← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

قتل أَبوهُ وَعَمه يَوْم أحد كَافِرين فِي جمَاعَة من بني عَمهمَا وَهَاجَر هَذَا مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد وَعَمْرو وَدفع النَّبِي ﷺ َ - لَهُ وَإِلَى ابْن عَمه شيبَة بن عُثْمَان مِفْتَاح الْكَعْبَة وَقَالَ الْكرْمَانِي أسلم يَوْم هدنة الْحُدَيْبِيَة وَجَاء يَوْم الْفَتْح بمفتاح الْكَعْبَة وَفتحهَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " خذوها " يَعْنِي الْمِفْتَاح " يَا آل أبي طَلْحَة خالدة تالدة لَا يَنْزِعهَا مِنْكُم إِلَّا ظَالِم " ثمَّ نزل الْمَدِينَة فَأَقَامَ بهَا إِلَى وَفَاة النَّبِي ﷺ َ - ثمَّ تحول إِلَى مَكَّة وَمَات بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين قَوْله " وبلال " عطف على قَول النَّبِي أَي وَدخل بِلَال أَيْضا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - وَدخل أَيْضا أُسَامَة بن زيد وَعُثْمَان بن أبي طَلْحَة وإدخاله ﷺ َ - هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة مَعَه لمعان تخص كل وَاحِد مِنْهُم فَأَما دُخُول بِلَال فلكونه مؤذنه وخادم أَمر صلَاته وَأما أُسَامَة فَلِأَنَّهُ كَانَ يتَوَلَّى خدمَة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَأما عُثْمَان فلئلا يتَوَهَّم النَّاس أَنه ﷺ َ - عَزله وَلِأَنَّهُ كَانَ يقوم بِفَتْح الْبَاب وإغلاقه قَوْله " فبدرت " أَي أسرعت قَوْله " فَسَأَلت بِلَالًا " أَي عَن صَلَاة النَّبِي ﷺ َ - فِي الْكَعْبَة قَوْله " فَقلت فِي أَي " أَي فِي أَي نواحيه ويروى فِي أَي نواحيه بِوُجُود الْمُضَاف إِلَيْهِ قَوْله " بَين الاسطوانتين " هِيَ تَثْنِيَة الاسطوانة بِضَم الْهمزَة وَزنهَا أفعوالة وَقيل فعلوانة وَقيل افعلانة قَوْله " فَذهب عَليّ " أَي فَاتَ مني سُؤال الكمية قَوْله " أَن أسأله " بِفَتْح أَن مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فَاعل ذهب (وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ) مَا قَالَه الْخطابِيّ وَابْن بطال أَن إغلاق بَاب الْكَعْبَة كَانَ لِئَلَّا يكثر النَّاس عَلَيْهِ فيصلوا بِصَلَاتِهِ ﷺ َ - وَيكون ذَلِك عِنْدهم من الْمَنَاسِك كَمَا فعل فِي صَلَاة اللَّيْل حِين لم يخرج إِلَيْهِم خشيَة أَن تكْتب عَلَيْهِم وَقيل إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِئَلَّا يزدحموا عَلَيْهِ لتوفر دواعيهم على مُرَاعَاة أَفعاله ليأخذوها عَنهُ وَقيل ليَكُون ذَلِك أسكن لِقَلْبِهِ وَأجْمع لخشوعه. وَمِنْهَا مَا قَالَ ابْن بطال اتِّخَاذ الْأَبْوَاب للمساجد وَاجِب وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَمِنْهَا أَن الْمُسْتَحبّ لمن يدْخل الْكَعْبَة أَن يُصَلِّي بَين الاسطوانتين كَمَا فعل النَّبِي ﷺ َ - وَسَيَجِيءُ فِي كتاب الْحَج عَن ابْن عمر أَنه سَأَلَ بِلَالًا هَل صلى فِيهِ رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ نعم بَين العمودين اليمانيين وَفِي لفظ " جعل العمودين عَن يسَاره وعمودا عَن يَمِينه وَثَلَاثَة أعمدة وَرَاءه وَكَانَ الْبَيْت يَوْمئِذٍ على سِتَّة أعمدة ثمَّ صلى " وَفِي لفظ " فَمَكثَ فِي الْبَيْت نَهَارا طَويلا ثمَّ خرج فابتدر النَّاس من الدُّخُول فسبقتهم فَوجدت بِلَالًا قَائِما وَرَاء الْبَيْت فَقلت لَهُ أَيْن صلى فَقَالَ بَين ذَيْنك العمودين المقدمين قَالَ ونسيت أَن أسأله كم صلى وَعند الْمَكَان الَّذِي صلى فِيهِ مرّة مرّة حَمْرَاء " وروى أَحْمد من حَدِيث عُثْمَان بن أبي طَلْحَة بِسَنَد صَالح " أَن النَّبِي ﷺ َ - دخل الْبَيْت فصلى رَكْعَتَيْنِ بَين الساريتين " وَفِي فَوَائِد سمويه بن عبد الرَّحْمَن بن الوضاح قَالَ " قلت لشيبة زَعَمُوا أَن النَّبِي ﷺ َ - دخل الْكَعْبَة فَلم يصل فِيهَا قَالَ كذبُوا وَأبي لقد صلى رَكْعَتَيْنِ بَين العمودين ثمَّ ألصق بهما بَطْنه وظهره " - ٢٨ - (بابُ دُخولِ المُشْرِكِ المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز دُخُول الْمُشرك الْمَسْجِد، وَفِيه خلاف، فعندنا يجوز مُطلقًا، وَعند الْمَالِكِيَّة والمزني الْمَنْع مُطلقًا، وَعند الشَّافِعِيَّة التَّفْصِيل بَين الْمَسْجِد الْحَرَام وَغَيره، وَلنَا حَدِيث الْبَاب. ٣٨ -

стр. 1192

(بابُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي المَسَاجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم رفع الصَّوْت فِي الْمَسَاجِد، وَلَكِن هَذَا أَعم من أَن يكون مَمْنُوعًا، أَو غير مَمْنُوع، فَذكره الْحَدِيثين فِيهِ إِشَارَة إِلَى بَيَان تَفْصِيل فِيهِ مَعَ الْخلاف، فَالْحَدِيث الأول يدل على الْمَنْع، والْحَدِيث الثَّانِي يدل على عَدمه، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ فِيمَا تقدم، وَهُوَ بَاب التقاضي والملازمة فِي الْمَسْجِد. ٠٧٤٩٢١ - ح دّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدّثنا الجُعَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حدّثني يَزِيدُ بنُ خُصَيْفَةَ عنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ قَالَ كنْتُ قائِماً فِي المَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجلٌ فَنَظَرْتُ فإِذا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فَقَالَ اذْهبْ فَأتِني بِهَذَيْنِ فَجِئْتُهُ بِهِما قَالَ مَن أنْتُما أوْ مِنْ أيْنَ أنْتُما قَالَا منْ أهْلِ الطَّائِفِ قَالَ لَوْ كُنْتُما مِنْ أهْلِ البَلَدِ لأوْجَعْتُكُما تَرْفَعَانِ أصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رسولِ اللَّهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي أحد احتماليها، وَهُوَ: الْمَنْع. ذكر رِجَاله. وهم خَمْسَة. الأول: عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: يحيى الْقطَّان، كَذَلِك. الثَّالِث: الجعيد، بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، وَيُقَال لَهُ: جعيد، أَيْضا بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَيُقَال لَهُ: الْجَعْد، بِدُونِ التصغير، وَهُوَ اسْمه الْأَصْلِيّ، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: الْجَعْد بن عبد الرَّحْمَن بن أَوْس، وَهُوَ ثِقَة روى لَهُ مُسلم حَدِيثا وَاحِدًا عَن السَّائِب. الرَّابِع: يزِيد، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الزَّاي: أَبُو خصيفَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء: ابْن أخي السَّائِب الْمَذْكُور فِيهِ، وخصيفة جده، وَأَبوهُ عبد ابْن خصيفَة، وَقد نسب إِلَى جده. الْخَامِس: السَّائِب، بِالسِّين الْمُهْملَة: ابْن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن أُخْت النمر الْكِنْدِيّ الصَّحَابِيّ، وَقد تقدم فِي بَاب اسْتِعْمَال فضل وضوء النَّاس، وروى ثمَّة الجعيد عَن السَّائِب بِدُونِ وَاسِطَة، وَهَهُنَا روى عَنهُ بِوَاسِطَة، يزِيد، وروى حَاتِم بن إِسْمَاعِيل هَذَا الحَدِيث عَن الجعيد عَن السَّائِب بِلَا وَاسِطَة، أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَصَحَّ سَماع الْجَعْد عَن الساب كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، فَلَا يكون هَذَا الِاخْتِلَاف قادحاً، وروى عبد الرَّزَّاق هَذَا من طَرِيق أُخْرَى عَن نَافِع قَالَ: (كَانَ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، يَقُول: لَا تكثروا للغط. فَقَالَ: إِن مَسْجِدنَا هَذَا لَا يرفع فِيهِ الصَّوْت) . الحَدِيث، وَهَذَا فِيهِ انْقِطَاع لِأَن نَافِعًا لم يدْرك هَذَا الزَّمَان. ذكر لطائف إِسْنَاده. فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مديني ومدني وبصري. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن خَاله كَمَا ذكرنَا. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (كنت قَائِما) ، وَقع فِي الْأُصُول بِالْقَافِ، ويروى: (نَائِما) ، بالنُّون وَيُؤَيّد هَذِه الرِّوَايَة مَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي يعلى حدّثنا مُحَمَّد بن عباد حدّثنا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن الجعيد عَن السَّائِب، قَالَ: (كنت مُضْطَجعا فحصبني إِنْسَان) . قَوْله: (فحصبني) ، من: حصبت الرجل أحصبه، بِالْكَسْرِ: رميته بالحصباء. قَوْله: (إِذا هُوَ عمر بن الْخطاب) كلمة؛ إِذا، للمفاجأة وَهُوَ: مُبْتَدأ وَعمر: خَبره، ويروى: فَإِذا عمر بن الْخطاب، فعلى هَذَا: عمر، مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره؛ فَإِذا عمر حَاضر، أَو: وَاقِف. قَوْله: (فَقَالَ: اذْهَبْ) ، أَي: فَقَالَ عمر للسائب: إذهب. قَوْله: (فَاتَنِي بِهَذَيْنِ) ، يَعْنِي: بِهَذَيْنِ الشخصين وَكَانَا ثقفيين، كَذَا فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق. قَوْله: (لأوجعتكما) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (لأوجعتكما جلدا) . قَوْله: (ترفعان) ، خطاب لهذين الْإِثْنَيْنِ، وَهِي جملَة استئنافية، وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر، كَأَنَّهُمَا قَالَا: لم توجعن؟ قَالَ: لأنكما ترفعان أصواتكما فِي مَسْجِد رَسُول ا. فَإِن قلت: مَا وَجه الْجمع فِي أصواتكما، مَعَ أَن الْمَوْجُود صوتان لَهما؟ قلت: الْمُضَاف الْمثنى معنى، إِذا كَانَ جُزْء مَا أضيف إِلَيْهِ، الْأَفْصَح أَن يذكر بِالْجمعِ: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ (التَّحْرِيم: ٤) وَيجوز إِفْرَاده نَحْو: أكلت رَأس شَاتين، والتثنية مَعَ أصالتها قَليلَة الِاسْتِعْمَال، وَإِن لم يكن جزءه فالأكثر

стр. 1193

مَجِيئه بِلَفْظ التَّثْنِيَة، نَحْو: سلَّ الزيدان سيفيهما، وَإِن أَمن اللّبْس جَازَ جلّ الْمُضَاف بِلَفْظ الْجمع، كَمَا فِي قَوْله: (يعذبان فِي قبورهما) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (برفعكما أصواتكما) ، أَي: بِسَبَب رفعكما أصواتكما. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ. مَا قَالَه ابْن بطال: قَالَ بَعضهم: أما إِنْكَار عمر فلأنهما رفعا أصواتهما فِيمَا لَا يحتاجان إِلَيْهِ من اللَّغط الَّذِي لَا يجوز فِي الْمَسْجِد، وَإِنَّمَا سَأَلَهُمَا من أَيْن أَنْتُمَا ليعلم أَنَّهُمَا إِن كَانَا من أهل الْبَلَد وعلما أَن رفع الصَّوْت فِي الْمَسْجِد باللغط فِيهِ غير جَائِز زجرهما وأدبهما، فَلَمَّا أخبراه أَنَّهُمَا من غير الْبَلَد عُذْرهمَا بِالْجَهْلِ. وَفِيه: مَا يدل على جَوَاز قبُول اعتذار أهل الْجَهْل بالحلم إِذا كَانَ فِي شَيْء يخفى مثله. وَفِيه: جَوَاز تَأْدِيب الإِمَام من يرفع صَوته فِي الْمَسْجِد باللغط وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الحَدِيث لَهُ حكم الرّفْع لِأَن عمر لَا يتوعد الرجلَيْن الْمَذْكُورين بِالْجلدِ إلَاّ على مُخَالفَة أَمر توفيقي. قلت: لَا نسلم ذَلِك لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون ذَلِك بِاجْتِهَادِهِ ورأيه. ١٧٤ - ح دّثنا أحَمدُ قَالَ حدّثنا ابنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبرنِي يُونُسُ بنُ يَزِيدَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بنُ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أنَّ كَعْبَ بنَ مَالِكٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ تَقاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَيْناً لَهُ عليهِ فِي عَهْدِ رسولِ اللَّهِ فِي المَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُما حَتَّى سَمِعَهَا رَسولُ اللَّهِ وَهْوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِما رسولُ اللَّهِ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ ونادَى يَا كَعْبُ بنَ مالِكٍ قَالَ لَبيْكَ يَا رسولَ اللَّهِ فأشَارَ بِيَدِهِ أنْ ضَعِ الشَّطْرَ منْ دَيْنِكَ قَالَ كَعْبٌ قَدْ فَعَلْتُ يَا رسولَ اللَّهِ قَالَ رسولُ اللَّهِ قُمْ فاقْضِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الِاحْتِمَال الثَّانِي، وَهُوَ: عدم الْمَنْع. ذكر رِجَاله. وهم سِتَّة: الأول: أَحْمد، قَالَ الغساني: قَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّلَاة فِي موضِعين: حدّثنا أَحْمد قَالَ: حدّثنا ابْن وهب، فَقَالَ ابْن السكن: هُوَ أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ. قلت: وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْفربرِي: حدّثنا أَحْمد بن صَالح. وَقَالَ الْحَاكِم فِي (الْمدْخل) : إِنَّه هُوَ، وَقيل: إِنَّه أَحْمد بن عِيسَى التسترِي، وَلَا يَخْلُو أَن يكون وَاحِدًا مِنْهُمَا. وَقَالَ الكلاباذي: قَالَ لي ابْن مَنْدَه الْأَصْفَهَانِي: كل مَا قَالَه البُخَارِيّ فِي (الْجَامِع) : أَحْمد عَن ابْن وهب، هُوَ: أَحْمد ابْن صَالح الْمصْرِيّ. الثَّانِي: عبد ابْن وهب الْمصْرِيّ. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عبد ابْن كَعْب بن مَالك. السَّادِس: أَبوهُ كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ الْمدنِي الشَّاعِر. وَهَذَا الحَدِيث مَعَ تَحْقِيق مَعْنَاهُ وفوائده قد مضى فِي بَاب التقاضي والملازمة فِي الْمَسْجِد قبل مِقْدَار عشرَة أَبْوَاب. قَوْله: (حَتَّى سَمعهَا) ، أَي: حَتَّى سمع النَّبِي، أصواتهما: وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: حَتَّى سمعهما. وَا تَعَالَى أعلم. ٤٨ - (بابُ الحِلَقِ وَالْجُلُوسِ فِي المَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْحلق وَالْجُلُوس فِي الْمَسْجِد، يَعْنِي: يجوز ذَلِك خُصُوصا إِذا كَانَ لعلم أَو ذكر أَو قِرَاءَة قُرْآن. قَوْله: (الْحلق) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح اللَّام، كَذَا قَالَه الْخطابِيّ فِي (إصْلَاح الْغَلَط) . وَقَالَ ابْن التِّين: الْحلق، بِفَتْح الْحَاء وَاللَّام: جمع حَلقَة، مثل تَمْرَة وتمر. وَفِي (الْمُحكم) : الْحلقَة كل شَيْء اسْتَدَارَ كحلقة الْحَدِيد وَالْفِضَّة وَالذَّهَب، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي النَّاس، وَالْجمع: حلاق، على الْغَالِب، و: حلق على النَّادِر: هضبة وهضب، وَالْحلق: عِنْد سِيبَوَيْهٍ اسْم للْجمع وَلَيْسَ بِجمع لِأَن فعلة لَيست مِمَّا يكسر على فعل، وَنَظِير هَذَا مَا حَكَاهُ من قَوْلهم؛ فلكة وفلك، وَقد حكى سِيبَوَيْهٍ فِي: الْحلقَة، فتح اللَّام، وَأنْكرهُ ابْن السّكيت يكسر على فعل، وَنَظِير هَذَا مَا حَكَاهُ من قَوْلهم: فلكة وفلك، وَقد حكى سِيبَوَيْهٍ فِي: الْحلقَة، فتح اللَّام، وأنكرها ابْن السّكيت وَغَيره. وَقَالَ اللحياني: حَلقَة الْبَاب وحلقته بِإِسْكَان اللَّام وَفتحهَا، وَقَالَ كرَاع: حَلقَة الْقَوْم وحلقتهم، وَحكى الْأمَوِي: حَلقَة الْقَوْم وحلاق، وَحكى أَبُو يُونُس عَن أبي عمر بن الْعَلَاء: حَلقَة فِي الْوَاحِد بِالتَّحْرِيكِ وَالْجمع: حلقات وَفِي (الموعب) : الْحلق مُؤَنّثَة فِي الْقيَاس إِلَاّ أَنِّي رايته فِي رجزدكين مذكراً، وَبَلغنِي أَن بَعضهم يَقُول: الْحلقَة، بِالتَّحْرِيكِ وَهِي لُغَة قَليلَة، فجَاء التَّذْكِير

стр. 1194

على هَذَا، وَحكى مكي عَن الْخَلِيل: بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ الفرزدق: (يَا أَيهَا الْجَالِس فِي وسط الْحلقَة ... أَفِي زنا جلدت أم فِي سَرقَة) وَفِي (الْمُجَرّد) لكراع: حَلقَة الْقَوْم، وحلقة، وحلقة وَالْجمع: حلق وَحلق وحلاق. ٢٧٤١٣١ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عنْ نافِعٍ عنِ ابِنِ عُمَرَ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ النبيَّ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ مَا تَرَى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ قَالَ مَثْنَى مَثْنَى فإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صلَّى وَاحِدَةً فأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى وإنَّهُ كانَ يَقُولُ اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وتْراً فإِنَّ النَّبيَّ أمَرَ بِهِ. (الحَدِيث ٢٧٤ أَطْرَافه فِي: ٣٧٤، ٠٩٩، ٣٩٩، ٥٩٩، ٧٣١١) . ١١ - مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن كَون النَّبِي على الْمِنْبَر يدل على كَون جمَاعَة جالسين فِي الْمَسْجِد، وَمِنْهُم الرجل الَّذِي سَأَلَهُ عَن صَلَاة اللَّيْل، وَهَذَا لم يعرف اسْمه. وَقَالَ ابْن بطال: شبه البُخَارِيّ فِي الحَدِيث جُلُوس الرِّجَال فِي الْمَسْجِد حول النَّبِي وَهُوَ يخْطب: بِالْحلقِ، وَالْجُلُوس فِي الْمَسْجِد للْعلم. انْتهى قلت: فعلى هَذَا طابق الحَدِيث جزئي التَّرْجَمَة كليهمَا. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْمفضل، على صِيغَة الْمَفْعُول، مر فِي بَاب قَول النَّبِي: (رب مبلغ أوعى) . الثَّالِث: عبيد ابْن عمر الْعمريّ، مر فِي بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْإِبِل. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد ابْن عمر رَضِي اعنهم. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ اتعالى عَن أبي النُّعْمَان، وَأخرجه أَيْضا عَن عبد ابْن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع وَعبد ابْن دِينَار عَن ابْن عمر. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ فِي (مَعَاني الْآثَار) من اثْنَي عشر طَرِيقا. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (وَهُوَ على الْمِنْبَر) جملَة حَالية. قَوْله: (مَا ترى؟) يحْتَمل أَن يكون من الرَّأْي، أَي: مَا رَأْيك؟ وَأَن يكون من الرُّؤْيَة الَّتِي هِيَ الْعلم، وَالْمرَاد لَازِمَة أَي: مَا حكمت؟ إِذْ الْعَالم يحكم بِعِلْمِهِ شرعا. قَوْله: (مثنى مثنى) مقول القَوْل، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة جملَة لِأَن مقول القَوْل يكون جملَة، فالمبتدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى، أَي: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَالثَّانِي تَأْكِيد للْأولِ، وَهُوَ غير منصرف لِأَن فِيهِ الْعدْل الْحَقِيقِيّ وَالصّفة. قَوْله: (فأوترت) على صِيغَة الْمَاضِي، أَي: أوترت تِلْكَ الْوَاحِد، لَهُ، أَي: للْمُصَلِّي. قَوْله: (مَا صلى) ، جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول أوترت، وَالْفَاعِل فِيهِ الضَّمِير الَّذِي يرجع إِلَى الْوَاحِدَة. قَوْله: (وَأَنه) ، جملَة استئنافية، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى ابْن عمر، وَالْقَائِل هُوَ نَافِع. قَوْله: (بِاللَّيْلِ) ، وَقعت فِي رِوَايَة الْكشميهني والأصيلي. فَقَط. قَوْله: (أَمر بِهِ) ، أَي: بالوتر، أَو بالجعل الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: (اجعلوا) . ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز الْحلق فِي الْمَسْجِد للْعلم وَالذكر وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَنَحْو ذَلِك فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، قَالَ: (دخل رَسُول الله الْمَسْجِد وهم حلق، فقافل: مَالِي أَرَاكُم عزين؟) فَهَذَا يُعَارض ذَلِك قلت: تحلقهم هَذَا كَانَ لغير فَائِدَة وَلَا مَنْفَعَة، بِخِلَاف تحلقهم فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ كَانَ لسَمَاع الْعلم والتعلم، فَلَا مُعَارضَة. وَفِيه: أَن الْخَطِيب إِذا سُئِلَ عَن أَمر الدّين لَهُ أَن يُجَاوب من سَأَلَهُ، وَلَا يضر ذَلِك خطبَته. وَفِيه: أَن صَلَاة اللَّيْل رَكْعَتَانِ. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي النَّوَافِل، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: السّنة أَن تكون مثنى مثنى لَيْلًا وَنَهَارًا. قَالَ أَبُو حنيفَة: الْأَفْضَل الْأَرْبَع لَيْلًا وَنَهَارًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: الْأَفْضَل بِاللَّيْلِ رَكْعَتَانِ، وبالنهار أَربع. وَاحْتج أَبُو حنيفَة فِي صَلَاة اللَّيْل بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) من حَدِيث عَائِشَة (أَنَّهَا سُئِلت عَن صَلَاة رَسُول ا، فِي جَوف اللَّيْل، فَقَالَت: كَانَ يُصَلِّي صَلَاة الْعشَاء فِي جمَاعَة. ثمَّ يرجع إِلَى أَهله فيركع أَربع رَكْعَات، ثمَّ يأوي إِلَى فرَاشه) الحَدِيث بِطُولِهِ. وَفِي آخِره: (حَتَّى قبض على ذَلِك) ، وَاحْتج فِي صَلَاة النَّهَار بِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث معَاذَة (أَنَّهَا سَأَلت عَائِشَة: كم كَانَ رَسُول الله يُصَلِّي الضُّحَى؟

стр. 1195

قَالَت: أَربع رَكْعَات يزِيد مَا شَاءَ) ، رَوَاهُ أَبُو يعلى فِي مُسْنده، وَفِيه: (لَا يفصل بَينهُنَّ بِسَلام) . فَإِن قلت: روى الْأَرْبَعَة عَن ابْن عمر أَن النَّبِي قَالَ: (صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مثنى مثنى) ، قلت: لما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ سكت عَنهُ، إلَاّ أَنه قَالَ: اخْتلف أَصْحَاب شُعْبَة فِيهِ، فرفعه بَعضهم وَوَقفه بَعضهم، وَرَوَاهُ الثِّقَات عَن عبد ابْن عمر عَن النَّبِي وَلم يذكر فِيهِ صَلَاة النَّهَار، وَقَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا الحَدِيث عِنْدِي خطأ، وَقَالَ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) إِسْنَاد جيد إلَاّ أَن جمَاعَة من أَصْحَاب ابْن عمر خالفوا الْأَزْدِيّ فِيهِ، فَلم يذكرُوا فِيهِ النَّهَار، مِنْهُم: سَالم وَنَافِع وَطَاوُس. والْحَدِيث فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث جمَاعَة عَن ابْن عمر وَلَيْسَ فِيهِ ذكر النَّهَار، وروى الطَّحَاوِيّ عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبعا. وبالليل رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ قَالَ: فمحال أَن يروي ابْن عمر عَن رَسُول الله شَيْئا ثمَّ يُخَالف ذَلِك، فَعلم بذلك أَنه كَانَ مَا رُوِيَ عَنهُ عَن رَسُول الله ضَعِيفا، أَو كَانَ مَوْقُوفا غير مَرْفُوع. فَإِن قلت: روى الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي (تَارِيخ اصفهان) : عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول ا: (صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مثنى مثنى) ، وروى إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي (غَرِيب الحَدِيث) عَنهُ قَالَ: (صَلَاة اللَّيْل وَالنَّهَار مثنى مثنى) ؟ قلت: الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم أصح مِنْهُمَا وَأقوى وَأثبت، وعَلى تَقْدِير التَّسْلِيم نقُول: مَعْنَاهُ شفعاً لَا وترا، بسبيل إِطْلَاق اسْم الْمَلْزُوم على اللَّازِم مجَازًا جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ. وَفِيه إِن قَوْله: (فَإِذا خشِي أحدكُم الصُّبْح صلى وَاحِدَة) ، احْتج بِهِ من يَقُول: إِن الْوتر رَكْعَة وادة، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث ابْن مجلز، قَالَ: سَمِعت ابْن عمر يحدث عَن النَّبِي قَالَ: (الْوتر رَكْعَة من آخر اللَّيْل) ، وَإِلَيْهِ ذهب عَطاء بن أبي رَبَاح وَسَعِيد بن الْمسيب وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق وَدَاوُد، وهم جعلُوا هَذَا الحَدِيث أصلا فِي الإيتار بِرَكْعَة، إلَاّ أَن مَالِكًا قَالَ: وَلَا بُد أَن يكون قبلهَا شفع ليسلم بَينهُنَّ فِي الْحَضَر وَالسّفر، وَعنهُ: لَا بَأْس أَن يُوتر الْمُسَافِر بِوَاحِدَة، وَكَذَا فعله سَحْنُون فِي مَرضه، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الرَّكْعَة الْوَاحِدَة لم تشرع إلَاّ فِي الْوتر، وَفعله أَبُو بكر وَعمر، وَرُوِيَ عَن عُثْمَان وَسعد بن أبي وَقاص وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة وَأبي مُوسَى وَابْن الزبير وَعَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهُم. وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد، فِي رِوَايَة الْحسن بن حَيّ وَابْن الْمُبَارك: الْوتر ثَلَاث رَكْعَات لَا يسلم إلَاّ فِي آخِرهنَّ كَصَلَاة الْمغرب، وَقَالَ أَبُو عمر: يرْوى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب، وَعلي ابْن أبي طَالب وَعبد ابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب وَزيد بن ثَابت وَأنس بن مَالك وَأبي أُمَامَة وَحُذَيْفَة وَالْفُقَهَاء السَّبْعَة، وَأَجَابُوا عَمَّا احتجت بِهِ أهل الْمقَالة الأولى من الحَدِيث الْمَذْكُور وَنَحْوه فِي هَذَا الْبَاب بِأَن قَوْله: (الْوتر رَكْعَة من آخر اللَّيْل) ، يحْتَمل مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَيحْتَمل أَن يكون رَكْعَة مَعَ شفع تقدمها، وَذَلِكَ كُله وتر، فَتكون تِلْكَ الرَّكْعَة توتر الشفع الْمُتَقَدّم لَهَا، وَقد بَين ذَلِك آخر حَدِيث الْبَاب الَّذِي احْتج بِهِ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ قَوْله: (فأوترت لَهُ مَا صلى) ، وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الحَدِيث الثَّانِي من هَذَا الْبَاب: (فأوتر بِوَاحِدَة توتر لَك مَا قد صليت) ، وَآخر حَدِيثهمْ حجَّة عَلَيْهِم، وروى التِّرْمِذِيّ فِي (جَامعه) : عَن عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، أَن رَسُول ا: (كَانَ يُوتر بِثَلَاث) ، الحَدِيث، وروى الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) عَن عَائِشَة، قَالَت: (كَانَ رَسُول ا، يُوتر بِثَلَاث لَا يعْقد إلَاّ فِي آخِره) ، وروى النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن زُرَارَة عَن سعيد بن هِشَام عَن عَائِشَة، قَالَت: (كَانَ رَسُول ا، لَا يسلم فِي رَكْعَتي الْوتر) . وَقَالَ الْحَاكِم: لَا يسلم فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين من الْوتر، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، وروى الإِمَام مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: (أَن النَّبِي، كَانَ يُوتر بِثَلَاث) الحَدِيث، وروى مُسلم وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة عَليّ بن عبد ابْن عَبَّاس عَن أَبِيه أَنه رقد عِنْد رَسُول الله فَذكر الحَدِيث. وَفِيه؛ ثمَّ أوتر بِثَلَاث، وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة يحيى بن الجزار عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (كَانَ رَسُول الله يُصَلِّي من اللَّيْل ثَمَان رَكْعَات ويوتر بِثَلَاث) ، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أبي بن كَعْب: (أَن رَسُول الله كَانَ يُوتر بِثَلَاث رَكْعَات) ، وروى ابْن مَاجَه من رِوَايَة الشّعبِيّ، قَالَ: سَأَلت عبد ابْن عَبَّاس وَعبد ابْن عمر رَضِي اتعالى عَنْهُم، عَن صَلَاة رَسُول الله فَقَالَا: ثَلَاث عشرَة، مِنْهَا: ثَمَان بِاللَّيْلِ ويوتر بِثَلَاث وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْفجْر، وروى الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث عبد ابْن مَسْعُود، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (وتر اللَّيْل ثَلَاث كوتر النَّهَار: صَلَاة الْمغرب) . وروى

стр. 1196

مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي من حَدِيث أنس بن مَالك: (أَن النَّبِي كَانَ يُوتر بِثَلَاث) وروى أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أَبِيه: (أَن رَسُول الله كَانَ يُوتر بِثَلَاث) ، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: حدّثنا حَفْص عَن عَمْرو عَن الْحسن، قَالَ: أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْوتر ثَلَاث لَا يسلم إِلَّا فِي آخِرهنَّ. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، قَالَ: (لَا توتروا بِثَلَاث وأوتروا بِخمْس أَو بِسبع، وَلَا تشبهوا بِصَلَاة الْمغرب) . قلت: رُوِيَ هَذَا مَوْقُوفا على أبي هُرَيْرَة، كَمَا رُوِيَ مَرْفُوعا، وَمَعَ هَذَا هُوَ معَارض بِحَدِيث عَليّ وَعَائِشَة وَمن ذكرنَا مَعَهُمَا من الصَّحَابَة، وَأَيْضًا إِن قَوْله: (لَا توتروا بِثَلَاث) ، يحْتَمل كَرَاهَة الْوتر من غير تطوع قبله من الشفع، وَيكون الْمَعْنى: لَا توتروا بِثَلَاث رَكْعَات وَحدهَا من غير أَن يتقدمها شَيْء من التَّطَوُّع الفع، بل أوتروا هَذِه الثَّلَاث مَعَ شفع قبلهَا لتَكون خمْسا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله: (واوتروا بِخمْس) أَو: أوتروا هَذِه الثَّلَاث مَعَ شفعين قبلهَا لتَكون سبعا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله: (أَو بِسبع) أَي: أوتروا بِسبع رَكْعَات: أَربع تطوع وَثَلَاث وتر، وَلَا تفردوا هَذِه الثَّلَاث كَصَلَاة الْمغرب لَيْسَ قبلهَا شَيْء، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله: (وَلَا تشبهوا بِصَلَاة الْمغرب) وَمَعْنَاهُ: لَا تشبهوا بِصَلَاة الْمغرب فِي كَونهَا مُنْفَرِدَة عَن تطوع قبلهَا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: لَا تشبهوا بِصَلَاة الْمغرب فِي كَونهَا ثَلَاث رَكْعَات. وَالنَّهْي لَيْسَ بوارد على تَشْبِيه الذَّات بِالذَّاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَارِد على تَشْبِيه الصّفة بِالصّفةِ، وَمَعَ هَذَا فِيمَا ذكره نفي أَن تكون الرَّكْعَة الْوَاحِدَة وترا، لِأَنَّهُ أَمر بالإيتار بِخمْس أَو بِسبع لَيْسَ إلَاّ. فَافْهَم. فَإِن قلت: قَالَ مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي: لم نجد عَن النَّبِي خَبرا ثَابتا مُفَسرًا أَنه أوتر بِثَلَاث لم يسلم إلَاّ فِي آخِرهنَّ، كَمَا وجدنَا فِي الْخمس والبسع وَالتسع، غير أَنا وجدنَا عَنهُ أَخْبَارًا أَنه أوتر بِثَلَاث لَا ذكر للتسليم فِيهَا؟ قلت: يرد عَلَيْهِ مَا ذَكرْنَاهُ من (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث عَائِشَة: أَنه إِن يُوتر بِثَلَاث لَا يقْعد إلَاّ فِي آخِرهنَّ، وَفِي حَدِيث أبي بن كَعْب: لَا يسلم إلَاّ فِي آخِرهنَّ، وَقد قيل: لَعَلَّ مُحَمَّد بن نصر لَا يرى هَذَا ثَابتا. قلت: هَذَا تعصب لَا يجدي وَلَا يلْزم من عدم رُؤْيَته ثَابتا أَن لَا يكون ثَابتا عِنْد غَيره. وَفِيه: إِن قَوْله: اجعلوا آخر صَلَاتكُمْ ... إِلَى آخِره، دَلِيل على أَن ذَلِك يَقْتَضِي الْوُجُوب لظَاهِر الْأَمر بِهِ، وَلكنه مُسْتَحبّ فِي حق من لَا يغلبه النّوم، فَإِن كَانَ يغلبه وَلَا يَثِق بالانتباه أوتر قبله. ٤٧٤٣٣١ - ح دّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلْحَة

стр. 1197

َ أنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بنِ أبي طالِبٍ أخْبَرَهُ عنْ أبي وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ قَالَ بَيْنَمَا رسولُ اللَّهِ فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَر فَأَقْبَلَ اثْنانِ إِلَى رَسولِ اللَّهِ وذَهَبَ وَاحِدٌ فَأَمَّا أَحَدُهُما فَرَأَى فُرْجَةً فَجَلَسَ وَأَما الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ وَأَمَّا الآخَرُ فأدْبَرَ ذَاهِباً فَلَمَّا فَرَغَ رَسولُ اللَّهِ قَالَ أَلَا أُخْبرُكمْ عنِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا أحَدُهُمْ فأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ وأمَّا الآخَرُ فاسْتَحْيَا فاستَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة خُصُوصا فِي قَوْله: (فَرَأى فُرْجَة فِي الْحلقَة) ، وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه بِهَذَا الْإِسْنَاد قد مر فِي كتاب الْعلم فِي بَاب: من قعد حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمجْلس. وَمن رأى فُرْجَة فِي الْحلقَة فَجَلَسَ فِيهَا، غير أَن شيخ البُخَارِيّ هُنَاكَ: إِسْمَاعِيل عَن مَالك، وَهَهُنَا: عبد ابْن يُوسُف عَن مَالك. وَقد تكلمنا هُنَاكَ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة. قَوْله: (أَبَا مرّة) بِضَم الْمِيم، و: (عقيل) ، بِفَتْح الْعين، و: (وَاقد) بِالْقَافِ. قَوْله: (فأوي إِلَى ا) ، بِالْقصرِ، وَقَوله: (فآواه ا) ، بِالْمدِّ. ٥٨ - (بابُ الاسْتِلْقَاءِ فِي المَسْجِدِ وَمَدِّ الرِّجْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الاستلقاء فِي الْمَسْجِد، والاستلقاء مصدر: اسْتلْقى، وثلاثيه من: لَقِي يلقى، فَنقل إِلَى بَاب: الاستفعال، فَقيل: اسْتلْقى على قَفاهُ. ذكره الْجَوْهَرِي فِي بَاب اللِّقَاء، وَذكر فِيهِ: واستلقى على قَفاهُ، ومصدره إِذن يكون: الاستلقاء. وَذكره ابْن الْأَثِير فِي بَاب: سلنق يسلنق ومستلق: بالنُّون فِي الأول، وَالتَّاء فِي الثَّانِي، وَالصَّحِيح مَا ذكره الْجَوْهَرِي. ٥٧٤٤٣١ - ح دّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مسْلَمَة عنْ مالِكٍ عَن ابنِ شِهَابٍ عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أنَّهُ رَأى رسولَ اللَّهِ مُسْتَلْقياً فِي المَسْجِدِ وَاضِعَاً إحْدَى رجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. (الحَدِيث ٥٧٤ طرفاه فِي: ٩٦٩٥، ٧٨٢٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبد ابْن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عباد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، تقدم فِي بَاب: لَا يتَوَضَّأ من الشَّك. الْخَامِس: عَمه عبد ابْن زيد بن عَاصِم الْمَازِني، تقدم فِي هَذَا الْبَاب أَيْضا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: الرُّؤْيَة. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن عَمه. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ فِي اللبَاس عَن أَحْمد بن يُونُس عَن إِبْرَاهِيم بن سعد، وَفِي الاسْتِئْذَان عَن عَليّ بن عبد اعن سُفْيَان. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبد ابْن نمير وَزُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، خمستهم عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة، وَكِلَاهُمَا عَن ابْن وهب عَن يُونُس وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبد بن حميد، كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر، كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن القعْنبِي والنفيلي، كِلَاهُمَا عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن عَن سُفْيَان بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ. ذكر إعرابه وَمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ. قَوْله: (رأى) بِمَعْنى: أبْصر، فَلذَلِك اكْتفى بمفعول وَاحِد. قَوْله: (مُسْتَلْقِيا) حَال، وَكَذَلِكَ: (وَاضِعا) ، كِلَاهُمَا من رَسُول الله وهما حالان مترادفتان، وَيجوز أَن يكون: وَاضِعا، حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي: مُسْتَلْقِيا، فعلى هَذَا يكون الحالان متداخلتين. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: بَيَان جَوَاز هَذَا الْفِعْل، وَالنَّهْي الْوَارِد عَن ذَلِك مَنْسُوخ بِهَذَا الحَدِيث. قلت: النَّهْي هُوَ مَا روى جَابر بن عبد ا: (أَن رَسُول ا، نهى أَن يضع الرجل إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى وَهُوَ مستلق) . وَأجَاب: الْخطابِيّ عَن النَّهْي بِجَوَاب آخر، وَهُوَ: أَن عِلّة النَّهْي عَنهُ أَن تبدو عَورَة الْفَاعِل لذَلِك، فَإِن الْإِزَار رُبمَا ضَاقَ، فَإِذا شال لابسه إِحْدَى رجلَيْهِ فَوق الْأُخْرَى بقيت هُنَاكَ فُرْجَة تظهر مِنْهَا عَوْرَته. وَمِمَّنْ جزم

стр. 1198

بِأَنَّهُ مَنْسُوخ ابْن بطال. وَقَالَ بَعضهم: محمل النَّهْي حَيْثُ يخْشَى أَن تبدو عَورَة الْفَاعِل أولى من ادِّعَاء النّسخ، لِأَنَّهُ لَا يثبت بِالِاحْتِمَالِ. قلت: الْقَائِل بالنسخ مَا ادّعى أَن النّسخ بِالِاحْتِمَالِ، وَإِنَّمَا جزم بِهِ، فَكيف يدعى الْأَوْلَوِيَّة بِالِاحْتِمَالِ؟ وَيُقَوِّي دَعْوَى النّسخ مَا رُوِيَ عَن عمر وَعُثْمَان أَنَّهُمَا كَانَا يفْعَلَانِ ذَلِك، على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ اتعالى، وَيُقَال: يحْتَمل أَن يكون الشَّارِع فعل ذَلِك لضَرُورَة، أَو كَانَ ذَلِك بِغَيْر محْضر جمَاعَة، فجلوس رَسُول الله فِي الْجَامِع كَانَ على خلاف ذَلِك من التربع والاحتباء، وجلسات الْوَقار والتواضع. وَفِيه: جَوَاز الاتكاء فِي الْمَسْجِد والاضطجاع، وأنواع الاسْتِرَاحَة غير الانبطاح، وَهُوَ الْوُقُوع على الْوَجْه، فَإِن النَّبِي قد نهى عَنهُ، وَقَالَ: إِنَّهَا ضجعة يبغضها اتعالى. وعنِ ابنِ شهِابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ قَالَ كانَ عُمَرُ وَعُثْمانُ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ. قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون هَذَا تَعْلِيقا، وَأَن يكون دَاخِلا تَحت الْإِسْنَاد السَّابِق، أَي: عَن مَالك عَن ابْن شهَاب، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَعَن ابْن شهَاب ... إِلَى آخِره، سَاقه البُخَارِيّ بالسند الأول، وَقد صرح بِهِ أَبُو دَاوُد، وَزَاد أَبُو مَسْعُود فِيمَا حَكَاهُ الْحميدِي فِي جمعه، فَقَالَ: إِن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك. وَقد أخرج البرقاني هَذَا الْفَصْل من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ مُتَّصِلا بِالْحَدِيثِ الأول، وَلم يذكر سعيد بن الْمسيب، وَسَعِيد لم يَصح سَمَاعه عَن عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، وَأدْركَ ثَمَان وَلم يحفظ لَهُ عَنهُ رِوَايَة عَن رَسُول ا. وَقَالَ بَعضهم: وَعَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب. مَعْطُوف على الْإِسْنَاد الأول، وَقد صرح بذلك أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَته عَن القعْنبِي، وَهُوَ كَذَلِك فِي (الْمُوَطَّأ) ، وغفل عَن ذَلِك من زعم أَنه مُعَلّق. قلت: يُرِيد بِهِ الْكرْمَانِي، والكرماني مَا جزم بِأَنَّهُ مُعَلّق، بل قَالَ: يحْتَمل، وَهُوَ صَحِيح بِحَسب الظَّاهِر وتصريح أبي دَاوُد بذلك فِي كِتَابه لَا يدل على أَن هَذَا دَاخل فِي الْإِسْنَاد الْمَذْكُور هَهُنَا قطعا، وَرِوَايَة أبي دَاوُد هَكَذَا: حدّثنا القعْنبِي عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب أَن عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان كَانَا يفْعَلَانِ ذَلِك، أَي: الْمَذْكُور من الاستلقاء والوضع. قلت: اخْتلف جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَغَيرهم فِي هَذَا الْبَاب، فَذهب مُحَمَّد بن سِيرِين وَمُجاهد وَطَاوُس وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ إِلَى أَنه يكره وضع إِحْدَى الرجلَيْن على الْأُخْرَى، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَكَعب بن عجْرَة، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا بَأْس بذلك، وهم: الْحسن الْبَصْرِيّ وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَأَبُو مجلز وَمُحَمّد بن الْحَنَفِيَّة، ويروى ذَلِك عَن أُسَامَة بن زيد وَعبد ابْن عمر وَأَبِيهِ عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان وَعبد ابْن مَسْعُود وَأنس بن مَالك. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حدّثنا وَكِيع عَن عبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب: أَن عمر وَعُثْمَان كَانَا يفعلانه، حدّثنا يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن عجلَان عَن يحيى بن عبد ابْن مَالك عَن أَبِيه قَالَ: (دخل على عمر وَرَأى مُسْتَلْقِيا وَاضِعا إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى) ، حدّثنا مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن سُفْيَان بن الْحسن عَن الزُّهْرِيّ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز عَن عبد ابْن عبد ابْن الْحَارِث (أَنه رأى ابْن عمر يضطجع فَيَضَع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى) ، حدّثنا وَكِيع عَن أُسَامَة عَن نَافِع قَالَ: (كَانَ ابْن عمر يستلقي على قَفاهُ وَيَضَع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى، لَا يرى بذلك بَأْسا، ويفعله بذلك وَهُوَ جَالس لَا يرى بذلك بَأْسا) ، حدّثنا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن جَابر بن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن عَمه، قَالَ: (رَأَيْت ابْن مَسْعُود رَضِي اتعالى عَنهُ، مُسْتَلْقِيا وَاضِعا إِحْدَى رجلَيْهِ فَوق الْأُخْرَى وَهُوَ يَقُول: ﴿رَبنَا لَا تجعلنا فتْنَة للْقَوْم الظَّالِمين﴾ (يُونُس: ٥٨) حدّثنا ابْن مهْدي عَن سُفْيَان عَن عمرَان، يَعْنِي: ابْن مُسلم، قَالَ: (رَأَيْت أنسا وَاضِعا إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى) . ٦٨ - (بابُ المَسْجِدِ يَكُونُ فِي الطرِيقِ منْ غَرِ ضَرَرٍ بِالنَّاسِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز بِنَاء الْمَسْجِد يكون فِي طَرِيق النَّاس، لَكِن بِشَرْط أَن لَا يكون فِيهِ ضَرَر، لَهُم، وَلما كَانَ بِنَاء الْمَسْجِد على أَنْوَاع: نوع مِنْهُ يجوز بِالْإِجْمَاع وَهُوَ أَن يبنيه فِي ملكه، وَنَوع مِنْهُ لَا يجوز بِالْإِجْمَاع وَهُوَ أَن يبنيه فِي غير ملكه. وَنَوع يجوز ذَلِك بِشَرْط أَن لَا يضر بِأحد، وَذَلِكَ فِي الْمُبَاحَات. وَقد شَذَّ بَعضهم مِنْهُم: ربيعَة، فِي منع ذَلِك. أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا الْبَاب الرَّد على هَؤُلَاءِ، وَاحْتج على ذَلِك بِقصَّة أبي بكر رَضِي اتعالى عَنهُ، وَعلم بذلك النَّبِي فَلم يُنكر عَلَيْهِ

стр. 1199

فأقره على ذَلِك. فَإِن قلت: رُوِيَ منع ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عمر رَضِي اتعالى عَنْهُم. قلت: ذكره عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد ضَعِيف، وَالصَّحِيح مَا نقل عَن أبي بكر الصّديق رَضِي اتعالى عَنهُ. وبهِ قَالَ الحَسَنُ وأيُّوبُ ومالِكٌ. أَي: بِجَوَاز بِنَاء الْمَسْجِد فِي الطَّرِيق بِحَيْثُ لَا يحصل ضَرَر للنَّاس، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَمَالك بن أنس. فَإِن قلت: الْجُمْهُور على جَوَاز ذَلِك، فَمَا الْفَائِدَة فِي تَصْرِيح هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة بِأَسْمَائِهِمْ وتخصيصهم بِهِ؟ قلت: لما ورد عَنْهُم هَذَا الحكم صَرِيحًا، صرح بذكرهم. ١٣٥ - (حَدثنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ َ - قَالَت لم أَعقل أَبَوي إِلَّا وهما يدينان الدّين وَلم يمر علينا يَوْم إِلَّا يأتينا فِيهِ رَسُول الله ﷺ َ - طرفِي النَّهَار بكرَة وَعَشِيَّة ثمَّ بدا لأبي بكر فابتنى مَسْجِدا بِفنَاء دَاره فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيقْرَأ الْقُرْآن فيقف عَلَيْهِ نسَاء الْمُشْركين وأبناؤهم يعْجبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَكَانَ أَبُو بكر رجلا بكاء لَا يملك عَيْنَيْهِ إِذا قَرَأَ الْقُرْآن فأفزغ ذَلِك أَشْرَاف قُرَيْش من الْمُشْركين) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول يحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْمصْرِيّ. الثَّانِي اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ. الثَّالِث عقيل بِضَم الْعين بن خَالِد الْأَيْلِي. الرَّابِع مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد بِالْفَاءِ وَفِي بعض النّسخ أَخْبرنِي فَوجه الْفَاء أَن تكون للْعَطْف على مُقَدّر كَأَن ابْن شهَاب قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَة بِكَذَا وَكَذَا فَأَخْبرنِي عقيب تِلْكَ الإخبارات بِهَذَا وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ وَفِيه أَن نصف الروَاة مصريون وهم الثَّلَاثَة الأول وَالْبَاقِي مدنيون. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا وَفِي الْهِجْرَة وَالْإِجَارَة وَفِي الْكفَالَة وَفِي الْأَدَب مُخْتَصرا وَمُطَولًا عَن يحيى بن بكير وسَاق بعضه فِي غَزْوَة الرجيع من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة عَن عَائِشَة (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " لم أَعقل " أَي لم أعرف قَوْله " أَبَوي " وأرادت عَائِشَة أَبَا بكر وَأمّهَا أم رُومَان وَهَذِه التَّثْنِيَة من بَاب التغليب وَفِي بعض النّسخ أبواي بِالْألف وَذَلِكَ على لُغَة بني الْحَارِث بن كَعْب جعلُوا الِاسْم الْمثنى نَحْو الْأَسْمَاء الَّتِي آخرهَا ألف كعصى فَلم يقلبوها يَاء فِي الْجَرّ وَالنّصب قَوْله " يدينان الدّين " أَي يتدينان بدين الْإِسْلَام وانتصاب الدّين بِنَزْع الْخَافِض يُقَال دَان بِكَذَا ديانَة وَتَدين بِهِ تدينا وَيحْتَمل أَن يكون مَفْعُولا بِهِ ويدين بِمَعْنى يُطِيع وَلكنه فِيهِ تجوز من حَيْثُ جعل الدّين كالشخص المطاع قَوْله " بكرَة وَعَشِيَّة " منصوبتان على الظَّرْفِيَّة وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي كتاب الْهِجْرَة مطولا بِهَذَا الْإِسْنَاد بعد قَوْله عَشِيَّة وَقبل قَوْله ثمَّ بدا لأبي بكر قصَّة طَوِيلَة فِي خُرُوج أبي بكر عَن مَكَّة ورجوعه فِي جوَار ابْن الدغنة واشتراطه عَلَيْهِ أَن لَا يستعلن بِعِبَادَتِهِ فَعِنْدَ فرَاغ الْقِصَّة قَالَ ثمَّ بدا لأبي بكر أَي ظهر لَهُ من بدا الْأَمر بدوا مثل قعد قعُودا أَي ظهر قَالَ الْجَوْهَرِي بدا لَهُ فِي هَذَا الْأَمر أَي نَشأ لَهُ فِيهِ رَأْي قَوْله " بِفنَاء دَاره " بِكَسْر الْفَاء ممدودا وَهُوَ مَا امْتَدَّ من جوانبها قَوْله " بكاء " على وزن فعال مُبَالغَة باك قَوْله " لَا يملك عَيْنَيْهِ " أَي لَا يُطيق إمساكهما ومنعهما من الْبكاء وَفِي بعض النّسخ " لَا يملك عينه " وَهُوَ وَإِن كَانَ مُفردا لكنه جنس يُطلق على الْوَاحِد والاثنين قَوْله " إِذا قَرَأَ " إِذا ظرفية وَالْعَامِل فِيهِ لَا يملك أَو شَرْطِيَّة وَالْجَزَاء مُقَدّر يدل عَلَيْهِ لَا يملك قَوْله " فأفزع " من الإفزاع وَهُوَ الإخافة قَوْله " ذَلِك " أَي الْوُقُوف وَكَانَ خوفهم من ميل الْأَبْنَاء وَالنِّسَاء إِلَى دين الْإِسْلَام (وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ) جَوَاز بِنَاء الْمَسْجِد فِي الطَّرِيق إِذا لم يكن ضَرَر للعامة كَمَا ذَكرْنَاهُ وَبَيَان فضل أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مِمَّا لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد لِأَنَّهُ قصد تَبْلِيغ كتاب الله وإظهاره مَعَ الْخَوْف على نَفسه وَلم يبلغ شخص آخر هَذِه الْمنزلَة

стр. 1200

بعد رَسُول الله ﷺ َ - وَفِيه فَضَائِل أُخْرَى لأبي بكر وَهِي قدم إِسْلَامه وَإِسْلَام أَبَوَيْهِ وَتردد رَسُول الله ﷺ َ - إِلَيْهِ طرفِي النَّهَار وَكَثْرَة بكائه ورقة قلبه ٧٨ - (بابُ الصلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الصَّلَاة فِي مَسْجِد السُّوق، ويروى فِي مَسَاجِد السُّوق، بِلَفْظ الْجمع، وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَلَفظ الْإِفْرَاد رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بالمساجد مَوَاضِع إِيقَاع الصَّلَاة لَا الْأَبْنِيَة الْمَوْضُوعَة للصَّلَاة من الْمَسَاجِد، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْأَسْوَاق. وَقَالَ ابْن بطال: رُوِيَ أَن الْأَسْوَاق شَرّ الْبِقَاع، فخشي البُخَارِيّ أَن يُوهم من رأى ذَلِك الحَدِيث أَنه لَا تجوز الصَّلَاة فِي الْأَسْوَاق اسْتِدْلَالا بِهِ، فجَاء بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة، إِذْ فِيهِ إجَازَة الصَّلَاة فِي السُّوق وَإِذا جَازَت الصَّلَاة فِي السُّوق فُرَادَى فَكَانَ أولى أَن يتَّخذ فِيهِ مَسْجِد للْجَمَاعَة. وَقَالَ بَعضهم: موقع التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الحَدِيث الْوَارِد فِي الْأَسْوَاق شَرّ الْبِقَاع، وَأَن الْمَسَاجِد خير الْبِقَاع، كَمَا أخرجه الْبَزَّار وَغَيره لَا يَصح إِسْنَاده، وَلَو صَحَّ لم يمْنَع وضع الْمَسْجِد فِي السُّوق لِأَن بقْعَة الْمَسْجِد حِينَئِذٍ تكون بقْعَة خير. قلت: كل مِنْهُم قد تكلّف، أما الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ ارْتكب الْمجَاز من غير ضَرُورَة، وَأما ابْن بطال فَإِنَّهُ من أَيْن تحقق خشيَة البُخَارِيّ مِمَّا ذكره حَتَّى وضع هَذَا الْبَاب؟ وَأما الْقَائِل الثَّالِث فَإِنَّهُ أبعد جدا، لِأَنَّهُ من أَيْن علم أَن البُخَارِيّ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكره؟ وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِن البُخَارِيّ لما أَرَادَ أَن يُورد حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى أَن صَلَاة الْمُصَلِّي لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون فِي الْمَسْجِد الَّذِي بني لَهَا، أَو فِي بَيته الَّذِي هُوَ منزله، أَو السُّوق، وضع بَابا فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الَّذِي فِي السُّوق، وَإِنَّمَا خص هَذَا بِالذكر من بَين الثَّلَاثَة لِأَنَّهُ لما كَانَ مَوضِع اللَّغط واشتغال النَّاس بِالْبيعِ وَالشِّرَاء وَالْإِيمَان الْكَثِيرَة فِيهِ بِالْحَقِّ وَالْبَاطِل، وَرُبمَا كَانَ يتَوَهَّم عدم جَوَاز الصَّلَاة فِيهِ من هَذِه الْجِهَات خصّه بِالذكر. وصَلَّى ابنُ عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ البَابُ. لَيْسَ فِي التَّرْجَمَة مَا يُطَابق هَذَا الْأَثر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّ غَرَض البُخَارِيّ مِنْهُ الرَّد على الْحَنَفِيَّة حَيْثُ قَالُوا بامتناع اتِّخَاذ الْمَسَاجِد فِي الدَّار المحجوبة عَن النَّاس، وَنَقله بَعضهم فِي شَرحه معجباً بِهِ، قلت: جازف الْكرْمَانِي فِي هَذَا لِأَن الْحَنَفِيَّة لم يَقُولُوا هَكَذَا، بل الْمَذْهَب فِيهِ أَن من اتخذ مَسْجِدا فِي دَاره وأفرز طَرِيقه يجوز ذَلِك، وَيصير مَسْجِدا، فَإِذا أغلق بَابه وَصلى فِيهِ يجوز مَعَ الْكَرَاهَة، وَكَذَا الحكم فِي سَائِر الْمَسَاجِد. وَابْن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره نون: هُوَ عبد ابْن عون، وَقد تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي: رب مبلغ ... . وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : كَذَا فِي نُسْخَة سَمَاعنَا، يَعْنِي أَنه ابْن عون، وَقَالَ ابْن الْمُنِير: ابْن عمر، قلت: قَالُوا إِنَّه تَصْحِيف، وَالصَّحِيح إِنَّه ابْن عون، وَكَذَا وَقع فِي الْأُصُول. ٧٧٤ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمشِ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَة عنِ النبيِّ قَالَ: صَلَاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْساً وعِشْرِينَ دَرَجَةً فإِنَّ أحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فأحْسَنَ وَأتى المسْجِدَ لَا يُريدُ إلَاّ الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَاّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً أوَ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ وإذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كانَ فِي صَلَاةٍ مَا كانَتْ تَحْبِسُهُ وَتُصلَّى يَعْني عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُوءْذِ يُحْدِثْ فِيهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَصلَاته فِي سوقه) . ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن حَازِم الضَّرِير، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان بن مهْرَان، وَأَبُو صَالح هُوَ ذكْوَان. ذكر لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني.

стр. 1201

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب فضل الْجَمَاعَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن الْأَعْمَش. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد بن السّري. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. ذكرمعناه) قَوْله: (صَلَاة الْجَمِيع) أَي: صَلَاة الْجَمَاعَة، والجميع فِي اللُّغَة ضد المتفرق والجيش أَيْضا والحي الْمُجْتَمع، ويؤكد بِهِ، يُقَال: جاؤوا جَمِيعًا، أَي: كلهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: صَلَاة الْجَمِيع، أَي: صَلَاة فِي الْجَمِيع، يَعْنِي صَلَاة الْجَمَاعَة، قلت: هَذَا تصرف غير مرضِي. قَوْله: (على صلَاته فِي بَيته) أَي: على صَلَاة الْمُنْفَرد، وَقَوله: (فِي بَيته) قرينَة على هَذَا إِذْ الْغَالِب أَن الرجل يُصَلِّي فِي بَيته مُنْفَردا. قَوْله: (خمْسا) نصب على أَنه مفعول لقَوْله: تزيد، نَحْو قَوْلك: زِدْت عَلَيْهِ عشرَة وَنَحْوهَا. قَوْله: (فَإِن أحدكُم) ، بِالْفَاءِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الكشميني: (بِأَن أحدكُم) بِالْبَاء الْمُوَحدَة، ووجهها أَن تكون الْبَاء للمصاحبة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تزيد على صلَاته بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة مَعَ فَضَائِل أخر، وَهُوَ رفع الدَّرَجَات وَصَلَاة الْمَلَائِكَة وَنَحْوهَا، وَيجوز أَن تكون للسَّبَبِيَّة. قَوْله: (فَأحْسن) كَذَا هُوَ بِدُونِ مَفْعُوله، وَالتَّقْدِير فَأحْسن الْوضُوء، وَالْإِحْسَان فِي الْوضُوء إسباغه برعاية السّنَن والآداب. قَوْله: (لَا يُرِيد إلَاّ الصَّلَاة) ، جملَة حَالية، والمضارع الْمَنْفِيّ إِذا وَقع حَالا يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه. قَوْله: (خطْوَة) قَالَ السفاقسي: روينَاهُ بِفَتْح الْخَاء، وَهِي الْمرة الْوَاحِدَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرِّوَايَة بِضَم الْخَاء، وَهِي وَاحِدَة الخطى، وَهِي مَا بَين الْقَدَمَيْنِ، وَالَّتِي بِالْفَتْح مصدر. قَوْله: (أَو حط) ، ويروي: (وَحط) بِالْوَاو، وَهَذَا أشمل. قَوْله: (مَا كَانَ يحْبسهُ) ، أَي: مَا كَانَ الْمَسْجِد يحْبسهُ، وَكلمَة: مَا، للمدة أَي: مُدَّة دوَام حبس الْمَسْجِد إِيَّاه. قَوْله: (وَتصلي الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ) ، أَي تَدْعُو لَهُ بقَوْلهمْ: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ، اللَّهُمَّ ارحمه. وَقَوله: (اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ) ، تَقْدِيره: وَتَدْعُو الْمَلَائِكَة قائلين: اللَّهُمَّ، إِذْ لَا يَصح الْمَعْنى إلَاّ بِهِ. وَقيل: إِنَّه بَيَان للصَّلَاة، كَذَا هُوَ بِدُونِ مَفْعُوله، وَالتَّقْدِير: فَأحْسن الْوضُوء. قَوْله: (مَا لم يؤذ) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالذال الْمُعْجَمَة: من الْإِيذَاء، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْمُصَلِّي، ومفعوله مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا لم يؤذ الْمَلَائِكَة، وايذاؤه إيَّاهُم بِالْحَدَثِ فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ معنى قَوْله: يحدث، بِضَم الْيَاء من الإحداث بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ مجزوم وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين على أَنه بدل من: يؤذ، وَيجوز رَفعه على طَرِيق الِاسْتِئْنَاف. وَفِي رِوَايَة الشكميني: (مَا لم يؤذ بِحَدَث فِيهِ) ، بِلَفْظ الْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلقا: بيؤذ قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: (مَا لم يحدث) ، بطرح لفظ يؤذ، أَي: مَا لم ينْقض الْوضُوء، وَالَّذِي ينْقض الْوضُوء الْحَدث. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون أَعم من ذَلِك قلت: الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، وَلَفظه: (مَا لم يؤذ فِيهِ أَو يحدث فِيهِ) . والأعمية الَّتِي قَالَهَا هَذَا الْقَائِل لَا تمشي فِي رِوَايَة البُخَارِيّ على مَا يخفى، وتمشي فِي رِوَايَة أبي دَاوُد لِأَنَّهُ عطف: أَو يحدث، على قَوْله: (لم يؤذ فِيهِ) ، وَالْمعْنَى: مَا لم يؤذ فِي مَجْلِسه الَّذِي صلى فِيهِ أحدا بقوله أَو فعله، أَو: يحدث، بِالْجَزْمِ من الإحداث بِمَعْنى الْحَدث لَا من التحديث، فَافْهَم. فَإِنَّهُ مَوضِع تَأمل. ذكر تعدد الرِّوَايَات فِي قَوْله: (خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) فِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد: (صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تزيد على صلَاته فِي بَيته خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) . وَعند أبي ماجة: (بضعاً وَعشْرين دَرَجَة) ، وَفِي لفظ: (فضل الصَّلَاة على صَلَاة أحدكُم وَحده خمْسا وَعشْرين جُزْءا) . وَعند السراج: (تعدل خَمْسَة وَعشْرين صَلَاة من صَلَاة الْفَذ) ، وَفِي لفظ: (تزيد على صَلَاة الْفَذ خمْسا وَعشْرين) ، وَفِي لفظ: (سَبْعَة وَعشْرين جُزْءا) ، وَفِي لفظ: خير من صَلَاة الْفَذ) ، وَفِي لفظ: (تزيد على صَلَاة الْفَذ بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة) ، وَفِي لفظ: (صَلَاة مَعَ الإِمَام أفضل من خمس وَعشْرين يُصليهَا وَحده) . وَفِي كتاب ابْن حزم: صَلَاة الْجَمَاعَة تزيد على صَلَاة الْمُنْفَرد سبعا وَعشْرين دَرَجَة، وَفِي (سنَن الْكَجِّي) : صَلَاة الْجَمِيع تفضل على صَلَاة الْفَذ، وَعند ابْن حبَان: (فَإِن صلاهَا بِأَرْض فَيْء فَأَتمَّ وضوءها وركوعها وسجودها تكْتب صلَاته بِخَمْسِينَ دَرَجَة) ، وَعند أبي دَاوُد: (بلغت خمسين صَلَاة) . وَقَالَ عبد الْوَاحِد بن زِيَاد فِي هَذَا الحَدِيث: صَلَاة الرجل فِي الفلاة، تضَاعف على صلَاته فِي الْجَمَاعَة، موعند البُخَارِيّ، من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر: (صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تفضل على صَلَاة الرجل وَحده بِسبع وَعشْرين دَرَجَة) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: كَذَا رَوَاهُ نَافِع، وَعَامة من روى عَن النَّبِي إِنَّمَا قَالَ: (خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) ،

стр. 1202

وَعند ابْن حبَان من حَدِيث أبي بن كَعْب: (أَرْبَعَة وَعشْرين أَو خَمْسَة وَعشْرين دَرَجَة، وَصَلَاة الرجل أذكى من صلَاته وَحده، وَصلَاته مَعَ الرجلَيْن أذكى من صلَاته مَعَ الرجل، وَصلَاته مَعَ الثَّلَاثَة أذكى من صلَاته مَعَ الرجلَيْن، وَمَا أَكثر فَهُوَ أحب إِلَى اعز وَجل) ، وَعند أبي نعيم: عَن الْعمريّ عَن نَافِع بِلَفْظ: (سَبْعَة أَو خَمْسَة وَعشْرين) ، وَعند أَحْمد بِسَنَد جيد عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي اتعالى عَنهُ: (صَلَاة الْجَمِيع تفضل على صَلَاة الرجل وَحده خَمْسَة وَعشْرين ضعفا، كلهَا مثل صلَاته) ، وَفِي (مُسْند ابْن أبي شيبَة) : (بضعاً وَعشْرين دَرَجَة) . وَعند السراج: (بِخمْس وَعشْرين صَلَاة) ، وَفِي لفظ: (تزيد خمْسا وَعشْرين) ، وَفِي (تَارِيخ البُخَارِيّ) : من حَدِيث الإفْرِيقِي عَن قباث بن أَشْيَم: (صَلَاة رجلَيْنِ، يؤم أَحدهمَا صَاحبه، أذكى عِنْد امن أَرْبَعَة تترى، وَصَلَاة أَرْبَعَة يؤمهم أحدهم أذكى عِنْد امن صَلَاة ثَمَانِيَة تترى، وَصَلَاة ثَمَانِيَة يؤمهم أحدهم أذكى عِنْد امن صَلَاة مائَة تترى) ، وَعند السراج، من حَدِيث أنس مَوْقُوفا بِسَنَد صَحِيح: (تفضل صَلَاة الْجَمِيع على صَلَاة الرجل وَحده بضعاً وَعشْرين صَلَاة) . وَعند الْكَجِّي، من حَدِيث أبان مَرْفُوعا: (تفضل صَلَاة الْجَمِيع على صَلَاة الرجل وَحده بِأَرْبَع وَعشْرين صَلَاة) ، وَعند السراج بِسَنَد صَحِيح، وَعَن عَائِشَة: (تفضل على صلَاته وَحده خمْسا وَعشْرين دَرَجَة) ، وَكَذَا رَوَاهُ معَاذ عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَعند ابْن أبي شيبَة: عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: (فضل صَلَاة الْجَمَاعَة على صَلَاة الْوَاحِد خمس وَعِشْرُونَ دَرَجَة قَالَ، فَإِن كَانُوا أَكثر فعلى عدد من فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ رجل: وَإِن كَانُوا عشرَة آلَاف؟ قَالَ: نعم) . وَعند ابْن زنجوية، من حَدِيث ابْن الْخطاب الدِّمَشْقِي: عَن زُرَيْق بن عبد االأنصاري: (صَلَاة الرجل فِي بَيته، وَصلَاته فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بِخمْس وَعشْرين صَلَاة، وَصلَاته فِي الْمَسْجِد الَّذِي يجمع فِيهِ بِخَمْسِمِائَة صَلَاة) . وَفِي فَضَائِل الْقُدس لأبي بكر مُحَمَّد بن أَحْمد الوَاسِطِيّ، من حَدِيث أبي الْخطاب: (وَصَلَاة فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بست وَعشْرين، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة، وَصَلَاة فِي مَسْجِدي بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة) . وَمن حَدِيث عمار بن الْحسن: حدّثنا إِبْرَاهِيم بن هدبة عَن أنس مَرْفُوعا مثله: وَصلَاته على السَّاحِل بألفي ألف صَلَاة، وَصلَاته بسواك بِأَرْبَع مائَة ألف صَلَاة. ذكر وَجه هَذِه الرِّوَايَات اخْتلفُوا فِي وَجه الْجمع بَين سبع وَعشْرين دَرَجَة وَبَين خمس وَعشْرين. فَقيل: السَّبع مُتَأَخِّرَة عَن الْخمس فَكَأَن اأخبره بِخمْس ثمَّ زَاده، ورد هَذَا بتعذر التَّارِيخ، ورد هَذَا الرَّد بِأَن الْفَضَائِل لَا تنسخ، فَتعين أَنه مُتَأَخّر. وَقيل: إِن صَلَاة الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد أفضل من صَلَاة الْفَذ فِي الْمَسْجِد بِسبع وَعشْرين دَرَجَة، ورد هَذَا بقوله: (وَصَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تضعف على صلَاته فِي بَيته وَفِي سوقه بِخمْس وَعشْرين ضعفا) . وَقيل: إِن الصَّلَاة الَّتِي لم تكن فِيهَا فَضِيلَة الخطى إِلَى الصَّلَاة، وَلَا فَضِيلَة انتظارها تفضل بِخمْس، وَالَّتِي فِيهَا ذَلِك تفضل بِخمْس، وَالَّتِي فِيهَا ذَلِك تفضل بِسبع. وَقيل: إِن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف الْمُصَلِّين وَالصَّلَاة، فَمن أكملها وحافظ عَلَيْهَا فَوق من أخل بِشَيْء من ذَلِك، وَقيل: إِن الزِّيَادَة لصلاتي الْعشَاء وَالصُّبْح لِاجْتِمَاع مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار فيهمَا، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (تفضل صَلَاة أحدكُم وَحده بِخمْس وَعشْرين جُزْءا، وتجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر) . فَذكر اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة بواو فاصلة، واستأنف الْكَلَام وقطعه من الْجُمْلَة الْمُتَقَدّمَة، وَقيل: لَا مُنَافَاة بَين الحدثين لِأَن ذكر الْقَلِيل لَا يُنَافِي الْكثير، وَمَفْهُوم الْعدَد بَاطِل عِنْد جمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: إِنَّمَا قَالَ: دَرَجَة، وَلم يقل: جُزْءا وَلَا نَصِيبا وَلَا حَافِظًا وَلَا شَيْئا من أَمْثَال ذَلِك، لِأَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَاب من جِهَة الْعُلُوّ والارتفاع، وَأَن تِلْكَ فَوق هَذِه بِكَذَا وَكَذَا دَرَجَة، لِأَن الدَّرَجَات إِلَى جِهَة فَوق قلت: قد جَاءَ فِيهِ لفظ: الْجُزْء والضعف، وَقد تقدما عَن قريب، فَكَأَنَّهُ لم يطلع عَلَيْهِمَا. وَقيل: إِن الدرجَة أَصْغَر من الْجُزْء، فَكَأَن الْخَمْسَة وَالْعِشْرين إِذا جزئت دَرَجَات كَانَت سبعا وَعشْرين دَرَجَة قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: سبعا وَعشْرين دَرَجَة وخمساً وَعشْرين دَرَجَة فَاخْتلف الْقدر مَعَ اتِّحَاد لفظ الدرجَة. وَقد قيل: يحْتَمل أَن تكون الدرجَة فِي الْآخِرَة والجزء فِي الدُّنْيَا فَإِن قلت: قد علم وَجه الْجمع بَين هذَيْن العددين، وَلَكِن مَا الْحِكْمَة فِي التَّنْصِيص عَلَيْهِمَا؟ قلت: نقل الطَّيِّبِيّ عَن التوربشتي: وَأما وَجه قصر أَبْوَاب الْفَضِيلَة على خمس وَعشْرين تَارَة، وعَلى سبع وَعشْرين أُخْرَى فَإِن الْمرجع فِي حَقِيقَة ذَلِك إِلَى عُلُوم النُّبُوَّة الَّتِي قصرت عقل الألباء عَن إِدْرَاك جملها وتفاصيلها، وَلَعَلَّ الْفَائِدَة فِيمَا كشف بِهِ حَضْرَة النُّبُوَّة وَهِي اجْتِمَاع الْمُسلمين مصطفين كَصُفُوف الْمَلَائِكَة والاقتداء بِالْإِمَامِ وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام وَغَيرهَا انْتهى قلت: هَذَا لَا يشفي الغليل وَلَا يجدي العليل، وَالَّذِي ظهر لي فِي هَذَا

стр. 1203

الْمقَام من الْأَنْوَار الإلهية والأسرار الربانية والعنايات المحمدية أَن كل حَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا بِالنَّصِّ، وَأَنه لَو صلى فِي بَيته كَانَ يحصل لَهُ ثَوَاب عشر صلوَات، وَكَذَا لَو صلىَّ فِي سوقه كَانَ لكل صَلَاة عشر، ثمَّ أَنه إِذا صلى بِالْجَمَاعَة يُضَاعف لَهُ مثله فَيصير ثَوَاب عشْرين صَلَاة، أَو زِيَادَة الْخمس فَلِأَنَّهُ أدّى فرضا من الْفُرُوض الْخَمْسَة، فأنعم اعليه ثَوَاب خمس صلوَات أُخْرَى نَظِير عدد الْفُرُوض الْخَمْسَة زِيَادَة عشْرين إنعاماً وفضلاً مِنْهُ عَلَيْهِ، فَتَصِير الْجُمْلَة خَمْسَة وَعشْرين. وَجَوَاب آخر، وَهُوَ: إِن مَرَاتِب الْأَعْدَاد آحَاد وعشرات ومآت وألوف، والمآت من الأوساط، وَخير الْأُمُور أوسطها، والخمسة وَالْعشْرُونَ ربع الْمِائَة، وللربع حكم الْكل. وَأما زِيَادَة السَّبع، فَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك لمناسبة أعداد رَكْعَات الْيَوْم وَاللَّيْلَة إِذْ الْفَرَائِض سَبْعَة عشر والرواتب الْمُؤَكّدَة عشرَة. انْتهى. قلت: الرَّوَاتِب الْمَذْكُورَة اثْنَي عشر، لحَدِيث المثابرة فَتَصِير: تِسْعَة وَعشْرين، فَلَا يُطَابق الْوَاقِع، فَنَقُول: يُمكن أَن يُقَال: إِن أَيَّام الْعُمر سَبْعَة، فَإِذا صلى بِالْجَمَاعَة يُزَاد لَهُ على الْعشْرين ثَوَاب سبع صلوَات، كل صَلَاة من صلوَات كل يَوْم وَلَيْلَة من الْأَيَّام السَّبْعَة. وَأما الْوتر فَلَعَلَّهُ شرع بعد ذَلِك، ثمَّ الْعلمَاء اخْتلفُوا: هَل هَذَا الْفضل لأجل الْجَمَاعَة فَقَط حَيْثُ كَانَت؟ أَو أَن ذَلِك إِنَّمَا يكون ذَلِك فِي الْجَمَاعَة الَّتِي تكون فِي الْمَسْجِد لما يلْزم ذَلِك من أَفعَال تخْتَص بالمساجد؟ قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَالظَّاهِر الأول، لِأَن الْجَمَاعَة هُوَ الْوَصْف الَّذِي علق عَلَيْهِ الحكم. وَا أعلم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ قَالَ ابْن بطال: فِيهِ: أَن الصَّلَاة فِيهِ للمنفرد دَرَجَة من خمس وَعشْرين دَرَجَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لم يقل يُسَاوِي صلَاته مُنْفَردا خمْسا وَعشْرين حَتَّى يكون لَهُ دَرَجَة مِنْهَا، بل قَالَ: تزيد، فَلَيْسَ للمنفرد من الْخَمْسَة وَالْعِشْرين شَيْء قلت: قَالَ ذَلِك بِالنّظرِ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب، فَلَو كَانَ وقف على الرِّوَايَات الَّتِي ذَكرنَاهَا لما قَالَ ذَلِك كَذَلِك. وَفِيه: الدّلَالَة على فَضِيلَة الْجَمَاعَة. وَفِيه: جَوَاز اتِّخَاذ الْمَسَاجِد فِي الْبيُوت والأسواق. وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ بعض الْمَالِكِيَّة على أَن صَلَاة الْجَمَاعَة لَا يفضل بَعْضهَا على بعض بِكَثْرَة الْجَمَاعَة، ورد هَذَا بِمَا ذكرنَا عَن ابْن حبَان، وَمَا كثر فَهُوَ أحب إِلَى اتعالى، وَإِلَى مطلوبية الْكَثْرَة ذهب الشَّافِعِي وَابْن حبيب الْمَالِكِي. ٨٨ - (بَاب تَشْبِيكِ الأصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وغَيْرِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز تشبيك الْأَصَابِع، سَوَاء كَانَ فِي الْمَسْجِد أَو غَيره، وَالْمَوْجُود فِي غَالب النّسخ فِي هَذَا الْبَاب حديثان: أَحدهمَا: حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَالْآخر: حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَفِي بعض النّسخ حَدِيث آخر عَن ابْن عمر، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا، وجد ذَلِك بِخَط البرزالي وَلم يَسْتَخْرِجهُ الحافظان الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم، وَلَا ذكره ابْن بطال أَيْضا، وَإِنَّمَا حكى أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي (كتاب الْأَطْرَاف) أَنه رَآهُ فِي كتاب أبي رُمَيْح عَن الْفربرِي وَحَمَّاد بن شَاكر عَن البُخَارِيّ، وَهُوَ هَذَا. ٨٧٤٧٣١ - ح دّثنا حامِدُ بنُ عُمَرَ عنْ بَشْرٍ قَالَ حدّثنا عاصِمٌ قَالَ حدّثنا واقِدٌ عَنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ أوِ ابنِ عَمْروٍ قَالَ شَبَّكَ النبيُّ أصَابِعَهُ. وَقَالَ عاصِمُ بنُ عَلِيٍ حدّثنا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ هَذَا الحدِيثَ منْ أبي فَلَمْ أحْفَظْهُ فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ عَنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أبي وَهُوَ يَقُولُ قَالَ عَبْدُ ااِ قَالَ رسولُ اللَّهِ يَا عَبْدَ ابنَ عَمْروٍ كَيْفَ بِكَ إذَا بَقِيت فِي حُثَالَةٍ مِنَ الناسِ بِهَذَا وَلَفْظُهُ فِي جَمْعِ الحُمَيْدِيّ فِي مْسْنَدِ ابنِ عُمَرَ شَبَّك النَّبِي أصَابِعَهُ وَقَالَ كَيْفَ أنْتَ يَا عَبْدَ ااِ إذَا بَقِيْتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وأمانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَصَاروا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ قَالَ فَكَيْفَ أفْعَلُ يَا رَسولَ ااِ قَالَ تأخذُ مَا تَعْرِفُ وَتَدَعُ مَا تُنكِرُ وتُقْبِلُ على خاصِتَّكَ وتَدَعُهُمْ وَعَوَامَّهُمْ. (انظرالحديث ٩٧٤) .

стр. 1204

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي أحد جزئيها، وَاكْتفى البُخَارِيّ بدلالته على بعض التَّرْجَمَة حَيْثُ دلّ أبي هُرَيْرَة على تَمامهَا. ذكر رِجَاله فِيهِ تِسْعَة أنفس: الأول: حَامِد بن عمر البكراوي من ذُرِّيَّة أبي بكر الثَّقَفِيّ نزيل نيسابور، وقاضي كرمان، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا، مَاتَ بنيسابور أول سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن الْمفضل الرقاشِي الْحجَّة، كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وَيُصلي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة رَكْعَة، مَاتَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد ابْن عمر بن الْخطاب الْعمريّ الْمدنِي، وَثَّقَهُ أَحْمد وَغَيره. الرَّابِع: أَخُو عَاصِم، وَهُوَ: وَاقد، بِالْقَافِ: ابْن مُحَمَّد بن زيد الْمَذْكُور، ثقه أَبُو زرْعَة وَغَيره. الْخَامِس: أَبوهُ مُحَمَّد بن عبد ا، وَثَّقَهُ غير وَاحِد. السَّادِس: عبد ابْن عمر بن الْخطاب. السَّابِع: عبد ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ. الثَّامِن: أَبُو عبد اوهو البُخَارِيّ نَفسه. التَّاسِع: عَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب الوَاسِطِيّ شيخ البُخَارِيّ والدارمي، وَفِي (تَهْذِيب التَّهْذِيب) : كَانَ من ثِقَات الشُّيُوخ وأعيانهم. وَقَالَ ابْن معِين: ضَعِيف، وَفِي رِوَايَة: لَيْسَ بِشَيْء، وَفِي رِوَايَة: لَيْسَ بِثِقَة، وَفِي رِوَايَة: كَذَّاب، مَاتَ فِي نصف رَجَب سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. ذكر لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل وَالسَّمَاع. وَفِيه: الشَّك بَين عبد ابْن عمر بن الْخطاب وَبَين عبد ابْن عمر بن الْعَاصِ، وَالظَّاهِر أَن الشَّك من وَاقد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (قَالَ عَاصِم بن عَليّ) تَعْلِيق من البُخَارِيّ وَوَصله إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي (غَرِيب الحَدِيث) لَهُ، قَالَ: حدّثنا عَاصِم بن عَليّ حدّثنا عَاصِم بن مُحَمَّد عَن وَاقد سَمِعت أبي يَقُول: قَالَ عبد ا، قَالَ: رَسُول ا، فَذكره. قَوْله: (فِي حثالة) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة، قَالَ ابْن سَيّده: هُوَ مَا يخرج من الطَّعَام من زوان وَنَحْوه مِمَّا لَا خير فِيهِ. وَقَالَ اللحياني: هُوَ أجل من التُّرَاب والدقاق قَلِيلا، وَخَصه بِالْحِنْطَةِ، والحثالة والحثل: الرَّدِيء من كل شَيْء، وَقيل: هُوَ القشارة من التَّمْر وَالشعِير وَمَا أشبههما، وحثالة القرط نقايته. قَوْله: (مرجت عهودهم) ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي (الْمُنْتَهى) : مرجت عهودهم: إِذا لم تثبت، وَأمر حجوها: إِذا لم يوفوا بهَا وخلطوها، ومرجت أمانتهم فَسدتْ، ومرج الدّين اخْتَلَط واضطرب. وَفِي (الْمُحكم) : مرج الْأَمر مرجاً فَهُوَ مارج ومريج: الْتبس وَاخْتَلَطَ، ومرج أمره يمرجه: ضيَّعه، وَرجل ممارج يمرج أُمُوره وَلَا يحكمها ومرج الْعَهْد وَالدّين وَالْأَمَانَة: فسد، وأمرج عَهده: لم يَفِ بِهِ، قَوْله: (وَشَبك بَين أَصَابِعه) ، أَي: شَبكَ النَّبِي بَين أَصَابِعه ليمثل لَهُم اختلاطهم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ: جَوَاز تشبيك الْأَصَابِع سَوَاء فِي الْمَسْجِد أَو غَيره لإِطْلَاق الحَدِيث، وَلَكِن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَفِي الصَّلَاة، وَكره إِبْرَاهِيم ذَلِك فِي الصَّلَاة، وَهُوَ قَول مَالك، وَرخّص فِي ذَلِك ابْن عمر وَابْنه سَالم، فَكَانَ يشبكان بَين أصابعهما فِي الصَّلَاة، ذكره ابْن أبي شيبَة، وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يشبك بَين أَصَابِعه فِي الْمَسْجِد. وَقَالَ مَالك: إِنَّهُم لينكرون تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَمَا بِهِ بَأْس. وَإِنَّمَا يكره فِي الصَّلَاة، وقدروه النَّهْي عَن ذَلِك فِي أَحَادِيث. مِنْهَا: مَا أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) ، فَقَالَ: حدّثنا أَبُو عرُوبَة حدّثنا مُحَمَّد بن سَعْدَان حَدثنَا سُلَيْمَان ابْن عبد اعن عبيد ابْن عمر عَن زيد بن أبي أنيسَة عَن الحكم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن كَعْب بن عجْرَة: (أَن النَّبِي قَالَ لَهُ: يَا كَعْب، إِذا تَوَضَّأت فأحسنت الْوضُوء، ثمَّ خرجت إِلَى الْمَسْجِد فَلَا تشبك بَين أصابعك فَإنَّك فِي صَلَاة) . وَمِنْهَا: مَا أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فِي بَيته ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد كَانَ فِي صَلَاة حَتَّى يرجع فَلَا يفعل هَكَذَا، وَشَبك بَين أَصَابِعه) ، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن عبد ابْن عبد الرَّحْمَن بن موهب عَن عَمه عَن مولى لأبي سعيد، وَهُوَ مَعَ رَسُول ا، فَدخل رَسُول الله الْمَسْجِد فَرَأى رجلا جَالِسا وسط النَّاس وَقد شَبكَ بَين أَصَابِعه يحدث نَفسه، فَأَوْمأ إِلَيْهِ رَسُول الله فَلم يفْطن لَهُ، فَالْتَفت إِلَى أبي سعيد فَقَالَ: (إِذا صلى أحدكُم فَلَا يشبكن بَين أَصَابِعه، فَإِن التشبيك من الشَّيْطَان) . فَإِن قلت: هَذِه الْأَحَادِيث مُعَارضَة لأحاديث الْبَاب قلت: غير مقاومة لَهَا فِي الصِّحَّة، وَلَا مُسَاوِيَة. وَقَالَ ابْن بطال: وَجه إِدْخَال هَذِه التَّرْجَمَة فِي الْفِقْه مُعَارضَة بِمَا رُوِيَ من النَّهْي عَن

стр. 1205

التشبيك فِي الْمَسْجِد، وَقد وَردت فِيهِ مَرَاسِيل، ومسند من طرق غير ثَابِتَة قلت: كَأَنَّهُ أَرَادَ بالمسند حَدِيث كَعْب بن عجْرَة الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَإِن قلت: حَدِيث كَعْب هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان قلت: فِي اسناده اخْتِلَاف، فضعفه بَعضهم بِسَبَبِهِ، وَقيل: لَيْسَ بَين هَذِه الْأَحَادِيث مُعَارضَة لِأَن النَّهْي إِنَّمَا ورد عَن فعل ذَلِك فِي الصَّلَاة أَو فِي الْمُضِيّ إِلَى الصَّلَاة وَفعله لَيْسَ فِي الصَّلَاة وَلَا فِي الْمُضِيّ إِلَيْهَا مُعَارضَة إِذا، وَبَقِي كل حَدِيث على حياله فَإِن قلت: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي فِي الْبَاب وَقع تشبيكه وَهُوَ فِي الصَّلَاة قلت: إِنَّمَا بعد انْقِضَاء الصَّلَاة فِي ظَنّه فَهُوَ فِي حكم المنصرف عَن الصَّلَاة، وَالرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا النَّهْي عَن ذَلِك مَا دَامَ فِي الْمَسْجِد ضعيفه، لِأَن فِيهَا ضَعِيفا ومجهولاً، وَقد رَوَاهَا ابْن أبي شيبَة، وَلَفظه: (إِذا صلى أحدكُم فَلَا يشبكن بَين أَصَابِعه، فَإِن التشبيك من الشَّيْطَان، وَإِن أحدكُم لَا يزَال فِي صَلَاة مَا دَامَ فِي الْمَسْجِد حَتَّى يخرج مِنْهُ) وَقَالَ ابْن الْمُنِير: التَّحْقِيق أَنه لَيْسَ بَين هَذِه الْأَحَادِيث تعَارض، إِذا الْمنْهِي عَنهُ فعله على وَجه الْعَبَث وَالَّذِي فِي الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ الْمَقْصُود التَّمْثِيل وتصوير الْمَعْنى فِي اللَّفْظ فَإِن قلت: مَا حكمه النَّهْي عَن التشبيك؟ قلت: أُجِيب بأجوبة. الأول: لكَونه من الشَّيْطَان، كَمَا مر الْآن. الثَّانِي: لِأَنَّهُ يجلب النّوم، وَهُوَ من مظان الْحَدث. الثَّالِث: أَن صُورَة التشبيك تشبه صُورَة الِاخْتِلَاف، كَمَا نبه عَلَيْهِ فِي حَدِيث ابْن عمر، فكره ذَلِك لمن هُوَ فِي حكم الصَّلَاة حَتَّى لَا يَقع فِي الْمنْهِي عَنهُ. قَوْله: للمصلين: (وَلَا تختلفوا فتختلف قُلُوبهم) ، وَا تَعَالَى أعلم. ٢٨٤ - ح دّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدّثنا ابنُ شمَيْلٍ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنِ ابنِ سِيرِينَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قلَ صَلَّى بِنَا رسولُ اللَّهِ إحْدَى صَلَاتِي العَشِيَّ قالَ سِيرِينَ قَد سَمَّاهَا أبُو هُرَيْرةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنا قالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتْينِ ثُمَّ سَلَّمَ فقامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فَي المَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْها كأنَّهُ غَضْبَانُ ووضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ووضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كفَّهِ اليُسْرَى وَخَرَجَتِ السَّرَعانُ مِنْ أبْوَابِ المَسْجِدِ فقالُوا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وفِي

стр. 1206

القَوْمِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَهَابَاهُ أنْ يُكَلِّمَاهُ وفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ قَالَ يَا رسولَ اللَّهِ أنَسيتَ أمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ قالَ لَمْ أنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ فقالَ أكَما يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ فقالُوا نَعَمْ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ ثُمَّ سلَّمَ ثُم كَبَّرَ وسَجَدَ مِثْلَ سْجُودِهِ أوْ أطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وكبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ وسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أوْ أَطْولَ ثُمَّ رَفَعَ رأْسَهُ وكَبَّرَ فَرُبَّما سألُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ فَيَقُولُ نُبِّئْتُ أنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ قَالَ ثُمَّ سَلَّمَ. (الحَدِيث ٢٨٤ أَطْرَافه فِي: ٤١٧، ٥١٧، ٧٢٢١، ٨٢٢١، ٩٢٢١، ١٥٠٦، ٠٥٢٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث يدل على تَمامهَا، لِأَن التشبيك إِذا جَازَ فِي الْمَسْجِد فَفِي غَيره أولى بِالْجَوَازِ. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام، تقدم فِي بَاب فضل من علم. الثَّانِي: النَّضر بن شُمَيْل، بِضَم الْمُعْجَمَة، تقدم فِي بَاب العنزة. الثَّالِث: عبد ابْن عون، تقدم. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين، تكَرر ذكره. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن إِسْحَاق بن مَنْصُور هُوَ المجزوم بِهِ عِنْد أبي نعيم. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وبصري. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عبد ابْن مسلمة عَن مَالك وَعَن حَفْص بن عَمْرو عَن آدم عَن شُعْبَة. وَأخرجه مُسلم عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن حجاج بن الشَّاعِر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن عَليّ ابْن نصر بن عَليّ، وَعَن مُحَمَّد بن عبيد وَعَن معَاذ عَن أَبِيه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن حميد بن مسْعدَة عَن يزِيد ابْن زُرَيْع، وَعَن عَمْرو بن عُثْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن أبي أُسَامَة. وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من ثَلَاثَة عشر طَرِيقا. ذكر مَعْنَاهُ) . قَوْله: (إِحْدَى صَلَاتي الْعشي) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (الْعشَاء) ، بِالْمدِّ، وَالظَّاهِر أَنه وهم لِأَنَّهُ صَحَّ فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (صلى بِنَا النَّبِي الظّهْر أَو الْعَصْر) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (صلى بِنَا النَّبِي الْعَصْر فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ) ، وَفِي أُخْرَى لَهُ. (صلى رَكْعَتَيْنِ من صَلَاة الظّهْر ثمَّ سلم) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي العشى الظّهْر أَو الْعَصْر) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي العشى الظّهْر أَو الْعَصْر، وأكبر ظَنِّي أَنه ذكر صَلَاة الظّهْر) . قَوْله: (وأكبر ظَنِّي أَنه ذكر صَلَاة الظّهْر) هُوَ قَول ابْن سِيرِين أَي: أكبر ظَنِّي أَن أَبَا هُرَيْرَة ذكر صَلَاة الظّهْر، وَكَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب، وَأطلق على الظّهْر وَالْعصر صَلَاتي العشى، لِأَن العشى يُطلق على مَا بعد الزَّوَال إِلَى الْمغرب فَإِن قلت: قَالَ الْجَوْهَرِي: الْعشي والعشية من صَلَاة الْمغرب إِلَى الْعَتَمَة؟ قلت: الَّذِي ذكره هُوَ أصل الْوَضع، وَفِي الإستعمال يُطلق على مَا ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْعشي، بِفَتْح الْعين وَكسر الشين وَتَشْديد الْيَاء: مَا بَين زَوَال الشَّمْس وغروبها. قَوْله: (معروضة) أَي: مَوْضُوعَة بِالْعرضِ أَو مطروحة فِي نَاحيَة الْمَسْجِد. قَوْله: (وضع يَده الْيُمْنَى) ، يحْتَمل أَن يكون هَذَا الْوَضع حَال التشبيك وَأَن يكون بعد زَوَاله، وَعند الْكشميهني: (وضع خَدّه الْأَيْمن) بدل: يَده الْيُمْنَى) . قَوْله: (السرعان) قَالَ الْجَوْهَرِي: سرعَان النَّاس، بِالتَّحْرِيكِ: أوائلهم، وَيُقَال: أخفاؤهم والمستعجلون مِنْهُم، وَيلْزم الْإِعْرَاب نونه فِي كل وَجه، وَهُوَ الصَّوَاب الَّذِي قَالَه الْجُمْهُور من أهل الحَدِيث واللغة، وَكَذَا ضَبطه المتقنون. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: السرعان، بِفَتْح السِّين وَالرَّاء: أَوَائِل النَّاس الَّذين يتسارعون إِلَى الشَّيْء ويقبلون عَلَيْهِ بِسُرْعَة، وَيجوز تسكين الرَّاء قلت: وَكَذَا نقل القَاضِي عَن بَعضهم، قَالَ: وَضَبطه الْأصيلِيّ فِي البُخَارِيّ، بِضَم السِّين وَإِسْكَان الرَّاء، وَوَجهه أَنه جمع سريع كقفيز وقفزان، وكثيب وكثبان، وَمن قَالَ: سرعَان، بِكَسْر السِّين فَهُوَ خطأ. وَقيل: يُقَال أَيْضا: سرعَان بِكَسْر السِّين وَالرَّاء وَهُوَ جمع: سريع، كرعيل ورعلان. وَأما أَقْوَالهم: سرعَان مَا فعلت، فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات: الضَّم وَالْكَسْر وَالْفَتْح مَعَ إسكان الرَّاء وَالنُّون مَفْتُوحَة أبدا. قَوْله:، " قصرت الصَّلَاة " بِضَم الْقَاف وَكسر الصَّاد ويروى بِفَتْح الْقَاف وَضم الصَّاد قَوْله " فهاباه " أَي هاب أَبُو بكر وَعمر النَّبِي ﷺ َ -

стр. 1207

ويروى: (فَهَابَا) ، بِدُونِ الضَّمِير الْمَنْصُوب، وَهُوَ من الهيبة، وَهُوَ: الْخَوْف والاجلال، وَقد هابه يهابه، وَالْأَمر مِنْهُ: هَب، بِفَتْح الْهَاء. قَوْله: (أَن يُكَلِّمَاهُ) كلمة أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: من التكليم. قَوْله: (وَفِي الْقَوْم رجل) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (ذُو الْيَدَيْنِ) فِيهِ رِوَايَات: فَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (فَقَامَ رجل طَوِيل الْيَدَيْنِ كَانَ رَسُول الله سَمَّاهُ ذَا الْيَدَيْنِ) . وَفِي رِوَايَة: (فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ) ، وَفِي رِوَايَة: (فَقَامَ رجل من بني سليم) ، وَفِي رِوَايَة: (رجل يُقَال لَهُ الْخِرْبَاق بن عَمْرو، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طول) . وَفِي رِوَايَة: (وَكَانَ رجلا بسيط الْيَدَيْنِ) ، وَقع ذَلِك فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول الله صلى بهم الظّهْر ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ سلم وَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ الْخِرْبَاق: يَا رَسُول اإنك صليت ثَلَاثًا؟ فجَاء فصلى رَكْعَة ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ للسَّهْو ثمَّ سلم) . وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) . وخرباق، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن عبد عَمْرو السّلمِيّ، وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ جَمِيعًا. وَقَالَ ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) : ذُو الْيَدَيْنِ، وَيُقَال لَهُ: ذُو الشمالين أَيْضا: ابْن عبد عَمْرو بن فضلَة الْخُزَاعِيّ. وَقَالَ أَبُو عبد االعدني فِي (مُسْنده) : قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ: ذُو الْيَدَيْنِ أحد أجدادنا، وَهُوَ ذُو الشمالين بن عَمْرو بن ثَوْر بن ملكان بن أفْضى بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حدّثنا ابْن فُضَيْل عَن حُصَيْن عَن عِكْرِمَة قَالَ: (صلى النَّبِي بِالنَّاسِ ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ انْصَرف، فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم: حدث فِي الصَّلَاة شَيْء؟ وَمَا ذَلِك؟ قَالُوا: لم نصل إلَاّ ثَلَاث رَكْعَات. فَقَالَ: أكذاك يَا ذَا الْيَدَيْنِ؟ وَكَانَ يُسمى ذَا الشمالين، فَقَالَ: نعم. فصلى رَكْعَة وَسجد سَجْدَتَيْنِ) وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (معرفَة الصَّحَابَة) : ذُو الْيَدَيْنِ اسْمه الْخِرْبَاق من بني سليم، كَانَ نزل بِذِي خشب من نَاحيَة الْمَدِينَة، وَلَيْسَ هُوَ ذَا الشمالين خزاعي حَلِيف لبني زهرَة، قتل يَوْم بدر، وَأَن قصَّة ذِي الشمالين كَانَت قبل بدر، ثمَّ أحكمت الْأُمُور بعد ذَلِك. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (شرح مُسلم) : وَأما حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فقد ذكر مُسلم فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَن اسْمه الْخِرْبَاق، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طول. وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: بسيط الْيَدَيْنِ، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: رجل من بني سليم وَوَقع للعذري: سلم وَهُوَ خطأ، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر مُفَسرًا، فَقَالَ فِيهِ: ذُو الْيَدَيْنِ أَخُو بني سليم، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: ذُو الشمالين رجل من بني زهرَة، وبسبب هَذِه الْكَلِمَة ذهب الحنفيون إِلَى أَن حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخ بِحَدِيث ابْن مَسْعُود، قَالُوا: لِأَن ذَا الشمالين قتل يَوْم بدر فِيمَا ذكره أهل السّير، وَهُوَ من بني سليم، فَهُوَ ذُو الْيَدَيْنِ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث، وَهَذَا لَا يَصح لَهُم، وَإِن قتل ذُو الشمالين يَوْم بدر فَلَيْسَ هُوَ بالخرباق، وَهُوَ رجل آخر حَلِيف لبني زهرَة اسْمه: عُمَيْر بن عبد عَمْرو من خُزَاعَة، بِدَلِيل رِوَايَة أبي هُرَيْرَة حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ ومشاهدته خَبره، وَلقَوْله: صلى بِنَا رَسُول ا، وَذكر الحَدِيث، وَإِسْلَام أبي هُرَيْرَة بِخَير بعد يَوْم بدر بِسنتَيْنِ، فَهُوَ غير ذِي الشمالين المستشهد ببدر، وَقد عدوا قَول الزُّهْرِيّ فِيهِ هَذَا من وهمه، وَقد عدهما بَعضهم حديثين فِي نازلتين وَهُوَ الصَّحِيح لاخْتِلَاف صفتهما، لِأَن فِي حَدِيث الْخِرْبَاق ذَا الشمالين أَنه: سلم من ثَلَاث، وَفِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ: من اثْنَتَيْنِ، وَفِي حَدِيث الْخِرْبَاق: إِنَّهَا الْعَصْر، وَفِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ: الظّهْر لغير شكّ عِنْد نعضهم، وَقد ذكر مُسلم ذَلِك كُله. اناتهى. وَقَالَ أَبُو عمر: ذُو الْيَدَيْنِ غير ذِي الشمالين الْمَقْتُول ببدر بِدَلِيل مَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَأما قَول الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: أَنه ذُو الشمالين، فَلم يُتَابع عَلَيْهِ. قلت: الْجَواب على ذَلِك كُله مَعَ تَحْرِير الْكَلَام فِي هَذَا الْموضع أَنه: وَقع فِي كتاب النَّسَائِيّ: ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين وَاحِد، كِلَاهُمَا لقب على الْخِرْبَاق كَمَا ذكرنَا حَيْثُ قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن رَافع حدّثنا عبد الرَّزَّاق حدّثنا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي خَيْثَمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (صلى النَّبِي الظّهْر أَو الْعَصْر فَسلم من رَكْعَتَيْنِ فَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ وَذُو الشمالين ابْن عَمْرو: أنقضت الصَّلَاة أم نسيت؟ فَقَالَ النَّبِي: مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: صدق يَا رَسُول ا، فَأَتمَّ لَهُم الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نقصتا) ، وَهَذَا سَنَد صَحِيح مُتَّصِل صرح فِيهِ بِأَن ذَا الشمالين هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ أَيْضا: أَن هَارُون بن مُوسَى الْفَروِي حَدثنِي أَبُو ضَمرَة عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (نسي رَسُول الله فَسلم فِي سَجْدَتَيْنِ، فَقَالَ ذُو الشمالين: اقصرت الصَّلَاة أم نسيت يَا رَسُول ا؟ قَالَ رَسُول ا: أصدق ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نعم، فَقَامَ رَسُول الله فَأَتمَّ الصَّلَاة) ، وَهَذَا أَيْضا سَنَد صَحِيح صَرِيح فِيهِ أَيْضا أَن: ذَا الشمالين، وَهُوَ: ذُو الْيَدَيْنِ. وَقد تَابع الزُّهْرِيّ على ذَلِك

стр. 1208

عمرَان بن أبي أنس، قَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا عِيسَى بن حَمَّاد أخبرنَا اللَّيْث عَن زيد بن أبي حبيب عَن عمرَان بن أبي أنس عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: (أَن رَسُول ا، صلى يَوْمًا فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف، فأدركه ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُول اانقصت الصَّلَاة أم نسيت؟ فَقَالَ: لم تنقص الصَّلَاة وَلم أنس قَالَ: بلَى، وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ قَالَ رَسُول ا، أصدق ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نعم فصلى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ) : وَهَذَا يضاً سَنَد صَحِيح على شَرط مُسلم. وَأخرج نَحوه الطَّحَاوِيّ: عَن ربيع الْمُؤَذّن عَن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب إِلَى آخِره نَحوه، فَثَبت أَن الزُّهْرِيّ لم ينْفَرد بذلك، وَأَن الْمُخَاطب للنَّبِي ذُو الشمالين، وَأَن من قَالَ ذَلِك لم يهم، وَلَا يلْزم من عدم تَخْرِيج ذَلِك فِي الصَّحِيح عدم صِحَّته، فَثَبت أَن ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين وَاحِد، وَهَذَا أولى من جعله رجلَيْنِ لِأَنَّهُ خلاف الأَصْل فِي هَذَا الْموضع فَإِن قلت: أخرج الْبَيْهَقِيّ حَدِيثا وَاسْتدلَّ بِهِ على بَقَاء ذِي الْيَدَيْنِ بعد النَّبِي، فَقَالَ: الَّذِي قتل ببدر هُوَ ذُو الشمالين بن عبد عَمْرو بن فضلَة، حَلِيف بني زهرَة من خُزَاعَة: وَأما ذُو الْيَدَيْنِ الَّذِي أخبر النَّبِي، بسهوه فَإِنَّهُ بَقِي بعد النَّبِي. كَذَا ذكره شَيخنَا أَبُو عبد االحافظ، ثمَّ خرج عَنهُ بِسَنَدِهِ إِلَى معدي بن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدثنِي شُعَيْب بن مطير عَن أَبِيه ومطير حَاضر فَصدقهُ، قَالَ شُعَيْب: يَا أبتاه أَخْبَرتنِي أَن ذَا الْيَدَيْنِ لقيك بِذِي خشب فأخبرك أَن رَسُول ا: الحَدِيث؛ ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقَالَ بعض الروَاة: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فَقَالَ ذُو الشمالين: يَا رَسُول اأقصرت الصَّلَاة؟ وَكَانَ شَيخنَا أَبُو عبد ايقول: كل من قَالَ ذَلِك فقد أَخطَأ، فَإِن ذَا الشمالين تقدم مَوته وَلم يعقب وَلَيْسَ لَهُ راو قلت: سَنَده ضَعِيف لِأَن فِيهِ معدي بن سُلَيْمَان، فَقَالَ أَبُو زرْعَة: واهي الحَدِيث، وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يحدث عَن ابْن عجلَان مَنَاكِير. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي المقلوبات عَن الثِّقَات، والملزوقات عَن الْأَثْبَات لَا يجوز الإحتجاج بِهِ إِذا انْفَرد. وَفِي سَنَده أَيْضا شهيب لم يعرف حَاله وَولده مطير، قَالَ فِيهِ ابْن الْجَارُود: روى عَنهُ ابْنه شُعَيْب لم يكْتب حَدِيثه، وَفِي (الضُّعَفَاء) للذهبي: لم يَصح حَدِيثه، وَفِي (الكاشف) : مطير بن سليم عَن ذِي الزَّوَائِد وَعنهُ أَبنَاء شُعَيْب وسليم لم يَصح حَدِيثه. ولضعف هَذَا السَّنَد قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْمعرفَة) : ذُو الْيَدَيْنِ بَقِي بعد النَّبِي فِيمَا يُقَال، وَلَقَد أنصف وَأحسن فِي هَذِه الْعبارَة، ثمَّ إِن قَول شَيْخه أبي عبد ا: كل من قَالَ ذَلِك فقد أَخطَأ، غير صَحِيح، روى مَالك فِي (موطئِهِ) عَن ابْن شهَاب عَن ابْن أبي بكر بن سُلَيْمَان عَن أبي خثيمَةَ: (بَلغنِي أَن رَسُول الله ركعه رَكْعَتَيْنِ فِي إِحْدَى صَلَاتي النَّهَار، الظّهْر أَو الْعَصْر، فَسلم من اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشمالين، رجل من بني زهرَة بن كلاب: أقصرت الصَّلَاة؟) الحَدِيث، وَفِي آخِره: مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب، وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن مثل ذَلِك، فقد صرح فِي هَذِه الرِّوَايَة أَنه ذُو الشمالين وَأَنه من بني زهرَة فَإِن قلت: هُوَ مُرْسل. قلت: ذكر أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : أَنه مُتَّصِل من وُجُوه صِحَاح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا ذكرنَا مِمَّا رَوَاهُ النَّسَائِيّ آنِفا، ثمَّ قَول الْحَاكِم عَن ذِي الشمالين: لم يعقب يفهم من ظَاهِرَة أَن ذَا الْيَدَيْنِ أعقب، وَلَا أصل لذَلِك فِيمَا قد علمناه، وَا تَعَالَى أعلم. فَإِن قلت: إِن ذَا الْيَدَيْنِ وَذَا الشمالين إِذا كَانَا لقباً على شخص وَاحِد على مَا زعمتم فَحِينَئِذٍ يدل على أَن أَبَا هُرَيْرَة لم يحضر تِلْكَ الصَّلَاة، وَذَلِكَ لِأَن ذَا الْيَدَيْنِ الَّذِي هُوَ ذُو الشمالين قتل ببدر، وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم عَام خَيْبَر وَهُوَ مُتَأَخّر بِزَمَان كثير، وَمَعَ هَذَا فَأَبُو هُرَيْرَة يَقُول: (صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي الْعشي، إِمَّا الظّهْر أَو الْعَصْر) الحَدِيث، وَفِيه: (فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ يَا رَسُول ا) أخرجه مُسلم وَغَيره. وَفِي رِوَايَة: (صلى بِنَا رَسُول ا، ﵊، فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ) الحَدِيث قلت: أجَاب الطَّحَاوِيّ بِأَن معناد: صلى بِالْمُسْلِمين، وَهَذَا جَائِز فِي اللُّغَة، كَمَا رُوِيَ عَن النزل بن سُبْرَة قَالَ: (قَالَ لنا رَسُول ا: أَنا وَإِيَّاكُم كُنَّا ندعى بني عبد منَاف) الحَدِيث والنزال لم ير رَسُول ا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك: قَالَ لقومنا، وَرُوِيَ عَن طَاوُوس، قَالَ: (قدم علينا معَاذ ابْن جبل فَلم يَأْخُذ من الخضراوات شَيْئا، وَإِنَّمَا أَرَادَ: قدم بلدنا، لِأَن معَاذًا قدم الْيمن فِي عهد رَسُول ا، قبل أَن يُولد طَاوس) ، وَمثله مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب: الْبَيَان أَن النَّهْي مَخْصُوص بِبَعْض الْأَمْكِنَة عَن مُجَاهِد، قَالَ: جَاءَنَا أَبُو ذَر، رَضِي اتعالى عَنهُ؟ إِلَى آخِره. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: مُجَاهِد لَا يثبت لَهُ سَماع من أبي ذَر. وَقَوله: (جَاءَنَا) ، أَي: بلدنا. فأفهم. قَوْله: (لم أنس وَلم تقصر) ، أَي: الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كل ذَلِك لم يكن) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (كل ذَلِك لم أفعل) ، قَالَ

стр. 1209

النَّوَوِيّ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ لم يكن الْمَجْمُوع، وَلَا يَنْفِي وجود أَحدهمَا. وَالثَّانِي: هُوَ الصَّوَاب، مَعْنَاهُ: لم يكن لَا ذَلِك وَلَا ذَا فِي ظَنِّي، بل ظَنِّي أَنِّي أكملت الصَّلَاة أَرْبعا. وَيدل على صِحَة هَذَا التَّأْوِيل، وَأَنه لَا يجوز غَيره، أَنه جَاءَ فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: أَن النَّبِي قَالَ: (لم نقصر وَلم أنس يرجع إِلَى السَّلَام أَي: لم أنس فِيهِ إِنَّمَا سلمت قصدا، وَلم أنس فِي نفس السَّلَام، وَإِنَّمَا سَهَوْت عَن الْعدَد. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذَا فَاسد، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يكون جَوَابا عَمَّا سُئِلَ عَنهُ. وَيُقَال: بَين النسْيَان والسهو فرق، فَقيل: كَانَ يسهو وَلَا ينسى، فَلذَلِك نفي عَن نَفسه النسْيَان، لِأَن فِيهِ غَفلَة، وَلم يغْفل. قَالَه القَاضِي. وَقَالَ الْقشيرِي: هَذَا افرق بَينهمَا فِي اسْتِعْمَال اللُّغَة، وَكَأَنَّهُ يلوح من اللَّفْظ على أَن النسْيَان عدم الذّكر لأمر لَا يتَعَلَّق باصلاة، والسهو عدم الذّكر لأمر يتَعَلَّق بهَا، وَيكون النسْيَان الْإِعْرَاض عَن تفقد أمورها حَتَّى يحصل عدم الذّكر، والسهو عدم الذّكر لَا لأجل الْإِعْرَاض. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا نسلم الْفرق، وَلَئِن سلم فقد أضَاف النَّبِي النسْيَان إِلَى نَفسه فِي غير مَا مَوضِع، بقوله: (إِنَّمَا أَنا بشر أنسى كَمَا تنسون فَإِذا نسيت فذكروني) . وَقَالَ القَاضِي: إِنَّمَا أنكر نسيت المضافة إِلَى نَفسه، وَهُوَ قد نهى عَن هَذَا بقوله: (بئْسَمَا لأحدكم أَن يَقُول: نسيت كَذَا، وَلكنه نسي) . وَقد قَالَ أَيْضا: لَا أنسى، وَقد شكّ بعض الروَاة فِي رِوَايَته، فَقَالَ: أنسى أَو أنسّى، وَأَن: أَو للشَّكّ أَو للتقسيم، وَأَن هَذَا يكون مِنْهُ مرّة من قبل شغله، وَمرَّة يغلب وَيجْبر عَلَيْهِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ السَّائِل بذلك أنكرهُ. وَقَالَ: (كل ذَلِك لم يكن) وَفِي الْأُخْرَى: (لم أنس وَلم تقصر) ، أما الْقصر فَبين، وَكَذَلِكَ: لم أنس، حَقِيقَة من قبل نَفسِي وَلَكِن اتعالى أنساني، وَيُمكن أَن يُجَاب عَمَّا قَالَه القَاضِي: أَن النَّهْي فِي الحَدِيث عَن إِضَافَة نسيت إِلَى الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَنَّهُ يقبح لِلْمُؤمنِ أَن يضيف إِلَى نَفسه نِسْيَان كَلَام اتعالى، وَلَا يلْزم من هَذَا النَّهْي الْخَاص النَّهْي عَن إِضَافَته إِلَى كل شَيْء. فَافْهَم. وَذكر بَعضهم أَن الْعِصْمَة ثَابِتَة فِي الْإِخْبَار عَن اتعالى، وَأما إخْبَاره عَن الْأُمُور الوجودية فَيجوز فِيهَا النسْيَان قلت: تَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام أَن قَوْله: لم ينس وَلم تقصر الصَّلَاة، مثل قَوْله: كل ذَلِك لم يكن، وَالْمعْنَى: كل من الْقصر وَالنِّسْيَان لم يكن، فَيكون فِي معنى: لَا شَيْء مِنْهُمَا بكائن، على شُمُول النَّفْي وعمومه لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن السُّؤَال عَن أحد الْأَمريْنِ: بِأم، وَيكون لطلب التَّعْيِين بعد ثُبُوت أَحدهمَا عِنْد الْمُتَكَلّم، لَا على التَّعْيِين، غير أَنه إِنَّمَا يكون بِالتَّعْيِينِ أَو بنفيهما جَمِيعًا تخطئه للمستفهم لَا بِنَفْي الْجمع بَينهمَا، حَتَّى يكون نفي الْعُمُوم لِأَنَّهُ عَارِف بِأَن الْكَائِن أَحدهمَا. وَالثَّانِي: لما قَالَ: كل ذَلِك لم يكن، قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: قد كَانَ بعض ذَلِك. وَمَعْلُوم أَن الثُّبُوت للْبَعْض إِنَّمَا يُنَافِي النَّفْي عَن كل فَرد لَا النَّفْي عَن الْمَجْمُوع. وَقَوله: قد كَانَ بعض ذَلِك، مُوجبَة جزئية ونقيضها السالبة الْكُلية، وَلَوْلَا أَن ذَا الْيَدَيْنِ فهم السَّلب الْكُلِّي لما ذكر فِي مُقَابلَته الْإِيجَاب الجزئي، وَهَهُنَا قَاعِدَة أُخْرَى وَهِي: أَن لَفْظَة: كل إِذا وَقعت فِي حيّز النفيي كَانَ النَّفْي مُوجبهَا خَاصَّة، وَأفَاد بمفهومه ثُبُوت الْفِعْل لبَعض الْأَفْرَاد، كَقَوْلِك: مَا جَاءَ كل الْقَوْم وَلم آخذ كل الدَّرَاهِم. وَقَوله. (مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ) وَإِن وَقع النَّفْي فِي حيزها اقْتضى السَّلب عَن كل فَرد. كَقَوْلِه: (كل ذَلِك لم يكن) . قَوْله: (أكما يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟) أَي: الْأَمر كَمَا يَقُول. قَوْله: (فَقَالُوا: نعم) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (فَقَالَ النَّاس: نعم) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فأمأوا) أَي: نعم، وَفِي أَكثر الْأَحَادِيث قَالُوا: نعم، وَيُمكن أَن يجمع بَينهمَا بِأَن بعض أَوْمَأ، وَبَعْضهمْ يكلم. وَسَنذكر وَجه هَذَا عَن قريب. قَوْله: (فَرُبمَا سَأَلُوهُ) فَرُبمَا سَأَلُوا ابْن سِيرِين: هَل فِي الحَدِيث: ثمَّ سلم، يَعْنِي: سَأَلُوا ابْن سِيرِين أَن رَسُول الله بعد هَذَا السُّجُود سلم مرّة أُخْرَى، أَو اكْتفى بِالسَّلَامِ الأول؟ وَكلمَة: رب، أَصْلهَا للتقليل، وَكثر اسْتِعْمَالهَا فِي التكثير، وتلحقها كلمة: مَا، فَتدخل على الْجمل. قَوْله: (فَيَقُول: نبئت) ، بِضَم النُّون: أَي أخْبرت أَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: ثمَّ سلم، وَهَذَا يدل على أَنه لم يسمع من عمرَان، وَقد بَين أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَته عَن ابْن سِيرِين الْوَاسِطَة بَينه وَبَين عمرَان، فَقَالَ: حدّثنا مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس حدّثنا مُحَمَّد بن عبد ابْن الْمثنى قَالَ حَدثنِي أَشْعَث عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن خَالِد عَن أبي قلَابَة عَن أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول ا، صلى بهم وسها، فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ ثمَّ تشهد ثمَّ سلم) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ والترمزي وَقَالَ: حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث شُعْبَة عَن خَالِد الْحذاء، قَالَ: سَمِعت أَبَا قلَابَة يحدث عَن عَمه أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن: (أَن رَسُول الله صلى بهم الظّهْر ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ سلم وَانْصَرف، فَقَالَ لَهُ الْخِرْبَاق: يَا رَسُول اإنك صليت ثَلَاثًا قَالَ: فجَاء فصلى رَكْعَة ثمَّ سلم ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ للسَّهْو ثمَّ سلم) . وَأَبُو قلَابَة اسْمه: عبد ابْن زيد الحرمي، وَعَمه أَبُو الْمُهلب اسْمه: عَمْرو بن مُعَاوِيَة، قَالَه النَّسَائِيّ. وَقيل: عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة، وَقيل: مُعَاوِيَة بن عَمْرو، وَقيل: عبد الرَّحْمَن بن

стр. 1210

عَمْرو، وَقيل: النَّضر بن عَمْرو، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ دَلِيلا على أَن سُجُود السَّهْو سَجْدَتَانِ. الثَّانِي: فِيهِ حجَّة لِأَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّة أَن سَجْدَتي السَّهْو بعد السَّلَام، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي وَمن تبعه فِي أَنَّهَا قبل السَّلَام. الثَّالِث: أَن الَّذِي عَلَيْهِ السَّهْو إِذا ذهب من مقَامه ثمَّ عَاد وَقضى مَا عَلَيْهِ هَل يَصح؟ فَظَاهر الحَدِيث يدل على أَنه يَصح، لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَة عمرَان بن حُصَيْن: (فجَاء فصلى رَكْعَة) ، وَفِي رِوَايَة غَيره من الْجَمَاعَة: (فَتقدم وَصلى) ، وَهُوَ رِوَايَة اليخاري هَهُنَا، وَفِي رِوَايَة: (فَرجع رَسُول الله إِلَى مقَامه) ، وَلَكِن اخْتلف الْفُقَهَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، فَعِنْدَ الشَّافِعِي فِيهَا وَجْهَان: أصَحهمَا: أَنه يَصح لِأَنَّهُ ثَبت فِي صَحِيح مُسلم: (أَنه، ﵇، مَشى إِلَى الْجذع وَخرج السرعان) . وَفِي رِوَايَة: (دخل منزله) . وَفِي رِوَايَة: (دخل الْحُجْرَة ثمَّ خرج وَرجع النَّاس وَبنى على صلَاته) . وَالْوَجْه الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْدهم: أَن الصَّلَاة تبطل، بذلك قَالَ النَّوَوِيّ، وَهَذَا مُشكل، وَتَأْويل الحَدِيث صَعب على من أبطلها، وَنقل عَن مَالك أَنه مَا لم ينْتَقض وضوؤه يجوز لَهُ ذَلِك وَإِن طَال الزَّمَان، وَكَذَا رُوِيَ عَن ربيعَة، مستدلين بِحَدِيث عمرَان. وَمذهب أبي حنيفَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة: إِذا سلم سَاهِيا على الرَّكْعَتَيْنِ وَهُوَ فِي مَكَانَهُ لم يصرف وَجهه عَن الْقبْلَة وَلم يتَكَلَّم عَاد إِلَى الْقَضَاء لما عَلَيْهِ، وَلَو اقْتدى بِهِ رجل يَصح اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، أما إِذا صرف وَجهه عَن الْقبْلَة فَإِن كَانَ فِي الْمَسْجِد وَلم يتَكَلَّم فَكَذَلِك، لِأَن الْمَسْجِد كُله فِي حكم مَكَان وَاحِد، لِأَنَّهُ مَكَان الصَّلَاة، وَإِن كَانَ خرج فِي الْمَسْجِد ثمَّ تذكر لَا يعود، وتفسد صلَاته. وَأما إِذا كَانَ فِي الصَّحرَاء فَإِن تذكر قبل أَن يُجَاوز الصُّفُوف من خَلفه أَو من قبل الْيَمين أَو الْيَسَار عَاد إِلَى قَضَاء مَا عَلَيْهِ، وإلَاّ فَلَا، وَإِن مَشى أَمَامه لم يذكرهُ فِي الْكتاب. وَقيل: إِن مَشى قدر الصُّفُوف الَّتِي خَلفه تفْسد وإلَاّ فَلَا، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف اعْتِبَارا لأحد الْجَانِبَيْنِ. وَقيل: إِذا جَاوز مَوضِع سُجُوده لَا يعود، وَهُوَ الْأَصَح، وَهَذَا إِذا لم يكن بَين يَدَيْهِ ستْرَة، فَإِن كَانَ يعود مَا لم يجاوزها، لِأَن دَاخل الستْرَة فِي حكم الْمَسْجِد. وَا اعْلَم. وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث: إِنَّه مَنْسُوخ، وَذَلِكَ أَن عمر بن الْخطاب عمل بعد رَسُول الله بِخِلَاف مَا كَانَ عمله يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ، وَالْحَال أَنه كَانَ فِيمَن حضر يَوْم ذِي الْيَدَيْنِ، فلولا ثَبت عِنْده انتساخ ذَلِك لما عمل بِخِلَاف مَا عمل بِهِ النَّبِي، وَأَيْضًا فَإِن عمر فعل ذَلِك بِحَضْرَة الصَّحَابَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد، فَصَارَ ذَلِك مِنْهُم إِجْمَاعًا. وروى الطَّحَاوِيّ ذَلِك عَن ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حدّثنا أَبُو عَاصِم عَن عُثْمَان بن الْأسود. قَالَ: (سَمِعت عَطاء يَقُول: صلى عمر بن الْخطاب بِأَصْحَابِهِ فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ انْصَرف، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنِّي جهزت عيرًا من الْعرَاق بأحمالها وأقتابها حَتَّى وَردت الْمَدِينَة، قَالَ: فصلى بهم أَربع رَكْعَات) . الرَّابِع: اسْتدلَّ بِهِ قوم على أَن الْكَلَام فِي الصَّلَاة من الْمَأْمُومين لإمامهم إِذا كَانَ على وَجه إصْلَاح الصَّلَاة لَا يقطع الصَّلَاة، وَأَن الْكَلَام من الإِمَام والمأمومين فِيهَا على السَّهْو لَا يقطع الصَّلَاة، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: وَذهب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه إِلَى الْكَلَام وَالسَّلَام سَاهِيا فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا، كَقَوْل مَالك وَأَصْحَابه سَوَاء، وَإِنَّمَا الْخلاف بَينهم أَن مَالِكًا يَقُول: لَا يفْسد الصَّلَاة تعمد الْكَلَام فِيمَا إِذا كَانَ فِي شَأْنهَا وإصلاحها، وَهُوَ قَول ربيعَة وَابْن الْقَاسِم، إلَاّ مَا رُوِيَ عَنهُ فِي الْمُنْفَرد، وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل ذكره الْأَثْرَم عَنهُ أَنه قَالَ: مَا تكلم بِهِ الْإِنْسَان فِي صلَاته لإصلاحها لم تفْسد عَلَيْهِ صلَاته، فَإِن تكلم لغير ذَلِك فَسدتْ عَلَيْهِ، وَذكر الْخرقِيّ عَنهُ أَن مذْهبه فِيمَن تكلم عَامِدًا أَو سَاهِيا بطلت صلَاته إلَاّ الإِمَام خَاصَّة، فَإِنَّهُ إِذا تكلم لمصْلحَة صلَاته لم تبطل صلَاته. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَمن تَابعهمْ من أَصْحَاب مَالك وَغَيرهم: إِن من تعمد الْكَلَام وَهُوَ يعلم أَنه لم يتم الصَّلَاة، وَأَنه فِيهَا أفسد صلَاته، فَإِن تكلم نَاسِيا أَو تكلم وَهُوَ يظنّ أَنه لَيْسَ فِي الصَّلَاة، لَا يُبْطِلهَا. قَالَ النَّوَوِيّ: وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس، وَعبد ابْن الزبير وأخيه عُرْوَة وَعَطَاء وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَجَمِيع الْمُحدثين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري، وَفِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ: تبطل صلَاته بالْكلَام نَاسِيا أَو جَاهِلا، انْتهى. وَأجْمع الْمُسلمُونَ طرّاً أَن الْكَلَام عَامِدًا فِي الصَّلَاة إِذا كَانَ الْمُصَلِّي يعلم أَنه فِي الصَّلَاة وَلم يكن ذَلِك لإِصْلَاح صلَاته أَنه يفْسد الصَّلَاة، إلَاّ مَا رُوِيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه: من تكلم لإحياء نفس أَو مثل ذَلِك من الْأُمُور الجسام لم تفْسد بذلك صلَاته، وَهُوَ قَول ضَعِيف فِي النّظر. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض الْمَشْهُور عَن مَالك وَأَصْحَابه الْأَخْذ بِحَدِيث

стр. 1211

ذِي الْيَدَيْنِ، وروى عَنهُ ترك الْأَخْذ بِهِ، وَأَنه كَانَ يسْتَحبّ أَن يُعِيد وَلَا يَبْنِي. قَالَ: وَإِنَّمَا تكلم النَّبِي، ﵊، وَأَصْحَابه لأَنهم ظنُّوا أَن الصَّلَاة قصرت وَلَا يجوز ذَلِك لِأَحَدِنَا الْيَوْم. وَقَالَ الْحَارِث بن مِسْكين: أَصْحَاب مَالك كلهم قَالُوا: كَانَ هَذَا أول الْإِسْلَام، وَأما الْآن فَمن تكلم فِيهَا أَعَادَهَا. الْخَامِس: فِيهِ دَلِيل على أَن من قَالَ نَاسِيا: لم أفعل كَذَا، وَكَانَ قد فعله، أَنه غير كَاذِب. السَّادِس: فِيهِ جَوَاز التلقيب الَّذِي سَبيله التَّعْرِيف دون التهجين. السَّابِع: فِيهِ الْإِجْزَاء بسجدتين عَن السهوات لِأَنَّهُ سَهَا عَن الرَّكْعَتَيْنِ وَتكلم نَاسِيا وَاقْتصر على السَّجْدَتَيْنِ. الثَّامِن: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد، على مَا ترْجم عَلَيْهِ الْبَاب. الأسئلة والأجوبة الأول: كَيفَ تكلم ذُو الْيَدَيْنِ وَالْقَوْم وهم فِي الصَّلَاة بعد؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُم لم يَكُونُوا على الْيَقِين من الْبَقَاء فِي الصَّلَاة، لأَنهم كَانُوا مجوزين نسخ الصَّلَاة من أَربع إِلَى رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن هَذَا كَانَ خطابا للنَّبِي، ﵊، وجواباً، وَذَلِكَ لَا يبطل عندنَا غَيرنَا، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح: (إِن الْجَمَاعَة أَو مأوا) ، أَي: أشاروا نعم، فعلى هَذِه الرِّوَايَة لم يتكلموا. الثَّانِي: قيل: فِيهِ إِشْكَال على مَذْهَب الشَّافِعِي، لِأَن عِنْدهم أَنه لَا يجوز للْمُصَلِّي الرُّجُوع فِي قدر صلَاته إِلَى قَول غَيره إِمَامًا أَو مَأْمُوما، وَلَا يعْمل إلَاّ على يَقِين نَفسه؟ وَأجَاب: النَّوَوِيّ عَن ذَلِك: بِأَنَّهُ، سَأَلَهُمْ ليتذكر، فَلَمَّا ذَكرُوهُ تذكر فَعلم السَّهْو فَبنى عَلَيْهِ، لَا أَنه رَجَعَ إِلَى مُجَرّد قَوْلهم، وَلَو جَازَ ترك يَقِين نَفسه وَالرُّجُوع إِلَى قَول غَيره لرجع ذُو الْيَدَيْنِ حِين قَالَ النَّبِي، ﵊: (لم تقصر وَلم أنس) قلت: هَذَا لَيْسَ بِجَوَاب مخلص لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من الرُّجُوع، سَوَاء كَانَ رُجُوعه للتذكرة أَو لغيره، وَعدم رُجُوع ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ لأجل كَلَام الرَّسُول لَا لأجل يَقِين نَفسه. وَقَالَ ابْن الْقصار: اخْتلف الروَاة فِي هَذَا عَن مَالك، فَمرَّة قَالَ: يرجع إِلَى قَوْلهم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، لِأَنَّهُ قَالَ: يَبْنِي على غَالب ظَنّه. وَقَالَ مرّة أُخْرَى: يعْمل على يقينه وَلَا يرجع إِلَى قَوْلهم، كَقَوْل الشَّافِعِي. الثَّالِث: قد رُوِيَ فِي بعض رِوَايَات مُسلم فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: (بَينا أَنا أُصَلِّي مَعَ النَّبِي، ﵊، صَلَاة الظّهْر) الحَدِيث، وَهَذَا صَرِيح أَنه حضر تِلْكَ الصَّلَاة؟ وَالْجَوَاب: عَنهُ قد ذَكرْنَاهُ عَن الطَّحَاوِيّ عَن قريب، وَقيل: يحْتَمل أَن بعض الروَاة فهم من قَول أبي هُرَيْرَة فِي إِحْدَى رواياته: (صلى بِنَا) ، أَنه كَانَ حَاضرا، فَروِيَ الحَدِيث بِالْمَعْنَى على زَعمه، وَقَالَ: بَينا أَنا أُصَلِّي. الرَّابِع: فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَنه دخل منزله، وَلَا يجوز لأحد الْيَوْم أَن ينْصَرف عَن الْقبْلَة، وَيَمْشي وَقد بَقِي عَلَيْهِ شَيْء من الصَّلَاة؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ فعل ذَلِك وَهُوَ لَا يرى أَنه فِي الصَّلَاة فَإِن قيل: فَيلْزم على هَذَا لَو أكل أَو شرب أَو بَاعَ أَو اشْترى وَهُوَ لَا يرى فِي الصَّلَاة أَنه لَا يُخرجهُ ذَلِك مِنْهَا؟ قلت: هَذَا كُله مَنْسُوخ فَلَا يعْمل بِهِ الْيَوْم، وَا أعلم. ٩٨ - (بابُ المَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ المَدِينَةِ وَالمَوِاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيها النبيُّ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمَسَاجِد فِي الطّرق الَّتِي بَين الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وَمَكَّة المشرفة، وَفِي أَكثر النّسخ على طرق الْمَدِينَة، والمواضع الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي. ٣٨٤٠٤١ - ح دّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ قَالَ حدّثنا فضيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدّثنا مُوسَى ابنُ عُقْبَةَ قالَ رَأيْتُ سالِمَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ يَتَحَرَّى أمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيها وَيُحَدِّثُ أنَّ أباهُ كانَ يُصَلِّي فِيها وأنَّهُ رَأى النبيُّ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ حدّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ وَسألْتُ سالما فَلا أعْلَمْهُ إلَاّ وَافَقَ نافِعاً فِي الأَمْكِنَةِ كُلِّهَا إِلَّا أنَّهُما اخْتَلَفا فِي مَسْجِدٍ بِشَرَفِ الروْحاءَ. (الحَدِيث ٣٨٤ أَطْرَافه فِي: ٥٣٥١، ٦٣٣٢، ٥٤٣٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَليّ بن عَطاء بن مقدم، على وزن اسْم الْمَفْعُول،

стр. 1212

الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: فُضَيْل، بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: النميري بِضَم النُّون. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، تقدم فِي بَاب إسباغ الْوضُوء. الرَّابِع: سَالم ابْن عبد ابْن عمر بن الْخطاب، تقدم فِي بَاب الْحيَاء من الْإِيمَان. الْخَامِس: نَافِع، مولى ابْن عمر، وَقد تكَرر ذكره. السَّادِس: عبد ابْن عمر. ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: الرِّوَايَة بِصِيغَة الْمَاضِي للتكلم. وَفِيه: صِيغَة التحديث بِلَفْظ الْمُضَارع الْمُفْرد وبلفظ الْمَاضِي الْمُفْرد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. ذكر مَعْنَاهُ وَمَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) قَوْله: (يتحَرَّى) أَي: يقْصد ويختار ويجتهد. قَوْله: (أَن أَبَاهُ) أَي: عبد ابْن عمر بن الْخطاب. قَوْله: (وَأَنه) أَي: وَأَن أَبَاهُ رأى النَّبِي، وَهَذَا مُرْسل من سَالم إِذا مَا اتَّصل سَنَده. قَوْله: (وحَدثني نَافِع) الْقَائِل ذَلِك هُوَ مُوسَى بن عقبَة، وَهُوَ عطف على: رَأَيْت، أَي: قَالَ مُوسَى: وحَدثني. و: سَأَلت، أَيْضا عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (بشرف الروحاء) ، وَهُوَ مَوضِع ارْتَفع من مَكَان الروحاء، وَهِي بحاء مُهْملَة ممدودة. قَالَ أَبُو عبيد االبكري: هِيَ قَرْيَة جَامِعَة لمزينة على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة بَينهمَا أحد وَأَرْبَعُونَ ميلًا. وَقَالَ كثير عزة: سميت الروحاء لِكَثْرَة أرواحها وبالروحاء بِنَاء يَزْعمُونَ أَنه قبر مُضر بن نزار. وَقَالَ أَبُو عبيد: وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا: روحاني، على غير قِيَاس. وَقد قيل: روحاوي، على الْقيَاس. وَفِي (كتاب الْجبَال) للزمخشري: بَين الْمَدِينَة والروحاء أَرْبَعَة برد إلَاّ ثَلَاثَة أَمْيَال. وَفِي (صَحِيح مُسلم) فِي بَاب الْأَذَان: (سِتَّة وَثَلَاثُونَ ميلًا) . وَفِي كتاب ابْن أبي شيبَة: على ثَلَاثِينَ ميلًا. وَقَالَ ابْن قرقول: وَهِي من عمل الْفَرْع على نَحْو من أَرْبَعِينَ ميلًا من الْمَدِينَة. وَقَالَ أَبُو عبيد: روى نَافِع عَن مَوْلَاهُ أَن بِهَذَا الْموضع الْمَسْجِد الصَّغِير دون الْموضع الَّذِي بالشرف، قَالَ: وروى أَصْحَاب الزُّهْرِيّ عَنهُ عَن حَنْظَلَة بن عَليّ عَن أبي هُرَيْرَة: (سَمِعت رَسُول الله يَقُول: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ليلهن ابْن مَرْيَم، ﵉، بفج روحاء حَاجا أَو مُعْتَمِرًا أَو بثنيتها) وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة مثله، وروى غير وَاحِد أَن رَسُول الله قَالَ، وَقد وصل الْمَسْجِد الَّذِي بِبَطن الروحاء عِنْد عرق الظبية: هَذَا وَاد من أَوديَة الْجنَّة، وَصلى فِي هَذَا الْوَادي قبلي سَبْعُونَ نَبيا، ﵈، وَقد مر بِهِ مُوسَى بن عمرَان حَاجا ومعتمراً فِي سبعين ألفا من بني إِسْرَائِيل. فَإِن قلت: قد جَاءَ عَن عمر بن الْخطاب خلاف فعل ابْنه، روى الْمَعْرُور بن سُوَيْد: كَانَ عمر فِي سفر فصلى الْغَدَاة، ثمَّ أَتَى على مَكَان فَجعل النَّاس يأتونه، وَيَقُولُونَ: صلى فِيهِ النَّبِي، فَقَالَ عمر: إِنَّمَا هلك أهل الْكتاب أَنهم اتبعُوا آثَار أَنْبِيَائهمْ واتخذوها كنائس وبيعاً، فَمن عرضت لَهُ الصَّلَاة فَليصل وإلَاّ فليمض قلت: إِن عمر إِنَّمَا خشِي أَن يلْتَزم النَّاس الصَّلَاة فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع حَتَّى يشكل على من يَأْتِي بعدهمْ فَيرى ذَلِك وَاجِبا، وَعبد ابْن عمر كَانَ مَأْمُونا من ذَلِك، وَكَانَ يتبرك بِتِلْكَ الْأَمَاكِن، وتشدده فِي الإتباع مَشْهُور، وَغَيره لَيْسَ فِي هَذَا الْمقَام. ٤٨٤ - ح دّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدّثنا أنَسُ بنُ عِياضٍ قَالَ حدّثنا مْوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ أخْبَرَهُ أنَّ رسولَ اللَّهِ كانَ يَنْزِلُ بِذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ يَعْتَمِرُ وفِي حَجَّتِهِ حِينَ حَجَّ تَحْتَ سَمُرَةٍ فِي مَوْضِعِ المَسْجَدِ الَّذِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ وكانَ إذَا رَجَعَ مِن غَزْوٍ كانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أوْ فِي حَجٍ أوْ عُمْرَةٍ هَبَطَ مِنْ بَطْنِ وادٍ فإِذَا ظْهَرَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ أنَاخَ بالبَطْحَاءِ الَّتِي عَلَى شفِيرِ الوَادِي الشَّرقِيَّةِ فَعِرَّسَ ثَمَّ حَتَّى يُصْبِحَ لَيْسَ عِنْدَ المَسْجِدِ الَّذِي بِحِجَارَةٍ وَلَا عَلَى الأكِمَةِ الَّتِي عَلَيْها المَسْجِدُ كانَ ثَمَّ خَلِيجٌ يُصَلِّي عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَهُ فِي بَطْنِهِ كُثُبٌ كانَ رسولُ اللَّهِ ثَمَّ يُصَلِّي فَدَحا السيَّلُ فيهِ بِالبَطْحاءِ حَتَّى دَفَنَ ذَلِكَ المَكانَ الذِي كانَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلَّي فِيهِ. ٥٨٤ - وأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنِ عُمَرَ حدَّثَهُ أنَّ النبيَّ صَلَّى حَيْثُ المَسْجِدُ الصَّغِيرُ الذِي دُونَ المَسْجِدِ الذِي بِشَرَفِ الرَّوْحاءِ وقَدْ كانَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْلَمُ المَكانَ الذِي كانَ صَلى فِيهِ

стр. 1213

النبيُّ يَقولُ ثَمَّ عنْ يَمِينِكَ حِينَ تَقُومُ فِي المَسْجِدِ تُصَلِّي وَذَلِكَ المَسْجِدُ عَلَى حافَةِ الطَّرِيق اليُمْنَى وأنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مَكَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسْجِدِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. ٦٨٤ - وأنَّ عُمَرَ كانَ يُصَلِّي إلَى العِرْقِ عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحاءِ وذَلِكَ العِرْقُ انْتِهاءُ طَرَفِهِ عَلَى حافَةِ الطَّرِيقِ دُونَ المَسْجِدِ الذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ المُنْصَرَفِ وَأنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مَكَّةَ وَقَدْ أبْتَنِي ثَمَّ مَسْجِدٌ فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ ااِ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ كانَ يَتْرُكهُ عنْ يَسَارِهِ وورَاءَهُ ويُصَلِّي أمامَهُ إلَى العِرْقِ نَفْسِهِ وكانَ عَبْدُ ااِ يَرُوحُ مِن الرَّوْحاءِ فَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ المَكانَ فَيُصَلِّي فِيهِ الظُهْرَ وإذَا أقْبَلَ منْ مَكَّةَ فإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصبْحِ بِسَاعَةٍ أوْ منْ آخِرِ السَّحَر عَرَّسَ حَتى يُصَلِّي بهَا الصُّبْحَ. ٧٨٤ - وَأنَّ عَبْدُ ااِ حَدَّثَهُ أَن النبيَّ كانَ يَنْزلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ دُونَ الرُّوَيْثَةِ عَنْ الطَّرِيقِ ووِجاهُ الطَّريق فِي مكانٍ بَطْحٍ سَهْلٍ حَتَّى يُفْضِيَ منْ أكَمَةٍ دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ بميلَيْنِ وَقَدِ انْكَسَرَ أعْلَاها فانْثَنَى فِي جَوْفِها وَهِي قائِمَةٌ عَلَى ساقٍ وفِي ساقِهَا كُثُبٌ كَثِيرَةٍ. ٨٨٤ - وأنَّ عَبْدُ ااِ بنُ عُمَرَ حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ صَلَّى فِي طَرَفِ تَلْعةٍ مِنْ وَرَاءِ العَرْجِ وَأنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَضْبَةٍ عنْدَ ذلِكَ المَسْجِدِ قَبْرَان أوْ ثَلَاثَةٌ عَلَى القُبُورِ رَضْمٌ مِن حِجَارَةٍ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ عِنْدَ سَلْمَاتِ الطَّريقِ بَيْنَ أُولئكَ فيُصلَّي السَّلِمَاتِ كانَ عَبْدُ ااِ يَرُوحُ مِنَ العَرْجِ بعْدَ أنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بالهَاجِرَةِ الظهْرَ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ. ٩٨٤ - وأنَّ عَبْدُ ااِ بنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أنَّ رَسولَ ااِ نَزَلَ عِنْدَ سَرْحاتٍ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَى، ذَلِكَ المَسيلُ لَاصِقٌ بِكُرَاعِ هَرْشى بَيْنَهُ وبَيْنَ الطَّرِيقِ قريبٌ مِنْ غَلْوَةٍ وكانَ عَبْدُ ااِ يُصَّلِّي إِلَى سَرْحَةٍ هِى أقْرَبُ السَّرَحاتِ إلَى الطَّرِيقِ وَهْي أطْوَلُهُنَّ. ٠٩٤ - وأنَّ عَبْدَ ااِ بنِ عُمَر حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ كانَ يَنْزِلُ فِي المَسْيلِ الَّذِي أدْنَى فِي الظَّهْرَانِ قَبْلَ المَدِينَةِ حِينَ يَهْبِطُ مِنَ الصَّفْرَوَاتِ يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ المَسِيلِ عنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ وأنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مَكَّة لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رسولِ اللَّهِ وبَيْنَ الطَّرِيقِ إلَاّ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ. ب ٠٥ ٠ ١٩٤ وأنَّ عَبْدَ ااِ بنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ كانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى وَيَبِيتُ حَتَى يُصْبِحَ يُصَلَّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ ومُصَلَّى رسولِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلى أكَمَةٍ غَلِيظَةٍ لَيْسَ فِي المَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ وَلَكِنْ أسْفَلَ منْ ذَلِكَ علَى أكَمَةٍ غَلِيظَةٍ. ب ٠٥ ٠ ب ٠٥ ٠ ٢٩٤ وأنَّ عَبْدَ ااِ حَدَّثَهُ أَن النبيَّ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَي الجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُم وَبَيْنَ الجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الكَعْبَةِ فَجَعَلَ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسَارَ المَسْجِدِ بِطَرَفِ الأَكِمَةِ وَمُصَلَّى النبيِّ أسْفَلَ مِنْهُ عَلَى السَّوْدَاءِ تَدَعُ مِنَ الأكِمَةِ عَشْرَةَ أذْرُعٍ أوْ نَحْوَها ثُمَّ تُصَلِّي مُسْتَقْبَلَ الفُرْضَتَيْنِ مِنَ الجَبَلِ الذِي بَيْنَكَ وبَيْنَ الكَعْبَةِ.

стр. 1214

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي الْفَصْلَيْنِ. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة الْحزَامِي نِسْبَة إِلَى أجداده، ببيانه إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد ابْن الْمُغيرَة بن عبد ابْن خَالِد بن حزَام بن خويلد بن أَسد بن عبد الصَّمد ابْن قصي الْمَدِينِيّ، توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أنس بن عِيَاض الْمدنِي، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة، تقدم فِي هَذَا الْبَاب. الرَّابِع: نَافِع، وَقد تقدم. الْخَامِس: عبد ابْن عمر بن الْخطاب. ذكر لطائف اسناده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوَاضِع وَاحِد. وَفِيه: وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْمَاضِي الْمُفْرد. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه. قَوْله: (بِذِي الحليفة) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَهُوَ: الْمِيقَات الْمَشْهُور لأهل الْمَدِينَة، وَهُوَ من الْمَدِينَة على أَرْبَعَة أَمْيَال. وَمن مَكَّة على مِائَتي ميل غير ميلين. وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي (مَنَاسِكه) بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة ميل أَو ميلان، والميل ثلث فَرسَخ وَهُوَ أَرْبَعَة آلَاف ذِرَاع، وَمِنْهَا إِلَى مَكَّة عشر مراحل، وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ أبعد الْمَوَاقِيت من مَكَّة تَعْظِيمًا لإحرام النَّبِي،. قَوْله: (حِين يعْتَمر وَفِي حجَّته حِين حج) إِنَّمَا قَالَ فِي الْعمرَة بِلَفْظ الْمُضَارع، وَفِي الْحَج بِلَفْظ الْمَاضِي لِأَنَّهُ،، لم يحجّ إلاّ مرّة وتكررت مِنْهُ الْعمرَة؛ وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالْفِعْل الْمُضَارع قد يُفِيد الِاسْتِمْرَار. قلت: الْمَاضِي أقوى فِي إِفَادَة الِاسْتِمْرَار من الْمُضَارع، لِأَن الْمَاضِي قد مضى وَاسْتقر بِخِلَاف الْمُضَارع. قَوْله: (تَحت سَمُرَة) ، بِضَم الْمِيم: وَهُوَ شجر الطلح، وَهُوَ الْعَظِيم من الْأَشْجَار الَّتِي لَهَا شوك وَهِي فِي ألسن النَّاس تعرف بِأم غيلَان. قَوْله: (وَكَانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيق) ، أَي: طَرِيق ذِي الحليفة. قَوْله: (وَكَانَ) ، جملَة حَالية، ويروى: كَانَ، بِدُونِ: الْوَاو، وَهِي صفة للغزو، ويروى: من غَزْوَة، بالتأنيث. فَإِن قلت: على هَذَا مَا وَجه التَّذْكِير فِي: كَانَ؟ قلت: بِاعْتِبَار السّفر، وَيجوز أَن يرجع الضَّمِير فِيهِ إِلَى رَسُول الله وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لمَ مَا أخر لفظ: كَانَ، فِي تِلْكَ الطَّرِيق عَن الْحَج وَالْعمْرَة. قلت: لِأَنَّهُمَا لم يَكُونَا إِلَّا من تِلْكَ. قَوْله: (بالبطحاء) . قَالَ فِي (الْمُحكم) : بطحاء الْوَادي: تُرَاب لين مِمَّا جرته السُّيُول، وَالْجمع: بطحاوات وبطاح، فَإِن اتَّسع وَعرض فَهُوَ الأبطح، وَالْجمع: الأباطح. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الأبطح لَا ينْبت شَيْئا إِنَّمَا هُوَ بطن السَّيْل. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الأبطح والبطحاء: الرمل المنبسط على وَجه الأَرْض. وَفِي (الواعي) : الْبَطْحَاء: حَصى وَرمل ينْقل من مسيل المَاء، وَقَالَ نضر بن شُمَيْل: بطحاء الْوَادي وأبطحه: حصاؤه اللين، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَهِي حِجَارَة وَرمل وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْبَطْحَاء كل أَرض منحدرة. وَفِي (الْكِفَايَة) الأبطح والبطحاء منعطف الْوَادي. وَفِي (الْمُنْتَهى) الأبطح: مسيل وَاسع فِيهَا دقاق الْحَصَى، وَالْجمع: الأباطح. وَكَذَا الْبَطْحَاء. وَفِي (الصِّحَاح) : البطاح على غير قِيَاس، والبطيحة مثل الأبطح. قَوْله: (شَفير الْوَادي) بِفَتْح الشين الْحَرْف أَي: الطّرف. وَقَالَ ابْن سَيّده: شَفير الْوَادي وشفره ناحيته من أَعْلَاهُ. قَوْله: (الشرقية) ، صفة الْبَطْحَاء. قَوْله: (فعرس) ، بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: عرس المسافرون تعريساً: إِذا نزلُوا نزلة فِي وَجه السحر وأناخوا إبلهم فروحوها سَاعَة حَتَّى ترجع إِلَيْهَا أَنْفسهَا، وَعَن أبي زيد: عرس الْقَوْم تعريساً فِي الْمنزل: حَيْثُ نزلُوا بِأَيّ حِين كَانَ من ليل ونهار. وَفِي (الْمُحكم) : المعرس الَّذِي يسير نَهَاره ويعرس أَي ينزل أول اللَّيْل. وَفِي (الصِّحَاح) : أعرسوا، لُغَة فِيهِ قَليلَة، والموضع: معرس ومعرس، وَفِي (الغريبين) التَّعْرِيس: نومَة الْمُسَافِر بعد إدلاج اللَّيْل، وَفِي (المغيث) : عرس أَي: نزل للنوم والاستراحة، والتعريس النُّزُول لغير إِقَامَة. قَوْله: (ثمَّ) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْمِيم، أَي: هُنَاكَ. قَوْله: (حَتَّى يصبح) ، بِضَم الْيَاء: أَي يدْخل فِي الصَّباح وَهِي تَامَّة لَا تحْتَاج إِلَى الْخَبَر. قَوْله: (الأكمة) بِفَتْح الْهمزَة وَالْكَاف، قَالَ ابْن سَيّده: هِيَ التل من القف من حِجَارَة وَاحِدَة. وَقيل: هُوَ دون الْجبَال. وَقيل: هُوَ الْموضع الَّذِي قد اشْتَدَّ ارتفاعه مِمَّا حوله، وَهُوَ غليظ لَا يبلغ أَن يكون حجرا، وَالْجمع: أكم وأكم وأكمام وإكمام وأءكم كأفلس، الْأَخِيرَة عَن ابْن جني. وَفِي (الواعي) لأبي مُحَمَّد: الأكام، دون الضراب. وَفِي (الصَّحِيح) : وَالْجمع أكمات، وَجمع الأكم: آكام، مثل: عنق وأعناق. قَوْله: (خليج) . بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام. قَالَ فِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ شرم من الْبَحْر اختلج مِنْهُ، والخليج: النَّهر الْعَظِيم، وَالْجمع: خلجان، وَرُبمَا قيل للنهر الصَّغِير يختلج من النَّهر الْكَبِير: خليج. وَفِي (الْمُحكم) : الخليج مَا انْقَطع من مُعظم المَاء لِأَنَّهُ يختلج مِنْهُ. وَقد اختلج، وَقيل: الخليج شُعْبَة تتشعب من الْوَادي تغير بعض مَائه إِلَى مَكَان آخر، وَالْجمع خلج وخلجان، وَفِي كتاب ابْن التِّين: الخليج وَاد عميق ينشق من آخر أعظم مِنْهُ، وَفِي (كتاب الْأَمَاكِن) للزمخشري: نحيل خليج أحد جبال مَكَّة، شرفها ا. قَوْله: (يصلى عبد ا) ، أَي: عبد

стр. 1215

ابْن عمر. قَوْله: (كتب) بِضَم الْكَاف وَضم الثَّاء الْمُثَلَّثَة: جمع كثيب، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَهُوَ رمل اجْتمع، وكل مَا اجْتمع من شَيْء وانهار فقد انكثب فِيهِ، وَمِنْه اشتق: الْكَثِيب من الرمل، فِي معنى مكثوب لِأَنَّهُ انصب فِي مَكَان وَاجْتمعَ فِيهِ وَالْجمع: كُثْبَان، وَهِي تلال من رمل. وَفِي (الْمُحكم) : الْكَثِيب من الرمل الْقطعَة تبقى محدودبة. وَقيل: هُوَ مَا اجْتمع واحدودب، وَالْجمع: أكثبة وكثب. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: إِنَّمَا سمي كثيباً لِأَن ترابه دقاق كَأَنَّهُ مكثوب أَي منثور بعضه على بعض لرخاوته. قَوْله: (كَانَ رَسُول ا) ، هَذَا مُرْسل من نَافِع. قَوْله: (ثمَّ) ، بِفَتْح الثَّاء وَقد تَكَرَّرت هَذِه اللَّفْظَة. قَوْله: (فدحا) ، الْفَاء للْعَطْف: ودحا، من الدحو، وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَهُوَ: الْبسط، يُقَال: دحا يدحو ويدحي دحواً، قَالَه ابْن سَيّده. وَفِي (الغريبين) : كل شَيْء بسطته ووسعته فقد دحوته وَفِي الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَدخل، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَاللَّام ويروى: قد جَاءَ، بِكَلِمَة: قد، للتحقيق، وبكلمة: جَاءَ من الْمَجِيء. قَوْله: (وَأَن عبد ابْن عمر حَدثهُ) ، أَي: بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فِيهِ. قَوْله: (حَيْثُ الْمَسْجِد الصَّغِير) بِالْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وبالثاء الْمُثَلَّثَة، ويروى: (جنب) ، بِالْجِيم وَالنُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَالْمَسْجِد، مَرْفُوع على الرِّوَايَة الأولى لِأَن حَيْثُ، لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى الْجُمْلَة على الْأَصَح. فتقديره: حَيْثُ هُوَ الْمَسْجِد، وَنَحْوه، وعَلى الرِّوَايَة الثَّانِيَة: مجرور. قَوْله: (بشرف الروحاء) هِيَ: قَرْيَة جَامِعَة على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة وَهِي آخر السبالة للمتوجه إِلَى مَكَّة، وَالْمَسْجِد الْأَوْسَط فِي الْوَادي الْمَعْرُوف الْآن بوادي بني سَالم. قَوْله: (وَقد كَانَ عبد ايعلم) ، بِضَم الْيَاء من أعلم من الْعَلامَة وَفِي بعض النّسخ، يعلم، بِفَتْح الْيَاء من الْعلم. قَوْله: (على حافة الطَّرِيق) بتَخْفِيف: الْفَاء أَي على جَانب الطَّرِيق وحافتا الْوَادي: جانباه. قَوْله: (إِلَى الْعرق) ، بِكَسْر الْعين وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالقاف، أَي: عرق الظيبة. قَالَ الْكرْمَانِي: جبل صَغِير، وَيُقَال أَيْضا للْأَرْض الْملح الَّتِي لَا تنْبت، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ وَاد مَعْرُوف وَقَالَ ابْن فَارس تنْبت الطرفاء. وَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَحمَه ا: تنْبت الشَّجَرَة. وَقَالَ الْخَلِيل: الْعرق: الْجَبَل الدَّقِيق من الرمل المستطيل مَعَ الأَرْض قَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع. وَفِي (التَّهْذِيب) لأبي مَنْصُور: الْعرق هُوَ الْجَبَل الصَّغِير. قَوْله: (عِنْد منصرف الروحاء) ، بِفَتْح الرَّاء فِي: منصرف، أَي: عِنْد آخرهَا. قَوْله: (وَقد ابتني) ، بِضَم التَّاء المنثناة من فَوق على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي. قَوْله: (وورائه) بِالْجَرِّ عطف على: يسَاره، وَبِالنَّصبِ بِتَقْدِير: فِي، ظرفا. قَوْله: (وأمامة) أَي: قُدَّام الْمَسْجِد. قَوْله: (من آخر السحر) ، وَهُوَ عبارَة عَمَّا بَين الصُّبْح: الْكَاذِب والصادق، وَالْفرق بَين العبارتين أَعنِي قَوْله: (آخر السحر) ، هُوَ أَنه أَرَادَ بآخر السحر، أقل من سَاعَة. أَو أَرَادَ الْإِبْهَام ليتناول قدر السَّاعَة، وَأَقل وَأكْثر مِنْهُ. قَوْله: (سرحة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة، وَأَرَادَ بهَا: الشَّجَرَة الضخمة أَي: الْعَظِيمَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي (كتاب النَّبَات) إِن أَبَا زيد قَالَ: السَّرْح من العضاه، واحدته سرحة، والسرح طوال فِي السَّمَاء، وَقد تكون السرحة دوحة محلا لَا وَاسِعَة يحل تحتهَا النَّاس فِي الصَّيف ويبنون تحتهَا الْبيُوت، وَقد تكون مِنْهُ العشة القليلة الْفُرُوع وَالْوَرق، وللسرح عِنَب يُسمى: آآء، واحدته: آءة، يَأْكُلهُ النَّاس أَبيض، ويربون مِنْهُ الرب، وورقته صَغِيرَة عريضة تَأْكُله الْمَاشِيَة لَو تقدر عَلَيْهِ، وَلَكِن لَا تقدر لطوله وَلَا صمغ لَهُ وَلَا مَنْفَعَة فِيهِ أَكثر مِمَّا أَخْبَرتك، إلَاّ أَن ظله صَالح فَمن أجل ذَلِك قَالَ الشَّاعِر، عَنْهَا بِامْرَأَة: فيا سرحة الركْبَان ظلك بَارِد وماؤك عذب لَا يحل لشارب وَلَيْسَ للسرح شوك. وَقَالَ أَبُو عمر: والسرح يشبه الزَّيْتُون، وروى الْفراء عَن أبي الْهَيْثَم: أَن كل شَجَرَة لَا شوك فِيهَا فَهِيَ سرحة، يُقَال: ذهب إِلَى السَّرْح، وَهُوَ أسهل من كل شَيْء، وَأَخْبرنِي أَعْرَابِي قَالَ فِي السرحة غبرة، وَهِي دون الأثل فِي الطول، وورقها صغَار. وَهِي بسيطة الأفنان قَالَ: وَهِي مائلة النبتية أبدا وميلها من بَين جَمِيع الْأَشْجَار فِي شقّ الْيَمين، وَلم أبل على هَذَا الْأَعرَابِي كذبا، وَزعم بعض الروَاة: أَن السَّرْح من نَبَات القف. وَقَالَ غَيره: من نَبَات السهل، وَهُوَ قَول الْأَصْمَعِي. وَفِي (الْمُنْتَهى) : السَّرْح شجر عِظَام طوال. وَفِي (الْجَامِع) كل شَجَرَة طَالَتْ فَهِيَ سرحة. وَفِي (الْمطَالع) : قيل: هِيَ الدفلى، وَقَالَ أَبُو عَليّ: هُوَ نبت. وَقيل: لَهَا هدب وَلَيْسَ لَهَا ورق، وَهُوَ يشبه الصُّوف. قَوْله: (دون الرُّوَيْثَة) أَي: تحتهَا قريب مِنْهَا: والرويثة بِضَم الرَّاء وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة، على لفظ التصغير، قَالَ الْبكْرِيّ: وَهِي قَرْيَة جَامِعَة بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة سَبْعَة عشر فرسخاً، وَمن الرُّوَيْثَة إِلَى السقيا عشر فراسخ، وَعقبَة العرج على أحد عشر ميلًا من الرُّوَيْثَة، بَينهَا وَبَين العرج ثَلَاثَة أَمْيَال، وَهِي غير الرُّوَيْثَة مَاء لبني عجل بَين طَرِيق الْكُوفَة وَالْبَصْرَة، وَذكره ياقوت قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ الرقشة،

стр. 1216

بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْقَاف وإعجام الشين. قلت: لم يذكر الْبكْرِيّ إِلَّا الرقاش، وَقَالَ: هُوَ بلد. قَوْله: (ووجاه) ، بِضَم الْوَاو وَكسرهَا الْمُقَابل، وَهُوَ عطف على (الْيَمين) ، وَيجوز بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (بطح) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الطَّاء وسكونها: أَي وَاسع. قَوْله: (حَتَّى يُفْضِي) بِالْفَاءِ من الْإِفْضَاء بِمَعْنى الْخُرُوج يُقَال: أفضيت إِذا خرجت إِلَى الفضاء أَو بِمَعْنى الدّفع كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وفإذا أَفَضْتُم من عَرَفَات﴾ . أَو بِمَعْنى الْوُصُول. قلت: الضَّمِير فِي: يُفْضِي، يرجع إِلَى مَاذَا؟ قلت يرجع إِلَى الرَّسُول،، وَيجوز أَن يرجع إِلَى الْمَكَان. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي بعض النّسخ بِلَفْظ الْخطاب. قَوْله: (دوين) ، مصغر الدون، وَهُوَ نقيض: الفوق، وَيُقَال: هُوَ دون ذَاك. أَي: قريب مِنْهُ. والبريد هُوَ الْمُرَتّب وَاحِد بعد وَاحِد، وَالْمرَاد بِهِ مَوضِع الْبَرِيد، وَالْمعْنَى: بَينه وَبَين الْمَكَان الَّذِي ينزل فِيهِ الْبَرِيد بالرويثة ميلان، وَيُقَال: المُرَاد بالبريد سكَّة الطَّرِيق. قَوْله: (فانثنى) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة على صِيغَة الْمَعْلُوم من الْمَاضِي، وَمَعْنَاهُ: انعطف. قَوْله: (وَهِي قَائِمَة على سَاق) أَي: كالبنيان لَيست متسعة من أَسْفَل وضيقة من فَوق. قَوْله: (فِي طرف تلعة) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة وَسُكُون اللَّام وَفتح الْعين الْمُهْملَة: وَهِي أَرض مُرْتَفعَة عريضة يتَرَدَّد فِيهَا السَّيْل، والتعلة: مجْرى المَاء من أَعلَى الْوَادي، والتلعة مَا انهبط من الأَرْض. وَقيل: التلعة مثل الرحبة، وَالْجمع فِي كل ذَلِك: تلع وتلاع، وَعَن صَاحب (الْعين) : التلعة: أَرض مُرْتَفعَة غَلِيظَة، وَرُبمَا كَانَت على غلظها عريضة. وَفِي (الْجَامِع) : التلعة من الْوَادي مَا اتَّسع من فوهته. وَقيل: هِيَ مسيل من الأَرْض المرتفعة إِلَى بطن الْوَادي، فَإِن صغر عَن ذَلِك فَهِيَ: شُعْبَة، فَإِذا عظم فَكَانَ نصف الْوَادي فَهِيَ: الميثاء وَعَن الرماني: الأَصْل فِي التلعة الِارْتفَاع. قَوْله: (العرج) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء ثمَّ جِيم: قَرْيَة جَامِعَة على طَرِيق مَكَّة من الْمَدِينَة بَينهَا وَبَين الرُّوَيْثَة أَرْبَعَة عشر ميلًا. قَالَ الْبكْرِيّ: قَالَ السكونِي: الْمَسْجِد النَّبَوِيّ على خَمْسَة أَمْيَال متن العرج وَأَنت ذَاهِب إِلَى هضبة عِنْدهَا قبران أَو ثَلَاثَة عَلَيْهَا رضم حِجَارَة. قَالَ كثير: إِنَّمَا سمي العرج لتعريجه، وَبَين العرج إِلَى السقيا سَبْعَة عشر ميلًا. وَقَالَ ياقوت: العرج قَرْيَة جَامِعَة من نواحي الطَّائِف، وَالْعَرج: عقبَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة على جادة الطَّرِيق، تذكر مَعَ السقيا، وسوق العرج: بلد بَين المحالب والمهجم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: العرج وَاد بِالطَّائِف، وَالْعَرج أَيْضا: منزل بَين الْمَدِينَة وَمَكَّة، وَجَاء فِيهِ فتح الرَّاء أَيْضا. قَوْله: (إِلَى هضبة) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهِي الْجَبَل المنبسط على وَجه الأَرْض. وَقَالَ أَبُو زيد: الهضبة من الْجبَال مَا طَال واتسع وَانْفَرَدَ، وَهِي الهضبات والهضاب، وَعَن سِيبَوَيْهٍ: وَقد قَالُوا: هضبة وهضب. وَقَالَ صَاحب (الْعين) الهضبة كل جبل خلق من صَخْرَة وَاحِدَة، وكل صَخْرَة ضخمة صلبة راسية تسمى هضبة. وَفِي (الْجَامِع) : هِيَ الْقطعَة المرتفعة من أَعلَى الْجَبَل. وَفِي (الْمُجْمل) : هِيَ أكمة ملساء قَليلَة النَّبَات. وَفِي (الْمطَالع) : هِيَ فَوق الْكَثِيب فِي الِارْتفَاع وَدون الْجَبَل. قَوْله: (رضم حِجَارَة) ، الرضم هِيَ الْحِجَارَة الْبيض، والرضمة: الصَّخْرَة الْعَظِيمَة مثل الْجَزُور وَلَيْسَت بثابتة، وَالْجمع: رضم ورضام، ورضم الْحِجَارَة جعل بَعْضهَا على بعض، وكل بِنَاء بني بصخر رضيم، ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (الْجَامِع) : ومرضوم، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: رضم من حِجَارَة بتحريك الضَّاد. قَوْله: (عِنْد سلمات الطَّرِيق) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر اللَّام فِي رِوَايَة أبي ذرة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ، بِفَتْح اللَّام. قيل: هِيَ بِالْكَسْرِ: الصخرات، وبالفتح: الشجرات. وَقَالَ أَبُو زِيَاد. من الْعضَاة السّلم، وَهُوَ سليب العيدان طولا يشبه القضبان لَيْسَ لَهُ خشب وَإِن عظم، وَله شوك دقاق طوال حَار، إِذا أصَاب رجل الْإِنْسَان وكل شَيْء من السلمة مر يدبغ بِهِ، قَالَه أَبُو حنيفَة. وَقَالَ غَيره من الروَاة: السلمة أطيب الغضاه ريحًا، وبرمتها أطيب الْبرم ريحًا، وَهِي صفراء تُؤْكَل، وَقيل: لَيْسَ شَجَرَة أردى من سَلمَة، وَلم يُوجد فِي ذرى سَلمَة صرد قطّ، وَيجمع على: أسلام، وَأَرْض مسلوم: إِذا كَانَت كَثِيرَة السّلم. وَفِي (الْجَامِع) : يجمع أَيْضا على: سلامى. قَوْله: (بَين أُولَئِكَ السلمات) ، وَفِي بعض النّسخ من أُولَئِكَ السلمات، وَهِي فِي النُّسْخَة الأولى ظَاهر التَّعَلُّق بِمَا قبله، وَفِي الثَّانِيَة بِمَا بعده. قَوْله: (بالهاجرة) وَهِي: نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر. قَوْله: (فِي مسيل) ، بِفَتْح الْمِيم: وَهُوَ الْمَكَان المنحدر. قَوْله: (دون هرشى) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة مَقْصُور، على وزن: فعلى. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ جبل من بِلَاد تهَامَة، وَهُوَ على ملتقى طَرِيق الشَّام وَالْمَدينَة فِي أَرض مستوية هضبة ململمة لَا تنْبت شَيْئا، وَهِي قَرْيَة بَين الْمَدِينَة وَالشَّام قريبَة من الْجحْفَة. يرى مِنْهَا الْبَحْر وَيقرب مِنْهَا طفيل، بِفَتْح الطَّاء وَكسر الْفَاء وَهُوَ جبل أسود، على الطَّرِيق من

стр. 1217

ثنية هرشى ثَلَاث أَوديَة غزال وَذُو ذوران وكلية، وَكلهَا لخزاعة، وبأعلى كُلية ثَلَاثَة أجبل صغَار يُقَال لَهَا: سنابك، وغدير خم وَاد يصب فِي الْبَحْر، وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: هرشى ثنية قَرْيَة من الْجحْفَة وَفِي (أَسمَاء الْجبَال) للزمخشري: هرشى هضبة دون الْمَدِينَة. وَقَالَ الشريف: على هرشى نقب فِي حرَّة بَين الأخيمصمي وَبَين السقيا على طَرِيق الْمَدِينَة، ويليه جبال يُقَال لَهَا: طوال هرشى. وَفِي (المغيث) للمديني: قيل سميت هرشى لمهارشة كَانَت بَينهم، والتهريش الْإِفْسَاد بَين النَّاس. قَوْله: (من غلوة) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: الغلوة الْغَايَة مِقْدَار رمية. وَفِي (المغيث) لَا تكون الغلوة إِلَّا مَعَ تصعيد السهْم. وَقَالَ ابْن سَيّده: غلا بِالسَّهْمِ غلواً وغلواً وغالا بِهِ غلاءً وَرفع بِهِ يَده يُرِيد أقْصَى الْغَايَة، وَهُوَ من التجاوز. وَرجل غلاء: بعيد الغلو بِالسَّهْمِ، وغلا السهْم نَفسه: ارْتَفع فِي ذَهَابه، وَجَاوَزَ المدى، وَكَذَلِكَ الْحجر، وكل مرماة: غلوة. وَالْجمع غلواة وَغَلَاء، وَقد تسْتَعْمل الغلوة فِي سباق الْخَيل. قَالَت الْفُقَهَاء: الغلوة أَرْبَعمِائَة ذِرَاع. قَوْله: (مر الظهْرَان) زعم الْبكْرِيّ أَنه بِفَتْح أَوله وَتَشْديد ثَانِيه، مُضَاف إِلَى: الظهْرَان، بِظَاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة: بَين مر وَالْبَيْت سِتَّة عشر ميلًا. قلت: هُوَ الْوَادي الَّذِي تسميه الْعَامَّة بطن مر، وبسكون الرَّاء بعْدهَا وَاو، وَقَالَ كثير عزة سميت مرا لمرارة مَائِهَا. وَقَالَ أَبُو غَسَّان: سميت بذلك لِأَن فِي بطن الْوَادي بِئْرا ونخلة كبابة بعرق من الأَرْض أَبيض هجامر، إلَاّ أَن الْمِيم مَوْصُولَة بالراء، وببطن مر تخزعت خُزَاعَة من أخواتها فَبَقيت بِمَكَّة شرفها اتعالى، وسارت أخواتها إِلَى الشَّام أَيَّام سيل العرم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مر الظهْرَان بتهامة قريب من عَرَفَة. وَعَن صَاحب (الْعين) : الظهْرَان من قَوْلك: مر ظهْرهمْ، وَقَالَ الْفراء: لم أسمع إِلَّا بتثنيته لم يجمع وَلم يوحد. قَوْله: (قبل الْمَدِينَة) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: مقابلها وجهتها. قَوْله: (من الصفراوات) ، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء جمع صفراء، وَهِي الأودية أَو الْجبَال بعد مر الظهْرَان. قَوْله: (تنزل) بِلَفْظ الْخطاب ليُوَافق أَنْت. قَوْله: (بِذِي طوى) ، بِضَم الطَّاء فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: بِذِي الطوى، بِزِيَادَة الْألف وَاللَّام. وَقَيده الْأصيلِيّ بِالْكَسْرِ، وَحكى عِيَاض وَغَيره الْفَتْح أَيْضا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: ذُو طوى، بِالْفَتْح على الْأَفْصَح، وَيجوز ضمهَا وَكسرهَا، وبفتح الْوَاو المخففة. وَفِيه لُغَتَانِ: الصّرْف وَعَدَمه، عِنْد بَاب مَكَّة بأسفلها. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: ذُو طوى، بِالضَّمِّ مَوضِع بِمَكَّة وَأما طوى، فَهُوَ اسْم مَوضِع بِالشَّام تكسر طاؤه وتضم. قَوْله: (وَلَكِن أَسْفَل) بِالرَّفْع، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَبِالنَّصبِ أَي: فِي أَسْفَل. قَوْله: (فرضتي الْجَبَل) ، وَيُقَال أَيْضا لمدخل النَّهر وفرضة الْبِئْر ثلمته الَّتِي تسقى مِنْهَا وَفِي (الْمُحكم) فرضة النَّهر مشرب المَاء مِنْهُ وَالْجمع: فرض وفراض. قَوْله: (نَحْو الْكَعْبَة) ، أَي: ناحيتها، وَهُوَ مُتَعَلق بالطويل أَو ظرف للجبل أَو بدل من الفرضة. قَوْله: (فَجعل) الظَّاهِر أَنه من كَلَام نَافِع، وفاعله: عبد ا، ويسار مفعول ثَان. قَوْله: (بِطرف الأكمة) صفة لِلْمَسْجِدِ الثَّانِي. ذكر بَاقِي المتعلقات وَالْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: فِي ذكر الْمَسَاجِد الَّتِي بِالْمَدِينَةِ، وَفِي الْمَوَاضِع الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي. وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي (كتاب الْمَرَاسِيل) من حَدِيث ابْن لَهِيعَة: عَم بكير بن عبد االأشج قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعَة مَسَاجِد مَعَ مَسْجِد النَّبِي يسمع أَهله تأذين بِلَال، رَضِي اتعالى عَنهُ، فيصلون فِي مَسَاجِدهمْ أقربها مَسْجِد بني عَمْرو بن مبذول، وَمَسْجِد بني سَاعِدَة، وَمَسْجِد بني عبيد، وَمَسْجِد بني سَلمَة، وَمَسْجِد بني رَايِح بن عبد الْأَشْهَل، وَمَسْجِد بني زُرَيْق، وَمَسْجِد غفار، وَمَسْجِد أسلم، وَمَسْجِد جُهَيْنَة، وَشك فِي التَّاسِع. وَفِي كتاب (أَخْبَار الْمَدِينَة) لأبي زيد عَمْرو بن شبة النميري النَّحْوِيّ الأخباري، بِسَنَد لَهُ فِي ذكر الْمَسَاجِد الَّتِي بِالْمَدِينَةِ: عَن رَافع بن خديج: صلى النَّبِي، فِي الْمَسْجِد الصَّغِير الَّذِي بِأحد فِي شعب الجرار على يَمِينك اللازق بِالْجَبَلِ: وَعَن أسيد بن أبي أسيد عَن أشياخه أَن النَّبِي،، دَعَا على الْجَبَل الَّذِي عَلَيْهِ مَسْجِد الْفَتْح. وَصلى فِي الْمَسْجِد الصَّغِير الَّذِي بِأَصْل الْجَبَل حِين تصعد الْجَبَل: وَعَن عمَارَة ابْن أبي الْيُسْر: صلى النَّبِي فِي الْمَسْجِد الْأَسْفَل. وَعَن جَابر: دَعَا النَّبِي ﵊. فِي الْمَسْجِد الْمُرْتَفع وَرفع يَدَيْهِ مدا، وَعَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني خدارة، وَعَن عَمْرو بن قَتَادَة أَن النَّبِي ﵊، صلى لَهُم فِي مَسْجِد فِي بني أُميَّة من الْأَنْصَار، وَكَانَ فِي مَوضِع الخربتين اللَّتَيْنِ عِنْد مَال نهيك. وَعَن الْأَعْرَج أَن النَّبِي ﵊، صلى على ذُبَاب وَهُوَ: جبل بِالْمَدِينَةِ، بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وبالبائين الموحدتين،

стр. 1218

وَفِي لفظٍ كَانَ ضرب قُبَّته يَوْم الخَنْدَق عَلَيْهِ، وَعَن جَابر بن أُسَامَة قَالَ: خطّ النَّبِي، ﵊، مَسْجِد جُهَيْنَة لَيْلًا، وَفِي لفظٍ (وَصلى فِيهِ) ، وَعَن سعد بن إِسْحَاق: (إِن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني سَاعِدَة الْخَارِج من بيُوت الْمَدِينَة، وَفِي مَسْجِد بني بياضة وَفِي مَسْجِد بني الحبلى وَمَسْجِد بني عصية) . وَعَن الْعَبَّاس بن سهل أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني سَاعِدَة، وَعَن يحيى بن سعد: (كَانَ النَّبِي يخْتَلف إِلَى مَسْجِد أبي فَيصَلي فِيهِ غير مرّة أَو مرَّتَيْنِ، وَقَالَ: لَوْلَا أَن يمِيل النَّاس إِلَيْهِ لأكثرت الصَّلَاة فِيهِ) . وَعَن يحيى بن النضرة: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد أبي بن كَعْب فِي بني جديلة وَمَسْجِد بني عمر بن مبذول وَمَسْجِد بني دِينَار وَمَسْجِد النَّابِغَة وَمَسْجِد ابْن عدي، وَجلسَ فِي كَهْف سلع: وَعَن هِشَام بن عُرْوَة: (أَن النَّبِي، صلى فِي مَسْجِد بلحارث بن الْخَزْرَج وَمَسْجِد السخ وَمَسْجِد بني خطمة وَمَسْجِد الفضيح وَفِي صَدَقَة الزبير وَفِي بني محمم وَفِي بَيت صرمة فِي بني عدي) . وَعَن الْحَارِث بن سعيد: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني حَارِثَة وَبني ظفر وَبني عبد الْأَشْهَل) . وَعَن اسماعيل بن حَبِيبَة (إِن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد واقم) . وَعَن ابْن عمر: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد بني مُعَاوِيَة) . وَعَن كَعْب بن عجْرَة: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد عَاتِكَة فِي بني سَالم) . وَعَن جَابر: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد الخربة، وَمَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ وَمَسْجِد بني حزَام الَّذِي بالقاع) . وَعَن مُحَمَّد بن عتبَة بن أبي مَالك: (أَن النَّبِي، صلى فِي صدقته) . وَعَن يحيى بن إِبْرَاهِيم: (أَن النَّبِي، فِي مَسْجِد رَايِح) . وَعَن زيد بن سعد: (أَن النَّبِي صلى فِي حَائِط أبي الْهَيْثَم) . وَعَن جَابر: (أَن النَّبِي صلى الظّهْر يَوْم أحد على عينين) . وَعَن عَليّ بن رَافع: (أَن النَّبِي، صلى فِي بَيت امْرَأَة من الْخضر، فَأدْخل ذَلِك فِي الْبَيْت فِي مَسْجِد بني قُرَيْظَة) . وَعَن سَلمَة الخطمي: (أَن النَّبِي، صلى فِي بَيت المقعدة عِنْد مَسْجِد وَائِل فِي مَسْجِد العجوزة) . وَعَن أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي، عرض الْمُسلمين بالسقيا الَّتِي بِالْحرَّةِ مُتَوَجها إِلَى بدر وَصلى بهَا) . وَعَن الْمطلب: (أَن النَّبِي صلى فِي بني سَاعِدَة، وَصلى فِي الْمَسْجِد الَّذِي عِنْد السخين وَبَات فِيهِ وَهُوَ الَّذِي عِنْد (البَائِع)) . وَعَن هِشَام: (أَن النَّبِي صلى فِي مَسْجِد الشَّجَرَة بالمعرس) . وَعَن أبي هُرَيْرَة: (أَن النَّبِي، صلى فِي مَسْجِد الشَّجَرَة) . وَعَن ربيعَة بن عُثْمَان: (أَن النَّبِي صلى فِي بَيت إِلَى جنب مَسْجِد بني خدرة) . قَالَ أَبُو غَسَّان: قَالَ لي غير وَاحِد من أهل الْعلم: إِن كل مَسْجِد من مَسَاجِد الْمَدِينَة ونواحيها مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ المنقوشة الْمُطَابقَة فقد صلى فِيهِ النَّبِي، وَذكر أَن عمر بن عبد الْعَزِيز حِين بنى مَسْجِد النَّبِي سَأَلَ، وَالنَّاس يَوْمئِذٍ متوافرون، عَن الْمَسَاجِد الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي فِي دَار الشفا عَن يَمِين من دخل الدَّار، وَصلى فِي دَار بسرة بنت صَفْوَان، وَفِي دَار عَمْرو بن أُميَّة الضمرى. قلت: قد اندرس أَكثر هَذِه الْمَسَاجِد وَبَقِي من الْمَشْهُور الْآن مَسْجِد قبا، وَمَسْجِد بني قُرَيْظَة، ومشربة أم إِبْرَاهِيم وَهِي شمَالي مَسْجِد قُرَيْظَة، وَمَسْجِد بني ظفر، شَرْقي البقيع وَيعرف: بِمَسْجِد البغلة، وَمَسْجِد بني مُعَاوِيَة وَيعرف بِمَسْجِد الْإِجَابَة، وَمَسْجِد الْفَتْح قريب من جبل سلع، وَمَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ فِي بني سَلمَة. الْوَجْه الثَّانِي فِي بَيَان وَجه تتبع عبد ابْن عمر الْمَوَاضِع الَّتِي صلى فِيهَا رَسُول ا، وَهُوَ أَنه يسْتَحبّ التتبع لآثار النَّبِي والتبرك بهَا، وَلم يزل النَّاس يتبركون بمواضع الصَّالِحين. وَقد روى شُعْبَة عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن الْمَعْرُور بن سُوَيْد، قَالَ: كَانَ عمر بن الْخطاب، رَضِي اعنه، فِي سفر فصلى الْغَدَاة ثمَّ أَتَى على مَكَان فَجعل النَّاس يأتونه وَيَقُولُونَ: صلى فِيهِ النَّبِي. فَقَالَ عمر: إِنَّمَا هلك أهل الْكتاب، إِنَّهُم كَانُوا اتبعُوا آثَار أَنْبِيَائهمْ فاتخذوا كنائس وبيعاً، فَمن عرضت لَهُ الصَّلَاة فَليصل، وَإِلَّا فليمض. قَالُوا: أما مَا رُوِيَ عَن عمر، رَضِي اتعالى عَنهُ، أَنه ذكر ذَلِك فَلِأَنَّهُ خشِي أَن يلْتَزم النَّاس الصَّلَاة فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع، فيشكل ذَلِك على من يَأْتِي بعدهمْ، وَيرى ذَلِك وَاجِبا. وَكَذَا يَنْبَغِي للْعَالم إِذا رأى النَّاس يلبتزمون النَّوَافِل التزاماً شَدِيدا أَن يترخص فِيهَا فِي بعض المرات وَيَتْرُكهَا ليعلم بِفِعْلِهِ، ذَلِك أَنَّهَا غير وَاجِبَة، كَمَا فعل ابْن عَبَّاس فِي ترك الْأُضْحِية. الْوَجْه الثَّالِث: فِيمَا نقل عَن الْفُقَهَاء فِي ذَلِك، روى أَشهب عَن مَالك أَنه سُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي الْمَوَاضِع الَّتِي صلى فِيهَا الشَّارِع؟ فَقَالَ: مَا يُعجبنِي

стр. 1219

ذَلِك إِلَّا فِي مَسْجِد قبا لِأَنَّهُ،، كَانَ يَأْتِيهِ رَاكِبًا وماشياً وَلم يفعل ذَلِك فِي تِلْكَ الْأَمْكِنَة. وَقَالَ الْبَغَوِيّ: إِن الْمَسَاجِد الَّتِي ثَبت أَن رَسُول الله صلى فِيهَا لَو انذر أحد الصَّلَاة فِي شَيْء مِنْهَا تعين كَمَا تعين الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة. أبْوَابُ سُترَةِ المُصَلِّي ٠٩ (بابٌ سُتْرَةُ الإِمامِ سُتْرَةُ مَنْ خَلْفَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَون ستْرَة الإِمَام الَّذِي يُصَلِّي وَلَيْسَ بَين يَدَيْهِ جِدَار وَنَحْوه ستْرَة لمن كَانَ يُصَلِّي خَلفه من الْمُصَلِّين. والسترة، بِضَم السِّين: مَا يستر بِهِ، وَالْمرَاد هَهُنَا عكازة أَو عَصا أَو عنزة، وَنَحْو ذَلِك. وَفِي بعض النّسخ قبل قَوْله بَاب ستْرَة الإِمَام، أيواب ستْرَة الْمُصَلِّي. أَي: هَذِه أَبْوَاب فِي بَيَان أَحْكَام ستْرَة الْمُصَلِّي. وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الْأَبْوَاب والأبواب الَّتِي قبلهَا من حَيْثُ أَن الْأَبْوَاب السَّابِقَة فِي أَحْكَام الْمَسَاجِد بوجوهها، وَهَذِه الْأَبْوَاب فِي بَيَان أَحْكَام الْمُصَلِّين فِي غَيرهَا. وَهِي خَمْسَة أَبْوَاب متناسقة. ١٤٢ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه قَالَ أَقبلت رَاكِبًا على حمَار أتان وَأَنا يَوْمئِذٍ قد ناهزت الِاحْتِلَام وَرَسُول الله ﷺ َ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ بمنى إِلَى غير جِدَار فمررت بَين يَدي بعض الصَّفّ فَنزلت وَأرْسلت الأتان ترتع وَدخلت فِي الصَّفّ فَلم يُنكر ذَلِك عَليّ أحد) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة تستنبط من قَوْله إِلَى غير جِدَار لِأَن هَذَا اللَّفْظ مشْعر بِأَن ثمَّة ستْرَة لِأَن لفظ غير يَقع دَائِما صفة وَتَقْدِيره إِلَى شَيْء غير جِدَار وَهُوَ أَعم من أَن يكون عَصا أَو عنزة أَو نَحْو ذَلِك وَقَالَ بَعضهم فِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث نظر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنه ﷺ َ - صلى إِلَى ستْرَة وَقد بوب عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ بَاب من صلى إِلَى غير ستْرَة (قلت) دَلِيله لَا يساعد نظره لِأَنَّهُ لم يقف على دقة الْكَلَام وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا لم يقف على هَذِه النُّكْتَة وَالْبُخَارِيّ دقق نظره فأورد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب للْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ على أَن ذَلِك مَعْلُوم من حَال النَّبِي ﷺ َ - وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه بِهَذَا الْإِسْنَاد قد تقدم فِي كتاب الْعلم فِي بَاب مَتى يَصح سَماع الصَّغِير غير أَن هُنَاكَ شَيْخه إِسْمَاعِيل عَن مَالك وَهَهُنَا عبد الله بن يُوسُف عَنهُ وَهُنَاكَ حَدثنِي مَالك وَهَهُنَا أخبرنَا مَالك وَهُنَاكَ فَلم يُنكر ذَلِك على صِيغَة الْمَجْهُول مَعَ طي ذكر الْفَاعِل وَهَهُنَا على صِيغَة الْمَعْلُوم وَالْفَاعِل هُوَ قَوْله أحد وَقد ذكرنَا مبَاحث هَذَا الحَدِيث هُنَاكَ مستوفاة ١٤٣ - (حَدثنَا إِسْحَاق قَالَ حَدثنَا عبد الله بن نمير قَالَ حَدثنَا عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ إِذا خرج يَوْم الْعِيد أَمر بالحربة فتوضع بَين يَدَيْهِ فَيصَلي إِلَيْهَا وَالنَّاس وَرَاءه وَكَانَ يفعل فِي السّفر فَمن ثمَّ اتخذها الْأُمَرَاء) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة (فَإِن قلت) كَيفَ الظُّهُور والترجمة فِي أَن ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على ذَلِك (قلت) يدل على ذَلِك من وُجُوه ثَلَاثَة. الأول أَنه لم ينْقل وجود ستْرَة لأحد من الْمَأْمُومين وَلَو كَانَ ذَلِك لنقل لتوفر الدَّوَاعِي على نقل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَدلَّ ذَلِك على أَن سترته ﷺ َ - كَانَت ستْرَة لمن خَلفه. الثَّانِي أَن قَوْله " فَيصَلي إِلَيْهَا وَالنَّاس وَرَاءه " يدل على دُخُول النَّاس فِي الستْرَة لأَنهم تابعون للْإِمَام فِي جَمِيع مَا يَفْعَله. الثَّالِث أَن قَوْله وَرَاءه يدل على أَنهم كَانُوا وَرَاء الستْرَة أَيْضا إِذْ لَو كَانَت لَهُم ستْرَة لم يَكُونُوا وَرَاءه بل كَانُوا وَرَاءَهَا وَقد نقل القَاضِي عِيَاض الِاتِّفَاق على أَن الْمَأْمُومين يصلونَ إِلَى ستْرَة يَعْنِي بِهِ ستْرَة الإِمَام وَقَالَ وَلَكِن اخْتلفُوا هَل سترتهم ستْرَة الإِمَام أَو سترتهم الإِمَام نَفسه وَقَالَ بَعضهم فِيهِ نظر لما رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن الحكم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ الصَّحَابِيّ أَنه صلى بِأَصْحَابِهِ فِي سفر وَبَين يَدَيْهِ ستْرَة فمرت حمير بَين يَدي أَصْحَابه فَأَعَادَ بهم الصَّلَاة وَفِي رِوَايَة أَنه قَالَ لَهُم " إِنَّهَا

стр. 1220

لم تقطع صَلَاتي وَلَكِن قطعت صَلَاتكُمْ " (قلت) لَا يرد هَذَا على مَا نَقله عِيَاض من الِاتِّفَاق لاحْتِمَال أَنه لم يقف على قَوْله ﷺ َ - ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَذَا روى عَن ابْن عمر أخرجه عبد الرَّزَّاق مَوْقُوفا عَلَيْهِ على أَن الرِّوَايَة عَن الحكم مُخْتَلفَة وَمَعَ هَذَا لَا يُقَاوم مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل وَيظْهر أثر هَذَا الْخلاف الَّذِي نَقله عِيَاض فِيمَا لَو مر بَين يَدي الإِمَام أحد فعلى قَول من يَقُول أَن الإِمَام نَفسه ستْرَة لمن خَلفه تضر صلَاته وصلاتهم وعَلى قَول من يَقُول أَن ستْرَة الإِمَام ستْرَة من خَلفه تضر صلَاته وَلَا تضر صلَاتهم (قلت) ستْرَة الإِمَام ستْرَة مُطلقًا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور فَإِذا وجدت ستْرَة لَا تضر صَلَاة الإِمَام وَلَا صَلَاة الْمَأْمُوم. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول اسحق قَالَ أَبُو عَليّ الجياني لم أجد اسحق هَذَا مَنْسُوبا من الروَاة وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض النّسخ اسحق بن مَنْصُور (قلت) كَذَا جزم بِهِ أَبُو نعيم وَخلف. الثَّانِي عبد الله بن نمير بِضَم النُّون وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب أَبُو عُثْمَان الْقرشِي الْعَدوي الْمدنِي توفّي سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة. الرَّابِع نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس عبد الله بن عمر بن الْخطاب. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين كوفيين ومدنيين وَفِيه أَن شَيْخه الرَّاوِي عَن ابْن نمير غير مَنْسُوب (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال عَن عبد الله بن نمير. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَمر بالحربة " أَي خادمه بِأخذ الحربة وللبخاري فِي الْعِيدَيْنِ من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَن نَافِع " كَانَ يَغْدُو إِلَى الْمصلى والعنزة تحمل وتنصب بَين يَدَيْهِ فَيصَلي إِلَيْهَا " وَزَاد ابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة والإسماعيلي " وَذَلِكَ أَن الْمصلى كَانَ فضاء لَيْسَ فِيهِ شَيْء يستره " قَوْله " وَالنَّاس " بِالرَّفْع عطف على فَاعل يُصَلِّي ووراءه مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة قَوْله " ذَلِك " أَي الْأَمر بالحربة والوضع بَين يَدَيْهِ وَالصَّلَاة إِلَيْهَا لم يكن مُخْتَصًّا بِيَوْم الْعِيد قَوْله " فَمن ثمَّ " بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة أَي فَمن أجل ذَلِك اتخذ الحربة الْأُمَرَاء وَهُوَ الرمْح العريض النصل يخرج بهَا بَين أَيْديهم فِي الْعِيد وَنَحْوه وَهَذِه الْجُمْلَة أَعنِي قَوْله فَمن ثمَّ اتخذها الْأُمَرَاء من كَلَام نَافِع كَمَا أخرجه ابْن مَاجَه بِدُونِ هَذِه الْجُمْلَة فَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الصَّباح أخبرنَا عبد الله بن رَجَاء الْمَكِّيّ عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ " كَانَ النَّبِي ﷺ َ - يخرج لَهُ حَرْبَة فِي السّفر فينصبها فَيصَلي إِلَيْهَا " (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ الِاحْتِيَاط وَأخذ آلَة دفع الْأَعْدَاء سِيمَا فِي السّفر. وَفِيه جَوَاز الِاسْتِخْدَام وَأمر الْخَادِم. وَفِيه أَنه ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه وَادّعى بَعضهم فِيهِ الْإِجْمَاع نَقله ابْن بطال قَالَ الستْرَة عِنْد الْعلمَاء سنة مَنْدُوب إِلَيْهَا وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ ستْرَة الْمَأْمُوم ستْرَة إِمَامه فَلَا يضر الْمُرُور بَين يَدَيْهِ لِأَن الْمَأْمُوم تعلّقت صلَاته بِصَلَاة إِمَامه قَالَ وَلَا خلاف أَنه الستْرَة مَشْرُوعَة إِذا كَانَ فِي مَوضِع لَا يَأْمَن الْمُرُور بَين يَدَيْهِ وَفِي الْأَمْن قَولَانِ عِنْد مَالك وَعند الشَّافِعِي مَشْرُوعَة مُطلقًا لعُمُوم الْأَحَادِيث وَلِأَنَّهَا تصون الْبَصَر قَالَ فَإِن كَانَ فِي الفضاء فَهَل يُصَلِّي إِلَى غير ستْرَة أجَازه ابْن الْقَاسِم لحَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور وَقَالَ الْمطرف وَابْن الْمَاجشون لَا بُد من ستْرَة وَذكر عَن عُرْوَة وَعَطَاء وَسَالم وَالقَاسِم وَالشعْبِيّ وَالْحسن أَنهم كَانُوا يصلونَ فِي الفضاء إِلَى غير ستْرَة (قلت) قَالَ مُحَمَّد يسْتَحبّ لمن يُصَلِّي فِي الصَّحرَاء أَن يكون بَين يَدَيْهِ شَيْء مثل عَصا وَنَحْوهَا فَإِن لم يجد يسْتَتر بشجرة وَنَحْوهَا (فَإِن قلت) الحربة الْمَذْكُورَة هَل لَهَا حد فِي الطول وَمَا الْمُعْتَبر فِي طول الستْرَة (قلت) قَالَ أَصْحَابنَا مقدارها ذِرَاع فَصَاعِدا وَأخذُوا ذَلِك بِحَدِيث طَلْحَة بن عبيد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " إِذا جعلت بَين يَديك مثل مؤخرة الرحل فَلَا يَضرك من يمر بَين يَديك " رَوَاهُ مُسلم وَذكر شيخ الْإِسْلَام فِي مبسوطه من حَدِيث أبي جُحَيْفَة الْآتِي ذكره أَن مِقْدَار العنزة طول ذِرَاع فِي غلظ أصْبع وَيُؤَيّد هَذَا قَول ابْن مَسْعُود يجزىء من الستْرَة السهْم وَفِي الذَّخِيرَة طول السهْم ذِرَاع وَعرضه قدر أصْبع وَاخْتلف مَشَايِخنَا فِيمَا إِذا كَانَت الستْرَة أقل من ذِرَاع وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام لَو وضع قناة أَو جعبة بَين يَدَيْهِ وارتفع قدر ذِرَاع كَانَت ستْرَة بِلَا خلاف وَإِن كَانَت دونه فَفِيهِ خلاف وَفِي

стр. 1221

غَرِيب الرِّوَايَة النَّهر الْكَبِير لَيْسَ بسترة كالطريق وَكَذَا الْحَوْض الْكَبِير وَقَالَت الْمَالِكِيَّة تجوز القلنسوة الْعَالِيَة والوسادة بِخِلَاف السَّوْط وَجوز فِي الْعُتْبِيَّة الستْرَة بِالْحَيَوَانِ الطَّاهِر بِخِلَاف الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير وَجوز بِظهْر الرجل وَمنع بِوَجْهِهِ وَتردد فِي جنبه وَمنع بِالْمَرْأَةِ وَاخْتلفُوا فِي الْمَحَارِم وَلَا يسْتَتر بنائم وَلَا مَجْنُون ومأبون فِي دبره وَلَا كَافِر انْتهى. - ٥٩٤٤٤١ - ح دّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ عَوْنِ بنِ أبي جُحَيْفَةَ قَالَ سَمِعْتُ أبي أنَّ النبيَّ صَلى بِهِمْ بالبَطْحَاءِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنْزَةٌ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ والعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ تمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ المَرْأةُ وَالحِمَارُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث السَّابِق. ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: شُعْبَة بن حجاج. الثَّالِث: عون بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وبالنون. الرَّابِع: أَبوهُ أَبُو حنيفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء، مر فِي كتاب الْعلم واسْمه: وهب بن عبد االسوائي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة. ذكر لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْمُضَارع الْمُفْرد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن آدم. وَأخرجه مطولا ومختصراً فِي بَاب اسْتِعْمَال وضوء النَّاس، وَفِي ستر الْعَوْرَة، وَفِي الآذان، وَفِي صفة النَّبِي فِي موضِعين، وَفِي اللبَاس فِي موضِعين، وَأخرجه أَيْضا بعد بَابَيْنِ فِي بَاب الصَّلَاة إِلَى العنزة، وَفِي بَاب الستْرَة بِمَكَّة وَغَيرهَا. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة. وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُد والترمزي وَابْن ماجة، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي بَاب الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْأَحْمَر. ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: قَوْله: (بالبطحاء) أَي: بطحاء مَكَّة، وَيُقَال لَهَا: الأبطح أَيْضا. قَوْله: (وَبَين يَدَيْهِ عنزة) ، جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (الظّهْر) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: صلى. قَوْله: (رَكْعَتَيْنِ) نصب إِمَّا على أَنه حَال، وَإِمَّا على أَنه بدل من الظّهْر، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي قَوْله: (وَالْعصر رَكْعَتَيْنِ) . قَوْله: (تمر بَين الْمَرْأَة وَالْحمار) ، جملَة وَقعت حَالا، وَالْجُمْلَة الفعلية إِذا وَقعت حَالا وَكَانَ فعلهَا مضارعاً يجوز فِيهَا الْوَاو وَتركهَا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جعل الستْرَة بَين يَدَيْهِ إِذا كَانَ فِي الصَّحرَاء. وَفِيه: أَن مُرُور الْمَرْأَة وَالْحمار لَا يقطع الصَّلَاة، وَهُوَ قَول عَامَّة الْعلمَاء، وَرُوِيَ عَن أنس وَمَكْحُول وَأبي الْأَحْوَص وَالْحسن وَعِكْرِمَة: يقطع الصَّلَاة الْكَلْب وَالْحمار وَالْمَرْأَة. وَعَن ابْن عَبَّاس: يقطع الصَّلَاة الْكَلْب الْأسود وَالْمَرْأَة الْحَائِض. وَعَن عِكْرِمَة يقطع الصَّلَاة الْكَلْب وَالْحمار وَالْخِنْزِير وَالْمَرْأَة واليهودي وَالنَّصْرَانِيّ والمجوسي. وَعَن عَطاء: لَا يقطع الصَّلَاة إِلَّا الْكَلْب الْأسود وَالْمَرْأَة الْحَائِض. وَعَن أَحْمد، فِي الْمَشْهُور عَنهُ: يقطع الصَّلَاة مُرُور الْكَلْب الْأسود البهيم. وَفِي رِوَايَة: يقطعهَا أَيْضا الْحمار وَالْمَرْأَة وَالْكَلب البهيم الَّذِي لَا يخالط لَونه لون آخر. وَفِي (جَامع شمس الْأَئِمَّة) : تفْسد الصَّلَاة بمرور الْمَرْأَة بَين يَدَيْهِ. وَفِي (الْكَافِي) : عِنْد أهل الْعرَاق تفْسد بمرور الْكَلْب وَالْمَرْأَة وَالْحمار وَالْخِنْزِير. والْحَدِيث الْمَذْكُور حجَّة على من يَقُول بِقطع الصَّلَاة بمرور الْمَرْأَة وَالْحمار، وَالْحجّة على من يرى بِقطع الصَّلَاة بالأشياء الْمَذْكُورَة من هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه: عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء، وادرؤا مَا اسْتَطَعْتُم فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) . وَفِي الْبَاب عَن ابْن عمر وَأبي أُمَامَة وَأنس وَجَابِر، فَحَدِيث ابْن عمر عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) وَحَدِيث أبي أُمَامَة وَأنس أَيْضا عِنْده، وَحَدِيث جَابر عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) . قلت: أما حَدِيث الْخُدْرِيّ فَفِيهِ مقَال، وَأما حَدِيث ابْن عمر وَأبي أَمَانَة وَأنس، فَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لَا يَصح مِنْهَا شَيْء. وَأما حَدِيث جَابر فَفِيهِ عِيسَى بن مَيْمُون، قَالَ ابْن حبَان: لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ، ومستند الْمَذْكُورين مَا رَوَاهُ مُسلم: عَن عبد اابن الصَّامِت عَن أبي ذَر قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (تقطع صَلَاة الرجل إِذا لم يكن بَين يَدَيْهِ كأخرة الرحل الْمَرْأَة وَالْحمار وَالْكَلب الْأسود. قلت مَا بَال الْأسود من الْأَحْمَر؟ قَالَ: يَا أَبَا أخي، سَأَلت رَسُول الله كَمَا سأاتني فَقَالَ: الْكَلْب الْأسود شَيْطَان) . وَحجَّة الْعَامَّة مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: (كَانَ رَسُول الله يُصَلِّي وَأَنا مُعْتَرضَة بَين يَدَيْهِ كاعتراض الْجِنَازَة) . وَقد رُوِيَ هَذَا بِوُجُود مُخْتَلفَة، مِنْهَا مَا فِيهِ: وَأَنا حزاءه، وَأَنا حَائِض. وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَن اعْتِرَاض

стр. 1222

الْمَرْأَة خُصُوصا الْحَائِض بَين الْمُصَلِّي وَبَين الْقبْلَة لَا يقطع الصَّلَاة، فالمارة بطرِيق الأولى. وَبَوَّبَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) بَاب من قَالَ الْحمار لَا يقطع الصَّلَاة. وَبَوَّبَ أَيْضا بَاب من قَالَ الْكَلْب لَا يقطع الصَّلَاة، ثمَّ روى عَن الْفضل بن عَبَّاس قَالَ: (أَتَانَا رَسُول الله وَنحن فِي بادية وَمَعَهُ عَبَّاس، فصلى فِي صحراء لَيْسَ بَين يَدَيْهِ ستْرَة وحمارة، لنا وكلبة تعبثان بَين يَدَيْهِ، فَمَا بالى ذَلِك) . وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَتَأَول الْجُمْهُور الْقطع الْمَذْكُور فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة على قطع الْخُشُوع، جمعا بَين الْأَحَادِيث. فَإِن قلت: قلت: هَذَا جيد فِيمَا إِذا كَانَت الْأَحَادِيث الَّتِي رويت فِي هَذَا الْبَاب مستوية الْأَقْدَام، وَأما إِذا قُلْنَا: أَحَادِيث الْجُمْهُور أقوى وَأَصَح من أَحَادِيث من خالفهم فالأخذ بالأقوى أولى وَأقوى: فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْقصار: من قَالَ: إِن الْحمار يقطع الصَّلَاة؟ قَالَ: إِن مُرُور حمَار عبد اكان خلف الإِمَام بَين يَدي بعض الصَّفّ، وَالْإِمَام ستْرَة لمن خَلفه. قلت: رد هَذَا بِمَا رَوَاهُ الْبَزَّار أَن الْمُرُور كَانَ بَين يَدَيْهِ: فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث سعيد بن غَزوَان عَن أَبِيه أَنه نزل بتبوك وَهُوَ حَاج، فَإِذا بِرَجُل مقْعد فَسَأَلَهُ عَن أمره فَقَالَ: سأحدثك بِحَدِيث فَلَا تحدث بِهِ مَا سَمِعت، إِنِّي حَيّ: أَن رَسُول الله نزل بتبوك إِلَى نَخْلَة فَقَالَ: هَذِه قبلتنا، ثمَّ صلى إِلَيْهَا. فَأَقْبَلت وَأَنا غُلَام أسعى حَتَّى مَرَرْت بَينه وَبَينهَا فَقَالَ: قطع صَلَاتنَا قطع اأثره، فَمَا قُمْت عَلَيْهَا إِلَى يومي هَذَا. قلت: قَوْله: عَلَيْهَا، أَي: على رجْلي وَلَيْسَ بإضمار قبل الذّكر لوُجُود الْقَرِينَة. قلت: أَبُو دَاوُد سكت عَنهُ. وَقَالَ غير حَدِيث واهٍ، وَلَئِن سلمنَا صِحَّته فَهُوَ مَنْسُوخ بِحَدِيث ابْن عَبَّاس، لِأَن ذَلِك كَانَ بتبوك وَحَدِيثه كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع بعْدهَا. وَا أعلم. وَفِيه: جَوَاز قصر الصَّلَاة الرّبَاعِيّة، بل هُوَ أفضل من الْإِتْمَام، وَهل هُوَ رخصَة أَو عَزِيمَة؟ فِيهِ خلاف بَيْننَا وَبَين الشَّافِعِي على مَا يَأْتِي بَيَانه فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ اتعالى. ١٩ - (بابُ قَدْرِ كِمْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ المُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قدركم ذِرَاع يَنْبَغِي أَن يكون بَين الْمُصَلِّي والسترة؟ وَقد علم أَن لَفْظَة: كم، سَوَاء كَانَت إستفهامية أَو خبرية لَهَا صدر الْكَلَام، وَإِنَّمَا قدم لفظ: قدر، عَلَيْهَا لِأَن الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ فِي حكم كلمة وَاحِدَة. ومميز: كم، مَحْذُوف، لِأَن الْفِعْل لَا يَقع مُمَيّزا، وَالتَّقْدِير: كم زراع وَنَحْوه، كَمَا ذكرنَا: (وَالْمُصَلي) ، بِكَسْر اللَّام: اسْم فَاعل. قيل: يحْتَمل أَن يكون بِفَتْح اللَّام، أَي: الْمَكَان الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ. قلت: هَذَا احْتِمَال أَخذه قائلة من كَلَام الْكرْمَانِي حَيْثُ قَالَ: فَإِن قلت: الحَدِيث دلّ على الْقدر الَّذِي بَين الْمُصَلِّي بِفَتْح اللَّام والسترة، والترجمة بِكَسْر اللَّام؟ قلت: مَعْنَاهُمَا متلازمان. انْتهى. قلت: لَا يلْزم من تلازمهما عقلا اعْتِبَار الْمِقْدَار، لِأَن اعْتِبَار الْمِقْدَار بَين الْمُصَلِّي وَبَين الستْرَة لَا بَينهَا وَبَين الْمَكَان الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ. ١٤٥ - (حَدثنَا عَمْرو بن زُرَارَة قَالَ أخبرنَا عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم عَن أَبِيه عَن سهل قَالَ كَانَ بَين مصلى رَسُول الله ﷺ َ - وَبَين الْجِدَار ممر الشَّاة) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول عَمْرو بِالْوَاو بن زُرَارَة بِضَم الزَّاي ثمَّ بالراء قبل الْألف وَبعدهَا هَاء أَبُو مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ الثَّانِي عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم الثَّالِث أَبوهُ حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي اسْمه سَلمَة بن دِينَار وَقد تقدم فِي بَاب غسل الْمَرْأَة أَبَاهَا الرَّابِع سهل بن سعد السَّاعِدِيّ وَقد تقدم فِيهِ أَيْضا. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل وَفِيه عَن أَبِيه وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد والإسماعيلي أَخْبرنِي أبي وَفِيه سهل غير مَنْسُوب وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ عَن سهل بن سعد. (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يَعْقُوب الدَّوْرَقِي وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن النُّفَيْلِي والقعنبي (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " بَين مصلى " بِفَتْح اللَّام وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ وَالْمرَاد بِهِ مقَامه ﷺ َ - وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد قَالَ حَدثنَا القعْنبِي والنفيلي قَالَ حَدثنَا عبد الْعَزِيز هُوَ ابْن أبي حَازِم قَالَ أَخْبرنِي أبي عَن سهل قَالَ " كَانَ بَين مقَام النَّبِي ﷺ َ - وَبَين الْقبْلَة ممر العنز " وَقَالَ الْكرْمَانِي المُرَاد بالمصلى مَوضِع الْقدَم (قلت) يتَنَاوَل ذَلِك مَوضِع الْقدَم وَمَوْضِع السُّجُود أَيْضا قَوْله " ممر الشَّاة " وَهُوَ مَوضِع مرورها وَهُوَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر كَانَ وَالِاسْم قدر الْمسَافَة أَو الْمَمَر والسياق يدل عَلَيْهِ كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي ثمَّ قَالَ وَفِي بَعْضهَا بِالرَّفْع (قلت) وَجه الرّفْع أَن تكون كَانَ تَامَّة وَيكون ممر الشَّاة

стр. 1223

اسْمهَا وَلَا يحْتَاج إِلَى خبر أَو تكون نَاقِصَة وَالْخَبَر هُوَ الظّرْف وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد " ممر العنز " كَمَا ذَكرْنَاهُ والعنز هُوَ الماعز (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) قَالَ الْقُرْطُبِيّ إِن بعض الْمَشَايِخ حمل حَدِيث ممر الشَّاة على مَا إِذا كَانَ قَائِما وَحَدِيث بِلَال رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ َ - لما صلى فِي الْكَعْبَة جعل بَينه وَبَين الْقبْلَة قَرِيبا من ثَلَاث أَذْرع على مَا إِذا ركع أَو سجد قَالَ وَلم يحد مَالك فِي هَذَا حدا إِلَّا أَن ذَلِك بِقدر مَا يرْكَع فِيهِ وَيسْجد ويتمكن من دفع من يمر بَين يَدَيْهِ وَقَيده بعض النَّاس بشبر وَآخَرُونَ بِثَلَاثَة أَذْرع وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَهُوَ قَول عَطاء وَآخَرُونَ بِسِتَّة أَذْرع وَذكر السفاقسي قَالَ أَبُو اسحق رَأَيْت عبد الله بن مُغفل يُصَلِّي بَينه وَبَين الْقبْلَة سِتَّة أَذْرع وَفِي مُصَنف ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح نَحوه وَقد استقصينا الْكَلَام فِي الْبَاب السَّابِق ١٤٦ - (حَدثنَا الْمَكِّيّ قَالَ حَدثنَا يزِيد بن أبي عبيد عَن سَلمَة قَالَ كَانَ جِدَار الْمَسْجِد عِنْد الْمِنْبَر مَا كَادَت الشَّاة تجوزها) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ أَنه ﷺ َ - كَانَ يقوم بِجنب الْمِنْبَر لِأَنَّهُ لم يكن لمَسْجِد محراب فَتكون مَسَافَة مَا بَينه وَبَين الْجِدَار نَظِير مَا بَين الْمِنْبَر والجدار فَكَأَنَّهُ قَالَ الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون بَين الْمُصَلِّي وسترته قدر مَا كَانَ بَين منبره والجدار القبلي وَقيل غير ذَلِك تَرَكْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا طائل تَحْتَهُ. (ذكر رِجَاله) وهم ثَلَاثَة قد سبقوا بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي بَاب اسْم من كذب على النَّبِي ﷺ َ - وَسَلَمَة بِفَتْح اللَّام هُوَ ابْن الْأَكْوَع الصَّحَابِيّ وَهَذَا من ثلاثيات البُخَارِيّ ﵁. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحدي بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه أَن اسْم شيخ البُخَارِيّ على صُورَة النِّسْبَة إِلَى مَكَّة والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا وَهُوَ مَوْقُوف على سَلمَة وَلَكِن فِي الأَصْل مَرْفُوع يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق أبي عَاصِم عَن يزِيد بن أبي عبيد بِلَفْظ " كَانَ الْمِنْبَر على عهد رَسُول الله ﷺ َ - لَيْسَ بَينه وَبَين حَائِط الْقبْلَة إِلَّا قدر مَا يمر العنز ". (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " الْمَسْجِد " أَي مَسْجِد النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " عِنْد الْمِنْبَر " من تَتِمَّة اسْم كَانَ أَي الْجِدَار الَّذِي كَانَ عِنْد مِنْبَر رَسُول الله ﷺ َ - وَخبر كَانَ الْجُمْلَة أَعنِي قَوْله مَا كَادَت الشَّاة " تجوزها " وَيجوز أَن يكون الْخَبَر هُوَ قَوْله " عِنْد الْمِنْبَر " وَقَوله " مَا كَادَت الشَّاة " استئنافا تَقْدِيره إِذا كَانَ الْجِدَار عِنْد الْمِنْبَر فَمَا مِقْدَار الْمسَافَة بَينهمَا فَأجَاب مَا كَادَت الشَّاة تجوزها أَي مِقْدَار مَا كَادَت الشَّاة تجوز الْمسَافَة وَلَيْسَ بإضمار قبل الذّكر لِأَن سوق الْكَلَام يدل عَلَيْهِ ثمَّ اعْلَم أَن كَاد من أَفعَال المقاربة وَخَبره يكون فعلا مضارعا بِغَيْر أَن كَمَا فِي هَذِه الرِّوَايَة ويروى أَن تجوزها (فَإِن قلت) مَا وَجه دُخُول أَن (قلت) قد تدخل أَن على خبر كَاد كَمَا تحذف من خبر عَسى إِذْ هما أَخَوان يتعارضان (فَإِن قلت) إِذا دخل حرف النَّفْي على كَاد يكون النَّفْي كَمَا فِي سَائِر الْأَفْعَال فَمَا حكمه هَهُنَا (قلت) الْقَوَاعِد النحوية تَقْتَضِي النَّفْي والموافق هَهُنَا الْإِثْبَات للْحَدِيث الأول وَهَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله يدلان على أَن الْقرب من الستْرَة مَطْلُوب وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك لَيْسَ من الصَّوَاب أَن يُصَلِّي وَبَينه وَبَين الستْرَة صفان وروى ابْن الْمُنْذر عَن مَالك أَنه تبَاعد عَن سترته وَأَن شخصا قَالَ لَهُ أَيهَا الْمُصَلِّي أَلا تَدْنُو من سترتك فَمشى الإِمَام إِلَيْهَا وَهُوَ يَقُول ﴿وعلمك مَا لم تكن تعلم وَكَانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما﴾ - ٢٩ - (بابُ الصَلَاةِ إلَى الحَرْبَةِ) أَي: بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة إِلَى جِهَة الحربة المركوزة بَينه وَبَين الْقبْلَة، وَقد بَينا أَن الحربة وَهِي: دون الرمْح العريض النصل، وَقَالَ أهل السّير، كَانَت للنَّبِي حَرْبَة دون الرمْح يُقَال لَهَا العنزة، فَكَأَنَّهَا بالغلبة صَارَت علما لَهَا. ١٤٧ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن عبيد الله أَخْبرنِي نَافِع عَن عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يركز لَهُ الحربة فَيصَلي إِلَيْهَا)

стр. 1224

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة سَاق هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب السَّابِق وَذكره هَهُنَا مُخْتَصرا. وَيحيى هُوَ الْقطَّان وَعبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب قَوْله " يركز " من الركز بالزاي فِي آخِره وَهُوَ الغرز فِي الأَرْض - ٣٩ - (بابُ الصَّلَاةِ إِلَى العَنَزَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة إِلَى جِهَة العنزة المركوزة بَينه وَبَين الْقبْلَة، وَقد مر تَفْسِير العنزة. ٩٩٤٨٤١ - حدّثنا آدَمُ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدّثنا عَوْنُ بنُ أبي جُحَيْفَةَ قَالَ سَمِعْتُ أبي قَالَ خرَجَ عَلَيْنَا رسولُ ااِ بالهَاجِرَةِ فأُتَيَ بِوضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ والعَصْرَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنْزَةٌ وَالمَرْأةُ والحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِها. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد تقدم حَدِيث أبي جُحَيْفَة وهب بن عبد االسوائي فِي الْبَاب الَّذِي بَينه وَبَين هَذَا بَابَانِ، وَهُنَاكَ رَوَاهُ: عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة، وَهَهُنَا عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة. قَوْله: (بالهاجرة) وَهِي: اشتداد الْحر عِنْد الظهيرة. قَوْله: (فَأتي) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بِوضُوء) بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ: المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ. قَوْله: (وَبَين يَدَيْهِ عنزة) ، جملَة حَالية، قيل: فِيهِ تكْرَار، لِأَن العنزة هِيَ الحربة، ورد بِأَن الحربة غير العنزة لِأَن الحربة هِيَ الرمْح العريض النصل، ذكرنَا عَن قريب، والعنزة مثل نصف الرمْح. قَوْله: (يَمرونَ) كَانَ الْقيَاس فِي ذَلِك أَن يُقَال: يمران، بِلَفْظ التَّثْنِيَة، لِأَن الْمَذْكُور تَثْنِيَة، وَهِي: الْمَرْأَة، وَالْحمار، ووجهوا هَذَا بِوُجُوه، فَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ أَرَادَ الْجِنْس، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة: (النَّاس وَالدَّوَاب يَمرونَ) . قلت: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ الْجِنْس يُرَاد جنس الْمَرْأَة وجنس الْحمار فَيكون تَثْنِيَة، فَلَا يُطَابق الْكَلَام. فَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَالظَّاهِر أَن الَّذِي وَقع هُنَا من تصرف الروَاة، وَهَذَا أَيْضا لَيْسَ بِشَيْء لِأَن فِيهِ نسبتهم إِلَى ذكر مَا يُخَالف الْقَوَاعِد. وَقَالَ ابْن مَالك: أَرَادوا الْمَرْأَة وَالْحمار وراكبه فَحذف الرَّاكِب لدلَالَة الْحمار عَلَيْهِ، ثمَّ غلب عَلَيْهِ تذكير الرَّاكِب الْمَفْهُوم على تَأْنِيث الْمَرْأَة، وَذُو الْعقل على الْحمار، فَقَالَ: يَمرونَ. قلت: هَذَا فِيهِ تعسف وَبعد، وَقَالَ ابْن التِّين: فِيهِ إِطْلَاق اسْم الْجمع على التَّثْنِيَة، وَهَذَا أوجه من غَيره لِأَن مثل هَذَا وَقع فِي الْكَلَام الفصيح. قَوْله: (من وَرَائِهَا) . أَي: من وَرَاء العنزة. ٠٠٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ حامم بنِ بَزيعٍ قَالَ حدّثنا شَاذَانُ عنْ شُعْبَةَ عنْ عطاءِ بنِ أَبي مَيُمُونَةَ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِي إذَا خَرَجَ لحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أَنا وغلَامٌ ومَعَنَا عُكَّازَةٌ أوْ عَصاً أوْ عَنْزَةٌ وَمَعَنَا إدَاوَةٌ فإِذَا فَرَغٍ منْ حاجَتِهِ نَاو لْنَاهُ الإِدَاوَةَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة على مَا وجد فِي أَكثر النّسخ: (وعنزة) بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالنُّون وَالزَّاي، وَفِي بعض النّسخ: أَو غَيره، بالغين الْمُعْجَمَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف أَي: أَو غير كل وَاحِد من الْعَصَا والعكازة. فَإِن صَحَّ هَذَا فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُطَابق التَّرْجَمَة. فَإِن قلت: الضَّمِير فِي: غَيره، يرجع إِلَى مَاذَا؟ وَالْمَذْكُور شَيْئَانِ، وهما العكازة والعصا؟ . قلت: تَقْدِيره: أَو غير كل وَاحِد مِنْهُمَا، قَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَنه تَصْحِيف. قلت: كَيفَ يكون تصحيفاً وَهِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي؟ فَكَأَن هَذَا الْقَائِل ارْتكب هَذَا لِئَلَّا يُقَال: إِن هَذَا الحَدِيث لَا يُطَابق التَّرْجَمَة، وَهَذَا الحَدِيث قد مر فِي كتاب الْوضُوء فِي بَاب حمل العنزة مَعَ المَاء فِي الِاسْتِنْجَاء، وَلَكِن هُنَاكَ أخرجه عَن مُحَمَّد بن بشار بن جَعْفَر عَن شُعْبَة، وَهَهُنَا عَن مُحَمَّد بن حَاتِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن بزيع، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وبكسر الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالعين الْمُهْملَة: أَبُو سعيد، مَاتَ وبغداد فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وشاذان، بالشين الْمُعْجَمَة: تقدم فِي بَاب حمل العنزة فِي الاستتجاء. قَوْله: (تَبعته أَنا) ، وَإِنَّمَا أَتَى بضمير الْفَصْل ليَصِح الْعَطف، وَهَذَا على مَذْهَب الْبَصرِيين. والإداوة، بِكَسْر الْهمزَة. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ الاستنهجاء بِالْمَاءِ. هَذَا لَيْسَ بِصَرِيح، فَإِن قَوْله: (فَإِذا فرغ من حَاجته) يَشْمَل الاستجناء بِالْحجرِ

стр. 1225

وَنَحْوه، وَتَكون مناولة المَاء لأجل الْوضُوء. قَالَ. وَفِيه: خدمَة السُّلْطَان والعالم. قلت: حصره للإثنين لَا وَجه لَهُ، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: فِيهِ خدمَة الْكَبِير. ٤٩ - (بابُ السُّتْرَةِ بِمَكَّةَ وغَيْرِها) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب الستْرَة لدرء الْمَار، سَوَاء كَانَ بِمَكَّة أَو غير مَكَّة، وَإِنَّمَا قيد بِمَكَّة دفعا لتوهم من توهم أَن الستْرَة قبْلَة، وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون لمَكَّة قبْلَة إلَاّ الْكَعْبَة فَلَا يحْتَاج فِيهَا إِلَى ستْرَة، وكل من يُصَلِّي فِي مَكَان وَاسع فالمستحب لَهُ أَن يُصَلِّي إِلَى ستْرَة بِمَكَّة كَانَ أَو غَيرهَا، إلَاّ أَن يُصَلِّي بِمَسْجِد مَكَّة بِقرب الْكَعْبَة حَيْثُ لَا يُمكن لأحد الْمُرُور بَينه وَبَينهَا، فَلَا يحْتَاج إِلَى ستْرَة إِذْ قبْلَة مَكَّة ستْرَة لَهُ، فَإِن صلى فِي مُؤخر الْمَسْجِد بِحَيْثُ يُمكن الْمُرُور بَين يَدَيْهِ. أَو فِي سَائِر بقاع مَكَّة إِلَى غير جِدَار أَو شَجَرَة أَو مَا أشبههما، فَيَنْبَغِي أَن يَجْعَل أَمَامه مَا يستر من الْمُرُور بَين يَدَيْهِ، كَمَا فعل الشَّارِع حِين صلى بالبطحاء إِلَى عنزة والبطحاء خَارج مَكَّة. ٥٩ - (بابُ الصَّلَاةِ إلىَ الاسطُوَانَةِ .) أَي: هَذَا بَاب فِي اسْتِحْبَاب الصَّلَاة إِلَى جِهَة الإسطوانة إِذا كَانَ فِي مَوضِع فِيهِ أسطوانة، والأسطوانة، بِضَم الْهمزَة مَعْرُوفَة، وَالنُّون أَصْلِيَّة وَزنهَا: أفعوالة، مثل: أقحوانة، لِأَنَّهُ يُقَال: أساطين مسطنة. وَقَالَ الْأَخْفَش: وَزنهَا: فعلوانة، وَهَذَا يدل على زِيَادَة الْوَاو وَالْألف وَالنُّون، وَقَالَ قوم: وَزنهَا أففعلانة، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لما جمع على أساطين، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام: أفاعين، وَقَالَ بَعضهم: الْغَالِب أَن الأسطوانة تكون من بِنَاء بِخِلَاف العمود فَإِنَّهُ من حجر وَاحِد. قلت: قيد الْغَالِب لَا طائل تَحْتَهُ، وَلَا نسلم أَن العمود يكون من حجر وَاحِد لِأَنَّهُ رُبمَا يكون أَكثر من وَاحِد، وَيكون من خشب أَيْضا. وَقَالَ عَمرُ: المُصَلُّونَ أحَقُّ بِالسَّوَارِى من المتَحَدِّثِينَ إلَيْها مُطَابقَة هَذَا الْأَثر ظَاهِرَة، لِأَن السَّوَارِي هِيَ الأساطين، واسواري جمع سَارِيَة؛. قَالَ ابْن الْأَثِير: السارية الأسطوانة، وَذكر الْجَوْهَرِي فِي بَاب سرا، ثمَّ ذكر الْمَادَّة الواوية والمادة اليائية، وَالظَّاهِر أَن السارية من ذَوَات الْيَاء، وَهَذَا الَّذِي علقه البُخَارِيّ وَصله أَبُو بكر بن أبي شيبَة من طَرِيق هَمدَان يُرِيد عمر، رَضِي اتعالى عَنهُ، أَي رَسُوله إِلَى أهل الْيمن عَن عمر بِهِ، وهمدان بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْمِيم وبالدال الْمُهْملَة. قَوْله: (المصلون أَحَق) ، وَجه الأحقية أَن الْمُصَلِّين والمتحدثين مشتركان فِي الْحَاجة إِلَى السارية: المتحدثون إِلَى الإستناد، والمصلون لجعلها ستْرَة، لَكِن الْمُصَلِّين فِي عبَادَة فَكَانُوا أَحَق. قَوْله: (من المتحدثين) أَي: الْمُتَكَلِّمين. وَرَأى عُمَرُ رَجُلاً يُصَلِّي بَيْنَ أسْطُوَانَتَيْن فأدْنَاهُ إلَى سَارِيَةٍ فَقَالَ صلِّ إلَيْها.

стр. 1226

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأدناه إِلَى سَارِيَة) ، وَابْن عمر هُوَ عبد ا، وَلذَا وَقع بِإِثْبَات ابْن فِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي وَغَيرهمَا، وَعند الْبَعْض، رأى عمر، بِحَذْف: ابْن قَالَ بَعضهم: هُوَ أشبه بِالصَّوَابِ، فقد رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من طَرِيق مُعَاوِيَة ابْن قُرَّة بن إِيَاس الْمُزنِيّ عَن أَبِيه، وَله صُحْبَة قَالَ: (رَآنِي عمر وَأَنا اصلي. فَذكر مثله سَوَاء، وَلَكِن زَاد: فَأخذ بقفاي) . انْتهى. قلت: رِوَايَة الْأَكْثَرين أشبه بِالصَّوَابِ مَعَ احْتِمَال أَن يكون قضيتان: إِحْدَاهمَا مَعَ عمر، وَالْأُخْرَى مَعَ ابْنه، وَلَا مَانع لذَلِك. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَقد عرف بذلك الْمِيم الْمَذْكُور فِي التَّعَلُّق. قلت: هَذَا إِنَّمَا يكون إِذا تحقق اتِّحَاد الْقَضِيَّة. قَوْله: (فأدناه) أَي: قربَة، من: الإدناء، وَهُوَ التَّقْرِيب. وَادّعى ابْن التِّين أَن عمر إِنَّمَا كره لانْقِطَاع الصُّفُوف. وَقيل: أرادبذلك أَن تكون صلَاته إِلَى ستْرَة. ٢٠٥ - حدّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدّثنا يَز (يدُ بنُ أبي عُبَيْدٍ قَالَ كنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ ابنِ الأَكْوَع فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطِوَانَةِ الَّتِي عنْدَ المُصْحَفِ فَقِلْتُ يَا أبَا مُسْلِمٍ أرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عنْدَ هَذِهِ الاسْطُوانَلاِ قَالَ فإِنِّي رأيْتُ النبيَّ يَتَحَرَّى الصلَاةَ عِنْدَها. ١٣ - ٥٠ مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَيصَلي عِنْد الأسطوانة) ، وَقَوله: (يتحَرَّى الصَّلَاة عِنْدهَا) . ذكر رِجَاله وهم ثَلَاثَة: الأول: مكي بن إِبْرَاهِيم. الثَّانِي: يزِيد بن أبي عُبَيْدَة، مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع. الثَّالِث: سَلمَة بن الْأَكْوَع. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَنه من ثلاثيات البُخَارِيّ. ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أبي مُوسَى عَن مكي بِهِ، وَعَن اسحاق بن إِبْرَاهِيم، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن يَعْقُوب بن حميد. ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (الَّتِي عِنْد الْمُصحف) ، هَذَا يدل على أَنه كَانَ فِي مَسْجِد رَسُول الله مَوضِع خَاص للمصحف الَّذِي كَانَ ثمَّة من عهد عُثْمَان، وَوَقع عِنْد مُسلم بِلَفْظ: يُصَلِّي وَرَاء الصندوق) ، وَكَأَنَّهُ كَانَ للمصحف صندوق يوضع فِيهِ والأسطوانة الْمَذْكُورَة فِيهِ مَعْرُوفَة بأسطوانة الْمُهَاجِرين. قَوْله: (يابا مُسلم) أَصله: يَا أَبَا مُسلم، حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف، وَهُوَ كنيته سَلمَة بن الْأَكْوَع. قَوْله: (أَرَاك) أَي: أبصرك. قَوْله: (تتحرى) ، أَي تجتهد وتختار، وَقَالَ ابْن بطال: لما كَانَ رَسُول الله يسْتَتر بالعنزة فِي الصَّحرَاء كَانَت الإسطوانة أولى بذلك، لِأَنَّهَا أَشد ستْرَة مِنْهَا. قَوْله: (يتحَرَّى الصَّلَاة عِنْدهَا) ، أَي: عِنْد الأسطوانة أُمَامَة وَلَا نَكُون إِلَى جنبه لِئَلَّا يَتَخَلَّل الصُّفُوف شَيْء وَلَا يكون لَهُ ستْرَة. ٣٠٥٢٥١ - ح دّثنا قَبِيصَةُ قَالَ حدّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بنِ عامرٍ بن أنَسٍ قَالَ لقَدْ رَأيْتُ كِبَارَ أصْحَابِ النبيِّ يَبْتَدِرُونَ السَّوَاري عِنْدَ المَغْرِبِ. وَزَادَ شُعْبَةُ عنْ عَمْروٍ عنْ أنسٍ حَتَّى يَخْرُجَ النبيُّ. (الحَدِيث ٣٠٥ طرفه فِي: ٥١٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: قبيصَة بن عقبَة الْكُوفِي. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: عَمْرو، بِالْوَاو: وَابْن عَامر الْكُوفِي الْأنْصَارِيّ، وَلَيْسَ هُوَ: عَمْرو بن عَامر الْبَصْرِيّ، فَإِنَّهُ سلمى، وَلَا وَالِد أَسد فَإِنَّهُ بجلي. الرَّابِع: أنس بن مَالك. ذكر لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كوفيون مَا خلا أنس. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن قبيصَة وَعَن بنْدَار عَن غنْدر عَن شُعْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي عَامر عَن سُفْيَان عَنهُ، وَفِي نُسْخَة: عَن شُعْبَة، بدل: سُفْيَان. ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (لقد أدْركْت) ، هَذَا رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (لقد رَأَيْت) . قَوْله: (كبار أَصْحَاب مُحَمَّد) ، الْكِبَار: جمع كَبِير، وَالْأَصْحَاب: جمع صَاحب. قَوْله: (يبتدرون السَّوَارِي) ، يتسارعون إِلَيْهَا. قَوْله: (عِنْد الْمغرب) أَي: عِنْد آذان الْمغرب، وَصرح بذلك الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق ابْن مهْدي عَن سُفْيَان، وَلمُسلم من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس

стр. 1227

نَحوه. قَوْله: (وَزَاد شُعْبَة عَن عَمْرو) إِلَى آخِره تَعْلِيق، وَقد وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الآذان من طَرِيق غنْدر عَن عَمْرو بن عَامر الْأنْصَارِيّ، وَزَاد فِيهِ أَيْضا. (يصلونَ الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْمغرب) . قَوْله: (حَتَّى يخرج النَّبِي) ويروى: (حِين يخرج) وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي حكم الصَّلَاة قبل الْمغرب بعد الْغُرُوب فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ اتعالى. ٦٩ - (بابُ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فَي غَيْرِ جَمَاعَةٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة بَين السَّوَارِي أَي: الأساطين والأعمدة فِي غير جمَاعَة، يَعْنِي إِذا كَانَ مُنْفَردا لَا بَأْس فِي الصَّلَاة بَين الساريتين، إِذا لم يكن فِي جمَاعَة، وَقيد بِغَيْر جمَاعَة لِأَن لَك يقطع الصُّفُوف، وتسوية الصُّفُوف فِي الْجَمَاعَة مَطْلُوبَة. ٥٠٥٤٥١ - حدّثنا عَبْدُ ااِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ ااِ بنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ ااِ دَخَلَ الكَعْبَةَ وأُسامَةُ بنُ زَيْدٍ وبِلَالٌ وعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ فأغْلَقَها علَيْهِ ومَكَثَ فِيهَا فَسألْتُ بِلَالاً حِينَ خَرَجَ مَا صَنَعَ النبيُّ قَالَ جَعَلَ عَمُوداً عنْ يَسَارِهِ وَعَمُوداً عنْ يَمِينِهِ وثَلاثَةَ أعْمِدَةٍ ورَاءَهُ وكانَ البَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلى سِتَّةِ أعْمِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى. وَقَالَ لنَا إسْماعِيلُ حدّثني مَالك وَقَالَ عَمُودَيْنِ عنْ يَمِينِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَجعل عموداً) إِلَى آخِره. وَرِجَاله قد تكرروا. قَوْله: (وَأُسَامَة) بِالنّصب عطفا على: رَسُول ا، وَيجوز رَفعه عطفا على فَاعل دخل. قَوْله: (الحَجبي) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة ثمَّ بِالْجِيم وبالباء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة. قَوْله: (فأغلقها) ، أَي: أغلق عُثْمَان، الْكَعْبَة أَي: فَإِن قلت: فِي رِوَايَة مَالك إِشْكَال لِأَنَّهُ عموداً عَن يسَاره وعموداً عَن يَمِينه، وَهَذَانِ إثنان، ثمَّ قَالَ: وَثَلَاثَة أعمدة وَرَاءه، فَتكون الْجُمْلَة خَمْسَة، ثمَّ قَالَ: وَكَانَ الْبَيْت يَوْمئِذٍ على سِتَّة أعمدة. قلت: أجَاب الْكرْمَانِي عَنهُ بِأَن لفظ العمود جنس يحْتَمل الْوَاحِد الإثنتين فَهُوَ مُجمل بَينه مَالك فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَنهُ، وَهِي قَوْله: وَقَالَ لنا إِسْمَاعِيل: حَدثنِي مَالك؟ فَقَالَ: عمودين عَن يَمِينه، فَحِينَئِذٍ تكون الأعمدة سِتَّة. وَقَالَ خلف: لم أَجِدهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل. وَقد اخْتلف عَن مَالك فِي لَفظه فَرَوَاهُ مُسلم: (عمودين عَن يسَاره وعموداً عَن يَمِينه) ، عكس رِوَايَة

стр. 1228

إِسْمَاعِيل، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ (عموداً عَن يَمِينه وعموداً عَن يسَاره) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهُوَ الصَّحِيح، وَفِي رِوَايَة: (جعل عموداً عَن يَمِينه وعمودين عَن يسَاره) ، عكس مَا سبق. وَقد ذكر الدَّارَقُطْنِيّ الِاخْتِلَاف على مَالك فِيهِ، فَوَافَقَ الْجُمْهُور عبد ابْن يُوسُف فِي قَوْله: (عموداً عَن يَمِينه) ؛ وَوَافَقَ إِسْمَاعِيل فِي قَوْله: (عمودين عَن يَمِينه) ؛ ابْن الْقَاسِم والقعنبي وَأَبُو مُصعب وَمُحَمّد بن الْحسن وَأَبُو حذافة، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِي وَابْن مهْدي فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُم، وَأجَاب قوم عَنهُ بِاحْتِمَال تعدد الْوَاقِعَة، وروى عُثْمَان بن عمر عَن مَالك: (جعل عمودين عَن يَمِينه وعمودين عَن يسَاره) ، فعلى هَذَا تكون الأعمدة سَبْعَة، ويردها قَوْله: (وَكَأن الْبَيْت يَوْمئِذٍ على سِتَّة أعمدة) ، بعد قَوْله: (وَثَلَاثَة أعمدة وَرَاءه) وَعَن هَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يُتَابع عُثْمَان بن عمر على ذَلِك، وَأجَاب الْكرْمَانِي بجوابين آخَرين: الأول: هُوَ أَن الأعمدة الثَّلَاثَة الْمُقدمَة مَا كَانَت على سمت وَاحِد، بل عمودان مسامتان وَالثَّالِث على غير سمتها؛ وَلَفظ المقدمين فِي الحَدِيث السَّابِق يشْعر بِهِ، فتعرض للعمودين المسامتين وَسكت عَن ثَالِثهَا. وَالثَّانِي: أَن تكون الثَّلَاثَة على سمت وَاحِد، وَقَامَ رَسُول الله عِنْد الوسطاني. قَوْله: (وَقَالَ لنا إِسْمَاعِيل) وَهُوَ أبي أويس بن أُخْت مَالك بن أنس، وَهَذَا مَوْصُول بِوَاسِطَة قَوْله لنا، وَهِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي: وَقَالَ إِسْمَاعِيل، بِدُونِ لفظ: قَالَ لنا، أحط دَرَجَة من: حدّثنا. قَوْله: (حَدثنِي مَالك) ، يَعْنِي: بِهَذَا الحَدِيث. ٧٩ - (بابٌ) أَي: هَذَا بَاب، فَإِذا لم يقدر شَيْئا لَا يكون معرباً، لِأَن الْإِعْرَاب يكون بِالْعقدِ والتركيب، كَذَا وَقع لفظ: بَاب، بِلَا تَرْجَمَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَلَيْسَ لفظ بَاب فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وعَلى قَول الْأَكْثَرين: هُوَ كالفصل من الْبَاب الَّذِي قبله، وَإِنَّمَا فَصله لِأَن فِيهِ زِيَادَة، وَهِي مِقْدَار مَا كَانَ بَينه وَبَين الْجِدَار من الْمسَافَة. ٦٠٥٥٥١ - ح دّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدّثنا أبُو ضَمْرَةَ قَالَ حدّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ ااِ كانَ إذَا دَخَلَ الكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخلُ وجَعَلَ البَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ الذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيباً منْ ثَلَاثَةِ أذْرُعٍ صَلَّى يَتَوَخَّى المَكَانَ الَّذِي أخْبرهُ بِلالٌ أنَّ النبيَّ صَلَّى فيهِ قَالَ وَلَيْسَ علَى أحَدِنا بَأْسٌ أنْ صلى فِي أيِّ نَوَاحِي البَيْتِ شاءَ. . مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة بطرِيق الإستلزام، وَهُوَ أَن الْموضع الْمَذْكُور من كَونه مُقَابلا للباب قَرِيبا من الْجِدَار يسْتَلْزم كَون صلَاته بَين الساريتين. ذكر رِجَاله ومهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: أَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء: اسْمه أنس بن عِيَاض، مر فِي بَاب التبرز فِي الْبيُوت. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْمَدِينِيّ، مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد ابْن عمر. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. ذكر بِمَعْنَاهُ) : قَوْله: (قبل وَجهه) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: أَي مُقَابل وَجهه، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: (قبل وَجهه) الَّذِي بعده. قَوْله: (قَرِيبا) كَذَا وَقع بِالنّصب، ويروى بِالرَّفْع وَهُوَ الأَصْل لِأَنَّهُ اسْم: يكون، وَوجه النصب أَن يكون اسْمه محذوفاً وَالتَّقْدِير: يكون الْقدر أَو الْمَكَان قَرِيبا من ثَلَاثَة أَذْرع، وَلَفظه: (بِثَلَاثَة) بالتأنيث فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر من: ثَلَاث أَذْرع، بِلَا تَاء. فَإِن قلت: الذِّرَاع مُذَكّر فَمَا وَجهه ترك التَّأْنِيث. قلت: أجَاب بَعضهم أَن الذِّرَاع يذكر وَيُؤَنث، وَلَيْسَ كَذَلِك على الْإِطْلَاق بل الذِّرَاع الَّذِي يذرع بِهِ يذكر، وذراع الْيَد يذكر وَيُؤَنث، وَهَهُنَا شبه بِذِرَاع الْيَد. قَوْله: (صلى) ، جملَة استئنافية. قَوْله: (يتوخى) أَي: يتحَرَّى، يُقَال: توخيت مرضاتك. أَي: تحريت

стр. 1229

وقصدت. قَوْله: (قَالَ) أَي: ابْن عمر. قَوْله: (إِن صلى) ، بِكَسْر الْهمزَة، وَصلى بِلَفْظ الْمَاضِي، وَفِي رِوَايَة الكشمهني: (أَن يُصَلِّي) بِفَتْح الْهمزَة وَلَفظ الْمُضَارع، وَالتَّقْدِير: وَلَا بَأْس بِأَن يُصَلِّي، وَحذف حرف سَائِغ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة فِي نفس الْبَيْت. وَفِيه: الدنو من الستْرَة. وَقد أَمر الشَّارِع بالدنو مِنْهَا لِئَلَّا يَتَخَلَّل الشَّيْطَان ذَلِك. وَفِيه: الستْرَة بَين الْمُصَلِّي والقبلة ثَلَاثَة أَذْرع، وَادّعى ابْن بطال أَن الَّذِي واظب عَلَيْهِ الشَّارِع فِي مُقَدّر ذَلِك ممر الشَّاة، كَمَا جَاءَ فِي الْآثَار. وَفِيه: أَنه لَا يشْتَرط فِي صِحَة الصَّلَاة فِي الْبَيْت مُوَافقَة الْمَكَان الَّذِي صلى فِيهِ النَّبِي، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن عمر، وَلَكِن الْمُوَافقَة أولى وَإِن كَانَ يحصل الْغَرَض بِغَيْرِهِ، وَقد ذكرنَا أَن الحَدِيث لَا يدل صَرِيحًا على الصَّلَاة بَين الساريتين، وَإِنَّمَا دلَالَته على ذَلِك بطرِيق الاستلزام، وَقد بَيناهُ. وَقد اخْتلف السّلف فِي الصَّلَاة بَين السَّوَارِي، فكرهه أنس بن مَالك لوُرُود النَّهْي بذلك، رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: لَا تصفوا بَين الأساطين واتموا الصُّفُوف) . وَأَجَازَهُ الْحسن وَابْن سِيرِين، وَكَانَ سعيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وسُويد بن غَفلَة يؤمُّونَ قَومهمْ بَين الأساطين، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين وَقَالَ مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) لَا بَأْس باصلاة بَينهمَا لضيق الْمَسْجِد. وَقَالَ ابْن حبيب: لَيْسَ النَّهْي عَن تقطيع الصُّفُوف إِذْ ضَاقَ الْمَسْجِد، وَإِنَّمَا نهى عَنهُ إِذا كَانَ الْمَسْجِد وَاسِعًا. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَسبب الْكَرَاهَة بَين الأساطين أَنه رُوِيَ أَنه مصلى الْجِنّ الْمُؤمنِينَ. ٨٩ - (بابُ الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ والبَعَيرِ والشَّجَرِ والرَّحْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة بالتوجه إِلَى الرَّاحِلَة إِلَى آخِره، وَالرَّاحِلَة: النَّاقة الَّتِي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وَتَمام الْخلق وَحسن النّظر، فَإِذا كَانَت فِي جمَاعَة الْإِبِل عرفت، و: الْهَاء، فِيهِ للْمُبَالَغَة كَمَا يُقَال: رجل داهية وراوية. وَقيل: إِنَّمَا سميت: رَاحِلَة، لِأَنَّهَا ترحل. قَالَ اتعالى. ﴿فِي عيشة راضية﴾ (الحاقة: ١٢، وَالْقَارِعَة: ٧) أَي: مرضية، وَالْبَعِير من الْإِبِل بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان من النَّاس. وَيُقَال للجمل: بعير وللناقة: بعير، وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ: بعير وشعير بِكَسْر الْبَاء والشين، وَالْفَتْح هُوَ الفصيح، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ: بعير إِذا أجذع، وَالْجمع: أَبْعِرَة فِي أدنى الْعدَد، وأباعر فِي الْكثير، وأباعير وبعران، وَهَذِه عَن الْفراء. وَمعنى: بأجذع، إِذا دخل فِي السّنة الْخَامِسَة. فَإِن قلت: إِذا أطلق الْبَعِير على النَّاقة، وَالرَّاحِلَة هِيَ: النَّاقة، فَمَا فَائِدَة ذكر الْبَعِير؟ قلت: ذهب بَعضهم إِلَى أَن الرَّاحِلَة لَا تقع إلَاّ على الْأُنْثَى، وَلأَجل ذَلِك أردفه بالبعير، فَإِنَّهُ يَقع عَلَيْهِمَا. قَوْله: (وَالشَّجر) هُوَ الْمَعْرُوف، وَفِي حَدِيث عَليّ، رَضِي اعنه، قَالَ: (لقد رَأَيْتنَا يَوْم بدر وَمَا فِينَا إِنْسَان إلَاّ نَائِم إلَاّ رَسُول ا،، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى شَجَرَة يَدْعُو حَتَّى أصبح) . رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن. قَوْله: (والرحل) بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة: وَهُوَ للبعير أَصْغَر من القتب، وَهُوَ الَّذِي يركب عَلَيْهِ. وَهُوَ: الكور بِضَم الْكَاف. فَإِن قلت: حَدِيث الْبَاب لَا يدل إلَاّ على الصَّلَاة إِلَى الْبَعِير وَالشَّجر؟ قلت: كَأَنَّهُ وضع التَّرْجَمَة على أَنه يَأْتِي لكل جُزْء مِنْهَا بِحَدِيث، فَلم يجد على شَرطه إلَاّ حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ يدل على الصَّلَاة إِلَى الرَّاحِلَة والرحل، وَاكْتفى بِهِ عَن بَقِيَّة ذَلِك بِالْقِيَاسِ على الرَّاحِلَة، وَقد روى غَيره: فِي الصَّلَاة إِلَى الْبَعِير وَالشَّجر، أما الصَّلَاة إِلَى الْبَعِير فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة ووهب بن بَقِيَّة وَعبد ابْن سعيد، قَالَ عُثْمَان: أخبرنَا أَبُو خَالِد، قَالَ: أخبرنَا عبيد اعن نَافِع عَن ابْن عمر: (أَن النَّبِي كَانَ يُصَلِّي إِلَى بعيره) . وَأما الصَّلَاة إِلَى الشّجر فقد ذَكرْنَاهُ الْآن عَن النَّسَائِيّ. ٧٠٥٦٥١ - ح دّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ الْبَصْرِيُّ قَالَ حدّثنا مُعْتَمِرٌ عنْ عُبَيْدِ ااِ عَنْ نافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ أنَّهُ كانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إلَيْها قُلْتُ أفَرَأيْتَ إِذا هَبَّتِ الرِّكابُ قَالَ كَانَ يَأْخُذُ هذَا الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّي إِلَيّ آخِرَتِهِ أَو قَالَ مُؤَخِّرِهِ وكانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي ااُ عَنهُ يَفْعَلُهُ. (انْظُر الحَدِيث ٠٣٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي. قَوْله: (يعرض رَاحِلَته فَيصَلي إِلَيْهَا) . وَفِي قَوْله: (كَانَ يَأْخُذ الرحل) : إِلَى آخِره. وَأما ذكر الْبَعِير

стр. 1230

وَالشَّجر فِي التَّرْجَمَة فقد ذكرنَا وَجهه آنِفا. ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة تكَرر ذكرهم. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَلَفظه: (آخِرَة الرحل) ، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث أبي ذَر، وَأبي هُرَيْرَة وَأخرج النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة: (سُئِلَ رَسُول فِي غَزْوَة تَبُوك عَن ستْرَة الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ: مثل مؤخرة الرحل. ذكر مَعْنَاهُ) : قَوْله: (يعرض) ، بتَشْديد الرَّاء من التَّعْرِيض أَي: يَجْعَلهَا عرضا. قَوْله: (أَفَرَأَيْت؟) الْفَاء عاطفة على مُقَدّر بعد الْهمزَة أَي: أَرَأَيْت فِي تِلْكَ الْحَالة، فَرَأَيْت فِي هَذِه الْحَالة الْأُخْرَى، وَالْمعْنَى: أَخْبرنِي عَن هَذِه وَفِي بعض النّسخ: (أَرَأَيْت) بِدُونِ: الْفَاء. فَإِن قلت: من السَّائِل هُنَا وَمن المسؤول عَنهُ؟ قلت: الَّذِي يدل عَلَيْهِ الظَّاهِر أَنه كَلَام نَافِع، وَهُوَ السَّائِل. والمسؤول عَنهُ هُوَ ابْن عمر، وَلَكِن وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عُبَيْدَة بن حميد: عَن عبيد ابْن عمر أَنه كَلَام عبيد ا، والمسؤول نَافِع، فعلى هَذَا يكون هُوَ مُرْسلا، لِأَن فَاعل: يَأْخُذ، هُوَ النَّبِي وَلم يُدْرِكهُ نَافِع. قَوْله: (إِذا هبت الركاب) ، هبت بِمَعْنى: هَاجَتْ وتحركت، يُقَال: هَب الْفَحْل إِذا هاج، وهب العير فِي السّير إِذا نشط. وَقَالَ ابْن بطال: هبت أَي زَالَت عَن موضعهَا وتحركت. يُقَال: هَب النَّائِم من نَومه إِذا قَامَ، وَقَيده الْأصيلِيّ بِضَم الْهَاء، وَالْفَتْح أصوب، والركاب، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْكَاف: الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا وَالْوَاحد الرَّاحِلَة، وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَالْجمع الركب مثل الْكتب. قَوْله: (فيعدله) ، من التَّعْدِيل وَهُوَ تَقْوِيم الشَّيْء. يُقَال: عدلته فاعتدل أَي: قومته فاستقام، وَالْمعْنَى يقيمه تِلْقَاء وَجهه، لِأَن الْإِبِل إِذا هَاجَتْ شوشت على الْمُصَلِّي لعدم استقرارها، فَحِينَئِذٍ كَانَ النَّبِي،، يعدل عَنْهَا إِلَى الراحل فَيَجْعَلهُ ستْرَة. وَقد ضبط بَعضهم: فيعدله، بِفَتْح أَوله وَسُكُون الْعين وَكسر الدَّال، ثمَّ فسره بقوله: أَي يقيمه تِلْقَاء وَجهه، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ من بَاب: فعل، بِالتَّشْدِيدِ، لكنه يَأْتِي بِمَعْنى: فعل بِالتَّخْفِيفِ، كَمَا يُقَال: زلتحه وزيلته، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى: فرقته. قَوْله: (إِلَى آخرته) ، بِفَتْح الْهمزَة وَالْخَاء وَالرَّاء بِلَا مد أَي: فصلى إِلَى آخِرَة الرحل، وَيجوز الْمَدّ فِي الْهمزَة، وَلَكِن بِكَسْر الْخَاء، وَهِي الْخَشَبَة الَّتِي يسْتَند إِلَيْهَا الرَّاكِب. قَوْله: (أَو قَالَ مؤخرته) ، فِي ضَبطه وُجُوه: الأول: بِضَم الْمِيم وَكسر الْخَاء وهمزة سَاكِنة، قَالَه النَّوَوِيّ. وَالثَّانِي: بِفَتْح الْهمزَة وَفتح الْخَاء الْمُشَدّدَة. وَالثَّالِث: إسكان الْهمزَة وَتَخْفِيف الْهَاء، وَقَالَ أَبُو عبيد: يجوز كسر الْخَاء وَفتحهَا، وَأنكر ابْن قُتَيْبَة الْفَتْح، وَقَالَ ابْن مكي: لَا يُقَال مقدم ومؤخر بِالْكَسْرِ إلَاّ فِي العير خَاصَّة، وَأما فِي غَيرهَا فَلَا يُقَال: إِلَّا بِالْفَتْح فَقَط، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: مؤخرة الرحل لُغَة قَليلَة فِي أَخَّرته، وَقَالَ ابْن التِّين: روينَاهُ بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْخَاء وَفتحهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مؤخرة الرحل الْعود الَّذِي يكون فِي آخر الرحل بِضَم الْمِيم وَكسر الْخَاء. وَالرَّابِع روى بَعضهم بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْخَاء. قَوْله: (وَكَانَ ابْن عمر يَفْعَله) ، مقول: نَافِع، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: يَفْعَله، يرجع إِلَى كل وَاحِد من التَّعْرِيض وَالتَّعْدِيل اللَّذين يدل عَلَيْهِمَا، قَوْله: يعرض، وَقَوله: فيعدله، من قبيل قَوْله تَعَالَى: ﴿أعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ (الْمَائِدَة: ٨) أَي: الْعدْل أقرب للتقوى، فَافْهَم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: دَلِيل على جَوَاز الستْرَة بِمَا يثبت من الْحَيَوَان. قَالَ ابْن بطال: وَكَذَلِكَ تجوز الصَّلَاة إِلَى كل شَيْء طَاهِر. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على جَوَاز التستر بِالْحَيَوَانِ، وَلَا يُعَارضهُ النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي معاطن الْإِبِل لِأَن المعاطن مَوَاضِع إِقَامَتهَا عِنْد المَاء، وَكَرَاهَة الصَّلَاة حِينَئِذٍ عِنْدهَا إِمَّا لشدَّة نتنها، وَإِمَّا لأَنهم كَانُوا يتخلون بهَا مستترين بهَا. وَقيل: عِلّة النَّهْي فِي ذَلِك كَون الْإِبِل خلقت من الشَّيَاطِين، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْإِبِل. ٩٩ - (بابُ الصَّلَاةِ إِلَى السَّرِيرِ) أَي: بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة إِلَى السرير، وَمرَاده: على السرير، لِأَن لفظ الحَدِيث: (فيتوسط السرير فَيصَلي) ، فَهَذَا يدل على أَنه يُصَلِّي على السرير، على أَن فِي بعض النّسخ: بَاب الصَّلَاة على السرير، نبه عَلَيْهِ الْكرْمَانِي، وَقَالَ: حُرُوف الْجَرّ يُقَام بَعْضهَا مقَام الْبَعْض. فَإِن قلت: قَوْله: (فيتوسط السرير) ، يَشْمَل مَا إِذا كَانَ فَوْقه أَو أَسْفَل مِنْهُ. قلت: لَا نسلم ذَلِك لِأَن معنى قَوْله: (فيتوسط السرير) يَجْعَل نَفسه فِي وسط السرير. فَإِن قلت: ذكر البُخَارِيّ فِي الإستئذان حَدِيث الْأَعْمَش عَن مُسلم عَن مَسْرُوق عَن
следующие страницы →