﵁ قَالَ أُتِي النَّبِي ﷺ َ - بِمَال من الْبَحْرين فَقَالَ انثروه فِي الْمَسْجِد وَكَانَ أَكثر مَال أُتِي بِهِ رَسُول الله ﷺ َ - فَخرج رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى الصَّلَاة وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ فَلَمَّا قضى الصَّلَاة جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَمَا كَانَ يرى أحدا إِلَّا أعطَاهُ إِذْ جَاءَهُ الْعَبَّاس فَقَالَ يَا رَسُول الله أَعْطِنِي فَإِنِّي فاديت نَفسِي وفاديت عقيلا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ َ - خُذ فَحَثَا فِي ثَوْبه ثمَّ ذهب يقلهُ فَلم يسْتَطع فَقَالَ يَا رَسُول الله مر بَعضهم يرفعهُ إِلَيّ قَالَ لَا قَالَ فارفعه أَنْت عَليّ قَالَ لَا فنثر مِنْهُ ثمَّ ذهب يقلهُ فَقَالَ يَا رَسُول الله اؤمر بَعضهم يرفعهُ عَليّ قَالَ لَا قَالَ فارفعه أَنْت عَليّ قَالَ لَا فنثر مِنْهُ ثمَّ احتمله فَأَلْقَاهُ على كَاهِله ثمَّ انْطلق فَمَا زَالَ رَسُول الله ﷺ َ - يتبعهُ بَصَره حَتَّى خَفِي علينا عجبا من حرصه فَمَا قَامَ رَسُول الله ﷺ َ - وثمة مِنْهَا دِرْهَم) هَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ ذكره البُخَارِيّ عَن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن طهْمَان فِيمَا أَحسب بِغَيْر إِسْنَاد يَعْنِي تَعْلِيقا وَفِي بعض الرِّوَايَة قَالَ إِبْرَاهِيم بِغَيْر ذكر أَبِيه وَالْأول هُوَ الْأَصَح وطهمان بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء ابْن شُعْبَة الْخُرَاسَانِي أَبُو سعيد مَاتَ سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة بِمَكَّة وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا مُعَلّقا فِي الْجِهَاد وَفِي الْجِزْيَة وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي هَكَذَا هُوَ فِي البُخَارِيّ إِبْرَاهِيم غير مَنْسُوب وَذكره أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي وَخلف الوَاسِطِيّ فِي تَرْجَمَة عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عمر بن مُحَمَّد بن بجير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْجِيم وَنسبَة عمر إِلَى جده البجيري فِي صَحِيحه من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس وَقيل أَنه عبد الْعَزِيز بن رفيع وَقد روى أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه حَدِيثا من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع عَن أنس " تسحرُوا فَإِن فِي السّحُور بركَة " وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ حَدِيثا من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع عَن عبيد بن عُمَيْر عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا حَدِيث " لَا يحل دم امرىء مُسلم إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاث " الحَدِيث فَيحْتَمل أَن يكون هَذَا وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا وَالله أعلم أَيهمَا هُوَ وَقَالَ بَعضهم قَالَ الْمزي فِي الْأَطْرَاف قيل أَنه عبد الْعَزِيز بن رفيع وَلَيْسَ بِشَيْء (قلت) قَوْله لَيْسَ بِشَيْء رَاجع إِلَى قَوْله صَاحب هَذَا القيل لِأَن الْمزي قَالَ بِالِاحْتِمَالِ كَمَا ذكرنَا ثمَّ إِن هَذَا الْمُعَلق وَصله أَبُو نعيم الْحَافِظ حَدثنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن يزِيد حَدثنَا أَحْمد بن حَفْص بن عبد الله بن رَاشد حَدثنِي أبي حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن عبد الْعَزِيز يَعْنِي ابْن صُهَيْب عَن أنس قَالَ " أَتَى رَسُول الله ﷺ َ - بِمَال من الْبَحْرين " الحَدِيث (فَإِن قلت) التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ أَحدهمَا الْقِسْمَة فِي الْمَسْجِد وَالْآخر تَعْلِيق القنو فِيهِ وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب إِلَّا مَا يُطَابق الْجُزْء الأول (قلت) ذكر أَبُو مُحَمَّد بن قُتَيْبَة فِي غَرِيب الحَدِيث تأليفه فِي هَذَا أَنه لما خرج رأى أقناء معلقَة فِي الْمَسْجِد وَكَانَ أَمر بَين كل حَائِط بقنو يعلق فِي الْمَسْجِد ليَأْكُل مِنْهُ من لَا شَيْء لَهُ وَقَالَ ثَابت فِي كتاب الدَّلَائِل وَكَانَ عَلَيْهَا على عَهده ﷺ َ - معَاذ بن جبل رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ انْتهى وَمن عَادَة البُخَارِيّ الإحالة على أصل الحَدِيث وَمَا أشبهه والمناسبة بَينهمَا أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا وضع فِي الْمَسْجِد للأخذ مِنْهُ لَا للادخار وَعدم الْتِفَات النَّبِي ﷺ َ - إِلَيْهِ اسْتِقْلَالا للدنيا وَمَا فِيهِ فَسقط بِمَا ذكرنَا قَول ابْن بطال فِي عدم ذكر البُخَارِيّ حَدِيثا فِي تَعْلِيق القنو أَنه أغفله وَكَذَلِكَ سقط كَلَام ابْن التِّين أنساه (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَتَى النَّبِي ﷺ َ - " بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " بِمَال من الْبَحْرين " وَقد تعين المَال فِيمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من طَرِيق حميد مُرْسلا أَنه كَانَ مائَة ألف وَأَنه أرسل بِهِ الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ من خراج الْبَحْرين قَالَ

стр. 1104

وَهُوَ أول خراج حمل إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - وَقد روى البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي من حَدِيث عمر بن عَوْف " أَن النَّبِي ﷺ َ - صَالح أهل الْبَحْرين وَأمر عَلَيْهِم الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ وَبعث أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح إِلَيْهِم فَقدم أَبُو عُبَيْدَة بِمَال فَسمِعت الْأَنْصَار بقدومه " الحَدِيث (فَإِن قلت) ذكر الْوَاقِدِيّ فِي الرِّدَّة أَن رَسُول الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ بِالْمَالِ هُوَ الْعَلَاء بن حَارِثَة الثَّقَفِيّ (قلت) يحْتَمل أَنه كَانَ رَفِيق أبي عُبَيْدَة فاختصر فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ عَلَيْهِ (فَإِن قلت) فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ " أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لَهُ لَو جَاءَ مَال الْبَحْرين أَعطيتك " وَفِيه " فَلم يقدم مَال الْبَحْرين حَتَّى مَاتَ النَّبِي ﷺ َ - " فَهَذَا معَارض لحَدِيث الْبَاب (قلت) لَا مُعَارضَة لِأَن المُرَاد أَنه لم يقدم فِي السّنة الَّتِي مَاتَ فِيهَا النَّبِي ﷺ َ - لِأَنَّهُ كَانَ مَال خراج أَو جِزْيَة فَكَانَ يقدم من سنة إِلَى سنة وَأما الْبَحْرين فَهُوَ تَثْنِيَة بَحر فِي الأَصْل وَهِي بَلْدَة مَشْهُورَة بَين الْبَصْرَة وعمان وَهِي هجر وَأَهْلهَا عبد الْقَيْس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار بن معد بن عدنان وَقَالَ القَاضِي عِيَاض قيل بَينهَا وَبَين الْبَصْرَة أَرْبَعَة وَثَمَانُونَ فرسخا. وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ لما صَالح أَهله رَسُول الله ﷺ َ - أَمر عَلَيْهِم الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ وَزعم أَبُو الْفرج فِي تَارِيخه أَنَّهَا رِيبَة وَأَن ساكنيها معظمهم مطحولون وَأنْشد (وَمن يسكن الْبَحْرين يعظم طحاله ... ويغبط بِمَا فِي جَوْفه وَهُوَ ساغب) وَزعم ابْن سعد أَن رَسُول الله ﷺ َ - لما انْصَرف من الْجِعِرَّانَة يَعْنِي بعد قسْمَة غَنَائِم حنين أرسل الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ إِلَى الْمُنْذر بن سَاوَى الْعَبْدي وَهُوَ بِالْبَحْرَيْنِ يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام فَكتب إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - بِإِسْلَامِهِ وتصديقه قَوْله " انثروه " أَي صبوه قَوْله " إِلَيْهِ " أَي إِلَى المَال الَّذِي قدم قَوْله " إِذْ جَاءَهُ الْعَبَّاس " وَهُوَ عَم النَّبِي ﷺ َ - ابْن عبد الْمطلب وَكلمَة إِذْ ظرف فِي الْغَالِب وَالْعَامِل فِيهِ يجوز أَن يكون قَوْله فَجَلَسَ إِلَيْهِ وَيجوز أَن يكون قَوْله يرى قَوْله " فاديت نَفسِي " يَعْنِي يَوْم بدر حَيْثُ أَخذ أَسِيرًا وفاديت من المفاداة يُقَال فاداه يفاديه إِذا أعْطى فداءه وأنقذ نَفسه وَقَالَ فدى وأفدى وفادى ففدى إِذا أعْطى المَال لخلاص غَيره وفادى إِذا افتك الْأَسير بأسير مثله لخلاص نَفسه وأفدى إِذا أعْطى المَال قَوْله " وفاديت عقيلا " بِفَتْح الْعين وَهُوَ ابْن أبي طَالب وَكَانَ هُوَ أَيْضا أسر يَوْم بدر مَعَ عَمه الْعَبَّاس قَوْله " فَحثى " بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْعَبَّاس يُقَال حثوت لَهُ إِذا أَعْطيته شَيْئا يَسِيرا قَوْله " فِي ثَوْبه " أَي فِي ثوب الْعَبَّاس قَوْله " يقلهُ " بِضَم الْيَاء من الإقلال وَهُوَ الرّفْع وَالْحمل قَوْله " فَلم يسْتَطع " أَي حمله قَوْله " مر بَعضهم يرفعهُ عَليّ " أَي مر بعض الْحَاضِرين يرفع المَال الَّذِي أَخَذته وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ لم يسْتَطع حمله (فَإِن قلت) مَا وزن مر (قلت) عل لِأَن الْمَحْذُوف مِنْهُ فَاء الْفِعْل لِأَن أَصله اؤمر لِأَنَّهُ من أَمر يَأْمر مَهْمُوز الْفَاء فحذفت همزَة الْكَلِمَة لِاجْتِمَاع المثلين فِي أول الْكَلِمَة الْمُؤَدِّي إِلَى الاستثقال فَبَقيَ أَمر فاستغنى عَن همزَة الْوَصْل لتحرك مَا بعْدهَا فحذفت فَصَارَ مر على وزن عل وَفِي رِوَايَة اؤمر على الأَصْل قَوْله " يرفعهُ " بياء الْمُضَارع وَالضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ يرجع إِلَى الْبَعْض والبارز إِلَى المَال الَّذِي جثاه الْعَبَّاس فِي ثَوْبه وَيجوز فِيهِ الرّفْع والجزم أما الرّفْع فعلى الِاسْتِئْنَاف وَالتَّقْدِير هُوَ يرفعهُ وَأما الْجَزْم فعلى أَنه جَوَاب الْأَمر ويروى بِرَفْعِهِ بِالْبَاء الْمُوَحدَة (فَإِن قلت) كَيفَ مَا أَمر النَّبِي ﷺ َ - بإعانته فِي الرّفْع وَلَا أَعَانَهُ بِنَفسِهِ (قلت) زجرا لَهُ عَن الاستكثار من المَال وَأَن لَا يَأْخُذ إِلَّا قدر حَاجته أَو لينبهه على أَن أحدا لَا يحمل عَن أحد شَيْئا قَوْله " فَأَلْقَاهُ " أَي الْعَبَّاس على كَاهِله والكاهل مَا بَين الْكَتِفَيْنِ قَوْله " يتبعهُ بَصَره " بِضَم الْيَاء من الِاتِّبَاع أَي لم يزل ﷺ َ - يتبع الْعَبَّاس بَصَره حَتَّى خَفِي عَلَيْهِ وَذَلِكَ تَعَجبا من حرصه وَهُوَ معنى قَوْله عجبا من حرصه وانتصابه على أَنه مفعول مُطلق من قبيل مَا يجب حذف عَامله وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا على أَنه مفعول لَهُ قَوْله " وثمة " بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة أَي هُنَالك وَقَوله " دِرْهَم " مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله مِنْهَا مقدما وَالْجُمْلَة وَقعت حَالا وَالْمَقْصُود مِنْهُ إِثْبَات الْقيام عِنْد انْتِفَاء الدِّرْهَم إِذْ الْحَال قيد للمنفي لَا للنَّفْي وَالْمَجْمُوع مُنْتَفٍ بِانْتِفَاء الْقَيْد لانْتِفَاء الْمُقَيد وَإِن كَانَ ظَاهره نفي الْقيام حَال ثُبُوت الدِّرْهَم (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام) مِنْهَا أَن الْقِسْمَة إِلَى الإِمَام على قدر اجْتِهَاده. وَمِنْهَا مَا قَالَه ابْن بطال أَن الْعَطاء لأحد الْأَصْنَاف الثَّمَانِية الَّذين ذكرهم الله فِي كِتَابه دون غَيرهم لِأَنَّهُ أعْطى الْعَبَّاس لما شكى إِلَيْهِ من الْغرم وَلم يسوه فِي الْقِسْمَة مَعَ الثَّمَانِية الْأَصْنَاف فَلَو قسم ذَلِك على التَّسَاوِي لما أعْطى الْعَبَّاس بِغَيْر مكيال وَلَا ميزَان وَقَالَ الْكرْمَانِي لَا يَصح هَذَا الْكَلَام لِأَن الثَّمَانِية هِيَ

стр. 1105

مصارف الزَّكَاة وَالزَّكَاة حرَام على الْعَبَّاس بل كَانَ هَذَا المَال إِمَّا فَيْئا أَو غنيمَة (قلت) لم يكن هَذَا المَال فَيْئا وَإِنَّمَا كَانَ خراجا وَلَو وقف الْكرْمَانِي على مَا ذَكرْنَاهُ عَن ابْن أبي شيبَة فِيمَا مضى عَن قريب لما قَالَ هَذَا الَّذِي قَالَه وَكَذَلِكَ ابْن بطال وهم فِيمَا قَالَه حَيْثُ جعل المَال من الزَّكَاة وَتَبعهُ صَاحب التَّلْوِيح حَيْثُ قَالَ وَفِيه دلَالَة لأبي حنيفَة وَمن قَالَ بقوله أَنه يجوز الِاقْتِصَار على بعض الْأَصْنَاف الْمَذْكُورين فِي الْآيَة الكرمية لِأَنَّهُ أعْطى الْعَبَّاس لما شكى الْغرم بِغَيْر وزن وَلم يسوه فِي الْقسم مَعَ الْأَصْنَاف الثَّمَانِية وَلم ينْقل أَنه أعْطى أحدا مثله (قلت) هَذَا أَيْضا كَلَام صادر من غير تَأمل لِأَنَّهُ لَيْسَ للأصناف الثَّمَانِية دخل فِي هَذَا وَلَا المَال كَانَ من مَال الزَّكَاة وَمِنْهَا أَن السُّلْطَان إِذا علم حَاجَة لأحد إِلَى المَال لَا يحل لَهُ أَن يدّخر مِنْهُ شَيْئا. وَمِنْهَا أَن فِيهِ كرم النَّبِي ﷺ َ - وزهده فِي الدُّنْيَا وَأَنه لم يمْنَع شَيْئا سئله إِذا كَانَ عِنْده. وَمِنْهَا أَن للسُّلْطَان أَن يرْتَفع عَمَّا يدعى إِلَيْهِ من المهنة وَالْعَمَل بِيَدِهِ وَله أَن يمْتَنع من تَكْلِيف ذَلِك غَيره إِذا لم يكن للسُّلْطَان فِي ذَلِك حَاجَة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ وضع مَا النَّاس مشتركون فِيهِ من صَدَقَة وَغَيرهَا فِي الْمَسْجِد لِأَن الْمَسْجِد لَا يحجب من أحد من ذَوي الْحَاجة من دُخُوله وَالنَّاس فِيهِ سَوَاء وَقَالَ ابْن الْقَاسِم وَسُئِلَ مَالك عَن الافتاء فِي الْمَسْجِد وَمَا يشبه ذَلِك فَقَالَ لَا بَأْس بهَا وَسُئِلَ عَن المَاء الَّذِي يسقى فِي الْمَسْجِد أَتَرَى أَنه يشرب مِنْهُ قَالَ نعم إِنَّمَا جعل للعطش وَلم يرد بِهِ أهل المسكنة فَلَا أرى أَنه يتْرك شربه وَلم يزل هَذَا من أَمر النَّاس ٣٤ - (بابُ مَنْ دَعا لِطَعَامٍ فى المَسْجِدِ وَمَنْ أجابَ مِنه) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من دعى إِلَى آخِره، وَقَوله: (فِي الْمَسْجِد) يتَعَلَّق بقوله: (دَعَا) ، لَا بقوله: (لطعام) . فَإِن قلت: صلَة: دَعَا، بِكَلِمَة: إِلَى، نَحْو: ﴿وَا يدعوا إِلَى دَار السَّلَام﴾ (يُونُس: ٥٢) وبالباء فِي نَحْو: (دَعَا هِرقل بِكِتَاب رَسُول اصلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم) ، و: اللَّام، للاختصاص، فَمَا وَجه هَذَا؟ قلت: تخْتَلف صلات الْفِعْل بِحَسب اخْتِلَاف الْمعَانِي، فَإِذا قصد بَيَان الِانْتِهَاء جِيءَ بِكَلِمَة: إِلَى، وَإِذا قصد معنى الطّلب جِيءَ: بِالْبَاء، وَإِذا قصد معنى الِاخْتِصَاص جِيءَ: بِاللَّامِ، وَهَهُنَا قصد معنى الِاخْتِصَاص. قَوْله: (وَمن أجَاب مِنْهُ) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وَمن أجَاب إِلَيْهِ) . فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين الرِّوَايَتَيْنِ؟ قلت: كلمة: من، فِي رِوَايَة: مِنْهُ للابتداء، وَالضَّمِير يعود على: الْمَسْجِد، وَفِي رِوَايَة: إِلَى، يعود الضَّمِير إِلَى الطَّعَام. فَإِن قلت: مَا قصد البُخَارِيّ من هَذَا التَّبْوِيب؟ قلت: الْإِشَارَة إِلَى أَن هَذَا من الْأُمُور الْمُبَاحَة، وَلَيْسَ من اللَّغْو وَالَّذِي يمْنَع فِي الْمَسَاجِد. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسب بَين هَذَا الْبَاب وَالَّذِي قبله؟ قلت: من قَوْله: بَاب حك البزاق بِالْيَدِ من الْمَسْجِد، إِلَى قَوْله: بَاب ستْرَة الإِمَام، خَمْسَة وَخَمْسُونَ بَابا كلهَا فِيمَا يتَعَلَّق بِأَحْكَام الْمَسَاجِد، فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر وَجه الْمُنَاسبَة بَينهَا على الْخُصُوص. ٢٢٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ إسْحاقَ بن عَبْدِ اللَّهِ سَمِعَ أنَساً قَالَ وجَدْتُ النَّبيَّ فِي المَسْجِدِ مَعَهُ ناسٌ فَقُمْتُ فقالِ لِي أرْسَلَكَ أبُو طَلْحَةَ قُلْتُ نَعَمْ فقالَ لِطَعَامٍ قُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ قُومُوا فانْطَلَقَ وانْطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ. (الحَدِيث ٢٢٤ أَطْرَافه فِي: ٨٧٥٣، ١٨٣٥، ٠٥٤٥، ٨٨٦٦) . مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة كلهَا ظَاهِرَة، أما الشق الأول: فلأنَّا قد ذكرنَا أَن: فِي الْمَسْجِد، يتَعَلَّق بقوله: دَعَا، لَا بقوله: لطعام، فَحصل الدُّعَاء إِلَى الطَّعَام فِي الْمَسْجِد. وَأما الشق الثَّانِي: فَهُوَ إِجَابَة النَّبِي بقوله لمن حوله: قومُوا، فَبِهَذَا التَّقْرِير ينْدَفع اعْتِرَاض من يَقُول: إِن الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة فِي الشق الثَّانِي فَقَط فَافْهَم. وَرِجَال الحَدِيث قد تكَرر ذكرهم، إِسْحَاق بن عبد اللَّه، ابْن أخي أنس من جِهَة الْأُم. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وفرقهما. وَأخرجه أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مطولا، وَفِي الْأَطْعِمَة وَالْإِيمَان وَالنُّذُور. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى، وَفِي الْأَطْعِمَة. وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي، وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن بن عِيسَى، وَفِي المناقب وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة كلهم عَن مَالك بِهِ، وَأخرجه فِي الْوَلِيمَة أَيْضا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وجدت) أَي: أصبت، وَلِهَذَا اكْتفى بمفعول وَاحِد. قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) ، حَال من النَّبِي

стр. 1106

وَقَوله: (وَمَعَهُ نَاس) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (أرسلك) ، ويروي: (أأرسلك) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام. قَوْله: (أَبُو طَلْحَة) ، هُوَ: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ أحد نقباء الْعقبَة، شهد الْمشَاهد كلهَا، رُوِيَ لَهُ اثْنَان وَتسْعُونَ حَدِيثا، مِنْهَا للْبُخَارِيّ ثَلَاثَة، وَهُوَ زوج أم أنس، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ على الْأَصَح. قَوْله: (قَالَ لطعام) ، ويروى: (للطعام) . قَوْله: (قَالَ لمن حوله) مَنْصُوب بالظرفية أَي: لمن كَانَ حوله. قَوْله: (فَانْطَلق) أَي: إِلَى بَيت أبي طَلْحَة، وَفِي بعض النّسخ: (فَانْطَلقُوا) أَي: انْطلق النَّبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَمن كَانَ مَعَه. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز الحجابة، وَهُوَ أَن يتَقَدَّم بعض الخدام بَين يَدي الإِمَام وَنَحْوه. وَفِيه: الدُّعَاء إِلَى الطَّعَام وَإِن لم يكن وَلِيمَة. وَفِيه: أَن الدُّعَاء إِلَى ذَلِك من الْمَسْجِد وَغَيره سَوَاء، لِأَن ذَلِك من أَعمال الْبر، وَلَيْسَ ثَوَاب الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد بِأَقَلّ من ثَوَاب الْإِطْعَام. وَفِيه: دُعَاء السُّلْطَان إِلَى الطَّعَام الْقَلِيل. وَفِيه: أَن الرجل الْكَبِير إِذا دعِي إِلَى طَعَام، وَعلم أَن صَاحبه لَا يكره أَن يجلب مَعَه غَيره ان الطَّعَام يكفيهم انه لَا بَأْس بِأَن يحمل مَعَه من حَضَره وانما حملهمْ النَّبِي بأصلى اتعالى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، إِلَى طَعَام، أبي طَلْحَة، وَهُوَ قَلِيل، لعلمه أَنه يَكْتَفِي جَمِيعهم ببركته وَمَا خصّه اتعالى بِهِ من الْكَرَامَة والفضيلة، وَهُوَ من عَلَامَات النُّبُوَّة. ٤٤ - (بابُ القَضاء واللِّعَانِ فِي المَسْجِدِ بَيْنَ الرِّجال والنِّساء) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقَضَاء، وَهُوَ: الحكم وَحكم اللّعان فِي الْمَسْجِد، وَعطف اللّعان على الْقَضَاء من عطف الْخَاص على الْعَام، لِأَن الْقَضَاء أَعم من أَن يكون فِي اللّعان أَو غَيره، وَاللّعان مصدر: لَا عَن من: اللَّعْن، وَهُوَ الطَّرْد والإبعاد، وَسمي بِهِ لما فِيهِ من لعن نَفسه فِي الْخَامِسَة، وَهِي من تَسْمِيَة الْكل باسم الْبَعْض، كَالصَّلَاةِ تسمى رُكُوعًا وسجوداً. وَاللّعان، عندنَا: شَهَادَات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن قَائِمَة مقَام الْقَذْف فِي حَقه، ومقام حد الزِّنَا فِي حَقّهَا، وَعند الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد: هُوَ أَيْمَان مؤكدات بِلَفْظ الشَّهَادَة بِشَرْط أهليه الْيَمين، وَصفَة اللّعان مَا نطق بِهِ نَص الْقُرْآن فِي سُورَة النُّور، وَهُوَ أَن يبتدىء القَاضِي بِالزَّوْجِ فَيشْهد أَربع شَهَادَات يَقُول فِي كل مرّة أشهد با أَنِّي لمن الصَّادِقين فِيمَا رميتها بِهِ من الزِّنَا، يُشِير إِلَيْهَا فِي كل مرّة، وَيَقُول فِي الْخَامِسَة: لعنة اعليه إِن كَانَ من الْكَاذِبين، فِيمَا رَمَاهَا بِهِ من الزِّنَا، ثمَّ تشهد الْمَرْأَة أَربع شَهَادَات تَقول فِي كل مرّة أشهد با أَنه لمن الْكَاذِبين فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا، وَتقول فِي الْخَامِسَة: غضب اعليها إِن كَانَ من الصَّادِقين فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا. قَوْله: (بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء) ، حَشْو، وَلِهَذَا لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. ٣٢٤٤٨ - حدّثنا يَحْيَى قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي ابنُ شِهابٍ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدِ أنَ رَجُلاً قَالَ يَا رسولَ اأرَأيَتَ رَجُلاً وجَدَ مَعَ امْرأتِهِ رَجُلاً أيقْتُلُهُ فَتَلَاعَنَا فِي المَسْجِدِ وَأَنا شاهِدٌ. (الحَدِيث ٣٢٤ أَطْرَافه فِي: ٥٤٧٤، ٦٤٧٤، ٩٥٢٥، ٨٠٣٥، ٩٠٣٥، ٤٥٨٦، ٥٦١٧، ٦٦١٧، ٤٠٣٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَيَقْتُلُهُ) ، لِأَنَّهُ لَو لم ير مُبَاشرَة تَامَّة لما سَأَلَ رَسُول اعن جَوَاز قتل الرجل، وَإِلَّا فمجرد وجدان الرجل مَعَ امْرَأَته من غير مُبَاشرَة لَا يَقْتَضِي سُؤال الْقَتْل فِيهِ، فَفِي الْجُمْلَة لَيْسَ فِيهِ إِشْعَار بِالزِّنَا، وَلَا يَقْتَضِيهِ إلَاّ مَا يفهم من قَوْله: أَيَقْتُلُهُ؟ . ذكر رِجَاله: خَمْسَة: الأول: يحيى بن مُوسَى أَبُو زَكَرِيَّا، يعرف بالخت، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام الصَّنْعَانِيّ. الثَّالِث: عبد الْملك بن جريج. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: سهل بن سعد بن مَالك بن خَالِد الخزرجي السَّاعِدِيّ، أَبُو الْعَبَّاس، وَقيل: أَبُو يحيى. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: ح دّثنا يحيى مُجَردا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يحيى بن مُوسَى. وَقَالَ ابْن السكن: هُوَ يحيى بن مُوسَى، وَقيل: هُوَ يحيى بن جَعْفَر البيكندي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ: يحيى بن معِين، لِأَنَّهُ سمع من عبد الرَّزَّاق قلت: الْأَصَح مَا قَالَه ابْن السكن. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بلخي وصنعاني ومكي ومدني.

стр. 1107

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن إِسْمَاعِيل بن عبد اللَّه، وَفِي التَّفْسِير عَن عبد اللَّه بن يُوسُف، كِلَاهُمَا عَن مَالك، وَفِي الِاعْتِصَام عَن آدم عَن ابْن أبي ذِئْب، وَفِي الْأَحْكَام، وَفِي الْمُحَاربين عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَن سُفْيَان، وَفِي التَّفْسِير عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن فليح، وَعَن إِسْحَاق عَن الْفرْيَابِيّ عَن الْأَوْزَاعِيّ، وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه مُسلم فِي اللّعان عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك، وَعَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب، وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن القعْنبِي عَن مَالك مطولا، وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي بِبَعْضِه، وَعَن مُسَدّد ووهب بن بَيَان وَأحمد بن عَمْرو بن السَّرْح وَعَمْرو بن عُثْمَان، وَعَن مَحْمُود بن خَالِد، وَعَن أَحْمد بن صَالح، وَعَن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْوَركَانِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان. ذكر مَعْنَاهُ وَمَا يستنبط مِنْهُ: قَوْله: (أَن رجلا) اخْتلفُوا فِيهِ، فَقيل: إِنَّه هِلَال بن أُميَّة وَقيل: عَاصِم بن عدي، وَقيل: عُوَيْمِر الْعجْلَاني. قلت: روى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ: (عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ أَن عويمراً جَاءَ إِلَى عَاصِم ابْن عدي فَقَالَ: أَرَأَيْت رجلا وجد مَعَ امْرَأَته رجلا فَقتله أتقتلونه؟ سل يَا عَاصِم رَسُول ا) الحَدِيث، وَفِي حَدِيث أنس، رَضِي اتعالى عَنهُ، هِلَال بن أُميَّة، روى الطَّحَاوِيّ عَن حَدِيث ابْن سِيرِين: (عَن أنس بن مَالك أَن هِلَال بن أُميَّة قذف شريك ابْن سمحاء بامرأته، فَرفع ذَلِك إِلَى رَسُول الله فَقَالَ: (ائْتِ بأَرْبعَة شُهَدَاء، وإلَاّ فحد فِي ظهرك) الحَدِيث. وَفِيه: (فَنزلت آيَة اللّعان) ، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: عُوَيْمِر الْعجْلَاني: (أَن رَسُول الله لَا عَن بَين الْعجْلَاني وَامْرَأَته) الحَدِيث، وَرَاه الطَّحَاوِيّ وَأحمد فِي (مُسْنده) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) وَوَقع فِي حَدِيث عبد اللَّه بن مَسْعُود: وَكَانَ رجلا من الْأَنْصَار جَاءَ إِلَى رَسُول الله فلاعن امْرَأَته. وَقَالَ الْمُهلب: الصَّحِيح أَن الْقَاذِف: عُوَيْمِر، وَالَّذِي ذكر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس من قَوْله الْعجْلَاني هُوَ عُوَيْمِر، وَكَذَا فِي قَول عبد اللَّه بن مَسْعُود، وَكَانَ رجلا، وهلال بن أُميَّة خطأ، وَأَظنهُ غَلطا من هِشَام بن حسان، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا قصَّة وَاحِدَة، وَالدَّلِيل على ذَلِك توقفه فِيهَا حَتَّى نزلت الْآيَة الْكَرِيمَة، وَلَو أَنَّهُمَا قضيتان لم يتَوَقَّف على الحكم فِي الثَّانِيَة بِمَا نزل عَلَيْهِ فِي الأولى. قلت: كَأَنَّهُ تبع فِي هَذَا الْكَلَام مُحَمَّد بن جرير، فَإِنَّهُ قَالَ فِي (التَّهْذِيب) : يستنكر قَوْله فِي الحَدِيث: هِلَال بن أُميَّة، وَإِنَّمَا الْقَاذِف عُوَيْمِر بن الْحَارِث بن زيد بن الْجد بن عجلَان. وَفِيمَا قَالَاه نظر لِأَن قَضِيَّة هِلَال وقذفه زَوجته بِشريك ثَابِتَة فِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي موضِعين: الشَّهَادَات وَالتَّفْسِير وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أنس. وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّحِيح أَن هلالاً لَا عَن قبل عُوَيْمِر، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي. الْأَكْثَرُونَ على أَن قصَّة هِلَال أسبق من قصَّة عُوَيْمِر، وَفِي (الشَّامِل) لِابْنِ الصّباغ قصَّة هِلَال، تبين أَن الْآيَة الْكَرِيمَة نزلت فِيهِ أَولا. قَوْله: (أَرَأَيْت رجلا؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، أَي: أَخْبرنِي بِحكمِهِ فِي أَنه هَل يجوز قَتله أَو لَا؟ قَوْله: (فَتَلَاعَنا) ، فِيهِ حذف كثير وَقد بَين ذَلِك فِي غَيره من الْأَحَادِيث الَّتِي أخرجهَا البُخَارِيّ مكررة، كَمَا ذكرنَا، والمحذوف بعد قَوْله: (أَيَقْتُلُهُ) أم كَيفَ يفعل؟ فَأنْزل افي شَأْنه مَا ذكر فِي الْقُرْآن من أَمر المتلاعنين، فَقَالَ النَّبِي: قد قضى فِيك وَفِي امْرَأَتك، قَالَ: فَتَلَاعَنا فِي الْمَسْجِد وَأَنا شَاهد، فَلَمَّا فرغا قَالَ: كذبت عَلَيْهَا يَا رَسُول اإن أَمْسَكتهَا، فَطلقهَا ثَلَاثًا قبل أَن يإمره رَسُول الله حِين فرغا من التلاعن، ففارقها عِنْد النَّبِي فَقَالَ: (ذَاك تَفْرِيق بَين كلا متلاعنين) الحَدِيث وَسَيَأْتِي أَحْكَام اللّعان مستقصاة فِي كتاب اللّعان، وَإِنَّمَا ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا لأجل جَوَاز الْقُضَاة فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ جَائِز عِنْد عَامَّة الْعلمَاء، وَقَالَ مَالك: جُلُوس القَاضِي فِي الْمَسْجِد للْقَضَاء من الْأَمر الْقَدِيم الْمَعْمُول بِهِ، وَقَالَ ابْن حبيب: وَكَانَ من مضى من الْقَضَاء لَا يَجْلِسُونَ إلَاّ فِي رحاب الْمَسَاجِد خَارِجا. وَقَالَ أَشهب: لَا بَأْس أَن يقْضِي فِي بَيته أَو حَيْثُ أحب، وَاسْتحبَّ بَعضهم الرحاب، وَفِي (المعونة) : الأولى أَن يقْضِي فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ شُرَيْح وَابْن أبي ليلى يقضيان فِيهِ، وَرُوِيَ عَن سعيد بن الْمسيب كَرَاهِيَة ذَلِك، قَالَ: لَو كَانَ لي من الْأَمر شَيْء مَا تركت اثْنَيْنِ يختصمان فِي الْمَسْجِد. وَعَن الشَّافِعِي كراهيته فِي الْمَسْجِد إِذا أعده لذَلِك دون مَا إِذا انفقت لَهُ حُكُومَة فِيهِ، إِذْ فِيهِ حَدِيث: (جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ رفع أَصْوَاتكُم وَخُصُومَاتكُمْ) ، وَلَا يعْتَرض على هَذَا بِاللّعانِ لِأَنَّهَا أَيْمَان وَيُرَاد بهَا التَّرْهِيب ليرْجع الْمُبْطل. قلت: قَالَ أَصْحَابنَا جَمِيعًا: وَالْمُسْتَحب أَن يجلس فِي مجْلِس الحكم فِي الْجَامِع، فَإِن كَانَ مَسْجِدا

стр. 1108

بِجنب دَاره فَلهُ ذَلِك، وَإِن قضى فِي دَاره جَازَ، وَالْجَامِع أرْفق الْمَوَاضِع بِالنَّاسِ وأجدر أَن لَا يخفى على أحد جُلُوسه وَلَا يَوْم حكمه، وَقد كَانَ الشّعبِيّ يقْضِي فِي الْجَامِع، وَشُرَيْح يقْضِي فِي الْمَسْجِد ويخطب بِالسَّوَادِ، وَقد قضى النَّبِي فِي مَسْجده بَين الْأَنْصَار فِي مَوَارِيث تقادمت، وَكَانَت الْأَئِمَّة يقضون فِي الْمَسَاجِد، وَعُثْمَان، رَضِي اتعالى عَنهُ فِي الْحر يُقيم فِي الْمَسْجِد وَقضى بَين سقا وخصم لَهُ فِي الْمَسْجِد، وَإِن حضر فِي الْمَسْجِد لغير الحكم فَحَضَرَ خصمان لم يكره لَهُ أَن يحكم بَينهمَا، وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز: لَا يقْعد القَاضِي فِي الْمَسْجِد يدْخل فِيهِ الْمُشْركُونَ، فَإِنَّهُم نجس، وتلا الْآيَة. وَكَانَ يحيى بن يعمر فِي الطَّرِيق، وقصده رجل إِلَى منزله فَقَالَ: القَاضِي لَا يُؤْتى فِي منزله. ٥٤ - (بابٌ إذَا دَخَلَ بَيْتاً يُصَلِّى حَيْثُ شاءَ أوْ حَيْثُ أمِرَ ولَا يَتَجَسَّسُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا دخل رجل بَيت أحد يُصَلِّي فِيهِ حَيْثُ شَاءَ؟ وهمزة الِاسْتِفْهَام مقدرَة فِيهِ تَقْدِيره أيصلي حَيْثُ شَاءَ؟ أَو حَيْثُ أَمر؟ أَو يُصَلِّي حَيْثُ أمره صَاحب الْبَيْت. وَفِي بعض النّسخ هَكَذَا بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام، وَالْمعْنَى. على هَذَا وإلَاّ لَا يُطَابق الحَدِيث التَّرْجَمَة جَمِيعًا، وَلَا يُطَابق إلَاّ الشق الثَّانِي، وَهُوَ قَوْله، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم: (أَيْن تحب أَن أُصَلِّي لَك من بَيْتك؟) وَعَن هَذَا قَالَ ابْن بطال: لَا يَقْتَضِي لفظ الحَدِيث أَن يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَن يُصَلِّي حَيْثُ أَمر، لقَوْله: أَيْن تحب أَن أُصَلِّي لَك؟ فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَاب دخل بَيْتا هَل يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ أَو حَيْثُ أَمر، لِأَنَّهُ استأذنه فِي مَوضِع الصَّلَاة وَلم يصل حَيْثُ شَاءَ، فَيبْطل حكم: حَيْثُ شَاءَ، وَيُؤَيّد هَذَا قَوْله: وَلَا يتجسس، أَي: وَلَا يتفحص موضعا يُصَلِّي فِيهِ، وَهُوَ بِالْجِيم، وَقيل: بِالْحَاء، وَالْمعْنَى مُتَقَارب، وَالْأول أظهر وَأكْثر. ٨٥ - (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن مَحْمُود بن الرّبيع عَن عتْبَان بن مَالك أَن النَّبِي ﷺ َ - أَتَاهُ فِي منزله فَقَالَ أَيْن تحب أَن أُصَلِّي لَك من بَيْتك قَالَ فأشرت لَهُ إِلَى مَكَان فَكبر النَّبِي ﷺ َ - فصففنا خَلفه فصلى رَكْعَتَيْنِ) وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة قد ذَكرْنَاهُ (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي إِبْرَاهِيم بن سعد سبط عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الثَّالِث مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع مَحْمُود بن الرّبيع بِفَتْح الرَّاء الخزرجي الْأنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ. الْخَامِس عتْبَان بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَضمّهَا وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة الْأنْصَارِيّ السالمي الْمدنِي الْأَعْمَى وَكَانَ إِمَام قومه على عهد رَسُول الله ﷺ َ - رُوِيَ لَهُ عشرَة أَحَادِيث للْبُخَارِيّ مِنْهَا وَاحِد قَالَه فِي الْكَمَال مَاتَ بِالْمَدِينَةِ زمن مُعَاوِيَة. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَصرح أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده بِسَمَاع إِبْرَاهِيم بن سعد من ابْن شهَاب وَفِيه أَن رُوَاته كلهم مدنيون وَفِيه رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مطولا ومختصرا فِي أَكثر من عشرَة مَوَاضِع فَفِي الصَّلَاة عَن هناد عَن عبد الله بن مسلمة وَعَن حبَان بن مُوسَى وَعَن معَاذ بن أَسد وَعَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك وَعَن اسحق عَن يَعْقُوب وَعَن سعيد بن عفير وَفِي الرقَاق عَن معَاذ بن أَسد وَفِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين عَن عَبْدَانِ وَفِي الْمَغَازِي عَن القعْنبِي وَعَن سعيد بن عفير وَعَن يحيى بن كثير وَعَن أَحْمد بن صَالح وَفِي الْأَطْعِمَة عَن يحيى بن كثير وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي عدَّة مَوَاضِع فَفِي الصَّلَاة عَن حَرْمَلَة وَعَن مُحَمَّد بن رَافع وَعبد بن حميد وَعَن اسحق بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْإِيمَان عَن شَيبَان بن فروخ عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن ثَابت عَن أنس وَعَن أبي بكر بن نَافِع وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي مَوَاضِع فَفِي الصَّلَاة عَن هَارُون بن عبد الله وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين وَعَن نصر بن عَليّ وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أبي بكر بن نَافِع وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن مُحَمَّد بن عَليّ بن مَيْمُون. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بِطُولِهِ

стр. 1109

(ذكر مَعْنَاهُ وَمَا يستنبط مِنْهُ) قَوْله " أَتَاهُ فِي منزله " وَعند الطَّبَرَانِيّ " أَن النَّبِي ﷺ َ - أَتَاهُ يَوْم السبت وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا " وَفِي لفظ " أَن عتْبَان لَقِي النَّبِي ﷺ َ - يَوْم جُمُعَة فَقَالَ إِنِّي أحب أَن تَأتِينِي " وَفِي بَعْضهَا " أَن عتْبَان بعث إِلَيْهِ " وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ من حَدِيث النَّضر بن أنس عَن أَبِيه قَالَ " لما أُصِيب عتْبَان " فَجعله من مُسْند أنس بن مَالك وَعند ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ " أَن رجلا من الْأَنْصَار أرسل إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - أَن تعال فَخط لي مَسْجِدا فِي دَاري أُصَلِّي فِيهِ وَذَلِكَ بَعْدَمَا عمي فجَاء فَفعل " انْتهى هَذَا كَأَنَّهُ عتْبَان وَالله تَعَالَى أعلم قَوْله " أَن أُصَلِّي لَك " هَكَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين " أَن أُصَلِّي من بَيْتك " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " فِي بَيْتك " (فَإِن قلت) الصَّلَاة لله فَكيف قَالَ لَك (قلت) نفس الصَّلَاة لله تَعَالَى وَالْأَدَاء فِي الْموضع الْمَخْصُوص لَهُ قَوْله " فصففنا " ويروى " وصففنا " بِالْوَاو ويروى " فصفنا " بِالتَّشْدِيدِ أَي صفنا رَسُول الله ﷺ َ - أَي جعلنَا صفا خَلفه. وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ اسْتِحْبَاب تعْيين مصلى فِي الْبَيْت إِذا عجز عَن حُضُور الْمَسَاجِد. وَفِيه جَوَاز الْجَمَاعَة فِي الْبيُوت. وَفِيه جَوَاز النَّوَافِل بِالْجَمَاعَة. وَفِيه إتْيَان الرئيس إِلَى بَيت المرؤس. وَفِيه تَسْوِيَة الصَّفّ خلف الإِمَام. وَفِيه مَا يدل على حسن خلقه وتواضعه مَعَ جلالة قدره وَعظم مَنْزِلَته ٦٤ - (بابُ المَسَاجِدِ فِي البُيُوتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز اتِّخَاذ الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت، هَذَا الْبَاب وَالَّذِي قبله فِي الْحَقِيقَة بَاب وَاحِد لِأَن للْبُخَارِيّ حَدِيثا وَاحِدًا عَن عتْبَان، وَإِنَّمَا أخرجه فِي عدَّة مَوَاضِع كَمَا ذكرنَا مفرقاً مطولا ومختصراً لأجل التراجم. وَصَلَّى البَرَاءُ بنُ عازِبٍ فِي مَسْجِدِهِ فِي دَارِهِ فِي جَمَاعَةٍ هَذَا تَعْلِيق روى مَعْنَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي قصَّة. قَوْله: (فِي جمَاعَة) هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (جمَاعَة) بِدُونِ كلمة: فِي، مَنْصُوبَة. ٨٦ - (حَدثنَا سعيد بن عفير قَالَ حَدثنِي اللَّيْث قَالَ حَدثنِي عقيل عَن ابْن شهَاب قَالَ أَخْبرنِي مَحْمُود بن الرّبيع الْأنْصَارِيّ أَن عتْبَان بن مَالك وَهُوَ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - مِمَّن شهد بَدْرًا من الْأَنْصَار أَنه أَتَى رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ يَا رَسُول الله قد أنْكرت بَصرِي وَأَنا أُصَلِّي لقومي فَإِذا كَانَت الأمطار سَالَ الْوَادي الَّذِي بيني وَبينهمْ لم أستطع أَن آتِي مَسْجِدهمْ فأصلي بهم ووددت يَا رَسُول الله أَنَّك تَأتِينِي فَتُصَلِّي فِي بَيْتِي فأتخذه مصلى قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ َ - سأفعل إِن شَاءَ الله قَالَ عتْبَان فغدا رَسُول الله ﷺ َ - وَأَبُو بكر حِين ارْتَفع النَّهَار فَاسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ َ - فَأَذنت لَهُ فَلم يجلس حِين دخل الْبَيْت ثمَّ قَالَ أَيْن تحب أَن أُصَلِّي من بَيْتك قَالَ فأشرت لَهُ إِلَى نَاحيَة من الْبَيْت فَقَامَ رَسُول الله ﷺ َ - فَكبر فقمنا فصفنا فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سلم قَالَ وحبسناه على خزيرة صنعناها لَهُ قَالَ فَثَابَ فِي الْبَيْت رجال من أهل الدَّار ذَوُو عدد فَاجْتمعُوا فَقَالَ قَائِل مِنْهُم أَيْن مَالك بن الدخيشن أَو ابْن الدخشن فَقَالَ بَعضهم ذَلِك مُنَافِق لَا يحب الله وَرَسُوله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لَا تقل ذَلِك أَلا ترَاهُ قد قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يُرِيد بذلك وَجه الله قَالَ الله وَرَسُوله أعلم قَالَ فَإنَّا نرى وَجهه ونصيحته

стр. 1110

إِلَى الْمُنَافِقين قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - فَإِن الله قد حرم على النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يَبْتَغِي بذلك وَجه الله قَالَ ابْن شهَاب ثمَّ سَأَلت الْحصين بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ وَهُوَ أحد بني سَالم وَهُوَ من سراتهم عَن حَدِيث مَحْمُود بن الرّبيع فَصدقهُ بذلك) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة سعيد بن عفير بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَهُوَ سعيد بن كثير بن عفير الْمصْرِيّ وَاللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ وَعقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد الْأَيْلِي وَمُحَمّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين مصري وأيلي ومدني وَفِيه رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ (فَإِن قلت) من قَوْله أَن عتْبَان بن مَالك إِلَى قَوْله قَالَ عتْبَان من رِوَايَة مَحْمُود بن الرّبيع بِغَيْر وَاسِطَة فَيكون هَذَا الْقدر مُرْسلا فَلَا يكون رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَمن هَذَا قَالَ الْكرْمَانِي الظَّاهِر أَنه مُرْسل لِأَنَّهُ لَا جزم أَن مَحْمُودًا سمع من عتْبَان وَلَا أَنه رأى بِعَيْنِه ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرا عِنْد وَفَاة رَسُول الله ﷺ َ - (قلت) قد وَقع تصريحه بِالسَّمَاعِ عِنْد البُخَارِيّ من طَرِيق معمر وَمن طَرِيق إِبْرَاهِيم بن سعد كَمَا مر فِي الْبَاب الْمَاضِي وَوَقع التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ أَيْضا بَين عتْبَان ومحمود من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن ابْن شهَاب عِنْد أبي عوَانَة فَتكون رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ فَيحمل قَوْله قَالَ عتْبَان على أَن مَحْمُودًا أعَاد اسْم شَيْخه اهتماما بذلك لطول الحَدِيث وَقد ذكرنَا تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَن عتْبَان بن مَالك " ظَاهره الْإِرْسَال وَقد حققناه الْآن وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا قَالَ حَدثنَا فلَان أَن فلَانا قَالَ كَذَا أَو فعل كَذَا فَقَالَ الإِمَام أَحْمد وَجَمَاعَة يكون مُنْقَطِعًا حَتَّى يتَبَيَّن السماع وَقَالَ الْجُمْهُور هُوَ كعن مَحْمُول على السماع بِشَرْط أَن يكون الرَّاوِي غير مُدَلّس وبشرط ثُبُوت اللِّقَاء على الْأَصَح قَوْله " مِمَّن شهد بَدْرًا من الْأَنْصَار " وَفَائِدَة ذكر قَوْله من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - تَقْوِيَة الرِّوَايَة وتعظيمه والافتخار والتلذذ بِهِ وَإِلَّا كَانَ هُوَ مَشْهُورا بذلك أَو غَرَضه تَعْرِيف الْجَاهِل بِهِ قَوْله " أَن عتْبَان بن مَالك " فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان لقَوْله أَخْبرنِي قَوْله " أَنه أَتَى " بدل من أَن عتْبَان وَفِي رِوَايَة ثَابت عَن أنس عَن عتْبَان (فَإِن قلت) جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم أَنه بعث إِلَى النَّبِي ﷺ َ - يطْلب مِنْهُ ذَلِك فَمَا وَجه الرِّوَايَتَيْنِ (قلت) يحْتَمل أَن يكون جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ َ - بِنَفسِهِ مرّة وَبعث إِلَيْهِ رَسُوله مرّة أُخْرَى لأجل التَّذْكِير وَقَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن يكون نسب إتْيَان رَسُول الله ﷺ َ - إِلَى نَفسه مجَازًا (قلت) الأَصْل الْحَقِيقَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أبي أويس عَن ابْن شهَاب بِسَنَدِهِ أَنه قَالَ للنَّبِي ﷺ َ - يَوْم جُمُعَة لَو أتيتني يَا رَسُول الله وَفِيه أَنه أَتَاهُ يَوْم السبت قَوْله " قد أنْكرت بَصرِي " يحْتَمل مَعْنيين الْعَمى أَو ضعف الإبصار وَفِي رِوَايَة مُسلم " لما سَاءَ بَصرِي " وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " جعل بَصرِي يكل " وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لمُسلم من طَرِيق سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن ثَابت أصابني فِي بَصرِي بعض الشَّيْء وكل ذَلِك يدل على أَنه لم يكن بلغ الْعَمى وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي بَاب الرُّخْصَة فِي الْمَطَر من طَرِيق مَالك عَن ابْن شهَاب فَقَالَ فِيهِ " أَن عتْبَان كَانَ يؤم قومه وَهُوَ أعمى وَأَنه قَالَ لرَسُول الله ﷺ َ - أَنَّهَا تكون الظلمَة والسيل وَأَنا رجل ضَرِير الْبَصَر " (فَإِن قلت) بَين هَذِه الرِّوَايَة وَالرِّوَايَات الَّتِي تقدّمت تعَارض ظَاهرا (قلت) لَا مُعَارضَة فِيهَا لِأَنَّهُ أطلق عَلَيْهِ الْعَمى فِي هَذِه الرِّوَايَة لقُرْبه مِنْهُ وَكَانَ قد قرب من الْعَمى بِالْكُلِّيَّةِ وَالشَّيْء إِذا قرب من الشَّيْء يَأْخُذ حكمه قَوْله " وَأَنا أُصَلِّي لقومي " أَي لأجلهم وَالْمعْنَى أَنه كَانَ يؤمهم وَصرح بذلك أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن سعد قَوْله " فَإِذا كَانَت الأمطار " أَي فَإِذا وجدت وَكَانَت تَامَّة فَلذَلِك لَيْسَ لَهَا خبر قَوْله " سَالَ الْوَادي " من قبيل إِطْلَاق اسْم الْمحل على الْحَال أَي سَالَ مَاء الْوَادي قَوْله " بيني وَبينهمْ " وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " يسيل الْوَادي الَّذِي بيني وَبَين مَسْجِد قومِي فيحول بيني وَبَين الصَّلَاة مَعَهم " قَوْله " فأصلي بهم " بِالنّصب عطف على قَوْله " أَن آتِي " ويروى لَهُم بدل بهم قَوْله " ووددت " بِكَسْر الدَّال قَالَه ثَعْلَب وَمَعْنَاهُ تمنيت وَفِي الْجَامِع للقزاز وَحكى الْفراء عَن الْكسَائي وددت بِالْفَتْح وَلم يحكها غَيره والمصدر ود فيهمَا وَيُقَال فِي الْمصدر الود والود والوداد والوداد وَالْكَسْر أَكثر

стр. 1111

والودادة والودادة قَوْله " وَجَاء مَوَدَّة " حَكَاهُ مكي فِي شَرحه وَقَالَ اليزيدي فِي نوادره لَيْسَ فِي شَيْء من الْعَرَبيَّة وددت مَفْتُوحَة قَوْله " فَتُصَلِّي " بِسُكُون الْيَاء وَيجوز النصب لوُقُوع الْفَاء بعد التَّمَنِّي قَوْله " فاتخذه " بِالرَّفْع وَبِالنَّصبِ أَيْضا لِأَن الْفَاء وَقعت بعد التَّمَنِّي الْمُسْتَفَاد من الودادة قَوْله " إِن شَاءَ الله " تَعْلِيق بِمَشِيئَة الله عملا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ قَالَ الْكرْمَانِي وَلَيْسَ لمُجَرّد التَّبَرُّك إِذْ مَحل اسْتِعْمَاله إِنَّمَا هُوَ فِيمَا كَانَ مَجْزُومًا بِهِ (قلت) يجوز أَن يكون للتبرك لِأَن اطِّلَاعه بِالْوَحْي على الْجَزْم بِأَنَّهُ سيقع غير مستبعد فِي حَقه قَوْله " فغدا على " زَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ " بالغد " وللطبراني من طَرِيق أبي أويس أَن السُّؤَال وَقع يَوْم الْجُمُعَة والتوجه إِلَيْهِ وَقع يَوْم السبت على مَا ذكرنَا قَوْله " وَأَبُو بكر " لم يذكر جُمْهُور الروَاة عَن ابْن شهَاب غَيره حَتَّى أَن فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ " فَاسْتَأْذَنا فَأَذنت لَهما " لَكِن فِي رِوَايَة أبي أويس وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر ﵄ وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أنس عَن عتْبَان " فَأَتَانِي وَمن شَاءَ الله تَعَالَى من أَصْحَابه " وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من وَجه آخر عَن أنس " فِي نفر من أَصْحَابه " (فَإِن قلت) مَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات (قلت) هُوَ أَن أَبَا بكر كَانَ مَعَه فِي ابْتِدَاء توجهه ثمَّ عِنْد الدُّخُول أَو قبله بِقَلِيل اجْتمع عمر وَغَيره من أَصْحَابه فَدَخَلُوا مَعَه قَوْله " فَلم يجلس حِين دخل " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " حَتَّى دخل " قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم زعم بَعضهم أَن حَتَّى غلط وَلَيْسَ بغلط إِذْ مَعْنَاهُ لم يجلس فِي الدَّار وَلَا فِي غَيرهَا حَتَّى دخل الْبَيْت مبادرا إِلَى قَضَاء حَاجته الَّتِي طلبَهَا مِنْهُ وَجَاء بِسَبَبِهَا وَهِي الصَّلَاة فِي بَيته وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب عِنْد البُخَارِيّ وَعند الطَّيَالِسِيّ أَيْضا " فَلَمَّا دخل لم يجلس حَتَّى قَالَ أَيْن تحب " وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر (قلت) إِنَّمَا يتَعَيَّن كَون رِوَايَة الْكشميهني غَلطا إِذا لم يكن لعتبان دَار فِيهَا بيُوت وَأما إِذا كَانَت لَهُ دَار فَلَا يتَعَيَّن قَوْله " فَقَامَ رَسُول الله ﷺ َ - فَكبر " هَذَا يدل على أَنه حِين دخل الْبَيْت جلس ثمَّ قَامَ فَكبر للصَّلَاة وَبَينه وَبَين مَا قبله تعَارض وَدفعه يُمكن بِأَن يُقَال لما دخل قبل أَن يجلس قَالَ أَيْن تحب وَيحْتَمل أَنه جلس بعده جُلُوسًا مَا ثمَّ قَامَ فَكبر (فَإِن قلت) حَدِيث مليكَة فِي بَاب الصَّلَاة على الْحَصِير " بَدَأَ بِالْأَكْلِ ثمَّ صلى " وَهَهُنَا " صلى ثمَّ أكل " فَمَا الْفرق بَينهمَا (قلت) كَانَ دُعَاء عتْبَان النَّبِي ﷺ َ - للصَّلَاة وَدعَاهُ مليكَة كَانَ للطعام فَفِي كل وَاحِد من الْمَوْضِعَيْنِ بَدَأَ بالأهم وَهُوَ مَا دعِي إِلَيْهِ قَوْله " أَن أُصَلِّي من بَيْتك " كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَعند جُمْهُور الروَاة من الزُّهْرِيّ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده " أَن أُصَلِّي فِي بَيْتك " (فَإِن قلت) مَا معنى " من بَيْتك " وأصل من للابتداء (قلت) الْحُرُوف يَنُوب بَعْضهَا عَن بعض فَمن هَهُنَا بِمَعْنى فِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أروني مَاذَا خلقُوا من الأَرْض﴾ ﴿إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة﴾ قَوْله " وحبسناه " أَي منعناه عَن الرُّجُوع قَوْله " على خزيرة " بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء فِي آخِره هَاء قَالَ ابْن سَيّده هِيَ اللَّحْم الغاث بالثاء الْمُثَلَّثَة أَي المهزول يُؤْخَذ فَيقطع صغَارًا ثمَّ يطْبخ بِالْمَاءِ فَإِذا أميت طبخا ذَر عَلَيْهِ الدَّقِيق فعصد بِهِ ثمَّ أَدَم بِأَيّ أدام بِشَيْء وَلَا تكون الخزيرة إِلَّا وفيهَا لحم وَقيل هِيَ ثَلَاثَة النخالة تصفى ثمَّ تطبخ وَقيل الخزيرة والخزير الحساء من الدسم والدقيق عَن أبي الْهَيْثَم إِذا كَانَ من دَقِيق فَهِيَ خزيرة وَإِذا كَانَ من نخالة فَهِيَ حَرِير بالمهملات وَفِي الجمهرة لِابْنِ دُرَيْد الخزير دَقِيق يلبك بشحم كَانَت الْعَرَب تعير بِأَكْلِهِ وَفِي مَوضِع يعير بِهِ بَنو مجاشع قَالَ والخزيرة السخينة وَقَالَ الْفَارِسِي أَكثر هَذَا الْبَاب على فعيلة لِأَنَّهُ فِي معنى مفعول وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عِنْد مُسلم " على جشيشة " بجيم ومعجمتين قَالَ أهل اللُّغَة هِيَ أَن تطحن الْحِنْطَة قَلِيلا ثمَّ يلقى فِيهَا شَحم أَو غَيره وَفِي الْمطَالع أَنَّهَا رويت فِي الصَّحِيحَيْنِ بخاء ورائين مهملات وَحكى البُخَارِيّ فِي الْأَطْعِمَة عَن النَّضر أَنه تصنع من اللَّبن قَوْله " فَثَابَ فِي الْبَيْت رجال " بالثاء الْمُثَلَّثَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة أَي اجْتَمعُوا وَجَاءُوا يُقَال ثاب الرجل إِذا رَجَعَ بعد ذَهَابه وَقَالَ ابْن سَيّده ثاب الشَّيْء ثوبا وثؤبا رَجَعَ وثاب جِسْمه ثوبانا أقبل وَقَالَ الْخَلِيل المثابة مُجْتَمع النَّاس بعد افتراقهم وَمِنْه قيل للبيت مثابة قَوْله " من أهل الدَّار " أَي من أهل الْمحلة كَقَوْلِه ﷺ َ - " خير دور الْأَنْصَار دَار بني النجار " أَي محلتهم وَالْمرَاد أَهلهَا وَيُقَال الدَّار الْقَبِيلَة أَيْضا وَإِنَّمَا جَاءُوا لسماعهم بقدوم النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " فَقَالَ قَائِل مِنْهُم " لم يسم هَذَا الْقَائِل قَوْله " مَالك بن الدخيشين " بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الشين الْمُعْجَمَة وَفِي

стр. 1112

آخِره نون قَوْله " أَو ابْن الدخشن " بِضَم الدَّال وَسُكُون الْخَاء وَضم الشين وَحكى كسر أَوله وَالشَّكّ فِيهِ من الرَّاوِي هَل هُوَ مصغر أم مكبر وَعند البُخَارِيّ فِي الْمُحَاربين من رِوَايَة معمر الدخشن بالنُّون مكبرا من غير شكّ وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق يُونُس وَعِنْده من طَرِيق معمر بِالشَّكِّ وَنقل الطَّبَرَانِيّ عَن أَحْمد بن صَالح أَن الصَّوَاب الدخشن بِالْمِيم وَهِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ وَكَذَا فِي رِوَايَة لمُسلم عَن أنس عَن عتْبَان وَكَذَا للطبراني من طَرِيق النَّضر بن أنس عَن أَبِيه قَوْله " فَقَالَ بَعضهم " قيل هُوَ عتْبَان رَاوِي الحَدِيث وَبَعْضهمْ نسب هَذَا القَوْل بِأَنَّهُ عتْبَان إِلَى ابْن عبد الْبر وَهُوَ غير ظَاهر لِأَنَّهُ قَالَ لَا يَصح عَن مَالك النِّفَاق وَقد ظهر من حسن إِسْلَامه مَا يمْنَع من اتهامه وَقَالَ أَيْضا لم يخْتَلف فِي شُهُود مَالك بَدْرًا وَهُوَ الَّذِي أسر سُهَيْل بن عَمْرو ثمَّ سَاق بِإِسْنَاد حسن عَن أبي هُرَيْرَة " أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ لمن تكلم فِيهِ أَلَيْسَ قد شهد بَدْرًا " وَذكر ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي أَن النَّبِي ﷺ َ - بعث مَالِكًا هَذَا ومعن بن عدي فحرقا مَسْجِد الضرار فَدلَّ ذَلِك كُله أَنه بَرِيء مِمَّا اتهمَ بِهِ من النِّفَاق (فَإِن قلت) إِذا كَانَ كَذَلِك فَكيف قَالَ هَذَا الْقَائِل أَنا نرى وَجهه ونصيحته لِلْمُنَافِقين (قلت) لَعَلَّ كَانَ لَهُ عذر فِي ذَلِك كَمَا كَانَ لحاطب بن أبي بلتعة وَهُوَ أَيْضا مِمَّن شهد بَدْرًا وَلَعَلَّ الَّذِي قَالَ بِالنّظرِ إِلَى الظَّاهِر أَلا ترى أَن النَّبِي ﷺ َ - كَيفَ قَالَ عِنْد قَوْله هَذَا " فَإِن الله حرم على النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يَبْتَغِي بذلك وَجه الله " وَهَذَا إِنْكَار لقَوْله هَذَا وَيجوز أَن يكون اتهامه إِيَّاه بالنفاق غير نفاق الْكفْر كَذَا قيل قَوْله " لَا تقل ذَاك " أَي القَوْل بِأَنَّهُ مُنَافِق قَوْله " أَلا ترَاهُ قد قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله " وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ " أما يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله " وَفِي رِوَايَة مُسلم " أَلَيْسَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله " قَوْله " يُرِيد بذلك وَجه الله " أَي ذَات الله وَهَذِه شَهَادَة من رَسُول الله ﷺ َ - بإيمانه بَاطِنا وبراءته من النِّفَاق " فَإنَّا نرى وَجهه " أَي توجهه قَوْله " ونصيحته لِلْمُنَافِقين " ويروى " إِلَى الْمُنَافِقين " وعَلى هَذِه الرِّوَايَة قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) يُقَال نصحت لَهُ لَا إِلَيْهِ ثمَّ أجَاب عَنهُ بقوله قد ضمن معنى الِانْتِهَاء وَقَالَ بَعضهم الظَّاهِر أَن قَوْله " إِلَى الْمُنَافِقين " مُتَعَلق بقوله " وَجهه " فَهُوَ الَّذِي يتَعَدَّى بإلى وَأما مُتَعَلق ونصيحته فمحذوف للْعلم بِهِ (قلت) كل مِنْهُمَا لم يمشي على قانون الْعَرَبيَّة لِأَن قَوْله " ونصيحته " عطف على قَوْله " وَجهه " دَاخل فِي حكمه لِأَنَّهُ تَابع وَكلمَة إِلَى تتَعَلَّق بقوله وَجهه وَلَا يحْتَاج إِلَى دَعْوَى حذف مُتَعَلق الْمَعْطُوف لِأَنَّهُ يَكْتَفِي فِيهِ بمتعلق الْمَعْطُوف عَلَيْهِ قَوْله " يَبْتَغِي " أَي يطْلب بذلك وَجه الله فِيهِ رد على المرجئة الغلاة الْقَائِلين بِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الْإِيمَان النُّطْق فَقَط من غير اعْتِقَاد (فَإِن قلت) لَا بُد من مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ َ - (قلت) قَالَ الْكرْمَانِي هَذَا إِشْعَار لكلمة الشَّهَادَة بِتَمَامِهَا (قلت) هَذَا فِي حق الْمُشرك وَأما فِي حق غَيره فَلَا بُد من ذَلِك قَوْله " فَإِن الله تَعَالَى قد حرم على النَّار " المُرَاد من التَّحْرِيم هُنَا تَحْرِيم التخليد جمعا بَينه وَبَين مَا ورد من دُخُول أهل الْمعْصِيَة فِيهَا وتوفيقا بَين الْأَدِلَّة وَعَن الزُّهْرِيّ أَنه نزلت بعد هَذَا الحَدِيث فَرَائض وَأُمُور نرى أَن الْأَمر انْتهى إِلَيْهَا وَعند الطَّبَرَانِيّ أَنه من كَلَام عتْبَان وَاعْترض ابْن الْجَوْزِيّ وَقَالَ أَن الصَّلَوَات الْخمس فرضت بِمَكَّة قبل هَذِه الْقَضِيَّة بِمدَّة وَظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي أَن مُجَرّد القَوْل يدْفع الْعَذَاب وَلَو ترك الصَّلَاة وَإِنَّمَا الْجَواب أَن من قَالَهَا مخلصا فَإِنَّهُ لَا يتْرك الْعَمَل بالفرائض إِذْ إخلاص القَوْل حَامِل على أَدَاء اللَّازِم أَو أَنه يحرم عَلَيْهِ خلوده فِيهَا وَقَالَ ابْن التِّين مَعْنَاهُ إِذا غفر لَهُ وَتقبل مِنْهُ أَو يكون أَرَادَ نَار الْكَافرين فَإِنَّهَا مُحرمَة على الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهَا كَمَا قَالَ الدَّاودِيّ سَبْعَة أَدْرَاك والمنافقون فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار مَعَ إِبْلِيس وَابْن آدم الَّذِي قتل أَخَاهُ قَوْله " قَالَ ابْن شهَاب " وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ أحد رُوَاة الحَدِيث وَقَالَ بَعضهم أَي قَالَ ابْن شهَاب بِالْإِسْنَادِ وَوهم من قَالَ أَنه مُعَلّق (قلت) ظَاهره التَّعْلِيق فَإِنَّهُ قَالَ قَالَ ابْن شهَاب بِدُونِ الْعَطف على مَا قبله قَوْله " ثمَّ سَأَلت الْحصين بن مُحَمَّد " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " ثمَّ سَأَلت بعد ذَلِك الْحصين " بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وبالصاد الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة وَهَكَذَا ضَبطه عِنْد جَمِيع الروَاة إِلَّا الْقَابِسِيّ فَإِنَّهُ ضَبطه بالضاد الْمُعْجَمَة وغلطوه فِي ذَلِك وَهُوَ الْحصين بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ الْمدنِي من ثِقَات التَّابِعين وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) مَحْمُود كَانَ عدلا فَلم سَأَلَ الزُّهْرِيّ غَيره (قلت) إِمَّا للتقوية ولاطمئنان الْقلب وَإِمَّا لِأَنَّهُ عرف أَنه نَقله مُرْسلا وَإِمَّا لِأَنَّهُ تحمله حَال الصِّبَا وَاخْتلف فِي قبُول المتحمل زمن الصِّبَا قَوْله " وَهُوَ من سراتهم " أَي الْحصين بن مُحَمَّد من سراة بني سَالم والسراة بِفَتْح السِّين جمع سرى وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَهُوَ الْمُرْتَفع الْقدر وَفِي الْمُحكم السرو الْمُرُوءَة والشرف سرو سراوة وسروا الْأَخِيرَة عَن سِيبَوَيْهٍ واللحياني وسرى سروا وسرى يسري سراء وَلم يحك اللحياني مصدر سرى إِلَّا ممدودا وَرجل

стр. 1113

سرى من قوم أسرياء وشرفاء كِلَاهُمَا عَن اللحياني والسراة اسْم للْجمع وَلَيْسَ بِجمع عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَدَلِيل ذَلِك قَوْلهم سروات وَفِي الصِّحَاح وَجمع السرى سراة وَهُوَ جمع عَزِيز أَن يجمع فعيل على فعلة وَلَا يعرف غَيره وَفِي الْجَامِع وَقَوْلهمْ فلَان سرى إِنَّمَا مَعْنَاهُ فِي كَلَام الْعَرَب الرفيع وَهُوَ سرا الرجل يسرو صَار رفيعا وَأَصله من السراة وَهُوَ من أرفع الْمَوَاضِع من ظهر الدَّابَّة وَقيل بل السراة الرَّأْس وَهُوَ أرفع الْجِسْم قَوْله " عَن حَدِيث مَحْمُود بن الرّبيع " يتَعَلَّق بقوله " سَأَلت " قَوْله " فَصدقهُ بذلك " أَي بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور وَهَذَا يحْتَمل أَن يكون الْحصين سَمعه أَيْضا من عتْبَان وَيحْتَمل أَن يكون سَمعه من صَحَابِيّ آخر وَلَيْسَ للحصين وَلَا لعتبان فِي الصَّحِيحَيْنِ سوى هَذِه الحَدِيث (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام والفوائد) مِنْهَا جَوَاز إِمَامَة الْأَعْمَى وَمِنْهَا جَوَاز التَّخَلُّف عَن الْجَمَاعَة للْعُذْر نَحْو الْمَطَر والظلمة أَو الْخَوْف على نَفسه وَمِنْهَا أَن فِيهِ إِخْبَار الْمَرْء عَن نَفسه بِمَا فِيهِ من عاهة وَلَيْسَ يكون من الشكوى وَمِنْهَا جَوَاز اتِّخَاذ مَوضِع معِين للصَّلَاة (فَإِن قلت) روى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه النَّهْي إيطان مَوضِع معِين من الْمَسْجِد (قلت) هُوَ مَحْمُول على مَا إِذا استلزم رِيَاء وَنَحْوه وَمِنْهَا أَن فِيهِ تَسْوِيَة الصُّفُوف وَقَالَ ابْن بطال فِيهِ رد على من قَالَ إِذا زار قوما فَلَا يؤمهم مستدلا بِمَا روى وَكِيع عَن أبان بن يزِيد عَن بديل بن ميسرَة عَن أبي عَطِيَّة عَن رجل مِنْهُم " كَانَ مَالك بن الْحُوَيْرِث يأتينا فِي مصلانا فَحَضَرت الصَّلَاة فَقُلْنَا لَهُ تقدم فَقَالَ لَا يتَقَدَّم بَعْضكُم فَإِن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ من زار قوما فَلَا يؤمهم وليؤمهم رجل مِنْهُم " قَالَ ابْن بطال هَذَا إِسْنَاده لَيْسَ بقائم وَأَبُو عَطِيَّة مَجْهُول يروي عَن مَجْهُول وَصَلَاة النَّبِي ﷺ َ - فِي بَيت عتْبَان مُخَالفَة لَهُ وَكَذَا ذكره السفاقسي وَفِيه نظر فِي مَوَاضِع. الأول رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَابْن مَاجَه عَن سُوَيْد عَن عبد الله وَأَبُو الْحُسَيْن الْمعلم عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الباغندي حَدثنَا مُحَمَّد بن أبان الوَاسِطِيّ قَالَ حَدثنَا أبان. الثَّانِي قَوْله إِسْنَاده لَيْسَ بقائم يردهُ قَول التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن. الثَّالِث الَّذِي فِي أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْمُصَنّف أَن أَبَا عَطِيَّة قَالَ كَانَ مَالك بن الْحُوَيْرِث يأتينا فذكروه من غير وَاسِطَة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - وَغَيرهم قَالُوا صَاحب الْمنزل أَحَق بِالْإِمَامَةِ من الزائر وَقَالَ بعض أهل الْعلم إِذا أذن لَهُ فَلَا بَأْس أَن يُصَلِّي بِهِ وَقَالَ اسحق لَا يُصَلِّي أحد بِصَاحِب الْمنزل وَإِن أذن لَهُ صَاحب الْمنزل وَكَذَلِكَ صَاحب الْمنزل لَا يُصَلِّي بهم فِي الْمَسْجِد إِذا زارهم يَقُول ليُصَلِّي بهم رجل مِنْهُم وَقَالَ مَالك يسْتَحبّ لصَاحب الْمنزل إِذا حضر فِيهِ من هُوَ أفضل مِنْهُ أَن يقدمهُ للصَّلَاة وَقد رُوِيَ عَن أبي مُوسَى أَنه أَمر ابْن مَسْعُود وجذبه فِي دَاره وَقَالَ أَبُو البركات ابْن تَيْمِية أَكثر أهل الْعلم على أَنه لَا بَأْس بإمامة الزائر بِإِذن رب الْمنزل. وَفِيه أَن الْمَسْجِد الْمُتَّخذ فِي الْبيُوت لَا يخرج عَن ملك صَاحبه بِخِلَاف الْمَسْجِد الْمُتَّخذ فِي الْمحلة وَفِيه التَّبَرُّك بمصلى الصَّالِحين ومساجد الفاضلين. وَفِيه أَن من دَعَا من الصلحاء إِلَى شَيْء يتبرك بِهِ مِنْهُ فَلهُ أَن يُجيب إِلَيْهِ إِذا أَمن الْعجب. وَفِيه الْوَفَاء بالعهد. وَفِيه صَلَاة النَّافِلَة فِي جمَاعَة بِالنَّهَارِ. وَفِيه إكرام الْعلمَاء إِذا دعوا إِلَى شَيْء بِالطَّعَامِ وَشبهه. وَفِيه التَّنْبِيه على أهل الْفسق والنفاق عِنْد السُّلْطَان. وَفِيه أَن السُّلْطَان يجب عَلَيْهِ أَن يستثبت فِي أَمر من يذكر عِنْد بفسق وَيُوجه لَهُ أجمل الْوُجُوه. وَفِيه أَن الْجَمَاعَة إِذا اجْتَمعُوا للصَّلَاة وَغَابَ أحد مِنْهُم أَن يسْأَلُوا عَنهُ فَإِن كَانَ لَهُ عذر وَإِلَّا ظن بِهِ الشَّرّ وَهُوَ مُفَسّر فِي قَوْله " لقد هَمَمْت أَن آمُر بحطب " وَفِيه جَوَاز استدعاء الْمَفْضُول للفاضل لمصْلحَة الْفَرْض. وَفِيه إِمَامَة الزائر المزور بِرِضَاهُ. وَفِيه أَن السّنة فِي نوافل النَّهَار رَكْعَتَانِ وَفِيه خلاف على مَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِيه جَوَاز استتباع الإِمَام والعالم أَصْحَابه. وَفِيه الاسْتِئْذَان على الرجل فِي منزله وَإِن كَانَ قد تقدم مِنْهُ استدعاء. وَفِيه أَنه يسْتَحبّ لأهل الْمحلة إِذا ورد رجل صَالح إِلَى منزل بَعضهم أَن يجتمعوا إِلَيْهِ ويحضروا مَجْلِسه لزيارته وإكرامه والاستفادة مِنْهُ. وَفِيه الذب عَمَّن ذكر بِسوء وَهُوَ بَرِيء مِنْهُ. وَفِيه أَنه لَا يخلد فِي النَّار من مَاتَ على التَّوْحِيد (قلت) ظَاهر الحَدِيث يدل على أَن من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصا تحرم عَلَيْهِ النَّار وَفِيه جَوَاز إِسْنَاد الْمَسْجِد إِلَى الْقَوْم ٧٤ -

стр. 1114

(بابُ التيَمُّن فِي دُخُولِ المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْبدَاءَة بِالْيَمِينِ فِي دُخُول الْمَسْجِد وَغَيره. قَالَ الْكرْمَانِي: وَغَيره، بِالْجَرِّ عطف على: الدُّخُول لَا على: الْمَسْجِد، وَلَا على: التَّيَمُّن، وَتَبعهُ بَعضهم على ذَلِك قلت: لِمَ لَا يجوز أَن يكون عطفا على الْمَسْجِد، أَي: وَغير الْمَسْجِد، مثل: الْبَيْت والمنزل. وكانَ ابنُ عُمَرَ يَبْدَأ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى فإذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ اليُسْرَى مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيُؤَيّد فعل ابْن عمر مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من طَرِيق مُعَاوِيَة بن قُرَّة: (عَن أنس، رَضِي اتعالى عَنهُ، أَنه كَانَ يَقُول: من السّنة إِذا دخلت السمجد أَن تبدأ برجلك الْيُمْنَى، وَإِذا خرجت أَن تبدأ برجلك الْيُسْرَى) . وَقَول الصَّحَابِيّ: من السّنة كَذَا، مَحْمُول على أَنه مَرْفُوع إِلَى النَّبِي، وَهُوَ الصَّحِيح. قَوْله: (يبْدَأ) أَي: فِي دُخُول الْمَسْجِد، وَذكر خرج فِي مُقَابِله قرينَة لَهُ. ٦٢٤٧٨ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ عَنِ الأَشْعَثِ بنِ سُلَيْمٍ عنْ أبيهِ عَنْ مَسْرُوق عنْ عائِشَةَ قالتْ كانَ النبيُّ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ وتَرجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ عُمُومه لِأَن عُمُومه يدل على الْبدَاءَة بِالْيَمِينِ فِي دُخُول الْمَسْجِد، وَذكر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب التَّيَمُّن فِي الْوضُوء وَالْغسْل عَن حَفْص بن عمر، قَالَ: حدّثنا شُعْبَة، قَالَ: أَخْبرنِي أَشْعَث بن سليم، قَالَ: سَمِعت أبي عَن مَسْرُوق عَن عائشه، رَضِي اتعالى عَنْهَا، قَالَت: (كَانَ النَّبِي يُعجبهُ التَّيَمُّن فِي تنعله وَترَجله وَطهُوره فِي شَأْنه كُله) ، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَن الْجَمَاعَة أخرجُوا هَذَا الحَدِيث، وَأَن البُخَارِيّ أخرجه أَيْضا فِي اللبَاس وَفِي الأطمعة، وتكلمنا فِيهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة مُسْتَوفى، ولنذكر مَا يتَعَلَّق بِهِ هَهُنَا. قَوْله: (مَا اسْتَطَاعَ) كلمة: مَا، يجوز أَن تكون مَوْصُولَة وَتَكون بَدَلا من التَّيَمُّن، وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى: مَا دَامَ، وَبِه احْتَرز عَمَّا لَا يَسْتَطِيع فِيهِ التَّيَمُّن شرعا كدخول الْخَلَاء وَالْخُرُوج من الْمَسْجِد. قَوْله: (فِي شَأْنه) يتَعَلَّق بالتيمن، وَيجوز أَن يتَعَلَّق بالمحبة أَو بهما على سَبِيل التَّنَازُع. قَوْله: (فِي طهوره) ، بِضَم الطَّاء بِمَعْنى طهره. قَوْله: (وَترَجله) أَي: تمشيطه الشّعْر، قَوْله: (وتنعله) أَي: لبسه النَّعْل. فَإِن قلت: مَا موقع: فِي طهوره، من الْإِعْرَاب؟ قلت: بدل من: شَأْنه، بدل الْبَعْض من الْكل فَإِن قلت: إِذا كَانَ كَذَلِك يُفِيد اسْتِحْبَاب التَّيَمُّن فِي بعض الْأُمُور، وتأكيد شَأْنه بِالْكُلِّ يُفِيد اسْتِحْبَابه فِي كلهَا قلت: هَذَا تَخْصِيص بعد تَعْمِيم، وَخص هَذِه الثَّلَاثَة بِالذكر اهتماماً بهَا وبياناً لشرفها، وَلَا مَانع أَن يكون بدل الْكل من الْكل، إِذْ الطّهُور مِفْتَاح أَبْوَاب الْعِبَادَات، والترجل يتَعَلَّق بِالرَّأْسِ، والتنعل بِالرجلِ، وأحوال الْإِنْسَان إِمَّا أَن تتَعَلَّق بِجِهَة الفوق أَو بِجِهَة التحت أَو بالأطراف، فجَاء لكل مِنْهَا بمثال. قلت: كَيفَ قَالَت عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا (كَانَ النَّبِي يحب التَّيَمُّن) ، والمحبة أَمر باطني، فَمن أَيْن علمت ذَلِك؟ قلت: عملت حبه بِهَذِهِ الْأَشْيَاء إِمَّا بالقرائن أَو بإخباره، صلى اتعالى وَسلم، لَهَا بذلك. ٨٤ - (بابٌ هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجَاهِليَّةِ وَيُتَّخَذُ مَكانُهَا مَسَاجِدَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ نبش قُبُور الْمُشْركُونَ الَّذين هَلَكُوا فِي الْجَاهِلِيَّة، يَعْنِي: يجوز ذَلِك لما صرح بِهِ فِي حَدِيث الْبَاب فَإِن قلت: كَيفَ يُفَسر كَذَلِك وَفِيه كلمة: هَل، للاستفهام؟ قلت: هَل هُنَا للاستفهام التقريري، وَلَيْسَ بإستفهام حَقِيقِيّ صرح بذلك جمَاعَة من الْمُفَسّرين، وَقَوله تَعَالَى: ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان﴾ (الْإِنْسَان: ١) وَيَأْتِي: هَل، أَيْضا بِمَعْنى: قد كَذَا فسر الْآيَة جمَاعَة، مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَالْكسَائِيّ وَالْفراء والمبرد، وَذكر فى (المقتضب) هَل للاستفهام نَحْو: هَل جَاءَ زيد؟ وَتَكون بِمَنْزِلَة: قد، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل اتى على الْإِنْسَان﴾ (الْإِنْسَان: ١) وَقد بَالغ الزَّمَخْشَرِيّ فَزعم أَنَّهَا أبدا بِمَعْنى: قد وَإِنَّمَا الِاسْتِفْهَام مُسْتَفَاد من همزَة مقدرَة مَعهَا، وَنَقله فِي (الْمفصل) عَن سِيبَوَيْهٍ، وَقَالَ فِي (الْكَشَّاف) : ﴿هَل أَتَى﴾ (الْإِنْسَان: ١) أَي: قد أَتَى، على معنى التَّقْرِير والتقريب فِيهِ جَمِيعًا، وَمن عكس الزَّمَخْشَرِيّ هَهُنَا فقد عكس نَفسه:

стр. 1115

(إِذا قَالَت حذام فصدقوها ... فَإِن القَوْل مَا قَالَت حذام) وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا أحسن من الَّذِي يُقَال: إِن ذكر كلمة: هَل، هَهُنَا لَيْسَ لَهُ مَحل، لِأَن عَادَته إِنَّمَا يذكر: هَل، إِذا كَانَ حكم الْبَاب فِيهِ خلاف، وَلَيْسَ هَهُنَا خلاف، وَلم أَرَ شارحاً هُنَا شفى العليل وَلَا أروى الغليل، وَقد فسر بَعضهم بَاب: هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة؟ بقوله: أَي: دون غَيرهَا من قُبُور الْأَنْبِيَاء وأتباعهم، قلت: هَذَا تَفْسِير عَجِيب مُسْتَفَاد من سوء التَّصَرُّف، لِأَن مَعْنَاهُ ظَاهر، وَهُوَ جَوَاز نبش قُبُور الْمُشْركين لِأَنَّهُ لَا حُرْمَة لَهُم فيستفاد مِنْهُ عدم جَوَاز نبش قُبُور غَيرهم سَوَاء كَانَت قُبُور الْأَنْبِيَاء أَو قُبُور غَيرهم من الْمُسلمين لما فِيهِ من الإهانة لَهُم، فَلَا يجوز ذَلِك، لِأَن حُرْمَة الْمُسلم لَا تَزُول حَيا وَمَيتًا، فَإِن كَانَ هَذَا الْقَائِل اعْتمد فِي هَذَا التَّفْسِير على حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب، فَلَيْسَ فِيهِ ذكر النبش وَهُوَ ظَاهر، وانما فِيهِ أَنهم إِذا مَاتَ فيهم رجل صَالح يبنون على قَبره مَسْجِدا ويصورون فِيهِ تصاوير، وَلَا يلْزم من ذَلِك النبش، لِأَن بِنَاء الْمَسْجِد على الْقَبْر من غير نبش مُتَصَوّر. قَوْله: (ويتخذ مَكَانهَا مَسَاجِد) عطف على قَوْله: (تنبش) و: (مَكَانهَا) مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة. و: (مَسَاجِد) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَهَذَا الْوَجْه إِذا جعل الإتخاذ مُتَعَدِّيا إِلَى مفعول وَاحِد، وَأما إِذا جعل مُتَعَدِّيا إِلَى مفعولين على مَا هُوَ الأَصْل، لِأَنَّهُ من أَفعَال التصيير كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتخذ اإبراهيم خَلِيلًا﴾ (النِّسَاء: ٥٢١) فَيكون أحد المفعولين: مَكَانهَا، فحينئذٍ يرفع على أَنه مفعول بِهِ قَامَ مقَام الْفَاعِل، بِخِلَاف الْوَجْه الأول فَإِنَّهُ فِيهِ مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة، كَمَا ذكرنَا، وَالْمَفْعُول الثَّانِي هُوَ: مَسَاجِد بِالنّصب. فَإِنَّهُم. فَإِن الْكرْمَانِي ذكر فِيهِ مَا لَا يَخْلُو عَن نظر وَتَأمل. لَقْولِ النبيِّ: (لَعَنَ االيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أْنبِيَائِهمْ مَسَاجِدَ) هَذَا تَعْلِيل قَوْله: (ويتخذ مَكَانهَا مَسَاجِد) ، خَاصَّة لِأَن التَّرْجَمَة شَيْئَانِ وَالتَّعْلِيل للشق الثَّانِي. وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَن الْيَهُود لما خصوا باللعنة باتخاذهم قُبُور الْأَنْبِيَاء مَسَاجِد علم جَوَاز اتِّخَاذ قُبُور غَيرهم وَمن هم فِي حكمهم من الْمُسلمين. فَإِن قلت: أَلَيْسَ فِي اتِّخَاذ قُبُور الْمُشْركين مَسَاجِد تَعْظِيم لَهُم؟ قلت: لَا يسْتَلْزم ذَلِك، لِأَنَّهُ إِذا نبشت قُبُورهم ورميت عظامهم تصير الأَرْض طَاهِرَة، مِنْهُم، وَالْأَرْض كلهَا مَسْجِد، لقَوْله ﵊: (جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا) وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي آخر كتاب الْجَنَائِز فِي بَاب مَا جَاءَ فِي قبر النَّبِي، حدّثنا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حدّثنا أَبُو عوَانَة عَن هِلَال عَن عُرْوَة: (عَن عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله فِي مَرضه الَّذِي لم يقم مِنْهُ: لعن االيهود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد) ، الحَدِيث. وَأخرجه أَيْضا فِي مَوَاضِع أخر فِي الْجَنَائِز، وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن الصَّلْت بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد. ومَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي القُبُورِ هَذَا عطف على قَوْله: (هَل تنبش) ، لَا يُقَال: إِن هَذِه جملَة خبرية وَقَوله: هَل تنبش، طلبية، فَكيف يَصح عطفها عَلَيْهَا؟ لأَنا نقُول: قد ذكرنَا أَن: هَل اسْتِفْهَام تقريري، وَهُوَ فِي حكم الْجُمْلَة الخبرية الثبوتية مثلهَا، وَقَوله هَذَا يتَنَاوَل مَا إِذا صلى على الْقَبْر أَو إِلَيْهِ أَو بَينهمَا، وَفِيه حَدِيث أبي مرْثَد، واسْمه كناز بن الْحصين. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ: بِلَفْظ: (لَا تجلسوا على الْقُبُور وَلَا تصلوا إِلَيْهَا) ، وروى التِّرْمِذِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (الأَرْض كلهَا مَسْجِد إلَاّ الْمقْبرَة وَالْحمام) . وَرَأى عُمَرُ أنَسَ بنَ مالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْر فَقَالَ القَبْرَ القَبْرَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعادَةِ. هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ وَكِيع بن الْجراح فِي مُصَنفه فِيمَا حَكَاهُ ابْن حزم عَن سُفْيَان بن سعيد عَن حميد (عَن أنس قَالَ: رَآنِي عمر، رَضِي اتعالى عَنهُ، أُصَلِّي إِلَى قبر، فنهاني، فَقَالَ: الْقَبْر أمامك) . قَالَ: وَعَن معمر عَن ثَابت (عَن أنس قَالَ: رَآنِي عمر أُصَلِّي عِنْد قبر فَقَالَ لي: الْقَبْر، لَا تصلي إِلَيْهِ. قَالَ ثَابت: فَكَانَ أنس يَأْخُذ بيَدي إِذا أَرَادَ أَن يُصَلِّي فيتنحى عَن الْقُبُور) . وَرَوَاهُ أَبُو نعيم شيخ البُخَارِيّ عَن حُرَيْث بن السَّائِب، قَالَ: سَمِعت الْحسن يَقُول: (بَينا أنس، رَضِي اتعالى عَنهُ، يُصَلِّي إِلَى قبر فناداه عمر: الْقَبْر الْقَبْر، وَظن أَنه يَعْنِي الْقَمَر، فَلَمَّا رأى أَنه يَعْنِي الْقَبْر تقدم وَصلى وَجَاز الْقَبْر) . قَوْله: (الْقَبْر الْقَبْر) ، مَنْصُوب على التحذير، يجب حذف عَامله وَهُوَ: إتق، أَو اجْتنب. وَفِي بعض الرِّوَايَة بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام. أَي: أَتُصَلِّي عِنْد الْقَبْر؟ قَوْله: (وَلم يَأْمُرهُ بِالْإِعَادَةِ)

стр. 1116

أَي: لم يَأْمر عمر أنسا بِإِعَادَة صلَاته تِلْكَ، فَدلَّ على أَنه يجوز وَلَكِن يكره. وَاعْلَم أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي جَوَاز الصَّلَاة على الْمقْبرَة، فَذهب أَحْمد إِلَى تَحْرِيم الصَّلَاة فِي الْمقْبرَة، وَلم يفرق بَين المنبوشة وَغَيرهَا، وَلَا بَين أَن يفرش عَلَيْهَا شَيْء يَقِيه من النَّجَاسَة أم لَا، وَلَا بَين أَن تكون بَين الْقُبُور أَو فِي مَكَان مُنْفَرد عَنْهَا، كالبيت والعلو، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: لَا يصلى فِي حمام وَلَا مَقْبرَة على ظَاهر الحَدِيث، يَعْنِي قَوْله: (الأَرْض كلهَا مَسْجِد إِلَّا الْمقْبرَة وَالْحمام) . وَذهب الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ إِلَى كَرَاهَة الصَّلَاة فِي الْمقْبرَة، وَفرق الشَّافِعِي بَين الْمقْبرَة المنبوشة، وَغَيرهَا فَقَالَ: إِذا كَانَت مختلطة التُّرَاب بلحوم الْمَوْتَى وصديدهم وَمَا يخرج مِنْهَا لم يجز الصَّلَاة فِيهَا للنَّجَاسَة، فَإِن صلى رجل فِي مَكَان طَاهِر مِنْهَا أَجْزَأته صلَاته. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: أما الْمقْبرَة فَالصَّلَاة فِيهَا مَكْرُوهَة بِكُل حَال، وَلم ير مَالك بِالصَّلَاةِ فِي الْمقْبرَة بَأْسا، وَحكى أَبُو مُصعب عَن مَالك كَرَاهَة الصَّلَاة فِي الْمقْبرَة كَقَوْل الْجُمْهُور، وَذهب أهل الظَّاهِر إِلَى تَحْرِيم الصَّلَاة فِي الْمقْبرَة، سَوَاء كَانَت مَقَابِر الْمُسلمين أَو الْكفَّار، وَحكى ابْن حزم عَن خَمْسَة من الصَّحَابَة النَّهْي عَن ذَلِك وهم: عمر وَعلي وَأَبُو هُرَيْرَة وَأنس وَابْن عَبَّاس، رَضِي اتعالى عَنْهُم. وَقَالَ: مَا نعلم لَهُم مُخَالفا من الصَّحَابَة، وَحَكَاهُ عَن جمَاعَة من التَّابِعين إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَنَافِع بن جُبَير بن مطعم وَطَاوُس وَعَمْرو بن دِينَار وخيثمة وَغَيرهم. قلت: قَوْله: لَا نعلم لَهُم مُخَالفا من الصَّحَابَة، معَارض بِمَا حَكَاهُ الْخطابِيّ فِي (معالم السّنَن) عَن عبد اللَّه بن عمر أَنه رخص فِي الصَّلَاة فِي الْمقْبرَة، وَحكي أَيْضا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه صلى فِي الْمقْبرَة. وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : حكى أَصْحَابنَا اخْتِلَافا فِي الْحِكْمَة فِي النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْمقْبرَة، فَقيل: الْمَعْنى فِيهِ مَا تَحت مُصَلَّاهُ من النَّجَاسَة، وَقد قَالَ الرَّافِعِيّ: لَو فرش فِي المجزرة والمزبلة شَيْئا وَصلى عَلَيْهِ صحت صلَاته، وَبقيت الْكَرَاهِيَة لكَونه مُصَليا على نَجَاسَة وَإِن كَانَ بَينهمَا حَائِل، وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن: إِنَّه لَا كَرَاهَة مَعَ الْفرش على النَّجَاسَة مُطلقًا. وَحكى ابْن الرّفْعَة فِي (الْكِفَايَة) : أَن الَّذِي دلّ عَلَيْهِ كَلَام القَاضِي: أَن الْكَرَاهَة لحُرْمَة الْمَوْتَى، وعَلى كل تَقْدِير من هذَيْن الْمَعْنيين، فَيَنْبَغِي أَن تقيد الْكَرَاهَة بِمَا إِذا حَاذَى الْمَيِّت، أما إِذا وقف بَين الْقُبُور بِحَيْثُ لَا يكون تَحْتَهُ ميت وَلَا نَجَاسَة فَلَا كَرَاهَة، إِلَّا أَن ابْن الرّفْعَة بعد أَن حكى الْمَعْنيين السَّابِقين قَالَ: لَا فرق فِي الْكَرَاهَة بَين أَن يُصَلِّي على الْقَبْر أَو بجانبه. أَو إِلَيْهِ، قَالَ: وَمِنْه يُؤْخَذ أَنه: تكره الصَّلَاة بِجَانِب النَّجَاسَة وَخَلفهَا. ٧٢٤٨٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قَالَ أخبرنِي أبي عنْ عائِشَةَ أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ فَذَكَرَتَا ذَلِكَ للنَّبيِّ فَقَالَ إنَّ أُولَئِكِ إذَا كانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً وَصَوَّرُوا فيهِ تَلْكَ الصُّوَرَ فأُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ ايَوْمَ القِيَامَةِ. (الحَدِيث ٧٢٤ أَطْرَافه فِي: ٤٣٤، ١٤٣١، ٨٧٨٣) . وَجه مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لعن االيهود) ، من حَيْثُ إِنَّه يُوَافقهُ، وَذَلِكَ أَنه لعن الْيَهُود لكَوْنهم اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد، وَفِي هَذَا الحَدِيث ذمّ النَّصَارَى بِشَيْء أعظم من اللَّعْن فِي كَونهم كَانُوا إِذا مَاتَ الرجل الصَّالح فيهم بنوا على قَبره مَسْجِدا وصوروا فِيهِ تصاوير. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى، بِفَتْح النُّون الْمُشَدّدَة بعد الثَّاء الْمُثَلَّثَة. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. رَضِي اتعالى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من هَذَا الْوَجْه: أَخْبَرتنِي عَائِشَة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي هِجْرَة الْحَبَشَة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأَيْضًا أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَالنَّسَائِيّ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن يحيى بن سعيد بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن أم حَبِيبَة) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة أم الْمُؤمنِينَ اسْمهَا: رَملَة، بِفَتْح الرَّاء على الْأَصَح بنت أبي سُفْيَان صَخْر الأموية، هَاجَرت مَعَ زَوجهَا عبد اللَّه بن جحش، بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء الْمُهْملَة إِلَى الْحَبَشَة، فَتوفي هُنَاكَ فَتَزَوجهَا رَسُول الله وَهِي هُنَاكَ سنة سِتّ من الْهِجْرَة، وَكَانَ النَّجَاشِيّ أمهرها من عِنْده عَن رَسُول ا، وبعثها إِلَيْهِ، وَكَانَت من السابقات إِلَى الْإِسْلَام، توفيت سنة أَربع وَأَرْبَعين بِالْمَدِينَةِ على الْأَصَح. قَوْله: (وَأم سَلمَة) ، فتح اللَّام،

стр. 1117

أم الْمُؤمنِينَ أَيْضا، وَاسْمهَا: هِنْد، على الْأَصَح، بنت أبي أُميَّة المخزومية، هَاجر بهَا زَوجهَا أَبُو سَلمَة إِلَى الْحَبَشَة، فَلَمَّا رجعا إِلَى الْمَدِينَة مَاتَ زَوجهَا فَتَزَوجهَا رَسُول ا، تقدّمت فِي بَاب العظة بِاللَّيْلِ. قَوْله: (ذكرتا) ، بِلَفْظ التَّثْنِيَة للمؤنث من الْمَاضِي، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى: أم حَبِيبَة وَأم سَلمَة، وَهُوَ على الْأَصَح فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (ذكرا) ، بالتذكير وَهُوَ على خلاف الأَصْل، وَالْأَظْهَر أَنه من النساخ أَو من بعض الروَاة غير المميزين. قَوْله: (كَنِيسَة) بِفَتْح الْكَاف، وَهِي معبد النَّصَارَى. وَفِي مَوضِع آخر: يُقَال لَهَا مَارِيَة، والمارية بتَخْفِيف الْيَاء: الْبَقَرَة، وبتشديدها: القطاة الملساء. قَوْله: (رأينها) ، بِصِيغَة جمع الْمُؤَنَّث من الْمَاضِي، وَإِنَّمَا جمع بِاعْتِبَار من كَانَ مَعَ أم حَبِيبَة وَأم سَلمَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والأصيلي: (رأتاها) ، على الأَصْل بضمير التَّثْنِيَة. قَوْله: (فِيهَا تصاوير) جملَة إسمية فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة كَنِيسَة، والتصاوير: التماثيل. قَوْله: (إِن أُولَئِكَ) ، بِكَسْر الْكَاف وَيجوز فتحهَا. قَوْله: (فَمَاتَ) ، عطف على قَوْله: (كَانَ) . قَوْله: (بنوا) جَوَاب: إِذا. قَوْله: (تيك الصُّور) بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بدل اللَّام فِي: تِلْكَ، وَهِي لُغَة فِيهِ، وَهِي فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة غَيره: (تِلْكَ) . قَوْله: (فَأُولَئِك) ، ويروى: (وَأُولَئِكَ) ، بِالْوَاو، وَالْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي: أُولَئِكَ، الْمَاضِيَة. قَوْله: (شرار الْخلق) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة جمع: الشَّرّ، كالخيار جمع الْخَيْر، والبحار جمع الْبَحْر، وَأما الأشرار فَقَالَ يُونُس: وَاحِدهَا شَرّ أَيْضا. وَقَالَ الْأَخْفَش: شرير، مثل: يَتِيم وأيتام. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّمَا صور أوائلهم الصُّور ليأتنسوا بِرُؤْيَة تِلْكَ الصُّور ويتذكروا أفعالهم الصَّالِحَة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون اعند قُبُورهم، ثمَّ خلف من بعدهمْ خلوف جهلوا مُرَادهم، ووسوس لَهُم الشَّيْطَان أَن أسلافكم كَانُوا يعْبدُونَ هَذِه الصُّور ويعظمونها فعبدوها، فحذر النَّبِي عَن مثل ذَلِك سداً للذريعة المؤدية إِلَى ذَلِك، وسداً للذرائع فِي قَبره، وَكَانَ ذَلِك فِي مرض مَوته إِشَارَة إِلَى أَنه من الْأَمر الْمُحكم الَّذِي لَا ينْسَخ بعده، وَلما احْتَاجَت الصَّحَابَة، رَضِي اتعالى عَنْهُم، والتابعون إِلَى زِيَادَة مَسْجده ﵊ بنوا على الْقَبْر حيطاناً مُرْتَفعَة مستديرة حوله لِئَلَّا تصل إِلَيْهِ الْعَوام فَيُؤَدِّي إِلَى ذَلِك الْمَحْذُور، ثمَّ بنوا جدارين بَين ركني الْقَبْر الشمالي حرفوها حَتَّى التقيا حَتَّى لَا يُمكن أحد أَن يسْتَقْبل الْقَبْر. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ: نهي عَن اتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد، وَعَن فعل التصاوير، وَإِنَّمَا نهى عَنهُ لاتخاذهم الْقُبُور والصور آلِهَة. وَفِيه: دَلِيل على تَحْرِيم تَصْوِير الْحَيَوَان خُصُوصا الْآدَمِيّ الصَّالح. وَفِيه: منع بِنَاء الْمَسَاجِد على الْقُبُور وَمُقْتَضَاهُ التَّحْرِيم، كَيفَ وَقد ثَبت اللَّعْن عَلَيْهِ؟ وَأما الشَّافِعِي وَأَصْحَابه فصرحوا بِالْكَرَاهَةِ، وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيّ: وَالْمرَاد أَن يسوى الْقَبْر مَسْجِدا فيصلى فَوْقه، وَقَالَ: إِنَّه يكره أَن يبْنى عِنْده مَسْجِد فيصلى فِيهِ إِلَى الْقَبْر، وَأما الْمقْبرَة الداثرة إِذا بني فِيهَا مَسْجِد ليصلى فِيهِ فَلم أر فِيهِ بَأْسا، لِأَن الْمَقَابِر وقف، وَكَذَا الْمَسْجِد، فمعناها وَاحِد. وَقد ذكرنَا عَن قريب مَذَاهِب الْعلمَاء فِي الصَّلَاة على الْقَبْر. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: لما كَانَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى يَسْجُدُونَ لقبور الْأَنْبِيَاء تَعْظِيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبْلَة يتوجهون فِي الصَّلَاة نَحْوهَا، واتخذوها أوثاناً لعنهم النَّبِي وَمنع الْمُسلمين عَن مثل ذَلِك، فَأَما من اتخذ مَسْجِدا فِي جوَار صَالح وَقصد التَّبَرُّك بِالْقربِ مِنْهُ لَا للتعظيم لَهُ وَلَا للتوجه إِلَيْهِ فَلَا يدْخل فِي الْوَعيد الْمَذْكُور. وَفِيه: جَوَاز حِكَايَة مَا يُشَاهِدهُ الْمَرْء من الْعَجَائِب، وَوُجُوب بَيَان حكم ذَلِك على الْعَالم بِهِ. وَفِيه: ذمّ فَاعل الْمُحرمَات. وَفِيه: أَن الِاعْتِبَار فِي الْأَحْكَام بِالشَّرْعِ لَا بِالْعقلِ. ٨٢٤٩٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عنْ أبي التَّيَّاحِ عنْ أنَسٍ قَالَ قَدِمَ النبيُّ المَدِينَةَ فَنَزَلَ أعْلَى المَدِينَةِ فِي حَيَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بنِ عَوْفٍ فَأَقامَ النبيُّ فِيهِمْ أرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أرْسَلَ إِلَى بَنِي النجَّارِ فَجَاؤُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ كَأَنِّي أنْظُرُ إِلَيّ النبيِّ عَلى رَاحِلَتِهِ وأبُو بَكْر رِدْفُهُ وَمَلأَ بَني النجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى ألْقَى بِفِنَاءِ أبِي أيُّوبَ وَكَانَ يُحبُّ أَن يُصَلِّى حَيْثُ أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنمِ وَأنَّهُ

стр. 1118

أمَرَ بِبِنَاءِ المسْجِدِ فَأرْسَلَ إلَى مَلأٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقال يَا بَني النجَّارِ ثامِنونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا قَالُوا لَا وَا لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَاّ إلَى افقال أنَسٌ فكانَ فِيهِ مَا أقُولُ لَكُمْ قُبُورُ الْمُشْركِينَ وَفِيهِ خِرَبٌ وَفِيهِ نَخْلٌ فَأَمَرَ النبيُّ بِقُبُورِ المْشرِكِينَ فَنُبِشَتْ ثُمَّ بِالخِرِبِ فَسُوِّيَتْ وبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ وَجَعَلوا عِضَادَتَيْهِ الحِجَارَةَ وَجعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ والنبيُّ مَعَهْمُ وَهْوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا خَيْر إلَاّ خَيْرُ الآخِرَه فَاغْفِرْ لِلَاّنْصَارِ والمهَاجِرَهْ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد التَّيْمِيّ. الثَّالِث: أَبُو التياح، بِفَتْح الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: واسْمه يزِيد بن حميد الضبغي، وَالْكل تقدمُوا. الرَّابِع: أنس بن مَالك. ذكر لطائف اسناده: وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة فِي موضِعين من الْوَصَايَا، وَفِي هِجْرَة النَّبِي عَن مُسَدّد، وَفِي الْحَج عَن أبي معمر عبد اللَّه بن عَمْرو، وَفِي الْبيُوع عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي الْوَصَايَا عَن إِسْحَاق عَن عبد الصَّمد بن عبد الوراث، وَفِي الْهِجْرَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن الصَّمد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى وشبيان بن فروخ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد بِهِ وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عمان ابْن مُوسَى عَن عبد الْوَارِث نَحوه. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد بن وَكِيع عَن حَمَّاد بن سَلمَة بِبَعْضِه. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قدم النَّبِي الْمَدِينَة) : قَالَ الْحَاكِم: تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار بورود النَّبِي، ﵊، قبَاء يَوْم الْإِثْنَيْنِ لثمان خلون من ربيع الأول. وَقَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ، وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع من تيرماه، وَمن شهور الرّوم الْعَاشِرَة من أيلول سنة سَبْعمِائة وَثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ لذِي القرنين، وَقَالَ الْخَوَارِزْمِيّ: من حِين ولد إِلَى حِين أسرِي بِهِ: أحد وَخَمْسُونَ سنة وَسَبْعَة أشهر وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَمِنْه إِلَى الْيَوْم الَّذِي هَاجر: سنة وشهران وَيَوْم، فَذَلِك ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة، وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس. وَفِي (وطبقات ابْن سعد) : أَن رَسُول الله خرج من الْغَار لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ لأَرْبَع لَيَال خلون من شهر ربيع الأول، وَيُقَال: لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من شهر ربيع الأول، فَنزل على كُلْثُوم بن هدم، وَهُوَ الْمُثبت عندنَا، وَذكر البرقي أَنه قدم الْمَدِينَة لَيْلًا، وَعَن جَابر: لما قدم الْمَدِينَة نحر جزوراً. قَوْله: (فَنزل أَعلَى المدنية) ويروى: فِي الْمَدِينَة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَنزل فِي علو الْمَدِينَة) بِالضَّمِّ وَهِي الْعَالِيَة. قَوْله: (فِي حَيّ) ، بتَشْديد الْيَاء وَهِي: الْقَبِيلَة، وَجَمعهَا أَحيَاء. قَوْله: (بَنو عَمْرو بن عَوْف) ، بِفَتْح الْعين فيهمَا، (فَأَقَامَ فيهم أَربع عشرَة لَيْلَة) ، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن شَيْخه مُسَدّد، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (أَرْبعا وَعشْرين لَيْلَة) ، وَعَن الزُّهْرِيّ: أَقَامَ فيهم (بضع عشرَة لَيْلَة) . وَعَن عُوَيْمِر بن سَاعِدَة: (لبث فيهم ثَمَانِي عشرَة لَيْلَة ثمَّ خرج) قَوْله: (ثمَّ أرسل إِلَى بني النجار) ، وَبَنُو النجار هم بَنو تيم اللات بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الجموح، والنجار قبيل كَبِير من الْأَنْصَار، مِنْهُ بطُون وعمائر وأفخاذ وفضائل، وتيم اللات هُوَ النجار، سمي بذلك لِأَنَّهُ اختتن بقدوم، وَقيل: بل ضرب رجلا بقدوم فجرحه، ذكره الْكَلْبِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة، وَإِنَّمَا طلب بني النجار لأَنهم كَانُوا أَخْوَاله، لِأَن هاشماً جده تزوج سلمى بنت عَمْرو بن زيد من بني عدي بن النجار بِالْمَدِينَةِ فَولدت لَهُ عبد الْمطلب. قَوْله: (فجاؤا متقلدي السيوف) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة بِإِضَافَة: متقلدين إِلَى السيوف وَسُقُوط النُّون للإضافة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين (متقلدين السيوف) ، بِنصب السيوف وَثُبُوت النُّون لعدم الْإِضَافَة، وعَلى كل حَال هُوَ مَنْصُوب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: جاؤوا، والتقلد جعل نجاد السَّيْف على الْمنْكب. قَوْله: (على رَاحِلَته) ، الرَّاحِلَة الْمركب من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَكَانَت

стр. 1119

رَاحِلَته نَاقَة تسمى الْقَصْوَاء. قَوْله: (وَأَبُو بكر ردفه) ، جملَة اسمية فِي مَوضِع النصب على الْحَال، والردف بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الدَّال: المرتدف، وَهُوَ الَّذِي يركب خلف الرَّاكِب. وأردفته أَنا إِذا أركبته مَعَك، وَذَاكَ الْموضع الَّذِي يركبه: رداف، وكل شَيْء تبع شَيْئا فَهُوَ: ردفه. وَكَانَ لأبي بكر نَاقَة، فَلَعَلَّهُ تَركهَا فِي بني عَمْرو بن عَوْف لمَرض أَو غَيره، وَيجوز أَن يكون ردهَا إِلَى مَكَّة ليحمل عَلَيْهَا أَهله، وَثمّ وَجه آخر حسن وَهُوَ: أَن نَاقَته كَانَت مَعَه، وَلكنه مَا ركبهَا لشرف الارتداف خَلفه، لِأَنَّهُ تَابعه والخليفة بعده. قَوْله: (وملأ بني النجار حوله) جملَة إسمية حَالية أَيْضا و: الْمَلأ، أَشْرَاف الْقَوْم ورؤساؤهم، سموا بذلك لأَنهم ملاء بِالرَّأْيِ والغنى، وَالْمَلَأ: الْجَمَاعَة، وَالْجمع أملاء. وَقَالَ ابْن سَيّده: وَلَيْسَ الْمَلأ من بَاب: رَهْط، وَإِن كَانَ إسمين، لِأَن رهطاً لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَالْمَلَأ: رجل مالىء جليل مَلأ الْعين بجهرته، فَهُوَ كالعرب وَالزَّوْج، حكى ملأته على الْأَمر أملؤه وملأته كَذَلِك، أَي: شاورته، و: مَا كَانَ الْأَمر عَن مَلأ منا أَي: عَن تشَاور وَإِجْمَاع. قَوْله: (ألْقى) أَي: حَتَّى ألْقى رَحْله وَالْمَفْعُول مَحْذُوف، يُقَال: ألقيت الشَّيْء إِذا طرحته. وَقَوله: (بِفنَاء أبي أَيُّوب) أَي: بِفنَاء دَار أبي أَيُّوب، الفناء، بِكَسْر الْفَاء: سَعَة أَمَام الدَّار وَالْجمع أفنية، وَفِي (الْمُجْمل) : فنَاء الدَّار مَا امْتَدَّ من جوانبها. وَفِي (الْمُحكم) : وتبدل الْبَاء من الْفَاء. وَاسم أبي أَيُّوب: خَالِد بن زيد الْأنْصَارِيّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَفِي (شرف الْمُصْطَفى) : لما نزلت النَّاقة عِنْد دَار أبي أَيُّوب جعل جَبَّار ابْن صَخْر ينخسها بِرجلِهِ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوب: يَا جَبَّار، أعن منزلي تنخسها؟ أما وَالَّذِي بَعثه بِالْحَقِّ لَوْلَا الْإِسْلَام لضربتك بِالسَّيْفِ قلت: جَبَّار بن صَخْر بن أُميَّة بن خنساء السّلمِيّ، وَيُقَال: جَابر بن صَخْر الْأنْصَارِيّ، شهد الْعقبَة وبدراً وَهُوَ صَحَابِيّ كَبِير، روى مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن أبي سعد الخطمي سمع جَبَّار بن عبد اللَّه قَالَ: (صليت خلف رَسُول الله أَنا وَجَابِر بن صَخْر فأقامنا خَلفه) . وَالصَّحِيح: أَن اسْمه: جَبَّار بن صَخْر. وَذكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق فِي كتاب (الْمُبْتَدَأ وقصص الْأَنْبِيَاء) ، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، تأليفه: أَن تبعا وَهُوَ ابْن حسان لما قدم مَكَّة قبل مولد رَسُول ا، بِأَلف عَام، وَخرج مِنْهَا إِلَى يثرب وَكَانَ مَعَه أَربع مائَة رجل من الْحُكَمَاء، فَاجْتمعُوا وتعاقدوا على أَن لَا يخرجُوا مِنْهَا، وسألهم تبع عَن سر ذَلِك فَقَالُوا: إِنَّا نجد فِي كتبنَا أَن نَبيا اسْمه مُحَمَّد هَذِه دَار مهاجره، فَنحْن نُقِيم لَعَلَّ أَن نَلْقَاهُ، فَأَرَادَ تبع الْإِقَامَة مَعَهم، ثمَّ بني لكل وَاحِد من أُولَئِكَ دَار، وَاشْترى لَهُ جَارِيَة وَزوجهَا مِنْهُ، وَأَعْطَاهُمْ مَالا جزيلاً، وكتاباً فِيهِ إِسْلَامه وَقَوله: شهِدت على أَحْمد أَنه رَسُول من ابارىء النسم فِي أَبْيَات، وختمه بِالذَّهَب وَدفعه إِلَى كَبِيرهمْ، وَسَأَلَهُ أَن يَدْفَعهُ إِلَى مُحَمَّد إِن أدْركهُ وإلَاّ من أدْركهُ من وَلَده، وَبني للنَّبِي دَارا ينزلها إِذا قدم الْمَدِينَة، فتداول الدَّار الْملاك إِلَى أَن صَارَت لأبي أَيُّوب، رَضِي اتعالى عَنهُ وَهُوَ من ولد ذَلِك الْعَالم الَّذِي دفع إِلَيْهِ الْكتاب، قَالَ: وَأهل الْمَدِينَة من ولد أُولَئِكَ الْعلمَاء الْأَرْبَع مائَة، وَيَزْعُم بَعضهم أَنهم كَانُوا الْأَوْس والخررج، وَلما خرج رَسُول اصلى تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، أرْسلُوا إِلَيْهِ كتاب تبع مَعَ رجل يُسمى أَبَا ليلى، فَلَمَّا رَآهُ قَالَت: أَنْت أَبُو ليلى ومعك كتاب تبع الأول، فَبَقيَ أَبُو ليلى متفكراً وَلم يعرف النَّبِي، فَقَالَ: من أَنْت فَإِنِّي لم أر فِي وَجهك أثر السحر، وتوهم أَنه سَاحر، فَقَالَ: أَنا مُحَمَّد، هَات الْكتاب. فَلَمَّا قَرَأَهُ، قَالَ: مرْحَبًا بتبع الْأَخ الصَّالح، ثَلَاث مَرَّات، وَفِي سيرة ابْن إِسْحَاق: اسْمه تبان أسعد أَبُو كرب، وَهُوَ الَّذِي كسى الْبَيْت الْحَرَام، وَفِي (مغايص الْجَوْهَر فِي أَنْسَاب حمير) : كَانَ يدين بالزبور، وَفِي (مُعْجم الطَّبَرَانِيّ) : (لَا تسبوا تبعا) . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى سهل بن سعد، رَضِي اتعالى عَنهُ، إِنَّه قَالَ: (سَمِعت رَسُول الله يَقُول: لَا تسبوا تبعا فَإِنَّهُ كَانَ قد أسلم) . وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده. وَتبع، بِضَم التار الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُشَدّدَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: لقب لكل من ملك الْيمن، ككسرى لقب لكل من ملك الْفرس، وَقَيْصَر لكل من ملك الرّوم، وَقَالَ عِكْرِمَة: إِنَّمَا سمي لِكَثْرَة أَتْبَاعه، وَكَانَ يعبد النَّار، فسألم قَالَ: وَهَذَا تبع الْأَوْسَط، قَالَ: وَأقَام ملكا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة، وَقيل: ثَمَانِينَ سنة. وَقَالَ ابْن سِيرِين: هُوَ أول من كسى الْبَيْت وَملك الدُّنْيَا والأقاليم بأسرها، وَحكى الْقَاسِم بن عَسَاكِر عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ: كَانَ إِذا عرض الْخَيل قَامُوا صفا من دمشق إِلَى صنعاء، وَهَذَا بعيد إِن أَرَادَ بِهِ صنعاء الْيمن، لِأَن بَينهَا وَبَين دمشق أَكثر من شَهْرَيْن، وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ بهَا صنعاء دمشق، وَهِي قَرْيَة على بَاب دمشق من نَاحيَة

стр. 1120

بَاب الفرديس، واتصلت حيطانها بِالْعقبَةِ، وَهِي محلّة عَظِيمَة بِظَاهِر دمشق، وَذكر ابْن عَسَاكِر فِي كِتَابه: أَن تبعا هَذَا لما قدم مَكَّة وكسى الْكَعْبَة وَخرج إِلَى يثرب كَانَ فِي مائَة ألف وَثَلَاثِينَ ألفا من الفرسان، وَمِائَة ألف وَثَلَاثَة عشر ألفا من الرجالة. وَذكر أَيْضا: أَن تبعا لما خرج من يثرب مَاتَ فِي بِلَاد الْهِنْد، وَذكر السُّهيْلي: أَن دَار أبي أَيُّوب هَذِه صَارَت بعده إِلَى أَفْلح مولى أبي أَيُّوب فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ، بعد مَا خرب، الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بِأَلف دِينَار بعد حِيلَة احتالها عَلَيْهِ الْمُغيرَة، فأصلحه الْمُغيرَة وَتصدق بِهِ على أهل بَيت فُقَرَاء بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (وَيُصلي فِي مرابض الْغنم) ، المرابض جمع: مربض، وَهُوَ: مأوى الْغنم. قَوْله: (إِنَّه أَمر) بِكَسْر الْهمزَة فِي: إِن، لِأَنَّهُ كَلَام مُسْتَقْبل بِذَاتِهِ، أَي: إِن النَّبِي أَمر بِبِنَاء الْمَسْجِد، ويروى: أَمر، على بِنَاء الْمَفْعُول، فعلى هَذَا يكون الضَّمِير فِي: أَنه، للشأن، وَالْمَسْجِد: هُوَ بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا، وَهُوَ الْموضع الَّذِي يسْجد فِيهِ. وَفِي (الصِّحَاح) : الْمَسْجِد، بِفَتْح الْجِيم: مَوضِع السُّجُود، وبكسرها: الْبَيْت الَّذِي يصلى فِيهِ. وَمن الْعَرَب من يفتح فِي كلا الْوَجْهَيْنِ، وَعَن الْفراء: سمعنَا الْمَسْجِد وَالْمَسْجِد، وَالْفَتْح جَائِز وَإِن لم نَسْمَعهُ. وَفِي (الْمعَانِي) للزجاج: كل مَوضِع يتعبد فِيهِ مَسْجِد. قَوْله: (ثامنوني) بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي بيعونيه بِالثّمن، وَقَالَ بَعضهم: أَي اذْكروا لي ثمنة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : أَي قدرُوا ثمنه لأشتريه مِنْكُم وبايعوني فِيهِ. قلت: كل ذَلِك لَيْسَ تَفْسِيرا لموضوع هَذِه الْمَادَّة، وَإِن كَانَ يدل على الْمَقْصُود، وَالتَّفْسِير هُوَ الَّذِي ذكرته فِي (شرح سنَن أبي دَاوُد) وَهُوَ: أَن هَذِه اللَّفْظَة من: ثامنت الرجل، فِي البيع أثامنه، إِذا قاولته فِي ثمنه، وساومته على بَيْعه وشرائه. قَوْله: (بحائطكم) ، الْحَائِط هَهُنَا الْبُسْتَان يدل عَلَيْهِ قَوْله: (وَفِيه نخل) ، وبالنخل فَقطع، وَفِي لفظ: كَانَ مربداً، وَهُوَ الْموضع الَّذِي يَجْعَل فِيهِ التَّمْر لينشف. قَوْله: (لَا نطلب ثمنه إلَاّ إِلَى اعز وَجل) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا حَاصله: لَا نطلب ثمن المصروف فِي سَبِيل ا، وَأطلق الثّمن على سَبِيل المشاكلة. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: ر الطّلب يسْتَعْمل: بِمن، فَالْقِيَاس أَن يُقَال: إلَاّ من اقلت: مَعْنَاهُ: لَا نطلب الثّمن من أحد، لكنه مَصْرُوف إِلَى اتعالى، قلت: وَهَذَا كُله تعسف مَعَ تَطْوِيل، بل مَعْنَاهُ: لَا نطلب الثّمن إلَاّ من اتعالى، وَكَذَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَا نطلب ثمنه إلَاّ من ا. وَقد جَاءَ: إِلَى، فِي كَلَام الْعَرَب للابتداء، كَقَوْلِه: فَلَا يرْوى إِلَى ابْن أَحْمد. أَي: منى، وَيجوز أَن تكون: إِلَى هَهُنَا، على مَعْنَاهَا لانْتِهَاء الْغَايَة، وَيكون التَّقْدِير: ننهي طلب الثّمن إِلَى ا، كَمَا فِي قَوْلهم: أَحْمد إِلَيْك ا، وَالْمعْنَى: أنهِي حَمده إِلَيْك، وَالْمعْنَى لَا نطلب مِنْك الثّمن بل نتبرع بِهِ، ونطلب الثّمن أَي: الْأجر من اتعالى، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي (الصَّحِيحَيْنِ) . وَذكر مُحَمَّد بن سعد فِي (الطَّبَقَات) : على الْوَاقِدِيّ أَن النَّبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، اشْتَرَاهُ مِنْهُم بِعشْرَة دَنَانِير، دَفعهَا أَبُو بكر الصّديق. وَيُقَال: كَانَ ذَلِك مربد اليتيمين، فدعاهما النّبي صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، فساومهما ليتخذه مَسْجِدا، فَقَالَا: بل نهبه لَك يَا رَسُول ا، فَأبى رَسُول ا، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، حَتَّى ابتاعه مِنْهُمَا بِعشْرَة دَنَانِير، وَأمر أَبَا بكر أَن يعطيهما ذَلِك. وَفِي (الْمَغَازِي) لأبي معشر: فَاشْتَرَاهُ أَبُو أَيُّوب مِنْهُمَا وَأَعْطَاهُ الثّمن، فبناه مَسْجِدا. واليتيمان هما: سهل وَسُهيْل، ابْنا رَافع بن عَمْرو بن أبي عَمْرو، من بني النجار، كَانَا فِي حجر أسعد بن زُرَارَة، وَقيل: معَاذ بن عفراء، وَقَالَ معَاذ: يَا رَسُول اأنا أرضيهما، فاتخذه مَسْجِدا. وَيُقَال أَن بني النجار جعلُوا حائطهم وَقفا وَأَجَازَهُ النَّبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَاسْتدلَّ ابْن بطال بِهَذَا على صِحَة وقف الْمشَاع. وَقَالَ: وقف الْمشَاع جَائِز عِنْد مَالك، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَالشَّافِعِيّ، خلافًا لمُحَمد بن الْحسن، وَالصَّحِيح أَن بني النجار لم يوقفوا شَيْئا، بل باعوه وَوَقفه النَّبِي، فَلَيْسَ وقف مشَاع. قَوْله: (قُبُور الْمُشْركين) بِالرَّفْع بدل أَو بَيَان لقَوْله: (مَا أَقُول) . قَوْله: (وَفِيه خرب) قَالَ أَبُو الْفرج: الرِّوَايَة الْمَعْرُوفَة: (خرب) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء، جمع خربه. كَمَا يُقَال: كلمة وكلم، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: حدّثناه الخراب، بِكَسْر الْخَاء وَفتح الرَّاء وَهُوَ: جمع الخراب، وَهُوَ مَا يخرب من الْبناء فِي لُغَة بني تَمِيم، وهما لُغَتَانِ صحيحتان رويتا، وَقَالَ الْخطابِيّ: لَعَلَّ صَوَابه: خرب، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة: جمع: خربة، وَهِي الخروق فِي الأَرْض إلَاّ أَنهم يَقُولُونَهَا فِي ثقبة مستديرة فِي أَرض أَو جِدَار، قَالَ: وَلَعَلَّ الرِّوَايَة جرف جمع الجرفة، ويه جمع الجرف، كَمَا يُقَال: خرج وخرجة، وترس وترسة، وابين من ذَلِك إِن ساعدته الرِّوَايَة أَن يكون حدباً جمع حدبة، وَهُوَ الَّذِي يَلِيق بقوله: فسويت، وَإِنَّمَا يسوى الْمَكَان المحدودب أَو مَوضِع من الأَرْض فِيهِ

стр. 1121

خروق وهدوم، فَأَما الخرب فَإِنَّهَا تعمر وَلَا تسوى، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا التَّكَلُّف لَا حَاجَة إِلَيْهِ فَإِن الَّذِي ثَبت فِي الرِّوَايَة صَحِيح الْمَعْنى، كَمَا أَمر يقطع النّخل لتسوية الأَرْض، أَمر بالخرب فَرفعت رسومها وسويت موَاضعهَا لتصير جَمِيع الأَرْض مبسوطة مستوية للمصلين، وَكَذَلِكَ فعل بالقبور. وَفِي (مُصَنف) ابْن أبي شيبَة، بِسَنَد صَحِيح: وَأمر بالحرث فحرث، وَهُوَ الَّذِي زعم ابْن الْأَثِير أَنه رُوِيَ بِالْحَاء الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة، يُرِيد الْموضع المحروث للزِّرَاعَة. قلت: كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَلَكِن قيل: إِنَّه وهم. قَوْله: (وبالنخل) أَي: أَمر بِالنَّخْلِ فَقطع. قَوْله: (فصفوا النّخل) من صففت الشَّيْء صفا، وَفِي (مغازي ابْن بكير) عَن ابْن إِسْحَاق: جعلت قبْلَة الْمَسْجِد من اللَّبن، وَيُقَال: بل من حِجَارَة منضودة بَعْضهَا على بعض، وَسَيَأْتِي فِي (الصَّحِيح) : أَن الْمَسْجِد كَانَ على عَهده مَبْنِيا بِاللَّبنِ وسقفه الجريد وعمده خشب النّخل، وَلم يزدْ فِيهِ أَبُو بكر شَيْئا، وَلَعَلَّ المُرَاد بالقبلة جِهَتهَا، لَا الْقبْلَة الْمَعْهُودَة الْيَوْم، فَإِن ذَلِك لم يكن ذَلِك الْوَقْت، وَورد أَيْضا أَنه كَانَ فِي مَوضِع الْمَسْجِد الْغَرْقَد فَأمر أَن يقطع، وَكَانَ فِي المربد قُبُور جَاهِلِيَّة فَأمر بهَا رَسُول الله فنبشت، وَأمر بالعظام أَن تغيب، وَكَانَ فِي المربد مَاء مستنجل فستره حَتَّى ذهب. قَوْله: نز قَلِيل الجري، من النجل وَهُوَ: المَاء الْقَلِيل، وَجعلُوا طوله مِمَّا يَلِي الْقبْلَة إِلَى مؤخره مائَة ذِرَاع، وَفِي هذَيْن الْجَانِبَيْنِ مثل ذَلِك فَهُوَ مربع،، وَيُقَال: كَانَ أقل من الْمِائَة، وَجعلُوا الأساس قَرِيبا من ثَلَاثَة أَذْرع على الأَرْض بِالْحِجَارَةِ ثمَّ بنوه بِاللَّبنِ، وَجعل النَّبِي ينْقل مَعَهم اللَّبن وَالْحِجَارَة بِنَفسِهِ وَيَقُول: (هَذَا الْجمال لَا جمال خَيْبَر ... هَذَا أبر رَبنَا وأطهر) وَجعل قبلته إِلَى الْقُدس، وَجعل لَهُ ثَلَاثَة أَبْوَاب بَابا فِي مؤخره، وباباً يُقَال لَهُ: بَاب الرَّحْمَة، وَهُوَ الْبَاب الَّذِي يدعى بَاب العاتكة، وَالثَّالِث: الَّذِي يدْخل مِنْهُ، ﵊، وَهُوَ الْبَاب الَّذِي يَلِي آل عُثْمَان، وَجعل طول الْجِدَار قامة وبسطة، وعمده الْجُذُوع، وسقفه جريداً فَقيل لَهُ: أَلا تسقفه؟ فَقَالَ: عَرِيش كعريش مُوسَى خشيبات، وَتَمام الْأَمر أعجل من ذَلِك، وَسَيَأْتِي فِي الْكتاب عَن قريب: عَن ابْن عمر: أَن الْمَسْجِد كَانَ على عهد رَسُول الله مَبْنِيا بِاللَّبنِ وسقفه الجريد وعمده خشب النّخل، وَلم يزدْ فِيهِ أَبُو بكر شَيْئا، وَزَاد فِيهِ عمر، وبناه على بنائِهِ فِي عهد النَّبِي بِاللَّبنِ والجريد وَأعَاد عمده خشباً ثمَّ غَيره عُثْمَان فَزَاد فِيهِ زِيَادَة كَثِيرَة، وَبنى جِدَاره بحجارة منقوشة والقصة وَجعل عمده حِجَارَة منقوشة، وسقفه بالساج. وَفِي (الإكليل) ثمَّ بناه الْوَلِيد بن عبد الْملك فِي إمرة عمر بن عبد الْعَزِيز، وَفِي (الرَّوْض) : ثمَّ بناه الْمهْدي، ثمَّ زَاد فِيهِ الْمَأْمُون، ثمَّ لم يبلغنَا تغيره إِلَى الْآن. قَوْله: (عضادتيه) تَثْنِيَة: عضادة، بِكَسْر الْعين. قَالَ ابْن التياني فِي (الموعب) : قَالَ أَبُو عمر: وَهِي جَانب الْحَوْض، وَعَن صَاحب (الْعين) : أعضاد كل شَيْء مَا يشده من حواليه من الْبناء وَغَيره، مِثَال عضاد الْحَوْض، وَهِي صَفَائِح من حِجَارَة ينصبن على شفيره، وعضادتا الْبَاب مَا كَانَ عَلَيْهِمَا يطبق الْبَاب إِذا أصفق. وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري: عضادتا الْبَاب الخشبتان المنصوبتان عَن يَمِين الدَّاخِل مِنْهُ وشماله، وَزَاد الْقَزاز: فَوْقهمَا الْعَارِضَة. قَوْله: (يرتجزون) أَي: يتعاطون الرجز، من: الرجز، وَهُوَ ضرب من الشّعْر، وَقد رجز الراجز وأرجزه، وَقد اخْتلف العروضيون وَأهل الْأَدَب فِي الرجز هَل هُوَ شعر أم لَا، مَعَ اتِّفَاق أَكْثَرهم على أَن الرجز لَا يكون شعرًا، وَعَلِيهِ يحمل مَا جَاءَ من النَّبِي من ذَلِك: لِأَن الشّعْر حرَام عَلَيْهِ بِنَصّ الْقُرْآن الْعَظِيم. وَقَالَ القرطبى: الصَّحِيح فِي الرجز أَنه من الشّعْر، وَإِنَّمَا أخرجه من الشّعْر من أشكل عَلَيْهِ إنشاد النَّبِي إِيَّاه، فَقَالَ: لَو كَانَ شعرًا لما علمه. قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن من أنْشد الْقَلِيل من الشّعْر أَو قَالَه أَو تمثل بِهِ على وَجه الندور لم يسْتَحق اسْم شَاعِر، وَلَا يُقَال فِيهِ: إِنَّه يعلم الشّعْر، وَلَا ينْسب إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْن التِّين: لَا يُطلق على الرجز شعرًا، إِنَّمَا هُوَ كَلَام مرجز مسجع بِدَلِيل أَنه يُقَال لصانعه: راجز، وَلَا يُقَال: شَاعِر. وَيُقَال: أنْشد رجزاً وَلَا يُقَال أنْشد شعرًا. وَقيل: أَن مَا قَالَه الشَّاعِر لَيْسَ برجز وَلَا مَوْزُون، وَقد اخْتلف هَل يحل لَهُ الشّعْر؟ فعلى القَوْل بِنَفْي الْجَوَاز هَل يحْكى بَيْتا وَاحِدًا؟ فَقيل: لَا يتمه إلَاّ متغيراً وَأبْعد من قَالَ: الْبَيْت الْوَاحِد لَيْسَ بِشعر، وَلما ذكر قَول طرفه. (ستبدي لَك الْأَيَّام مَا كنت جَاهِلا.) قَالَ: قَالَ: (ويأتيك من لم تزَود بالأخبار) . فَقَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الم يقل هَكَذَا، وَإِنَّمَا قَالَ: (ويأتيك بالأخبار من لم تزَود.) فَقَالَ: كِلَاهُمَا سَوَاء، فَقَالَ: أشهد أَنَّك لست بشاعر، وَلَا تُحسنهُ. وَلما أنْشد، على مَا ذكرنَا، خرج أَن يكون شعرًا، وَقد قيل: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا علمناه الشّعْر﴾ (يس: ٩٦) أَي: صَنعته، وَهِي الْآلَة الَّتِي لَهُ، فَأَما أَن يحفظ مَا قَالَ النَّاس فَلَيْسَ بممتنع عَلَيْهِ. قَوْله:

стр. 1122

(وَالنَّبِيّ مَعَهم) ، جملَة حَالية، أَي: وَالنَّبِيّ يرتجز مَعَهم، وَكَذَا قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) حَال قَوْله: (اللَّهُمَّ) مَعْنَاهُ: يَا ا، وَقَالَ البصريون: اللَّهُمَّ، دُعَاء بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ إِذْ: الْمِيم، تشعر بِالْجمعِ كَمَا فِي: عَلَيْهِم، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: أَصله اأمنا بِخَير، أَي: اقصدنا، فَخفف فَصَارَ: اللَّهُمَّ قَوْله: (لَا خير إلَاّ خير الْآخِرَة) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد. (اللَّهُمَّ إِن الْخَيْر خير الْآخِرَة) . قَوْله: (فَاغْفِر للْأَنْصَار) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: (فَاغْفِر الْأَنْصَار) ، بِحَذْف: اللَّام، وَوَجهه أَن يضمن: أَغفر، معنى: اسْتُرْ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ وَشَيْخه أَيْضا، بِلَفْظ: (فانصر الْأَنْصَار) ، وَالْأَنْصَار جمع نصير، كأشراف جمع شرِيف، والنصير النَّاصِر من نَصره اعلى عدوه ينصره نصرا، والأسم: النُّصْرَة، وَسموا بذلك لأَنهم أعانوه على أعدائه وشدوا مِنْهُ، (والمهاجرة) الْجَمَاعَة المهاجرة، وهم الَّذين هَاجرُوا من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة محبَّة فِيهِ وطلباً للآخرة،، وَالْهجْرَة فِي الأَصْل من الهجر ضد الْوَصْل، وَقد هجره هجراً وهجراناً، ثمَّ غلب على الْخُرُوج من أَرض إِلَى أَرض، وَترك الأولى للثَّانِيَة. يُقَال مِنْهُ هَاجر مهاجرة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَاعْلَم أَنه لَو قرىء هَذَا الْبَيْت بِوَزْن الشّعْر يَنْبَغِي أَن يُوقف على: الْآخِرَة، والمهاجرة، إلَاّ أَنه قيل: إِنَّه قرأهما بِالتَّاءِ متحركة خُرُوجًا عَن وزن الشّعْر. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام: فِيهِ: جَوَاز الإرداف. وَفِيه: جَوَاز الصَّلَاة فِي مرابض الْغنم. وَفِيه: جَوَاز التَّصَرُّف فِي الْمقْبرَة الْمَمْلُوكَة بِالْهبةِ وَالْبيع. وَفِيه: جَوَاز نبش قُبُور الْمُشْركين لِأَنَّهُ لَا حُرْمَة لَهُم. فَإِن قلت: كَيفَ يجوز إخراجهم من قُبُورهم والقبر مُخْتَصّ بِمن دفن فِيهِ فقد جازه فَلَا يجوز بَيْعه وَلَا نَقله عَنهُ؟ قلت: تِلْكَ الْقُبُور الَّتِي أَمر النَّبِي بنبشها لم تكن أملاكاً لمن دفن فِيهَا، بل لَعَلَّهَا غصبت، فَلذَلِك بَاعهَا ملاكها وعَلى تَقْدِير التَّسْلِيم أَنَّهَا حبست فَلَيْسَ بِلَازِم، إِنَّمَا اللَّازِم تحبيس الْمُسلمين لَا الْكفَّار، وَلِهَذَا قَالَت الْفُقَهَاء: إِذا دفن الْمُسلم فِي أَرض مَغْصُوبَة يجوز إِخْرَاجه فضلا عَن الْمُشرك، وَقد يُجَاب بِأَنَّهُ دعت الضَّرُورَة وَالْحَاجة إِلَى نبشهم فَجَاز، فَإِن قلت: هَل يجوز فِي هَذَا الزَّمَان نبش قُبُور الْكفَّار ليتَّخذ مَكَانهَا مَسَاجِد؟ قلت: أجَاز ذَلِك قوم محتجين بِهَذَا الحَدِيث، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَن النَّبِي قَالَ: هَذَا قبر أبي رِغَال، وَهُوَ: أَبُو ثَقِيف، وَكَانَ من ثَمُود وَكَانَ بِالْحرم يدْفع عَنهُ، فَلَمَّا خرج أَصَابَته النقمَة فَدفن بِهَذَا الْمَكَان، وَآيَة ذَلِك أَنه دفن مَعَه غُصْن من ذهب فابتدر النَّاس فنبشوه وَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْن، قَالُوا: فَإِذا جَازَ نبشها لطلب المَال فنبشها للِانْتِفَاع بمواضعها أولى، وَلَيْسَت حرمتهم موتى بأعظم مِنْهَا وهم أَحيَاء، بل هُوَ مأجور فِي ذَلِك، وَإِلَى جَوَاز نبش قُبُورهم لِلْمَالِ ذهب الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ وَأَشْهَب بِهَذَا الحَدِيث، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: لَا يفعل، لِأَن رَسُول الله لما مر بِالْحجرِ قَالَ: (لَا تدْخلُوا بيُوت الَّذين ظلمُوا إلَاّ أَن تَكُونُوا بَاكِينَ) . فَنهى أَن يدْخل عَلَيْهِم بُيُوتهم، فَكيف قُبُورهم؟ وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: قد أَبَاحَ دُخُولهَا على وَجه الْبكاء. فَإِن قلت: هَل يجوز أَن تبنى على قُبُور الْمُسلمين؟ قلت: قَالَ ابْن الْقَاسِم: لَو أَن مَقْبرَة من مَقَابِر الْمُسلمين عفت فَبنى قوم عَلَيْهَا مَسْجِدا لم أر بذلك بَأْسا، وَذَلِكَ لِأَن الْمَقَابِر وقف من أوقاف الْمُسلمين لدفن موتاهم لَا يجوز لأحد أَن يملكهَا، فَإِذا درست وَاسْتغْنى عَن الدّفن فِيهَا جَازَ صرفهَا إِلَى الْمَسْجِد، لِأَن الْمَسْجِد أَيْضا وقف من أوقاف الْمُسلمين لَا يجوز تملكه لأحد، فمعناهما على هَذَا وَاحِد. وَذكر أَصْحَابنَا أَن الْمَسْجِد إِذا خرب ودثر وَلم يبْق حوله جمَاعَة، والمقبرة إِذا عفت ودثرت تعود ملكا لأربابها، فَإِذا عَادَتْ ملكا يجوز أَن يبْنى مَوضِع الْمَسْجِد دَارا وَمَوْضِع الْمقْبرَة مَسْجِدا وَغير ذَلِك، فَإِذا لم يكن لَهَا أَرْبَاب تكون لبيت المَال. وَفِيه: أَن الْقَبْر إِذا لم يبْق فِيهِ بَقِيَّة من الْمَيِّت وَمن ترابه الْمُخْتَلط بالصديد جَازَت الصَّلَاة فِيهِ. وَفِيه: جَوَاز قطع الْأَشْجَار المثمرة للضَّرُورَة والمصلحة إِمَّا لاستعمال خشبها أَو ليغرس موضعهَا غَيرهَا أَو لخوف سُقُوطهَا على شَيْء تتلفه أَو لاتخاذ موضعهَا مَسْجِدا، وَكَذَا قطعهَا فِي بِلَاد الْكفَّار إِذا لم يرج فتحهَا لِأَن فِيهِ نكاية وغيظاً لَهُم وإرغاماً. وَفِيه: جَوَاز الارتجاز وَقَول الْأَشْعَار وَنَحْوهَا لتنشيط النُّفُوس وتسهيل الْأَعْمَال وَالْمَشْي عَلَيْهَا. ٩٤ - (بابُ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة فِي مرابض الْغنم، وَقد ذكرنَا أَن المرابض جمع: مربض، بِكَسْر الْبَاء، لِأَنَّهُ من ربض يربض، مثل:

стр. 1123

ضرب يضْرب، يُقَال: ربض فِي الأَرْض إِذا لصق بهَا، وَأقَام ملازماً لَهَا، وَاسم الْمَكَان: مربض، وَهُوَ مأوى الْغنم، وربوض الْغنم مثل بروك الْإِبِل. وَفِي (الصِّحَاح) : ربوض الْغنم وَالْبَقر وَالْفرس وَالْكَلب مثل بروك الْإِبِل، وجثوم الطير. وَضبط بَعضهم المربض، بِكَسْر الْمِيم: وَهُوَ غلط. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب بِعَيْنِه طرف من الحَدِيث فِي الْبَاب السَّابِق لَكِن الْمَذْكُور هُنَاكَ أَنه كَانَ يحب الصَّلَاة حَيْثُ أَدْرَكته إِذا دخل وَقتهَا، سَوَاء كَانَ فِي مرابض الْغنم أَو غَيرهَا، وَالْمَذْكُور هَهُنَا: كَانَ يُصَلِّي فِي مرابض الْغنم قبل أَن يَبْنِي الْمَسْجِد. ٩٢٤ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدّثنا شعْبَةُ عنْ أبي التَّيَّاحِ عنْ أنَسٍ قَالَ كانَ النبيّ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يقُولُ كانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ قَبْلَ أنَّ يُبْنَى المَسْجِدُ. . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو التياح مضى ذكره فِي الْبَاب السَّابِق. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والعنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب أَبْوَال الْإِبِل فِي كل الْوُجُوه. قَوْله: (ثمَّ سمعته بعد يَقُول) ، قَالَ بَعضهم: هُوَ شُعْبَة، يَعْنِي: يَقُول ثمَّ سَمِعت أَبَا التياح يَقُول، بِقَيْد بعد أَن قَالَ مُطلقًا، قلت: لِمَ لَا يجوز أَن يكون الْقَائِل هُوَ أَبَا التياح سمع من أنس أَولا بِإِطْلَاق، ثمَّ سمع بِقَيْد يَعْنِي: أَبُو التياح يَقُول ثمَّ سَمِعت أنسا بعد ذَلِك القَوْل يَقُول: كَانَ يُصَلِّي إِلَى آخِره، أَشَارَ بذلك إِلَى أَن قَوْله أَولا مُطلق وَقَوله ثَانِيًا مُقَيّد، فَالْحكم أَنَّهُمَا إِذا وردا سَوَاء يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد عملا بالدليلين، وَالْمرَاد بِالْمَسْجِدِ مَسْجِد رَسُول ا، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. ٠٥ - (بابُ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الإِبِلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة فِي مَوضِع الْإِبِل، وَفِي بعض النّسخ: فِي مَوَاضِع الْإِبِل، بِالْجمعِ ثمَّ إِن البُخَارِيّ إِن إراد من مَوَاضِع الْإِبِل معاطنها فَالصَّلَاة فِيهَا مَكْرُوهَة عِنْد قوم، خلافًا لآخرين، وَإِن أَرَادَ بهَا أَعم من ذَلِك فَالصَّلَاة فِيهَا غير مَكْرُوهَة بِلَا خلاف، وعَلى كل تَقْدِير لم يذكر فِي الْبَاب حَدِيثا يدل على أحد الْفَصْلَيْنِ، وَإِنَّمَا ذكر فِيهِ الصَّلَاة إِلَى الْبَعِير وَهُوَ لَا يُطَابق التَّرْجَمَة، وَعَن هَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث بَيَان أَنه صلى فِي مَوضِع الْإِبِل، وَإِنَّمَا صلى إِلَى الْبَعِير لَا فِي مَوْضِعه، وَلَيْسَ إِذا أُنِيخ الْبَعِير فِي مَوضِع صَار ذَلِك عطناً أَو مأوىً للابل. انْتهى. قلت: لِأَن العطن اسْم لمبرك الْإِبِل عِنْد المَاء ليشْرب عللاً بعد نهل، فَإِذا استوفت ردَّتْ إِلَى المراعي، وَأجَاب بَعضهم عَن كَلَام الْإِسْمَاعِيلِيّ بقوله: إِن مُرَاده الْإِشَارَة إِلَى مَا ذكر من عِلّة النَّهْي عَن ذَلِك وَهِي كَونهَا من الشَّيَاطِين، كَأَنَّهُ يَقُول: لَو كَانَ ذَلِك مَانِعا من صِحَة الصَّلَاة لامتنع مثله فِي جعلهَا أَمَام الْمُصَلِّي، وَكَذَلِكَ صَلَاة راكبها، وَقد ثَبت أَنه، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يُصَلِّي النَّافِلَة وَهُوَ على بعيره. قلت: سُبْحَانَ اما أبعد هَذَا الْجَواب عَن موقع الْخطاب، فَإِنَّهُ مَتى ذكر عِلّة النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي معاطن الْإِبِل حَتَّى يُشِير إِلَيْهِ، وَلم يذكر شَيْئا فِي كِتَابه من أَحَادِيث النَّهْي فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا ذكره غَيره، فَمُسلم ذكر حَدِيث جَابر بن سَمُرَة من رِوَايَة جَعْفَر بن أبي ثَوْر عَنهُ: (أَن رجلا سَأَلَ رَسُول ا: أأتوضأ من لُحُوم الْغنم؟ قَالَ: إِن شِئْت فَلَا تتوضأ. قَالَ: أتوضأ من لُحُوم الْإِبِل؟ قَالَ: فَتَوَضَّأ من لُحُوم الْإِبِل. قَالَ: أُصَلِّي فِي مرابض الْغنم؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أُصَلِّي فِي مبارك الْإِبِل؟ قَالَ: لَا.) وَأَبُو دَاوُد ذكر حَدِيث الْبَراء من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى. وَفِيه: (سُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي مبارك الْإِبِل فَقَالَ: لَا تصلوا فِي مبارك الْإِبِل، فَإِنَّهَا من الشَّيَاطِين) . وَالتِّرْمِذِيّ ذكر حَدِيث أبي هُرَيْرَة من حَدِيث ابْن سِيرِين عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول ا،: (صلوا فِي مرابض الْغنم وَلَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل) . وَابْن مَاجَه ذكر حَدِيث سُبْرَة بن معبد من رِوَايَة عبد الْملك بن الرّبيع بن سُبْرَة ابْن معبد الْجُهَنِيّ أَخْبرنِي عَن أَبِيه أَن رَسُول الله قَالَ: (لَا تصلي فِي أعطان الْإِبِل وَتصلي فِي مراح الْغنم) . وَذكر ابْن مَاجَه أَيْضا حَدِيث عبد اللَّه بن مُغفل من رِوَايَة الْحسن عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (صلوا فِي مرابض الْغنم وَلَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل فَإِنَّهَا خلف من الشَّيَاطِين) . وَذكر أَيْضا حَدِيث ابْن عمر من حَدِيث محَارب بن دثار، يَقُول: سَمِعت

стр. 1124

عبد اللَّه بن عمر يَقُول: سَمِعت رَسُول ا، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (توضأوا من لُحُوم الْإِبِل) . الحَدِيث. وَفِيه: (وَلَا تصلوا فِي معاطن الْإِبِل) . وَذكر الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) حَدِيث أسيد بن حضير. قَالَ: قَالَ رَسُول ا، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم: (توضأوا من لُحُوم الْإِبِل وَلَا تصلوا فِي مناخها) . وَأخرج أَيْضا فِي (الْكَبِير) حَدِيث سليك الْغَطَفَانِي عَن النَّبِي يعلى فِي (مُسْنده) حَدِيث طَلْحَة بن عبيد اللَّه، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله يتَوَضَّأ من ألبان الْإِبِل ولحومها وَلَا يُصَلِّي فِي أعطانها) . وَذكر أَحْمد فِي (مُسْنده) حَدِيث عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَن النَّبِي: (كَانَ يُصَلِّي فِي مرابض الْغنم وَلَا يُصَلِّي فِي مرابد الْإِبِل وَالْبَقر) وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) أَيْضا وَلَفظه: (لَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل وصلوا فِي مراح الْغنم) . وَذكر الطَّبَرَانِيّ أَيْضا، من حَدِيث عقبَة بن عَامر فِي (الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) عَن النَّبِي قَالَ: (صلوا فِي مرابض الْغنم وَلَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل أَو فِي مبارك الْإِبِل) . وَذكر أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا حَدِيث يعِيش الْجُهَنِيّ الْمَعْرُوف بِذِي الْغرَّة من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَنهُ، قَالَ: (عرض أَعْرَابِي لرَسُول ا) . الحَدِيث، وَفِيه: (تدركنا الصَّلَاة وَنحن فِي أعطان الْإِبِل فنصلي فِيهَا؟ فَقَالَ رَسُول ا: لَا) . وَأخرجه أَحْمد أَيْضا. . فَهَذَا كَمَا رَأَيْت وَقع فِي مَوضِع: مبارك الْإِبِل، وَفِي مَوضِع: أعطان الْإِبِل، وَفِي مَوضِع: مناخ الْإِبِل، وَفِي مَوضِع: مرابد الْإِبِل. وَوَقع عِنْد الطَّحَاوِيّ فِي حَدِيث جَابر بن سَمُرَة: (أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول اأصلي فِي مباءة الْغنم؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أُصَلِّي فِي مباءة الْإِبِل؟ قَالَ: لَا، والمباءة الْمنزل الَّذِي تأوي إِلَيْهِ الْإِبِل) . والأعطان جمع عطن وَقد فسرناه، وَالْمبَارك جمع مبرك وَهُوَ مَوضِع بروك الْجمل فِي أَي مَوضِع كَانَ، والمناخ، بِضَم الْمِيم وَفِي آخِره خاء مُعْجمَة: الْمَكَان الَّذِي تناخ فِيهِ الْإِبِل، والمرابد هِيَ، بِالدَّال الْمُهْملَة: الْأَمَاكِن الَّتِي تحبس فِيهَا الْإِبِل وَغَيرهَا من الْبَقر وَالْغنم. وَقَالَ ابْن حزم: كل عطن فَهُوَ مبرك، وَلَيْسَ كل مبرك عطناً، لِأَن العطن هُوَ الْموضع الَّذِي تناخ فِيهِ عِنْد وُرُودهَا المَاء فَقَط، والمبرك أَعم، لِأَنَّهُ الْموضع الْمُتَّخذ لَهُ فِي كل حَال، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تكره الصَّلَاة فِي مبارك الْإِبِل ومواضعها، سَوَاء كَانَت عطناً أَو منَاخًا أَو مباءةً أَو مرابد أَو غير ذَلِك. فَدلَّ هَذَا كُله أَن عِلّة النَّهْي فِيهِ كَونهَا خلقت من الشَّيَاطِين وَلَا سِيمَا فَإِنَّهُ علل ذَلِك بقوله: (فَإِنَّهَا خلقت من الشَّيَاطِين) ، وَقد مر فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَإِنَّهَا من الشَّيَاطِين) ، وَفِي راوية ابْن مَاجَه: (فَإِنَّهَا خلقت من الشَّيَاطِين) ، فَهَذَا يدل على أَن الْإِبِل خلقت من الْجِنّ، لِأَن الشَّيَاطِين من الْجِنّ على الصَّحِيح من الْأَقْوَال، وَعَن هَذَا قَالَ يحيى بن آدم: جَاءَ النَّهْي من قبل أَن الْإِبِل يخَاف وثوبها فتعطب من تلاقي حينئذٍ أَلا ترى أَنه يَقُول: إِنَّهَا جن، وَمن جن خلقت، واستصوب هَذَا أَيْضا القَاضِي عِيَاض. وَذكروا أَيْضا أَن عِلّة النَّهْي فِيهِ من ثَلَاثَة أوجه أُخْرَى: أَحدهَا: من شريك بن عبد اللَّه أَنه كَانَ يَقُول: نهي عَن الصَّلَاة فِي أعطان الْإِبِل لِأَن أَصْحَابهَا من عَادَتهم التغوط بِقرب إبلهم وَالْبَوْل، فينجسون بذلك أعطان الْإِبِل، فَنهى عَن الصَّلَاة فِيهَا لذَلِك، لَا لعِلَّة الْإِبِل، وَإِنَّمَا هُوَ لعِلَّة النَّجَاسَة الَّتِي تمنع من الصَّلَاة فِي أَي مَوضِع مَا كَانَت، بِخِلَاف مرابض الْغنم، فَإِن أَصْحَابهَا من عَادَتهم تنظيف مواضعهم وتترك الْبَوْل فِيهَا والتغوط، فأبيحت الصَّلَاة فِي مرابضها لذَلِك، وَهَذَا بعيد جدا مُخَالف لظَاهِر الحَدِيث. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن عِلّة النَّهْي هِيَ كَون أبوالها وأرواثها فِي معاطنها، وَهَذَا أَيْضا بعيد أَيْضا لِأَن مرابض الْغنم تشركها فِي ذَلِك. وَالْوَجْه الثَّالِث: ذكره يحيى بن آدم. أَن الْعلَّة فِي اجْتِنَاب الصَّلَاة فِي معاطن الْإِبِل: الْخَوْف من قبلهَا، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، بِخِلَاف الْغنم، لِأَنَّهُ لَا يخَاف مِنْهَا مَا يخَاف من الْإِبِل. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: إِن كَانَت الْعلَّة هِيَ مَا قَالَ شريك فَإِن الصَّلَاة مَكْرُوهَة حَيْثُ يكون الْغَائِط وَالْبَوْل سَوَاء كَانَ عطنا أَو غَيره، وَإِن كَانَ مَا قَالَه يحيى، فَإِن الصَّلَاة مَكْرُوهَة حَيْثُ يخَاف على النُّفُوس، سَوَاء كَانَ عطناً أَو غَيره، وغمز بَعضهم فِي الطَّحَاوِيّ بقوله: قَالَ إِن النّظر يَقْتَضِي عدم التَّفْرِقَة بَين الْإِبِل وَالْغنم فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا، كَمَا هُوَ مَذْهَب أَصْحَابه، وَتعقب بِأَنَّهُ مُخَالف للأحاديث الصَّحِيحَة المصرحة بالتفرقة، فَهُوَ قِيَاس فَاسد الِاعْتِبَار. قلت: هَذَا الْكَلَام فَاسد الِاعْتِبَار لِأَن الطَّحَاوِيّ مَا قَالَ قطّ: إِن النّظر يَقْتَضِي عدم التَّفْرِقَة، وَإِنَّمَا قَالَ: حكم هَذَا الْبَاب من طَرِيق النّظر أَنا رأيناهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي مرابض الْغنم أَن الصَّلَاة فِيهَا جَائِزَة، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي أعطان الْإِبِل، فقد رَأينَا حكم لحْمَان الْإِبِل كَحكم لحْمَان الْغنم فِي طَهَارَتهَا، ورأينا حكم أبوالها كَحكم أبوالها فِي طَهَارَتهَا أَو نجاستها، فَكَانَ يَجِيء فِي النّظر أَيْضا أَن يكون حكم الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْإِبِل

стр. 1125

كَهُوَ فِي مَوَاضِع الْغنم قِيَاسا، ونظراً على مَا ذكرنَا، فَمن تَأمل مَا قَالَه علم أَن الْقيَاس الَّذِي ذكره لَيْسَ من جِهَة عدم التَّفْرِقَة، وَلَيْسَ هُوَ بمخالف للأحاديث الصَّحِيحَة المصرحة بالتفرقة، وَإِنَّمَا ذهب إِلَى عدم التَّفْرِقَة من حَيْثُ مُعَارضَة حَدِيث صَحِيح تِلْكَ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة. وَهُوَ قَوْله: (جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا) ، فعمومه يدل على جَوَاز الصَّلَاة فِي أعطان الْإِبِل وَغَيرهَا بعد أَن كَانَت طَاهِرَة، وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور الْعلمَاء، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَآخَرُونَ وكرهها الْحسن الْبَصْرِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَعَن أَحْمد فِي رِوَايَة مَشْهُورَة عَنهُ أَنه إِذا صلى فِي أعطان الْإِبِل فَصلَاته فَاسِدَة، وَهُوَ مَذْهَب أهل الظَّاهِر. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَا بَأْس بِالصَّلَاةِ فِيهَا. وَقَالَ أصبغ: يُعِيد فِي الْوَقْت وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) وَحمل الشَّافِعِي وَجُمْهُور الْعلمَاء النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي معاطن الْإِبِل على الْكَرَاهَة إِذا كَانَ بَينه وَبَين النَّجَاسَة الَّتِي فِي أعطانها حَائِل، فَإِن لم يكن بَينهمَا حَائِل لَا تصح صلَاته. قلت: إِذا لم يكن بَين الْمُصَلِّي وَبَين النَّجَاسَة حَائِل لَا تجوز صلَاته فِي أَي مَكَان كَانَ، وَجَوَاب آخر عَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة: إِن النَّهْي فِيهَا للتنزيه كَمَا أَن الْأَمر فِي مرابض الْغنم للْإِبَاحَة وَلَيْسَ للْوُجُوب اتِّفَاقًا وَلَا للنذب. فَإِن قلت: فِي حَدِيث الْبَراء عِنْد أبي دَاوُد: (وَسُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي مرابض الْغنم؟ فَقَالَ: صلوا فَإِنَّهَا بركَة) . وَعند الطَّبَرِيّ فِي حَدِيث عبد اللَّه بن مُغفل: (فَإِنَّهَا بركَة من الرَّحْمَن) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: (فَإِنَّهَا أقرب من الرَّحْمَة) ، وَعند الْبَزَّار من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (فَإِنَّهَا من دَوَاب الْجنَّة) . فَكل هَذَا يدل على اسْتِحْبَاب الصَّلَاة فِي مرابض لما فِيهَا من الْبركَة، وَقرب الرَّحْمَة قلت: ذكر هَذَا للترغيب فِي الْغنم لإبعادها عَن حكم الْإِبِل، إِذا وصف أَصْحَاب الْإِبِل بالغلظ وَالْقَسْوَة، وَوصف أَصْحَاب الْغنم بِالسَّكِينَةِ، وَلَا تعلق لاستحباب الصَّلَاة بمرابض الْغنم، فَإِن قلت: مرابد الْبَقر هَل تلْحق بمرابض الْغنم أم بمرابد الْإِبِل؟ قلت: ذكر أَبُو بكر بن الْمُنْذر أَنَّهَا مُلْحقَة بمرايد الْغنم، فَلَا تكره الصَّلَاة فِيهَا. فَإِن قلت: فِي حَدِيث عبد اللَّه بن عَمْرو من مُسْند أَحْمد إلحاقها بِالْإِبِلِ كَمَا تقدم قلت: فِي إِسْنَاده عبد اللَّه بن لَهِيعَة، وَالْكَلَام فِيهِ مَشْهُور. ٩١ - (حَدثنَا صَدَقَة بن الْفضل قَالَ أخبرنَا سُلَيْمَان بن حَيَّان قَالَ حَدثنَا عبيد الله عَن نَافِع قَالَ رَأَيْت ابْن عمر يُصَلِّي إِلَى بعيره وَقَالَ رَأَيْت النَّبِي ﷺ َ - يَفْعَله) قد ذكرنَا أَن هَذَا الحَدِيث يخبر أَنه يصلى إِلَى الْبَعِير لَا فِي مَوْضِعه فَلَا تطابق لَهُ للتَّرْجَمَة وَقد ذكر بَعضهم فَقَالَ كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي التَّفْرِقَة بَين الْإِبِل وَالْغنم لَيست على شَرطه لَكِن لَهَا طرق قَوِيَّة مِنْهَا حَدِيث جَابر بن سَمُرَة عِنْد مُسلم وَحَدِيث الْبَراء بن عَازِب عِنْد أبي دَاوُد وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ وَحَدِيث عبد الله بن مُغفل عِنْد النَّسَائِيّ وَحَدِيث سُبْرَة بن معبد عِنْد ابْن ماجة وفيهَا كلهَا التَّعْبِير بمعاطن الْإِبِل انْتهى (قلت) لَيْت شعري مَا وَجه هَذِه الْإِشَارَة وَبِمَا دلّ على مَا ذكر وَقَوله وفيهَا كلهَا التَّعْبِير بمعاطن الْإِبِل لَيْسَ كَذَلِك فَإِن الْمَذْكُور فِي حَدِيث جَابر بن سَمُرَة مبارك الْإِبِل وَالْمبَارك غير المعاطن لِأَن المبرك أَعم وَقد ذَكرْنَاهُ وَكَذَلِكَ الْمَذْكُور فِي رِوَايَة أبي دَاوُد لفظ الْمُبَارك. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول صَدَقَة بن الْفضل أَبُو الْفضل الْمروزِي مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَقد تقدم فِي بَاب الْعلم والعظة بِاللَّيْلِ. الثَّانِي سُلَيْمَان بن حَيَّان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون منصرفا وَغير منصرف أَبُو خَالِد الْأَحْمَر الْأَزْدِيّ الْجَعْفَرِي الْكُوفِي الإِمَام مَاتَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب كَانَ من سَادَات أهل الْمَدِينَة فضلا وَعبادَة وَتُوفِّي سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة. الرَّابِع نَافِع مولى ابْن عمر تقدم. الْخَامِس عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه القَوْل والرؤية فِي موضِعين وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وكوفي ومدني. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا يَأْتِي ذكره عَن قريب وَترْجم عَلَيْهِ بَاب الصَّلَاة إِلَى الرَّاحِلَة وَالْبَعِير وَالشَّجر والرحل عَن مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي الْبَصْرِيّ قَالَ حَدثنَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان إِلَى آخِره وَأخرجه مُسلم مُنْقَطِعًا وروى الشّطْر الأول عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن نمير عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر قَالَ ابْن أبي شيبَة كَانَ يُصَلِّي إِلَى رَاحِلَته وَقَالَ ابْن نمير صلى إِلَى بعير وروى الشّطْر الثَّانِي
следующие страницы →