← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

من طَرِيق مَحْمُود بن لبيد الْأنْصَارِيّ وَهُوَ من صغَار الصَّحَابَة قَالَ " لما أَرَادَ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِنَاء الْمَسْجِد كره النَّاس ذَلِك وأحبوا أَن يَدعُوهُ على هَيئته " أَي فِي عهد النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " حِين بنى " أَي حِين أَرَادَ عُثْمَان أَن يَبْنِي وَلم يبن عُثْمَان إنْشَاء وَإِنَّمَا وَسعه وشيده وَقد ذَكرْنَاهُ فِي بَاب بُنيان الْمَسْجِد وَقَالَ بَعضهم فَيُؤْخَذ مِنْهُ إِطْلَاق الْبناء فِي حق من جدد كَمَا يُطلق فِي حق من أنشأ أَو المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هَهُنَا بعض الْمَسْجِد من إِطْلَاق الْكل على الْبَعْض (قلت) ذكر هَذَا الْقَائِل شَيْئَيْنِ الأول مُسْتَغْنى عَنهُ فَلَا حَاجَة إِلَى ذكره وَالثَّانِي لَا يَصح لِأَنَّهُ ذكر فِي بَاب بُنيان الْمَسْجِد حَدِيث عبد الله بن عمر وَفِيه " ثمَّ غَيره عُثْمَان فَزَاد فِيهِ زِيَادَة كَثِيرَة وَبنى جِدَاره بحجارة منقوشة والقصة وَجعل عمده من حِجَارَة منقوشة وسقفه بالساج " انْتهى فَهَذَا يدل على أَنه غير الْكل وَزَاد فِيهِ يَعْنِي فِي الطول وَالْعرض وَكَانَ الْمَسْجِد مَبْنِيا بِاللَّبنِ وسقفه بِالْجَرِيدِ وعمده خشب النّخل وبناه عُثْمَان بِالْحِجَارَةِ وَجعل عمده بِالْحِجَارَةِ وسقفه بالساج فَكيف يَقُول هَذَا الْقَائِل أَو المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هُنَا بعض الْمَسْجِد فَهَذَا كَلَام من لم يتَأَمَّل ويتصرف من غير وَجه قَوْله " مَسْجِد الرَّسُول " كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي " مَسْجِد رَسُول الله ﷺ َ - " قَوْله " إِنَّكُم أَكثرْتُم " مقولة لقَوْله يَقُول ومفعوله مَحْذُوف للْعلم بِهِ وَالتَّقْدِير أَنكُمْ أَكثرْتُم الْكَلَام فِي الْإِنْكَار على فعلى قَوْله " من بنى مَسْجِدا " التَّنْوِين فِيهِ للشيوع فَيتَنَاوَل من بنى مَسْجِدا كَبِيرا أَو صَغِيرا يدل عَلَيْهِ حَدِيث أنس الَّذِي أخرجه التِّرْمِذِيّ بِهَذَا اللَّفْظ على مَا ذَكرْنَاهُ وروى ابْن أبي شيبَة حَدِيث الْبَاب عَن عُثْمَان من وَجه آخر وَزَاد فِيهِ " وَلَو كمفحص قطاة " وَفِي حَدِيث جَابر " كمفحص قطاة أَو أَصْغَر " وللعلماء فِي تَوْجِيه هَذَا قَولَانِ فَقَالَ أَكْثَرهم هَذَا مَحْمُول على الْمُبَالغَة لِأَن الْمَكَان الَّذِي تفحص القطاة عَنهُ لتَضَع فِيهِ بيضها وترقد عَلَيْهِ لَا يَكْفِي مِقْدَار للصَّلَاة فِيهِ وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث جَابر الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ على ظَاهره فَالْمَعْنى على هَذَا أَن يزِيد فِي مَسْجِد قدرا يحْتَاج إِلَيْهِ تكون تِلْكَ الزِّيَادَة على هَذَا الْقدر أَو يشْتَرك جمَاعَة فِي بِنَاء مَسْجِد فَتَقَع حِصَّة كل وَاحِد مِنْهُم ذَلِك الْقدر قيل هَذَا كُله بِنَاء على أَن المُرَاد من الْمَسْجِد مَا يتَبَادَر إِلَيْهِ الذِّهْن وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي يتَّخذ للصَّلَاة فِيهِ فَإِن كَانَ المُرَاد بِالْمَسْجِدِ مَوضِع السُّجُود وَهُوَ مَا يسع الْجِهَة فَلَا يحْتَاج إِلَى شَيْء مِمَّا ذكر (قلت) قَوْله " من بنى " يَقْتَضِي وجود بِنَاء على الْحَقِيقَة فَيحمل على الْمَسْجِد الْمَعْهُود بَين النَّاس وَيُؤَيّد ذَلِك حَدِيث أم حَبِيبَة " من بني لله بَيْتا " وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَحَدِيث عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَيْضا " من بنى لله مَسْجِدا يذكر فِيهِ اسْم الله " وكل ذَلِك يدل على أَن المُرَاد بِالْمَسْجِدِ هُوَ الْمَكَان الْمُتَّخذ لَا مَوضِع السُّجُود فَقَط وَهُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْفرْقَة الأولى وَلَكِن لَا يمْنَع إِرَادَة مَوضِع السُّجُود مجَازًا فَيدْخل فِيهِ الْمَوَاضِع المحوطة إِلَى جِهَة الْقبْلَة وفيهَا هَيْئَة الْمِحْرَاب فِي طرقات الْمُسَافِرين وَالْحَال أَنَّهَا لَيست كالمساجد المبنية بالجدران والسقوف وَرُبمَا يَجْعَل مِنْهَا مَوضِع فِي غَايَة الصغر يدل عَلَيْهِ حَدِيث أبي قرصافة الَّذِي ذَكرْنَاهُ قَوْله " قَالَ بكير حسبت أَنه " أَي أَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة وَهُوَ شَيْخه الَّذِي روى عَنهُ هَذَا الحَدِيث قَالَ فِي رِوَايَته " يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله " وَهَذِه الْجُمْلَة مدرجة مُعْتَرضَة وَقعت فِي الْبَين وَلم يجْزم بهَا بكير فَلذَلِك ذكرهَا بالحسبان وَلَيْسَت هَذِه الْجُمْلَة فِي رِوَايَة جَمِيع من روى هَذَا الحَدِيث فَإِن لَفظهمْ فِيهِ " من بني لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ مثله فِي الْجنَّة " فَكَأَن بكير أنسى لَفْظَة الله فَذكرهَا بِالْمَعْنَى فَإِن معنى قَوْله " لله " يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله لاشْتِرَاكهمَا فِي الْمَعْنى الْمَقْصُود وَهُوَ الْإِخْلَاص ثمَّ إِن لَفْظَة يَبْتَغِي بِهِ على تَقْدِير ثُبُوتهَا فِي كَلَام الرَّسُول تكون حَالا من فَاعل بنى وَالْمرَاد بِوَجْه الله ذَات الله وابتغاء وَجه الله فِي الْعَمَل هُوَ الْإِخْلَاص وَهُوَ أَن تكون نِيَّته فِي ذَلِك طلب مرضاة الله تَعَالَى من دون رِيَاء وَسُمْعَة حَتَّى قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ من كتب اسْمه على الْمَسْجِد الَّذِي يبنيه كَانَ بَعيدا من الْإِخْلَاص (فَإِن قلت) فعلى هَذَا لَا يحصل الْوَعْد الْمَخْصُوص لمن يبنيه بِالْأُجْرَةِ لعدم الْإِخْلَاص (قلت) الظَّاهِر هَذَا وَلكنه يُؤجر فِي الْجُمْلَة يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم من حَدِيث عقبَة بن عَامر مَرْفُوعا " أَن الله يدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة الْجنَّة صانعه الْمُحْتَسب فِي صَنعته والرامي بِهِ والممد بِهِ " فَقَوله " الْمُحْتَسب فِي صَنعته " هُوَ من يقْصد بذلك إِعَانَة الْمُجَاهِد وَهُوَ أَعم من أَن يكون مُتَطَوعا بذلك أَو بِأُجْرَة لَكِن الْإِخْلَاص لَا يكون إِلَّا من المتطوع (فَإِن قلت) قَوْله " من بنى " حَقِيقَته أَن يُبَاشر الْبناء بِنَفسِهِ ليحصل لَهُ الْوَعْد الْمَخْصُوص فَلَا يدْخل فِيهِ الْأَمر بذلك (قلت) يتَنَاوَل الْأَمر أَيْضا بنيته " والأعمال بِالنِّيَّاتِ " (فَإِن قلت) يلْزم من ذَلِك الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَهُوَ

стр. 1157

مُمْتَنع (قلت) لَا امْتنَاع فِيهِ عِنْد الشَّافِعِي وَأما عِنْد غَيره فبعموم الْمجَاز وَهُوَ أَن يحمل الْكَلَام على معنى مجازي يتَنَاوَل الْحَقِيقَة وَهَذَا يُسمى عُمُوم الْمجَاز وَلَا نزاع فِي جَوَاز اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي معنى مجازي يكون الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ من أَفْرَاده كاستعمال الدَّابَّة عرفا فِيمَا يدب على الأَرْض وَمِثَال ذَلِك فِيمَن أوصى لأبناء زيد مثلا وَله أَبنَاء وَأَبْنَاء أَبنَاء يسْتَحق الْجَمِيع عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد عملا بِعُمُوم الْمجَاز حَيْثُ يُطلق الْأَبْنَاء على الْفَرِيقَيْنِ قَوْله " بنى الله لَهُ " إِسْنَاد الْبناء إِلَى الله مجَازًا اتِّفَاقًا قطعا (فَإِن قلت) إِظْهَار الْفَاعِل فِيهِ لماذا (قلت) لِأَن فِي تكْرَار اسْمه تَعْظِيمًا وتلذذا للذاكر قَالَ الشَّاعِر (أعد ذكر نعْمَان لنا أَن ذكره ... هُوَ الْمسك مَا كررته يتضوع) وَقَالَ بَعضهم لِئَلَّا تتنافر الضمائر أَو يتَوَهَّم عوده على باني الْمَسْجِد (قلت) كلا الْوَجْهَيْنِ غير صَحِيح أما الأول فَلِأَن التنافر إِنَّمَا يكون إِذا كَانَت الضمائر كَثِيرَة وَأما الثَّانِي فَمَمْنُوع قطعا للقرينة الحالية والمقالية قَوْله " مثله " مَنْصُوب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف أَي بِنَاء مثله والمثل فِي اللُّغَة الشّبَه يُقَال هَذَا الشَّيْء مثل هَذَا أَي شبهه قَالَ الْجَوْهَرِي مثل كلمة تَسْوِيَة يُقَال هَذَا مثله وَمثله كَمَا تَقول شبهه وَشبهه وَعند أهل الْمَعْقُول الْمُمَاثلَة بَين الشَّيْئَيْنِ هُوَ الِاتِّحَاد فِي النَّوْع كاتحاد زيد وَعَمْرو فِي الإنسانية وَإِذا كَانَ فِي الْجِنْس يُسمى مجانسة كاتحاد الْإِنْسَان مَعَ الْفرس فِي الحيوانية وَقد اخْتلفُوا فِي المُرَاد بالمثلية هَهُنَا فَقَالَ قوم مِنْهُم ابْن الْعَرَبِيّ يَعْنِي مثله فِي الْمِقْدَار والمساحة (قلت) يرد هَذَا حَدِيث عبد الله بن عَمْرو " بَيْتا أوسع مِنْهُ " وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث أَسمَاء وَأبي أُمَامَة على مَا ذَكرنَاهَا وَقَالَ قوم مثله فِي الْجَوْدَة والحصانة وَطول الْبَقَاء (قلت) هَذَا لَيْسَ بِشَيْء على مَا لَا يخفى مَعَ أَنه ورد فِي حَدِيث وَاثِلَة عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ " بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أفضل مِنْهُ " وَقَالَ صَاحب الْمُفْهم هَذِه المثلية لَيست على ظَاهرهَا وَإِنَّمَا يعْنى أَنه يَبْنِي لَهُ بثوابه بَيْتا أشرف وَأعظم وَأَرْفَع وَقَالَ النَّوَوِيّ يحْتَمل قَوْله " مثله " أَمريْن أَحدهمَا أَن يكون مَعْنَاهُ بنى الله لَهُ مثله فِي مُسَمّى الْبَيْت وَأما صفته فِي السعَة وَغَيرهَا فمعلوم فَضلهَا فَإِنَّهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر وَالثَّانِي أَن مَعْنَاهُ أَن فَضله على بيُوت الْجنَّة كفضل الْمَسْجِد على بيُوت الدُّنْيَا (قلت) الْوَجْه الثَّانِي لَا يَخْلُو عَن بعد وَقَالَ بعض شرَّاح التِّرْمِذِيّ وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ أَن يُنَبه بقوله " مثله " على الحض على الْمُبَالغَة فِي إِرَادَة الِانْتِفَاع بِهِ فِي الدُّنْيَا فِي كَونه ينفع الْمُصَلِّين ويكنهم عَن الْحر وَالْبرد وَيكون فِي مَكَان يحْتَاج إِلَيْهِ وَيكثر الِانْتِفَاع بِهِ ليقابل الِانْتِفَاع بِهِ فِي الدُّنْيَا انتفاعه هُوَ بِمَا يبْنى لَهُ فِي الْجنَّة. وَقَالَ صَاحب الْمُفْهم وَهَذَا الْبَيْت وَالله أعلم مثل بَيت خَدِيجَة الَّذِي بشرت بِهِ بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب يُرِيد من قصب الزمرد والياقوت (قلت) قد ذكرنَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة من (١) عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان " بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة من در (٢) وَيَاقُوت " (فَإِن قلت) قَالَ الله تَعَالَى ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ فَمَا معنى التَّقْيِيد بِمثلِهِ (قلت) أجابوا عَن هَذَا بأجوبة. الأول مَا قَالَه بَعضهم أَنه ﷺ َ - قَالَه قبل نزُول هَذِه الْآيَة (قلت) هَذَا بعيد وَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا بالتاريخ. الثَّانِي أَن المثلية إِنَّمَا هِيَ بِحَسب الكمية وَالزِّيَادَة بِحَسب الْكَيْفِيَّة (قلت) المثلية بِحَسب الكمية تسمى مُسَاوَاة كاتحاد مِقْدَار مَعَ آخر فِي الْقدر وَفِي الْكَيْفِيَّة تسمى مشابهة. الثَّالِث أَن التَّقْيِيد بِهِ لَا يَنْفِي الزِّيَادَة واستبعده بَعضهم وَلَيْسَ بِبَعِيد. الرَّابِع أَن الْمَقْصُود مِنْهُ بَيَان الْمُمَاثلَة فِي أَن أَجزَاء هَذِه الْحَسَنَة من جنس الْعَمَل لَا من غَيره وَعِنْدِي جَوَاب فتح لي بِهِ من الْأَنْوَار الالهية وَهُوَ أَن المجازاة بِالْمثلِ عدل مِنْهُ وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ بِحَسب الْكَيْفِيَّة والكمية فضل مِنْهُ قَوْله " فِي الْجنَّة " قَالَ بَعضهم هُوَ مُتَعَلق ببنى أَو هُوَ حَال من قَوْله مثله (قلت) لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف وَقع صفة لمثله وَالتَّقْدِير بنى الله لَهُ مثله كَائِنا فِي الْجنَّة وَكَيف يكون حَالا من مثله وَشرط الْحَال أَن يكون من معرفَة كَمَا عرف فِي مَوْضِعه وَلَفظ مثل لَا يتعرف وَإِن أضيف ٦٦ - (بابٌ يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الشَّخْص يَأْخُذ بنصول السِّهَام إِذا مر فِي مَسْجِد من الْمَسَاجِد، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِئَلَّا يَقع لفظ: بَاب ضائعاً، وَأَيْضًا فِيهِ بَيَان أَن الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: يَأْخُذ، يرجع إِلَى هَذَا الْمُقدر، لِئَلَّا يكون إضماراً قبل الذّكر، وليلتئم التَّرْكِيب، وَلم: أر أحدا من الشُّرَّاح يذكر شَيْئا فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع، مَعَ أَن فيهم من يَدعِي دعاوي عريضة فِي هَذَا الْبَاب

стр. 1158

وَلَيْسَ لَهُ حَظّ من هَذِه الدقائق. والنصول: جمع نصل. قَالَ الْجَوْهَرِي: النصل نصل السهْم وَالسيف وَالرمْح، وَالْجمع نصول ونصال. والنبل، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره لَام: السِّهَام الْعَرَبيَّة، وَهِي مُؤَنّثَة لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَجَوَاب: إِذا، هُوَ قَوْله: يَأْخُذ مقدما. ١٥٤١١١ - ح دّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدّثنا سُفْيَانُ قَالَ قلْتُ لِعَمْرٍ وأسَمِعْتَ جابرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ مرَّ رَجُلٌ فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهامٌ فَقَالَ لهُ رَسولُ اللَّهِ أمْسِكْ بنصَالِها. (الحَدِيث ١٥٤ طرفاه فِي: ٣٧٠٧، ٤٧٠٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ، أَمر بإمساك النصال عِنْد الْمُرُور فِي الْمَسْجِد. ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة. الأول: قُتَيْبَة بن سعيد. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: جَابر بن عبد االأنصاري. ذمر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: السُّؤَال عَن السماع بطرِيق الِاسْتِفْهَام، وَلم يذكر لَهُ جَوَاب، قَالَ ابْن بطال. فَإِن قيل: حَدِيث جَابر لَا يظْهر فِيهِ الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ لم ينْقل أَن عمرا قَالَ لَهُ: نعم. قُلْنَا: قد ذكر البُخَارِيّ فِي غير كتاب الصَّلَاة أَنه قَالَ: نعم، فَبَان بقوله: نعم، إِسْنَاد الحَدِيث. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذِه مَسْأَلَة اخْتلف فِيهَا المحدثون، فَمنهمْ من شَرط النُّطْق إِذا قَالَ لَهُ التلميذ: أخْبرك فلَان بِكَذَا وَكَذَا، وَمِنْهُم من لم يتشرط، وَذكر البُخَارِيّ فِي مَوضِع آخر عَن عَليّ بن عبد اعن سُفْيَان، فَقَالَ: نعم. انْتهى. قلت: الْمَذْهَب الرَّاجِح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْمُحَقِّقين مِنْهُم البُخَارِيّ أَن قَول الشَّيْخ: نعم، لَا يشْتَرط، بل يَكْتَفِي بسكوت الشَّيْخ إِذا كَانَ متيقظاً، فعلى هَذَا فالإسناد فِي حَدِيث جَابر ظَاهر، وَمَعَ ذَلِك فقد جَاءَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ أَنه قَالَ لَهُ: نعم، فَانْقَطع النزاع. وَقَالَ بَعضهم: حُكيَ عَن رِوَايَة الْأصيلِيّ أَنه ذكره فِي حَدِيثه، فَقَالَ: نعم، وَلم أره فِيهَا، قلت: عدم رُؤْيَته لَا يسْتَلْزم عدم الرِّوَايَة عَنهُ. فَإِن لم يره هُوَ فقد حكى من هُوَ أكبر مِنْهُ أَنه رُوِيَ عَنهُ لفظ. نعم. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عَليّ بن عبد ا. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عبد ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن هِشَام بن عمار سبعتهم، عَنهُ بِهِ، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو عَن جَابر، وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى وَأبي الرّبيع عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن لَيْث بن سعد عَن أبي الزبير عَن جَابر: (أَن النَّبِي أَمر رجلا كَانَ يتَصَدَّق بِالنَّبلِ فِي الْمَسْجِد أَن لَا يمر بهَا إلَاّ وَهُوَ آخذ بنصولها) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي الْبِلَاد عَن مُحَمَّد بن عبد ا، قَالَ: (كُنَّا عِنْد أبي سعيد الْخُدْرِيّ، فَقلب رجل نبْلًا فَقَالَ أَبُو سعيد: أما كَانَ هَذَا يعلم أَن رَسُول الله نهى عَن تقليب السِّلَاح وسله) يَعْنِي فِي الْمَسْجِد. وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث زيد بن جُبَير، وَهُوَ ضَعِيف، عَن دَاوُد بن الْحصين عَن نَافِع عَن ابْن عمر يرفعهُ: (خِصَال لَا تنبغي فِي الْمَسْجِد: لَا يتَّخذ طَرِيقا، وَلَا يشهر فِيهِ سلَاح، وَلَا ينبض فِيهِ بقوس، وَلَا ينثر فِيهِ نبل، وَلَا يمر فِيهِ بِلَحْم نيء، وَلَا يضْرب فِيهِ حد، وَلَا يقْتَصّ فِيهِ من أحد، وَلَا يتَّخذ سوقاً) . وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث الْحَارِث بن نَبهَان، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث، عَن عتبَة بن يقظان، وَهُوَ غير ثِقَة، عَن أبي سعيد، وَهُوَ مَجْهُول الْحَال وَالْعين، عَن مَكْحُول عَن وَاثِلَة، وَأنكر سَمَاعه عَنهُ ابْن مسْهر وَالْحَاكِم. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الْأَوْسَط) سمع مِنْهُ أَن النَّبِي قَالَ: (جَنبُوا مَسَاجِدنَا صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ وشراءكم وَبَيْعكُمْ وَخُصُومَاتكُمْ وَرفع أَصْوَاتكُم وَإِقَامَة حُدُودكُمْ وسل سُيُوفكُمْ، وَاتَّخذُوا على أَبْوَابهَا الْمَطَاهِر وَجَمِّرُوهَا فِي الْجمع) . وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (نزهوا الْمَسَاجِد وَلَا تتخذوها طرقاً، وَلَا تمر فِيهِ حَائِض، وَلَا يقْعد فِيهِ جنب إلَاّ عابري سَبِيل، وَلَا ينثر فِيهِ نبل، وَلَا يسل فِيهِ سيف، وَلَا يضْرب بِهِ حد، وَلَا ينشد فِيهِ شعر. فَإِن أنْشد قيل: فض افاك) . ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: تَأْكِيد حُرْمَة الْمُسلمين، لِأَن الْمَسَاجِد مورودة بالخلق لَا سِيمَا فِي أَوْقَات الصَّلَاة، وَهَذَا التَّأْكِيد من النَّبِي لِأَنَّهُ خشِي أَن يُؤْذى بهَا أحد. وَفِيه: كريم خلقه ورأفته بِالْمُؤْمِنِينَ. وَفِيه: التَّعْظِيم لقَلِيل الدَّم وَكَثِيره. وَفِيه: أَن الْمَسْجِد يجوز فِيهِ إِدْخَال السِّلَاح. ٧٦ -

стр. 1159

(بابُ المرُورِ فِي المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب بَيَان جَوَاز الْمُرُور بِالنَّبلِ فِي الْمَسْجِد إِذا أمسك نصاله. وَفِي هَذِه التَّرْجَمَة نوع قُصُور على مَا لَا يخفى. ٢٥٤٢١١ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدّثنا أبُو بُرْدَةَ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ عنِ النبيِّ قَالَ مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ منْ مَسَاجِدِنا أوْ أسْواقِنَا بِنَبْلٍ فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِها لَا يَعْقِرْ بَكَفِّهِ مُسْلِماً. (الحَدِيث ٢٥٤ طرفه فِي: ٥٧٠٧) . وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من مر) ، فَإِنَّهُ صرح فِيهِ بِلَفْظ الْمُرُور، وَجعله شرطا، ورتب عَلَيْهِ الْجَزَاء، وَهُوَ قَوْله: (فليأخذ) ، فَدلَّ هَذَا على جَوَاز الْمُرُور فِي الْمَسْجِد بنبل يَأْخُذ نصاله، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن سُؤال الْكرْمَانِي، حَيْثُ قَالَ: فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيص هَذَا الحَدِيث يَعْنِي حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بِهَذَا الْبَاب، وَهُوَ قَوْله: بَاب الْمُرُور فِي الْمَسْجِد، وَتَخْصِيص الحَدِيث السَّابِق يَعْنِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور بِالْبَابِ السَّابِق وَهُوَ قَوْله: بَاب يَأْخُذ بنصول النبل إِذا مر فِي الْمَسْجِد، أَن كلاًّ من الْحَدِيثين يدل على كل من الترجمتين؟ وَتَقْرِير الْجَواب: هُوَ أَنه نظر إِلَى لفظ الرَّسُول حَيْثُ لم يكن فِي الأول لفظ الْمُرُور، فِي لفظ الرَّسُول، وَفِي الثَّانِي ذكره مَقْصُودا بِالْوَجْهِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة. الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، وَقد مر فِي بَاب كتاب الْوَحْي. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي الْمُعْجَمَة بعْدهَا الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد مر فِي بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان. الثَّالِث: أَبُو بردة، بِضَم، الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، واسْمه: بريد، مصغر برد ضد الْحر: ابْن عبد ا. الرَّابِع: أَبُو بردة الثَّانِي، واسْمه: عَامر، وَهُوَ جد أبي بردة الأول. الْخَامِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ واسْمه: عبد ابْن قيس. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن جده وَهُوَ أَبُو بردة الأول يروي عَن أبي بردة الثَّانِي، وَهُوَ جده، كَأَنَّهُ قَالَ: سَمِعت جدي يروي عَن أَبِيه. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه الصَّحَابِيّ، وَهُوَ رِوَايَة أبي بردة. الثَّانِي: عَن أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي كريب وَأبي عَامر عبد ابْن أبي براد الْأَشْعَرِيّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أبي كريب فِي الْجِهَاد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن أبي أُسَامَة بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه. قَوْله: (من مر) ، كلمة: من، مَوْصُولَة تَضَمَّنت معنى الشَّرْط فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَخَبره هُوَ. قَوْله: (فليأخذ) . قَوْله: (أَو أسواقنا) كلمة؛ أَو، للتنويع من الشَّارِع وَلَيْسَت للشَّكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (بنبل) ، الْبَاء، فِيهِ للمصاحبة مَعْنَاهُ: من مر مصاحباً للنبل، وَلَيْسَت: الْبَاء، فِيهِ مثل: الْبَاء فِي قَوْلك: بزيد، فَإِنَّهَا للإلصاق. قَوْله: (على نصالها) ضمنت كلمة الْأَخْذ هُنَا معنى الاستعلاء للْمُبَالَغَة فعديت بعلى، وإلَاّ فَالْوَجْه أَن يعدى الْأَخْذ: بِالْبَاء. قَوْله: (لَا يعقر) أَي: لَا يجرح، وَهُوَ مَرْفُوع، وَيجوز الْجَزْم نظرا إِلَى أَنه جَوَاب الْأَمر. قَوْله: (بكفه) : الْبَاء، فِيهِ تتَعَلَّق بقوله: (فليأخذ) لَا بقوله: (لَا يعقر) فَإِن الْعقر بالكف لَا يتَصَوَّر، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (فليأخذ على نصالها بكفه لَا يعقر مُسلما) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يُرَاد مِنْهُ كف النَّفس أَي: لَا يعقر بكفه نَفسه عَن الْأَخْذ أَي: لَا يجرح بِسَبَب تَركه أَخذ النصال مُسلما. قلت: لَا يبعد هَذَا الِاحْتِمَال، وَلَكِن الأول رَاجِح وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي أُسَامَة: (فليمسك على نصالها بكفه أَن يُصِيب أحدا من الْمُسلمين) . وَله من طَرِيق ثَابت عَن أبي بردة: (فليأخذ بنصالها) ثمَّ ليَأْخُذ بنصالها، ثمَّ ليَأْخُذ بنصالها) . [/ بشر ٨٦ - (بابُ الشِّعْرِ فِي المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشّعْر فِي الْمَسْجِد، وَفِي بعض النّسخ بَاب إنشاد الشّعْر فِي الْمَسْجِد.

стр. 1160

٣٥٤٣١١ - ح دّثنا أبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بنُ نافِعٍ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَن الزهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوفٍ أنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بنَ ثابِتٍ الأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهدُ أَبَا هُرَيْرَةَ أنْشُدُكَ اللَّهَ هلْ سَمِعْتَ النبيَّ يَقُولُ يَا حَسَّانُ أجِبْ عنْ رَسولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ نَعَمْ. (الحَدِيث ٣٥٤ طرفاه فِي: ٢١٢٣، ٢٥١٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة هَهُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صَرِيحًا أَنه كَانَ فِي الْمَسْجِد، والترجمة هُوَ الشّعْر فِي الْمَسْجِد، وَلَكِن البُخَارِيّ روى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب بَدْء الْخلق وَفِيه التَّصْرِيح أَنه كَانَ فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ: حدّثنا عَليّ بن عبد احدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب، قَالَ: (مر عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، فِي الْمَسْجِد وَحسان ينشد، فلحظ إِلَيْهِ. قَالَ: كنت أنْشد فِيهِ وَفِيه من هُوَ خير مِنْك، ثمَّ الْتفت إِلَى أبي هُرَيْرَة فَقَالَ: أنْشدك با أسمعته، يَقُول: أجب عني، اللَّهُمَّ أيده بِروح الْقُدس؟ قَالَ: نعم) . وهما حَدِيث وَاحِد، وَيُقَال: إِن الشّعْر الْمُشْتَمل على الْحق مَقْبُول بِدَلِيل دُعَاء النَّبِي، لحسان على شعره، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يمْنَع فِي الْمَسْجِد كَسَائِر الْكَلَام المقبول، وَمُرَاد البُخَارِيّ من وضع هَذِه التَّرْجَمَة هُوَ الْإِشَارَة إِلَى جَوَاز الشّعْر المقبول فِي الْمَسْجِد، والْحَدِيث يدل على هَذَا بِهَذَا الْوَجْه، فَيَقَع التطابق بَين الحَدِيث والترجمة لَا محَالة. فَإِن قلت: لم يَصح سَماع أبي سَلمَة وَلَا سَماع سعيد من عمر، وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ لما أنكرهُ عمر على حسان. قلت: الْأَمر كَذَلِك، لَكِن يحمل ذَلِك على أَن سعيداً سمع ذَلِك من أبي هُرَيْرَة بعد، أَو سمع ذَلِك من حسان، أَو وَقع لحسان استشهاد أبي هُرَيْرَة مرّة أُخْرَى، فَحَضَرَ ذَلِك سعيد، وَيُؤَيّد هَذَا سِيَاق حَدِيث الْبَاب، فَإِن فِيهِ: إِن أَبَا سَلمَة سمع حسانا يستشهد أَبَا هُرَيْرَة، وَأَبُو سَلمَة لم يدْرك زمن مُرُور عمر أَيْضا فَإِنَّهُ أَصْغَر من سعيد، فَدلَّ على تعدد الاستشهاد. غَايَة مَا فِي الْبَاب هُنَا أَن يكون سعيد أرسل قصَّة الْمُرُور ثمَّ سمع بعد ذَلِك استشهاد حسان لأبي هُرَيْرَة وَهُوَ مَرْفُوع مَوْصُول بِلَا تردد. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: أَبُو الْيَمَان، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة وَاسم أبي حَمْزَة: دِينَار الْحِمصِي. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة، وَهَؤُلَاء تقدمُوا فِي بَاب كتاب الْوَحْي. الْخَامِس: حسان بن ثَابت بن الْمُنْذر بن الْحَرَام، ضد الْحَلَال، الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، شَاعِر رَسُول ا، من فحول شعراء الْإِسْلَام والجاهلية، وعاش كل وَاحِد مِنْهُم مائَة وَعشْرين سنة وَقَالَ أَبُو نعيم: لَا يعرف فِي الْعَرَب أَرْبَعَة تَنَاسَلُوا من صلب وَاحِد واتفقت مدد أعمارهم هَذَا الْقدر غَيرهم، وعاش حسان فِي الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ سنة وَفِي الْإِسْلَام كَذَلِك، مَاتَ سنة خمسين بِالْمَدِينَةِ. فَإِن قلت: هُوَ منصرف أَو غير منصرف قلت: إِن كَانَ مشتقاً من: الْحسن، فَهُوَ منصرف، وَإِن كَانَ من: الْحس، فَغير منصرف. فَافْهَم. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، وَقد تكَرر ذكره. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث يعد من مُسْند حسان أَو من مُسْند أبي هُرَيْرَة؟ قلت: لم يذكر أَبُو مَسْعُود والْحميدِي وَغَيرهمَا أَن لحسان بن ثَابت رِوَايَة فِي هَذَا الحَدِيث، وَلَا ذكرُوا لَهُ حَدِيثا مُسْندًا، وَإِنَّمَا أوردوا هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة، وَخَالف خلف فَذكره فِي مُسْند حسان، وَأَنه روى عَن النَّبِي، هَذَا الحَدِيث، وَذكر فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة أَن البُخَارِيّ أخرجه فِي الصَّلَاة عَن أبي الْيَمَان، وَذكر ابْن عَسَاكِر لحسان حديثين مسندين: أَحدهمَا هَذَا، وَذكر أَنه فِي (سنَن أبي دَاوُد) من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: وَلَيْسَ فِي حَدِيثه استشهاد حسان بِهِ، وَأَنه فِي النَّسَائِيّ مرّة بالاستشهاد، وَمرَّة من حَدِيث سعيد عَن عمر بِعَدَمِهِ، ثمَّ أوردهُ فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ، من طَرِيق أبي سَلمَة عَنهُ. وَفِي كتاب (من عَاشَ مائَة وَعشْرين) لِابْنِ مَنْدَه: من حَدِيث عبيد ابْن عبد اعن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: مر عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، بِحسان ... . الحَدِيث، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَسَعِيد لم يَصح سَمَاعه من عمر، وَإِن كَانَ سمع ذَلِك من حسان فمتصل. ذكر لطائف إِسْنَاده. فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وَكَذَلِكَ الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين حمصي ومدني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه

стр. 1161

البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَفِي الْأَدَب أَيْضا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أَخِيه أبي بكر، وَفِيه أَيْضا عَن أبي الْيَمَان، كَمَا أخرجه هَهُنَا. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن يحيى وَعمر بن مُحَمَّد النَّاقِد، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن عبد ابْن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ عَن أبي الْيَمَان بِهِ، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن رَافع وَعبد بن حميد، ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي خلف، وَأحمد بن عَبدة، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن أَحْمد بن صَالح عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة، وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن مَنْصُور فرقهما، كِلَاهُمَا عَن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ، وَأخرجه أَيْضا عَن خَمْسَة أنفس، وَأخرجه أَيْضا فِي الْقَضَاء عَن مُحَمَّد بن عبد ابْن بزيغ عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن شُعْبَة عَن عدي بن ثَابت عَن الْبَراء بن عَازِب عَن حسان بن ثَابت قَالَ: قَالَ لي رَسُول ا: (أهجهم أَو: هاجهم) ، يَعْنِي الْمُشْركين، (وجبرائيل مَعَك) ، رَوَاهُ سُفْيَان بن حبيب عَن شُعْبَة فَجعله من مُسْند الْبَراء رَضِي اتعالى عَنهُ. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (يستشهد أَبَا هُرَيْرَة) أَي: يطْلب مِنْهُ الشَّهَادَة. ومحلها النصب على الْحَال من حسان، فَإِن قيل: لَا بُد فِي الشَّهَادَة من نِصَاب فَكيف ثَبت غَرَض حسان بِشَهَادَة أبي هُرَيْرَة فَقَط؟ أُجِيب: بِأَن هَذِه رِوَايَة حكم شَرْعِي، ويكتفى فِيهَا عدل وَاحِد. وَأطلق الشَّهَادَة على سَبِيل التَّجَوُّز لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة إِخْبَار، فَيَكْفِي فِيهِ عدل وَاحِد، كَمَا بَين ذَلِك فِي مَوْضِعه. قَوْله: (أنْشدك ا) ، بِفَتْح الْهمزَة وَضم الشين: مَعْنَاهُ سَأَلتك با. قَالَ الْجَوْهَرِي: نشدت فلَانا أنْشدهُ نشداً إِذا قلت لَهُ: نشدتك ا، أَي: سَأَلتك با، كَأَنَّك ذكرته، إِيَّاه، فنشد أَي تذكر. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال: نشدتك اوأنشدك اوبا، وناشدتك اأي: سَأَلتك وَأَقْسَمت عَلَيْك، ونشدته نشدة ونشداناً ومناشدة، وتعديته إِلَى مفعولين إِمَّا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة دَعَوْت، حَيْثُ قَالُوا: نشدتك اوبا، كَمَا قَالُوا: دَعَوْت زيدا وبزيد، أَو لأَنهم ضمنوه معنى ذكرت. وَأما: أنشدتك با فخطأ. قَوْله: (أجب عَن رَسُول ا) وَفِي رِوَايَة سعيد: (أجب عني) ، وَمعنى الأول: أجب الْكفَّار عَن جِهَة رَسُول ا، وَلَفظ: جِهَة، مُقَدّر، وَيجوز أَن يضمن: أجب معنى: إدفع، وَالْمعْنَى: إدفع عَن رَسُول ا. وَيحْتَمل أَن يكون الأَصْل رِوَايَة سعيد، وَهِي: أجب عني، ثمَّ نقل حسان ذَلِك بِالْمَعْنَى. وَزَاد فِيهِ لَفْظَة؛ رَسُول ا، تَعْظِيمًا لَهُ، وَيحْتَمل أَن تكون تِلْكَ لَفْظَة رَسُول ا، بِعَيْنِه لأجل المهابة وتقوية لداعي الْمَأْمُور، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذا عزمت فتوكل على ا﴾ (آل عمرَان: ٩٥١) وكما يَقُول الْخَلِيفَة: أَمِير الْمُؤمنِينَ يرسم لَك، لِأَن فِيهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وتقوية للْمَأْمُور ومهابة بِخِلَاف، قَوْله؛ أَنا أرسم. وَالْمرَاد بالإجابة: الرَّد على الْكفَّار الَّذين هجوا رَسُول ا. قَوْله: (اللَّهُمَّ أيده) هَذَا دُعَاء من رَسُول ا، لحسان، دَعَا لَهُ بالتأييد، وَهُوَ الْقُوَّة على الْكفَّار. قَوْله: (بِروح الْقُدس) : الْبَاء: فِيهِ تتَعَلَّق بقوله: أيده، وَالْمرَاد: بِروح الْقُدس، هُنَا جِبْرِيل ﵇، يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث الْبَراء بِلَفْظ: وَجِبْرِيل مَعَك. والقدس، بِضَم الْقَاف وَالدَّال بِمَعْنى: الطُّهْر، وَسمي جِبْرِيل بذلك لِأَنَّهُ خلق من الطُّهْر. وَقَالَ كَعْب: الْقُدس الرب، ، وَمعنى: روح الْقُدس روح ا، وَإِنَّمَا سمي بِالروحِ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْبَيَانِ عَن اتعالى فتحيي بِهِ الْأَرْوَاح. وَقيل: معنى الْقُدس الْبركَة، وَمن أَسمَاء اتعالى: القدوس، أَي: الطَّاهِر المنزه عَن الْعُيُوب والنقائص، وَمِنْه الأَرْض المقدسة، وَبَيت الْمُقَدّس، لِأَنَّهُ الْموضع الَّذِي يتقدس فِيهِ، أَي: يتَطَهَّر فِيهِ من الذُّنُوب. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام الأول: فِيهِ الدّلَالَة على أَن الشّعْر الْحق لَا يحرم فِي الْمَسْجِد، وَالَّذِي يحرم فِيهِ مَا فِيهِ الخناء والزور وَالْكَلَام السَّاقِط، يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مصححاً من حَدِيث عَائِشَة: (كَانَ رَسُول الله ينصب لحسان منبراً فِي الْمَسْجِد فَيقوم عَلَيْهِ ويهجو الْكفَّار) . فَإِن قلت: روى ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن عبد ابْن سعيد حدّثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن ابْن عجلَان عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: (نهى رَسُول الله عَن تناشد الْأَشْعَار فِي الْمَسَاجِد) ، وَحسنه الحافظان: الطوسي وَالتِّرْمِذِيّ، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث صَدَقَة بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن عبد االشعبي عَن زفر بن وثيمة عَن حَكِيم بن حزَام مَرْفُوعا: (نهى النَّبِي أَن يستقاد فِي الْمَسْجِد، وَأَن تنشد فِيهِ الْأَشْعَار، وَأَن تُقَام فِيهِ الْحُدُود) . وروى عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) من حَدِيث ابْن الْمُنْكَدر: عَن أسيد بن عبد الرَّحْمَن: (أَن شَاعِرًا جَاءَ

стр. 1162

النَّبِي وَهُوَ فِي الْمَسْجِد، قَالَ: أنْشدك يَا رَسُول ا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: بلَى، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: فَاخْرُج من الْمَسْجِد، فَخرج فأنشده فَأعْطَاهُ رَسُول الله ثوبا) . وَقَالَ: هَذَا بدل مَا مدحت بِهِ رَبك. قلت: أما حَدِيث عَمْرو: فَمنهمْ من يَقُول: إِنَّه صحيفَة، حَتَّى قَالَ ابْن حزم: لَا يَصح هَذَا، لَكِن يَقُول: من يصحح نسخته يصحح حَدِيثه. وَأما حَدِيث حَكِيم بن حزَام فَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الأشبيلي: إِنَّه حَدِيث ضَعِيف. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: لم يبين أَبُو مُحَمَّد من أمره شَيْئا، وعلته الْجَهْل بِحَال زفر، فَلَا يعرف. قلت: أما زفر فَإِنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ، بل حَاله مَعْرُوفَة. قَالَ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ: سَأَلت يحيى عَنهُ، فَقَالَ: ثِقَة، وَذكره ابْن حبَان فِي (كتاب الثِّقَات) ، وَصحح لَهُ الْحَاكِم حَدِيثا عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة. وَأما حَدِيث أسيد فَفِي سَنَده ابْن أبي يحيى شيخ الشَّافِعِي. وَفِيه كَلَام شَدِيد، وَقد جمع ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) بَين الشّعْر الْجَائِز إنشاده فِي الْمَسْجِد وَبَين الْمَمْنُوع من إنشاده فِيهِ. وَقَالَ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي (كتاب الْمَسَاجِد) : نهى عَن تناشد أشعار الْجَاهِلِيَّة والمبطلين فِيهِ، فَأَما أشعار الْإِسْلَام والمحقين فواسع غير مَحْظُور. وَقد اخْتلف الْعلمَاء أَيْضا فِي جَوَاز إنشاد الشّعْر مُطلقًا، فَقَالَ الشّعبِيّ وعامر بن سعد البَجلِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن الْمسيب وَالقَاسِم وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد: لَا بَأْس بإنشاد الشّعْر الَّذِي لَيْسَ فِيهِ هجاء، وَلَا نكب عرض أحد من الْمُسلمين، وَلَا فحش. وَقَالَ مَسْرُوق بن الأجدع وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَالم بن عبد اولحسن الْبَصْرِيّ وَعَمْرو بن شُعَيْب: تكره رِوَايَة الشّعْر وإنشاده، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث عمر بن الْخطاب عَن رَسُول الله قَالَ: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا) . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَالْبَزَّار والطَّحَاوِي، وروى مُسلم عَن سعد بن أبي وَقاص عَن النَّبِي قَالَ: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا يرِيه خير من أَن يمتلىء شعرًا) . وَأخرجه ابْن ماجة أَيْضا، وَأخرجه البُخَارِيّ عَن ابْن عمر عَن النَّبِي نَحْو رِوَايَة ابْن أبي شيبَة، وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة نَحْو رِوَايَته عَن سعد، وَأخرجه أَيْضا عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن عَوْف بن مَالك عَن النَّبِي، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا عَن أبي الدَّرْدَاء عَن النَّبِي، وَأجَاب الْأَولونَ عَن هَذَا وَقَالُوا: إِنَّمَا هَذِه الْأَحَادِيث وَردت على خَاص من الشّعْر، وَهُوَ أَن يكون فِيهِ فحش وخناء، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ عَن الشّعبِيّ: المُرَاد بِهِ الشّعْر الَّذِي هجي بِهِ النَّبِي، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الَّذِي فِيهِ عِنْدِي غير ذَلِك، لِأَن مَا هجي بِهِ رَسُول الله لَو كَانَ شطر بَيت لَكَانَ كفرا، وَلَكِن وَجهه عِنْدِي أَن يمتلىء قلبه حَتَّى يغلب عَلَيْهِ فيشغله عَن الْقُرْآن وَالذكر. قيل: فِيمَا قَالَه أَبُو عُبَيْدَة نظر، لِأَن الَّذين هجوا النَّبِي كَانُوا كفَّارًا، وهم فِي حَال هجوهم موصوفون بالْكفْر من غير هجو، غَايَة مَا فِي الْبَاب: قدلازاد كفرهم وطغيانهم بهجوهم، وَالَّذِي قَالَه الشّعبِيّ أوجه. قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: قَالَ قوم: لَو كَانَ إريد بذلك مَا هجي بِهِ رَسُول الله من الشّعْر لم يكن لذكر الامتلاء معنى، لِأَن قَلِيل ذَلِك وَكَثِيره كفر، وَلَكِن ذكر الامتلاء لَيْسَ فِيمَا دونه. قَالُوا: فَهُوَ عندنَا على الشّعْر الَّذِي يمْلَأ الْجوف فَلَا يكون فِيهِ قُرْآن وَلَا تَسْبِيح وَلَا غَيره، فأ مَا من كَانَ فِي جَوْفه الْقُرْآن وَالشعر مَعَ ذَلِك، فَلَيْسَ مِمَّن امْتَلَأَ جَوْفه شعرًا، فو خَارج من قَول رَسُول ا: (لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا يرِيه خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا) . وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: كَانَ حسان ينشد الشّعْر فِي الْمَسْجِد فِي أول الْإِسْلَام، وَكَذَا لعب الْحَبَش فِيهِ، وَكَانَ الْمُشْركُونَ إِذْ ذَاك يدخلونه، فَلَمَّا كمل الْإِسْلَام زَالَ ذَلِك كُله. قلت: أَشَارَ بذلك إِلَى النّسخ، وَلم يُوَافقهُ أحد على ذَلِك. قَوْله: (قَيْحا) نصب على التَّمْيِيز، وَهُوَ: الصّديق الَّذِي يسيل من الدمل وَالْجرْح، قَوْله: (يرِيه) من الوري، وَهُوَ الدَّاء يُقَال: ورى يوري فَهُوَ موري إِذا أصَاب جَوْفه الدَّاء وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وروى الْقَيْح جَوْفه يرِيه ورياً: أكله، وَقَالَ قوم: مَعْنَاهُ حَتَّى يُصِيب ريته. قلت: فِيهِ نظر. الثَّانِي من الْأَحْكَام: جَوَاز الاستنصار من الْكفَّار. قَالَ الْعلمَاء: يَنْبَغِي أَن لَا يبْدَأ الْمُشْركُونَ بالسب والهجاء مَخَافَة من سبهم الْإِسْلَام وَأَهله، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تسبوا الَّذين يدعونَ من دون افيسبوا اعدواً﴾ (الْأَنْعَام: ٨٠١) ولتنزيه أَلْسِنَة الْمُسلمين عَن الْفُحْش، إلَاّ أَن تَدْعُو إِلَى ذَلِك ضَرُورَة كابتدائهم بِهِ، فَكيف إِذا هم أَو نَحوه كَمَا فعله. الثَّالِث: فِيهِ اسْتِحْبَاب الدُّعَاء لمن قَالَ شعرًا، مثل قصَّة حسان. الرَّابِع: فِيهِ الدّلَالَة على فَضِيلَة حسان رَضِي اتعالى عَنهُ. ٩٦ -

стр. 1163

(بابُ أصْحَابِ الحِرَابِ فِي المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز دُخُول أَصْحَاب الحراب فِي الْمَسْجِد، وَالْمرَاد من أَصْحَاب الحراب هُنَا هم الَّذين يتشاققون بِالسِّلَاحِ كالحراب وَنَحْوهَا للاشتداد وَالْقُوَّة على الْحَرْب مَعَ أَعدَاء الدّين، وَقَالَ الْمُهلب: الْمَسْجِد مَوْضُوع لأمر جمَاعَة الْمُسلمين، وكل مَا كَانَ من الْأَعْمَال الَّتِي تجمع مَنْفَعَة الدّين وَأَهله واللعب بالحراب من تدريب الْجَوَارِح على مَعَاني الحروب فَهُوَ جَائِز فِي الْمَسْجِد وَغَيره، و: الحراب، بِكَسْر الْحَاء: جمع حَرْبَة، كالقصاع: جمع قَصْعَة. والحراب، أَيْضا مصدر من: حَارب يحارب محاربة وحراباً، وَالْمرَاد هُنَا الأول. ٤٥٤٤١١ - ح دّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزَّبِيْرِ أنَّ عائِشَةَ قالَتْ لَقَدْ رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ يَوْماً عَلَى بابِ حُجْرَتِي والحَبَشةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ ورسولُ اللَّهِ يَسْتُرُني بِرِدَائِهِ أنْظُرُ إلَى لَعِبِهِمْ. زَاد إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر حَدثنَا ابْن وهب أَخْبرنِي يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت رَأَيْت النَّبِي ﷺ َ - والحبشة يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " والحبشة يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ " (ذكر رِجَاله) وهم تِسْعَة. الأول عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الْمدنِي. الثَّانِي إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الثَّالِث صَالح بن كيسَان أَبُو مُحَمَّد مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز. الرَّابِع مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الْحزَامِي مر فِي كتاب الْعلم وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ. السَّابِع عبد الله بن وهب. الثَّامِن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. التَّاسِع عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين والعنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه أَن عبد الْعَزِيز من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَفِيه ثَلَاثَة من التَّابِعين وهم صَالح وَابْن شهَاب وَعُرْوَة وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين مدنِي ومصري وأيلي وَفِيه أَن قَوْله زَاد ابْن الْمُنْذر يحْتَمل التَّعْلِيق قَالَه الْكرْمَانِي (قلت) هُوَ تَعْلِيق بِلَا احْتِمَال وَقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عُثْمَان بن عمر عَن يُونُس وَالَّذِي زَاده هُوَ لفظ " بِحِرَابِهِمْ " (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي مَنَاقِب قُرَيْش وَأخرجه مُسلم فِي الْعِيدَيْنِ أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح (ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) قَوْله " لقد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ - " أَي وَالله لقد أَبْصرت فهم معنى الْقسم من اللَّام وَلَفْظَة قد اللَّتَان تدلان على التَّأْكِيد وَرَأَيْت بِمَعْنى أَبْصرت فَلذَلِك اقْتصر على مفعول وَاحِد قَوْله " يَوْمًا " نصب على الظّرْف قَوْله " والحبشة يَلْعَبُونَ " جملَة حَالية والحبشة والحبش جنس من السودَان مَشْهُور قَوْله " وَرَسُول الله يسترني " جملَة حَالية أَيْضا وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ بعد نزُول الْحجاب قَوْله " أنظر " أَيْضا جملَة حَالية قَوْله " إِلَى لعبهم " بِفَتْح اللَّام وَكسر الْعين وبكسر اللَّام وَسُكُون الْعين قَوْله " زَاد " فعل مَاض وفاعله ابْن الْمُنْذر وَهُوَ فَاعل قَالَ أَيْضا ومفعوله الَّذِي زيد هُوَ قَوْله " بِحِرَابِهِمْ " كَمَا ذكرنَا (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام) فِيهِ جَوَاز اللّعب بالحراب فِي الْمَسْجِد على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب وَحكى ابْن التِّين عَن أبي الْحسن اللَّخْمِيّ أَن اللّعب بالحراب فِي الْمَسْجِد مَنْسُوخ بِالْقُرْآنِ وَالسّنة أما الْقُرْآن فَقَوله تَعَالَى ﴿فِي بيُوت أذن الله أَن ترفع﴾ وَأما السّنة فِي حَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع الَّذِي أخرجه ابْن ماجة " جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ " ورد بِأَن الحَدِيث ضَعِيف وَلَيْسَ فِيهِ وَلَا فِي الْآيَة تَصْرِيح بِمَا ادَّعَاهُ وَلَا عرف التَّارِيخ حَتَّى يثبت النّسخ. وَفِيه جَوَاز النّظر إِلَى اللّعب الْمُبَاح وَقَالَ الْكرْمَانِي وَقد يُمكن أَن يكون ترك النَّبِي ﷺ َ - عَائِشَة لتنظر إِلَى لعبهم لتضبط السّنة فِي ذَلِك

стр. 1164

وتنقل تِلْكَ الحركات المحكمة إِلَى بعض من يَأْتِي من أَبنَاء الْمُسلمين وتعرفهم بذلك وَفِيه من حسن خلقه الْكَرِيم وَجَمِيل معاشرته لأَهله. وَفِيه جَوَاز نظر النِّسَاء إِلَى الرِّجَال وَوُجُوب استتارهن عَنْهُم. وَفِيه فضل عَائِشَة وَعظم محلهَا عِنْد رَسُول الله ﷺ َ - (بَاب ذكر البيع وَالشِّرَاء على الْمِنْبَر فِي الْمَسْجِد) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر البيع وَالشِّرَاء يَعْنِي فِي الْإِخْبَار عَن وقوعهما على الْمِنْبَر فِي الْمَسْجِد لَا عَن وقوعهما على الْمِنْبَر وَفِي بعض النّسخ على الْمِنْبَر وَالْمَسْجِد قيل على هَذِه النُّسْخَة يكون التَّقْدِير وعَلى الْمَسْجِد وَلَا تدخل عَلَيْهِ كلمة الاستعلاء وَالْأَصْل أَن يُقَال وَفِي الْمَسْجِد أُجِيب بِأَن هَذَا عكس مَا عمل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ وَالْأَصْل أَن يُقَال على جُذُوع النّخل وَلَكِن الْحُرُوف يَنُوب بَعْضهَا عَن بعض وَقَالَ الْكرْمَانِي يجوز أَن يكون من بَاب (علفتها تبتا وَمَاء بَارِدًا ... ) (قلت) تَقْدِيره وسقيتها مَاء بَارِدًا لِأَنَّهُ لَا يعلف بِالْمَاءِ ٦٥٤٥١١ - ح دّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا سُفْيَانُ عنْ يَحْيَى عنْ عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ قالَتْ أتَتْها بَرِيرَةُ تَسْأَلُها فَهِيَ كِتَابَتِها فقالَتْ إنْ شِئْتِ أعْطَيْتُ أهْلَكِ وَيَكُونُ الوَلَاءُ لِي وَقَالَ أهْلُها إِنْ شِئْتِ أعْطَيْتِها مَا بَقِيَ. وَقَالَ سُفْيانُ مَرَّةً إنْ شِئْتِ أعْتَقْتِها وَيكُونُ الوَلاءُ لَنا فَلَمَّا جاءَ رسولُ اللَّهِ ذكَّرَتْهُ ذَلِكَ فَقَالَ النبيُّ ابْتاعِيها فَأعْتِقيها فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أعْتَقَ ثمَّ قامَ رسولُ اللَّهِ عَلَى المِنْبَرِ. وَقَالَ سُفْيانُ مرَّةً فَصَعِدَ رسولُ اللَّهِ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ مَا بالُ أقْوَامٍ يشْترِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِن اشْتَرَطَ مائَةَ مَرَّةٍ قَالَ عَلِيٌّ قَالَ يَحْيَى وَعَبْدُ الوَهابِ عنْ يَحْيَى عنْ عَمْرَةَ. وَقَالَ جَعْفَرُ بنُ عَوْنَ عنْ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ عَمرَةَ قالتْ سَمِعْتُ عائِشَةَ رَضِي اعنها وَرَوَاهُ مالِكٌ عَنْ يَحْيَى عنْ عَمْرَة أَن بَرِيرَة وَلَمْ يَذْكُرْ صَعِدَ المِنْبَرَ. . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة تعلم من قَوْله: (مَا بَال أَقوام يشترطون) إِلَى آخِره، فَإِنَّهُ ذكره هُنَا عقيب قَضِيَّة مُشْتَمِلَة على بيع وَشِرَاء وَعتق وَوَلَاء، فَإِنَّهُ لما قَالَ: (ابتاعيها فأعتقيها فَإِن الْوَلَاء لمن أعتق) ، قبل صُعُوده على الْمِنْبَر، دلّ على حكم هَذِه الْأَشْيَاء، ثمَّ لما قَالَ على الْمِنْبَر: (مَا بَال أَقوام) الخ، أَشَارَ بِهِ إِلَى الْقَضِيَّة الَّتِي وَقعت، فَكَانَت إِشَارَته إِلَيْهَا كوقوعها على الْمِنْبَر فِي الْمَسْجِد، وَهَذَا هُوَ الْوَجْه، لَا مَا ذكره أَكثر الشُّرَّاح مِمَّا تنفر عَنهُ الطباع وتمج عَنهُ الأسماع، وَسَيعْلَمُ ذَلِك من يقف عَلَيْهِ. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد االمديني. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن الْأَنْصَارِيَّة المدنية، وَقد تكَرر ذكرهم. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وعَلى رِوَايَة الْحميدِي فِي (مُسْنده) فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، لِأَن فِي رِوَايَته: حدّثنا سُفْيَان حدّثنا يحيى. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مديني ومكي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التابعية عَن الصحابية. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع عديدة: فِي الزَّكَاة فِي بَاب الصَّدَقَة على موَالِي أَزوَاج النَّبِي. وَفِي الْعتْق وَالْمكَاتب وَالْهِبَة والبيوع والفرائض وَالطَّلَاق والشروط والأطعمة وَكَفَّارَة الْأَيْمَان، وَأخرجه فِي الطَّلَاق من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَفِي الْفَرَائِض من حَدِيث ابْن عمر، وَأخرج مُسلم طرفا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب البيع وَالشِّرَاء مَعَ النِّسَاء من طَرِيق عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَفِي بَاب إِذا اشْترط فِي البيع شُرُوطًا من حَدِيث هَاشم عَن أَبِيه عَنْهَا. وَأخرجه مُسلم أَيْضا مطولا ومختصراً. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْعتْق عَن القعْنبِي وقتيبة من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْوَصَايَا عَن قُتَيْبَة بِهِ.

стр. 1165

وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَفِيه: وَفِي الْعتْق عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن عمْرَة عَن عَائِشَة فِي الْفَرَائِض عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان ومُوسَى بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل وَهُوَ ابْن علية، ثَلَاثَتهمْ عَن جَعْفَر بن عون بِهِ، وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن ابْن أبي الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، وَفِي الْعتْق وَفِي الشُّرُوط عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ، وَفِي الشُّرُوط أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن سُفْيَان بِبَعْضِه. وَأخرجه ابْن ماجة أَيْضا فِي الْعتْق عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد، قَالَا: حدّثنا وَكِيع عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة زوج النَّبِي أَن بَرِيرَة أتتها وَهِي مُكَاتبَة قد كاتبها أَهلهَا على تسع أَوَاقٍ، فَقَالَت لَهَا: إِن شَاءَ أهلك عددت لَهُم عدَّة وَاحِدَة وَكَانَ الْوَلَاء لي. قَالَ: فَأَتَت أَهلهَا فَذكرت ذَلِك لَهُم فَأَبَوا إلَاّ أَن يشْتَرط الْوَلَاء لَهُم، فَذكرت عَائِشَة ذَلِك للنَّبِي فَقَالَ: إفعلي. قَالَ: فَقَامَ النَّبِي فَخَطب النَّاس فَحَمدَ اوأثنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: (مَا بَال رجال يشترطون شُرُوطًا لَيست فِي كتاب ا، كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب افهو بَاطِل وَإِن كَانَ مائَة شَرط، كتاب اأحق، وَشرط اأوثق، وَالْوَلَاء لمن أعتق) . ذكر اعراب وَمَعْنَاهُ قَوْله: (قَالَ: اتتها بَرِيرَة) ، فَاعل: قَالَت، يحْتَمل أَن يكون: عمْرَة، وَيحْتَمل أَن يكون: عَائِشَة، فَإِذا كَانَت: عَائِشَة، فَفِيهِ الْتِفَات من الْحَاضِر إِلَى الْغَائِب، وبريرة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى وَفتح الثَّانِيَة بَينهمَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة، وَزعم الْقُرْطُبِيّ أَن وَزنهَا. فعيلة، من الْبر، وَيحْتَمل أَن تكون بِمَعْنى مفعولة أَي: مبرورة، كأكيلة السَّبع أَي مأكولته وَيحْتَمل أَن تكون بِمَعْنى: فاعلة، كرحيمة بِمَعْنى: راحمة، وَهِي بنت صَفْوَان، كَانَت لقوم من الْأَنْصَار، أَو مولاة لأبي أَحْمد ابْن جحش، وَقيل: مولاة لبَعض بني هِلَال، وَكَانَت قبطية. وَقَالَ الْكرْمَانِي: بَرِيرَة مولاة لعَائِشَة كَانَت لعتبة بن أبي لَهب، قلت: ذكرهَا الذَّهَبِيّ فِي الصحابيات، وَقَالَ: يُقَال: إِن عبد الْملك بن مَرْوَان سمع مِنْهَا، وَفِي (مُعْجم الطَّبَرَانِيّ) : من حَدِيث عبد الْملك بن مَرْوَان، قَالَ: (كنت أجالس بَرِيرَة بِالْمَدِينَةِ فَكَانَت تَقول لي: يَا عبد الْملك إِنِّي أرى فِيك خِصَالًا وَإنَّك لخليق أَن تلِي هَذَا الْأَمر، فَإِن وليته فاحذر الدُّنْيَا، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله يَقُول: إِن الرجل ليدفع عَن بَاب الْجنَّة بعد أَن ينظر إِلَيْهَا بملىء محجمة من دم يريقه من مُسلم بِغَيْر حق) . انْتهى. وَعبد الْملك اخْتلف فِي مولده، فَقَالَ حنيفَة بن خياط: سنة ثَلَاث، وَقَالَ أَبُو حسان الزيَادي: سنة خمس، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد سنة خمس، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد. سنة سِتّ وَعشْرين، وولاه مُعَاوِيَة ديوَان الْخراج وعمره سِتَّة عشر سنة، فعلى هَذَا تكون بَرِيرَة مَوْجُودَة بعد سنة أَرْبَعِينَ. وَقد اخْتلف فِي اسْم زوج بَرِيرَة فَفِي (الصَّحِيح) : مغيث، بِضَم الْمِيم وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره ثاء، مُثَلّثَة، وَعَن الصريفيني عَن العسكري: معتب، بِعَين مُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، وَعند أبي، مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ اسْمه: مقسم، وَا تَعَالَى أعلم. قَوْله: (تسألها فِي كتَابَتهَا) ، جملَة حَالية وَقعت حَالا عَن بَرِيرَة، وَالْأَصْل فِي السُّؤَال أَن يعدى: بعن، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال﴾ (الْأَنْفَال: ١) وَلَكِن لما كَانَ سؤالها بِمَعْنى الاستعطاء، بِمَعْنى: تستعطيها فِي أَمر كتَابَتهَا، عدي بِكَلِمَة الظّرْف، وَيجوز أَن يكون معنى: تسْأَل، تستعين بالتضمين، على أَن فِي رِوَايَة جَاءَت هَكَذَا، وَالْكِتَابَة فِي اللُّغَة مصدر: كتب من الْكتب، وَهُوَ الْجمع، وَمِنْه كتبت الْقرْبَة إِذا خرزتها، وَسمي هَذَا العقد؛ كِتَابَة ومكاتبة، لِأَن فِيهِ ضم حريَّة الْيَد إِلَى حريَّة الرَّقَبَة، أَو لِأَن فِيهِ جمعا بَين نجمين فَصَاعِدا، أَو لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا يكْتب الْوَثِيقَة، وَفِي الشَّرْع: تَحْرِير الْمَمْلُوك يدا فِي الْحَال، ورقبة فِي الْمَآل، لِأَن الْمكَاتب لَا يتحرر رَقَبَة إلَاّ إِذا أدّى المَال، وَهُوَ بدل الْكِتَابَة، وَأما فِي الْحَال فَهُوَ حر من جِهَة الْيَد فَقَط حَتَّى يكون أَحَق بِكَسْبِهِ، وَيجب على الْمولى الضَّمَان بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ أَو على مَاله، وَلِهَذَا قيل: الْمكَاتب طَار عَن ذل الْعُبُودِيَّة وَلم ينزل فِي ساحة الْحُرِّيَّة، فَصَارَ كالنعامة أَن استطير تباعر، وان استحمل تطاير. قَوْله: (فَقَالَت: إِن شِئْت) أَي: قَالَت عَائِشَة مُخَاطبَة لبريرة: إِن شِئْت، وَهُوَ بِكَسْر التَّاء. قَوْله: (أَعْطَيْت) ، بِلَفْظ الْمُتَكَلّم. قَوْله: (أهلك) المُرَاد بِهِ: مواليها، وَهُوَ مَنْصُوب على أَنه مفعول أول لأعطيت، ومفعوله الثَّانِي مَحْذُوف وَهُوَ: ثمنك، لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ. قَوْله: (وَيكون الْوَلَاء لي) بِفَتْح الْوَاو، وَهُوَ فِي عرف الْفُقَهَاء عبارَة عَن تناصر يُوجب الْإِرْث، وَالْعقد وَالْوَلَاء فِي اللُّغَة. النُّصْرَة والمحبة، إلَاّ أَن اخْتصَّ فِي الشَّرْع: بولاء الْعتْق، والموالاة واشتقاقه من الْوَلِيّ وَهُوَ: الْقرب، وَحُصُول الثَّانِي بعد الأول من غير فصل. قَوْله: (وَقَالَ أَهلهَا) أَي: أهل بَرِيرَة. قَوْله: (إِن شِئْت

стр. 1166

اعطيتها) مقول القَوْل، التَّاء: فِي شِئْت وَأعْطيت، مَكْسُورَة لِأَنَّهَا خطاب لعَائِشَة. قَوْله: (مَا بَقِي) أَي: الَّذِي بَقِي من مَال الْكِتَابَة فِي ذمَّة بَرِيرَة، وَمحل هَذِه الْجُمْلَة النصب لِأَنَّهَا وَقعت مَفْعُولا ثَانِيًا لقَوْله؛ أعطيتهَا، ومفعوله الأول الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: أعطيتهَا. قَوْله: (وَقَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة أحد الروَاة الْمَذْكُورين فِي الحَدِيث، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن سُفْيَان حدث بِهِ. على وَجْهَيْن: فَمرَّة قَالَ: إِن شِئْت أعطيتهَا مَا بَقِي، وَمرَّة قَالَ: إِن شِئْت أعتقتها، وَيكون الْوَلَاء لنا، يَعْنِي فِي الْوَجْهَيْنِ، و: التَّاء، فِي أعتقتها مَكْسُورَة لِأَنَّهَا خطاب لعَائِشَة. وَقَوله: (قَالَ سُفْيَان) دَاخل فِي الْمَوْصُول غير مُعَلّق. فَافْهَم فَإِن قلت: كم كَانَ مَال الْكِتَابَة على بَرِيرَة؟ قلت: ذكر ف بَاب الْكِتَابَة من حَدِيث يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة: (عَن عَائِشَة قَالَت: إِن بَرِيرَة دخلت عَلَيْهَا تستعينها فِي كتَابَتهَا وَعَلَيْهَا خمس أَوَاقٍ نجمت عَلَيْهَا فِي خمس سِنِين) الحَدِيث فَإِن قلت: ذكر فِي بَاب سُؤال النَّاس: (كاتبت أَهلِي على تسع أَوَاقٍ فِي كل عَام أُوقِيَّة فأعينيني، فَقَالَ: خذيها فأعتقيها واشترطي لَهُم الْوَلَاء فَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق) ، فَبين الرِّوَايَتَيْنِ تعَارض. قلت: هَذَا الحَدِيث أصح لاتصاله ولانقطاع ذَاك، وَلِأَن رَاوِي هَذَا عَن أمه وَهُوَ أعرف بِحَدِيث أمه وخالته، وَقيل: يحْتَمل أَن تكون هَذِه الْخَمْسَة الأواق الَّتِي قد اسْتحقَّت عَلَيْهَا بالنجوم من جملَة التِّسْعَة، أَو أَنَّهَا أَعْطَتْ نجوماً وَفضل عَلَيْهَا خَمْسَة، قلت: هَذَا يردهُ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الشُّرُوط: فِي البيع، وَلم تكن قَضَت من كتَابَتهَا شَيْئا. والأواق جمع: أُوقِيَّة، بِضَم الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء، وَالْجمع يشدد ويخفف مثل: أثفية وأثافي وأثافٍ، وَرُبمَا يَجِيء فِي الحَدِيث: وقية، وَلَيْسَت بِالْعَالِيَةِ وهمزتها زَائِدَة، وَكَانَت الْأُوقِيَّة قَدِيما عبارَة عَن أَرْبَعِينَ درهما، ثمَّ أَنَّهَا تخْتَلف باخْتلَاف اصْطِلَاح الْبِلَاد. قَوْله: (ذكرته) ، قَالَ الْكرْمَانِي: ذكرته، بِلَفْظ التَّكَلُّم، والمتكلم بِهِ عَائِشَة، والراوي نقل لَفظهَا بِعَيْنِه، وبالغيبة: كَأَن عَائِشَة جردت من نَفسهَا شخصا فحكت عَنْهَا، فَالْأول: حِكَايَة الرَّاوِي عَن لفظ عَائِشَة، وَالثَّانِي: حِكَايَة عَائِشَة عَن نَفسهَا. انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: (ذكرته ذَلِك) ، كَذَا وَقع هُنَا بتَشْديد الْكَاف، فَقيل: الصَّوَاب مَا وَقع فِي رِوَايَة مَالك وَغَيره بِلَفْظ: ذكرت، لِأَن التَّذْكِير يَسْتَعْدِي سبق علم بذلك، وَلَا يتَّجه تخطئة هَذِه الرِّوَايَة لاحْتِمَال السَّبق على وَجه الْإِجْمَال قلت: لم يبين أحد مِنْهُمَا رَاوِي التَّشْدِيد وَلَا رَاوِي التَّخْفِيف، وَاللَّفْظ يحْتَمل أَرْبَعَة أوجه. الأول: ذكرته، بِالتَّشْدِيدِ وبالضمير الْمَنْصُوب. وَالثَّانِي: ذكرت، بِالتَّشْدِيدِ بِدُونِ الضَّمِير الْمَنْصُوب. وَالثَّالِث: ذكرت، على صِيغَة الْمَاضِي للمؤنثة الْوَاحِدَة بِالتَّخْفِيفِ بِدُونِ الضَّمِير. وَالرَّابِع: ذكرته بِالتَّخْفِيفِ، وَالضَّمِير لِأَن ذكر بِالتَّخْفِيفِ يعدى يُقَال: ذكرت الشَّيْء بعد النسْيَان، وذكرته بلساني وبقلبي وتذكرته وأذكرته غَيْرِي وذكرته، بِمَعْنى. قَوْله: (فَقَالَ ابتاعيها) أَي: قَالَ النَّبِي لعَائِشَة: اشتريها، أَي: بَرِيرَة. قَوْله: (وَقَالَ سُفْيَان مرّة فَصَعدَ رَسُول ا) أَرَادَ أَنه رُوِيَ بِوَجْهَيْنِ: مرّة قَالَ: ثمَّ قَامَ رَسُول الله على الْمِنْبَر، وَمرَّة قَالَ: فَصَعدَ رَسُول الله على الْمِنْبَر، وَذكر فِي بَاب الشِّرَاء وَالْبيع مَعَ النِّسَاء، قَالَ لي النَّبِي: (اشْترِي واعتقي فَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق، ثمَّ قَامَ من الْعشي فَأثْنى على ابما هُوَ أَهله) الحَدِيث. قَوْله: (مَا بَال أَقوام؟) أَي: مَا حَالهم؟ وَفِي بَاب الشِّرَاء وَالْبيع مَعَ النِّسَاء: (مَا بَال أنَاس يشترطون شُرُوطًا ... ؟) الحَدِيث. قَوْله: (لَيست فِي كتاب اتعالى) ، أَي: الشُّرُوط، ويروى: لَيْسَ، بالتذكير، وَوَجهه إِمَّا بِاعْتِبَار جنس الشَّرْط، أَو بِاعْتِبَار الْمَذْكُور. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِمَّا بِاعْتِبَار الِاشْتِرَاط. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى، وَالْمرَاد: من كتاب ا، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: يحْتَمل أَن يُرِيد بِكِتَاب ا، حكم ا، وَيُرَاد بذلك نفي كَونهَا فِي كتاب ابواسطة أَو بِغَيْر وَاسِطَة، فَإِن الشَّرِيعَة كلهَا فِي كتاب ا، أما بِغَيْر وَاسِطَة كمالنصوصات فِي الْقُرْآن من الْأَحْكَام، وَأما بِوَاسِطَة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ (الْحَشْر: ٧) ﴿وَأَطيعُوا اوأطيعوا الرَّسُول﴾ (الْمَائِدَة: ٢٩، والنور: ٤٥٢، والتغابن: ٢١) قَالَ الْخطابِيّ: لَيْسَ المُرَاد أَن مَا لم ينص عَلَيْهِ فِي كتاب افهو بَاطِل، فَإِن لفظ: (الْوَلَاء لمن أعتق) ، من قَوْله، لَكِن الْأَمر بِطَاعَتِهِ فِي كتاب ا، فَجَاز إِضَافَة ذَلِك إِلَى الْكتاب انْتهى. وَيجوز أَن يكون المُرَاد بِكِتَاب ا: حكم اسواء ذكر فِي الْقُرْآن إو السّنة، وَقيل: المُرَاد من الْكتاب: الْمَكْتُوب، يَعْنِي الْمَكْتُوب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. قَوْله: (فَلَيْسَ لَهُ) أَي: ذَلِك الشَّرْط، أَي: لَا يسْتَحقّهُ. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (من شَرط شرطا لَيْسَ فِي كتاب الم يجز لَهُ) . قَوْله: (وَإِن اشْترط مائَة مرّة) ، ذكر الْمِائَة للْمُبَالَغَة فِي الْكَثْرَة، لَا أَن هَذَا الْعدَد بِعَيْنِه هُوَ المُرَاد. وَقَالَ بَعضهم؛ لفظ مائَة للْمُبَالَغَة، فَلَا مَفْهُوم لَهُ، قلت: لم يدر هَذَا الْقَائِل أَن مَفْهُوم اللَّفْظ فِي اللُّغَة هُوَ مَعْنَاهُ، فعلى قَوْله يكون هَذَا اللَّفْظ مهملاً وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِن كَانَ قَالَ ذَلِك على رَأْي الْأُصُولِيِّينَ حَيْثُ فرقوا بَين

стр. 1167

مَفْهُوم اللَّفْظ ومنطوقه، فَهَذَا الْموضع لَيْسَ مَحَله، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي بَاب الشِّرَاء وَالْبيع مَعَ النِّسَاء: (وَإِن اشْترط مائَة شَرط، وَشرط اأحق وأوثق) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه أَيْضا. قَوْله: (وَرَوَاهُ مَالك) ، مُعَلّق وَصله فِي بَاب الْمكَاتب: عَن عبد ابْن يُوسُف عَنهُ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْفَرَائِض عَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك، كَمَا ذكره مُرْسلا، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مَالك. وَلَفظه: (واشرطي لَهُم الْوَلَاء) ، بِغَيْر: تَاء. قَالَ الطَّحَاوِيّ: مَعْنَاهُ أظهري، لِأَن الإشراط: الْإِظْهَار. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهِي رِوَايَة تفرد الشَّافِعِي عَن مَالك بهَا. قَوْله: (قَالَ عَليّ) يَعْنِي ابْن عبد االمديني الْمَذْكُور فِي أول الْبَاب. قَوْله: (قَالَ يحيى) هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان و: (عبد الْوَهَّاب) ، هُوَ ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، يُرِيد بذلك أَن الحَدِيث من طَرِيق هذَيْن الرجلَيْن مُرْسل، يُوضحهُ قَول الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِيمَا عندنَا من حَدِيث يحيى بن سعيد وَعبد الْوَهَّاب عَن يحيى ذَلِك الْمِنْبَر وصعوده، وحديثهما مُرْسل. حدّثنا أَبُو الْقَاسِم حدّثنا بنْدَار حدّثنا يحيى بن سعيد، قَالَ: وأنبأنا الْقَاسِم أَنبأَنَا بنْدَار حدّثنا عبد الْوَهَّاب، قَالَ: قَالَ: سمعنَا يحيى يَقُول: أَخْبَرتنِي عمْرَة بِهِ. قَوْله: (عَن عمْرَة نَحوه) يَعْنِي: نَحْو رِوَايَة مَالك. قَوْله: (وَقَالَ جَعْفَر بن عون) الخ، أَفَادَ بِهِ تَصْرِيح يحيى بِسَمَاعِهِ لَهُ عَن عمْرَة، وَكَذَا سَماع عمْرَة عَن عَائِشَة، وخرجه النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان ومُوسَى بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عون عَن يحيى بن سعيد، فَذكره فأمن بذلك مَا فِيهِ من الْإِرْسَال الْمَذْكُور، وَأعلم أَن التَّعْلِيق عَن مَالك مُتَأَخّر فِي رِوَايَة كَرِيمَة عَن طَرِيق جَعْفَر بن عون. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام الأول: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز الْكِتَابَة، فَإِذا كَاتب رجل عَبده أَو أمته على مَال شَرط عَلَيْهِ وَقبل العَبْد ذَلِك صَار مكَاتبا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَيْضا قَوْله تَعَالَى: ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ (النُّور: ٣٣) وَدلَالَة هَذَا على مَشْرُوعِيَّة العقد لَا تخفى على الْعَارِف بِلِسَان الْعَرَب، سَوَاء كَانَ الْأَمر للْوُجُوب أَو لغيره، وَهَذَا لَيْسَ بِأَمْر إِيجَاب بِإِجْمَاع بَين الْفُقَهَاء سوء مَا ذهب إِلَيْهِ دَاوُد الظَّاهِرِيّ وَمن تبعه، وَرُوِيَ نَحوه عَن عَمْرو بن دِينَار وَعَطَاء وَأحمد فِي رِوَايَة، وروى صَاحب (التَّقْرِيب) عَن الشَّافِعِي نَحوه، فَإِن قلت: ظَاهر الْأَمر للْوُجُوب كَمَا ذهب إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ قلت: هَذَا فِي الْأَمر الْمُطلق الْمُجَرّد عَن الْقَرَائِن، وَهنا مُقَيّد بقوله: ﴿إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ (النُّور: ٣٣) فَيكون أَمر ندب، وَذهب بعض أَصْحَابنَا إِلَى أَنه أَمر إِبَاحَة، وَهُوَ غير صَحِيح، لِأَن فِي الْحمل على الْإِبَاحَة إِلْغَاء الشَّرْط إِذْ هُوَ مُبَاح بِدُونِهِ بالِاتِّفَاقِ، وَكَلَام امنزه عَن ذَلِك، وَالْمرَاد بِالْخَيرِ الْمَذْكُور أَن لَا يضر الْمُسلمين بعدالعتق، فَإِن كَانَ يضرهم فَالْأَفْضَل أَن لَا يكاتبه، وَإِن كَانَ يَصح. وَعَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعَطَاء: الْخَيْر الْكسْب خَاصَّة، وَرُوِيَ عَن الثَّوْريّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَنه الْأَمَانَة وَالدّين خَاصَّة. وَقيل؛ هُوَ الْوَفَاء وَالْأَمَانَة وَالصَّلَاح، وَإِذا فقد الْأَمَانَة وَالْكَسْب وَالصَّلَاح لَا يكره عندنَا، وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو الْحُسَيْن بن الْقطَّان من الشَّافِعِيَّة؛ يكره وَلَا يعْتق الْمكَاتب إِلَّا بأَدَاء الْكل عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء، لما روى أَبُو دَاوُد وَغَيره من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي أَنه قَالَ: (الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ من كِتَابَته دِرْهَم) وروى الشَّافِعِي فِي (مُسْنده) أخبرنَا ابْن أبي عُيَيْنَة عَن ابْن نجيح عَن مُجَاهِد أَن زيد ابْن ثَابت قَالَ فِي الْمكَاتب: (هُوَ عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم) ، وَاخْتَارَهُ لمذهبه، وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا، وَفِيه اخْتِلَاف الصَّحَابَة. فمذهب ابْن عَبَّاس أَنه يعْتق كَمَا أَخذ الصَّحِيفَة من مَوْلَاهُ يَعْنِي؛ يعْتق بِنَفس العقد وَهُوَ غَرِيم الْمولى بِمَا عَلَيْهِ من بدل الْكِتَابَة، وَمذهب ابْن مَسْعُود أَنه يعْتق إِذا أدّى قيمَة نَفسه، وَمذهب زيد مَا ذَكرْنَاهُ، وَإِنَّمَا اخْتَارَهُ الْأَرْبَعَة لِأَنَّهُ مؤيد بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. الثَّانِي من الْأَحْكَام: جَوَاز تَزْوِيج الْأمة الْمُزَوجَة، لِأَن بَرِيرَة كَانَت مُزَوّجَة وَقد ذكرنَا اسْمه وَالِاخْتِلَاف فِيهِ فَإِن قلت: كَانَ زَوجهَا حرا أَو عبدا. قلت: فِي رِوَايَة البُخَارِيّ (عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: رَأَيْته عبدا) يَعْنِي: زوج بَرِيرَة، (كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ يتبعهَا فِي سِكَك الْمَدِينَة يبكي عَلَيْهَا ودموعه تسيل على لحيته، فَقَالَ النَّبِي لِعَمِّهِ الْعَبَّاس: أَلا تعجب من حب مغيث بَرِيرَة وَمن بغض بَرِيرَة مغيثاً؟ فَقَالَ النَّبِي: لَو راجعتيه قَالَت: يَا رَسُول اتأمرني؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنا أشفع. قَالَت: فَلَا حَاجَة لي فِيهِ) . فَإِن قلت: ذكر فِي الْفَرَائِض، قَالَ الحكم: كَانَ زَوجهَا حرا قلت: قَالَ: وَقَول الحكم مُرْسل، وَذكر فِي بَاب مِيرَاث السائبة، قَالَ الْأسود: وَكَانَ زَوجهَا حرا. قَالَ: وَقَول الْأسود مُنْقَطع، وَقَول ابْن عَبَّاس أصح. وَفِي مُسلم أَيْضا قَالَ عبد الرَّحْمَن. وَكَانَ زَوجهَا عبدا. الثَّالِث: فِي ثُبُوت الْوَلَاء للْمُعْتق عَن نفس، فَهَذَا لَا خلاف فِيهِ للْحَدِيث الْمَذْكُور،

стр. 1168

وَاخْتلفُوا فِيمَن أعتق على أَن لَا وَلَاء لَهُ وَهُوَ الْمُسَمّى بالسائبة، فمذهب الْجُمْهُور أَن الشَّرْط بَاطِل وَالْوَلَاء لمن اعْتِقْ، وَمذهب أَحْمد أَنه لم يكن لَهُ الْوَلَاء عَلَيْهِ، فَلَو أَخذ من مِيرَاثه شَيْئا رده فِي مثله. وَقَالَ مَالك وَمَكْحُول وَأَبُو الْعَالِيَة وَالزهْرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي اعنه: يَجْعَل، وَلَاؤُه لجَمِيع الْمُؤمنِينَ، كَذَا فعله بعض الصَّحَابَة. الرَّابِع: فِيهِ دَلِيل على تنجم الْكِتَابَة، لقولها: (كاتبت أَهلِي على تسع أَوَاقٍ، فِي كل عَام أُوقِيَّة) . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: وَلَيْسَ فِيهِ تعرض للكتابة الْحَالة فيتكلم عَلَيْهِ. قلت: يجوز عِنْد أَصْحَابنَا أَن يشْتَرط المَال حَالا ومنجماً لظَاهِر قَوْله تَعَالَى: ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم﴾ (النُّور: ٣٣) من غير شَرط التنجم والتأجيل، فَلَا يُزَاد على النَّص بِالرَّأْيِ، وَبِه قَالَ مَالك. وَفِي (الْجَوَاهِر) : قَالَ أَبُو بكر: ظَاهر قَول مَالك: إِن التنجيم والتأجيل شَرط فِيهِ، ثمَّ قَالَ: وعلماؤنا النظار يَقُولُونَ: إِن الْكتاب الحالية جَائِزَة ويسمونها قطاعة، وَهُوَ الْقيَاس. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز حَالا. وَلَا بُد من نجمين، وَبِه قَالَ أَحْمد فِي ظَاهر رِوَايَته. الْخَامِس: اشْتِرَاط الْوَلَاء للْبَائِع هَل يفْسد العقد؟ فِيهِ خلاف، فظاهرا لحَدِيث أَنه لَا يُفْسِدهُ لما قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث: (واشترطي لَهُم الْوَلَاء) . وَلَا يَأْذَن النَّبِي، فِي عقد بَاطِل. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: إِذا قُلْنَا إِن صَحِيح فَهَل يَصح الشَّرْط؟ فِيهِ اخْتِلَاف فِي مَذْهَب الشَّافِعِي، وَالْقَوْل بِبُطْلَانِهِ مُوَافق لألفاظ الحَدِيث. فَإِن قلت: كَيفَ يَأْذَن النَّبِي فِي البيع على شَرط فَاسد؟ وَكَيف يَأْذَن فِي البيع حَتَّى يَقع على هَذَا الشَّرْط وَيقدم البَائِع عَلَيْهِ ثمَّ يبطل اشْتِرَاطه؟ قلت: أُجِيب: عَنهُ، بأجوبة: الأول: مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: وَهُوَ أَنه لم يُوجد اشْتِرَاط الْوَلَاء فِي حَدِيث عَائِشَة إلَاّ من رِوَايَة مَالك عَن هِشَام، فَأَما من سواهُ وَهُوَ: اللَّيْث بن سعد وَعَمْرو بن الْحَارِث فَإِنَّهُمَا رويا عَن هِشَام عَن السُّؤَال لولاء بَرِيرَة ءنما كَانَ من عَائِشَة لأَهْلهَا بأَدَاء مكاتبتها إِلَيْهِم، فَقَالَ: (لَا يمنعك ذَلِك عَنْهَا: ابتاعي وأعتقي وَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن اعْتِقْ) . وَهَذَا خلاف مَا رَوَاهُ مَالك عَن هِشَام: (خذيها واشرطي، فَإنَّا الْوَلَاء لمن أعتق) ، مَعَ أَنه يحْتَمل أَن يكون معنى: أشرطي: أظهري، لِأَن الإشراط فِي كَلَام الْعَرَب الْإِظْهَار، وَمِنْه قَول أَوْس بن حجر. (فأشرط فِيهَا نَفسه وَهُوَ معصم) أَي: أظهر نَفسه، أَي: أظهري الْوَلَاء الَّذِي يُوجب اعتقاك إِنَّه لمن يكون الْعتاق مِنْهُ دون من سواهُ. الثَّانِي: أَن معنى: (واشترطي لَهُم) أَي: عَلَيْهِم، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن أَحْسَنْتُم أَحْسَنْتُم لأنفسكم وَإِن أسأتم فلهَا﴾ (الْإِسْرَاء: ٧) قيل: فِيهِ نظر، لِأَن سِيَاق الحَدِيث وَكَثِيرًا من أَلْفَاظه يَنْفِيه، ورد بِأَن الْقَرِينَة الحالية تدل على هَذَا مَعَ أَن مَجِيء: اللَّام، بِمَعْنى: على، كثير فِي الْقُرْآن والْحَدِيث والأشعار، على مَا لَا يخفى. الثَّالِث: أَنه على الْوَعيد الَّذِي ظَاهره الْأَمر وباطنه النَّهْي، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ (فصلت: ٠٤) وَقَوله: ﴿واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم﴾ (الْإِسْرَاء: ٤٦) أَلَا ترى أَنه صعد الْمِنْبَر وخطب وَقَالَ: مَا بَال رجال ... إِلَى آخِره. الرَّابِع: أَنه قد كَانَ أخْبرهُم بِأَن الْوَلَاء لمن. اعْتِقْ، ثمَّ أقدموا على اشْتِرَاط مَا يُخَالف هَذَا الحكم الَّذِي علموه، فَور دهذا اللَّفْظ على سَبِيل الزّجر والتوبيخ والنكير لمخالفتهم الحكم الشَّرْعِيّ. الْخَامِس: أَن إبِْطَال هَذَا الشَّرْط عُقُوبَة ونكال لمعاندتهم فِي الْأَمر الشَّرْعِيّ، فَصَارَ هَذَا من بَاب الْعقُوبَة بِالْمَالِ كحرمان الْقَاتِل من الْمِيرَاث، وَكَانَ بَين لَهُم حكم الْوَلَاء، وَأَن هَذَا الشَّرْط لَا يحل، فَلَمَّا أحوا وعاندوا أبطل شرطهم. السَّادِس: أَن هَذَا خَاص بِهَذِهِ الْقَضِيَّة عَام فِي سَائِر الصُّور، وَيكون سَبَب التَّخْصِيص بِإِبْطَال هَذَا الشَّرْط الْمُبَالغَة فِي زجرهم عَن هَذَا الِاشْتِرَاط الْمُخَالف للشَّرْع، كَمَا أَن فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة كَانَ خَاصّا بِتِلْكَ الْوَاقِعَة، مُبَالغَة فِي إِزَالَة مَا كَانُوا عَلَيْهِ من منع الْعمرَة فِي أشهر الْحَج. وَقَالَ القَاضِي: الْمُشكل فِي هَذَا الحَدِيث مَا وَقع من طَرِيق هِشَام هُنَا، وَهُوَ قَوْله: (اشتريها وأعتقيها واشترطي لَهُم الْوَلَاء) ، كَيفَ أمرهَا رَسُول ا، بِهَذَا وَفِيه عقد بيع على شَرط لَا يجوز، وتغرير بالبائعين إِذا شَرط لَهُم مَا لَا يَصح؟ وَلما صَعب الِانْفِصَال عَن هَذَا على بعض النَّاس أنكر هَذَا الحَدِيث أصلا، فحكي ذَلِك عَن يحيى بن أكتم وَقد وَقع فِي كثير من الرِّوَايَات سُقُوط هَذِه اللَّفْظَة، وَهَذَا الَّذِي شجع يحيى على إنكارها. السَّادِس من الْأَحْكَام: مَا قَالَه الْخطابِيّ: إِن فِيهِ دَلِيلا على جَوَاز بيع الْمكَاتب، رَضِي بِهِ أَو لم يرض، عجز عَن أَدَاء نجومه أَو لم: يعجز، أدّى بعض النُّجُوم أم لَا. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: اخْتلفُوا فِي بيع الْمكَاتب عل ثَلَاثَة مَذَاهِب: الْمَنْع، وَالْجَوَاز، وَالْفرق بَين أَن يَشْتَرِي لِلْعِتْقِ فَيجوز أَو للاستخدام فَلَا. أما من أجَاز بَيْعه فاستدل بِهَذَا الحَدِيث، فَإِنَّهُ ثَبت أَن بَرِيرَة كَانَت مُكَاتبَة، وَهُوَ قَول عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَأحمد وَمَالك فِي رِوَايَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك فِي رِوَايَة: لَا يجوز بَيْعه، وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود وَرَبِيعَة. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة

стр. 1169

وَأَصْحَابه أَنه لَا يجوز بيع الْمكَاتب مَا دَامَ مكَاتبا حَتَّى يعجز، وَلَا يجوز بيع مكَاتبه بِحَال، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي بِمصْر، وَكَانَ بالعراق يَقُول: يجوز بَيْعه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقَالَ بعض الْعلمَاء: يجوز بَيْعه لِلْعِتْقِ لَا للاستخدام. السَّابِع: مَا قَالَه الْخطابِيّ: فِيهِ جَوَاز بيع الرَّقَبَة بِشَرْط الْعتْق، لِأَن الْقَوْم قد تنازعوا الْوَلَاء وَلَا يكون الْوَلَاء إلَاّ بعد الْعتْق، فَدلَّ أَن الْعتْق كَانَ مَشْرُوطًا فِي البيع. قلت: إِذا اشْترط البَائِع على الْمُبْتَاع إِيقَاع معنى من مَعَاني الْبر فَإِن اشْترط عَلَيْهِ من ذَلِك مَا يتعجل كَالْعِتْقِ الْمُعَجل فَذَلِك جَائِز عِنْد الشَّافِعِي، وَلَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة. فَإِن امْتنع البَائِع من إِنْفَاذ الْعتْق؟ فَقَالَ أَشهب: يجْبر على الْعتْق. وَقَالَ ابْن كنَانَة: لَو رَضِي البَائِع بذلك لم يكن لَهُ ذَلِك وَيعتق عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِن كَانَ اشْتَرَاهُ على إِيجَاب الْعتْق فَهُوَ حر، وَإِن كَانَ اشْتَرَاهُ من غير إِيجَاب عتق لم يجْبر على عتق، والإيجاب أَن يَقُول: إِن اشْتَرَيْته مِنْك فَهُوَ حر، وَإِن لم يقل ذَلِك، وَإِنَّمَا اشْترط أَن يسْتَأْنف عتقه بعد كَمَال ملكه فَلَيْسَ بِإِيجَاب. وَقَالَ الشَّافِعِي: البيع فَاسد ويمضي الْعتْق اتبَاعا للسّنة، وَرُوِيَ عَنهُ: البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل، وروى الْمُزنِيّ عَنهُ: لَا يجوز تصرف المُشْتَرِي بِحَال فِي البيع الْفَاسِد، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَاسْتحْسن أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن أَن ينجز لَهُ الْعتْق وَيجْعَل عَلَيْهِ الثّمن، وَإِن مَاتَ قبل أَن يعتقهُ كَانَت عَلَيْهِ الْقيمَة. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: الْعتْق جَائِز وَعَلِيهِ الْقيمَة، وَالْحجّة لأبي حنيفَة فِي هَذَا الْبَاب وَأَمْثَاله حَدِيث عبد ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي: أَنه نهى عَن بيع وَسلف وَعَن شرطين فِي بيعَة، وَعنهُ أَيْضا: لَا يحل سلف وَلَا بيع وَلَا شَرْطَانِ فِي بيع، أخرجه الْأَرْبَعَة والطَّحَاوِي بأسانيد صِحَاح، وفسروا قَوْله: وَعَن شرطين فِي بيع، بِأَن البيع فِي نَفسه شَرط، فَإِذا شَرط فِيهِ شَرط آخر فقد صَار شرطين. وَقَول الْخطابِيّ: فَدلَّ أَن الْعتْق كَانَ مَشْرُوطًا فِي البيع لَا دَلِيل لَهُ فِيهِ ظَاهرا، وَالْحكم بِهِ عى جَوَاز البيع بِالشّرطِ غير صَحِيح، لِأَنَّهُ مُخَالف لظَاهِر الحَدِيث الصَّحِيح. الثَّامِن: مَا قَالَه الْخطابِيّ فِيهِ أَيْضا: إِنَّه لَيْسَ كل شَرط يشْتَرط فِي بيع كَانَ قادحاً فِي أَصله ومفسداً لَهُ، وَإِن معنى مَا ورد من النَّهْي عَن بيع وَشرط منصرف إِلَى بعض الْبيُوع وَإِلَى نوع من الشُّرُوط، وَقَالَ عِيَاض: الشُّرُوط الْمُقَارنَة للْبيع ثَلَاثَة أَقسَام: أَحدهَا: أَن يكون من مُقْتَضى العقد: كالتسليم وَجَوَاز التَّصَرُّف فِي الْمَبِيع، وَهَذَا لَا خلاف فِي جَوَاز اشْتِرَاطه لِأَنَّهُ يقْضِي بِهِ وَإِن لم يشْتَرط. وَالثَّانِي: أَن لَا يكون من مُقْتَضَاهُ، وَلكنهَا من مصْلحَته: كالتحميل وَالرَّهْن وَاشْتِرَاط الْخِيَار، فَهَذَا أَيْضا يجوز اشْتِرَاطه لِأَنَّهُ من مصْلحَته فَأشبه مَا كَانَ من مُقْتَضَاهُ. وَالثَّالِث: أَن يكون خَارِجا عَن ذَلِك مِمَّا لَا يجوز اشْتِرَاطه فِي الْعُقُود، بل يمْنَع من مُقْتَضى العقد أَو يُوقع فِيهِ غرراً أَو غير ذَلِك من الْوُجُوه الممنوعة، فَهَذَا مَوضِع اضْطِرَاب الْعلمَاء. وَا تَعَالَى أعلم. قلت: عِنْد أَصْحَابنَا البيع بِالشّرطِ على ثَلَاثَة أوجه. الأول: البيع وَالشّرط كِلَاهُمَا جائزان، وَهُوَ على ثَلَاثَة أَنْوَاع: أَحدهَا: أَن كل شَرط يَقْتَضِيهِ العقد ويلائمه فَلَا يُفْسِدهُ بِأَن يَشْتَرِي أمة بِشَرْط أَن تخدمه أَو يَغْشَاهُ، أَو دَابَّة بِشَرْط أَن يركبهَا وَنَحْو ذَلِك. النَّوْع الثَّانِي: كل شَرط لَا يَقْتَضِيهِ العقد وَلَكِن يلائمه بِأَن يشْتَرط أَن يرهنه بِالثّمن رهنا، وَسَماهُ أَن يُعْطِيهِ كَفِيلا وَسَماهُ وَالْكَفِيل حَاضر فَقبله، وَكَذَلِكَ الْحِوَالَة، جَازَ اسْتِحْسَانًا خلافًا لزفَر. النَّوْع الثَّالِث: كل شَرط لَا يَقْتَضِيهِ العقد وَلَا يلائمه، وَلَكِن ورد الشَّرْع بِجَوَازِهِ: كالخيار وَالْأَجَل، أَو لم يرد الشَّرْع بِهِ وَلكنه مُتَعَارَف متعامل بَين النَّاس بِأَن اشْترى نعلا على أَن يحذوه البَائِع، أَو قلنسوة بِشَرْط أَن يبطنه. جَازَ اسْتِحْسَانًا خلافًا لزفَر. الْوَجْه الثَّانِي: البيع وَالشّرط كِلَاهُمَا فاسدان، وَهُوَ كل شَرط لَا يَقْتَضِيهِ العقد وَلَا يلائمه، وَفِيه مَنْفَعَة لأَحَدهمَا أَو للمعقود عَلَيْهِ. بِأَن اشْترى حِنْطَة على أَن يطحنها البَائِع، أَو عبدا على أَن لَا يَبِيعهُ، وَكَذَا على أَن لَا يعتقهُ خلافًا للشَّافِعِيّ فِيهِ، فَإِن أعْتقهُ ضمن الثّمن اسْتِحْسَانًا عِنْد أبي حنيفَة، وَعِنْدَهُمَا قِيمَته. الْوَجْه الثَّالِث: البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل، وَهُوَ على ثَلَاثَة أَنْوَاع: الأول: كل شَرط لَا يَقْتَضِيهِ العقد وَلَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَة بل فِيهِ مضرَّة بِأَن بَاعَ ثوبا أَو دَابَّة بِشَرْط أَن لَا يَبِيعهُ وَلَا يَهبهُ، أَو طَعَاما بِشَرْط أَن لَا يَأْكُل وَلَا يَبِيع، جَازَ البيع وَبَطل الشَّرْط. الثَّانِي: كل شَرط لَا يَقْتَضِيهِ العقد وَلَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَة وَلَا مضرَّة لأحد، بِأَن بَاعَ طَعَاما بِشَرْط أَن يَأْكُلهُ جَازَ البيع وَبَطل الشَّرْط. الثَّالِث: كل شَرط يُوجب مَنْفَعَة لغير الْمُتَعَاقدين وَالْمَبِيع نَحْو: البيع بِشَرْط أَن يقْرض أَجْنَبِيّا لَا يفْسد البيع. التَّاسِع: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا وَلَاء لمن أسلم على يَدَيْهِ، وَلَا لمن حَالف إنْسَانا على المناصرة، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: فِيهِ حصر الْوَلَاء للْمُعْتق فيقضتي ذَلِك أَن لَا وَلَاء بِالْحلف والموالاة وبإسلام الرجل على يَد الرجل

стр. 1170

وَلَا بإلتقاطه للقيط، وكل هَذِه الصُّور فِيهَا خلاف بَين الْفُقَهَاء، وَمذهب الشَّافِعِي: لَا وَلَاء فِي شَيْء مِنْهَا للْحَدِيث. قلت: الْوَلَاء عِنْد أَصْحَابنَا نَوْعَانِ: أَحدهمَا: وَلَاء الْعتَاقَة، وَالْآخر: وَلَاء الْمُوَالَاة، وَقد كَانَت الْعَرَب تتناصر بأَشْيَاء: بِالْقَرَابَةِ والصداقة والمؤاخاة وَالْحلف والعصبة، وَوَلَاء الْعتَاقَة وَوَلَاء الْمُوَالَاة، وَقرر رَسُول الله تناصرهم بِالْوَلَاءِ بنوعين وهما: الْعتَاقَة وَوَلَاء الْمُوَالَاة، وَقَالَ: (إِن مولى الْقَوْم مِنْهُم وحليفهم مِنْهُم) . رَوَاهُ أَرْبَعَة من الصَّحَابَة، فَأَحْمَد فِي (مُسْنده) : من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عبيد بن رِفَاعَة بن رَافع الزرقي عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (مولى الْقَوْم مِنْهُم، وَابْن أختهم مِنْهُم، وحليفهم مِنْهُم) . وَالْبَزَّار فِي (سنَنه) : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، قَالَ: (حَلِيف الْقَوْم مِنْهُم وَابْن أختهم مِنْهُم) . والدارمي فِي (مُسْنده) : من حَدِيث عَمْرو بن عون أَن رَسُول ا، قَالَ: (ابْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُم وحليف الْقَوْم مِنْهُم) . وَالطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) : من حَدِيث عتبَة بن غَزوَان عَن النَّبِي نَحوه، وَالْمرَاد بالحليف مولى الْمُوَالَاة لأَنهم كَانُوا يؤكدون الْمُوَالَاة بِالْحلف. الْعَاشِر: أَنه يسْتَحبّ للْإِمَام عِنْد وُقُوع بِدعَة أَن يخْطب النَّاس وَيبين لَهُم حكم ذَلِك وينكر عَلَيْهَا. الْحَادِي عشر: فِيهِ أَنه يسْتَحبّ للْإِمَام أَن يحسن الْعشْرَة مَعَ رَعيته، أَلَا ترى أَنه، لما خطب لم يواجه صَاحب الشَّرْط بِعَيْنِه، لِأَن الْمَقْصُود يحصل لَهُ وَلغيره بِدُونِ فضيحة وشناعة عَلَيْهِ. الثَّانِي عشر: فِيهِ الْمُبَالغَة فِي إِزَالَة الْمُنكر والتغليظ فِي تقبيحه. الثَّالِث عشر: فِي جَوَاز كِتَابَة الْأمة دون زَوجهَا. الرَّابِع عشر: فِيهِ أَن زوج الْأمة لَيْسَ لَهُ منعهَا من السَّعْي فِي كتَابَتهَا، وَقَالَ أَبُو عمر: لَو اسْتدلَّ مستدل من هَذَا الْمَعْنى بِأَن الزَّوْجَة لَيْسَ عَلَيْهَا خدمَة زَوجهَا كَانَ حسنا. الْخَامِس عشر: فِيهِ دَلِيل على أَن العَبْد زوج الْأمة لَهُ منعهَا من الْكِتَابَة الَّتِي تؤول إِلَى عتقهَا وفراقها لَهُ، كَمَا أَن لسَيِّد الْأمة عتق أمته تَحت العَبْد، وَإِن أدّى ذَلِك إِلَى إبِْطَال نِكَاحه، وَكَذَلِكَ لَهُ أَن يَبِيعهَا من زَوجهَا الْحر وَإِن كَانَ فِي ذَلِك بطلَان عقده. السَّادِس عشر: فِيهِ دَلِيل على أَن بيع الْأمة ذَات الزَّوْج لَيْسَ بِطَلَاق لَهَا، لِأَن الْعلمَاء قد اجْتَمعُوا وَلم يخْتَلف فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث أَيْضا أَن بَرِيرَة كَانَت حِين اشترتها عَائِشَة ذَات الزَّوْج، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي زَوجهَا: هَل كَانَ حرا أَو عبدا؟ وَقد اجْتمع عُلَمَاء الْمُسلمين على أَن الْأمة إِذا أعتقت وَزوجهَا عبد أَنَّهَا تخير، وَاخْتلفُوا إِذا كَانَ زَوجهَا حرا هَل تخير أم لَا؟ . السَّابِع عشر: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز أَخذ السَّيِّد نُجُوم الْمكَاتب من مَسْأَلَة النَّاس، لترك النَّبِي ﵊، زجرها عَن مَسْأَلَة عَائِشَة إِذا كَانَت تستعينها فِي أَدَاء نجمها، وَهَذَا يرد قَول من كره كِتَابَة الْمكَاتب الَّذِي يسْأَل النَّاس، وَقَالَ: يطعمني أوساخ النَّاس. الثَّامِن عشر: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز نِكَاح العَبْد الْحرَّة لِأَنَّهَا إِذا خيرت فاختارته بقيت مَعَه وَهِي حرَّة وَهُوَ عبد. التَّاسِع عشر: قَالُوا: فِيهِ مَا يدل على ثُبُوت الْوَلَاء فِي سَائِر وُجُوه الْعتْق: كالكتابة وَالتَّعْلِيق بالصيغة وَغير ذَلِك. الْعشْرُونَ: فِيهِ دَلِيل على قبُول خبر العَبْد وَالْأمة، لِأَن بَرِيرَة أخْبرت أَنَّهَا مُكَاتبَة، فأجابتها عَائِشَة بِمَا أجابت. ١٧ - (بابُ التقاضِي والمُلَازَمَة فيِ المَسْجِدِ) أَي: هَذَا الْبَاب فِي بَيَان حكم التقاضي، أَي فِي مُطَالبَة الْغَرِيم بِقَضَاء الدّين. قَوْله: (والملازمة) أَي: وَحكم مُلَازمَة الْغَرِيم فِي طلب الدّين. قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) يتَعَلَّق بالتقاضي وبالملازمة أَيْضا بالتقدير، لِأَنَّهُ مَعْطُوف عَلَيْهِ. ٧٥٤٦١١ - ح دّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدّثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ تَقَاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَيْناً كانَ لهُ عليهِ فِي المَسْجِدِ فَارْتَفَعتَ أصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسولُ اللَّهِ وهوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى يَا كعْبُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسولَ اللَّهِ قَالَ ضَعْ مِن دَيْنِكَ هَذَا وأوْمَأَ إِليْهِ أَي الشَّطْرَ قَالَ لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رسولَ اللَّهِ قالَ قُمْ فَاقْضِهِ. (الحَدِيث ٧٥٤ أَطْرَافه فِي: ١٧٤، ٨١٤٢، ٤٢٤٢، ٦٠٧٢، ٠١٧٢) . وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة فِي التقاضي ظَاهر، وَأما فِي الْمُلَازمَة فبوجهين. أَحدهمَا: أَن كَعْبًا لما طلب ابْن أبي حَدْرَد بِدِينِهِ فِي

стр. 1171

مَسْجِد النَّبِي ﵊، لَازمه إِلَى أَن خرج النَّبِي ﵇، وَفصل بَينهمَا. وَالْآخر: أَنه أخرج هَذَا الحَدِيث فِي عدَّة مَوَاضِع كَمَا سنذكرها، فَذكر فِي بَاب الصُّلْح وَفِي بَاب الْمُلَازمَة عَن عبد ابْن كَعْب عَن أَبِيه أَنه كَانَ لَهُ على عبد ابْن أبي حَدْرَد مَال فَلَزِمَهُ ... الحَدِيث، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِلَفْظ الْمُلَازمَة هُنَا، إِلَى الحَدِيث الْمَذْكُور، على أَن مَا ذكره فِي عدَّة مَوَاضِع كلهَا حَدِيث وَاحِد، وَله عَادَة فِي بعض الْمَوَاضِع يذكر التراجم بِهَذِهِ الطَّرِيقَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد ابْن مُحَمَّد بن عبد ابْن جَعْفَر بن الْيَمَان، أَبُو جَعْفَر الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، مَاتَ يَوْم الْخَمِيس لست ليالٍ بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عُثْمَان بن عمر، بِضَم الْعين: ابْن فَارس الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عبد ابْن كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ الْمدنِي. السَّادِس: أَبُو كَعْب ابْن مَالك الْأنْصَارِيّ الشَّاعِر، أحد الثَّلَاثَة الَّذين تَابَ اعليهم وَأنزل افيهم: ﴿وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾ (التَّوْبَة: ٨١١) رُوِيَ لَهُ ثَمَانُون حَدِيثا، للْبُخَارِيّ مِنْهَا أَرْبَعَة، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة خمسين، وَكَانَ ابْنه عبد اقائده حِين عمي. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْجمع أَيْضا فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بخاري وبصري ومدني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصُّلْح وَفِي الْأَشْخَاص عَن عبد ابْن مُحَمَّد وَأخرجه أَيْضا فِي الْمُلَازمَة وَفِي الصُّلْح أَيْضا عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب بن وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عُثْمَان بن عمر بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي القضايا عَن أَحْمد بن صَالح عَن ابْن وهب بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي دَاوُد سُلَيْمَان بن سيف عَن عُثْمَان بن عمر بِهِ، وَعَن الرّبيع بن سُلَيْمَان عَن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه، وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن كَعْب بن مَالك مُرْسلا. وَأخرجه ابْن ماجة فِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلي. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (إِنَّه تقاضي) أَي: أَن كَعْبًا تقاضي أَي: طَالب ابْن أبي حَدْرَد بِالدّينِ، و: تقاضى، على وزن: تفَاعل، وأصل هَذَا الْبَاب لمشاركة أَمريْن فَصَاعِدا نَحوه: تشاركاً، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مفعول وَاحِد وَهُوَ الابْن. قلت: إِذا كَانَ تفَاعل من فَاعل الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعول وَاحِد: كضارب، لم يتعدَّ وَإِن كَانَ من الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعولين: كجاذبته الثَّوْب، يتَعَدَّى إِلَى وَاحِد. وَقَالَ الْكرْمَانِي: دينا، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بدين قلت: إِنَّمَا وَجه بِهَذَا لأَنا قُلْنَا: إِن تفَاعل إِذا كَانَ من الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعولين لَا يتَعَدَّى إِلَّا إِلَى مفعول وَاحِد. قَوْله: (ابْن أبي حَدْرَد) ، اسْم ابْن أبي حَدْرَد: هُوَ عبد ابْن أبي سَلامَة: كَمَا صرح بِهِ البُخَارِيّ فِي أحد رواياته على مَا ذكرنَا، وَهُوَ صَحَابِيّ على الْأَصَح، شهد الْحُدَيْبِيَة وَمَا بعْدهَا، مَاتَ سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَسبعين عَن إِحْدَى وَثَمَانِينَ سنة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عبد ابْن سَلامَة بن عُمَيْر هُوَ ابْن عبد ابْن أبي حَدْرَد الْأَسْلَمِيّ، أَمر على غير سَرِيَّة. وَقَالَ فِي بَاب الكنى: أَبُو حَدْرَد الْأَسْلَمِيّ سَلامَة بن عُمَيْر، روى عَنهُ ابْنه عبد اومحمد بن إِبْرَاهِيم وَغَيرهمَا، وحروف حَدْرَد كلهَا مُهْملَة، والحاء مَفْتُوحَة وَكَذَا الرَّاء وَالدَّال سَاكِنة. قَالَ الْجَوْهَرِي ثمَّ الصَّنْعَانِيّ: حَدْرَد اسْم رجل لم يَأْتِ من الْأَسْمَاء على فعلع بتكرير الْعين غَيره. قَوْله: (كَانَ لَهُ عَلَيْهِ) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: (دينا) . قَوْله: (فِي مَسْجِد) يتَعَلَّق بقوله: (تقاضى) . قَوْله: (أصواتهما) ، من قبيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ (التَّحْرِيم: ٤) وَيجوز اعْتِبَار الْجمع فِي: صوتيهما بِاعْتِبَار أَنْوَاع الصَّوْت. قَوْله: (وَهُوَ فِي بَيته) جملَة اسمية فِي مَحل النصب على الْحَال من رَسُول ا. قَوْله: (فَخرج إِلَيْهِمَا) وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: (فَمر بهما النَّبِي) . فَإِن قلت: كَيفَ التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ لِأَن الْخُرُوج غير الْمُرُور؟ قلت: وفْق قوم بَينهمَا بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون مر بهما أَولا ثمَّ إِن كَعْبًا لما أشخص خَصمه للمحاكمة فتخاصما وَارْتَفَعت أصواتهما فسمعهما النَّبِي وَهُوَ فِي بَيته فَخرج إِلَيْهِمَا. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ بعد، لِأَن فِي الطَّرِيقَيْنِ أَنه أَشَارَ إِلَى كَعْب بالوضيعة، وَأمر غَرِيمه بِالْقضَاءِ، فَلَو كَانَ أمره بذلك تقدم لما احْتج إِلَى إِعَادَته. قلت: الَّذِي استبعد فقد أبعد، لِأَن إعدته بذلك قد تكون للتَّأْكِيد، لِأَن الوضيعة أَمر مَنْدُوب والتأكيد بهَا مَطْلُوب، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَالْأولَى فِيمَا يظْهر لي أَن يحمل الْمُرُور على أَمر معنوي لَا حسي. قلت: إِن أَرَادَ بِالْأَمر الْمَعْنَوِيّ الْخُرُوج فَفِيهِ إِخْرَاج اللَّفْظ عَن مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ بِلَا ضَرُورَة، وَالْأولَى

стр. 1172

أَن يكون اللَّفْظ على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، وَيكون الْمَعْنى أَنه: لما سمع صوتهما خرج من الْبَيْت لأجلهما وَمر بهما. وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، وَلَا سِيمَا فِي حَدِيث وَاحِد رُوِيَ بِوُجُوه مُخْتَلفَة. وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: من حَدِيث زَمعَة بن صَالح عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن كَعْب بن مَالك عَن أَبِيه: (أَن النَّبِي مر بِهِ وَهُوَ ملازم رجل فِي أوقيتين، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: هَكَذَا يضع الشّطْر، وَقَالَ الرجل: نعم يَا رَسُول ا، فَقَالَ: أدِّ إِلَيْهِ مَا بَقِي من حَقه) . قَوْله: (سجف حجرته) ، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتحهَا بعْدهَا جِيم سَاكِنة، وَقَالَ ابْن سَيّده: هُوَ السّتْر، وَقيل: هُوَ الستران المقرونان بَينهمَا فُرْجَة، وكل بَاب ستر بسترين مقرونين فَكل شقّ مِنْهُ سجف، وَالْجمع أسجاف وسجوف، وَرُبمَا قَالُوا: السجاف والسجف والسجيف إرخاء السجف. زَاد فِي (الْمُخَصّص) و (الْجَامِع) : وَبَيت مسجف. وَفِي (الصِّحَاح) : أسجف السّتْر أَي أَرْسلتهُ. وَقَالَ عِيَاض وَغَيره: لَا يُسمى سجفاً إلَاّ أَن يكون مشقوق الْوسط كالمصراعين. قلت: الَّذِي قَالَه ابْن سَيّده يردهُ. قَوْله؛ (لبيْك) ، تَثْنِيَة. للبَّا، وَهُوَ الْإِقَامَة وَهُوَ مفعول مُطلق يجب حذف عَامله، وَهُوَ من بَاب الثنائي الَّذِي للتَّأْكِيد والتكرار وَمَعْنَاهُ: لباً بعد لبٍ أَي: أَنا مُقيم على طَاعَتك. قَوْله: (ضع) ، على وزن: فع، أَمر من: وضع يضع. قَوْله: (أَي الشّطْر) تَفْسِير لقَوْله: هَذَا، أَي: ضع عَنهُ الشّطْر أَي: النّصْف. وَجَاء لفظ: النّصْف، مُصَرحًا فِي رِوَايَة الْأَعْرَج على مَا يَجِيء إِن شَاءَ اتعالى، وَهُوَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ تَفْسِير للمنصوب، وَهُوَ قَوْله: هَذَا، لِأَنَّهُ مَنْصُوب بقوله: ضع. قَوْله: (لقد فعلت) مُبَالغَة فِي امْتِثَال الْأَمر لِأَنَّهُ أكد فعلت: بِاللَّامِ، وَكلمَة؛ قد، وَفِيه معنى الْقسم أَيْضا. قَوْله: (قُم) ، خطاب لِابْنِ أبي حَدْرَد. قَوْله: (فاقضه) أَمر على جِهَة الْوُجُوب، لِأَن رب الدّين لما أطَاع بِوَضْع مَا أَمر بِهِ تعين على الْمديَان أَن يقوم بِمَا بَقِي عَلَيْهِ لِئَلَّا يجْتَمع على رب الدّين وضيعة ومطل. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام فِيهِ: إِشَارَة إِلَى أَنه لَا يجْتَمع الوضيعة والمطل، لِأَن صَاحب الدّين يتَضَرَّر كَمَا ذكرنَا. وَفِيه: الْمُخَاصمَة فِي الْمَسْجِد فِي الْحُقُوق، والمطالبة بالديون، قَالَه ابْن بطال. وَفِيه: دَلِيل على إِبَاحَة رفع الصَّوْت فِي الْمَسْجِد مَا لم يتفاحش لعدم الْإِنْكَار مِنْهُ ﵊، وَقد أفرد لَهُ البُخَارِيّ بَابا يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ اتعالى فَإِن قلت: قد ورد فِي حَدِيث وَاثِلَة من عِنْد ابْن مَاجَه يرفعهُ: (جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَخُصُومَاتكُمْ) ، وَحَدِيث مَكْحُول من عِنْد أبي نعيم الْأَصْبَهَانِيّ عَن معَاذ مثله، وَحَدِيث جُبَير بن مطعم، وَلَفظه: (وَلَا ترفع فِيهِ الْأَصْوَات) ، وَكَذَا حَدِيث ابْن عمر من عِنْد أبي أَحْمد. قلت: أُجِيب: بِأَن هَذِه الْأَحَادِيث ضَعِيفَة، فَبَقيَ الْأَمر على الْإِبَاحَة من غير معَارض، وَلَكِن هَذَا الْجَواب لَا يُعجبنِي لِأَن الْأَحَادِيث الضعيفة تتعاضد وتتقوى إِذا اخْتلفت طرقها ومخارجها، وَالْأولَى أَن يُقَال: أَحَادِيث الْمَنْع مَحْمُولَة على مَا إِذا كَانَ الصَّوْت متفاحشاً، وَحَدِيث الْإِبَاحَة مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ غير متفاحش. وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس أَن يقْضِي الرجل فِي الْمَسْجِد دينا، وَأما التِّجَارَة وَالصرْف فَلَا أحبه. وَفِيه: جَوَاز الِاعْتِمَاد على الْإِشَارَة لقَوْله: هَكَذَا، أَي: الشّطْر، وَأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْكَلَام إِذا فهمت لدلالتها عَلَيْهِ، فَيصح على هَذَا يَمِين الْأَخْرَس وشهادته ولعانه وعقوده إِذا فهم عَنهُ ذَلِك. وَفِيه: إِشَارَة الْحَاكِم إِلَى الصُّلْح على جِهَة الْإِرْشَاد، وَهَهُنَا وَقع الصُّلْح على الْإِقْرَار الْمُتَّفق عَلَيْهِ، لِأَن نزاعهما لم يكن فِي الدّين وَإِنَّمَا كَانَ فِي التقاضي. وَأما الصُّلْح على الْإِنْكَار فَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة وَمَالك، وَهُوَ قَول الْحسن. وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ بَاطِل، وَبِه قَالَ ابْن أبي ليلى. وَفِيه: الْمُلَازمَة للاقتضاء. وَفِيه: الشَّفَاعَة إِلَى صَاحب الْحق والإصلاح بَين الْخُصُوم وَحسن التَّوَسُّط بَينهم. وَفِيه: قبُول الشَّفَاعَة فِي غير مَعْصِيّة. وَفِيه: إرْسَال الستور عِنْد الْحُجْرَة. ٢٧ - (بابُ كَنْسِ المَسْجِدِ والْتِقَاطِ الخِرَقِ والقَذَى وَالعِيدَانِ مِنْهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل كنس الْمَسْجِد، وَهُوَ إِزَالَة الكناسة مِنْهُ، والالتقاط هُوَ أَن تعثر على شَيْء من غير قصد وَطلب، و: الْخرق، بِكَسْر الْخَاء وَفتح الرَّاء جمع: خرقَة، و: القذى، بِفَتْح الْقَاف والذال الْمُعْجَمَة جمع: قذاة، وَجمع الْجمع: أقذية. قَالَ الْجَوْهَرِي: القذى فِي الْعين وَالشرَاب: مَا يسْقط فِيهِ، قلت: المُرَاد مِنْهُ هَهُنَا كسر الأخشاب والقش وَنَحْو ذَلِك، و: العيدان، جمع: عود، وَهُوَ الْخشب. قَوْله: (مِنْهُ) لَيْسَ فِي أَكثر النّسخ، وَلَكِن بِقدر فِيهِ، وَهُوَ يتَعَلَّق بالالتقاط.

стр. 1173

٨٥٤ - ح دّثنا سُلَيْمَانْ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أبي رَافِعٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلاً أسْوَدَ أَو امْرَأَةً سَوْدَاءَ كانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ فَسَأَلَ النبيُّ عنهُ فَقالُوا ماتَ قالَ أفَلَا كُنْتُم آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلونِي عَلَى قَبْرِهِ أوْ قَالَ عَلَى قَبْرِها فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْها. (الحَدِيث ٨٥٤ طرفاه فِي: ٠٦٤. ٧٣٣١) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ يقم الْمَسْجِد) أَي: يكنسه، فَإِن قلت: الْتِقَاط الْخرق إِلَى آخِره من جملَة التَّرْجَمَة، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على ذَلِك، قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّ البُخَارِيّ حمله بِالْقِيَاسِ على الكنس، وَالْجَامِع بَينهمَا: التَّنْظِيف. وَقيل: أَشَارَ البُخَارِيّ بذلك كُله إِلَى مَا ورد فِي بعض طرقه صَرِيحًا: (وَكَانَت تلْتَقط الْخرق والعيدان من الْمَسْجِد) ، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة، وَفِي حَدِيث بُرَيْدَة عَن أَبِيه: (كَانَت مولعة بلقط القذى من الْمَسْجِد) . ذكر رِجَاله. وهم خَمْسَة: الأول: سُلَيْمَان بن حَرْب الواشحي، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى: واشح، بطن من الأزد، الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد، وَقد ذكر غير مرّة. الثَّالِث: ثَابت الْبنانِيّ. الرَّابِع: أَبُو رَافع: نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الصَّائِغ التَّابِعِيّ الْكَبِير، وَلَقَد وهم من قَالَ: إِنَّه أَبُو رَافع الصَّحَابِيّ، وَقَالَ: وَهُوَ من رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. فَإِن ثَابتا الْبنانِيّ لم يدْرك أَبَا رَافع الصَّحَابِيّ. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن وَاقد، وَفِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن الْفضل. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، وَأبي كَامِل الجحدري. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب ومسدد، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أَحْمد بن عَبدة. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (أَو امْرَأَة سَوْدَاء) ، الشَّك فِيهِ إِمَّا من ثَابت أَو من أبي رَافع، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه من ثَابت لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنهُ جمَاعَة هَكَذَا، وَأخرج البُخَارِيّ أَيْضا عَن حَمَّاد بِهَذَا الْإِسْنَاد. قَالَ: وَلَا آراه، إلَاّ امْرَأَة. وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، فَقَالَ: (امْرَأَة سَوْدَاء) ، من غير شكّ فِيهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: من حَدِيث ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه: أَن اسْم الْمَرْأَة أم محجن. وَفَائِدَة أُخْرَى فِيهِ أَن الَّذِي أجَاب النَّبِي عَن سُؤَاله عَنْهَا أَبُو بكر الصّديق. قَوْله: (كَانَ يقم) ، من: قُم، الشَّيْء يقم قماً، من بَاب: نصر ينصر نصرا، وَمَعْنَاهُ: كنسه، وَالْقُمَامَة، بِضَم الْقَاف: الكناسة. قَالَه ابْن سَيّده: وَقَالَ اللحياني: قمامة الْبَيْت مَا كنس مِنْهُ فألقي بعضه على بعض، وَهِي لُغَة حجازية، والمقمة، بِكَسْر الْمِيم: المكنسة. وَفِي (الصِّحَاح) وَالْجمع: القمام. قَوْله: (سُئِلَ عَنهُ) ، أَي عَن حَاله، ومفعول: سَأَلَ، مَحْذُوف أَي: سَأَلَ النَّاس عَنهُ. قَوْله: (أَفلا كُنْتُم؟) لَا بُد من مُقَدّر بعد الْهمزَة، وَالتَّقْدِير: أدفنتم؟ فَلَا كُنْتُم آذنتموني: بِالْمدِّ، أَي: أعلمتنموني بِمَوْتِهِ حَتَّى أُصَلِّي عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن صلَاته رَحْمَة وَنور فِي قُبُورهم، على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم: (إِن امْرَأَة أَو شَابًّا) الحَدِيث، وَزَاد فِي آخِره: (إِن هَذِه الْقُبُور مَمْلُوءَة ظلمَة على أَهلهَا، وَإِن اتعالى ينورها لَهُم بصلاتي عَلَيْهِم) . قيل: إِن البُخَارِيّ لم يخرج هَذِه الزِّيَادَة لِأَنَّهَا مدرجة فِي هَذَا الْإِسْنَاد، وَهِي من مَرَاسِيل ثَابت، بَين ذَلِك غير وَاحِد من أَصْحَاب حَمَّاد بن زيد. قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ، الَّذِي يغلب على الْقلب أَن هَذِه الزِّيَادَة فِي غير رِوَايَة أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة، فإمَّا أَن يكون عَن ثَابت عَن النَّبِي مُرْسلا، كَمَا رَوَاهُ أَحْمد بن عَبدة وَمن تَابعه، أَو عَن ثَابت عَن أنس عَن النَّبِي كَمَا رَوَاهُ غير حَمَّاد بن زيد عَن ثَابت عَن أبي رَافع، فَلم يذكرهَا. وروى ابْن حبَان من حَدِيث خَارِجَة بن زيد بن ثَابت عَن عَمه يزِيد بن ثَابت، قَالَ: (خرجنَا مَعَ النَّبِي، فَلَمَّا ورد البقيع إِذْ مر بِقَبْر جَدِيد، فَسَأَلَ عَنهُ، فَقيل: فُلَانَة. فعرفها، وَقَالَ: أَلا آذنتموني بهَا؟ قَالُوا: كنت قَائِلا صَائِما فكرهنا أَن نؤذيك. قَالَ: فَلَا تَفعلُوا لأعرفن، مَا مَاتَ فِيكُم ميت مَا كنت بَين أظهر كم إلَاّ آذنتموني بِهِ، صَلَاتي عَلَيْهِ رَحْمَة لَهُ، ثمَّ أَتَى الْقَبْر فصففنا خَلفه فَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا) . انْتهى. كَذَا ذكره فِي صَحِيحه، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَهُوَ يحْتَاج إِلَى تَأمل وَنظر، وَذَلِكَ أَن يزِيد قتل بِالْيَمَامَةِ سنة ثِنْتَيْ عشرَة، وخارجة توفّي سنة مائَة أَو أقل من ذَلِك، وسنه سَبْعُونَ سنة، فَلَا يتَّجه سَمَاعه مِنْهُ بِحَال.

стр. 1174

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام فِيهِ: فضل تنظيف الْمَسْجِد، وَقَالَ ابْن بطال. وَفِيه: الحض على كنس الْمَسَاجِد وتنظيفها لِأَنَّهُ إِنَّمَا رخصه بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بعد دَفنه من أجل ذَلِك، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه كنس الْمَسْجِد. وَفِيه: خدمَة الصَّالِحين وَالسُّؤَال عَن الْخَادِم وَالصديق إِذا غَابَ وافتقاده. وَفِيه: الْمُكَافَأَة بِالدُّعَاءِ والترحم على من وقف نَفسه على نفع الْمُسلمين ومصالحهم. وَفِيه: الرَّغْبَة فِي شُهُود جنائز الصَّالِحين. وَفِيه: جَوَاز الصَّلَاة على الْقَبْر، وَهِي مَسْأَلَة خلافية جوزها طَائِفَة، مِنْهُم: عَليّ وَأَبُو مُوسَى وَابْن عمر وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهُم، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَمنعه: النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالثَّوْري. وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَاللَّيْث وَمَالك، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا يجوز إِذا لم يصل الْوَلِيّ والوالي، ثمَّ اخْتلف من قَالَ بِالْجَوَازِ إِلَى كم يجوز؟ فَقيل: إِلَى شهر، وَقيل: مَا لم يبل جسده، وَقيل: أبدا، وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ فِي الْجَنَائِز، إِن شَاءَ اتعالى. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْإِعْلَام بِالْمَوْتِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: أَن على الرَّاوِي التَّنْبِيه على شكه فِيمَا رَوَاهُ مشكوكاً. ٣٧ - (بابُ تحْرِيمِ تِجَارَةِ الخَمْرِ فِي المسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر، وَلَا بُد فِيهِ من تَقْدِير مُضَاف، لِأَن المُرَاد بَيَان ذَلِك، وَتبين أَحْكَامه وَلَيْسَ المُرَاد بِأَن تَحْرِيمهَا مُخْتَصّ بِالْمَسْجِدِ لِأَنَّهَا حرَام، سَوَاء كَانَت فِي الْمَسْجِد أَو فِي غَيره، وَقَوله: فِي الْمَسْجِد، يتَعَلَّق بِالتَّحْرِيمِ لَا بِالتِّجَارَة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : أَخذ من كَلَام ابْن بطال: وغرض البُخَارِيّ هُنَا فِي هَذَا الْبَاب، وَا أعلم، أَن الْمَسْجِد لما كَانَ للصَّلَاة وَلذكر اتعالى منزهاً من الْفَوَاحِش، وَالْخمر والربا من أكبر الْفَوَاحِش يمْنَع من ذَلِك، فَلَمَّا ذكر الشَّارِع تَحْرِيمهَا فِي الْمَسْجِد، ذكر أَنه لَا بَأْس بِذكر الْمُحرمَات والأقذار فِي الْمَسْجِد على وَجه النَّهْي عَنْهَا، وَالْمَنْع مِنْهَا. انْتهى. وَأخذ بَعضهم من كَلَامه: فَقَالَ: بَاب تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر فِي الْمَسْجِد، أَي: جَوَاز ذكر ذَلِك. قلت: كل هَذَا خَارج عَن المهيع أَو تَصَرُّفَات بِغَيْر تَأمل، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي بَيَان جَوَاز ذكر ذَلِك فِي الْمَسْجِد، إِذْ هُوَ مُبين من الْخَارِج، وَلَيْسَ غَرَض البُخَارِيّ ذَلِك، وَإِنَّمَا غَرَضه بَيَان أَن تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر وَقع فِي الْمَسْجِد، لِأَن ظَاهر حَدِيث الْبَاب مُصَرح بذلك، لِأَن عَائِشَة. قَالَت: لما نزلت الْآيَات من سُورَة الْبَقَرَة فِي الرِّبَا خرج النَّبِي إِلَى الْمَسْجِد إِلَى آخِره، فَهَذَا ظَاهره أَن تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر بعد نزُول آيَات الرِّبَا. فَإِن قلت: كَانَ تَحْرِيم الْخمر قبل نزُول آيَات الرِّبَا بِمدَّة طَوِيلَة، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَلَمَّا حرمت الْخمر حرمت التِّجَارَة فِيهَا أَيْضا قطعا، فَمَا الْفَائِدَة فِي ذكر تَحْرِيم تجارتها هَهُنَا. قلت: يحْتَمل كَون تَحْرِيم التِّجَارَة فِيهَا قد تَأَخَّرت عَن وَقت تَحْرِيم عينهَا، وَيحْتَمل أَن يكون ذكره هُنَا تَأْكِيدًا ومبالغة فِي إِشَاعَة ذَلِك، أَو يكون قد حضر الْمجْلس من لم يبلغهُ تَحْرِيم التِّجَارَة فِيهَا قبل ذَلِك، فَأَعَادَ ذكر ذَلِك للإعلام لَهُم، وَكَانَ ذَلِك وَرَسُول الله فِي الْمَسْجِد، وَهَذَا أَيْضا هُوَ موقع التَّرْجَمَة، وَلَيْسَ ذَلِك مثل مَا قَالَ بَعضهم: وموقع التَّرْجَمَة أَن الْمَسْجِد منزه عَن الْفَوَاحِش قولا وفعلاً، لَكِن يجوز ذكرهَا فِيهِ للتحذير مِنْهَا. انْتهى. قلت: إِذا كَانَ ذكر الْفَوَاحِش جَائِزا فِي الْمَسْجِد لأجل التحذير، فَمَا وَجه تَخْصِيص ذكر فَاحِشَة تَحْرِيم الْخمر فِي الْمَسْجِد؟ وَجَوَاب هَذَا يلْزم هَذَا الْقَائِل، فعلى مَا ذكرنَا لَا يرد سُؤال فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب. ٩٥٤٨١١ - ح دّثنا عَبْدَانُ عَنْ أبي حَمْزَة عنِ الأَعْمَشِ عنْ مسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ لَمَّا أُنْزِلَتِ الآياتُ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبَا خَرَجَ النبيُّ إلَى المَسْجِدِ فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الخَمْرِ. (الحَدِيث ٩٥٤ أَطْرَافه فِي: ٤٨٠٢، ٦٢٢٢، ٠٤٥٤، ١٤٥٤، ٢٤٥٤، ٣٤٥٤) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة قد ذَكرنَاهَا الْآن. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَبْدَانِ: هُوَ عبد ابْن عُثْمَان الْمروزِي، وعبدان، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: لقب لَهُ قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَأَصله من الْبَصْرَة. الثَّانِي: أَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: اسه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي، مر فِي بَاب نفض الْيَدَيْنِ فِي الْغسْل. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش.

стр. 1175

الرَّابِع: مُسلم بن صبيح، بِضَم الصَّاد وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وكنيته أَبُو الضُّحَى الْكُوفِي. الْخَامِس: مَسْرُوق بن الأجدع الْكُوفِي. السَّادِس: عَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وكوفي. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض وهم: الْأَعْمَش وَمُسلم ومسروق. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَفِي التَّفْسِير عَن بشر بن خَالِد، وَفِيه أَيْضا عَن عمر بن حَفْص، وَفِي الْبيُوع وَالتَّفْسِير أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَعَن عُثْمَان عَن أبي مُعَاوِيَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، وَفِي التَّفْسِير عَن بشر بن خَالِد بِهِ، وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه ابْن ماجة فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد، كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة الضَّرِير بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (لما نزلت الْآيَات) هِيَ من قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يَأْكُلُون الرِّبَا لَا يقومُونَ إِلَّا كَمَا يقوم الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) إِلَى قَوْله: ﴿لَا تظْلمُونَ وَلَا تظْلمُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٩٧٢) وروى ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: (آكل الرِّبَا يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة مَجْنُونا يخنق) . قَالَ: وَرُوِيَ عَن عَوْف بن مَالك وَسَعِيد بن جُبَير وَالسُّديّ وَالربيع بن أنس وَمُقَاتِل بن حَيَّان نَحْو ذَلِك، وروى ابْن جريرج فال: حَدثنِي الْمثنى حدّثنا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حدّثنا ربيعَة بن كُلْثُوم حدّثنا أبي عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (يُقَال يَوْم الْقِيَامَة لآكل الرِّبَا: خُذ سِلَاحك للحرب، وَقَرَأَ: ﴿لَا يقومُونَ إِلَّا كَمَا يقوم الَّذِي بتخبطه الشَّيْطَان من الْمس﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧٢) قَالَ: وَذَلِكَ حِين يقوم من قَبره) . قَوْله: (من سُورَة الْبَقَرَة) وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (لما نزلت الْآيَات من آخر سُورَة الْبَقَرَة فِي الرِّبَا، قَرَأَهَا رَسُول الله على النَّاس ثمَّ حرم التِّجَارَة فِي الْخمر) . وَقَالَ ابْن كثير فِي تَفْسِيره: قَالَ بعض من تكلم على هَذَا الحَدِيث من الْأَئِمَّة: لما حرم الرِّبَا ووسائله حرم الْخمر، وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ من تِجَارَة وَنَحْو ذَلِك. قلت: ظَاهر هَذَا يدل على أَن تَحْرِيم الْخمر كَانَ مَعَ تَحْرِيم الرِّبَا، وَلَكِن قَالُوا: إِن تَحْرِيم الْخمر قبل تَحْرِيم الرِّبَا بِمدَّة طَوِيلَة، كَمَا ذكرنَا عَن قريب. والربا: مَقْصُور، من: رَبًّا يَرْبُو إِذا زَاد فَيكْتب بِالْألف، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ كتبه بِالْيَاءِ بِسَبَب الكسرة فِي أَوله، وَقد كتب فِي الْمُصحف: بِالْوَاو. قَالَ الْفراء: إِنَّمَا كتبوه بِالْوَاو لِأَن أهل الْحجاز تعلمُوا الْخط من أهل الْحيرَة ولغتهم الربو، فعلموهم صُورَة الْخط على لغتهم، قَالَ: وَيجوز كتبه بِالْألف وبالواو وبالياء. قَوْله: (تِجَارَة الْخمر) أَي: بيعهَا وشراءها. ٤٧ - (بابُ الخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر الخدم، بِفَتْح الْخَاء وَالدَّال: جمع خَادِم، هَكَذَا بِكَلِمَة: فِي فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: الخدم لِلْمَسْجِدِ، بِاللَّامِ: وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يكون هَذَا الْبَاب عقيب بَاب: كنس الْمَسْجِد، على مَا لَا يخفى. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ تَعْنِي ﴿مُحَرَّراً﴾ لِلْمَسْجِدِ يخْدُمُها. ١٣ - ٥٠ أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى أَن تَعْظِيم الْمَسْجِد بِالْخدمَةِ كَانَ مَشْرُوعا أَيْضا فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة، أَلَا ترى أَن اتعالى حكى عَن حنة أم مَرْيَم أَنَّهَا لما حبلت نذرت تَعَالَى أَن يكون مَا فِي بَطنهَا محرراً، يَعْنِي عتيقاً يخْدم الْمَسْجِد الْأَقْصَى، وَلَا يكون لأحد عَلَيْهِ سَبِيل، وَلَوْلَا أَن خدمَة الْمَسَاجِد مِمَّا يتَقرَّب بِهِ إِلَى اتعالى لما نذرت بِهِ، وَهَذَا أَيْضا مَوضِع التَّرْجَمَة. وَأما التَّعْلِيق الْمَذْكُور فَإِن الضَّحَّاك ذكره عَن ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِيره. قَوْله: (تَعْنِي) بِلَفْظ الْمُؤَنَّث الْغَائِب، لِأَنَّهُ يرجع إِلَى حنة أم مَرْيَم، و: حنة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون. قَوْله: (يخدمها) ، ويروى: (ويخدمه) ، أَي: يخْدم الْمَسْجِد، وعَلى الأول: يخْدم الْمَسَاجِد أَو الأَرْض المقدسة، وَنَحْو ذَلِك. ٠٦٤٩١١ - ح دّثنا أحْمَدُ بنُ وَاقِدٍ قَالَ حدّثنا حَمَّادٌ عنْ ثابِتٍ عنْ أبي رَافِعٍ عنْ أبي هُرَيْرَة

стр. 1176

َ أنَّ امْرَأَةً أوْ رَجُلاً كانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ ولَا أَرَاهُ إِلَاّ امْرَأَةً فَذَكَرَ حَدِيثَ النبيِّ أنَّهُ صلَّى عَلَى قَبْرِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٨٥٤ وطرفه) . وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهر، وَالْكَلَام فِيهِ قد مر مُسْتَوفى عَن قريب، وَأحمد بن وَاقد بِالْقَافِ هُوَ أَحْمد بن عبد الْملك بن وَاقد الْحَرَّانِي أَبُو يحيى، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِبَغْدَاد، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وثابت الْبنانِيّ وَأَبُو رَافع نفيع، وَقد مر ذكرهم. قَوْله: (وَلَا أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة أَي: لَا أَظُنهُ، وَهَذَا من كَلَام أبي رَافع، وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام أبي هُرَيْرَة، رَضِي اتعالى عَنهُ. قَوْله: (فَذكر) أَي: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ، ذكر حَدِيث النَّبِي ﵊، الَّذِي تقدم فِي الْبَاب السَّابِق. ٥٧ - (بابُ الأَسِيرِ أَو الغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة ربط الْأَسير أَو الْغَرِيم فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ القَاضِي شُرَيْح يَأْمر بربط الْغَرِيم فِي سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد. قَوْله: (الْأَسير) ، فعيل بِمَعْنى مفعول، قَالَ الْجَوْهَرِي: أسره أَي: شده بالإسار، وَهُوَ الْقد، وَمِنْه سمي الْأَسير. وَكَانُوا يشدونه بالقد فَسُمي كل أخيذ أَسِيرًا، وَإِن لم يشد بِهِ، والغريم هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الدّين، وَقد يكون الْغَرِيم لَهُ الدّين، وَالْمرَاد هُنَا الأول. قَوْله: (يرْبط) ، جملَة وَقعت حَالا من كل وَاحِد من: الْأَسير والغريم، بِتَقْدِير جملَة أُخْرَى نَحْوهَا للمطعوف عَلَيْهِ، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين بِكَلِمَة: أَو الَّتِي للتنويع، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن وَغَيره: والغريم، بواو الْعَطف. ١٦٤١٢١ - ح دّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شُعْبَةَ عنْ محَمَّدٍ بنِ زِيادٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبيِّ قَالَ إنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الجنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ أوْ كَلِمَةً نحْوَها لِيقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنهُ فَأَرَدْتُ إِنْ أرْبِطَهُ إِلَى سارِية مِنْ سَوَارِي المسْجدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدي قَالَ رَوْحٌ فرَدَّهُ خاسِئاً. (الحَدِيث ١٦٤ أَطْرَافه فِي: ٠١٢١، ٤٨٢٣، ٣٢٤٣، ٨٠٨٤) . ١١ - ٥٠ وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْأَسير) ، ظَاهر، وَأما فِي قَوْله: (والغريم) فبالقياس عَلَيْهِ، لِأَن الْغَرِيم مثل الْأَسير فِي يَد صَاحب الدّين. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن رَاهَوَيْه، تقدم فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء: ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وخفة الْبَاء الْمُوَحدَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْمَشْهُور بغندر. الرَّابِع: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الْخَامِس: مُحَمَّد بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، تقدم ذكره فِي بَاب غسل الأعقاب. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة إِسْحَاق عَن شيخين. وَفِيه: القَوْل بَينه وَبَينهمَا. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وبصري. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أَيْضا، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن مُحَمَّد بن بشار أَيْضا، وَفِي صفة إِبْلِيس عَن مَحْمُود وَمُحَمّد فرقهما، كِلَاهُمَا عَن شَبابَة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور، وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن غنْدر عَن بنْدَار. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (إِن عفريتا) قَالَ ابْن الْحَاجِب: وَزنه: فعليت وَفِي (الْمُحكم) : رجل عفر وعفرية وعفاريت وعفريت، بيّن العفارة: خَبِيث مُنكر. وَقَالَ الزّجاج: العفريت النَّافِذ فِي الْأَمر المبالغ فِيهِ، من: خبث ودهاء، وَقد تعفرت. وَفِي (الْجَامِع) : والشيطان عفريت وعفرية وهم العفاريت والعفارية، وَفِي الْقُرْآن: ﴿قَالَ عفريت من الْجِنّ﴾ (النَّمْل: ٩٣) وَقَرَأَ بعض الْقِرَاءَة: قَالَ عفرية من الْجِنّ، قَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا سكنت الْبَاء صيرت الْهَاء تَاء، وَإِذا حركتها فالتاء هَاء فِي الْوَقْف. قَوْله: (من الْجِنّ) ، قَالَ ابْن

стр. 1177

سَيّده: الْجِنّ نوع من الْعَالم، وَالْجمع: جنان، وهم: الْجنَّة، والجني مَنْسُوب إِلَى الْجِنّ، وَالْجنَّة طائف من الْجِنّ، والمجنة الْجِنّ، وَأَرْض مجنة: كَثِيرَة الْجِنّ، والجان: أَبُو الْجِنّ، والجان: الْجِنّ، وَهُوَ اسْم جمع. وَاعْلَم أَن الْمَوْجُود الْمُمكن الَّذِي لَيْسَ بمتحيز وَلَا صفة للمتحيز هم الْأَرْوَاح، وَهِي: إِمَّا سفلية وَإِمَّا علوِيَّة. فالسفلية: إِمَّا خيرة وهم: صالحو الْجِنّ، أَو شريرة وهم مَرَدَة الشَّيَاطِين. والعلوية: إِمَّا مُتَعَلقَة بالأجسام: وَهِي الْأَرْوَاح الفلكية، أَو غير مُتَعَلقَة بالأجسام: وَهِي الْأَرْوَاح المقدسة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الْجِنّ خلاف الْإِنْس، يُقَال: جنه اللَّيْل وأجنه وجن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد: إِذا ستره، وكل شَيْء استتر فقد جن عَنْك، وَبِه سميت الْجِنّ، وَقَالَ ابْن عقيل: إِنَّمَا سمي الْجِنّ جناً لاستجنانهم واستتارهم عَن الْعُيُون، وَمِنْه سمي الْجَنِين جَنِينا. قَوْله: (تفلت) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد اللَّام: أَي تعرض لي فلتة أَي بَغْتَة. وَفِي (الْمُحكم) : أفلت الشَّيْء إِذا أَخذه بَغْتَة فِي سرعَة، و: كَانَ ذَلِك فلتة أَي: فَجْأَة، وَالْجمع: فلتات، لَا يُجَاوز بهَا جمع السلامية، والفلتة الْأَمر يَقع من غير إحكام. وَفِي (الْمُنْتَهى) : تفلت علينا وإلينا. وَفِي (الصِّحَاح) : أفلت الشَّيْء يفلت وانفلت بِمَعْنى، وأفلته غَيره. قَوْله: (البارحة) ، هِيَ أقرب لَيْلَة مَضَت. وَفِي (الْمُنْتَهى) : كل زائل بارح، وَمِنْه سميت البارحة أدنى لَيْلَة زَالَت عَنْك، تَقول: لَقيته البارحة، والبارحة الأولى، ومنذ ثَلَاث لَيَال. وَفِي (الْمُحكم) : البارحة هِيَ اللَّيْلَة الخالية وَلَا تحقر، وَقَالَ قَاسم فِي (كتاب الدَّلَائِل) : يُقَال: بارحة الأولى يُضَاف الِاسْم إِلَى الصّفة، كَمَا يُقَال: مَسْجِد الْجَامِع، وَمِنْه الحَدِيث: (كَانَت لي شَاة فَعدا عَلَيْهَا الذِّئْب بارحة الأولى) . وانتصابها على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (أَو كلمة نَحْوهَا) أَي: أَو قَالَ كلمة، نَحْو: تفلت عَليّ البارحة، مثل قَوْله فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (عرض لي فَشد عَليّ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: (عرض لي فِي صُورَة هر) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء: (جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي) . قَوْله: (إِلَى سَارِيَة) وَهِي الأسطوانة. قَوْله: (حَتَّى تصبحوا) ، أَي: حَتَّى تدْخلُوا فِي الصَّباح، وَهِي تَامَّة لَا تحْتَاج إِلَى خبر. قَوْله: (كلكُمْ) ، بِالرَّفْع تَأْكِيد للضمير الْمَرْفُوع. قَوْله: (رب اغْفِر لي وهب لي) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي بَقِيَّة الرِّوَايَات هُنَا: (رب هَب لي) ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّه ذكره على قصد الاقتباس من الْقُرْآن، لَا على قصد أَنه قُرْآن. انْتهى. وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم، كَمَا فِي رِوَايَة أبي ذَر: والأخوة بَين سُلَيْمَان وَبَين سيدنَا مُحَمَّد بِحَسب أصُول الدّين أَو بِحَسب الْمُمَاثلَة فِي الدّين. قَوْله: (قَالَ روح فَرده خاسئاً) أَي: قَالَ روح بن عبَادَة الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، فَرده النَّبِي، أَي: العفريت، حَال كَونه خاسئاً أَي: مطروداً. وَفِي (الْمُحكم) : الخاسىء من الْكلاب والخنازير وَالشَّيَاطِين: الْبعيد الَّذِي لَا يتْرك أَن يدنو من النَّاس، وخسأ الْكَلْب يخسأ خسأً وخسوءاً فخسأ وانخسأ، وَيُقَال: اخْسَأْ إِلَيْك واخسأ عني. وَفِي (الصِّحَاح) : خسأت الْكَلْب طردته، وخسأ الْكَلْب نَفسه، يتعدي وَلَا يتَعَدَّى، وَيكون الخاسىء بِمَعْنى: الصاغر الذَّلِيل، ثمَّ إِن قَوْله هَذَا بِحَسب الظَّاهِر يدل على أَن هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة روح دون رَفِيقه مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَلَكِن البُخَارِيّ روى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَحده، فَزَاد فِي آخِره أَيْضا: (فرددته خاسئاً) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَرده اخاسئاً) ، فعل هَذَا دلّ على أَن قَوْله: قَالَ روح، دَاخل تَحت الْإِسْنَاد، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن قَول الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: هَذَا تَعْلِيق للْبُخَارِيّ مِنْهُ، أَو هُوَ دَاخل تَحت الْإِسْنَاد السَّابِق. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْفَوَائِد الأولى: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن رُؤْيَة الْجِنّ الْبشر غير مستحيلة، وَالْجِنّ أجسام لَطِيفَة والجسم، وَإِن لطف فدركه غير مُمْتَنع أصلا، وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم﴾ (الْأَعْرَاف: ٧٢) فَإِن ذَلِك حكم الْأَعَمّ الْأَغْلَب من أَحْوَال بني آدم، امتحنهم ابذلك وابتلاهم ليفزعوا إِلَيْهِ ويستعيذوا بِهِ من شرهم، وَيطْلبُونَ الْأمان من غائلتهم، وَلَا يُنكر أَن يكون حكم الْخَاص والنادر من المصطفين من عباده بِخِلَاف ذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّأْوِيل، إِذْ لَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَنْفِي رؤيتنا إيَّاهُم مُطلقًا، إِذْ الْمُسْتَفَاد مِنْهَا أَن رُؤْيَته إيانا مُقَيّدَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، فَلَا نراهم فِي زمَان رُؤْيَتهمْ لنا قطّ، وَيجوز رؤيتنا لَهُم فِي غير ذَلِك الْوَقْت. الثَّانِيَة: فِيهِ دَلِيل على أَن الْجِنّ لَيْسُوا باقين على عنصرهم الناري، وَلِأَنَّهُ، قَالَ: (إِن عَدو اإبليس جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي) . وَقَالَ: (رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي عفريتاً من الْجِنّ يطلبني بشعلة من نَار كلما الْتفت إِلَيْهِ رَأَيْته) . وَلَو كَانُوا باقين على عنصرهم الناري، وَأَنَّهُمْ نَار محرقة، لما احتاجوا إِلَى أَن يَأْتِي الشَّيْطَان أَو العفريت مِنْهُم بشعلة من نَار، ولكانت يَد الشَّيْطَان أَو العفريت أَو شَيْء من أَعْضَائِهِ إِذا مس ابْن آدم أحرقه، كَمَا تحرق الْآدَمِيّ النارُ الْحَقِيقِيَّة بِمُجَرَّد اللَّمْس، فَدلَّ على أَن تِلْكَ النارية انغمرت فِي سَائِر العناصر

стр. 1178

حَتَّى صَار إِلَى الْبرد وَيُؤَيّد ذَلِك قَوْله: (حَتَّى وجدت برد لِسَانه على يَدي) ، وَفِي رِوَايَة: (برد لعابه) . الثَّالِثَة: فِيهِ دَلِيل على أَن أَصْحَاب سُلَيْمَان كَانُوا يرَوْنَ الْجِنّ، وَهُوَ من دَلَائِل نبوته، وَلَوْلَا مشاهدتهم إيَّاهُم لم تكن تقوم الْحجَّة لَهُ لمكانته عَلَيْهِم. الرَّابِعَة: قَالَ ابْن بطال: رُؤْيَته للعفريت هُوَ مِمَّا خص بِهِ، كَمَا خص بِرُؤْيَة الْمَلَائِكَة. وَقد أخبر أَن جِبْرِيل لَهُ سِتّمائَة جنَاح، وَرَأى النَّبِي الشَّيْطَان فِي هَذِه اللَّيْلَة، وأقدره اعليه لتجسمه، لِأَن الْأَجْسَام مُمكن الْقُدْرَة عَلَيْهَا، وَلكنه ألْقى فِي روعه مَا وهب سُلَيْمَان فَلم ينفذ مَا قوي عَلَيْهِ من حَبسه، رَغْبَة عَمَّا أَرَادَ سُلَيْمَان الِانْفِرَاد بِهِ، وحرصاً على إِجَابَة اتعالى دَعوته. وَأما غير النَّبِي من النَّاس فَلَا يُمكن مِنْهُ وَلَا يرى أحد الشَّيْطَان على صورته غَيره لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه يراكم﴾ (الْأَعْرَاف: ٧٢) الْآيَة، لكنه يرَاهُ سَائِر النَّاس إِذا تشكل فِي غير شكله، كَمَا تشكل الَّذِي طعنه الْأنْصَارِيّ حِين وجده فِي بَيته على صُورَة حَيَّة، فَقتله فَمَاتَ الرجل بِهِ، فَبين النَّبِي ذَلِك بقوله: (إِن بِالْمَدِينَةِ جناً قد أَسْلمُوا، فَإِذا رَأَيْتُمْ من هَذِه الْهَوَام شَيْئا فاذنوه ثَلَاثًا، فَإِن بدا لكم فَاقْتُلُوهُ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة، من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ. ثمَّ اعْلَم أَن الْجِنّ يتصورون فِي صور شَتَّى، ويتشكلون فِي صور الْإِنْسَان والبهائم والحيات والعقارب وَالْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير، وَفِي صُورَة الطُّيُور. وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: وَلَا قدرَة للشَّيْطَان على تَغْيِير خلقتهمْ والانتقال فِي الصُّور، إِنَّمَا يجوز أَن يعلمهُمْ اكلمات وَضَربا من ضروب الْأَفْعَال إِذا فعله وَتكلم بِهِ نَقله امن صُورَة إِلَى صُورَة أُخْرَى، وَأما أَن يتَصَوَّر بِنَفسِهِ فَذَلِك محَال، لِأَن انتقالها من صُورَة إِلَى صُورَة إِنَّمَا يكون بِنَقْض البنية وتفريق الْأَجْزَاء، وَإِذا انتقضت بطلت الْحَيَاة، وَالْقَوْل فِي تشكل الْمَلَائِكَة كَذَلِك. الْخَامِسَة: فِيهِ دَلِيل على إِبَاحَة ربط الْأَسير فِي الْمَسْجِد، وعل هَذَا بوب البُخَارِيّ الْبَاب، وَمن هَذَا قَالَ الْمُهلب: إِن فِي الحَدِيث جَوَاز ربط من خشِي هروبه بِحَق عَلَيْهِ أَو دين، والتوثق مِنْهُ فِي الْمَسْجِد أَو غَيره. فَإِن قلت: قَوْله: (وَأَرَدْت أَن أربطه) ، مَا وَجهه وَهُوَ فِي الصَّلَاة؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون ربطه بعد تَمام الصَّلَاة، أَو يربطه بِوَجْه كَانَ شغلاً يَسِيرا فَلَا تفْسد بِهِ الصَّلَاة. ٦٧ - (بابُ الإِغْتِسَالِ إِذَا أسْلَمَ وَرَبْطِ الأَسِيرِ أَيْضاً فِي المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اغتسال الْكَافِر إِذا أسلم، وَبَيَان ربط الْأَسير فِي الْمَسْجِد، وَهَذِه التَّرْجَمَة وَقعت هَكَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة قَوْله: (وربط الْأَسير أَيْضا فِي الْمَسْجِد) ، وَوَقع عِنْد الْبَعْض لفظ: بَاب، بِلَا تَرْجَمَة وَالصَّوَاب هُنَا النُّسْخَة الَّتِي فِيهَا ذكر الْبَاب مُفردا بِلَا تَرْجَمَة لِأَن حَدِيث هَذَا الْبَاب من جنس حَدِيث الْبَاب الَّذِي قبله، وَلَكِن لما كَانَت بَينهمَا مُغَايرَة مَا فصل بَينهمَا بِلَفْظ: بَاب، مُفردا، وَأما قَول ابْن الْمُنِير: وَذكر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب الْأَسير أَو الْغَرِيم يرْبط فِي الْمَسْجِد أوقع وأنص على الْمَقْصُود، لِأَن ثُمَامَة كَانَ أَسِيرًا فَربط فِي الْمَسْجِد، وَلكنه لم يذكرهُ هُنَاكَ، لِأَنَّهُ، لم يربطه. وَلم يَأْمر بربطه، فَقَوْل صادر من غير تَأمل، لِأَن ابْن إِسْحَاق صرح فِي مغازيه أَن النَّبِي، وَهُوَ الَّذِي أَمرهم بربطه، فَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ حَدِيث ثُمَامَة من جنس حَدِيث العفريت، وَلَكِن لما كَانَ بَينهمَا مُغَايرَة مَا، وَهُوَ أَن النَّبِي، هم بربط العفريت بِنَفسِهِ، وَلكنه لم يربطه لمَانع ذَكرْنَاهُ، وَهَهُنَا ربطه غَيره، فَلذَلِك فصل البُخَارِيّ بَينهمَا بِلَفْظ: بَاب، مُفردا، وَهُوَ أصوب من النسختين المذكورتين، لِأَن فِي نُسْخَة الْجُمْهُور ذكر الِاغْتِسَال إِذا أسلم، وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب ذكر لذَلِك وَلَا إِشَارَة إِلَيْهِ، وَفِي نُسْخَة الْأصيلِيّ ربط الْأَسير غير مَذْكُور، وَحَدِيث الْبَاب يُصَرح بذلك، وَأبْعد من الْكل النُّسْخَة الَّتِي ذكرهَا ابْن الْمُنِير وَهِي: بَاب ذكر الشِّرَاء وَالْبيع، وَفِيه أَبُو هُرَيْرَة: (بعث رَسُول الله خيلاً) الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: وَجه مُطَابقَة حَدِيث ثُمَامَة للْبيع وَالشِّرَاء فِي الْمَسْجِد أَن الَّذِي تخيل الْمَنْع مُطلقًا، إِنَّمَا أَخذه من ظَاهر أَن هَذِه الْمَسَاجِد إِنَّمَا بنيت للصَّلَاة وَلذكر ا، فَبين البُخَارِيّ تَخْصِيص هَذَا الْعُمُوم بِإِجَازَة فعل غير الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ ربط ثُمَامَة، لِأَنَّهُ مَقْصُود صَحِيح، فَالْبيع كَذَلِك، انْتهى، وَلَا يخفى مَا فِيهِ من التَّكَلُّف والتعسف. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) ، بعد أَن نقل هَذَا الْكَلَام مُنْكرا عَلَيْهِ ومستبعداً وُقُوعه مِنْهُ: وَذَاكَ لعمري قَول من لم يمارس كتاب الصَّحِيح الْمُنْتَقى فِي الْمدَارِس

стр. 1179

وَلم ير مَا قد قَالَه فِي الْوُفُود من سِيَاق حَدِيث وَاضح متجانس وَكَانَ الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي تبع ابْن الْمُنِير فِي ذَلِك، وَأنكر عَلَيْهِ تِلْمِيذه صَاحب (التَّوْضِيح) وَهُوَ مَحل الْإِنْكَار، لِأَن التَّرْجَمَة الَّتِي ذكرهَا لَيْسَ فِي شَيْء من نسخ البُخَارِيّ. وَكَانَ شُرَيْحٌ يَأمُرُ الغَرِيمَ أنْ يُحْبَسَ إِلَى سارِيَةِ المَسْجِدِ. مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَقد وَصله معمر عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين قَالَ: (كَانَ شُرَيْح إِذا قضى على رجل بِحَق أَمر بحبسه فِي الْمَسْجِد إِلَى أَن يقوم بِمَا عَلَيْهِ، فَإِن أعْطى الْحق وإلَاّ أَمر بِهِ فِي السجْن) ، وَشُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن الْحَارِث الْكِنْدِيّ، كَانَ من أَوْلَاد الْفرس الَّذين كَانُوا بِالْيمن، وَكَانَ فِي زمن النَّبِي وَلم يلقه، قضى بِالْكُوفَةِ من قبل عمر، رَضِي اتعالى عَنهُ، وَمن بعده سِتِّينَ سنة، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَقَالَ ابْن مَالك فِي إِعْرَاب هَذَا وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يكون الأَصْل بالغريم، وَأَن يحبس بدل اشْتِمَال، ثمَّ حذفت الْبَاء كَمَا فِي قَوْله: أَمرتك الْخَيْر وَالثَّانِي: أَن يُرِيد، كَأَن يَأْمُرهُ أَن ينحبس فَجعل المطاوع مَوضِع المطاوع لاستلزامه إِيَّاه. انْتهى. قلت: هَذَا تكلّف، وَحذف الْبَاء فِي الشّعْر للضَّرُورَة وَلَا ضَرُورَة هَهُنَا، وَهَذَا التَّرْكِيب ظَاهر فَلَا يحْتَاج إِلَى مثل هَذَا الْإِعْرَاب، وَلَا شكّ أَن الْمَأْمُور، هُوَ الْغَرِيم، أَمر بِأَن يحبس نَفسه فِي الْمَسْجِد فَإِن قضى مَا عَلَيْهِ ذهب فِي حَاله وإلَاّ أَمر بِهِ فِي السجْن، وَأَن يحبس أَصله بِأَن يحبس وَيحبس، على صِيغَة الْمَجْهُول، يَعْنِي: أمره أَن يحبس نَفسه فِي الْمَسْجِد أَولا. وَعند المطل يحبس فِي السجْن. ٢٦٤٢٢١ - ح دّثنا عبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدّثنا سَعِيدُ بنُ أبي سَعِيدٍ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ بَعَثَ النبيُّ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بنُ أُثالٍ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ النبيُّ فقالُ: أطْلِقُوا ثمَامَةَ فانْطَلَقَ إِلَي نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ فاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ فَقَالَ أشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّداً رسولُ اللَّهِ. (الحَدِيث ٢٦٤ أَطْرَافه فِي: ٩٦٤، ٢٢٤٢، ٣٢٤٢، ٢٧٣٤) . مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة، كَمَا فِي الْأَثر الْمَذْكُور. ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد ابْن يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، وَالْكل تقدمُوا. الرَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده. فِيهِ: التحديث فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع فِي موضِعين بِصِيغَة الْجمع وَفِي مَوضِع بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: السماع وَالْقَوْل. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَشْخَاص عَن قُتَيْبَة، وَعنهُ أَيْضا فِي الصَّلَاة. وَأخرجه أَيْضا افي الصَّلَاة والأشخاص والمغازي عَن عبد ابْن يُوسُف. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن قتية. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد، وَعَن عِيسَى بن حَمَّاد وقتيبة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة بِبَعْضِه، وببعضه فِي الصَّلَاة. ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (خيلاً) الْخَيل الفرسان، قَالَه الْجَوْهَرِي وَالْخَيْل أَيْضا: الْخُيُول. وَقَالَ بَعضهم أَي: رجَالًا على خيل. قلت: هَذَا تفيسر من عِنْده وَهُوَ غير صَحِيح، بل المُرَاد هَهُنَا من الْخَيل هم الفرسان. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿واجلب عَلَيْهِم بخيلك ورجلك﴾ (الْإِسْرَاء: ٤٦) أَي: بفرسانك ورجالتك، والخيالة: أَصْحَاب الْخُيُول. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق؛ السّريَّة الَّتِي أخذت ثُمَامَة كَانَ أميرها مُحَمَّد بن مسلمة، أرْسلهُ، فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا إِلَى القرطاء من بني أبي بكر بن كلاب بِنَاحِيَة ضَرْبَة بالبكرات لعشر لَيَال خلون من الْمحرم سنة سِتّ، وَعند ابْن سعد: على رَأس تِسْعَة وَخمسين شهرا من الْهِجْرَة، وَكَانَت غيبته بهَا تسع عشرَة لَيْلَة وَقدم لليلة بقيت من الْمحرم. قَوْله: القرطاء، بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء والطاء الْمُهْملَة: وهم نفر من بني أبي بكر

стр. 1180

بن كلاب، وَكَانُوا ينزلون البكرات بِنَاحِيَة ضرية، وَبَين ضرية وَالْمَدينَة سبع لَيَال، وضرية، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهِي أَرض كَثِيرَة العشب، وإليها ينْسب الْحمى، وضربة: فِي الأَصْل بنت ربيعَة بن نذار بن مد بن عدنان، وَسمي الْموضع الْمَذْكُور باسمها، و: البكرات، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة فِي الأَصْل: جمع بكرَة، وَهِي مَاء بِنَاحِيَة ضرية. قَوْله: (قبل نجد) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ الْجِهَة، ونجد، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم: وَهُوَ فِي جَزِيرَة الْعَرَب. قَالَ الْمَدَائِنِي: جَزِيرَة الْعَرَب خَمْسَة أَقسَام: تهَامَة ونجد وحجاز وعروض ويمن. أما تهَامَة فَهِيَ النَّاحِيَة الجنوبية من الْحجاز، وَأما نجد فَهِيَ النَّاحِيَة الَّتِي بَين الْحجاز وَالْعراق، وَأما الْحجاز فَهُوَ جبل سد من الْيمن حَتَّى يتَّصل بِالشَّام وَفِيه الْمَدِينَة وعمان، وَأما الْعرُوض فَهِيَ الْيَمَامَة إِلَى الْبَحْرين. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: الْحجاز من الْمَدِينَة إِلَى تَبُوك وَمن الْمَدِينَة إِلَى طَرِيق الْكُوفَة وَمن وَرَاء ذَلِك إِلَى أَن يشارف أَرض الْبَصْرَة فَهُوَ نجد، وَمَا بَين الْعرَاق وَبَين وجرة وَعمرَة الطَّائِف، نجد، وَمَا كَانَ وَرَاء وجرة إِلَى الْبَحْر فَهُوَ تهَامَة، وَمَا كَانَ بَين تهَامَة ونجد فَهُوَ حجاز، سمي حجازاً لِأَنَّهُ يحجز بَينهمَا. قَوْله: (ثُمَامَة) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم وَبعد الْألف مِيم أُخْرَى مَفْتُوحَة، وأثال، بِضَم الْهمزَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَبعد الْألف لَام. قَوْله: (فَانْطَلق إِلَى نجل) أَي: فأطلقوه فَانْطَلق إِلَى نجل، ونجل: بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم وَفِي آخِره لَام؛ وَهُوَ المَاء النابع من الأَرْض. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: استنجل الْموضع أَي كثر بِهِ النجل، وَهُوَ المَاء يظْهر من الأَرْض، وَهَكَذَا وَقع فِي النُّسْخَة المقروءة على أبي الْوَقْت، وَكَذَا زعم ابْن دُرَيْد، وَفِي أَكثر الرِّوَايَات: إِلَى، نخل، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (أَن ثُمَامَة أسر وَكَانَ النَّبِي يَغْدُو إِلَيْهِ فَيَقُول: مَا عنْدك يَا ثُمَامَة؟ فَيَقُول: إِن تقتل تقتل ذَا دم، وَإِن تمنَّ تمنَّ على شَاكر، وَإِن ترد المَال نعطك مِنْهُ مَا شِئْت، وَكَانَ أَصْحَاب النَّبِي يحبونَ الْفِدَاء وَيَقُولُونَ: مَا نصْنَع بقتل هَذَا؟ فَمر عَلَيْهِ النَّبِي يَوْمًا فَأسلم فَحله وَبعث بِهِ إِلَى حَائِط أبي طَلْحَة، فَأمره أَن يغْتَسل فاغتسل وَصلى رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: لقد حسن إِسْلَام أخيكم) . وَبِهَذَا اللَّفْظ أخرجه أَيْضا ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : وَأخرجه الْبَزَّار أَيْضا بِهَذِهِ الطَّرِيق وَفِيه (فَأمره النَّبِي ﵊، أَن يغْتَسل بِمَاء وَسدر) ، وَفِي بعض الرِّوَايَات: (أَن ثُمَامَة ذهب إِلَى المصانع فَغسل ثِيَابه واغتسل) ، وَفِي (تَارِيخ البرقي) : فَأمره أَن يقوم بَين أبي بكر وَعمر فيعلمانه. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من الْفَوَائِد. الأولى: جَوَاز دُخُول الْكَافِر الْمَسْجِد. قَالَ ابْن التِّين: وَعَن مُجَاهِد وَابْن محيريز جَوَاز دُخُول أهل الْكتاب فِيهِ، وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَقَتَادَة وَمَالك والمزني: لَا يجوز. وَقَالَ أَبُو حنيفَة؛ يجوز للكتابي دون غَيره، وَاحْتج بِمَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) بِسَنَد جيد: عَن جَابر رَضِي اتعالى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (لَا يدْخل مَسْجِدنَا هَذَا بعد عامنا هَذَا مُشْرك إِلَاّ أهل الْعَهْد وخدمهم) وَاحْتج مَالك بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ (التَّوْبَة: ٨٢) وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بيُوت أذن اأن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه﴾ (النُّور: ٦٣) وَدخُول الْكفَّار فِيهَا مُنَاقض لرفعها، وَبِقَوْلِهِ: (إِن هَذِه الْمَسَاجِد لَا يصلح فِيهَا شَيْء من الْبَوْل والقذر) . وَالْكَافِر لَا يَخْلُو عَن ذَلِك، وَبِقَوْلِهِ ﵇: (لَا أحل الْمَسْجِد لحائض وَلَا جنب) وَالْكَافِر جنب. وَمذهب الشَّافِعِي أَنه: يجوز بِإِذن الْمُسلم، سَوَاء كَانَ الْكَافِر كتابياً أَو غَيره، وَاسْتثنى الشَّافِعِي من ذَلِك مَسْجِد مَكَّة وَحرمه، وحجته حَدِيث ثُمَامَة، وَبِأَن ذَات الْمُشرك لَيست بنجسة. الثَّانِيَة: فِيهِ أسر الْكَافِر وَجَوَاز إِطْلَاقه، وَللْإِمَام فِي حق الْأَسير الْعَاقِل الْقَتْل أَو الاسترقاق أَو الْإِطْلَاق منَّاً عَلَيْهِ، أَو الْفِدَاء. قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَنه أطلق ثُمَامَة لما علم أَنه آمن بِقَلْبِه وسيظهره بِكَلِمَة الشَّهَادَة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لم يسلم تَحت الْأسر لعزة نَفسه، وَكَأن رَسُول الله أحس بذلك مِنْهُ، فَقَالَ: أَطْلقُوهُ، فَلَمَّا أطلق أسلم قلت: يرد هَذَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَفِيه: (فَمر يَوْمًا فَأسلم فَحله) . فَهَذَا يُصَرح بِأَن إِسْلَامه كَانَ قبل إِطْلَاقه، فيعذر الْكرْمَانِي فِي هَذَا. لِأَنَّهُ قَالَ بِالِاحْتِمَالِ وَلم يقف على حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَكيف غفل عَن ذَلِك مَعَ كَثْرَة اطِّلَاعه فِي الحَدِيث؟ الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز ربط الْأَسير فِي الْمَسْجِد. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يُمكن أَن يُقَال: ربطه بِالْمَسْجِدِ لينْظر حسن صَلَاة الْمُسلمين واجتماعهم عَلَيْهَا فيأنس لذَلِك. قلت: يُوضح هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) : عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ: أَن وَفد ثَقِيف لما قدمُوا أنزلهم النَّبِي الْمَسْجِد ليَكُون أرق لقُلُوبِهِمْ.

стр. 1181

وَقَالَ جُبَير بن مطعم، فِيمَا ذكره أَحْمد، رَحمَه ا: دخلت الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ يُصَلِّي الْمغرب، فَقَرَأَ بِالطورِ، فَكَأَنَّمَا صدع قلبِي حِين سَمِعت الْقُرْآن، وَقيل؛ يُمكن أَن يكون ربطه بالسمجد لِأَنَّهُ لم يكن لَهُم مَوضِع يرْبط فِيهِ إلَاّ الْمَسْجِد. الرَّابِعَة: فِيهِ اغتسال الْكَافِر إِذا أسلم وَذهب الشَّافِعِي إِلَى وُجُوبه على الْكَافِر إِذا أسلم إِن كَانَت عَلَيْهِ جَنَابَة فِي الشّرك، سَوَاء اغْتسل مِنْهَا فِي الشّرك أَو لَا، وَقَالَ بعض أَصْحَابه: إِن كَانَ اغْتسل مِنْهَا أَجزَأَهُ. وإلَاّ وَجب، وَقَالَ بعض أَصْحَابه وَبَعض الْمَالِكِيَّة: لَا غسل عَلَيْهِ وَيسْقط حكم الْجَنَابَة بِالْإِسْلَامِ، كَمَا تسْقط الذُّنُوب. وضعفوا هَذَا بِالْوضُوءِ، وَأَنه يلْزم بِالْإِجْمَاع. هَذَا إِذا كَانَ أجنب فِي الْكفْر، أما إِذا لم يجنب أصلا، ثمَّ أسلم، فالغسل مُسْتَحبّ. وَكَذَا قَالَه مَالك. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن غسل الْكَافِر كَانَ مَشْرُوعا عِنْدهم مَعْرُوفا، وَهَذَا ظَاهر الْبطلَان. وَقَالَ أَيْضا: وَالْمَشْهُور من قَول مَالك أَنه إِنَّمَا يغْتَسل لكَونه جنبا. قَالَ: وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ: إِنَّه يغْتَسل للنظافة، واستحبه ابْن الْقَاسِم، ولمالك قَول: إِنَّه لَا يعرف الْغسْل، رَوَاهُ عَنهُ ابْن وهب وَابْن أبي أويس. وَقَالَ ابْن بطال: أوجب الإِمَام أَحْمد الْغسْل عَليّ من أسلم. وَقَالَ الشَّافِعِي: أحب أَن يغْتَسل فَإِن لم يكن جنبا أَجزَأَهُ أَن يتَوَضَّأ. وَقَالَ مَالك: إِذا أسلم النَّصْرَانِي فَعَلَيهِ الْغسْل، لأَنهم لَا يتطهرون. فَقيل: مَعْنَاهُ لَا يتطهرون من النَّجَاسَة فِي أبدانهم، لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل عَلَيْهِم التطهر من الْجَنَابَة، وَإِن نووها لعدم الشَّرْع، وَقَالَ: وَلَيْسَ فِي الحَدِيث أَن النَّبِي، أمره بالاغتسال، وَلذَلِك قَالَ مَالك: لم يبلغنَا أَنه، أَمر أحدا أسلم بِالْغسْلِ. قلت: قد مر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْبَزَّار، وَفِيه: فَأمره أَن يغْتَسل. وَفِي (تَارِيخ نيسابور) للحام: من حَدِيث عبد ابْن مُحَمَّد بن عقيل: عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: لما أسلمت أَمرنِي النَّبِي بالاغتسال. وَفِي (الْحِلْية) : لأبي نعيم عَن وَاثِلَة، قَالَ: (لما أسلمت قَالَ لي النَّبِي: غتسل بِمَاء وَسدر، واحلق عَنْك شعر الْكفْر) . وَفِي كتاب الْقُرْطُبِيّ: روى عبد الرَّحِيم بن عبيد ابْن عمر عَن أَبِيه عَن نَافِع، عَن ابْن عمر: (أَن رَسُول الله أَمر رجلا أسلم أَن يغْتَسل) . وروى مُسلم ابْن سَالم عَن أبي الْمُغيرَة عَن الْبَراء بن عَازِب. (أَن النَّبِي أَمر رجلا أسلم أَن يغْتَسل بِمَاء وَسدر) . الْخَامِسَة: أَخذ ابْن الْمُنْذر من هَذَا الحَدِيث جَوَاز دُخُول الْجنب الْمُسلم الْمَسْجِد، وَأَنه أولى من الْمُشرك لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجس، بِخِلَاف الْمُشرك. [/ِاآ ٧٧ - (بابُ الخَيْمَةِ فِي المَسْجِدِ لِلْمَرْضَى وَغَيْرِهِمْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْخَيْمَة فِي الْمَسْجِد لأجل (المرضى) وَهُوَ: جمع مَرِيض. قَوْله: (وَغَيرهم) أَي: وَغير المرضى. ٣٦٤٣٢١ - ح دّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ يَحْيَى قَالَ حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ نُمَيْرٍ قَالَ حدّثنا هِشَامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ أصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ فَضَرَبَ النبيُّ خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ فَلَمْ يَرُعْهُمْ وفِي المَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ إِلَاّ الدَّمُ يَسِيلُ إلَيْهِمْ فقالُوا يَا أهْلَ الخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْدُو جُرْحُهُ دَمًا فَمَاتَ فِيها. (الحَدِيث ٣٦٤ أَطْرَافه فِي: ٣١٨٢، ١٠٩٣، ٧١١٤، ٢٢١٤) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: زَكَرِيَّا بن يحيى بن عمر أَبُو السكن الطَّائِي الْكُوفِي. الثَّانِي: عبد ابْن نمير، بِضَم النُّون وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء، وَقد تقدم. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَن زَكَرِيَّا من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَيجوز فِيهِ الْمَدّ وَالْقصر. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي الصَّلَاة، وَفِي الْمَغَازِي، وَفِي الْهِجْرَة عَن زَكَرِيَّا بن يحيى وَفِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد ابْن نمير بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجَنَائِز عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عبيد ابْن سعيد.

стр. 1182

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (سعد) هُوَ سعد بن معَاذ أَبُو عَمْرو سيد الْأَوْس، بَدْرِي كَبِير. قَالَ أَبُو نعيم: مَاتَ فِي شَوَّال سنة خمس، وَكَذَا قَالَ ابْن إِسْحَاق، وَنزل فِي جنَازَته سَبْعُونَ ألف ملك مَا وطئوا الأَرْض قبل، واهتز لَهُ عرش الرَّحْمَن، وَفِي رِوَايَة: الْعَرْش فَإِن قلت: مَا وَجه اهتزاز الْعَرْش لَهُ؟ قلت: أُجِيب بأجوبه. الأول: أَنه اهتز استبشاراً بقدوم روحه. الثَّانِي: أَن المُرَاد اهتزاز حَملَة الْعَرْش، وَمن عِنْده من الْمَلَائِكَة. الثَّالِث: أَن المُرَاد بالعرش الَّذِي وضع عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي عِنْد البُخَارِيّ أَن رجلا قَالَ لجَابِر بن عبد ا: إِن الْبَراء بن عَازِب يَقُول: اهتز السرير، فَقَالَ: إِنَّه كَانَ بَين هذَيْن الْحَيَّيْنِ ضغائن. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره: يَعْنِي بالحيين: الْأَوْس والخزرج. وَكَانَ سعد من الْأَوْس، والبراء من الْخَزْرَج، وكل مِنْهُم لَا يقر بِفضل صَاحبه عَلَيْهِ. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن سَعْدا والبراء كل مِنْهُمَا أوسي، وَإِنَّمَا أشكل عَلَيْهِم فِيمَا أرى أَنه رأى فِي نسب الْبَراء بن عَازِب بن الْحَارِث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حَارِثَة بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج، وَسعد بن معَاذ بن النُّعْمَان بن امريء الْقَيْس بن زيد بن عبد الْأَشْهَل بن جشم بن الْحَارِث الأوسي، فَظن أَن الْخَزْرَج الأول هُوَ أَبُو الخزرجيين، فَفرق بَينهمَا، وَإِنَّمَا هُوَ الْخَزْرَج أَبُو الحارثيين الْمَذْكُورين فِي نسبهما، وَهُوَ ابْن عَمْرو بن مَالك بن الْأَوْس بن حَارِثَة، كَذَا ذكر نسبهما بن سعد وَابْن إِسْحَاق وَخَلِيفَة فِي الآخرين. قَوْله: (يَوْم الخَنْدَق) ، وَيُسمى: الْأَحْزَاب، ذكرهَا ابْن سعد فِي ذِي الْقعدَة، ومُوسَى بن عقبَة: فِي شَوَّال سنة أَربع. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: فِي شَوَّال سنة خمس، وَزعم أَبُو عمر وَغَيره: أَن سَعْدا مَاتَ بعد الخَنْدَق بِشَهْر، وَبعد قُرَيْظَة بِليَال. قَوْله: (فِي الأكحل) على وزن: الأفعل، عرق فِي الْيَد، وَيُقَال لَهُ: النِّسَاء فِي الْفَخْذ، وَفِي الظّهْر الْأَبْهَر. قَالَه فِي (الْمُخَصّص) و (الْمُجْمل) وقِي: الأكحل هُوَ عرق الْحَيَاة، ويدعى: نهر الْبدن، وَفِي كل عُضْو مِنْهُ شُعْبَة لَهَا اسْم على حِدة، فَذا قطع فِي الْيَد لم يرق الدَّم. وَفِي (الصِّحَاح) : هُوَ عرق فِي الْيَد يفصد، وَلَا يُقَال عرق الأكحل. قَوْله: (فَضرب النَّبِي خيمة) ، ضرب يسْتَعْمل لمعان كَثِيرَة، وأصل التَّرْكِيب يدل على الْإِيقَاع، وَالْبَاقِي يسْتَعْمل وَيحمل عَلَيْهِ، وَهَهُنَا الْمَعْنى: نصب خيمة وأقامها على أوتاد مَضْرُوبَة فِي الأَرْض، والخيمة؛ بَيت تبنيه الْعَرَب من عيدَان الشّجر، وَالْجمع: خيمات وخيم، مثل: بدرة وَبدر، والخيم: مثل الْخَيْمَة، وَالْجمع: خيام مثل؛ فرخ وفراخ، وَعند أبي نعيم الْأَصْبَهَانِيّ: ضرب لَهُ النَّبِي خباء فِي الْمَسْجِد، والخباء وَاحِد الأخبية من وبر أَو صوف، وَلَا يكون من شعر، وَهُوَ على عمودين أَو ثَلَاثَة وَمَا فَوق ذَلِك، فَهُوَ بَيت. قَوْله: (فَلم يرعهم) ، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة: من الروع، وَهُوَ الْفَزع. يُقَال: رعت فلَانا وروعته فارتاع، أَي: أفزعته، فَفَزعَ. وَقَالَ الْخطابِيّ: الروع إعظامك الشَّيْء وإكباره فترتاع. قَالَ: وَقد يكون من خوف، وَفِي (الْمُحكم) : الروع، والرواع واليروع: الْفَزع، راعني الْأَمر روعا ورووعاً، عَن ابْن الْأَعرَابِي، كَذَلِك حَكَاهُ بِغَيْر همز، وَإِن شِئْت همزَة، وارتاع مِنْهُ وَله وروعته فتروع، وَرجل روع ورائع متروع كِلَاهُمَا على النّسَب، وَالْمعْنَى هَهُنَا؛ فَلم يرعهم أَي: لم يفزعهم إِلَّا الدَّم، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَالْمعْنَى أَنهم بَينا هم فِي حَال طمأنينة وَسُكُون حَتَّى أفزعهم رُؤْيَة الدَّم فارتاعوا لَهُ. قَوْله: (وَفِي الْمَسْجِد خيمة من بني غفار) جملَة مُعْتَرضَة بَين الْفِعْل، أَعنِي: لم يرعهم، وَالْفَاعِل أَعنِي: إِلَّا الدَّم. و: بني غفار بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء وَفِي آخِره رَاء، وَبَنُو غفار: من كنَانَة رَهْط أبي ذَر الْغِفَارِيّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، وَهَذِه الْخَيْمَة كَانَت لرقية الْأَنْصَارِيَّة. وَقيل: الأسْلَمِيَّة، وَكَانَت تداوي الْجَرْحى وَتحْتَسب بخدمتها من كَانَت بِهِ ضَيْعَة من الْمُسلمين. قَوْله: (من قبلكُمْ) بِكَسْر الْقَاف، أَي: من جهتكم قَوْله: (يغذو) ، بالغين والذال المعجمتين أَي: يسيل، وَهُوَ فعل مضارع من غذا الْعرق نَفسه يغذو غدواً وغذواناً، إِذا سَالَ، وكل مَا سَالَ فقد غذا، والغذوان المسرع. وَقَوله: (جرحه) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: يغذو. وَقَوله: (دَمًا) ، نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (مِنْهَا) أَي: من الْجراحَة، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (فَمَاتَ فِيهَا) ، أَي: فِي الْخَيْمَة أَو فِي الْجراحَة الَّتِي الْجرْح بمعناها، وَكَانَت جراحته فِي الأكحل، رَمَاه رجل من قُرَيْش يُقَال لَهُ: حبَان بن العرفة، وَهُوَ حبَان ابْن أبي قبيس من بني مغيص بن عَامر بن لؤَي، والعرفة هِيَ أم عبد منَاف، وَاسْمهَا: قربَة بنت سعيد بن سعد بن سهم بن عَمْرو بن هصيص، سميت العرفة لطيب رِيحهَا، فِيمَا ذكره الْكَلْبِيّ. وَقَالَ أَبُو عبيد بن سَلام: العرفة هِيَ أم حبَان، وتكنى: أم فَاطِمَة، قَالَ السُّهيْلي: وَهِي جدة خَدِيجَة أم أمهَا هَالة. ذكر مَا يستنبط من الْأَحْكَام الأول: اسْتدلَّ بِهِ مَالك وَأحمد على أَن النَّجَاسَات لَيست إِزَالَتهَا بِفَرْض، وَلَو كَانَت

стр. 1183

فرضا لما أجَاز النَّبِي للجريح أَن يسكن فِي الْمَسْجِد، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم. قلت: لقَائِل أَن يَقُول: إِن سُكْنى سعد فِي الْمَسْجِد إِنَّمَا كَانَ بعد مَا اندمل جرحه، وَالْجرْح، إِذا اندمل زَالَ مَا يخْشَى من نَجَاسَته. الثَّانِي: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ: جَوَاز سُكْنى الْمَسْجِد للْعُذْر، وَالْبَاب مترجم بِهِ. الثَّالِث: فِيهِ أَن السُّلْطَان أَو الْعَالم إِذا شقّ عَلَيْهِ النهوض إِلَى عِيَادَة مَرِيض يزوره مِمَّن يهمه أمره ينْقل الْمَرِيض إِلَى مَوضِع يخف عَلَيْهِ فِيهِ زيارته، وَيقرب مِنْهُ، وَلِلْحَدِيثِ فَوَائِد أُخْرَى يَأْتِي عِنْد ذكر البُخَارِيّ تَمَامه إِن شَاءَ اتعالى. ٨٧ - (بابُ إدْخال البَعِيرِ فِي المَسجِدِ لِلْعِلَّةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِدْخَال الْبَعِير فِي الْمَسْجِد لِلْعِلَّةِ أَي: للْحَاجة، وَهِي أَعم من أَن تكون للضعف أَو غَيره، وَقيل: المُرَاد بِالْعِلَّةِ الضعْف، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن هَذَا ظَاهر فِي حَدِيث أم سَلمَة دون حَدِيث ابْن عَبَّاس. وَأجِيب: بِأَن أَبَا دَاوُد رُوِيَ عَنهُ أَن النَّبِي قدم مَكَّة وَهُوَ يشتكي، فَطَافَ على رَاحِلَته، وَمَعَ هَذَا كُله تَقْيِيد الْعلَّة بالضعف، لَا وَجه لَهُ لأَنا قُلْنَا: إِنَّهَا أَعم، فتتناول الضعْف وَإِن يكون طَوَافه على بعيره ليراه النَّاس، كَمَا جَاءَ عَن جَابر: أَنه إِنَّمَا طَاف على بعيره ليراه النَّاس وليسألوه، فَإِن النَّاس غشوه. وَقَالَ ابنُ عَبَّاس طَافَ النبيُّ عَلَى بَعِيرٍ. ١٣ - ٥٠ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن فِيهِ إِدْخَال الْبَعِير فِي الْمَسْجِد لِلْعِلَّةِ لِأَنَّهُ لما قدم مَكَّة كَانَ يشتكي على مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنهُ، فَذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا، وَذكره مُسْندًا فِي بَاب: من أَشَارَ إِلَى الرُّكْن فِي كتاب الْحَج. ١٢٤ - (حَدثنِي عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن نَوْفَل عَن عُرْوَة عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة عَن أم سَلمَة قَالَت شَكَوْت إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - أَنِّي أشتكي قَالَ طوفي من وَرَاء النَّاس وَأَنت راكبة فطفت وَرَسُول الله ﷺ َ - يُصَلِّي إِلَى جنب الْبَيْت يقْرَأ بِالطورِ وَكتاب مسطور) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " طوفي من وَرَاء النَّاس وَأَنت راكبة " وَفِيه جَوَاز إِدْخَال الْبَعِير فِي الْمَسْجِد لعِلَّة الضعْف (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول عبد الله بن يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي الإِمَام مَالك. الثَّالِث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن نَوْفَل بِفَتْح النُّون وَالْفَاء يعرف بيتيم عُرْوَة بن الزبير تقدم ذكره فِي بَاب الْجنب يتَوَضَّأ ثمَّ ينَام. الرَّابِع عُرْوَة بن الزبير. الْخَامِس زَيْنَب بنت أبي سَلمَة وَهِي بنت أبي سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد المَخْزُومِي وَكَانَ اسْمهَا برة فسماها رَسُول الله ﷺ َ - زَيْنَب. السَّادِس أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والإخبار كَذَلِك وَفِيه العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه القَوْل وَفِيه رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وهما مُحَمَّد وَعُرْوَة وَرِوَايَة عُرْوَة عَن صحابية وَهِي زَيْنَب لِأَنَّهَا سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - عِنْد البُخَارِيّ وَفِيه رِوَايَة صحابية عَن صحابية وهما زَيْنَب وَأم سَلمَة وَفِيه أَن رُوَاة إِسْنَاده مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة وَفِي التَّفْسِير عَن عبد الله بن يُوسُف وَأخرجه فِي الْحَج عَن إِسْمَاعِيل والقعنبي وَفِيه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَرْب وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَفِيه وَفِي التَّفْسِير عَن عبيد الله بن سعيد وَأخرجه ابْن ماجة فِي الْحَج عَن اسحق بن مَنْصُور وَأحمد بن سِنَان وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن مُعلى بن مَنْصُور عَن مَالك بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَنِّي أشتكي " فِي مَحل النصب فَإِنَّهُ مفعول شَكَوْت يُقَال اشتكي عضوا من أَعْضَائِهِ إِذا توجع مِنْهُ

стр. 1184

وشكوت فلَانا إِذا أخْبرت عَنهُ بِسوء فعله بك قَوْله " فطفت " أَي راكبة على الْبَعِير حَتَّى يدل الحَدِيث على التَّرْجَمَة قَوْله " إِلَى جنب الْبَيْت " أَي الْكَعْبَة لِأَن الْبَيْت علم للكعبة شرفها الله وعظمها وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) الصَّلَاة إِلَى الْبَيْت فَمَا فَائِدَة ذكر الْجنب (قلت) مَعْنَاهُ أَنه كَانَ يُصَلِّي مِنْهَا إِلَى الْجنب يَعْنِي قَرِيبا من الْبَيْت لَا بَعيدا مِنْهُ انْتهى وَقَالَ أَبُو عَمْرو صلَاته إِلَى جنب الْبَيْت من أجل أَن الْمقَام كَانَ حِينَئِذٍ مُلْصقًا بِالْبَيْتِ قبل أَن يَنْقُلهُ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من ذَلِك الْمَكَان إِلَى صحن الْمَسْجِد انْتهى. وَالْوَجْه فِي ذَلِك أَن الْبَيْت كُله قبْلَة فَحَيْثُ صلى الْمُصَلِّي مِنْهُ إِذا جعله أَمَامه كَانَ مستحسنا جَائِزا قَوْله " يقْرَأ بِالطورِ " أَي بِسُورَة الطّور ولعلها لم تذكر وَاو الْقسم لِأَن لفظ الطّور كَأَنَّهُ صَار علما للسورة (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) قَالَ ابْن بطال فِيهِ جَوَاز دُخُول الدَّوَابّ الَّتِي يُؤْكَل لَحمهَا وَلَا ينجس بولها الْمَسْجِد إِذا احْتِيجَ إِلَى ذَلِك وَأما دُخُول سَائِر الدَّوَابّ فَلَا يجوز وَهُوَ قَول مَالك وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيث دلَالَة على عدم الْجَوَاز مَعَ الْحَاجة بل ذَلِك دائر مَعَ التلويث وَعَدَمه فَحَيْثُ يخْشَى التلويث يمْتَنع الدُّخُول وَفِيه نظر لِأَن قَوْله ﷺ َ - " طوفي وَأَنت راكبة " لَا يدل على أَن الْجَوَاز وَعَدَمه دائران مَعَ التلويث بل ظَاهره يدل على الْجَوَاز مُطلقًا عِنْد الضَّرُورَة وَقيل أَن نَاقَته ﷺ َ - كَانَت مدربة معلمة فَيُؤمن مِنْهَا مَا يحذر من التلويث وَهِي سائرة (قلت) سلمنَا هَذَا فِي نَاقَة النَّبِي ﷺ َ - وَلَكِن مَا يُقَال فِي النَّاقة الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا أم سَلمَة وَهِي طَائِفَة وَلَئِن قيل أَنَّهَا كَانَت نَاقَة النَّبِي ﷺ َ - قيل لَهُ يحْتَاج إِلَى بَيَان ذَلِك بِالدَّلِيلِ. وَمن فَوَائده أَن النِّسَاء يَنْبَغِي لَهُنَّ أَن يطفن من وَرَاء الرِّجَال لِأَن بِالطّوافِ شبها بِالصَّلَاةِ وَمن سنة النِّسَاء فِيهَا أَن يكن خلف الرِّجَال فَكَذَلِك فِي الطّواف. وَمِنْهَا أَن رَاكب الدَّابَّة يَنْبَغِي لَهُ أَن يتَجَنَّب ممر النَّاس مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يخالط الرجالة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ جَوَاز الطّواف رَاكِبًا للمعذور وَلَا كَرَاهَة فِيهِ فَإِن كَانَ غير مَعْذُور يعْتَبر عندنَا وَعند الشَّافِعِي لَا يجوز لقَوْله ﷺ َ - " الطّواف بِالْبَيْتِ صَلَاة " وَلنَا إِطْلَاق قَوْله تَعَالَى ﴿وليطوفوا﴾ وَهُوَ مُطلق والْحَدِيث للتشبيه فَلَا عُمُوم لَهُ وبقولنا قَالَ ابْن الْمُنْذر وَجَمَاعَة وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ الْجُمْهُور على كَرَاهَة ذَلِك قُلْنَا نَحن أَيْضا نقُول بِالْكَرَاهَةِ حَتَّى أَنه يُعِيدهُ مَا دَامَ بِمَكَّة وَسَيَجِيءُ مزِيد الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب الْحَج إِن شَاءَ الله تَعَالَى ٩٧ - (بابٌ) إِن لم يقدر شَيْء قبل لفظ: بَاب، أَو بعده لَا يكون معرباً، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بعد العقد والتركيب. ثمَّ إِن البُخَارِيّ جرت لَهُ عَادَة أَنه إِذا ذكر لفظ بَاب مُجَردا عَن التَّرْجَمَة يدل ذَلِك على أَن الحَدِيث الَّذِي يذكر بعده يكون لَهُ مُنَاسبَة بِأَحَادِيث الْبَاب الَّذِي قبله، وَهَهُنَا لَا مُنَاسبَة بَينهمَا أصلا بِحَسب الظَّاهِر على مَا لَا يخفى، لَكِن تكلّف فِي ذَلِك فَقيل: تعلقه بِأَبْوَاب الْمَسَاجِد من جِهَة أَن الرجلَيْن تأخراً مَعَ النَّبِي فِي الْمَسْجِد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الْمظْلمَة لانتظار صَلَاة الْعشَاء مَعَه، وَقَالَ بَعضهم: فعلى هَذَا كَانَ يَلِيق أَن يترجم لَهُ: فضل الْمَشْي إِلَى الْمَسْجِد فِي اللَّيْلَة الْمظْلمَة. قلت: كل وَاحِد من الْكَلَامَيْنِ غير موجه، لِأَن حَدِيث الْبَاب لَا يدل عَلَيْهِ أصلا، لِأَن حَدِيث الْبَاب فِي الرجلَيْن اللَّذين خرجا من عِنْد النَّبِي فِي لَيْلَة مظْلمَة حَتَّى أَتَيَا أهلهما، وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي بَاب أَحْكَام الْمَسَاجِد وَا تَعَالَى أعلم، لِأَن الرجلَيْن كَانَا مَعَ النَّبِي فِي الْمَسْجِد وَهُوَ مَوضِع جُلُوسه مَعَ أَصْحَابه. وأكرمهما اتعالى بِالنورِ فِي الدُّنْيَا ببركته وَفضل مَسْجده وملازمته، قَالَ: وَذَلِكَ آيَة للنَّبِي، وكرامة لَهُ قلت: هَذَا أَيْضا فِيهِ بعد وَالْوَجْه فِيهِ أَن يُقَال: إنَّهُمَا لما كَانَ فِي الْمَسْجِد مَعَ النَّبِي، وهما ينتظران صَلَاة الْعشَاء مَعَه أكرما بِهَذِهِ الْكَرَامَة، وللمسجد فِي حُصُول هَذِه الْكَرَامَة دخل، فَنَاسَبَ ذكر حَدِيث الْبَاب هَهُنَا بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّة. ١٢٤ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى قَالَ حَدثنَا معَاذ بن هِشَام قَالَ حَدثنِي أبي قَتَادَة قَالَ حَدثنَا أنس أَن رجلَيْنِ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - خرجا من عِنْد النَّبِي ﷺ َ -

стр. 1185

فِي لَيْلَة مظْلمَة ومعهما مئل المصباحين يضيئان بَين أَيْدِيهِمَا فَلَمَّا افْتَرقَا صَار مَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا وَاحِد حَتَّى أَتَى أَهله) وَجه الْمُنَاسبَة والمطابقة قد ذَكرْنَاهُ الْآن (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول مُحَمَّد بن الْمثنى بِلَفْظ الْمَفْعُول من التَّثْنِيَة مر فِي بَاب حلاوة الْإِيمَان. الثَّانِي معَاذ بِضَم الْمِيم مر فِي بَاب من خص بِالْعلمِ قوما. الثَّالِث أَبوهُ هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي الْبَصْرِيّ. الرَّابِع قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي الْأَعْمَى الْبَصْرِيّ. الْخَامِس أنس بن مَالك (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبالإفراد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه أَن رِجَاله كلهم بصريون وَفِيه أَن الرَّاوِي عَن الصَّحَابِيّ كَانَ مَعَه غَيره فَلذَلِك أخبر بِصِيغَة الْجمع. (ذكر تعدد مَوْضِعه) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة متْنا وإسنادا وَفِي منقبة أسيد بن حضير وَعباد بن بشر فِي مَنَاقِب الْأنْصَارِيّ وَقَالَ فِيهِ وَقَالَ معمر عَن ثَابت عَن أنس أَن أسيد بن حضير ورجلا من الْأَنْصَار وَقَالَ حَمَّاد حَدثنَا ثَابت عَن أنس كَانَ أسيد وَعباد بن بشر عِنْد النَّبِي ﷺ َ - (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَن رجلَيْنِ " هما عباد بن بشر وَأسيد بن حضير وَقَالَ السفاقسي الرّجلَانِ عباد بن بشر وعويم بن الساعدة وَأسيد بن حضير وَعباد بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَأسيد بِضَم الْهمزَة مصغر أَسد وحضير بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء وعويم بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو مصغر عوم قَوْله " مظْلمَة " بِكَسْر اللَّام يُقَال أظلم اللَّيْل وَقَالَ الْفراء ظلم اللَّيْل بِالْكَسْرِ وأظلم بِمَعْنى قَوْله " ومعهما " الْوَاو فِيهِ للْحَال قَوْله " يضيئان " من أَضَاء تَقول ضاءت النَّار وأضاءت مثله وأضاءته النَّار يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَضَاء إِمَّا مُتَعَدٍّ بِمَعْنى نور وَإِمَّا غير مُتَعَدٍّ بِمَعْنى لمع وأظلم يحْتَمل أَن يكون غير مُتَعَدٍّ وَهُوَ الظَّاهِر وَأَن يكون مُتَعَدِّيا. قَوْله " بَين أَيْدِيهِمَا " أَي قدامهما وَهُوَ مفعول فِيهِ إِن كَانَ فعل الإضاءة لَازِما ومفعول بِهِ إِن كَانَ مُتَعَدِّيا قَوْله " مِنْهُمَا " أَي من الرجلَيْن قَوْله " وَاحِد " أَي من المصباحين وارتفاعه على أَنه فَاعل صَار (وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ) أَن فِيهِ دلَالَة ظَاهِرَة لكرامة الْأَوْلِيَاء وَلَا شكّ فِيهِ. وَفِيه رد على من يُنكر ذَلِك وَقد وَقع مثل هَذَا قَدِيما وحديثا. أما قَدِيما فَمن ذَلِك مَا ذكره ابْن عَسَاكِر وَغَيره " عَن قَتَادَة بن النُّعْمَان أَنه خرج من عِنْد رَسُول الله ﷺ َ - وَبِيَدِهِ عرجون فأضاء العرجون " وَفِي دَلَائِل الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مَيْمُون بن زيد بن أبي عبس حَدثنِي أبي " أَن أَبَا عبس كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِي ﷺ َ - الصَّلَوَات ثمَّ يرجع إِلَى بني حَارِثَة فَخرج فِي لَيْلَة مظْلمَة مطيرة فنورت لَهُ عَصَاهُ حَتَّى دخل دَار بني حَارِثَة " وَمن حَدِيث كثير بن زيد عَن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ عَن أَبِيه قَالَ " كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فنفرنا فِي لَيْلَة مظْلمَة فَأَضَاءَتْ أصابعي حَتَّى جمعُوا عَلَيْهَا ظهْرهمْ وَمَا هلك مِنْهُم وَإِن أصابعي لتنير " وَفِي لفظ " نفرت دوابنا وَنحن فِي مشقة " الحَدِيث. وَأما حَدِيثا فَمن ذَلِك مَا ثَبت بالتواتر عَن جمَاعَة من طلبة الْعلم الثِّقَات أَنهم كَانُوا مَعَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة حسان الدّين الرهاوي مُصَنف الْبَحْر وَغَيره فِي وَلِيمَة بِمَدِينَة عينتاب وَكَانَت فِي لَيْلَة مظْلمَة شَاتِيَة فَلَمَّا تفَرقُوا أَرَادَ جمَاعَة أَن ينوروا على الشَّيْخ إِلَى بَاب دَاره لشدَّة الظلمَة فَمَا رَضِي بذلك فَرَجَعُوا وَتَبعهُ جمَاعَة من بعد فَقَالُوا وهم يحلفُونَ أَنهم شاهدوا نورين عظيمين مثل الفوانيس أَحدهمَا عَن يَمِين الشَّيْخ وَالْآخر عَن يسَاره فَلم يَزَالَا مَعَه إِلَى أَن وصل إِلَى بَاب دَاره فَلَمَّا فتح الْبَاب وَدخل الشَّيْخ ارْتَفع النوران وَلَقَد أخبروا عَنهُ بكرامات أُخْرَى غير ذَلِك وَهُوَ أحد مشايخي الَّذين أخذت عَنْهُم الْعلم وانتفعت بهم ٠٨ - (بابُ الخَوْخَةِ وَالمَمَرِّ فِي المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَمر الخوخة الكائنة فِي الْمَسْجِد وَأمر الْمَمَر فِيهِ، وَهُوَ بِفَتْح الميمين وَتَشْديد الرَّاء: مَوضِع الْمُرُور،

стр. 1186

وَالظَّاهِر أَن مُرَاد البُخَارِيّ من وضع هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى جَوَاز اتِّخَاذ الخوخة والممر فِي الْمَسْجِد، لِأَن حَدِيث الْبَاب يدل على ذَلِك. ٦٦٤ - ح دّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنَانٍ قَالَ حدّثنا فُلَيْحٌ قَالَ حدّثنا أبُو النَّضْرِ عنْ عُبَيْدِ بنِ حُنَيْنٍ عَنْ بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عَنْ أبي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ خَطَبَ النبيُّ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْداً بَيْنَ الدُّنْيا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَبَكَى أبُو بَكْر ﵁ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ إنْ يَكُنِ اللَّهُ خيَّرَ عَبْداً بَيْنَ الدُّنيْا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فكانَ رَسولُ اللَّهِ هُوَ العَبْدَ وكانَ أبُو بَكْرٍ أعْلَمَنَا قَالَ يَا أبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ إنَّ أمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ ومالِهِ أبُو بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً خَلِيلاً مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ لَا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بابٌ إِلَاّ سُدَّ إِلَاّ بابُ أبي بَكْرٍ. (الحَدِيث ٦٦٤ طرفاه فِي: ٤٥٦٣، ٤٠٩٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الخوخة هِيَ الْبَاب الصَّغِير، وَقد تكون بمصراع وَاحِد وبمصراعين، وَأَصلهَا فتح فِي الْحَائِط، قَالَ الْجَوْهَرِي: هِيَ كوَّة فِي الْجِدَار تُؤدِّي الضَّوْء. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة شَيْئَانِ: أَحدهمَا الخوخة، وَالْآخر الْمَمَر، فمطابقته للخوخة ظَاهِرَة، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْمَمَر قلت: الْمَمَر من لَوَازِم الخوخة، فَذكرهَا يُغني عَن ذكره. ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: مُحَمَّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا النُّون، وَقد تقدم. الثَّانِي: فليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن سُلَيْمَان، وَكَانَ اسْمه عبد الْملك، ولقبه: فليح، فغلب على اسْمه واشتهر بِهِ. الثَّالِث: أَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الصَّاد الْمُعْجَمَة: واسْمه سَالم بن أبي أُميَّة. الرَّابِع: عبيد، بِضَم الْعين، مصغر العَبْد ضد الْحر: ابْن حنين، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون أَيْضا: أَبُو عبد االمدني. الْخَامِس: بسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء: ابْن سعيد، بِفَتْح السِّين. السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ واسْمه: سعد بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: عَن عبيد بن حنين. وَفِيه: عَن بسر بن سعيد، هَكَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَسقط فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: عَن أبي زيد ذكر بسر بن سعيد فَصَارَ: عَن عبيد بن حنين عَن أبي سعيد. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقع فِي بعض النّسخ: أَبُو النَّضر عَن عبيد بن حنين عَن أبي سعيد، وَفِي بَعْضهَا: أَبُو النَّضر عَن بسر بن سعيد عَن أبي سعيد، وَفِي بَعْضهَا: أَبُو النَّضر عَن عبيد وَعَن بسر عَن أبي سعيد بِالْجمعِ بَينهمَا: بواو، الْعَطف. وَفِي بَعْضهَا: أَبُو النَّضر عَن عبيد عَن بسر عَن أبي سعيد بِدُونِ: الْوَاو، بَينهمَا قلت: قَالَ ابْن السكن: عَن الْفربرِي، قَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل: هَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان. عَن فليح عَن أبي النَّضر عَن عبيد عَن بسر عَن أبي سعيد، وَهُوَ خطأ، وَإِنَّمَا هُوَ: عَن عبيد بن حنين وَعَن بسر بن سعيد يَعْنِي: بواو، الْعَطف. وَكَذَا أخرجه مُسلم عَن سعيد بن مَنْصُور عَن فليح عَن أبي النَّضر عَن عبيد وَبسر بن سعيد جَمِيعًا عَن أبي سعيد، وَرَوَاهُ عَن فليح كَرِوَايَة سعيد بن يُونُس بن مُحَمَّد عَن ابْن أبي شيبَة، وَرِوَايَة أبي زيد الْمروزِي فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) : حدّثنا مُحَمَّد بن سِنَان حدّثنا فليح حدّثنا أَبُو النَّضر عَن عبيد عَن ابْن سعيد، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي فضل أبي بكر عَن عبيد ابْن مُحَمَّد عَن ابْن عَامر حدّثنا فليح حدّثنا سَالم عَن بسر عَن سعيد عَن أبي سعيد، وَفِي هِجْرَة النَّبِي؛ عَن إِسْمَاعِيل بن عبد احدثني مَالك عَن أبي النَّضر عَن عبيد بن حنين عَن أبي سعيد، بِلَفْظ: (أَن يؤتيه امن زهرَة الدُّنْيَا مَا شَاءَ) ، وَفِيه: (فَبكى أَبُو بكر وَقَالَ: فَدَيْنَاك بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتنَا) . وَكَذَا رَوَاهُ مَالك: عَن عبد ابْن مسلمة وَابْن وهب ومعن ومطرف وَإِبْرَاهِيم بن طهْمَان وَمُحَمّد بن الْحسن وَعبد الْعَزِيز بن يحيى. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَلم أره فِي (الْمُوَطَّأ) إلَاّ فِي (كتاب الْجَامِع) للقعنبي وَلم يذكر فِي (الْمُوَطَّأ) غَيره وَمن تَابعه، فَإِنَّمَا رَوَاهُ فِي غير (الْمُوَطَّأ) وَا تَعَالَى أعلم. قلت: وَكَانَ هَذَا الِاخْتِلَاف إِنَّمَا أَتَى من فليح لِأَن الحَدِيث حَدِيثه وَعَلِيهِ يَدُور، وَهُوَ عِنْد بَعضهم: هُوَ ليّن الرِّوَايَة، وَحَاصِل الرِّوَايَة أَن فليحاً كَانَ يروي تَارَة

стр. 1187

عَن عبيد وَعَن بسر كليهمَا، وَتارَة يقْتَصر على أَحدهمَا. وَأَخْطَأ من مُحَمَّد بن سِنَان حَيْثُ حذف الْوَاو العاطفة. فَافْهَم. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل أبي بكر رَضِي اتعالى عَنهُ، عَن عبد ابْن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه: قَوْله: (عِنْده) أَي، عِنْد اوهو: الْآخِرَة. قَوْله: (مَا يبكي هَذَا الشَّيْخ) من الإبكاء، وَكلمَة: مَا، استفهامية. قَوْله: (إِن يكن اخير) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (إِن يكن عبد خير) ، فإعراب الأولى: هُوَ: أَن: إِن، بِالْكَسْرِ شَرط، ويكن، فعل الشَّرْط وَهُوَ مجزوم، وَلكنه لما اتَّصل بِلَفْظ: ا، كسر لِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن إِذا حرك حرك بِالْكَسْرِ. قَالَ الْكرْمَانِي: الْجَزَاء مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ السِّيَاق. قلت: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا، بل الْجَزَاء قَوْله: (فَاخْتَارَ مَا عِنْد ا) ، قَوْله: (خير) على صِيغَة الْمَعْلُوم من: التَّخْيِير، وعبداً، مَفْعُوله و: الضَّمِير فِي: فَاخْتَارَ، يرجع إِلَى: العَبْد، و: مَا عِنْد ا، فِي مَحل النصب مَفْعُوله. وإعراب الرِّوَايَة الثَّانِيَة: هُوَ أَن: إِن أَيْضا كلمة شَرط، و: يكن، مجزوم بِهِ. وَقَوله: عبد، مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: مقدما، وَقَوله: خير، على صِيغَة الْمَجْهُول فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لعبد، وَالْجَزَاء هُوَ قَوْله: (فَاخْتَارَ) . وَقَالَ السفاقسي: وَيصِح أَن تكون الْهمزَة، يَعْنِي همزَة: أَن، مَفْتُوحَة بِأَن يكون مَنْصُوبًا: بِأَن، فَيكون الْمَعْنى مَا يبكيه لأجل أَن يكون اخير عبدا. وَقَالَ بَعضهم: وَجوز ابْن التِّين فتحهَا، يَعْنِي: فتح: أَن، على أَنَّهَا تعليلية، وَفِي نظر. قلت: فِي نظره نظر، لِأَن التَّعْلِيل هُنَا لأجل فِرَاقه لَا على كَونه خيّر عبدا بَين الدُّنْيَا وَبَين مَا عِنْده. قَوْله: (هُوَ العَبْد) ، أَي: الْمُخَير: قَوْله: (وَكَانَ أَبُو بكر أعلمنَا) حَيْثُ فهم أَنه رَسُول ا، وَإِنَّمَا قَالَ ﵇: عبدا، على سَبِيل الْإِبْهَام ليظْهر فهم أهل الْمعرفَة ونباهة أَصْحَاب الحذق، وَكَانَ ذَلِك فِي مرض مَوته كَمَا يَجِيء فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس بعده، إِن شَاءَ اتعالى. وَلما كَانَ أَبُو بكر أعلم الصَّحَابَة، إِذْ لم يُنكر أحد مِنْهُم مِمَّن حضر حِين قَالَ أَبُو سعيد: وَكَانَ أَبُو بكر أعلمنَا، اختصه الشَّارِع بالخصوصية الْعُظْمَى. وَقَالَ: (إِن أمنَّ النَّاس عليَّ) إِلَى آخِره فَظهر أَن للصديق من الْفَضَائِل والحقوق مَا لَا يُشَارِكهُ فِي ذَلِك مَخْلُوق. قَالَ الْعلمَاء: فِي ممعنى هَذَا الْكَلَام، مِنْهُم الْخطابِيّ: أَي أَكْثَرهم جوداً وسماحة لنا بِنَفسِهِ وَمَاله، وَلَيْسَ هُوَ من الْمَنّ الَّذِي هُوَ الِاعْتِدَاد بالصنيعة، لِأَنَّهُ مُبْطل للثَّواب، لِأَن الْمِنَّة وَلِرَسُولِهِ فِي قبُول ذَلِك. قَالَ الْخطابِيّ: والمن فِي كَلَام الْعَرَب الْإِحْسَان إِلَى من يُكَافِئهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا عطاؤنا فَامْنُنْ﴾ (ص: ٩٣) وَقَالَ: ﴿وَلَا تمنن﴾ (المدثر: ٦) أَي: لَا تعط لتأْخذ من الْمُكَافَأَة أَكثر مَا أَعْطَيْت. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وزن: أَمن، أفعل، من: الْمِنَّة، أَي الإمتنان أَي: أَكثر منَّة. وَمَعْنَاهُ: أَن أَبَا بكر لَهُ من الْحُقُوق مَا لَو كَانَ لغيره لَا متن بهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بَادر بالتصديق وَنَفَقَة الْأَمْوَال، وبالملازمة والمصاحبة إِلَى غير ذَلِك بانشراح صدر ورسوخ علم بِأَن اورسوله لَهما الْمِنَّة فِي ذَلِك وَالْفضل، لَكِن رَسُول ا، بجميل أخلاقه وكريم أعراقه اعْترف بذل عملا بشكر الْمُنعم، لَيْسَ كَمَا قَالَ الْأَنْصَار. وَفِي (جَامع التِّرْمِذِيّ) ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (مَا لأحد عندنَا يَد إلَاّ كافأنا مَا خلا أَبَا بكر فَإِن لَهُ عندنَا يدا يُكَافِئهُ ابها يَوْم الْقِيَامَة) . قَوْله: (وَلَو كنت متخذاً خَلِيلًا) ، الاتخاذ: افتعال من الْأَخْذ، وَاتخذ يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد، وَيَتَعَدَّى إِلَى مفعولين أَحدهمَا بِحرف الْجَرّ، فَيكون بِمَعْنى: اخْتَار وَاصْطفى، وَهنا سكت عَن أحد مفعوليه وَهُوَ الَّذِي دخل عَلَيْهِ حرف الْجَرّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَو كنت متخذاً من النَّاس خَلِيلًا لاتخذت مِنْهُم أَبَا بكر. والخليل: المخال، وَهُوَ الَّذِي يخالك أَي: يوافقك فِي خلالك، أَو يسايرك فِي طريقتك، من الْخلّ وَهُوَ الطَّرِيق فِي الرمل، أَو يسد خللك كَمَا تسد خلله، أَو يداخلك خلال منازلك. وَقيل: صل الْخلَّة الِانْقِطَاع، فخليل االمنقطع إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْن فورك: الْخلَّة صفاء الْمَوَدَّة بتخلل الْأَسْرَار. وَقيل: الْخَلِيل من لَا يَتَّسِع قلبه لغير خَلِيله. وَقَالَ عِيَاض: أصل الْخلَّة الافتقار والانقطاع، فخليل اأي: الْمُنْقَطع إِلَيْهِ لقصره حَاجته عَلَيْهِ. وَقيل: الْخلَّة الِاخْتِصَاص بِأَصْل الإصطفاء، وَسمي إِبْرَاهِيم ﵊، خَلِيل الأنه وَإِلَى فِيهِ وعادى فِيهِ. وَقيل: سمي بِهِ لِأَنَّهُ تخَلّل بخلال حَسَنَة وأخلاق كَرِيمَة، وخلة اتعالى لَهُ نَصره وَجعله ءماماً لمن بعده. وَزعم السفاقسي أَنه كَانَ اتخذ خَلِيلًا من الْمَلَائِكَة. وَلِهَذَا قَالَ: (لَو كنت متخذاً خَلِيلًا من أمتِي) . انْتهى يردة قَوْله: (وَلَكِن صَاحبكُم خَلِيل الرَّحْمَن) ، وَفِي رِوَايَة: (لَو كنت متخذاً خَلِيلًا غير رَبِّي) ، ومعنىء الحَدِيث: أَن أَبَا بكر متأهل لِأَن يَتَّخِذهُ خَلِيلًا لَوْلَا الْمَانِع الْمَذْكُور، وَهُوَ أَنه امْتَلَأَ قلبه بِمَا تخلله من معرفَة اتعالى ومحبته ومراقبته حَتَّى كَأَنَّهَا مزجت

стр. 1188

أَجزَاء قلبه بذلك فَلم يَتَّسِع قلبه لخليل آخر، فعلى هَذَا لَا يكون الْخَلِيل، إلَاّ وَاحِدًا، وَمن لم ينْتَه إِلَى ذَلِك مِمَّن تعلق الْقلب بِهِ فَهُوَ حبيب، وَلذَلِك أثبت لأبي بكر وَعَائِشَة أَنَّهُمَا أحب النَّاس إِلَيْهِ، وَنفى عَنْهُمَا الْخلَّة الَّتِي هِيَ فَوق الْمحبَّة، وَقد اخْتلف أَرْبَاب الْقُلُوب فِي ذَلِك، فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الْخلَّة أَعلَى تمسكاً بِهَذَا الحَدِيث، وَذهب ابْن فورك: إِلَى أَن الْمحبَّة أَعلَى لِأَنَّهَا صفة نَبينَا مُحَمَّد، وَهُوَ أفضل من الْخَلِيل. وَقيل: هما سَوَاء فَلَا يكون الْخَلِيل إلَاّ حبيباً، وَلَا الحبيب إلَاّ خَلِيلًا، وَزعم الْفراء أَن مَعْنَاهُ. فَلَو كنت أخص أحدا بِشَيْء من الْعلم دون النَّاس لخصصت بِهِ أَبَا بكر، لِأَن الْخَلِيل من تفرد بخلة من الْفضل لَا يُشَارِكهُ لَهُ فِيهَا أحد، وَقيل: معنى الحَدِيث: لَو كنت مُنْقَطِعًا إِلَى غير الانقطعت إِلَى أبي بكر، لَكِن هَذَا مُمْتَنع لِامْتِنَاع ذَلِك. فَإِن قلت: قَالَ بعض الصَّحَابَة: سَمِعت خليلي. قلت: لَا بَأْس فِي الِانْقِطَاع إِلَى النَّبِي، لِأَن الِانْقِطَاع إِلَيْهِ انْقِطَاع إِلَى اتعالى، وَفِي حكم ذَلِك. قَوْله: (وَلَكِن أخوة الْإِسْلَام) كَذَا هُوَ بِالْألف فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأَصْلِيّ: (وَلَكِن خوة الْإِسْلَام) بِحَذْف الْألف. قَالَ الْكرْمَانِي: وتوجيهه أَن يُقَال: نقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى نون: لَكِن، وحذفت الْهمزَة، فَعرض بعد ذَلِك استثقال ضمة من كسرة وضمة فسكن النُّون تَخْفِيفًا، فَصَارَ: وَلَكِن خوة، وَسُكُون النُّون بعد هَذَا الْعَمَل غير سكونه الْأصيلِيّ، ثمَّ نقل عَن ابْن مَالك أَن فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: سُكُون النُّون، وَثُبُوت الْهمزَة بعْدهَا مَضْمُومَة، وَضم النُّون وَحذف الْهمزَة، وسكونه وَحذف الْهمزَة. فَالْأول أصل، وَالثَّانِي فرع، وَالثَّالِث فرع فرع. انْتهى. قلت: كل هَذَا تكلّف خَارج عَن الْقَاعِدَة، وَلَكِن الْوَجْه أَن يُقَال: إِن: لَكِن، على حَالهَا سَاكِنة النُّون، وحذفت الْهمزَة من أخوة، اعتباطاً، وَلِهَذَا قَالَ ابْن التِّين: روينَاهُ بِغَيْر همزَة، وَلَا أصل لهَذَا، وَكَأن الْهمزَة سَقَطت هُنَا، وَهِي ثَابِتَة فِي بَاقِي الْمَوَاضِع: ثمَّ إِن قَوْله: إخْوَة الْإِسْلَام، كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: وَلَكِن أخوة الْإِسْلَام أفضل، وَنَحْو ذَلِك، وَيُؤَيِّدهُ أَن فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي بعده وَقع هَكَذَا. قَوْله: (ومودته) أَي: مَوَدَّة الْإِسْلَام، وَالْفرق بَين الْخلَّة والمودة بِاعْتِبَار الْمُتَعَلّق مَعَ أَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ أَنه أثبت الْمَوَدَّة لِأَنَّهَا بِحَسب الْإِسْلَام وَالدّين، وَنفى الْخلَّة للمعنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَالدَّلِيل على أَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد هُوَ قَوْله فِي الحَدِيث الَّذِي بعده. وَلَكِن خلة الْإِسْلَام، بدل لفظ الْمَوَدَّة. وَقد قيل: إِن الْخلَّة أخص وَأَعْلَى مرتبَة من الْمَوَدَّة فنفى الْخَاص وَأثبت الْعَام. فَإِن قيل: المُرَاد من السِّيَاق أَفضَلِيَّة أبي بكر، وكل الصَّحَابَة داخلون تَحت أخوة الْإِسْلَام، فَمن أَيْن لزم أفضليته؟ وَأجِيب: بِأَنَّهَا تعلم مِمَّا قبله وَمِمَّا بعده. قَوْله: (لَا يبْقين) ، بالنُّون الْمُشَدّدَة: للتوكيد. وَقَالَ الْكرْمَانِي: بِلَفْظ مَجْهُول، ويروى بِلَفْظ: الْمَعْرُوف أَيْضا. قلت: فِي صِيغَة الْمَجْهُول يكون لفظ: بَاب، مَرْفُوعا على أَنه مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَالتَّقْدِير: لَا يبْقى أحد فِي الْمَسْجِد بَابا إلَاّ بَاب أبي بكر، وَفِي صِيغَة الْمَعْلُوم يكون: بَاب، مَرْفُوعا على أَنه فَاعل، وَلَا يُقَال: كَيفَ نهى الْبَاب عَن الْبَقَاء وَهُوَ غير مُكَلّف، لأَنا نقُول: إِنَّه كِنَايَة لِأَن عدم الْبَقَاء لَازم للنَّهْي عَن الْإِبْقَاء فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يبقيه أحد حَتَّى لَا يبْقى؟ وَذَلِكَ كَمَا يُقَال: لَا أرينك هَهُنَا أَي لَا تقعد عِنْدِي حَتَّى لَا أَرَاك؟ قَوْله: (إِلَاّ سُدَّ) الاستنثاء مفرغ تَقْدِيره: لَا يبْقين بَاب بِوَجْه من الْوُجُوه إِلَاّ بِوَجْه السد إِلَاّ بَاب أبي بكر، أَو يكون التَّقْدِير إِلَاّ بَابا سد، حَتَّى لَا يُقَال: الْفِعْل وَقع مُسْتَثْنى ومستثنى مِنْهُ. فَافْهَم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من الْفَوَائِد الأولى: مَا قَالَه الْخطابِيّ: وَهُوَ أَن أمره بسد الْأَبْوَاب غير الْبَاب الشَّارِع إِلَى الْمَسْجِد إِلَاّ بَاب أبي بكر، يدل على اخْتِصَاص شَدِيد لأبي بكر، وإكرام لَهُ، لِأَنَّهُمَا كَانَا لَا يفترقان. الثَّانِيَة: فِيهِ دلَالَة على أَنه قد أفرده فِي ذَلِك بِأَمْر لَا يُشَارك فِيهِ، فَأولى مَا يصرف إِلَيْهِ التَّأْوِيل فِيهِ أَمر الْخلَافَة، وَقد أَكثر الدّلَالَة عَلَيْهَا بأَمْره إِيَّاه بِالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاة الَّتِي بنى لَهَا الْمَسْجِد، قَالَ الْخطابِيّ: وَلَا أعلم أَن إِثْبَات الْقيَاس أقوى من إِجْمَاع الصَّحَابَة على اسْتِخْلَاف أبي بكر، مستدلين فِي ذَلِك باستخلافه إِيَّاه فِي أعظم أُمُور الدّين، وَهُوَ الصَّلَاة، فقاسوا عَلَيْهَا سَائِر الْأُمُور، وَلِأَنَّهُ كَانَ يخرج من بَاب بَيته وَهُوَ فِي الْمَسْجِد للصَّلَاة، فَلَمَّا غلق الْأَبْوَاب إلَاّ بَاب أبي بكر دلّ على أَنه يخرج مِنْهُ للصَّلَاة، فَكَأَنَّهُ أَمر بذلك على أَن من بعده يفعل ذَلِك هَكَذَا، فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: (سدوا الْأَبْوَاب إلَاّ بَاب عَليّ) قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: هُوَ غَرِيب، وَقَالَ البُخَارِيّ: حَدِيث: إلَاّ بَاب أبي بكر أصح. وَقَالَ الْحَاكِم: تفرد بِهِ مِسْكين بن بكير الْحَرَّانِي عَن شُعْبَة، وَقَالَ ابْن عَسَاكِر: وَهُوَ وهم، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَتَابعه

стр. 1189

إِبْرَاهِيم بن الْمُخْتَار. الثَّالِثَة: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ: التَّعْرِيض بِالْعلمِ للنَّاس، وَإِن قل فهماؤهم خشيَة أَن يدْخل عَلَيْهِم مساءة أَو خزي. الرَّابِعَة: فِيهِ أَنه لَا يسْتَحق أَخذ الْعلم حَقِيقَة إلَاّ من فهم، والحافظ لَا يبلغ دَرَجَة الْفَهم، وَإِنَّمَا يُقَال لِلْحَافِظِ: عَالم بِالنَّصِّ لَا بِالْمَعْنَى. الْخَامِسَة: فِيهِ دَلِيل على أَن أَبَا بكر أعلم الصَّحَابَة. السَّادِسَة: فِيهِ الحض على اخْتِيَار مَا عِنْد اوالزهد فِي الدُّنْيَا والإعلام بِمن اخْتَار ذَلِك من الصَّالِحين. السَّابِعَة: فِيهِ أَن على السُّلْطَان شكر من أحسن صحبته ومعونته بِنَفسِهِ وَمَاله، واختصاصه بالفضيلة الَّتِي لم يُشَارك فِيهَا. الثَّامِنَة: فِيهِ ائتلاف النُّفُوس بقوله: (وَلَكِن أخوة الْإِسْلَام أفضل) . التَّاسِعَة: فِيهِ أَن الْمَسَاجِد تصان عَن تطرق النَّاس إِلَيْهَا من خوخات وَنَحْوهَا إلَاّ من أَبْوَابهَا إلَاّ من حَاجَة مهمة. الْعَاشِرَة: فِيهِ أَن الْخَلِيل فَوق الصّديق وَالْأَخ. ١٢٦ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ قَالَ حَدثنَا وهب بن جرير قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ سَمِعت يعلى بن حَكِيم عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ خرج رَسُول الله ﷺ َ - فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ عاصبا رَأسه بِخرقَة فَقعدَ على الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ إِنَّه لَيْسَ من النَّاس أحد أَمن عَليّ فِي نَفسه وَمَاله من أبي بكر بن أبي قُحَافَة وَلَو كنت متخذا من النَّاس خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن خلة الْإِسْلَام أفضل سدوا عني كل خوخة فِي هَذَا الْمَسْجِد غير خوخة أبي بكر) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالفاء المسندي. الثَّانِي وهب بن جرير بِفَتْح الْجِيم. الثَّالِث أَبوهُ جرير بن حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي الْعَتكِي. الرَّابِع يعلى بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة ابْن حَكِيم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة الثَّقَفِيّ الْمَكِّيّ سكن الْبَصْرَة وَمَات بِالشَّام. الْخَامِس عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. السَّادِس عبد الله بن عَبَّاس. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه السماع وَالْقَوْل وَفِيه رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. والْحَدِيث يَأْتِي فِي الْفَرَائِض بِزِيَادَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن عَمْرو بن عَليّ عَن وهب. (بَيَان مَعْنَاهُ) قَوْله " عاصبا رَأسه " انتصاب عاصبا على أَنه حَال وَرَأسه مَنْصُوب بِهِ ويروى " عاصب رَأسه " بِالْإِضَافَة وَقَالَ ابْن التِّين الْمَعْرُوف عصب رَأسه تعصيبا (قلت) ذكر صَاحب دستور اللُّغَة عصب بِالتَّخْفِيفِ أَيْضا فَقَالَ عصب شدّ ذكره فِي بَاب فعل يفعل بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُسْتَقْبل قَوْله " فَحَمدَ الله " أَي على وجود الْكَمَال وَأثْنى أَي على عدم النُّقْصَان قَوْله " ابْن أبي قُحَافَة " بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة وَبعد الْألف فَاء واسْمه عُثْمَان بن عَامر التَّيْمِيّ أسلم يَوْم الْفَتْح وعاش إِلَى خلَافَة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَاتَ وَله سبع وَتسْعُونَ سنة وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من فِي نَسْله ثَلَاثَة بطُون صحابيون إِلَّا هُوَ قَوْله " أَنه " أَي أَن الشَّأْن لَيْسَ من النَّاس أحدا من عَليّ فِي نَفسه وَمَاله من أبي بكر بن أبي قُحَافَة وَفِي حَدِيث أبي سعيد السَّابِق " أَن أَمن النَّاس عَليّ فِي صحبته وَمَاله أَبُو بكر " وَالْفرق بَين العبارتين أَن الأولى أبلغ لِأَن الثَّانِيَة يحْتَمل أَن يكون لَهُ من يُسَاوِيه فِي الْمِنَّة إِذْ الْمَنْفِيّ هُوَ الْأَفْضَلِيَّة لَا الْمُسَاوَاة قَوْله " وَلَكِن خلة الْإِسْلَام " بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَقَالَ ابْن بطال وَقع فِي الحَدِيث " وَلَكِن خوة الْإِسْلَام " وَلَا أعرف مَعْنَاهُ قَالَ وَقد وجدت الحَدِيث بعده " خلة " بدل خوة وَهُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ ﷺ َ - صرف الْكَلَام على مَا تقدمه من ذكر الخلالة فَأتى بِلَفْظ مُشْتَقّ مِنْهَا وَلم أجد خوة بِمَعْنى خلة فِي كَلَام الْعَرَب. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث جَوَاز الْخطْبَة قَاعِدا قَالَه الْكرْمَانِي (قلت) هَذِه الْخطْبَة لم تكن وَاجِبَة وَبَاب التَّطَوُّع وَاسع قَوْله " سدوا " بِضَم السِّين وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ قَوْله " غير خوخة أبي بكر " كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " إِلَّا خوخة أبي بكر " ١٨ -

стр. 1190

(بابُ الأَبْوابِ والغَلَقِ لِلْكَعْبَةِ والمَسَاجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اتِّخَاذ الْأَبْوَاب للكعبة ولغيرها من الْمَسَاجِد لأجل صونها عَمَّا لَا يصلح فِيهَا، وَلأَجل حفظ مَا فِيهَا من الْأَيْدِي العادية، وَلِهَذَا قَالَ ابْن بطال: اتِّخَاذ الْأَبْوَاب للمساجد وَاجِب، وَعلل الْوُجُوب بِمَا ذكرنَا. قَوْله: (والغلق) بتحريك اللَّام، وَهُوَ المغلاق وَهُوَ مَا يغلق بِهِ الْبَاب. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدِ حدّثنا سُفْيَانُ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ لِي ابنُ أبي مُلَيْكَةَ يَا عَبْدَ المَلِكِ لَوْ رَأيْتَ مَسَاجِدَ ابنِ عبَّاسٍ وَأبْوَابَهَا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: الْأَبْوَاب. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد ا) ، المُرَاد بِهِ البُخَارِيّ نَفسه، وَعبد ابْن مُحَمَّد هُوَ الْجعْفِيّ المسندي، مضى ذكره فِي الْبَاب السَّابِق، وسُفْيَان: هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَابْن جريج هُوَ عبد ابْن جريج، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد ابْن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم، وَاسم أبي مليكَة: زُهَيْر بن عبد ابْن جدعَان التَّيْمِيّ الْأَحول الْمَكِّيّ القَاضِي. قَوْله: (لَو رَأَيْت) ، جَزَاؤُهُ مَحْذُوف، أَي: رَأَيْتهَا كَذَا وَكَذَا، وَيحْتَمل أَن تكون: لَو، للتمنى فَلَا تحْتَاج إِلَى الْجَزَاء، وَهَذَا الْكَلَام يدل على أَن هَذِه الْمَسَاجِد كَانَت لَهَا أَبْوَاب، وأغلاق بِأَحْسَن مَا يكون، وَلَكِن كَانَت فِي الْوَقْت الَّذِي قَالَ ابْن أبي مليكَة لِابْنِ جريج: خربَتْ واندرست. ١٢٧ - (حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان وقتيبة قَالَا حَدثنَا حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ َ - قدم مَكَّة فَدَعَا عُثْمَان بن طَلْحَة فَفتح الْبَاب فَدخل النَّبِي ﷺ َ - وبلال وَأُسَامَة بن زيد وَعُثْمَان بن طَلْحَة ثمَّ أغلق الْبَاب فَلبث فِيهِ سَاعَة ثمَّ خَرجُوا قَالَ ابْن عمر فبدرت فَسَأَلت بِلَالًا فَقَالَ صلى فِيهِ فَقلت فِي أَي قَالَ بَين الأسطوانتين قَالَ ابْن عمر فَذهب عَليّ أَن أسأله كم صلى) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَفتح الْبَاب " وَفِي قَوْله " ثمَّ أغلق ". (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول أَبُو النُّعْمَان بِضَم الْمِيم مُحَمَّد بن الْمفضل السدُوسِي الْبَصْرِيّ. الثَّانِي قُتَيْبَة بن سعيد وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث حَمَّاد بن زيد وَقد تقدم غير مرّة. الرَّابِع أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الْخَامِس نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه روى البُخَارِيّ عَن شيخين وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر وَعَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن ابْن الْمُبَارك وَعَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن مُحَمَّد بن النُّعْمَان وَفِي الْجِهَاد عَن يحيى بن بكير وَعَن مُسَدّد عَن يحيى وَعَن أبي نعيم وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة وَعَن مُحَمَّد بن رمح وَعَن يحيى بن يحيى عَن مَالك وَعَن أبي الرّبيع وقتيبة أبي كَامِل ثَلَاثَتهمْ عَن حَمَّاد بِهِ وَعَن ابْن أبي عَمْرو عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن حميد بن مسْعدَة وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن القعْنبِي وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث وَعَن مُحَمَّد بن مسلمة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم دُحَيْم وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " عُثْمَان بن طَلْحَة " هُوَ عُثْمَان بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة عبد الله بن عبد الْعُزَّى الْعَبدَرِي الحَجبي

стр. 1191

قتل أَبوهُ وَعَمه يَوْم أحد كَافِرين فِي جمَاعَة من بني عَمهمَا وَهَاجَر هَذَا مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد وَعَمْرو وَدفع النَّبِي ﷺ َ - لَهُ وَإِلَى ابْن عَمه شيبَة بن عُثْمَان مِفْتَاح الْكَعْبَة وَقَالَ الْكرْمَانِي أسلم يَوْم هدنة الْحُدَيْبِيَة وَجَاء يَوْم الْفَتْح بمفتاح الْكَعْبَة وَفتحهَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " خذوها " يَعْنِي الْمِفْتَاح " يَا آل أبي طَلْحَة خالدة تالدة لَا يَنْزِعهَا مِنْكُم إِلَّا ظَالِم " ثمَّ نزل الْمَدِينَة فَأَقَامَ بهَا إِلَى وَفَاة النَّبِي ﷺ َ - ثمَّ تحول إِلَى مَكَّة وَمَات بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين قَوْله " وبلال " عطف على قَول النَّبِي أَي وَدخل بِلَال أَيْضا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - وَدخل أَيْضا أُسَامَة بن زيد وَعُثْمَان بن أبي طَلْحَة وإدخاله ﷺ َ - هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة مَعَه لمعان تخص كل وَاحِد مِنْهُم فَأَما دُخُول بِلَال فلكونه مؤذنه وخادم أَمر صلَاته وَأما أُسَامَة فَلِأَنَّهُ كَانَ يتَوَلَّى خدمَة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَأما عُثْمَان فلئلا يتَوَهَّم النَّاس أَنه ﷺ َ - عَزله وَلِأَنَّهُ كَانَ يقوم بِفَتْح الْبَاب وإغلاقه قَوْله " فبدرت " أَي أسرعت قَوْله " فَسَأَلت بِلَالًا " أَي عَن صَلَاة النَّبِي ﷺ َ - فِي الْكَعْبَة قَوْله " فَقلت فِي أَي " أَي فِي أَي نواحيه ويروى فِي أَي نواحيه بِوُجُود الْمُضَاف إِلَيْهِ قَوْله " بَين الاسطوانتين " هِيَ تَثْنِيَة الاسطوانة بِضَم الْهمزَة وَزنهَا أفعوالة وَقيل فعلوانة وَقيل افعلانة قَوْله " فَذهب عَليّ " أَي فَاتَ مني سُؤال الكمية قَوْله " أَن أسأله " بِفَتْح أَن مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فَاعل ذهب (وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ) مَا قَالَه الْخطابِيّ وَابْن بطال أَن إغلاق بَاب الْكَعْبَة كَانَ لِئَلَّا يكثر النَّاس عَلَيْهِ فيصلوا بِصَلَاتِهِ ﷺ َ - وَيكون ذَلِك عِنْدهم من الْمَنَاسِك كَمَا فعل فِي صَلَاة اللَّيْل حِين لم يخرج إِلَيْهِم خشيَة أَن تكْتب عَلَيْهِم وَقيل إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِئَلَّا يزدحموا عَلَيْهِ لتوفر دواعيهم على مُرَاعَاة أَفعاله ليأخذوها عَنهُ وَقيل ليَكُون ذَلِك أسكن لِقَلْبِهِ وَأجْمع لخشوعه. وَمِنْهَا مَا قَالَ ابْن بطال اتِّخَاذ الْأَبْوَاب للمساجد وَاجِب وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَمِنْهَا أَن الْمُسْتَحبّ لمن يدْخل الْكَعْبَة أَن يُصَلِّي بَين الاسطوانتين كَمَا فعل النَّبِي ﷺ َ - وَسَيَجِيءُ فِي كتاب الْحَج عَن ابْن عمر أَنه سَأَلَ بِلَالًا هَل صلى فِيهِ رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ نعم بَين العمودين اليمانيين وَفِي لفظ " جعل العمودين عَن يسَاره وعمودا عَن يَمِينه وَثَلَاثَة أعمدة وَرَاءه وَكَانَ الْبَيْت يَوْمئِذٍ على سِتَّة أعمدة ثمَّ صلى " وَفِي لفظ " فَمَكثَ فِي الْبَيْت نَهَارا طَويلا ثمَّ خرج فابتدر النَّاس من الدُّخُول فسبقتهم فَوجدت بِلَالًا قَائِما وَرَاء الْبَيْت فَقلت لَهُ أَيْن صلى فَقَالَ بَين ذَيْنك العمودين المقدمين قَالَ ونسيت أَن أسأله كم صلى وَعند الْمَكَان الَّذِي صلى فِيهِ مرّة مرّة حَمْرَاء " وروى أَحْمد من حَدِيث عُثْمَان بن أبي طَلْحَة بِسَنَد صَالح " أَن النَّبِي ﷺ َ - دخل الْبَيْت فصلى رَكْعَتَيْنِ بَين الساريتين " وَفِي فَوَائِد سمويه بن عبد الرَّحْمَن بن الوضاح قَالَ " قلت لشيبة زَعَمُوا أَن النَّبِي ﷺ َ - دخل الْكَعْبَة فَلم يصل فِيهَا قَالَ كذبُوا وَأبي لقد صلى رَكْعَتَيْنِ بَين العمودين ثمَّ ألصق بهما بَطْنه وظهره " - ٢٨ - (بابُ دُخولِ المُشْرِكِ المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز دُخُول الْمُشرك الْمَسْجِد، وَفِيه خلاف، فعندنا يجوز مُطلقًا، وَعند الْمَالِكِيَّة والمزني الْمَنْع مُطلقًا، وَعند الشَّافِعِيَّة التَّفْصِيل بَين الْمَسْجِد الْحَرَام وَغَيره، وَلنَا حَدِيث الْبَاب. ٣٨ -

стр. 1192

(بابُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي المَسَاجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم رفع الصَّوْت فِي الْمَسَاجِد، وَلَكِن هَذَا أَعم من أَن يكون مَمْنُوعًا، أَو غير مَمْنُوع، فَذكره الْحَدِيثين فِيهِ إِشَارَة إِلَى بَيَان تَفْصِيل فِيهِ مَعَ الْخلاف، فَالْحَدِيث الأول يدل على الْمَنْع، والْحَدِيث الثَّانِي يدل على عَدمه، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ فِيمَا تقدم، وَهُوَ بَاب التقاضي والملازمة فِي الْمَسْجِد. ٠٧٤٩٢١ - ح دّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدّثنا الجُعَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حدّثني يَزِيدُ بنُ خُصَيْفَةَ عنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ قَالَ كنْتُ قائِماً فِي المَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجلٌ فَنَظَرْتُ فإِذا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فَقَالَ اذْهبْ فَأتِني بِهَذَيْنِ فَجِئْتُهُ بِهِما قَالَ مَن أنْتُما أوْ مِنْ أيْنَ أنْتُما قَالَا منْ أهْلِ الطَّائِفِ قَالَ لَوْ كُنْتُما مِنْ أهْلِ البَلَدِ لأوْجَعْتُكُما تَرْفَعَانِ أصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رسولِ اللَّهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي أحد احتماليها، وَهُوَ: الْمَنْع. ذكر رِجَاله. وهم خَمْسَة. الأول: عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: يحيى الْقطَّان، كَذَلِك. الثَّالِث: الجعيد، بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، وَيُقَال لَهُ: جعيد، أَيْضا بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَيُقَال لَهُ: الْجَعْد، بِدُونِ التصغير، وَهُوَ اسْمه الْأَصْلِيّ، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: الْجَعْد بن عبد الرَّحْمَن بن أَوْس، وَهُوَ ثِقَة روى لَهُ مُسلم حَدِيثا وَاحِدًا عَن السَّائِب. الرَّابِع: يزِيد، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الزَّاي: أَبُو خصيفَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء: ابْن أخي السَّائِب الْمَذْكُور فِيهِ، وخصيفة جده، وَأَبوهُ عبد ابْن خصيفَة، وَقد نسب إِلَى جده. الْخَامِس: السَّائِب، بِالسِّين الْمُهْملَة: ابْن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن أُخْت النمر الْكِنْدِيّ الصَّحَابِيّ، وَقد تقدم فِي بَاب اسْتِعْمَال فضل وضوء النَّاس، وروى ثمَّة الجعيد عَن السَّائِب بِدُونِ وَاسِطَة، وَهَهُنَا روى عَنهُ بِوَاسِطَة، يزِيد، وروى حَاتِم بن إِسْمَاعِيل هَذَا الحَدِيث عَن الجعيد عَن السَّائِب بِلَا وَاسِطَة، أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَصَحَّ سَماع الْجَعْد عَن الساب كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، فَلَا يكون هَذَا الِاخْتِلَاف قادحاً، وروى عبد الرَّزَّاق هَذَا من طَرِيق أُخْرَى عَن نَافِع قَالَ: (كَانَ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، يَقُول: لَا تكثروا للغط. فَقَالَ: إِن مَسْجِدنَا هَذَا لَا يرفع فِيهِ الصَّوْت) . الحَدِيث، وَهَذَا فِيهِ انْقِطَاع لِأَن نَافِعًا لم يدْرك هَذَا الزَّمَان. ذكر لطائف إِسْنَاده. فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مديني ومدني وبصري. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن خَاله كَمَا ذكرنَا. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (كنت قَائِما) ، وَقع فِي الْأُصُول بِالْقَافِ، ويروى: (نَائِما) ، بالنُّون وَيُؤَيّد هَذِه الرِّوَايَة مَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي يعلى حدّثنا مُحَمَّد بن عباد حدّثنا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن الجعيد عَن السَّائِب، قَالَ: (كنت مُضْطَجعا فحصبني إِنْسَان) . قَوْله: (فحصبني) ، من: حصبت الرجل أحصبه، بِالْكَسْرِ: رميته بالحصباء. قَوْله: (إِذا هُوَ عمر بن الْخطاب) كلمة؛ إِذا، للمفاجأة وَهُوَ: مُبْتَدأ وَعمر: خَبره، ويروى: فَإِذا عمر بن الْخطاب، فعلى هَذَا: عمر، مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره؛ فَإِذا عمر حَاضر، أَو: وَاقِف. قَوْله: (فَقَالَ: اذْهَبْ) ، أَي: فَقَالَ عمر للسائب: إذهب. قَوْله: (فَاتَنِي بِهَذَيْنِ) ، يَعْنِي: بِهَذَيْنِ الشخصين وَكَانَا ثقفيين، كَذَا فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق. قَوْله: (لأوجعتكما) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (لأوجعتكما جلدا) . قَوْله: (ترفعان) ، خطاب لهذين الْإِثْنَيْنِ، وَهِي جملَة استئنافية، وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر، كَأَنَّهُمَا قَالَا: لم توجعن؟ قَالَ: لأنكما ترفعان أصواتكما فِي مَسْجِد رَسُول ا. فَإِن قلت: مَا وَجه الْجمع فِي أصواتكما، مَعَ أَن الْمَوْجُود صوتان لَهما؟ قلت: الْمُضَاف الْمثنى معنى، إِذا كَانَ جُزْء مَا أضيف إِلَيْهِ، الْأَفْصَح أَن يذكر بِالْجمعِ: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ (التَّحْرِيم: ٤) وَيجوز إِفْرَاده نَحْو: أكلت رَأس شَاتين، والتثنية مَعَ أصالتها قَليلَة الِاسْتِعْمَال، وَإِن لم يكن جزءه فالأكثر

стр. 1193

مَجِيئه بِلَفْظ التَّثْنِيَة، نَحْو: سلَّ الزيدان سيفيهما، وَإِن أَمن اللّبْس جَازَ جلّ الْمُضَاف بِلَفْظ الْجمع، كَمَا فِي قَوْله: (يعذبان فِي قبورهما) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (برفعكما أصواتكما) ، أَي: بِسَبَب رفعكما أصواتكما. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ. مَا قَالَه ابْن بطال: قَالَ بَعضهم: أما إِنْكَار عمر فلأنهما رفعا أصواتهما فِيمَا لَا يحتاجان إِلَيْهِ من اللَّغط الَّذِي لَا يجوز فِي الْمَسْجِد، وَإِنَّمَا سَأَلَهُمَا من أَيْن أَنْتُمَا ليعلم أَنَّهُمَا إِن كَانَا من أهل الْبَلَد وعلما أَن رفع الصَّوْت فِي الْمَسْجِد باللغط فِيهِ غير جَائِز زجرهما وأدبهما، فَلَمَّا أخبراه أَنَّهُمَا من غير الْبَلَد عُذْرهمَا بِالْجَهْلِ. وَفِيه: مَا يدل على جَوَاز قبُول اعتذار أهل الْجَهْل بالحلم إِذا كَانَ فِي شَيْء يخفى مثله. وَفِيه: جَوَاز تَأْدِيب الإِمَام من يرفع صَوته فِي الْمَسْجِد باللغط وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الحَدِيث لَهُ حكم الرّفْع لِأَن عمر لَا يتوعد الرجلَيْن الْمَذْكُورين بِالْجلدِ إلَاّ على مُخَالفَة أَمر توفيقي. قلت: لَا نسلم ذَلِك لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون ذَلِك بِاجْتِهَادِهِ ورأيه. ١٧٤ - ح دّثنا أحَمدُ قَالَ حدّثنا ابنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبرنِي يُونُسُ بنُ يَزِيدَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بنُ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أنَّ كَعْبَ بنَ مَالِكٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ تَقاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَيْناً لَهُ عليهِ فِي عَهْدِ رسولِ اللَّهِ فِي المَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُما حَتَّى سَمِعَهَا رَسولُ اللَّهِ وَهْوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِما رسولُ اللَّهِ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ ونادَى يَا كَعْبُ بنَ مالِكٍ قَالَ لَبيْكَ يَا رسولَ اللَّهِ فأشَارَ بِيَدِهِ أنْ ضَعِ الشَّطْرَ منْ دَيْنِكَ قَالَ كَعْبٌ قَدْ فَعَلْتُ يَا رسولَ اللَّهِ قَالَ رسولُ اللَّهِ قُمْ فاقْضِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الِاحْتِمَال الثَّانِي، وَهُوَ: عدم الْمَنْع. ذكر رِجَاله. وهم سِتَّة: الأول: أَحْمد، قَالَ الغساني: قَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّلَاة فِي موضِعين: حدّثنا أَحْمد قَالَ: حدّثنا ابْن وهب، فَقَالَ ابْن السكن: هُوَ أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ. قلت: وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْفربرِي: حدّثنا أَحْمد بن صَالح. وَقَالَ الْحَاكِم فِي (الْمدْخل) : إِنَّه هُوَ، وَقيل: إِنَّه أَحْمد بن عِيسَى التسترِي، وَلَا يَخْلُو أَن يكون وَاحِدًا مِنْهُمَا. وَقَالَ الكلاباذي: قَالَ لي ابْن مَنْدَه الْأَصْفَهَانِي: كل مَا قَالَه البُخَارِيّ فِي (الْجَامِع) : أَحْمد عَن ابْن وهب، هُوَ: أَحْمد ابْن صَالح الْمصْرِيّ. الثَّانِي: عبد ابْن وهب الْمصْرِيّ. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عبد ابْن كَعْب بن مَالك. السَّادِس: أَبوهُ كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ الْمدنِي الشَّاعِر. وَهَذَا الحَدِيث مَعَ تَحْقِيق مَعْنَاهُ وفوائده قد مضى فِي بَاب التقاضي والملازمة فِي الْمَسْجِد قبل مِقْدَار عشرَة أَبْوَاب. قَوْله: (حَتَّى سَمعهَا) ، أَي: حَتَّى سمع النَّبِي، أصواتهما: وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: حَتَّى سمعهما. وَا تَعَالَى أعلم. ٤٨ - (بابُ الحِلَقِ وَالْجُلُوسِ فِي المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْحلق وَالْجُلُوس فِي الْمَسْجِد، يَعْنِي: يجوز ذَلِك خُصُوصا إِذا كَانَ لعلم أَو ذكر أَو قِرَاءَة قُرْآن. قَوْله: (الْحلق) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح اللَّام، كَذَا قَالَه الْخطابِيّ فِي (إصْلَاح الْغَلَط) . وَقَالَ ابْن التِّين: الْحلق، بِفَتْح الْحَاء وَاللَّام: جمع حَلقَة، مثل تَمْرَة وتمر. وَفِي (الْمُحكم) : الْحلقَة كل شَيْء اسْتَدَارَ كحلقة الْحَدِيد وَالْفِضَّة وَالذَّهَب، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي النَّاس، وَالْجمع: حلاق، على الْغَالِب، و: حلق على النَّادِر: هضبة وهضب، وَالْحلق: عِنْد سِيبَوَيْهٍ اسْم للْجمع وَلَيْسَ بِجمع لِأَن فعلة لَيست مِمَّا يكسر على فعل، وَنَظِير هَذَا مَا حَكَاهُ من قَوْلهم؛ فلكة وفلك، وَقد حكى سِيبَوَيْهٍ فِي: الْحلقَة، فتح اللَّام، وَأنْكرهُ ابْن السّكيت يكسر على فعل، وَنَظِير هَذَا مَا حَكَاهُ من قَوْلهم: فلكة وفلك، وَقد حكى سِيبَوَيْهٍ فِي: الْحلقَة، فتح اللَّام، وأنكرها ابْن السّكيت وَغَيره. وَقَالَ اللحياني: حَلقَة الْبَاب وحلقته بِإِسْكَان اللَّام وَفتحهَا، وَقَالَ كرَاع: حَلقَة الْقَوْم وحلقتهم، وَحكى الْأمَوِي: حَلقَة الْقَوْم وحلاق، وَحكى أَبُو يُونُس عَن أبي عمر بن الْعَلَاء: حَلقَة فِي الْوَاحِد بِالتَّحْرِيكِ وَالْجمع: حلقات وَفِي (الموعب) : الْحلق مُؤَنّثَة فِي الْقيَاس إِلَاّ أَنِّي رايته فِي رجزدكين مذكراً، وَبَلغنِي أَن بَعضهم يَقُول: الْحلقَة، بِالتَّحْرِيكِ وَهِي لُغَة قَليلَة، فجَاء التَّذْكِير

стр. 1194

على هَذَا، وَحكى مكي عَن الْخَلِيل: بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ الفرزدق: (يَا أَيهَا الْجَالِس فِي وسط الْحلقَة ... أَفِي زنا جلدت أم فِي سَرقَة) وَفِي (الْمُجَرّد) لكراع: حَلقَة الْقَوْم، وحلقة، وحلقة وَالْجمع: حلق وَحلق وحلاق. ٢٧٤١٣١ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عنْ نافِعٍ عنِ ابِنِ عُمَرَ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ النبيَّ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ مَا تَرَى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ قَالَ مَثْنَى مَثْنَى فإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صلَّى وَاحِدَةً فأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى وإنَّهُ كانَ يَقُولُ اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وتْراً فإِنَّ النَّبيَّ أمَرَ بِهِ. (الحَدِيث ٢٧٤ أَطْرَافه فِي: ٣٧٤، ٠٩٩، ٣٩٩، ٥٩٩، ٧٣١١) . ١١ - مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن كَون النَّبِي على الْمِنْبَر يدل على كَون جمَاعَة جالسين فِي الْمَسْجِد، وَمِنْهُم الرجل الَّذِي سَأَلَهُ عَن صَلَاة اللَّيْل، وَهَذَا لم يعرف اسْمه. وَقَالَ ابْن بطال: شبه البُخَارِيّ فِي الحَدِيث جُلُوس الرِّجَال فِي الْمَسْجِد حول النَّبِي وَهُوَ يخْطب: بِالْحلقِ، وَالْجُلُوس فِي الْمَسْجِد للْعلم. انْتهى قلت: فعلى هَذَا طابق الحَدِيث جزئي التَّرْجَمَة كليهمَا. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْمفضل، على صِيغَة الْمَفْعُول، مر فِي بَاب قَول النَّبِي: (رب مبلغ أوعى) . الثَّالِث: عبيد ابْن عمر الْعمريّ، مر فِي بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْإِبِل. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد ابْن عمر رَضِي اعنهم. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ اتعالى عَن أبي النُّعْمَان، وَأخرجه أَيْضا عَن عبد ابْن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع وَعبد ابْن دِينَار عَن ابْن عمر. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ فِي (مَعَاني الْآثَار) من اثْنَي عشر طَرِيقا. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (وَهُوَ على الْمِنْبَر) جملَة حَالية. قَوْله: (مَا ترى؟) يحْتَمل أَن يكون من الرَّأْي، أَي: مَا رَأْيك؟ وَأَن يكون من الرُّؤْيَة الَّتِي هِيَ الْعلم، وَالْمرَاد لَازِمَة أَي: مَا حكمت؟ إِذْ الْعَالم يحكم بِعِلْمِهِ شرعا. قَوْله: (مثنى مثنى) مقول القَوْل، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة جملَة لِأَن مقول القَوْل يكون جملَة، فالمبتدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى، أَي: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَالثَّانِي تَأْكِيد للْأولِ، وَهُوَ غير منصرف لِأَن فِيهِ الْعدْل الْحَقِيقِيّ وَالصّفة. قَوْله: (فأوترت) على صِيغَة الْمَاضِي، أَي: أوترت تِلْكَ الْوَاحِد، لَهُ، أَي: للْمُصَلِّي. قَوْله: (مَا صلى) ، جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول أوترت، وَالْفَاعِل فِيهِ الضَّمِير الَّذِي يرجع إِلَى الْوَاحِدَة. قَوْله: (وَأَنه) ، جملَة استئنافية، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى ابْن عمر، وَالْقَائِل هُوَ نَافِع. قَوْله: (بِاللَّيْلِ) ، وَقعت فِي رِوَايَة الْكشميهني والأصيلي. فَقَط. قَوْله: (أَمر بِهِ) ، أَي: بالوتر، أَو بالجعل الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (اجعلوا) . ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز الْحلق فِي الْمَسْجِد للْعلم وَالذكر وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَنَحْو ذَلِك فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، قَالَ: (دخل رَسُول الله الْمَسْجِد وهم حلق، فقافل: مَالِي أَرَاكُم عزين؟) فَهَذَا يُعَارض ذَلِك قلت: تحلقهم هَذَا كَانَ لغير فَائِدَة وَلَا مَنْفَعَة، بِخِلَاف تحلقهم فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ كَانَ لسَمَاع الْعلم والتعلم، فَلَا مُعَارضَة. وَفِيه: أَن الْخَطِيب إِذا سُئِلَ عَن أَمر الدّين لَهُ أَن يُجَاوب من سَأَلَهُ، وَلَا يضر ذَلِك خطبَته. وَفِيه: أَن صَلَاة اللَّيْل رَكْعَتَانِ. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي النَّوَافِل، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: السّنة أَن تكون مثنى مثنى لَيْلًا وَنَهَارًا. قَالَ أَبُو حنيفَة: الْأَفْضَل الْأَرْبَع لَيْلًا وَنَهَارًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: الْأَفْضَل بِاللَّيْلِ رَكْعَتَانِ، وبالنهار أَربع. وَاحْتج أَبُو حنيفَة فِي صَلَاة اللَّيْل بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) من حَدِيث عَائِشَة (أَنَّهَا سُئِلت عَن صَلَاة رَسُول ا، فِي جَوف اللَّيْل، فَقَالَت: كَانَ يُصَلِّي صَلَاة الْعشَاء فِي جمَاعَة. ثمَّ يرجع إِلَى أَهله فيركع أَربع رَكْعَات، ثمَّ يأوي إِلَى فرَاشه) الحَدِيث بِطُولِهِ. وَفِي آخِره: (حَتَّى قبض على ذَلِك) ، وَاحْتج فِي صَلَاة النَّهَار بِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث معَاذَة (أَنَّهَا سَأَلت عَائِشَة: كم كَانَ رَسُول الله يُصَلِّي الضُّحَى؟

стр. 1195

قَالَت: أَربع رَكْعَات يزِيد مَا شَاءَ) ، رَوَاهُ أَبُو يعلى فِي مُسْنده، وَفِيه: (لَا يفصل بَينهُنَّ بِسَلام) . فَإِن قلت: روى الْأَرْبَعَة عَن ابْن عمر أَن النَّبِي قَالَ: (صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مثنى مثنى) ، قلت: لما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ سكت عَنهُ، إلَاّ أَنه قَالَ: اخْتلف أَصْحَاب شُعْبَة فِيهِ، فرفعه بَعضهم وَوَقفه بَعضهم، وَرَوَاهُ الثِّقَات عَن عبد ابْن عمر عَن النَّبِي وَلم يذكر فِيهِ صَلَاة النَّهَار، وَقَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا الحَدِيث عِنْدِي خطأ، وَقَالَ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) إِسْنَاد جيد إلَاّ أَن جمَاعَة من أَصْحَاب ابْن عمر خالفوا الْأَزْدِيّ فِيهِ، فَلم يذكرُوا فِيهِ النَّهَار، مِنْهُم: سَالم وَنَافِع وَطَاوُس. والْحَدِيث فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث جمَاعَة عَن ابْن عمر وَلَيْسَ فِيهِ ذكر النَّهَار، وروى الطَّحَاوِيّ عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبعا. وبالليل رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ قَالَ: فمحال أَن يروي ابْن عمر عَن رَسُول الله شَيْئا ثمَّ يُخَالف ذَلِك، فَعلم بذلك أَنه كَانَ مَا رُوِيَ عَنهُ عَن رَسُول الله ضَعِيفا، أَو كَانَ مَوْقُوفا غير مَرْفُوع. فَإِن قلت: روى الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي (تَارِيخ اصفهان) : عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول ا: (صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مثنى مثنى) ، وروى إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي (غَرِيب الحَدِيث) عَنهُ قَالَ: (صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مثنى مثنى) ؟ قلت: الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم أصح مِنْهُمَا وَأقوى وَأثبت، وعَلى تَقْدِير التَّسْلِيم نقُول: مَعْنَاهُ شفعاً لَا وترا، بسبيل إِطْلَاق اسْم الْمَلْزُوم على اللَّازِم مجَازًا جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ. وَفِيه إِن قَوْله: (فَإِذا خشِي أحدكُم الصُّبْح صلى وَاحِدَة) ، احْتج بِهِ من يَقُول: إِن الْوتر رَكْعَة وادة، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث ابْن مجلز، قَالَ: سَمِعت ابْن عمر يحدث عَن النَّبِي قَالَ: (الْوتر رَكْعَة من آخر اللَّيْل) ، وَإِلَيْهِ ذهب عَطاء بن أبي رَبَاح وَسَعِيد بن الْمسيب وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق وَدَاوُد، وهم جعلُوا هَذَا الحَدِيث أصلا فِي الإيتار بِرَكْعَة، إلَاّ أَن مَالِكًا قَالَ: وَلَا بُد أَن يكون قبلهَا شفع ليسلم بَينهُنَّ فِي الْحَضَر وَالسّفر، وَعنهُ: لَا بَأْس أَن يُوتر الْمُسَافِر بِوَاحِدَة، وَكَذَا فعله سَحْنُون فِي مَرضه، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الرَّكْعَة الْوَاحِدَة لم تشرع إلَاّ فِي الْوتر، وَفعله أَبُو بكر وَعمر، وَرُوِيَ عَن عُثْمَان وَسعد بن أبي وَقاص وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة وَأبي مُوسَى وَابْن الزبير وَعَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهُم. وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد، فِي رِوَايَة الْحسن بن حَيّ وَابْن الْمُبَارك: الْوتر ثَلَاث رَكْعَات لَا يسلم إلَاّ فِي آخِرهنَّ كَصَلَاة الْمغرب، وَقَالَ أَبُو عمر: يرْوى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب، وَعلي ابْن أبي طَالب وَعبد ابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب وَزيد بن ثَابت وَأنس بن مَالك وَأبي أُمَامَة وَحُذَيْفَة وَالْفُقَهَاء السَّبْعَة، وَأَجَابُوا عَمَّا احتجت بِهِ أهل الْمقَالة الأولى من الحَدِيث الْمَذْكُور وَنَحْوه فِي هَذَا الْبَاب بِأَن قَوْله: (الْوتر رَكْعَة من آخر اللَّيْل) ، يحْتَمل مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَيحْتَمل أَن يكون رَكْعَة مَعَ شفع تقدمها، وَذَلِكَ كُله وتر، فَتكون تِلْكَ الرَّكْعَة توتر الشفع الْمُتَقَدّم لَهَا، وَقد بَين ذَلِك آخر حَدِيث الْبَاب الَّذِي احْتج بِهِ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ قَوْله: (فأوترت لَهُ مَا صلى) ، وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الحَدِيث الثَّانِي من هَذَا الْبَاب: (فأوتر بِوَاحِدَة توتر لَك مَا قد صليت) ، وَآخر حَدِيثهمْ حجَّة عَلَيْهِم، وروى التِّرْمِذِيّ فِي (جَامعه) : عَن عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، أَن رَسُول ا: (كَانَ يُوتر بِثَلَاث) ، الحَدِيث، وروى الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) عَن عَائِشَة، قَالَت: (كَانَ رَسُول ا، يُوتر بِثَلَاث لَا يعْقد إلَاّ فِي آخِره) ، وروى النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن زُرَارَة عَن سعيد بن هِشَام عَن عَائِشَة، قَالَت: (كَانَ رَسُول ا، لَا يسلم فِي رَكْعَتي الْوتر) . وَقَالَ الْحَاكِم: لَا يسلم فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين من الْوتر، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، وروى الإِمَام مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: (أَن النَّبِي، كَانَ يُوتر بِثَلَاث) الحَدِيث، وروى مُسلم وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة عَليّ بن عبد ابْن عَبَّاس عَن أَبِيه أَنه رقد عِنْد رَسُول الله فَذكر الحَدِيث. وَفِيه؛ ثمَّ أوتر بِثَلَاث، وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة يحيى بن الجزار عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (كَانَ رَسُول الله يُصَلِّي من اللَّيْل ثَمَان رَكْعَات ويوتر بِثَلَاث) ، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أبي بن كَعْب: (أَن رَسُول الله كَانَ يُوتر بِثَلَاث رَكْعَات) ، وروى ابْن مَاجَه من رِوَايَة الشّعبِيّ، قَالَ: سَأَلت عبد ابْن عَبَّاس وَعبد ابْن عمر رَضِي اتعالى عَنْهُم، عَن صَلَاة رَسُول الله فَقَالَا: ثَلَاث عشرَة، مِنْهَا: ثَمَان بِاللَّيْلِ ويوتر بِثَلَاث وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْفجْر، وروى الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث عبد ابْن مَسْعُود، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (وتر اللَّيْل ثَلَاث كوتر النَّهَار: صَلَاة الْمغرب) . وروى
следующие страницы →