← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأدناه إِلَى سَارِيَة) ، وَابْن عمر هُوَ عبد ا، وَلذَا وَقع بِإِثْبَات ابْن فِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي وَغَيرهمَا، وَعند الْبَعْض، رأى عمر، بِحَذْف: ابْن قَالَ بَعضهم: هُوَ أشبه بِالصَّوَابِ، فقد رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من طَرِيق مُعَاوِيَة ابْن قُرَّة بن إِيَاس الْمُزنِيّ عَن أَبِيه، وَله صُحْبَة قَالَ: (رَآنِي عمر وَأَنا اصلي. فَذكر مثله سَوَاء، وَلَكِن زَاد: فَأخذ بقفاي) . انْتهى. قلت: رِوَايَة الْأَكْثَرين أشبه بِالصَّوَابِ مَعَ احْتِمَال أَن يكون قضيتان: إِحْدَاهمَا مَعَ عمر، وَالْأُخْرَى مَعَ ابْنه، وَلَا مَانع لذَلِك. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَقد عرف بذلك الْمِيم الْمَذْكُور فِي التَّعَلُّق. قلت: هَذَا إِنَّمَا يكون إِذا تحقق اتِّحَاد الْقَضِيَّة. قَوْله: (فأدناه) أَي: قربَة، من: الإدناء، وَهُوَ التَّقْرِيب. وَادّعى ابْن التِّين أَن عمر إِنَّمَا كره لانْقِطَاع الصُّفُوف. وَقيل: أرادبذلك أَن تكون صلَاته إِلَى ستْرَة. ٢٠٥ - حدّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدّثنا يَز (يدُ بنُ أبي عُبَيْدٍ قَالَ كنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ ابنِ الأَكْوَع فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطِوَانَةِ الَّتِي عنْدَ المُصْحَفِ فَقِلْتُ يَا أبَا مُسْلِمٍ أرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عنْدَ هَذِهِ الاسْطُوانَلاِ قَالَ فإِنِّي رأيْتُ النبيَّ يَتَحَرَّى الصلَاةَ عِنْدَها. ١٣ - ٥٠ مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَيصَلي عِنْد الأسطوانة) ، وَقَوله: (يتحَرَّى الصَّلَاة عِنْدهَا) . ذكر رِجَاله وهم ثَلَاثَة: الأول: مكي بن إِبْرَاهِيم. الثَّانِي: يزِيد بن أبي عُبَيْدَة، مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع. الثَّالِث: سَلمَة بن الْأَكْوَع. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَنه من ثلاثيات البُخَارِيّ. ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن أبي مُوسَى عَن مكي بِهِ، وَعَن اسحاق بن إِبْرَاهِيم، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن يَعْقُوب بن حميد. ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (الَّتِي عِنْد الْمُصحف) ، هَذَا يدل على أَنه كَانَ فِي مَسْجِد رَسُول الله مَوضِع خَاص للمصحف الَّذِي كَانَ ثمَّة من عهد عُثْمَان، وَوَقع عِنْد مُسلم بِلَفْظ: يُصَلِّي وَرَاء الصندوق) ، وَكَأَنَّهُ كَانَ للمصحف صندوق يوضع فِيهِ والأسطوانة الْمَذْكُورَة فِيهِ مَعْرُوفَة بأسطوانة الْمُهَاجِرين. قَوْله: (يابا مُسلم) أَصله: يَا أَبَا مُسلم، حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف، وَهُوَ كنيته سَلمَة بن الْأَكْوَع. قَوْله: (أَرَاك) أَي: أبصرك. قَوْله: (تتحرى) ، أَي تجتهد وتختار، وَقَالَ ابْن بطال: لما كَانَ رَسُول الله يسْتَتر بالعنزة فِي الصَّحرَاء كَانَت الإسطوانة أولى بذلك، لِأَنَّهَا أَشد ستْرَة مِنْهَا. قَوْله: (يتحَرَّى الصَّلَاة عِنْدهَا) ، أَي: عِنْد الأسطوانة أُمَامَة وَلَا نَكُون إِلَى جنبه لِئَلَّا يَتَخَلَّل الصُّفُوف شَيْء وَلَا يكون لَهُ ستْرَة. ٣٠٥٢٥١ - ح دّثنا قَبِيصَةُ قَالَ حدّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بنِ عامرٍ بن أنَسٍ قَالَ لقَدْ رَأيْتُ كِبَارَ أصْحَابِ النبيِّ يَبْتَدِرُونَ السَّوَاري عِنْدَ المَغْرِبِ. وَزَادَ شُعْبَةُ عنْ عَمْروٍ عنْ أنسٍ حَتَّى يَخْرُجَ النبيُّ. (الحَدِيث ٣٠٥ طرفه فِي: ٥١٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: قبيصَة بن عقبَة الْكُوفِي. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: عَمْرو، بِالْوَاو: وَابْن عَامر الْكُوفِي الْأنْصَارِيّ، وَلَيْسَ هُوَ: عَمْرو بن عَامر الْبَصْرِيّ، فَإِنَّهُ سلمى، وَلَا وَالِد أَسد فَإِنَّهُ بجلي. الرَّابِع: أنس بن مَالك. ذكر لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كوفيون مَا خلا أنس. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن قبيصَة وَعَن بنْدَار عَن غنْدر عَن شُعْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي عَامر عَن سُفْيَان عَنهُ، وَفِي نُسْخَة: عَن شُعْبَة، بدل: سُفْيَان. ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (لقد أدْركْت) ، هَذَا رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (لقد رَأَيْت) . قَوْله: (كبار أَصْحَاب مُحَمَّد) ، الْكِبَار: جمع كَبِير، وَالْأَصْحَاب: جمع صَاحب. قَوْله: (يبتدرون السَّوَارِي) ، يتسارعون إِلَيْهَا. قَوْله: (عِنْد الْمغرب) أَي: عِنْد آذان الْمغرب، وَصرح بذلك الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق ابْن مهْدي عَن سُفْيَان، وَلمُسلم من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس

стр. 1227

نَحوه. قَوْله: (وَزَاد شُعْبَة عَن عَمْرو) إِلَى آخِره تَعْلِيق، وَقد وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الآذان من طَرِيق غنْدر عَن عَمْرو بن عَامر الْأنْصَارِيّ، وَزَاد فِيهِ أَيْضا. (يصلونَ الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْمغرب) . قَوْله: (حَتَّى يخرج النَّبِي) ويروى: (حِين يخرج) وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي حكم الصَّلَاة قبل الْمغرب بعد الْغُرُوب فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ اتعالى. ٦٩ - (بابُ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فَي غَيْرِ جَمَاعَةٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة بَين السَّوَارِي أَي: الأساطين والأعمدة فِي غير جمَاعَة، يَعْنِي إِذا كَانَ مُنْفَردا لَا بَأْس فِي الصَّلَاة بَين الساريتين، إِذا لم يكن فِي جمَاعَة، وَقيد بِغَيْر جمَاعَة لِأَن لَك يقطع الصُّفُوف، وتسوية الصُّفُوف فِي الْجَمَاعَة مَطْلُوبَة. ٥٠٥٤٥١ - حدّثنا عَبْدُ ااِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ ااِ بنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ ااِ دَخَلَ الكَعْبَةَ وأُسامَةُ بنُ زَيْدٍ وبِلَالٌ وعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ فأغْلَقَها علَيْهِ ومَكَثَ فِيهَا فَسألْتُ بِلَالاً حِينَ خَرَجَ مَا صَنَعَ النبيُّ قَالَ جَعَلَ عَمُوداً عنْ يَسَارِهِ وَعَمُوداً عنْ يَمِينِهِ وثَلاثَةَ أعْمِدَةٍ ورَاءَهُ وكانَ البَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلى سِتَّةِ أعْمِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى. وَقَالَ لنَا إسْماعِيلُ حدّثني مَالك وَقَالَ عَمُودَيْنِ عنْ يَمِينِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَجعل عموداً) إِلَى آخِره. وَرِجَاله قد تكرروا. قَوْله: (وَأُسَامَة) بِالنّصب عطفا على: رَسُول ا، وَيجوز رَفعه عطفا على فَاعل دخل. قَوْله: (الحَجبي) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة ثمَّ بِالْجِيم وبالباء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة. قَوْله: (فأغلقها) ، أَي: أغلق عُثْمَان، الْكَعْبَة أَي: فَإِن قلت: فِي رِوَايَة مَالك إِشْكَال لِأَنَّهُ عموداً عَن يسَاره وعموداً عَن يَمِينه، وَهَذَانِ إثنان، ثمَّ قَالَ: وَثَلَاثَة أعمدة وَرَاءه، فَتكون الْجُمْلَة خَمْسَة، ثمَّ قَالَ: وَكَانَ الْبَيْت يَوْمئِذٍ على سِتَّة أعمدة. قلت: أجَاب الْكرْمَانِي عَنهُ بِأَن لفظ العمود جنس يحْتَمل الْوَاحِد الإثنتين فَهُوَ مُجمل بَينه مَالك فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَنهُ، وَهِي قَوْله: وَقَالَ لنا إِسْمَاعِيل: حَدثنِي مَالك؟ فَقَالَ: عمودين عَن يَمِينه، فَحِينَئِذٍ تكون الأعمدة سِتَّة. وَقَالَ خلف: لم أَجِدهُ من حَدِيث إِسْمَاعِيل. وَقد اخْتلف عَن مَالك فِي لَفظه فَرَوَاهُ مُسلم: (عمودين عَن يسَاره وعموداً عَن يَمِينه) ، عكس رِوَايَة

стр. 1228

إِسْمَاعِيل، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ (عموداً عَن يَمِينه وعموداً عَن يسَاره) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهُوَ الصَّحِيح، وَفِي رِوَايَة: (جعل عموداً عَن يَمِينه وعمودين عَن يسَاره) ، عكس مَا سبق. وَقد ذكر الدَّارَقُطْنِيّ الِاخْتِلَاف على مَالك فِيهِ، فَوَافَقَ الْجُمْهُور عبد ابْن يُوسُف فِي قَوْله: (عموداً عَن يَمِينه) ؛ وَوَافَقَ إِسْمَاعِيل فِي قَوْله: (عمودين عَن يَمِينه) ؛ ابْن الْقَاسِم والقعنبي وَأَبُو مُصعب وَمُحَمّد بن الْحسن وَأَبُو حذافة، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِي وَابْن مهْدي فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُم، وَأجَاب قوم عَنهُ بِاحْتِمَال تعدد الْوَاقِعَة، وروى عُثْمَان بن عمر عَن مَالك: (جعل عمودين عَن يَمِينه وعمودين عَن يسَاره) ، فعلى هَذَا تكون الأعمدة سَبْعَة، ويردها قَوْله: (وَكَأن الْبَيْت يَوْمئِذٍ على سِتَّة أعمدة) ، بعد قَوْله: (وَثَلَاثَة أعمدة وَرَاءه) وَعَن هَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يُتَابع عُثْمَان بن عمر على ذَلِك، وَأجَاب الْكرْمَانِي بجوابين آخَرين: الأول: هُوَ أَن الأعمدة الثَّلَاثَة الْمُقدمَة مَا كَانَت على سمت وَاحِد، بل عمودان مسامتان وَالثَّالِث على غير سمتها؛ وَلَفظ المقدمين فِي الحَدِيث السَّابِق يشْعر بِهِ، فتعرض للعمودين المسامتين وَسكت عَن ثَالِثهَا. وَالثَّانِي: أَن تكون الثَّلَاثَة على سمت وَاحِد، وَقَامَ رَسُول الله عِنْد الوسطاني. قَوْله: (وَقَالَ لنا إِسْمَاعِيل) وَهُوَ أبي أويس بن أُخْت مَالك بن أنس، وَهَذَا مَوْصُول بِوَاسِطَة قَوْله لنا، وَهِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي: وَقَالَ إِسْمَاعِيل، بِدُونِ لفظ: قَالَ لنا، أحط دَرَجَة من: حدّثنا. قَوْله: (حَدثنِي مَالك) ، يَعْنِي: بِهَذَا الحَدِيث. ٧٩ - (بابٌ) أَي: هَذَا بَاب، فَإِذا لم يقدر شَيْئا لَا يكون معرباً، لِأَن الْإِعْرَاب يكون بِالْعقدِ والتركيب، كَذَا وَقع لفظ: بَاب، بِلَا تَرْجَمَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَلَيْسَ لفظ بَاب فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وعَلى قَول الْأَكْثَرين: هُوَ كالفصل من الْبَاب الَّذِي قبله، وَإِنَّمَا فَصله لِأَن فِيهِ زِيَادَة، وَهِي مِقْدَار مَا كَانَ بَينه وَبَين الْجِدَار من الْمسَافَة. ٦٠٥٥٥١ - ح دّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدّثنا أبُو ضَمْرَةَ قَالَ حدّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ ااِ كانَ إذَا دَخَلَ الكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخلُ وجَعَلَ البَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ الذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيباً منْ ثَلَاثَةِ أذْرُعٍ صَلَّى يَتَوَخَّى المَكَانَ الَّذِي أخْبرهُ بِلالٌ أنَّ النبيَّ صَلَّى فيهِ قَالَ وَلَيْسَ علَى أحَدِنا بَأْسٌ أنْ صلى فِي أيِّ نَوَاحِي البَيْتِ شاءَ. . مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة بطرِيق الإستلزام، وَهُوَ أَن الْموضع الْمَذْكُور من كَونه مُقَابلا للباب قَرِيبا من الْجِدَار يسْتَلْزم كَون صلَاته بَين الساريتين. ذكر رِجَاله ومهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: أَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء: اسْمه أنس بن عِيَاض، مر فِي بَاب التبرز فِي الْبيُوت. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْمَدِينِيّ، مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد ابْن عمر. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. ذكر بِمَعْنَاهُ) : قَوْله: (قبل وَجهه) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: أَي مُقَابل وَجهه، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: (قبل وَجهه) الَّذِي بعده. قَوْله: (قَرِيبا) كَذَا وَقع بِالنّصب، ويروى بِالرَّفْع وَهُوَ الأَصْل لِأَنَّهُ اسْم: يكون، وَوجه النصب أَن يكون اسْمه محذوفاً وَالتَّقْدِير: يكون الْقدر أَو الْمَكَان قَرِيبا من ثَلَاثَة أَذْرع، وَلَفظه: (بِثَلَاثَة) بالتأنيث فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر من: ثَلَاث أَذْرع، بِلَا تَاء. فَإِن قلت: الذِّرَاع مُذَكّر فَمَا وَجهه ترك التَّأْنِيث. قلت: أجَاب بَعضهم أَن الذِّرَاع يذكر وَيُؤَنث، وَلَيْسَ كَذَلِك على الْإِطْلَاق بل الذِّرَاع الَّذِي يذرع بِهِ يذكر، وذراع الْيَد يذكر وَيُؤَنث، وَهَهُنَا شبه بِذِرَاع الْيَد. قَوْله: (صلى) ، جملَة استئنافية. قَوْله: (يتوخى) أَي: يتحَرَّى، يُقَال: توخيت مرضاتك. أَي: تحريت

стр. 1229

وقصدت. قَوْله: (قَالَ) أَي: ابْن عمر. قَوْله: (إِن صلى) ، بِكَسْر الْهمزَة، وَصلى بِلَفْظ الْمَاضِي، وَفِي رِوَايَة الكشمهني: (أَن يُصَلِّي) بِفَتْح الْهمزَة وَلَفظ الْمُضَارع، وَالتَّقْدِير: وَلَا بَأْس بِأَن يُصَلِّي، وَحذف حرف سَائِغ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة فِي نفس الْبَيْت. وَفِيه: الدنو من الستْرَة. وَقد أَمر الشَّارِع بالدنو مِنْهَا لِئَلَّا يَتَخَلَّل الشَّيْطَان ذَلِك. وَفِيه: الستْرَة بَين الْمُصَلِّي والقبلة ثَلَاثَة أَذْرع، وَادّعى ابْن بطال أَن الَّذِي واظب عَلَيْهِ الشَّارِع فِي مُقَدّر ذَلِك ممر الشَّاة، كَمَا جَاءَ فِي الْآثَار. وَفِيه: أَنه لَا يشْتَرط فِي صِحَة الصَّلَاة فِي الْبَيْت مُوَافقَة الْمَكَان الَّذِي صلى فِيهِ النَّبِي، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن عمر، وَلَكِن الْمُوَافقَة أولى وَإِن كَانَ يحصل الْغَرَض بِغَيْرِهِ، وَقد ذكرنَا أَن الحَدِيث لَا يدل صَرِيحًا على الصَّلَاة بَين الساريتين، وَإِنَّمَا دلَالَته على ذَلِك بطرِيق الاستلزام، وَقد بَيناهُ. وَقد اخْتلف السّلف فِي الصَّلَاة بَين السَّوَارِي، فكرهه أنس بن مَالك لوُرُود النَّهْي بذلك، رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: لَا تصفوا بَين الأساطين واتموا الصُّفُوف) . وَأَجَازَهُ الْحسن وَابْن سِيرِين، وَكَانَ سعيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وسُويد بن غَفلَة يؤمُّونَ قَومهمْ بَين الأساطين، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين وَقَالَ مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) لَا بَأْس باصلاة بَينهمَا لضيق الْمَسْجِد. وَقَالَ ابْن حبيب: لَيْسَ النَّهْي عَن تقطيع الصُّفُوف إِذْ ضَاقَ الْمَسْجِد، وَإِنَّمَا نهى عَنهُ إِذا كَانَ الْمَسْجِد وَاسِعًا. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَسبب الْكَرَاهَة بَين الأساطين أَنه رُوِيَ أَنه مصلى الْجِنّ الْمُؤمنِينَ. ٨٩ - (بابُ الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ والبَعَيرِ والشَّجَرِ والرَّحْلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة بالتوجه إِلَى الرَّاحِلَة إِلَى آخِره، وَالرَّاحِلَة: النَّاقة الَّتِي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وَتَمام الْخلق وَحسن النّظر، فَإِذا كَانَت فِي جمَاعَة الْإِبِل عرفت، و: الْهَاء، فِيهِ للْمُبَالَغَة كَمَا يُقَال: رجل داهية وراوية. وَقيل: إِنَّمَا سميت: رَاحِلَة، لِأَنَّهَا ترحل. قَالَ اتعالى. ﴿فِي عيشة راضية﴾ (الحاقة: ١٢، وَالْقَارِعَة: ٧) أَي: مرضية، وَالْبَعِير من الْإِبِل بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان من النَّاس. وَيُقَال للجمل: بعير وللناقة: بعير، وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ: بعير وشعير بِكَسْر الْبَاء والشين، وَالْفَتْح هُوَ الفصيح، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ: بعير إِذا أجذع، وَالْجمع: أَبْعِرَة فِي أدنى الْعدَد، وأباعر فِي الْكثير، وأباعير وبعران، وَهَذِه عَن الْفراء. وَمعنى: بأجذع، إِذا دخل فِي السّنة الْخَامِسَة. فَإِن قلت: إِذا أطلق الْبَعِير على النَّاقة، وَالرَّاحِلَة هِيَ: النَّاقة، فَمَا فَائِدَة ذكر الْبَعِير؟ قلت: ذهب بَعضهم إِلَى أَن الرَّاحِلَة لَا تقع إلَاّ على الْأُنْثَى، وَلأَجل ذَلِك أردفه بالبعير، فَإِنَّهُ يَقع عَلَيْهِمَا. قَوْله: (وَالشَّجر) هُوَ الْمَعْرُوف، وَفِي حَدِيث عَليّ، رَضِي اعنه، قَالَ: (لقد رَأَيْتنَا يَوْم بدر وَمَا فِينَا إِنْسَان إلَاّ نَائِم إلَاّ رَسُول ا،، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى شَجَرَة يَدْعُو حَتَّى أصبح) . رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن. قَوْله: (والرحل) بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة: وَهُوَ للبعير أَصْغَر من القتب، وَهُوَ الَّذِي يركب عَلَيْهِ. وَهُوَ: الكور بِضَم الْكَاف. فَإِن قلت: حَدِيث الْبَاب لَا يدل إلَاّ على الصَّلَاة إِلَى الْبَعِير وَالشَّجر؟ قلت: كَأَنَّهُ وضع التَّرْجَمَة على أَنه يَأْتِي لكل جُزْء مِنْهَا بِحَدِيث، فَلم يجد على شَرطه إلَاّ حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ يدل على الصَّلَاة إِلَى الرَّاحِلَة والرحل، وَاكْتفى بِهِ عَن بَقِيَّة ذَلِك بِالْقِيَاسِ على الرَّاحِلَة، وَقد روى غَيره: فِي الصَّلَاة إِلَى الْبَعِير وَالشَّجر، أما الصَّلَاة إِلَى الْبَعِير فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة ووهب بن بَقِيَّة وَعبد ابْن سعيد، قَالَ عُثْمَان: أخبرنَا أَبُو خَالِد، قَالَ: أخبرنَا عبيد اعن نَافِع عَن ابْن عمر: (أَن النَّبِي كَانَ يُصَلِّي إِلَى بعيره) . وَأما الصَّلَاة إِلَى الشّجر فقد ذَكرْنَاهُ الْآن عَن النَّسَائِيّ. ٧٠٥٦٥١ - ح دّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ الْبَصْرِيُّ قَالَ حدّثنا مُعْتَمِرٌ عنْ عُبَيْدِ ااِ عَنْ نافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ أنَّهُ كانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إلَيْها قُلْتُ أفَرَأيْتَ إِذا هَبَّتِ الرِّكابُ قَالَ كَانَ يَأْخُذُ هذَا الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّي إِلَيّ آخِرَتِهِ أَو قَالَ مُؤَخِّرِهِ وكانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي ااُ عَنهُ يَفْعَلُهُ. (انْظُر الحَدِيث ٠٣٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي. قَوْله: (يعرض رَاحِلَته فَيصَلي إِلَيْهَا) . وَفِي قَوْله: (كَانَ يَأْخُذ الرحل) : إِلَى آخِره. وَأما ذكر الْبَعِير

стр. 1230

وَالشَّجر فِي التَّرْجَمَة فقد ذكرنَا وَجهه آنِفا. ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة تكَرر ذكرهم. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَلَفظه: (آخِرَة الرحل) ، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث أبي ذَر، وَأبي هُرَيْرَة وَأخرج النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة: (سُئِلَ رَسُول فِي غَزْوَة تَبُوك عَن ستْرَة الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ: مثل مؤخرة الرحل. ذكر مَعْنَاهُ) : قَوْله: (يعرض) ، بتَشْديد الرَّاء من التَّعْرِيض أَي: يَجْعَلهَا عرضا. قَوْله: (أَفَرَأَيْت؟) الْفَاء عاطفة على مُقَدّر بعد الْهمزَة أَي: أَرَأَيْت فِي تِلْكَ الْحَالة، فَرَأَيْت فِي هَذِه الْحَالة الْأُخْرَى، وَالْمعْنَى: أَخْبرنِي عَن هَذِه وَفِي بعض النّسخ: (أَرَأَيْت) بِدُونِ: الْفَاء. فَإِن قلت: من السَّائِل هُنَا وَمن المسؤول عَنهُ؟ قلت: الَّذِي يدل عَلَيْهِ الظَّاهِر أَنه كَلَام نَافِع، وَهُوَ السَّائِل. والمسؤول عَنهُ هُوَ ابْن عمر، وَلَكِن وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عُبَيْدَة بن حميد: عَن عبيد ابْن عمر أَنه كَلَام عبيد ا، والمسؤول نَافِع، فعلى هَذَا يكون هُوَ مُرْسلا، لِأَن فَاعل: يَأْخُذ، هُوَ النَّبِي وَلم يُدْرِكهُ نَافِع. قَوْله: (إِذا هبت الركاب) ، هبت بِمَعْنى: هَاجَتْ وتحركت، يُقَال: هَب الْفَحْل إِذا هاج، وهب العير فِي السّير إِذا نشط. وَقَالَ ابْن بطال: هبت أَي زَالَت عَن موضعهَا وتحركت. يُقَال: هَب النَّائِم من نَومه إِذا قَامَ، وَقَيده الْأصيلِيّ بِضَم الْهَاء، وَالْفَتْح أصوب، والركاب، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْكَاف: الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا وَالْوَاحد الرَّاحِلَة، وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَالْجمع الركب مثل الْكتب. قَوْله: (فيعدله) ، من التَّعْدِيل وَهُوَ تَقْوِيم الشَّيْء. يُقَال: عدلته فاعتدل أَي: قومته فاستقام، وَالْمعْنَى يقيمه تِلْقَاء وَجهه، لِأَن الْإِبِل إِذا هَاجَتْ شوشت على الْمُصَلِّي لعدم استقرارها، فَحِينَئِذٍ كَانَ النَّبِي،، يعدل عَنْهَا إِلَى الراحل فَيَجْعَلهُ ستْرَة. وَقد ضبط بَعضهم: فيعدله، بِفَتْح أَوله وَسُكُون الْعين وَكسر الدَّال، ثمَّ فسره بقوله: أَي يقيمه تِلْقَاء وَجهه، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ من بَاب: فعل، بِالتَّشْدِيدِ، لكنه يَأْتِي بِمَعْنى: فعل بِالتَّخْفِيفِ، كَمَا يُقَال: زلتحه وزيلته، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى: فرقته. قَوْله: (إِلَى آخرته) ، بِفَتْح الْهمزَة وَالْخَاء وَالرَّاء بِلَا مد أَي: فصلى إِلَى آخِرَة الرحل، وَيجوز الْمَدّ فِي الْهمزَة، وَلَكِن بِكَسْر الْخَاء، وَهِي الْخَشَبَة الَّتِي يسْتَند إِلَيْهَا الرَّاكِب. قَوْله: (أَو قَالَ مؤخرته) ، فِي ضَبطه وُجُوه: الأول: بِضَم الْمِيم وَكسر الْخَاء وهمزة سَاكِنة، قَالَه النَّوَوِيّ. وَالثَّانِي: بِفَتْح الْهمزَة وَفتح الْخَاء الْمُشَدّدَة. وَالثَّالِث: إسكان الْهمزَة وَتَخْفِيف الْهَاء، وَقَالَ أَبُو عبيد: يجوز كسر الْخَاء وَفتحهَا، وَأنكر ابْن قُتَيْبَة الْفَتْح، وَقَالَ ابْن مكي: لَا يُقَال مقدم ومؤخر بِالْكَسْرِ إلَاّ فِي العير خَاصَّة، وَأما فِي غَيرهَا فَلَا يُقَال: إِلَّا بِالْفَتْح فَقَط، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: مؤخرة الرحل لُغَة قَليلَة فِي أَخَّرته، وَقَالَ ابْن التِّين: روينَاهُ بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْخَاء وَفتحهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مؤخرة الرحل الْعود الَّذِي يكون فِي آخر الرحل بِضَم الْمِيم وَكسر الْخَاء. وَالرَّابِع روى بَعضهم بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْخَاء. قَوْله: (وَكَانَ ابْن عمر يَفْعَله) ، مقول: نَافِع، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: يَفْعَله، يرجع إِلَى كل وَاحِد من التَّعْرِيض وَالتَّعْدِيل اللَّذين يدل عَلَيْهِمَا، قَوْله: يعرض، وَقَوله: فيعدله، من قبيل قَوْله تَعَالَى: ﴿أعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ (الْمَائِدَة: ٨) أَي: الْعدْل أقرب للتقوى، فَافْهَم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: دَلِيل على جَوَاز الستْرَة بِمَا يثبت من الْحَيَوَان. قَالَ ابْن بطال: وَكَذَلِكَ تجوز الصَّلَاة إِلَى كل شَيْء طَاهِر. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على جَوَاز التستر بِالْحَيَوَانِ، وَلَا يُعَارضهُ النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي معاطن الْإِبِل لِأَن المعاطن مَوَاضِع إِقَامَتهَا عِنْد المَاء، وَكَرَاهَة الصَّلَاة حِينَئِذٍ عِنْدهَا إِمَّا لشدَّة نتنها، وَإِمَّا لأَنهم كَانُوا يتخلون بهَا مستترين بهَا. وَقيل: عِلّة النَّهْي فِي ذَلِك كَون الْإِبِل خلقت من الشَّيَاطِين، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْإِبِل. ٩٩ - (بابُ الصَّلَاةِ إِلَى السَّرِيرِ) أَي: بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة إِلَى السرير، وَمرَاده: على السرير، لِأَن لفظ الحَدِيث: (فيتوسط السرير فَيصَلي) ، فَهَذَا يدل على أَنه يُصَلِّي على السرير، على أَن فِي بعض النّسخ: بَاب الصَّلَاة على السرير، نبه عَلَيْهِ الْكرْمَانِي، وَقَالَ: حُرُوف الْجَرّ يُقَام بَعْضهَا مقَام الْبَعْض. فَإِن قلت: قَوْله: (فيتوسط السرير) ، يَشْمَل مَا إِذا كَانَ فَوْقه أَو أَسْفَل مِنْهُ. قلت: لَا نسلم ذَلِك لِأَن معنى قَوْله: (فيتوسط السرير) يَجْعَل نَفسه فِي وسط السرير. فَإِن قلت: ذكر البُخَارِيّ فِي الإستئذان حَدِيث الْأَعْمَش عَن مُسلم عَن مَسْرُوق عَن

стр. 1231

عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا: (كَانَ يُصَلِّي والسرير بَينه وَبَين الْقبْلَة) . فَهَذَا يبين أَن المُرَاد من حَدِيث الْبَاب أَسْفَل السرير. قلت: لَا نسلم ذَلِك لاخْتِلَاف العبارتين مَعَ احْتِمَال كَونهمَا فِي الْحَالَتَيْنِ، فَإِذا علمت هَذَا علمت أَن قَول الْإِسْمَاعِيلِيّ: بِأَنَّهُ دَال على الصَّلَاة على السرير لَا إِلَى السرير، غير وَارِد، يظْهر ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ. ٠٠١ - (بابٌ يِرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يرد الْمُصَلِّي من مر بَين يَدَيْهِ، وسنبين هَل الرَّد إِذا مر بَين يَدَيْهِ فِي مَوضِع سُجُوده؟ أَو يردهُ مُطلقًا؟ أَو لَهُ حد مَعْلُوم؟ وَأَن الرَّد وَاجِب أم سنة أم مُسْتَحبّ؟ وَأَنه مُقَيّد بمَكَان مَخْصُوص أَو فِي جَمِيع الْأَمْكِنَة؟ على مَا نذكرهُ مفصلا إِن شَاءَ اتعالى. ورَدَّ ابنُ عُمَرَ المَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ وَفِي الْكَعْبَةِ وَقَالَ إنْ أبَى إلَاّ أنْ تُقَاتِلَهُ قَقَاتِلْهُ

стр. 1232

الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول فِي وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة وَهِي ظَاهِرَة لِأَن ابْن عمر رد الْمَار من بَين يَدَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاة. الثَّانِي فِي معنى التَّرْكِيب: فَقَوله: ورد ابْن عمر، أَي: رد عبد ابْن عمر بن الْخطاب المارَّ بَين يَدَيْهِ حَال كَونه فِي التَّشَهُّد، وَكَانَ هَذَا الْمَار هُوَ: عَمْرو بن دِينَار، نبه عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة فِي مصنفيهما. قَوْله: (فِي الْكَعْبَة) أَي، ورد أَيْضا فِي الْكَعْبَة. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ عطف على مُقَدّر، أَي: رد الْمَار بَين يَدَيْهِ عِنْد كَونه فِي الصَّلَاة وَفِي غير الْكَعْبَة وَفِي الْكَعْبَة أَيْضا، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ كَون الرَّد فِي حَالَة وَاحِدَة جمعا بَين كَونه فِي التَّشَهُّد وَفِي الْكَعْبَة، فَلَا حَاجَة إِلَى مقد. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الإشبيلي فِي كِتَابه (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) : كَذَا وَقع، وَفِي الْكَعْبَة. وَقَالَ ابْن قرقول: ورد ابْن عمر فِي التَّشَهُّد وَفِي الْكَعْبَة. وَقَالَ الْقَابِسِيّ: وَفِي الرَّكْعَة، بَدَلا من: الْكَعْبَة، أشبه. وَكَذَا وَقع فِي بعض الْأُصُول: الرَّكْعَة. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَالظَّاهِر أَنه: وَفِي الْكَعْبَة، وَهُوَ الصَّوَاب كَمَا فِي كتاب الصَّلَاة لأبي نعيم: حدّثنا عبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون عَن صَالح بن كيسَان، قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يُصَلِّي فِي الْكَعْبَة فَلَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ يبادره. قَالَ بردة: حدّثنا مطر بن خَليفَة حدّثنا عَمْرو بن دِينَار قَالَ: مَرَرْت بِابْن عمر بعده مَا جلس فِي آخر صلَاته حَتَّى أنظر مَا يصنع، فارتفع من مَكَانَهُ، فَدفع فِي صَدْرِي. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: أخبرنَا ابْن فُضَيْل عَن مطر عَن عَمْرو بن دِينَار، قَالَ: مَرَرْت بَين يَدي ابْن عمر وَهُوَ فِي الصَّلَاة فارتفع من قعوده ثمَّ دفع فِي صَدْرِي، وَفِي كتاب (الصَّلَاة) لأبي نعيم: فانتهزني بتسبيحة، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة الْجُمْهُور متجهة، وَتَخْصِيص الْكَعْبَة بِالذكر لِئَلَّا يتخيل أَنه يغْتَفر فِيهَا الْمُرُور لكَونهَا مَحل الْمُزَاحمَة. قلت: الْوَاقِع فِي نفس الْأَمر ان ابْن عمر فِي الرَّد فِي غير الْكَعْبَة، وَفِي الْكَعْبَة أَيْضا فَلَا يُقَال: فِيهِ التَّخْصِيص، وَالتَّعْلِيل فِيهِ بِكَوْن مَحل الْمُزَاحمَة غير موجه لِأَن فِي غير الْكَعْبَة أَيْضا تُوجد الْمُزَاحمَة، سِيمَا فِي أَيَّام الْجمع فِي الْجَوَامِع وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَقَالَ) أَي: ابْن عمر: (إِن أَبى) أَي: الْمَار، أَي: امْتنع بِكُل وَجه إلَاّ بِأَن يُقَاتل الْمُصَلِّي الْمَار قَاتله. قَوْله: (إِلَّا أَن يقاتله) وَقَوله: قَاتله، على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون لفظ: قَاتله، بِصِيغَة الْفِعْل الْمَاضِي، وَهَذَا عِنْد كَون لفظ (إِلَّا أَن يقاتله) بِصِيغَة الْفِعْل الْمُضَارع الْمَعْلُوم، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى الْمَار الَّذِي هُوَ فَاعل لَفْظَة: أبي، والمنصوب يرجع إِلَى الْمُصَلِّي، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: قَاتله، يرجع إِلَى الْمُصَلِّي والمنصوب يرجع إِلَى: الْمَار، وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون لَفْظَة (إلَاّ أَن تُقَاتِلهُ) بِصِيغَة الْمُخَاطب: أَي إلَاّ أَن تقَاتل الْمَار (فقاتله) بِكَسْر التَّاء وَسُكُون اللَّام على صِيغَة الْأَمر للحاضر، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَالْأول رِوَايَة الْأَكْثَرين. فَإِن قلت: لَفْظَة: قَاتله، فِي الْوَجْه الثَّانِي جملَة أمرية، وَالْجُمْلَة الأمرية إِذا وَقعت جَزَاء للشرطية فَلَا بُد فِيهَا من الْفَاء. قلت: تَقْدِير الْكَلَام: فَأَنت قَاتله، قَالَ الْكرْمَانِي: وَيجوز حذف الْفَاء مِنْهَا نَحْو: من يفعل الْحَسَنَات ايشكرها قلت: حذف الْفَاء مِنْهَا لضَرُورَة الْوَزْن فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ، ويروى: فقاتله بِالْفَاءِ على الأَصْل. النَّوْع الثَّالِث فِي أَن الْمَرْوِيّ عَن ابْن عمر هَهُنَا على سَبِيل التَّعْلِيق بِثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: رده الْمَار فِي التَّشَهُّد، وَقد وَصله أَبُو نعيم وَابْن أبي شيبَة كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. الثَّانِي: رده فِي الْكَعْبَة، وَقد وَصله أَبُو نعيم أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَفِي حَدِيث يزِيد الْفَقِير: صليت إِلَى جنب ابْن عمر بِمَكَّة فَلم أر رجلا أكره أَن يمر بَين يَدَيْهِ مِنْهُ. الثَّالِث: أمره بالمقاتلة عِنْد عدم امْتنَاع الْمَار من الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي، وَقد وَصله عبد الرَّزَّاق، وَلَفظه عَن ابْن عمر قَالَ: لَا تدع أحدا يمر بَين يَديك وَأَنت تصلي، فَإِن أبي إلَاّ أَن تُقَاتِلهُ فقاتله. وَهَذَا مُوَافق لرِوَايَة الْكشميهني. ٩٠٥ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدّثنا يُونُسُ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ عنْ أبي صالِحٍ أنَّ أبَا سعِيدٍ قَالَ قَالَ النبيُّ (ح) وحدّثنا آدَمُ بنُ أبي إيَاسٍ قَالَ حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ المُغِيرَةِ قَالَ حدّثنا حُمَيْدُ بنُ هِلَالٍ الْعَدَوى قَالَ حدّثنا أبُو صالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ رَأيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فِي يَوْم جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرَادَ شَابٌّ من بَني أبي مُعَيْطٍ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ أبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغَاً إِلَاّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَعادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أبُو سَعِيدٍ أشَدَّ مِنَ الأُولَى فَنَالَ مِنْ أبي سَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ

стр. 1233

فَشَكَا إليْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أبي سَعِيدٍ ودَخَلَ أبُو سًعيدٍ خَلْفَهُ عَلى مَرْوانَ فَقَالَ مَا لَكَ وَلاِبْنِ أخِيكَ يَا أبَا سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْت النبيَّ يَقُولُ إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرَادَ أحدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فإِنمَا هُوَ شَيْطَانٌ. (الحَدِيث ٩٠٥ طرفَة فِي: ٤٧٢٣) . ١١ - ٥٠ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: واسْمه عبد ابْن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج المقعد الْبَصْرِيّ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَقد تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي: اللَّهُمَّ علمه الْكتاب. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد، تقدم أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب. الثَّالِث: يُونُس بن عبيد، بِالتَّصْغِيرِ: ابْن دِينَار أَبُو عبد االبصري، مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الرَّابِع: حميد، بِضَم الْحَاء: تَصْغِير الْحَمد بن هِلَال، بِكَسْر الْهَاء وَتَخْفِيف اللَّام: الْعَدوي، بِفَتْح الْعين وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ: التَّابِعِيّ الْجَلِيل. الْخَامِس: أَبُو صَالح ذكْوَان السمان، وَقد تكَرر، ذكره. السَّادِس: آدم بن أبي إِيَاس. السَّابِع سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ. الثَّامِن: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، واسْمه: سعد بن مَالك. وَذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع من الْمَاضِي فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل والرؤية. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون إلَاّ أَبَا صَالح فَإِنَّهُ مدنِي، وآدَم فَإِنَّهُ عسقلاني. وَفِيه: أَن آدم من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ لم يخرج لِسُلَيْمَان بن الْمُغيرَة شَيْئا مَوْصُولا إلَاّ هَذَا الحَدِيث، ذكره أَبُو مَسْعُود وَغَيره. وَفِيه: التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر قبل ذكر الحَدِيث، وعلامته حرف: الْحَاء، المفردة. وَفِيه: فِي الْإِسْنَاد الأول: حميد عَن أبي صَالح أَن أَبَا سعيد، وَفِي الثَّانِي: قَالَ أَبُو صَالح: رَأَيْت أَبَا سعيد. وَالثَّانِي أقوى. وَفِيه: أَن فِي الثَّانِي ذكر قصَّة لَيست فِي الأول، وَقد سَاق البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي كتاب بَدْء الْخلق بِالْإِسْنَادِ الَّذِي سَاقه هُنَاكَ من رِوَايَة يُونُس بِعَيْنِه، وَهَهُنَا من لفظ سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة لَا من لفظ يُونُس. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي معمر فِي صفة إِبْلِيس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن شَيبَان بن فروخ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُوسَى ابْن اسماعيل. ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (فَأَرَادَ شَاب من بني أبي معيط) وَوَقع فِي (كتاب الصَّلَاة) لأبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن، قَالَ: حدّثنا عبد ابْن عَامر عَن زيد بن أسلم، قَالَ: (بَيْنَمَا أَبُو سعيد قَائِم يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد فَأقبل الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط، فَأَرَادَ أَن يمر بَين يَدَيْهِ فَرده، فَأبى إلَاّ أَن يمر فَدفعهُ ولكمه) . فَهَذَا يدل على أَن هَذَا الشَّاب هُوَ الْوَلِيد بن عقبَة، وَفِي (المُصَنّف) لِابْنِ أبي شيبَة: حدّثنا أَبُو مُعَاوِيَة عَن عَاصِم عَن ابْن سِيرِين، قَالَ: (كَانَ أَبُو سعيد قَائِما يُصَلِّي فجَاء عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن هِشَام يمر بَين يَدَيْهِ فَمَنعه، فَأبى إلَاّ أَن يَجِيء فَدفعهُ أَبُو سعيد فطرحه. فَقيل لَهُ: تصنع هَذَا بِعَبْد الرَّحْمَن؟ فَقَالَ: وَا لَو أَبى إِلَّا أَن آخذ بِشعرِهِ لأخذت) . وروى عبد الرَّزَّاق حَدِيث الْبَاب عَن دَاوُد بن قيس عَن زيد بن أسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد عَن أَبِيه فَقَالَ فِيهِ: إِذْ جَاءَ شَاب، وَلم يسمعهُ. وَعَن معمر عَن زيد بن أسلم فَقَالَ فِيهِ: فَذهب ذُو قرَابَة لمروان. وَمن طَرِيق أبي الْعَالِيَة عَن أبي سعيد فَقَالَ فِيهِ: فَمر رجل بَين يَدَيْهِ من بني مَرْوَان، وَالنَّسَائِيّ من وَجه آخر فَمر ابْن لمروان، وَسَماهُ عبد الرَّزَّاق من طَرِيق سُلَيْمَان بن مُوسَى دَاوُد بن مَرْوَان، وَلَفظه: أَرَادَ دَاوُد بن مَرْوَان أَن يمر بَين يَدي أبي سعيد، ومروان يَوْمئِذٍ أَمِير بِالْمَدِينَةِ، فَذكر الحَدِيث وَبِه جزم ابْن الْجَوْزِيّ، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت الِاخْتِلَاف فِي تَسْمِيَة الْمُبْهم الَّذِي فِي الصَّحِيح، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال بِتَعَدُّد الْوَاقِعَة لأبي سعيد مَعَ غير وَاحِد، لِأَن فِي تعْيين وَاحِد من هَؤُلَاءِ مَعَ كَون اتِّحَاد الْوَاقِعَة نظرا، لَا يخفى. قَوْله: (من بني أبي معيط) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره طاء مُهْملَة. وَأَبُو معيط فِي قُرَيْش واسْمه: أبان بن أبي عَمْرو زكوان بن أُميَّة الْأَكْبَر هُوَ وَالِد عقبَة بن أبي معيط الَّذِي قَتله رَسُول الله صبرا. ومعيط تَصْغِير: أمعط، وَهُوَ الَّذِي لَا شعرعليه، والأمعط والأمرط سَوَاء. قَوْله: (أَن يجتاز) ، بِالْجِيم من الْجَوَاز. قَوْله: (فَلم يجد مساغاً) ، بِفَتْح الْمِيم وبالغين الْمُعْجَمَة أَي: طَرِيقا يُمكنهُ الْمُرُور مِنْهَا. يُقَال: سَاغَ الشَّرَاب فِي الْحلق إِذا نزل من غير الضَّرَر، وساغ الشَّيْء طَابَ. قَوْله: (من الأولى) أَي: من الْمرة

стр. 1234

الأولى أَو الدفعة الأولى. قَوْله: (فنال من أبي سعيد) بالنُّون أَي: أصَاب من عرضة بالشتم، وَهُوَ من النّيل، وَهُوَ الْإِصَابَة. قَوْله: (ثمَّ دخل على مَرْوَان) ، وَهُوَ مَرْوَان بن الحكم، بِفَتْح الْكَاف: ر الْأمَوِي أَبُو عبد الْملك، يُقَال: إِنَّه رأى النَّبِي، قَالَه الْوَاقِدِيّ وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، توفّي النَّبِي، وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، مَاتَ بِدِمَشْق لثلاث خلون من رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة، وَقد تقدم ذكره فِي بَاب البزاق والمخاط. قَوْله: (فَقَالَ: مَالك؟) أَي فَقَالَ مَرْوَان، فكلمة: مَا مُبْتَدأ و: لَك خَبره. (و: لِابْنِ أَخِيك) عطف عَلَيْهِ بِإِعَادَة الْخَافِض، وَأطلق الْأُخوة بِاعْتِبَار أَن الْمُؤمنِينَ أخوة، وَفِيه تأييد لقَوْل من قَالَ إِن الْمَار بَين يَدي أبي سعيد الَّذِي دَفعه غير الْوَلِيد، لِأَن أَبَاهُ عقبَة قتل كَافِرًا. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يقل: ولأخيك، بِحَذْف الأبن. قلت: نظرا إِلَى أَنه كَانَ شَابًّا أَصْغَر مِنْهُ. قَوْله: (فليدفعه) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فليدفع فِي نَحره) . قَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَي بِالْإِشَارَةِ، ولطيف الْمَنْع. قَوْله: (فليقاتله) ، بِكَسْر اللَّام الجازمة وبسكونها. قَوْله: (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) ، هَذَا من بَاب التَّشْبِيه حذف مِنْهُ أَدَاة التَّشْبِيه للْمُبَالَغَة أَي: إِنَّمَا هُوَ كشيطان، أَو يُرَاد بِهِ شَيْطَان الْإِنْس، وَإِطْلَاق الشَّيْطَان على المارد من الْإِنْس سَائِغ شَائِع، وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى: ﴿شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ﴾ (الْأَنْعَام: ٢١١) وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن الشَّيْطَان يحملهُ على ذَلِك ويحركه إِلَيْهِ، وَقد يكون أَرَادَ بالشيطان الْمَار بَين يَدَيْهِ نَفسه، وَذَلِكَ أَن الشَّيْطَان هُوَ المارد الْخَبيث من الْجِنّ وَالْإِنْس. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: الْحَامِل لَهُ على ذَلِك الشَّيْطَان، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث ابْن عمر عِنْد مُسلم: (لَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ فَإِن أَبى فليقاتله فَإِن مَعَه القرين) . وَعند أبن مَاجَه: (قَالَ: القرين) ، وَقَالَ المنكدري: فَإِنَّهُ مَعَه الْعُزَّى وَقيل: مَعْنَاهُ: إِنَّمَا هُوَ فعل الشَّيْطَان لشغل قلب الْمُصَلِّي، كَمَا يخْطر الشَّيْطَان بَين الْمَرْء وَنَفسه. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ اتِّخَاذ الستْرَة للْمُصَلِّي، وَزعم ابْن الْعَرَبِيّ أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي وجوب وضع الستْرَة بَين يَدي الْمُصَلِّي على ثَلَاثَة أَقْوَال. الأول: أَنه وَاجِب، فَإِن لم يجد وضع خطا، وَبِه قَالَ أَحْمد، كَأَنَّهُ اعْتمد حَدِيث ابْن عمر الَّذِي صَححهُ الْحَاكِم: (لَا تصلي إلَاّ إِلَى ستْرَة وَلَا تدع أحدا يمر بَين يَديك) . وَعَن أبي نعيم فِي (كتاب الصَّلَاة) : حدّثنا سُلَيْمَان، أَظُنهُ عَن حميد بن هِلَال، قَالَ عمر ابْن الْخطاب: لَو يعلم الْمُصَلِّي مَا ينقص من صلَاته مَا صلى إِلَّا إِلَى شَيْء يستره من النَّاس، وَعند ابْن أبي شيبَة، عَن ابْن مَسْعُود: (إِنَّه ليقطع نصف صَلَاة الْمَرْء الْمُرُور بَين يَدَيْهِ) . الثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَحبَّة، ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ. الثَّالِث: جَوَاز تَركهَا، وَرُوِيَ ذَلِك عَن مَالك. قلت: قَالَ أَصْحَابنَا: الأَصْل فِي الستْرَة أَنَّهَا مُسْتَحبَّة. وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كَانُوا يستحبون إِذا صلوا فِي الفضاء أَن يكون بَين أَيْديهم مَا يسترهم. وَقَالَ عَطاء، لَا بَأْس بترك الستْرَة، وَصلى الْقَاسِم وَسَالم فِي الصَّحرَاء إِلَى غير ستْرَة، ذكر ذَلِك كُله ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) . وَاعْلَم أَن الْكَلَام فِي هَذَا على عشرَة أَنْوَاع: الأول: أَن الستْرَة وَاجِبَة أَو لَا؟ وَقد مر الْآن. الثَّانِي: مِقْدَار مَوضِع يكره الْمُرُور فِيهِ، فَقيل: مَوضِع سُجُوده، وَهُوَ اخْتِيَار شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَشَيخ الْإِسْلَام قاضيخان، وَقيل: مِقْدَار صفّين أَو ثَلَاثَة، وَقيل: بِثَلَاثَة أَذْرع، وَقيل: بِخَمْسَة أَذْرع. وَقيل: بِأَرْبَعِينَ ذِرَاعا، وَقدر الشَّافِعِي وَأحمد بِثَلَاثَة أَذْرع، وَلم يحد مَالك فِي ذَلِك حدا إلاّ أَن ذَلِك بِقدر مَا يرْكَع فِيهِ وَيسْجد ويتمكن من دفع من مر بَين يَدَيْهِ. وَالثَّالِث: أَنه يسْتَحبّ لمن صلى فِي الصَّحرَاء أَن يتَّخذ أَمَامه ستْرَة، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله قَالَ: (إِذا صلى أحدكُم فليجعل تِلْقَاء وَجهه شَيْئا، فَإِن لم يجد فلينصب عَصا، فَإِن لم يكن لَهُ عَصا، فليخط خطا وَلَا يضرّهُ مَا مر أَمَامه) . وخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَذكر عبد الْحق أَن ابْن الْمَدِينِيّ وَأحمد بن حَنْبَل صَحَّحَاهُ، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا الحَدِيث ضَعِيف وَإِن كَانَ قد أَخذ بِهِ أَحْمد. وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: لم نجد شَيْئا نَشد بِهِ هَذَا الحَدِيث. وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة إِذا حدث بِهَذَا الحَدِيث يَقُول: عنْدكُمْ شَيْء تشدون بِهِ، وَأَشَارَ الشَّافِعِي إِلَى ضعفه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ ضعف وأضطراب. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَلَا بَأْس بِهِ فِي مثل هَذَا الجكم. الرَّابِع: مِقْدَار الستْرَة، قد ورد: قدر ذِرَاع، وَقد ذكرنَا الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِيمَا مضى عَن قريب. وَالْخَامِس: يَنْبَغِي أَن يكون فِي غلظ الإصبع لِأَن مَا دونه لَا يَبْدُو للنَّاظِر من بعيد. وَالسَّادِس: يقرب من الستْرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه. وَالسَّابِع: أَن يَجْعَل الستْرَة على حَاجِبه الْأَيْمن، أَو على الْأَيْسَر، وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْمِقْدَاد بن الْأسود، قَالَ: (مَا رَأَيْت سَوَّلَ الله يُصَلِّي إِلَى عود وَلَا عَمُود وَلَا شَجَرَة إلَاّ جعله على حَاجِبه الْأَيْمن أَو الْأَيْسَر، وَلَا يصمد لَهُ صمداً) ، يَعْنِي لم يَقْصِدهُ قصدا بالمواجهة،

стр. 1235

والصمد هُوَ الْقَصْد فِي اللُّغَة. وَالثَّامِن: أَن ستْرَة الإِمَام ستْرَة للْقَوْم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. وَالتَّاسِع: ذكر أَصْحَابنَا أَن الْمُعْتَمد الغرز دون الْإِلْقَاء، والخط، لِأَن الْمَقْصُود هُوَ الدرء فَلَا يحصل بالإلقاء وَلَا بالخط، وَفِي (مَبْسُوط) شيخ الْإِسْلَام: إِنَّمَا يغرز إِذا كَانَت الأَرْض رخوة، فَإِذا كَانَت صلبة لَا يُمكنهُ فَيَضَع وضعا. لِأَن الْوَضع قد وري كَمَا رُوِيَ الغرز، لَكِن يضع طولا لَا عرضا. وروى أَبُو عصمَة عَن مُحَمَّد: إِذا لم يجد ستْرَة؟ قَالَ: لَا يخط بَين يَدَيْهِ، فَإِن الْخط وَتَركه سَوَاء، لِأَنَّهُ لَا يَبْدُو للنَّاظِر من بعيد. وَقَالَ الشَّافِعِي بالعراق: إِن لم يجد مَا يخط خطا طولا، وَبِه أَخذ بعض الْمُتَأَخِّرين. وَفِي (الْمُحِيط) : الْخط لَيْسَ بِشَيْء. وَفِي (الذَّخِيرَة) للقرافي: الْخط بَاطِل، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَجوزهُ أَشهب فِي (الْعُتْبِيَّة) وَهُوَ قَول سعيد بن جُبَير وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ بالعراق، ثمَّ قَالَ بِمصْر: لَا يخط، والمانعون أجابوا عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أَنه ضَعِيف. وَقَالَ عبد الْحق: ضعفه جمَاعَة ابْن حزم فِي (الْمحلى) : لم يَصح فِي الْخط شَيْء وَلَا يجوز القَوْل بِهِ. والعاشر: أَن الستْرَة إِذا كَانَت مَغْصُوبَة فَهِيَ مُعْتَبرَة عندنَا وَعَن أَحْمد تبطل صلَاته، وَمثله الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْمَغْصُوب عِنْده. الثَّانِي من الْأَحْكَام أَن الدرء، وَهُوَ: دفع الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي هَل هُوَ وَاجِب أَو ندب؟ فَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا الْأَمر، أَعنِي قَوْله: (فليدفعه) ، أَمر ندب متأكد وَلَا أعلم أحدا من الْفُقَهَاء أوجبه. قلت: قَالَ أهل الظَّاهِر بِوُجُوبِهِ لظَاهِر الْأَمر، فَكَأَن النَّوَوِيّ مَا أطلع على هَذَا، أَو اعْتد بخلافهم. وَقَالَ ابْن بطال: اتَّفقُوا على دفع الْمَار إِذا صلى إِلَى ستْرَة، فَأَما إِذا صلى إِلَى غير الستْرَة فَلَيْسَ لَهُ، لِأَن التَّصَرُّف وَالْمَشْي مُبَاح لغيره فِي ذَلِك الْموضع الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، فَلم يسْتَحق أَن يمنعهُ إلَاّ مَا قَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ، وَهِي الستْرَة الَّتِي وَردت السّنة بمنعها. الثَّالِث: إِنَّه يجوز لَهُ الْمَشْي إِلَيْهِ من مَوْضِعه ليَرُدهُ، وَإِنَّمَا يدافعه وَيَردهُ من مَوْضِعه، لِأَن مفْسدَة الْمَشْي أعظم من مروره بَين يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا أُبِيح لَهُ قدر مَا يَنَالهُ من موقفه، وَإِنَّمَا يردهُ إِذا كَانَ بَعيدا مِنْهُ بِالْإِشَارَةِ وَالتَّسْبِيح، وَلَا يجمع بَينهمَا. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: لَا يَنْتَهِي دفع الْمَار إِلَى منع مُحَقّق، بل يومىء وَيُشِير بِرِفْق فِي صَدره من يمر بِهِ، وَفِي الْكَافِي للروياني يَدْفَعهُ ويصر على ذَلِك، وَإِن أدّى إِلَى قَتله. وَقيل: يَدْفَعهُ دفعا شَدِيدا أَشد من الدرء، وَلَا يَنْتَهِي إِلَى مَا يفْسد صلَاته، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد مَالك وَأحمد. وَقَالَ أَشهب فِي (الْمَجْمُوعَة) إِن قرب مِنْهُ درأه وَلَا ينازعه، فَإِن مَشى لَهُ ونازعه لم تبطل صلَاته، وَإِن تجاوزه لَا يردهُ لِأَنَّهُ مُرُور ثَان، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن الْقَاسِم من أَصْحَاب مَالك، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد. وَقَالَ أَبُو مَسْعُود وَسَالم: يردهُ من حَيْثُ جَاءَ، وَإِذا مر بَين يَدَيْهِ مَا لَا تُؤثر فِيهِ إِلَّا الْإِشَارَة كالهرة. قَالَت الْمَالِكِيَّة: دَفعه بِرجلِهِ أَو ألصقه إِلَى السّتْر. الرَّابِع: هَل يقاتله؟ فِيهِ: فَإِن أَبى فليقاتله. قَالَ عِيَاض: أَجمعُوا على أَنه لَا تلْزمهُ مقاتلته بِالسِّلَاحِ، وَلَا بِمَا يُؤَدِّي إِلَى هَلَاكه فَإِن دَفعه بِمَا يجوز فَهَلَك من ذَلِك فَلَا قَود عَلَيْهِ بِاتِّفَاق الْعلمَاء، وَهل تجب دِيَته أم تكون هدرا؟ فِيهِ مذهبان للْعُلَمَاء، وهما قَولَانِ فِي مَذْهَب مَالك. قَالَ ابْن شعْبَان: عَلَيْهِ الدِّيَة فِي مَاله كَامِلَة، وَقيل: هِيَ على عَاقِلَته، وَقيل: هدر، ذكره ابْن التِّين. وَاخْتلفُوا فِي معنى: فليقاتله، وَالْجُمْهُور على أَن مَعْنَاهُ: الدّفع بالقهر لَا جَوَاز الْقَتْل، وَالْمَقْصُود: الْمُبَالغَة فِي كَرَاهَة الْمُرُور. وَأطلق جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة أَن لَهُ أَن يقاتله حَقِيقَة، ورد ابْن الغربي ذَلِك، وَقَالَ: المُرَاد بالمقاتلة المدافعة. وَقَالَ بَعضهم: معنى فليقاتله، فليلعنه. قَالَ اتعالى. ﴿قتل الخراصون﴾ (الذاريات: ٠١) أَي: لعنُوا وَأنْكرهُ بَعضهم وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: يدْفع فِي نَحره أول مرّة، ويقاتله فِي الثَّانِيَة، وَهِي المدافعة. وَقيل: يؤاخذه على ذَلِك بعد إتْمَام الصَّلَاة ويؤنبه. وَقيل: يَدْفَعهُ دفعا أَشد من الرَّد مُنْكرا عَلَيْهِ. وَفِي (التَّمْهِيد) : الْعَمَل الْقَلِيل فِي الصَّلَاة جَائِز، نَحْو قتل البرغوث، وحك الْجَسَد، وَقتل الْعَقْرَب بِمَا خف من الضَّرْب مَا لم تكن الْمُتَابَعَة والطول، وَالْمَشْي إِلَى الْفرج إِذا كَانَ ذَلِك قَرِيبا، ودرء الْمُصَلِّي وَهَذَا كُله مَا لم يكثر، فَإِن كثر فسد. الْخَامِس: فِيهِ أَن الْمَار كالشيطان، فِي أَنه يشغل قلبه عَن مُنَاجَاة ربه. السَّادِس: فِيهِ أَنه يجوز أَن يُقَال للرجل إِذا فتن فِي الدّين: إِنَّه شَيْطَان. السَّابِع: فِيهِ أَن الحكم للمعاني لَا للأسماء، لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يصير الْمَار شَيْطَانا بمروره بَين يَدَيْهِ. الثَّامِن: فِيهِ أَن دفع الأسوأ إِنَّمَا بالأسهل فالأسهل. التَّاسِع: فِيهِ أَن فِي المنازعات لَا بُد من الرّفْع إِلَى الْحَاكِم وَلَا ينْتَقم الْخصم بِنَفسِهِ. الْعَاشِر: فِيهِ أَن رِوَايَة الْعدْل مَقْبُولَة وَإِن كَانَ الرَّاوِي لَهُ مُنْتَفعا بِهِ. ١٠١ - (بابُ إثْمِ المَارِ بَيْنَ يَدَيِ المصَلِّي) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي، وأصل الْمَار: مارر، فاسكنت الرَّاء اللأولى وادغمت الثَّانِيَة، والإدغام فِي مثله وَاجِب.

стр. 1236

٠١٥٩٥١ - حدّثنا عَبْدُ ااِ بنُ يُوسُفَ أخْبَرَنا مالِكٌ عنْ أبي النَّضُرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ ااِ عنْ بُسْرِ بنِ سعِيد أنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أرْسَلَهُ إلَى أبي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ ماذَا سَمِعَ مِن رَسُولِ ااِ فِي الْمَارِ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي فَقَالَ أبُو جُهَيْمٍ قَالَ رسُولُ ااِ لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلّي ماذَا لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيراً لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ أبُو النَّضْرِ لَا أدْرِي أقَال أرْبَعِينَ يَوْماً أوْ شَهْراً أوْ سَنَةً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة قد ذكرُوا. وَأَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْمه سَالم ابْن أبي أُميَّة، و: بسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: الْحَضْرَمِيّ الْمدنِي الزَّاهِد، مَاتَ سنة مائَة، وَلم يخلف كفناً. وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ الصَّحَابِيّ، وَأَبُو جهيم، بِضَم الْجِيم وَفتح الْهَاء: واسْمه عبد ابْن جهيم. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: تَابِعِيّ وصحابيان. وَفِيه: أَبُو جهيم، بِالتَّصْغِيرِ مر فِي بَاب التَّيَمُّم فِي الْحَضَر، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: رَاوِي حَدِيث الْمُرُور هُوَ غير رَاوِي حَدِيث التَّيَمُّم، وَقَالَ الكلاباذي: أَبُو جهيم، وَيُقَال: أَبُو جهم بن الْحَارِث، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة وَالتَّيَمُّم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَبُو جهيم رَاوِي حَدِيث الْمُرُور وَحَدِيث التَّيَمُّم غير أبي الجهم مكبر الْمَذْكُور فِي حَدِيث الخميصة والأنبجانية، لِأَن اسْمه: عبد ا، وَهُوَ أَنْصَارِي، وَاسم ذَلِك عَامر، وَهُوَ عدوي وَقَالَ الذَّهَبِيّ: أَبُو الْجُهَيْم، يُقَال: أَبُو الجهم بن الْحَارِث بن الصمَّة، كَانَ أَبوهُ من كبار الصَّحَابَة، ثمَّ قَالَ: أَبُو جهيم عبد ابْن جهيم جعله، وَابْن الصمَّة وَاحِدًا أَبُو نعيم وَابْن مندة، وَكَذَا قَالَه مُسلم فِي بعض كتبه، وجعلهما ابْن عبد الْبر اثْنَيْنِ وَهُوَ أشبه، لَكِن متن الحَدِيث وَاحِد. ذكر من أخرجه غَيره أخرجه بَقِيَّة السِّتَّة، قَالَ ابْن ماجة: حدّثنا هِشَام بن عمار حدّثنا ابْن عُيَيْنَة عَن أبي النَّضر عَن بسر، قَالَ: (أرسلوني إِلَى زيد بن خَالِد أسأله عَن الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي فَأَخْبرنِي عَن النَّبِي، ﵊، قَالَ: لِأَن يقوم أَرْبَعِينَ خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ. قَالَ سُفْيَان. وَلَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ سنة أَو شهرا أَو صباحاً أَو سَاعَة) . وَفِي (مُسْند الْبَزَّار) : أخبرنَا أَحْمد بن عَبدة حدّثنا سُفْيَان بِهِ، وَفِيه: (أَرْسلنِي أَبُو جهيم إِلَى زيد بن خَالِد. فَقَالَ: لِأَن يقوم أَرْبَعِينَ خَرِيفًا خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ) . وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة مقلوباً، وَالْقَوْل عندنَا قَول مَالك، وَمن تَابعه، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي حَدِيث الْبَزَّار خطىء فِيهِ ابْن عُيَيْنَة وَلَيْسَ خَطؤُهُ بمتعين لاحْتِمَال أَن يكون أَبُو جهيم بعث بسراً إِلَى زيد، وَزيد بَعثه إِلَى أبي جهيم يستثبت كل وَاحِد مَا عِنْد الآخر، فَأخْبر كل مِنْهُمَا بمحفوظه فَشك أَحدهمَا وَجزم الآخر. وَاجْتمعَ ذَلِك كُله عِنْد أبي النَّضر. قلت: قَول مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) لم يخْتَلف عَلَيْهِ فِيهِ أَن الْمُرْسل هُوَ زيد، وَأَن الْمُرْسل إِلَيْهِ هُوَ أَبُو جهيم، وَتَابعه سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي النَّضر عِنْد مُسلم وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا، وَخَالَفَهُمَا ابْن عُيَيْنَة عَن أبي النَّضر فَقَالَ: عَن بسر بن سعيد، قَالَ: (أَرْسلنِي أَبُو جهيم إِلَى زيد بن خَالِد أسأله) فَذكر هَذَا الحَدِيث: قلت: هَذَا عكس متن (الصَّحِيحَيْنِ) لِأَن المسؤول فيهمَا هُوَ أَبُو جهيم، وَهُوَ الرَّاوِي عَن النَّبِي، ﵊، وَعند الْبَزَّار المسؤول زيد بن خَالِد. ذكر مَعْنَاهُ. قَوْله: (مَاذَا عَلَيْهِ) ، أَي: من الْإِثْم والخطيئة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مَاذَا عَلَيْهِ من الْإِثْم) ، وَلَيْسَت هَذِه الزِّيَادَة فِي شَيْء من الرِّوَايَات غَيره، وَكَذَا فِي (الْمُوَطَّأ) لَيست هَذِه الزِّيَادَة، وَكَذَا فِي سَائِر المسندات. وَفِي المستخرجات، غير أَنه وَقع فِي (مُصَنف ابْن أبي شيبَة) : مَاذَا عَلَيْهِ، يَعْنِي من الْإِثْم، وعيب على الْمُحب الطَّبَرِيّ حَيْثُ عزا هَذِه الزِّيَادَة فِي الْأَحْكَام للْبُخَارِيّ. قَوْله: (بَين يَدي الْمُصَلِّي) أَي: أَمَامه بِالْقربِ مِنْهُ، وَعبر باليدين لكَون أَكثر الشّغل يَقع بهما. قَوْله: (أَن يقف أَرْبَعِينَ) ، وَقد ذكرنَا أَن فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (أَرْبَعِينَ سنة أَو شهرا أَو صباحاً أَو سَاعَة) . وَفِي رِوَايَة الْبَزَّار: (أَرْبَعِينَ خَرِيفًا) وَفِي (صَحِيح ابْن حبَان) : عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: لَو يعلم أحدكُم مَا لَهُ فِي أَن يمر بَين يَدي أَخِيه مُعْتَرضًا فِي الصَّلَاة كَانَ لِأَن يُقيم مائَة عَام خيرا لَهُ من الخطوة الَّتِي خطأ) . وَفِي (الْأَوْسَط) للطبراني: عَن عبد ابْن عَمْرو مَرْفُوعا: (إِن

стр. 1237

الَّذِي يمر بَين يَدي الْمُصَلِّي عمدا يتَمَنَّى يَوْم الْقِيَامَة أَنه شَجَرَة يابسة) . وَفِي المُصَنّف عَن عبد الحميد، عَامل عمر بن عبد الْعَزِيز، قَالَ: (لَو يعلم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي مَا عَلَيْهِ لأحب أَن ينكسر فَخذه وَلَا يمر بَين يَدَيْهِ) . وَقَالَ ابْن مَسْعُود: (الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي أنقص من الْمَمَر عَلَيْهِ، وَكَانَ إِذا مر أحد بَين يَدَيْهِ الْتَزمهُ حَتَّى يردهُ) . وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ عمر، رَضِي اعنه: (لَكَانَ يقوم حولا خير لَهُ من مروره) . وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار: (لَكَانَ أَن يخسف بِهِ خيرا لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ) . قَوْله: (قَالَ أَبُو النَّضر) قَالَ الْكرْمَانِي: إِمَّا من كَلَام مَالك فَهُوَ مُسْند، وَإِمَّا تَعْلِيق من البُخَارِيّ. قلت: هُوَ كَلَام مَالك وَلَيْسَ هُوَ من تَعْلِيق البُخَارِيّ لِأَنَّهُ ثَابت فِي (الْمُوَطَّأ) من جَمِيع الطّرق، وَكَذَا ثَبت فِي رِوَايَة الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (أقَال؟) الْهمزَة فِيهِ للإستفهام، وفاعله: بسرا أَو رَسُول الله كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: الظَّاهِر أَنه بسر بن أُميَّة. ذكر إعرابه) قَوْله: (مَاذَا عَلَيْهِ؟) كلمة مَا: اسْتِفْهَام وَمحله الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَكلمَة: ذَا، إِشَارَة خَبره، وَالْأولَى أَن تكون: ذَا مَوْصُولَة بِدَلِيل افتقاره إِلَى شَيْء بعده لِأَن تَقْدِيره: مَاذَا عَلَيْهِ من الْإِثْم، ثمَّ إِن: مَاذَا عَلَيْهِ، فِي مَحل النصب على أَنه سد مسد المفعولين لقَوْله: (لَو يعلم) ، وَقد علق عمله بالإستفهام. قَوْله: (لَكَانَ) جَوَاب: لَو، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: لَو يعلم الْمَار مَا الَّذِي عَلَيْهِ من الْإِثْم من مروره بَين يَدي الْمُصَلِّي لَكَانَ وُقُوفه أَرْبَعِينَ خيرا لَهُ من أَن يمر؟ أَي: من مروره بَين يَدَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: جَوَاب: لَو، لَيْسَ هُوَ الْمَذْكُور، إِذْ التَّقْدِير: لَو يعلم مَاذَا عَلَيْهِ لوقف أَرْبَعِينَ، لَو وقف أَرْبَعِينَ لَكَانَ خيرا لَهُ. قلت: لَا ضَرُورَة إِلَى هَذَا التَّقْدِير وَهُوَ تصرف فِيهِ تعسف، وَحقّ التَّرْكِيب مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (خيرا) فِيهِ رِوَايَتَانِ: النصب وَالرَّفْع. أما النصب فَظَاهر لِأَنَّهُ خبر: لَكَانَ، وَاسم، كَانَ، هُوَ قَوْله: أَن يقف، لأَنا قُلْنَا: إِن كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَأَن التَّقْدِير: لَكَانَ وُقُوفه أَرْبَعِينَ خيرا لَهُ. وَأما وَجه الرّفْع، فقد قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: هُوَ اسْم: وَلم يذكر خبر مَا هُوَ، وَخبر هُوَ قَوْله: أَن يقف، وَالتَّقْدِير: لَو يعلم الْمَار مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ خير وُقُوفه أَرْبَعِينَ، وتعسف بَعضهم فَقَالَ: يحْتَمل أَن يُقَال: اسْمهَا ضمير الشَّأْن وَالْجُمْلَة خَبَرهَا. قَوْله: (أقَال: أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَو شهرا أَو سنة؟) لِأَنَّهُ ذكر الْعدَد أَعنِي أَرْبَعِينَ، وَلَا بُد من مُمَيّز، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن هَذِه الْأَشْيَاء، وَقد أبهم ذَلِك هَهُنَا. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِيهِ؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: وَأبْهم الْأَمر ليدل على الفخامة، وَأَنه مِمَّا لَا يقدر قدره وَلَا يدْخل تَحت الْعبارَة. انْتهى. قلت: الْإِبْهَام هَهُنَا من الرَّاوِي، وَفِي نفس الْأَمر الْعدَد معِين، ألَا ترى كَيفَ تعين فِيمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (لَكَانَ أَن يقف مائَة عَام؟) الحَدِيث؟ كَمَا ذكرنَا، وَكَذَا عين فِي مُسْند الْبَزَّار من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة: (لَكَانَ أَن يقف أَرْبَعِينَ خَرِيفًا) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل للتخصيص بالأربعين حِكْمَة مَعْلُومَة؟ قلت: أسرار أَمْثَالهَا لَا يعلمهَا إلَاّ الشَّارِع، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لِأَن الْغَالِب فِي أطوار الْإِنْسَان أَن كَمَال كل طور بِأَرْبَعِينَ، كاطوار النُّطْفَة، فَإِن كل طور مِنْهَا بِأَرْبَعِينَ، وَكَمَال عدل الْإِنْسَان فِي أَرْبَعِينَ سنة، ثمَّ الْأَرْبَعَة أصل جَمِيع الْأَعْدَاد، لِأَن أجزاءه وَهِي عشرَة، وَمن العشرات المآت، وَمِنْهَا الألوف، فَلَمَّا أُرِيد التكثير ضوعف كل إِلَى عشرَة أَمْثَاله. انْتهى. قلت: غفل الْكرْمَانِي عَن رِوَايَة الْمِائَة حَيْثُ قصر فِي بَيَان الْحِكْمَة على الْأَرْبَعين، وَقَالَ بَعضهم، فِي التنكيت على الْكرْمَانِي: بِأَن هَذِه الرِّوَايَة تشعر بِأَن إِطْلَاق الْأَرْبَعين للْمُبَالَغَة فِي تَعْظِيم الْأَمر لَا لخُصُوص عدد معِين. قلت: لَا يُنَافِي رِوَايَة الْمِائَة عَن بَيَان وَجه الْحِكْمَة فِي الْأَرْبَعين، بل يَنْبَغِي أَن يطْلب وَجه الْحِكْمَة فِي كل مِنْهُمَا، لِأَن لقَائِل أَن يَقُول: لِمَ أطلق الْأَرْبَعين للْمُبَالَغَة فِي تَعْظِيم الْأَمر. ولِمَ لَمْ يذكر الْخمسين أَو سِتِّينَ أَو نَحْو ذَلِك؟ وَالْجَوَاب الْوَاضِح الشافي فِي ذَلِك أَن تعْيين الْأَرْبَعين للْوَجْه الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي، وَأما وَجه ذكر الطَّحَاوِيّ أَنه قيد بِالْمِائَةِ بعد التَّقْيِيد بالأربعين للزِّيَادَة فِي تَعْظِيم الْأَمر على الْمَار، لِأَن الْمقَام مقَام زجر وتخويف وَتَشْديد. فَإِن قلت: من أَيْن علم أَن التَّقْيِيد بِالْمِائَةِ بعد التَّقْيِيد بالأربعين؟ قلت: وقوعهما مَعًا مستعبد، لِأَن الْمِائَة أَكثر من الْأَرْبَعين، وَكَذَا وُقُوع الْأَرْبَعين بعد الْمِائَة لعدم الْفَائِدَة، وَكَلَام الشَّارِع كُله حِكْمَة وَفَائِدَة، والمناسبة أَيْضا تَقْتَضِي تَأْخِير الْمِائَة عَن الْأَرْبَعين. فَإِن قلت: قد علم فِيمَا مضى وَجه الْحِكْمَة فِي الْأَرْبَعين، فَمَا وَجه الْحِكْمَة فِي تعْيين الْمِائَة؟ قلت: الْمِائَة وسط بِالنِّسْبَةِ إِلَى العشرات والألوف، وَخير الْأُمُور أوسطها، وَهَذَا مِمَّا تفردت بِهِ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من الْأَحْكَام) فِيهِ: أَن الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي مَذْمُوم، وفاعله مرتكب الْإِثْم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ دَلِيل على تَحْرِيم الْمُرُور، فَإِن فِي الحَدِيث النَّهْي الأكيد والوعيد الشَّديد، فَيدل على ذَلِك. قلت: فعلى مَا ذكره يَنْبَغِي أَن

стр. 1238

الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي من الْكَبَائِر، ويعد من ذَلِك، وَاخْتلف فِي تَحْدِيد ذَلِك، فَقيل: إِذا مر بَينه وَبَين مِقْدَار سُجُوده وَقيل: بَينه وَبَين السَّاتِر ثَلَاث أَذْرع. وَقيل: بَينهمَا قدر رمية بِحجر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. وَفِيه: قَالَ ابْن بطال: يفهم من قَوْله: (لَو يعلم) أَن الْإِثْم يختصر بِمن يعلم بالمنهي وارتكبه. قَالَ بَعضهم: فِيهِ: بعد قلت: لَيْسَ فِيهِ بعد لِأَن: لَو، للشّرط فَلَا يَتَرَتَّب الحكم الْمَذْكُور إلَاّ عِنْد وجوده. وَفِيه: عُمُوم النَّهْي لكل مصلَ وَتَخْصِيص بَعضهم بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرد لَا دَلِيل عَلَيْهِ. وَفِيه: طلب الْعلم والإرسال لأَجله. وَفِيه: جَوَاز الإستنابة. وَفِيه: أَخذ الْعلمَاء بَعضهم من بعض. وَفِيه: الإقتصار على النُّزُول مَعَ الْقُدْرَة على الْعُلُوّ لإرسال زيد بن خَالِد بسر بن سعيد إِلَى جهيم، وَلَو طلب الْعُلُوّ لسعى هُوَ بِنَفسِهِ إِلَى أبي جهيم. وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد. ٢٠١ - (بابُ اسْتِقْبالِ الرَّجُلِ وَهُوَ يُصَلِّي) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِقْبَال الرجل الرجل، وَالْحَال أَنه يُصَلِّي يَعْنِي: هَل يكره أم لَا؟ وَالرجل الأول مُضَاف إِلَيْهِ للاستقبال وَالرجل الثَّانِي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ بَاب اسْتِقْبَال الرجل صَاحبه أَو غَيره، وَفِي بَعْضهَا اسْتِقْبَال الرجل وَهُوَ يُصَلِّي، وَفِي بَعْضهَا لفظ: الرجل مُكَرر، وَلَفظ: هُوَ، يحْتَمل عوده إِلَى الرجل الثَّانِي، فَيكون الرّجلَانِ متواجهين، وَإِلَى الأول فَلَا يلْزم التواجه. وكَرِهَ عُثْمَانُ أنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلّى. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعُثْمَان هُوَ ابْن عَفَّان أحد الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة الرَّاشِدين. قَوْله: (يسْتَقْبل) ، بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول، و: (الرجل) مَرْفُوع لنيابته عَن الْفَاعِل، وَيجوز فتح الْيَاء على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَلَا مَانع من ذَلِك، والكرماني اقْتصر على الْوَجْه الأول. قَوْله: (وَهُوَ يُصَلِّي) جملَة إسمية وَقعت حَالا عَن: الرجل، وَقَالَ بَعضهم: وَلم أر هَذَا الْأَثر عَن عُثْمَان إِلَى الْآن، وَإِنَّمَا رَأَيْته فِي (مُصَنف) عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة وَغَيرهمَا: من طَرِيق هِلَال بن يسَاف عَن عمر أَنه زجر عَن ذَلِك، وَفِيهِمَا أَيْضا عَن عُثْمَان مَا يدل على عدم كَرَاهَة ذَلِك، فَلْيتَأَمَّل، لاحْتِمَال أَن يكون فِيمَا وَقع فِي الأَصْل تَصْحِيف عَن عمر إِلَى عُثْمَان. قلت: لَا يلْزم من عدم رُؤْيَة هَذَا الْأَثر من عُثْمَان أَن لَا يكون مَنْقُولًا عَنهُ، فَلَيْسَ بسديد زعم التَّصْحِيف بِالِاحْتِمَالِ الناشيء عَن غير دَلِيل. فَإِن قلت: رِوَايَة عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة عَن عُثْمَان بِخِلَاف مَا ذكره البُخَارِيّ عَنهُ دَلِيل الِاحْتِمَال. قلت: لَا نسلم ذَلِك لاحْتِمَال أَن يكون الْمَنْقُول عَنهُ آخرا بِخِلَاف مَا نقل عَنهُ أَولا لقِيَام الدَّلِيل عِنْده بذلك. وَإنّمَا هذَا إِذا اشْتَغَلَ بهِ فأمَّا إذَا لَمْ يَشْتَغِلْ فَقَدْ قَالَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ مَا بالبَيْتُ إنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ يُشِير بِهِ إِلَى أَن مذْهبه هَهُنَا بالتفصيل، وَهُوَ أَن اسْتِقْبَال الرجل الرجل فِي الصَّلَاة إِنَّمَا يكره إِذا اشْتغل الْمُسْتَقْبل الْمُصَلِّي، لِأَن عِلّة الْكَرَاهَة فِي كف الْمُصَلِّي عَن الْخُشُوع وَحُضُور الْقلب، وَأما إِذا لم يشْغلهُ فَلَا بَأْس بِهِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَول زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ النجاري الفرضي، كَاتب رَسُول ا: مَا باليت، أَي: بالاستقبال الْمَذْكُور. يُقَال: لَا أباليه أَي: لَا أكترث لَهُ. قَوْله: (إِن الرجل) بِكَسْر: إِن لِأَنَّهُ اسْتِئْنَاف ذكر لتعليل عدم المبالاة. وروى أَبُو نعيم فِي (كتاب الصَّلَاة) : حدّثنا مسعر، قَالَ: أَرَانِي أول من سَمعه من الْقَاسِم قَالَ: ضرب عمر رجلَيْنِ: أَحدهمَا مُسْتَقْبل وَالْآخر يُصَلِّي. وحدّثنا سُفْيَان حدّثنا رجل عَن سعيد بن جُبَير أَنه: كره أَن يُصَلِّي وَبَين يَدَيْهِ مخنث مُحدث، وحدّثنا سُفْيَان عَن أَشْعَث بن أبي الشعْثَاء عَن ابْن جُبَير. قَالَ: إِذا كَانُوا يذكرُونَ اتعالى فَلَا بَأْس، وَقَالَ ابْن بطال: أجَاز الْكُوفِيُّونَ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ الصَّلَاة خلف المتحدثين، وَكَرِهَهُ ابْن مَسْعُود، وَكَانَ ابْن عمر لَا يسْتَقْبل من يتَكَلَّم إلَاّ بعد الْجُمُعَة. وَعَن مَالك: لَا بَأْس أَن يُصَلِّي إِلَى ظهر الرجل، وَأما إِلَى جنبه فَلَا، وروى عَنهُ التَّخْفِيف فِي ذَلِك. وَقَالَ: لَا تصلوا إِلَى المتحلقين، لِأَن بَعضهم يستقبله. قَالَ: وَأَرْجُو أَن يكون وَاسِعًا، وَذَهَبت طَائِفَة من الْعلمَاء إِلَى أَن الرجل يستر إِلَى الرجل إِذا صلى. وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة يستره إِذا كَانَ جَالِسا. وَعَن الْحسن: يستره وَلم يشْتَرط الْجُلُوس وَلَا تَوْلِيَة الظّهْر، وَأكْثر الْعلمَاء على كَرَاهَة

стр. 1239

استقباله بِوَجْهِهِ. وَقَالَ نَافِع: كَانَ ابْن عمر إِذا لم يجد سَبِيلا إِلَى سَارِيَة الْمَسْجِد قَالَ لي: ظهرك، وَهُوَ قَول مَالك. وَقَالَ ابْن سِيرِين: لَا يكون الرجل ستْرَة للْمُصَلِّي. ١١٥٠٦١ - ح دّثنا إسْمَاعيلُ بنُ خَلِيلٍ قَالَ حدّثنا عَليُّ بنُ مُسْهِرٍ عنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ يَعْنِي ابْنَ صُبَيْحٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَها مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ فَقالُوا يَقْطَعُها الْكَلْبُ والحِمَارُ والمَرْأةُ قالَتْ لَقدْ جَعَلْتُمُونا كِلَاباً لَقَدْ رَأيْتُ النبيَّ يُصَلِّي وإِنِّي لَبَيْنَهُ وَبَيْنُ القِبْلَةِ وَأَنا مضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ فَتَكُونُ لِيَ الحَاجَةُ فأكْرَهُ أنْ أسْتَقْبِلَهُ فأنْسَلُّ انْسِلَالاً. . وَجه مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة على وُجُوه: الأول: مَا قَالَه الْكرْمَانِي: حكم الرِّجَال وَالنِّسَاء وَاحِد فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إلَاّ مَا خصّه الدَّلِيل. قلت: بَيَان ذَلِك أَن عَائِشَة كَانَت مُضْطَجِعَة على السرير، وَكَانَت بَين يَدي النَّبِي وَبَين الْقبْلَة، فَيكون اسْتِقْبَال الرجل الْمَرْأَة فِي الصَّلَاة وَلم تكن تشغل النَّبِي، فَدلَّ على عدم الْكَرَاهَة. وَلَا يُقَال: التَّرْجَمَة اسْتِقْبَال الرجل الرجل، وَفِيمَا ذكر اسْتِقْبَال الرجل الْمَرْأَة، لأَنا نقُول: حكم الرِّجَال وَالنِّسَاء وَاحِد إِلَى آخر مَا ذكرنَا، وَقد ذكرنَا أَن التَّرْجَمَة رويت على ثَلَاثَة أوجه، وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الْوَجْه الْوَاحِد، وَهُوَ: بَاب اسْتِقْبَال الرجل الرجل، وَهُوَ يُصَلِّي. وَأما فِي الْوَجْهَيْنِ الآخرين فالتطابق ظَاهر فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّكَلُّف. الْوَجْه الثَّانِي: ذكره ابْن الْمُنِير فَقَالَ: لِأَنَّهُ يدل على الْمَقْصُود بطرِيق الأولى، وَإِن لم يكن تَصْرِيح بِأَنَّهَا كَانَت مُسْتَقْبلَة، فلعلها كَانَت منحرفة أَو مستدبرة. الْوَجْه الثَّالِث: ذكره ابْن رشد فَقَالَ: قصد البُخَارِيّ: أَن شغل الْمُصَلِّي بِالْمَرْأَةِ إِذا كَانَت فِي قبلته، على أَي حَالَة كَانَت، أَشد من شغله بِالرجلِ، وَمَعَ ذَلِك فَلم يضر صلَاته، ﵊، لِأَنَّهُ غير مشتغل بهَا، فَكَذَلِك لَا تضر صَلَاة من لم يشْتَغل بهَا، وَبِالرجلِ من بَاب أولى. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: كلهم قد ذكرُوا، وَإِسْمَاعِيل بن خَلِيل أَبُو عبد االخراز الْكُوفِي، تقدم فِي بَاب مُبَاشرَة الْحَائِض، وَكَذَلِكَ عَليّ بن مسْهر، وَالْأَعْمَش: هُوَ سُلَيْمَان الْكُوفِي، وَمُسلم: هُوَ البطين ظَاهرا، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: الظَّاهِر أَنه مُسلم بن صبيح أَبُو الضُّحَى، ومسروق بن الأجدع. وَالْكَلَام فِيهِ قد مر فِي بَاب الصَّلَاة إِلَى السرير، لِأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من أوجه أخر. قَوْله: (كلابا) أَي: كالكلاب فِي حكم قطع الصَّلَاة. قَوْله: (رَأَيْت) أَي: أَبْصرت. قَوْله: (وَإِنِّي لبينه) أَي: لبين النَّبِي،، وَهَذِه الْجُمْلَة فِي مَحل النصب على الْحَال، وَكَذَلِكَ: وَأَنا مُضْطَجِعَة. قَوْله: (وأكره) كَذَا هُوَ بِالْوَاو فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الكشمهيني: (فأكره) بِالْفَاءِ. قَوْله: (فأنسل) أَي فَأخْرج بالخفية. وَعنِ الأعْمَش عنْ إبْراهِيمَ عَن الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. أَي وَرُوِيَ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ عَن عَائِشَة، ى ضي اتعالى عَنْهَا، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا يحْتَمل التَّعْلِيق وَكَونه من كَلَام ابْن مسْهر أَيْضا. قلت: خرجه بعد الْبَابَيْنِ فِي بَاب من قَالَ لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء، وَالْحَاصِل أَن هَذَا مَعْطُوف على الْإِسْنَاد الَّذِي قبله، وَنبهَ بِهِ على أَن عَليّ بن مسْهر قد روى هَذَا الحَدِيث عَن الْأَعْمَش باسنادين إِلَى عَائِشَة. أَحدهمَا: عَن مُسلم عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور. وَالْآخر: عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا، بِالْمَعْنَى. وَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله. (نَحوه) وَهُوَ بِالنّصب. فَإِن قلت: كَيفَ يَقُول: نَحوه، وَلَفظ النَّحْو يَقْتَضِي الْمُمَاثلَة بَينهمَا من كل الْوُجُوه وَهَهُنَا لَيْسَ كَذَلِك؟ قلت: لَا نسلم أَنه كَذَلِك، بل يَقْتَضِي الْمُشَاركَة فِي أصل الْمَعْنى الْمَقْصُود فَقَط. ٣٠١ - (بابُ الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّائِمِ) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة خلف النَّائِم، يَعْنِي: يجوز وَلَا يكره على مَا سنبينه إِن شَاءَ اتعالى. ٢١٥١٦٢ - ح دّثنا مُسدَّدٌ قَالَ حَدَّثنا يحيى قَالَ حدّثنا هِشَامٌ قَالَ حدّثني أبي عنْ عائِشة

стр. 1240

َ قالتْ كانَ النبيُّ يُصَلِّي وَأَنا رَاقِدَهُ مُعْتَرِضَةٌ عَلى فِرَاشِهِ فإِذَا أرَادَ أنْ يُوتِرَ أيْقَظَنِي فأوْتَرْتُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. فَإِن قلت: كَيفَ الظُّهُور والترجمة خلف النَّائِم والْحَدِيث خلف النائمة. قلت: قد ذكرنَا أَن الرِّجَال وَالنِّسَاء وَاحِد فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إلَاّ مَا خصّه الدَّلِيل، أَو أَنه إِذا جَازَ خلف النائمة فخلف النَّائِم بِالطَّرِيقِ الأولى، أَو أَرَادَ بالنائم الشَّخْص النَّائِم ذكرا كَانَ أَو انثى. ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا: وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام بن عُرْوَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد ابْن سعيد الْقطَّان بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (كَانَ النَّبِي، يُصَلِّي) مثل هَذَا التَّرْكِيب يُفِيد التّكْرَار. قَوْله: (وَأَنا رَاقِدَة) جملَة حَالية. قَوْله: (مُعْتَرضَة) ، صفة بعد صفة. قَوْله: (أَن يُوتر) أَي: إِذا راد أَن يُصَلِّي الْوتر. قَوْله: (أيقظني) ، من الإيقاظ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من الْأَحْكَام قَالَ ابْن بطال: الصَّلَاة خلف النَّائِم جَائِزَة، إِلَّا أَن طَائِفَة كرهتها خوف مَا يحدث من النَّائِم فيشتغل الْمُصَلِّي بِهِ أَو يضحكه فتفسد صلَاته. وَقَالَ مَالك: لَا يصلى إِلَى نَائِم إلَاّ أَن يكون دونه ستْرَة، وَهُوَ قَول طَاوس. وَقَالَ مُجَاهِد: أَن أُصَلِّي وَرَاء قَاعد أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي وَرَاء نَائِم. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي،، قَالَ: (لَا تصلوا خلف النَّائِم وَلَا المتحدث) . وَأخرجه ابْن ماجة أَيْضا، وروى الْبَزَّار عَنهُ أَن النَّبِي، ﵊، قَالَ: (نهيت أَن أُصَلِّي إِلَى النَّائِم والمتحدث) . وروى ابْن عدي عَن ابْن عمر نَحوه، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه. قلت: قَالَ أَبُو دَاوُد: طرق حَدِيث ابْن عَبَّاس كلهَا واهية وَقَالَ الْخطابِيّ. هَذَا الحَدِيث يَعْنِي حَدِيث ابْن عَبَّاس لَا يَصح عَن النَّبِي،، لضعف سَنَده. قلت: وَفِي (مُسْند) أبي دَاوُد رجل مَجْهُول، وَفِيه عبد ابْن يَعْقُوب لم يسم من حَدثهُ. قلت: وَفِي مُسْند ابْن مَاجَه أَبُو الْمِقْدَام هِشَام بن زِيَاد الْبَصْرِيّ لَا يحْتَج بحَديثه، وَحَدِيث ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة واهيان أَيْضا، وروى الْبَزَّار أَيْضا من حَدِيث أَحْمد بن يحيى الْكُوفِي حدّثنا إِسْمَاعِيل بن صبيح حدّثنا إِسْرَائِيل عَن عبد الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيّ عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة عَن عَليّ، رَضِي اتعالى عَنهُ: (أَن رَسُول الله رأى رجلا يُصَلِّي إِلَى رجل فَأمره أَن يُعِيد الصَّلَاة، قَالَ: يَا رَسُول اإني صليت وَأَنت تنظر إِلَيّ) ، قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يحفظ إلَاّ بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَكَأن هَذَا الْمُصَلِّي كَانَ مُسْتَقْبل الرجل وَلم يَتَنَحَّ عَن حياله. وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة حدّثنا إِسْمَاعِيل بن علية عَن لَيْث عَن مُجَاهِد يرفعهُ قَالَ: (لَا يأتم بنائم وَلَا مُحدث) . وَقَالَ وَكِيع: حدّثنا سُفْيَان عَم عبد الْكَرِيم أبي أُميَّة عَن مُجَاهِد: (أَن النَّبِي نهى أَن يُصَلِّي خلف النوام والمتحدثين) ، وَعبد الْكَرِيم مَتْرُوك الحَدِيث. وَفِيه: اسْتِحْبَاب إيقاظ النَّائِم للطاعة. وَفِيه: أَن الْوتر يكون بعد النّوم. ٤٠١ - (بابُ التَّطَوُّعِ خَلْفَ المَرْأةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَلَاة التَّطَوُّع خلف الْمَرْأَة يَعْنِي يجوز. ٣١٥٢٦١ - ح دّثنا عَبْدُ ااِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أَبي النَضَرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدَ ااِ عنْ سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ عائِشَةَ زَوْج النبِيِّ أنَّهَا قالَتْ كُنْتُ أَنَام بَيْنَ يَدَيْ رسولِ ااِ وَرِجْلايَ فِي قِبْلَتِهِ فإذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ فإِذَا قامَ بَسَطْتُهُما قالتْ وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيها مَصابِيحُ. هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه بِهَذَا الْإِسْنَاد مر فِي بَاب الصَّلَاة على الْفراش، غير أَن هُنَاكَ أخرجه عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك، وَهَهُنَا عَن عبد ابْن يُوسُف عَن مَالك، وَأَبُو النَّضر سَالم مولى عمر بِدُونِ الْوَاو، وَأَبُو سَلمَة عبد ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَقد تكلمنا هُنَاكَ فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ مُسْتَوفى مستقصىً، ومطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ دلَالَته على التَّطَوُّع إِذْ الصَّلَاة أَعم مِنْهُ؟ ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ: قد علم من عَادَته أَن الْفَرَائِض كَانَ يُصليهَا فِي الْمَسْجِد وبالجماعة. وَقَالَ أَيْضا: لفظ الحَدِيث يَقْتَضِي

стр. 1241

أَن يكون ظهر الْمَرْأَة إِلَى الْمُصَلِّي فَمَا وَجه دلَالَة الحَدِيث عَلَيْهِ؟ ثمَّ أجَاب بقوله لَا نسلم ذَلِك الِاقْتِضَاء، وَلَئِن سلمنَا فَالسنة للنائم التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة، وَالْغَالِب من حَال عَائِشَة أَنَّهَا لَا تتركها. ٥٠١ - (بابُ منْ قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من قَالَ لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء وَمَعْنَاهُ من فعل غير الْمُصَلِّي. ٤١٥ - ح دّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدّثنا الأَعْمَشُ قَالَ حدّثنا إبْرَاهِيمُ عَنِ الأَسْوَد عنْ عائِشَةَ قَالَ الأَعْمَشُ وحدّثني مُسْلِمٌ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ ذُكِرَ عِنْدَها مَا يَقُطَعُ الصَّلَاةَ الكَلْبُ والحِمَارُ وَالمَرْأةُ فقالَتْ شَبَهْتُمُونا بالحُمُرِ والكِلابِ وااِ لَقَدْ رَأيْتُ النبيَّ يُصَلِّي وإنّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضْطَجِعَةٌ فَتَبُدُو لِي الحَاجَةُ فأكْرَهُ أنْ أجْلِسَ فأُوذِيَ النبيَّ فَأنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ. مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يدل على أَن الصَّلَاة لَا يقطعهَا شَيْء، بَيَان ذَلِك أَن عَائِشَة أنْكرت على من ذكر عِنْدهَا أَن الصَّلَاة يقطعهَا الْكَلْب وَالْحمار وَالْمَرْأَة بِكَوْنِهَا كَانَت على السرير بَين النَّبِي وَبَين الْقبْلَة وَهِي مُضْطَجِعَة، وَلم يَجْعَل النَّبِي ذَلِك قطعا لصلاته، فَهَذِهِ الْحَالة أقوى من الْمُرُور، فَإِذا لم تقطع فِي هَذِه فَفِي الْمُرُور بِالطَّرِيقِ الأولى، ثمَّ الْمُرُور عَام من أَي حَيَوَان كَانَ، لِأَن الشَّارِع جعل كل مَا بَين يَدي الْمُصَلِّي شَيْطَانا، وَذَلِكَ فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، أخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رَسُول الله قَالَ: (إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يدعن أحدا يمر بَين يَدَيْهِ، وليدرأه مَا اسْتَطَاعَ فَإِن أبي فليقاتله فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) . وَهُوَ بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل بني آدم وَغَيرهم، وَلم يَجْعَل نفس الْمُرُور قَاطعا، وَإِنَّمَا ذمّ الْمَار حَيْثُ جعله شَيْطَانا من بَاب التَّشْبِيه. ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة قد ذكرُوا كلهم، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ، وَمُسلم هُوَ أَبُو الضُّحَى، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع. ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: إسنادان: أَحدهمَا: عَن عمر بن حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، وَالْآخر: عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله، وَقَالَ الْاعمش: حَدثنِي مُسلم، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا إِمَّا تَعْلِيق وَإِمَّا دَاخل تَحت الْإِسْنَاد الأول، وَهَذَا تَحْويل سَوَاء كَانَ بِكَلِمَة (ح) كَمَا فِي بعض النّسخ، أَو لم يكن. وَقَالَ بَعضهم: قَالَ الْأَعْمَش، وَهُوَ مقول حَفْص بن غياث وَلَيْسَ بتعليق. قلت: أَرَادَ بِهِ الرَّد على الْكرْمَانِي وَلَيْسَ لَهُ وَجه، لِأَنَّهُ ذكر التَّعْلِيق بِالنّظرِ إِلَى ظَاهر الصُّورَة، وَذكر أَيْضا أَنه دَاخل تَحت الْإِسْنَاد الأول. وَهَذَا الحَدِيث قد تكَرر ذكره مطولا ومختصراً بِوُجُوه شَتَّى وطرق مُخْتَلفَة، ذكر فِي بَاب الصَّلَاة على الْفراش، وَفِي بَاب الصَّلَاة على السرير، وَفِي بَاب اسْتِقْبَال الرجل الرجل فِي الصَّلَاة، وَفِي بَاب الصَّلَاة خلف النَّائِم، وَفِي بَاب التَّطَوُّع خلف الْمَرْأَة، وَفِي هَذَا الْبَاب فِي موضِعين. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) قَوْله: (ذكر عِنْدهَا) أَي: إِنَّه ذكر عِنْد عَائِشَة. قَوْله: (مَا يقطع) ، كلمة: مَا، مَوْصُولَة، وَيجوز فِيهِ وَجْهَان: الأول: أَن تكون مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: الْكَلْب، وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول مَا لم يسم فَاعله، وَهُوَ قَوْله: ذكر، على صِيغَة الْمَجْهُول. الْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون: مَا، مفعول مَا لم يسم فَاعله، وَيكون قَوْله: الْكَلْب، بَدَلا مِنْهُ. قَوْله: (وَأَنا على السرير بَينه وَبَين الْقبْلَة مُضْطَجِعَة) ، ثَلَاثَة أَخْبَار مترادفة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ أَيْضا: أَو خبران وَحَال، أَو: حالان وَخبر، وَفِي بَعْضهَا مُضْطَجِعَة بِالنّصب، فالأولان خبران، أَو أَحدهمَا حَال وَالْآخر خبر. قلت: التَّحْقِيق فِيهِ أَن قَوْله: وَأَنا على السرير، جملَة اسمية وَقعت حَالا من عَائِشَة، وَكَذَا: بَينه وَبَين الْقبْلَة، حَال. وَقَوله: مُضْطَجِعَة، بِالرَّفْع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَأَنا مُضْطَجِعَة. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ تكون هَذِه الْجُمْلَة أَيْضا حَالا، وَيجوز أَن يكون: مُضْطَجِعَة، بِالرَّفْع خَبرا لقَوْله: وَأَنا أَي: وَالْحَال أَنا مُضْطَجِعَة

стр. 1242

على السرير، فعلى هَذَا لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير مُبْتَدأ. وَأما وَجه النصب فِي: مُضْطَجِعَة، فعلى أَنه حَال من: عَائِشَة، أَيْضا، ثمَّ يجوز أَن يكون هَذَانِ الحالان مترادفين، وَيجوز أَن يَكُونَا متداخلين. قَوْله: (شبهتمونا بالحمر وَالْكلاب) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (لقد جعلتمونا كلاباً) ، وَهِي فِي اسْتِقْبَال الرجل وَهُوَ يُصَلِّي، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (قَالَت: عدلتمونا بالكلاب والحمر) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: (لقد شبهتمونا بالحمير وَالْكلاب) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (لقد عدلتمونا بالكلاب وَالْحمير) . وَقد أخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من سبع طرق صِحَاح، وَفِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور: (قَالَت عَائِشَة: ياأهل الْعرَاق قد عدلتمونا) . الحَدِيث، وَقد أخرج أهل الْعرَاق حَدِيثا عَن أبي ذَر أخرجه مُسلم، وَقَالَ: حدّثنا ابْن أبي شيبَة، قَالَ: حدّثنا إِسْمَاعِيل بن علية وحَدثني زُهَيْر بن حَرْب، قَالَ: حدّثنا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن يُونُس عَن حميد بن عبد ابْن الصَّامِت عَن أبي ذَر، قَالَ رَسُول ا: (إِذا قَامَ أحدكُم يُصَلِّي فَإِنَّهُ يستره إِذا كَانَ بَين يَدَيْهِ مثل آخِرَة الرحل، فَإِذا لم يكن بَين يَدَيْهِ مثل آخِرَة الرحل فَإِنَّهُ يقطع صلَاته الْحمار وَالْمَرْأَة وَالْكَلب الْأسود. قلت: يَا أَبَا ذَر: مَا بَال الْكَلْب الْأسود من الْكَلْب الْأَحْمَر وَمن الْكَلْب الْأَصْفَر؟ قَالَ: يَا ابْن أخي، سَأَلت رَسُول الله كَمَا سَأَلتنِي، فَقَالَ: الْكَلْب الْأسود شَيْطَان) . وَأخرجه الْأَرْبَعَة أَيْضا مطولا ومختصراً، وَقيد الْكَلْب فِي رِوَايَته بالأسود، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي، قَالَ: (يقطع الصَّلَاة الْكَلْب الْأسود وَالْمَرْأَة الْحَائِض) . وَقيد الْمَرْأَة فِي رِوَايَته بالحائض. قَوْله: (فتبدو لي الْحَاجة) أَي: تظهر، وَفِي (مُسْند) السراج: (فَيكون لي حَاجَة) . قَوْله: (فأكره أَن أَجْلِس) أَي: مُسْتَقْبل رَسُول ا، وَذكر فِي بَاب الصَّلَاة على السرير: (فأكره أَن أسنحه) . وَفِي بَاب اسْتِقْبَال الرجل: (فأكره أَن أستقبله) ، وَالْمَقْصُود من ذَلِك كُله وَاحِد، لَكِن باخْتلَاف المقامات اخْتلف الْعبارَات. قَوْله: (فأوذي) بِلَفْظ الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع وفاعله الضَّمِير فِيهِ: (وَالنَّبِيّ) بِالنّصب مَفْعُوله، وَفِي النَّسَائِيّ: من طَرِيق شُعْبَة عَن مَنْصُور عَن الْأسود عَن عَائِشَة فِي هَذَا الحَدِيث: (فأكره أَن أقوم فَأمر بَين يَدَيْهِ) . قَوْله: (فأنسل) بِالرَّفْع عطفا على قَوْله: (فأكره) ، وَلَيْسَ بِالنّصب عطفا على: (فأوذي) . وَمعنى: (فأنسل) : أَي: أمضي بتأن وتدريج. وَقد ذكرنَا مرّة وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (فأنسل انسلالاً) . وَكَذَا فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الطَّحَاوِيّ: دلّ حَدِيث عَائِشَة على أَن مُرُور بني آدم بَين يَدي الْمُصَلِّي لَا يقطع الصَّلَاة، وَكَذَلِكَ دلّ حَدِيث أم سَلمَة ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث، فَأخْرج الطَّحَاوِيّ حَدِيث أم سَلمَة عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة عَن أم سَلمَة، قَالَت: (كَانَ يفرش لي حِيَال مصلى رَسُول ا، كَانَ يُصَلِّي وَأَنا حياله) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) نَحوه، غير أَن فِي لَفظه: (حِيَال مَسْجِد رَسُول ا) ، أَي: تِلْقَاء وَجهه. وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا حَدِيث مَيْمُونَة: عَن عبد الله بن شَدَّاد، قَالَ: حَدَّثتنِي خَالَتِي مَيْمُونَة بنت الْحَارِث، قَالَت: (كَانَ فِرَاشِي حِيَال مصلى رَسُول ا، فَرُبمَا وَقع ثَوْبه عَليّ وَهُوَ يُصَلِّي) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد، وَلَفظه: (كَانَ رَسُول الله يُصَلِّي وَأَنا حذاءه، وَأَنا حَائِض، وَرُبمَا أصابني ثَوْبه إِذا سجد وَكَانَ يُصَلِّي على الْخمْرَة) . قَوْله: (مصلى رَسُول ا) ، بِفَتْح اللَّام، وَهُوَ الْموضع الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ فِي بَيته، وَهُوَ مَسْجده الَّذِي عينه للصَّلَاة فِيهِ، و: الْخمْرَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة: حَصِير صَغِير يعْمل من سعف النّخل وينسج بالسيور والخيوط، وَهِي على قدرهَا مَا يوضع عَلَيْهَا الْوَجْه وَالْأنف، فَإِذا كَبرت عَن ذَلِك تسمى حَصِيرا. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فقد تَوَاتَرَتْ هَذِه الْآثَار عَن رَسُول الله بِمَا يدل على أَن بني آدم لَا يقطعون الصَّلَاة، وَقد جعل مل مَا بَين يَدي الْمُصَلِّي فِي حَدِيث ابْن عمر وَأبي سعيد شَيْطَانا، وَأخْبر أَبُو ذَر: أَن الْكَلْب الْأسود إِنَّمَا يقطع الصَّلَاة لِأَنَّهُ شَيْطَان، فَكَانَت الْعلَّة الَّتِي جعلت لقطع الصَّلَاة قد جعلت فِي بني آدم أَيْضا، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنهم لَا يقطعون الصَّلَاة، فَدلَّ على أَن كل مار بَين يَدي الْمُصَلِّي، مِمَّا سوى بني آدم، كَذَلِك أَيْضا لَا يقطع الصَّلَاة، وَالدَّلِيل على صِحَة مَا ذكرنَا أَن ابْن عمر، مَعَ رِوَايَته مَا ذكرنَا عَنهُ من قَوْله، قد وري عَنهُ من بعده مَا حدّثنا يُونُس، قَالَ: حدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم، قَالَ: قيل لِابْنِ عمر: إِن عبد ابْن عَيَّاش بن ربيعَة، يَقُول: يقطع الصَّلَاة الْكَلْب وَالْحمار، فَقَالَ ابْن عمر: لَا يقطع صَلَاة الْمُسلم شَيْء وَقد دلّ هَذَا على ثُبُوت نسخ مَا كَانَ سَمعه من رَسُول الله حَتَّى صَار مَا قَالَ بِهِ من ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم، وَتعقب على كَلَام الطَّحَاوِيّ بِأَن النّسخ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا إِذا علم التَّارِيخ وَتعذر الْجمع والتاريخ هُنَا لم يتَحَقَّق وَالْجمع لم يتَعَذَّر (قلت) لَا نسلم -

стр. 1243

ذَلِك، لِأَن مثل ابْن عمر، بَعْدَمَا روى أَن الْمُرُور يقطع، قَالَ: لَا يقطع صَلَاة الْمُسلم شَيْء، فَلَو لم يثبت عِنْده نسخ ذَلِك لم يقل بِمَا قَالَ من عدم الْقطع، وَمن الدَّلِيل على ذَلِك أَن ابْن عَبَّاس، الَّذِي هُوَ أحد رُوَاة الْقطع، وري أَنه حمله على الْكَرَاهَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: روى سماك عَن عِكْرِمَة، قيل لِابْنِ عَبَّاس: أتقطع الصَّلَاة الْمَرْأَة وَالْكَلب وَالْحمار؟ فَقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾ (فاطر: ٠١) فَمَا يقطع هَذَا، وَلَكِن يكره. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد روى عَن نفر من أَصْحَاب رَسُول ا: أَن مُرُور بني آدم وَغَيرهم بَين يَدي الْمُصَلِّي لَا يقطع الصَّلَاة، ثمَّ أخرج عَن سعيد بن الْمسيب بِإِسْنَاد صَحِيح أَن عليا وَعُثْمَان، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا، قَالَا: (لَا يقطع صَلَاة الْمُسلم شَيْء وادرؤا مَا اسْتَطَعْتُم) . وَأخرجه أَيْضا ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن ابْن الْمسيب عَن عَليّ وَعُثْمَان، قَالَا: (لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء فادرؤوهم عَنْكُم مَا اسْتَطَعْتُم) . وَأخرج الطَّحَاوِيّ: عَن كَعْب بن عبد اعن حُذَيْفَة بن الْيَمَان يَقُول: (لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء) . وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَليّ، رَضِي اعنه، مَرْفُوعا: (لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء إلَاّ الْحَدث) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْقَائِلُونَ بِقطع بمرورهم، من أَيْن قَالُوا بِهِ؟ قلت: إِمَّا باجتهادهم، وَلَفظ: شبهتمونا، يدل عَلَيْهِ، إِذْ نسبت التَّشْبِيه إِلَيْهِم، وَإِمَّا بِمَا ثَبت عِنْدهم من قَول النَّبِي. قلت: هَذَا السُّؤَال سُؤال من لم يقف على الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا الْقطع، وَأحد شقي الْجَواب غير موجه لِأَنَّهُ لَا مجَال للإجتهاد عِنْد وجوب النُّصُوص. ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن الرَّسُول بِهِ فلِمَ لَا يحكم بِالْقطعِ؟ قلت: إِمَّا لِأَنَّهَا رجحت خَبَرهَا على خبرهم من جِهَة أَنَّهَا صَاحِبَة الْوَاقِعَة، وَمن جِهَة أُخْرَى، أَو لِأَنَّهَا أولت الْقطع بِقطع الْخُشُوع ومواطأة الْقلب اللِّسَان فِي التِّلَاوَة، لَا قطع أصل الصَّلَاة، أَو جعلت حَدِيثهَا وَحَدِيث ابْن عَبَّاس مُرُور الْحمار الأتان ناسخين لَهُ، وَكَذَا حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ حَيْثُ قَالَ: (فليدفعه وفليقاتله) ، من غير حكم بِانْقِطَاع الصَّلَاة بذلك. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يعكس بِأَن يَجْعَل الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة مَنْسُوخَة؟ قلت: للإحتراز عَن كَثْرَة النّسخ، إِذْ نسخ حَدِيث وَاحِد أَهْون من نسخ ثَلَاثَة، أَو لِأَنَّهَا كَانَت عارفة بالتاريخ وَتَأَخر عَنهُ. ٥١٥٤٦١ - ح دّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا يَعْقُوبُ بنُ بْرَاهِيمَ قَالَ حدّثني ابنُ أخِي ابنِ شِهَابٍ أنَّهُ سأَلَ عَمَّهُ عَن الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شِيءٌ فقالَ لَا يَقْطَعُهَا شَيءٌ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النبيّ قالَتْ لَقَدْ كانَ رسولُ الله يَقُومُ فَيُصلِّي منَ اللَّيْلِ وَإِنِّي لِمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أهْلِهِ. . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة صَرِيحَة من قَول الزُّهْرِيّ. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق بن أبراهيم الْحَنْظَلِي الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، هَذِه رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره وَقع إِسْحَاق غير مَنْسُوب، وَزعم أَبُو نعيم أَنه: إِسْحَاق بن مَنْصُور الكوسج، وَجزم ابْن السكن بِأَنَّهُ: ابْن رَاهْوَيْةِ، وَقَالَ: كل مَا فِي البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب فَهُوَ ابْن رَاهْوَيْةِ. وَقَالَ الكلاباذي: إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم. وَإِسْحَاق بن مَنْصُور وَكِلَاهُمَا يرويان عَن يَعْقُوب. الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَقد مر. الثَّالِث: ابْن أخي ابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن عبد ابْن مُسلم، تقدم فِي بَاب إِذا لم يكن الْإِسْلَام على الْحَقِيقَة. الرَّابِع: عَمه، هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: السُّؤَال وَالْقَوْل. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن عَمه، وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا إِسْحَاق فَإِنَّهُ مروزي. ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (لَا يقطعهَا) ، أَي: لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء، وَهَذَا عَام مَخْصُوص بالأمور الثَّلَاثَة الَّتِي وَقع النزاع فِيهَا، لِأَن القواطع فِي الصَّلَاة كَثِيرَة مثل القَوْل الْكثير وَغَيرهمَا، وَمَا من عَام إلَاّ وَقد خص إلَاّ: ﴿وَا بِكُل شَيْء عليم﴾ (الْبَقَرَة: ١٣٢، ٢٨٢ النِّسَاء: ٦٧١ الْمَائِدَة: ٧٩ الْأَنْفَال: ٥٧ التَّوْبَة: ٥١١ النُّور: ٥٣، ٤٦ العنكبوت: ٢٦ الحجرات: ٦١ المجادلة: ٠٧ التغابن: ١١) وَنَحْوه. قَوْله: (أَخْبرنِي) ، من تَتِمَّة مقول ابْن شهَاب. قَوْله: (وَإِنِّي لمعترضة) ، جملَة اسمية مُؤَكدَة: بِأَن، وللام فِي مَوضِع النصب على الْحَال.

стр. 1244

قَوْله: (على فرَاش أَهله) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (على فرَاش) ، وعَلى الرِّوَايَتَيْنِ هُوَ مُتَعَلق: بِقوم، مَعَ أَن الرِّوَايَة الأولى يحْتَمل تعلقهَا بِلَفْظ: يُصَلِّي، أَيْضا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ بِهِ استدلت عَائِشَة وَالْعُلَمَاء بعْدهَا على أَن الْمَرْأَة لَا تقطع صَلَاة الرجل. وَفِيه: جَوَاز صَلَاة الرجل إِلَيْهَا، وَكَرَاهَة الْبَعْض لغير النَّبِي، ﵊، ولخوف الْفِتْنَة بهَا وبذكرها وإشتغال الْقلب بهَا بِالنّظرِ إِلَيْهَا، وَالنَّبِيّ،، منزه عَن ذَلِك كُله، مَعَ أَنه كَانَ فِي اللَّيْل والبيوت يَوْمئِذٍ لَيست فِيهَا مصابيح. وَفِيه: إستحباب صَلَاة اللَّيْل. وَفِيه: جَوَاز الصَّلَاة على الْفراش. ٦٠١ - (بابٌ منْ حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً على عُنقِهِ فِي الصَّلَاةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من حمل جَارِيَة صَغِيرَة على عُنُقه، يَعْنِي: لَا تفْسد صلَاته. وَقَالَ ابْن بطال: أَدخل البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث هُنَا ليدل أَن حمل الْمُصَلِّي الْجَارِيَة على الْعُنُق لَا يضر صلَاته، لِأَن حملهَا أَشد من مرورها بَين يَدَيْهِ، فَلَمَّا لم يضر حملهَا كَذَلِك لَا يضر مرورها. قلت: فَلذَلِك ترْجم هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ التَّرْجَمَة، وَبَينه وَبَين الْأَبْوَاب الَّتِي قبله مُنَاسبَة من هَذَا الْوَجْه. ٦١٥ - ح دّثنا عَبْدُ ااِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عامِرِ بنِ عَبْد ااِ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَمْرو بنِ سُلَيْمٍ الزُّرقِيِّ عنْ أبي قَتَادَةَ الأَنْصَاريِّ أنَّ رسولَ ااِ كانَ يُصَلِّي وَهُوَ حامِلٌ أُمامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتَ رسولِ ااِ ولأَبي العَاصِ بنِ رَبِيعَةَ بنِ عَبْدِ شمْسٍ فإِذَا سَجَدَ وَضَعَها وَإذَا قَامَ حَمَلَها. (الحَدِيث ٦١٥ طرفَة فِي: ٦٩٩٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. فَإِن قلت: أَيْن الظُّهُور وَقد خصص الْحمل بِكَوْنِهِ على الْعُنُق، وَلَفظ الحَدِيث أَعم من ذَلِك؟ قلت: كَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى الحَدِيث لَهُ طرق أُخْرَى مِنْهَا لمُسلم من طَرِيق بكير بن الْأَشَج عَن عَمْرو بن سليم، وَصرح فِيهِ: (على عُنُقه) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد لَهُ: (فَيصَلي رَسُول الله وَهِي على عَاتِقه) ، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد من طَرِيق ابْن جريج: (على رقبته) . ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبد ابْن يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: عَامر بن عبد ابْن الزبير بن الْعَوام. الرَّابِع: عَمْرو بن سليم، بِضَم السِّين: الزرقي، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء، وَهُوَ فِي الْأَنْصَار نِسْبَة إِلَى زُرَيْق بن عَامر بن زُرَيْق بن عبد حَارِثَة بن مَالك بن عصب بن جشم بن الْخَزْرَج. الْخَامِس: أَبُو قَتَادَة الْأنْصَارِيّ واسْمه الْحَارِث بن ربعي السّلمِيّ، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ وَابْن إِسْحَاق: اسْمه النُّعْمَان. قَالَ الْهَيْثَم بن عدي: إِن عليا صلى عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ. ذكر لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع، والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: عَن مَالك سَمِعت أَبَا قَتَادَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة أَحْمد من طَرِيق ابْن جريج: عَن عَامر عَن عَمْرو بن سليم أَنه سمع أَبَا قَتَادَة. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون مَا خلا شيخ البُخَارِيّ. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي وَيحيى بن يحيى وقتيبة، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث بِهِ، وَعَن ابتن أبي عَمْرو وَعَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي بكر الْحَنَفِيّ وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَهَارُون بن سعيد، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن وهب بِهِ، وَعَن يحيى بن خلف عَن عبد الْأَعْلَى عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان وَعَن مُحَمَّد بن صَدَقَة الْحِمصِي عَن مُحَمَّد بن حَرْب. رلا ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) قَوْله: (وَهُوَ حَامِل أُمَامَة) ، جملَة إسمية فِي مَحل النصب على الْحَال، وَلَفظ: حَامِل، بِالتَّنْوِينِ، وأمامة،

стр. 1245

بِالنّصب، وَهُوَ الْمَشْهُور يرْوى بِالْإِضَافَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن ابالغ أمره﴾ (الطَّلَاق: ٣) بالوحهين فِي الْقِرَاءَة وَقَالَ الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: قَالَ النُّحَاة: فَإِن إسم الْفَاعِل للماضي وَجَبت الْإِضَافَة، فَمَا وَجه عمله؟ قلت: إِذا أُرِيد بِهِ حِكَايَة الْحَال الْمَاضِيَة جَازَ إعماله كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وكلبهم باسط ذِرَاعَيْهِ﴾ (الْكَهْف: ٨١) و: أُمَامَة، بِضَم الْهمزَة وَتَخْفِيف الميمين: بنت زَيْنَب، رَضِي اتعالى عَنْهَا، كَانَت زَيْنَب أكبر بَنَات رَسُول ا، وَكَانَت فَاطِمَة أصغرهن وأحبهن إِلَى رَسُول ا، وَكَانَ أَوْلَاد رَسُول الله كلهَا من خَدِيجَة سوى إِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ من مَارِيَة الْقبْطِيَّة، تزَوجهَا النَّبِي، ﵊، قبل الْبعْثَة. قَالَ الزُّهْرِيّ: وَكَانَ عمر يَوْمئِذٍ إِحْدَى وَعشْرين سنة، وَقيل: خمْسا وَعشْرين سنة زمَان بنيت الْكَعْبَة، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَزَاد: وَلها من الْعُمر خمس وَأَرْبَعُونَ سنة. وَقيل: كَانَ عمره،، ثَلَاثِينَ سنة وعمرها أَرْبَعِينَ سنة، فَولدت لَهُ: الْقَاسِم وَبِه كَانَ يكنى والطاهر وَزَيْنَب ورقية وَأم كُلْثُوم وَفَاطِمَة، وَتزَوج بِزَيْنَب: أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع فَولدت مِنْهُ عليا وأمامة هَذِه الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث، تزَوجهَا عَليّ بن أبي طَالب بعد موت فَاطِمَة، فَولدت مِنْهُ مُحَمَّدًا، وَكَانَت وَفَاة زَيْنَب فِي ثمانٍ. قَالَه الْوَاقِدِيّ. وَقَالَ قَتَادَة: فِي أول سنة ثَمَان. قَوْله: (وَلأبي الْعَاصِ) بن الرّبيع بن عبد شمس، وَفِي أَحَادِيث (الْمُوَطَّأ) للدارقطني: قَالَ ابْن نَافِع وَعبد ابْن يُوسُف والقعنبي فِي رِوَايَة إِسْحَاق عَنهُ، وَابْن وهب وَابْن بكير وَابْن الْقَاسِم وَأَيوب بن صَالح عَن مَالك: وَلأبي الْعَاصِ بن ربيعَة عبد شمس. وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: وَلأبي الْعَاصِ بن الرّبيع، مثل قَول معن، وَأبي مُصعب. وَفِي (التَّمْهِيد) رَوَاهُ يحيى: وَلأبي الْعَاصِ بن ربيعَة، بهاء التَّأْنِيث، وَتَابعه الشَّافِعِي ومطرف وَابْن نَافِع، وَالصَّوَاب: ابْن الرّبيع، وَكَذَا أصلحه ابْن وضاح فِي رِوَايَة يحيى. قَالَ عِيَاض: وَقَالَ الْأصيلِيّ: هُوَ ابْن ربيع ابْن ربيعَة، فنسبه مَالك إِلَى جده قَالَ عِيَاض: وَهَذَا غير مَعْرُوف، وَنسبه عِنْد أهل الْأَخْبَار باتفاقهم أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع بن عبد الْعُزَّى بن عبد شمس بن عبد منَاف. وَقَالَ الْكرْمَانِي: البُخَارِيّ نسبه مُخَالفا للْقَوْم من جِهَتَيْنِ، قَالَ: ربيعَة، بِحرف التَّأْنِيث، وَعِنْدهم: الرّبيع، بِدُونِهِ. وَقَالَ: ربيعَة بن عبد شمس، وهم قَالُوا: ربيع بن عبد الْعُزَّى بن عبد شمس. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على كَلَام الْقَوْم لما قَالَ: نِسْبَة البُخَارِيّ مُخَالفا للْقَوْم من جِهَتَيْنِ، على أَن الَّذِي عندنَا فِي نسختنا: الرّبيع عبد شمس، بِالنِّسْبَةِ إِلَى جده، وَاخْتلف فِي اسْم أبي الْعَاصِ، قيل: يَاسر، وَقيل: لَقِيط، وَقيل: مهشم، وَقَالَ الزبير: عَن مُحَمَّد بن الضَّحَّاك عَن أَبِيه اسْمه الْقَاسِم، وَهُوَ أَكثر فِي اسْمه. وَقَالَ أَبُو عمر: وَالْأَكْثَر لَقِيط، وَيعرف بجر الْبَطْحَاء، وَرَبِيعَة عَمه، وَأم أبي الْعَاصِ: هدلة، وَقيل: هِنْد بنت خويلد أُخْت خَدِيجَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا، لأَبِيهَا وَأمّهَا، وَأَبُو الْعَاصِ أسلم قبل الْفَتْح وَهَاجَر ورد ﵇، عَلَيْهِ إبنته زَيْنَب وَمَاتَتْ مَعَه. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ أَبُو الْعَاصِ من رجال مَكَّة المعدومين مَالا وَأَمَانَة وتجارةً، وَكَانَت خَدِيجَة هِيَ الَّتِي سَأَلت رَسُول الله أَن يُزَوجهُ بابنتها زَيْنَب، وَكَانَ لَا يُخَالِفهَا، وَكَانَ ذَلِك قبل الْوَحْي، وَالْإِسْلَام فرق بَينهمَا. وَقَالَ ابْن كثير: إِنَّمَا حرم االمسلمات على الْمُشْركين عَام الْحُدَيْبِيَة سنة سِتّ من الْهِجْرَة، وَكَانَ أَبُو الْعَاصِ فِي غَزْوَة بدر مَعَ الْمُشْركين، وَوَقع فِي الْأسر. وَقَالَ ابْن هِشَام: كَانَ أسره خرَاش بن الصمَّة، أحد بني حرَام، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق، عَن عَائِشَة: لما بعث أهل مَكَّة فِي فدَاء أسرتهم بعثت زَيْنَب بنت رَسُول الله فِي فدَاء أبي الْعَاصِ بِمَال، وَبعثت فِيهِ بقلادة لَهَا، وَكَانَت خَدِيجَة رَضِي اتعالى عَنْهَا، أدخلتها بهَا على أبي الْعَاصِ حِين بنى عَلَيْهَا. قَالَت: فَلَمَّا رَآهَا رَسُول الله رق لَهَا رقة شَدِيدَة، وَقَالَ: إِن رَأَيْتُمْ أَن تطلقوا لَهَا أَسِيرهَا وتردوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا فافعلوا. قَالُوا: نعم يَا رَسُول ا، فأطلقوه وردوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَقد كَانَ رَسُول الله قد أَخذ عَلَيْهِ أَن يخلي سَبِيل زَيْنَب، يَعْنِي أَن تهَاجر إِلَى الْمَدِينَة فوفى أَبُو الْعَاصِ بذلك وَلَحِقت بأبيها، وَأقَام أَبُو الْعَاصِ بِمَكَّة على كفره، واستمرت زَيْنَب عِنْد أَبِيهَا بِالْمَدِينَةِ، ثمَّ آخر الْأَمر أسلم وَخرج حَتَّى قدم على رَسُول الله وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا: رد عَلَيْهِ رَسُول الله ابْنَته زَيْنَب على النِّكَاح الأول لم يحدث شَيْئا، وَسَنذكر حَقِيقَة هَذَا الْكَلَام فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ اتعالى. فَإِن قيل: مَا اللَّام فِي: لأبي الْعَاصِ؟ أُجِيب بِأَن الْإِضَافَة فِي بنت بِمَعْنى: اللَّام، وَالتَّقْدِير فِي بنت لِزَيْنَب، فأظهر هُنَا مَا هُوَ مُقَدّر فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ. قَوْله: (فَإِذا سجد وَضعهَا) ، وَفِي مُسلم من طَرِيق عُثْمَان بن أبي سُلَيْمَان وَمُحَمّد بن عجلَان وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق الزبيدِيّ، وَأحمد من طَرِيق ابْن جريج، وَابْن حبَان من طَرِيق أبي العميس، كلهم عَن عَامر بن عبد اشيخ مَالك فَقَالُوا: (إِذا ركع وَضعهَا) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد، من طَرِيق المَقْبُري عَن عَمْرو

стр. 1246

بن سليم: (حَتَّى إِذا أَرَادَ أَن يرْكَع أَخذهَا فوضعها ثمَّ ركع وَسجد، حَتَّى إِذا فرغ من سُجُوده فَقَامَ أَخذهَا فَردهَا فِي مَكَانهَا) . ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: تكلم النَّاس فِي حكم هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا يدل لمَذْهَب الشَّافِعِي وَمن وَافقه أَنه يجوز حمل الصَّبِي والصبية وَغَيرهمَا من الْحَيَوَان فِي صَلَاة النَّفْل، وَيجوز للْإِمَام وَالْمُنْفَرد وَالْمَأْمُوم قلت: أما مَذْهَب أبي حنيفَة فِي هَذَا مَا ذكر صَاحب (الْبَدَائِع) وَفِي بَيَان الْعَمَل الْكثير الَّذِي يفْسد الصَّلَاة والقليل الَّذِي لَا يُفْسِدهَا: فالكثير مَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى اسْتِعْمَال الْيَدَيْنِ، والقليل مَا لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى ذَلِك، وَذكر لَهما صوراً حَتَّى قَالَ: إِذا أَخذ قوساً وَرمى فَسدتْ صلَاته، وَكَذَا لَو حملت امْرَأَة صبيها فأرضعته، لوُجُود الْعَمَل الْكثير الَّذِي يفْسد الصَّلَاة، وَأما حمل الصَّبِي بِدُونِ الْإِرْضَاع فَلَا يُوجب الْفساد، ثمَّ روى الحَدِيث الْمَذْكُور، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الصَّنِيع لم يكره مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجا إِلَى ذَلِك لعدم من يحفظها، أَو لبَيَان الشَّرْع بِالْفِعْلِ، وَهَذَا غير مُوجب فَسَاد الصَّلَاة. وَمثل هَذَا أَيْضا فِي زَمَاننَا لَا يكره لوَاحِد منَّا لَو فعل ذَلِك عِنْد الْحَاجة، أما بِدُونِ الْحَاجة فمكروه. انْتهى. وَذكر أَشهب عَن مَالك أَن ذَلِك كَانَ من رَسُول الله فِي صَلَاة النَّافِلَة، وَأَن مثل هَذَا الْفِعْل غير جَائِز فِي الْفَرِيضَة. وَقَالَ أَبُو عمر: حَسبك بتفسير مَالك، وَمن الدَّلِيل على صِحَة مَا قَالَه فِي ذَلِك أَنِّي لَا أعلم خلافًا أَن مثل هَذَا الْعَمَل فِي الصَّلَاة مَكْرُوه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا التَّأْوِيل فَاسد، لِأَن قَوْله: (يؤم النَّاس) صَرِيح أَو كَالصَّرِيحِ فِي أَنه كَانَ فِي الْفَرِيضَة، قلت: هُوَ مَا رَوَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِسَنَدِهِ إِلَى أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ، قَالَ: (رَأَيْت النَّبِي يؤم النَّاس وأمامة بنت أبي الْعَاصِ، وَهِي بنت زَيْنَب ابْنة رَسُول الله على عَاتِقه) . وَلِأَن الْغَالِب فِي إِمَامَة رَسُول الله كَانَت فِي الْفَرَائِض دون النَّوَافِل وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أبي قَتَادَة صَاحب رَسُول ا، قَالَ: (بَيْنَمَا نَحن نَنْتَظِر رَسُول ا، للصَّلَاة فِي الظّهْر أَو الْعَصْر وَقد دَعَا بِلَال للصَّلَاة، إِذْ خرج إِلَيْنَا وأمامة بنت أبي الْعَاصِ، بنت ابْنَته، على عُنُقه، فَقَامَ رَسُول ا، فِي مُصَلَّاهُ وقمنا خَلفه) الحَدِيث. وَفِي كتاب (النّسَب) للزبير بن بكار: عَن عَمْرو بن سليم أَن ذَلِك كَانَ فِي صَلَاة الصُّبْح. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَادّعى بعض الْمَالِكِيَّة أَنه مَنْسُوخ. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: هُوَ مَرْوِيّ عَن مَالك أَيْضا. وَقَالَ أَبُو عمر: وَلَعَلَّ هَذَا نسخ بِتَحْرِيم الْعَمَل والاشتغال بِالصَّلَاةِ وَقد رد هَذَا بِأَن قَوْله: (إِن فِي الصَّلَاة لشغلاً) ، كَانَ قبل بدر عِنْد قدوم عبد ابْن مَسْعُود من الْحَبَشَة، وَأَن قدوم زَيْنَب وبنتها إِلَى الْمَدِينَة كَانَ ذَلِك، وَلَو لم يكن الْأَمر كَذَلِك لَكَانَ فِيهِ إِثْبَات النّسخ بِمُجَرَّد الِاجْتِهَاد، وروى أَشهب وَابْن نَافِع عَن مَالك: أَن هَذَا كَانَ للضَّرُورَة، وَادّعى بعض الْمَالِكِيَّة أَنه خَاص بِالنَّبِيِّ، ذكره القَاضِي عِيَاض. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وكل هَذِه الدَّعَاوَى بَاطِلَة ومردودة، فَإِنَّهُ لَا دَلِيل عَلَيْهَا وَلَا ضَرُورَة إِلَيْهَا، بل الحَدِيث صَحِيح صَرِيح فِي جَوَاز ذَلِك، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالف قَوَاعِد الشَّرْع، لِأَن الْآدَمِيّ طَاهِر وَمَا فِي جَوْفه من النَّجَاسَة مَعْفُو عَنهُ لكَونه فِي معدنه، وَثيَاب الْأَطْفَال وأجسادهم على الطَّهَارَة، وَدَلَائِل الشَّرْع متظاهرة على أَن هَذِه الْأَفْعَال فِي الصَّلَاة لَا تبطلها إِذا قلت أَو تَفَرَّقت، وَفعل النَّبِي، هَذَا بَيَانا للْجُوَاز وتنبيهاً عَلَيْهِ. قلت: وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم: إِن فَاعِلا لَو فعل مثل ذَلِك لم أر عَلَيْهِ إِعَادَة من أجل هَذَا الحَدِيث، وَإِن كنت لَا أحب لأحد فعله، وَقد كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يُجِيز هَذَا. قَالَ الْأَثْرَم: سُئِلَ أَحْمد: يَأْخُذ الرجل وَلَده وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: نعم. وَاحْتج بِحَدِيث أبي قَتَادَة. قَالَ الْخطابِيّ: يشبه أَن يكون هَذَا الصَّنِيع من رَسُول الله لَا عَن قصد وتعمد لَهُ فِي الصَّلَاة. وَلَعَلَّ الصبية لطول مَا ألفته واعتادته من ملابسته فِي غير الصَّلَاة كَانَت تتَعَلَّق بِهِ حَتَّى تلابسه وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَلَا يَدْفَعهَا عَن نَفسه وَلَا يبعدها، فَإِذا أَرَادَ أَن يسْجد وَهِي على عَاتِقه، وَضعهَا بِأَن يحطهَا أَو يرسلها إِلَى الأَرْض حَتَّى يفرغ من سُجُوده، فَإِذا أَرَادَ الْقيام. وَقد عَادَتْ الصبية إِلَى مثل الْحَالة الأولى، لم يدافعها وَلم يمْنَعهَا، حَتَّى إِذا قَامَ بقيت مَحْمُولَة مَعَه. هَذَا عِنْدِي وَجه الحَدِيث. وَلَا يكَاد يتَوَهَّم عَلَيْهِ أَنه كَانَ يتَعَمَّد لحملها ووضعها وإمساكها فِي الصَّلَاة تَارَة بعد أُخْرَى، لِأَن الْعَمَل فِي ذَلِك قد يكثر فيتكرر، وَالْمُصَلي يشْتَغل بذلك عَن صلَاته، وَإِذا كَانَ علم الخميصة يشْغلهُ عَن صلَاته حَتَّى يسْتَبْدل بهَا الأنبجانية، فَكيف لَا يشْتَغل عَنْهَا بِمَا هَذَا صفته من الْأُمُور؟ وَفِي ذَلِك بَيَان مَا تأولناه. وَقَالَ النَّوَوِيّ، بعد أَن نقل ملخص كَلَام الْخطابِيّ: هَذَا الَّذِي ذكره بَاطِل وَدَعوى مُجَرّدَة، وَمِمَّا يرد عَلَيْهِ قَوْله فِي (صَحِيح مُسلم) : (فَإِذا قَامَ حملهَا) .

стр. 1247

وَقَوله: (فَإِذا رفع من السُّجُود أَعَادَهَا. وَقَوله فِي غير رِوَايَة مُسلم: (خرج علينا حَامِلا أُمَامَة فصلى) . وَذكر الحَدِيث، وَأما قَضِيَّة الخميصة فَلِأَنَّهَا تشغل الْقلب بِلَا فَائِدَة، وَحمل أُمَامَة لَا نسلم أَنه يشغل الْقلب، وَإِن أشغله فيترتب عَلَيْهِ فَوَائِد وَبَيَان قَوَاعِد مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَغَيره، فَاحْتمل ذَلِك الشّغل بِهَذِهِ الْفَوَائِد بِخِلَاف الخميصة، فَالصَّوَاب الَّذِي لَا معدل عَنهُ أَن الحَدِيث كَانَ لبَيَان الْجَوَاز والتنبيه على هَذِه الْفَوَائِد فَهُوَ جَائِز لنا، وَشرع مُسْتَمر للْمُسلمين إِلَى يَوْم الدّين. قلت: وَجه آخر لرد كَلَام الْخطابِيّ، قَوْله: (فَقَامَ فَأَخذهَا فَردهَا فِي مَكَانهَا) ، وَهَذَا صَرِيح فِي أَن فعل الْحمل والوضع كَانَ مِنْهُ لَا من أُمَامَة، وَقَالَ بعض أَصْحَاب مَالك: لِأَنَّهُ ﵇ لَو تَركهَا لبكت وشغلت سره فِي صلَاته أَكثر من شغله بحملها، وَفرق بعض أَصْحَابه بَين الْفَرِيضَة والنافلة. وَقَالَ الْبَاجِيّ: إِن وجد من يَكْفِيهِ أمرهَا جَازَ فِي النَّافِلَة دون الْفَرِيضَة، وَإِن لم يجد جَازَ فيهمَا وَحمل أَكثر أهل الْعلم هَذَا الحَدِيث على أَنه عمل غير متوال لوُجُود الطُّمَأْنِينَة فِي أَرْكَان صلَاته. وَقَالَ الْفَاكِهَانِيّ: كَانَ السِّرّ فِي حمل أُمَامَة فِي الصَّلَاة دفعا لما كَانَت الْعَرَب تألفه من كَرَاهَة الْبَنَات وحملهن، وَخَالفهُم فِي ذَلِك حَتَّى فِي الصَّلَاة للْمُبَالَغَة فِي ردعهم، وَالْبَيَان بِالْفِعْلِ قد يكون أقوى من القَوْل. وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث: جَوَاز إِدْخَال الصغار فِي الْمَسَاجِد. وَمِنْهَا: جَوَاز صِحَة صَلَاة من حمل آدَمِيًّا، وَكَذَا من حمل حَيَوَانا طَاهِرا. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ تواضع النَّبِي، ﵊، وشفقته على الصغار وإكرامه لَهُم ولوالديهم. ٧٠١ - (بابٌ إذَا صَلَّى إلَى فِرَاشٍ فِيهِ حائِضٌ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ إِذا صلى، وَجَوَاب: إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره صحت صلَاته أَو مَعْنَاهُ: بَاب هَذِه الْمَسْأَلَة، وَهِي مَا يَقُوله الْفُقَهَاء إِذا صلى إِلَى فرَاش فِيهِ حَائِض كَيفَ يكون حكمه يكره أم لَا؟ وَحَدِيث الْبَاب على عدم الْكَرَاهَة. ٧١٥٦٦١ - ح دّثنا عَمْرُو بنُ زَرَارَةَ قَالَ أخبرنَا هُشَيْمٌ عنِ الشِّيْبَانِيّ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الهَادِ قَالَ أخْبَرَتْني خالَتِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحَارِثِ قالَتْ كانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النبيِّ فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلى فِرَاشِي. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة عِنْد التَّأَمُّل، وَلَكِن اعْترض فِيهِ بِوَجْهَيْنِ: الأول: كَيفَ دلّ على التَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ كَون الْمُصَلِّي منتهياً إِلَى الْفراش، لِأَنَّهُ قَالَ: إِذا صلى إِلَى فرَاش. وَكلمَة: إِلَى لانْتِهَاء الْغَايَة؟ وَالثَّانِي: أَن هَذَا الحَدِيث يدل على اعْتِرَاض الْمَرْأَة بَين الْمُصَلِّي وقبلته، فَهَذَا يدل على جَوَاز الْقعُود، لَا على جَوَاز الْمُرُور. وَأجِيب: عَن الأول: بِأَنَّهُ لَا يلْزم أَن يكون الِانْتِهَاء من جِهَة الْقبْلَة، وكما أَنَّهَا منتهية إِلَى جنب رَسُول الله فَرَسُول الله يَنْتَهِي إِلَيْهَا وَإِلَى فراشها. وَعَن الثَّانِي: بِأَن تَرْجَمَة الْبَاب لَيست معقودة للاعتراض، فَإِن الْمُتَعَلّق بالإعتراض قد تقدم، وَالَّذِي قَصده البُخَارِيّ: بَيَان صِحَة الصَّلَاة وَلَو كَانَت الْحَائِض بِجنب الْمُصَلِّي وَلَو أصابتها ثِيَابه، لَا كَون الْحَائِض بَين الْمُصَلِّي وَبَين الْقبْلَة. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة الأول: عَمْرو، بِالْوَاو: وَابْن زُرَارَة، بِضَم الزَّاي ثمَّ بالراء المكررة، وَقد تقدم فِي بَاب قدركم يَنْبَغِي أَن يكون بَين الْمُصَلِّي والسترة؟ الثَّانِي: هشيم، مُصَغرًا: ابْن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: الوَاسِطِيّ، مَاتَ بِبَغْدَاد سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: الشَّيْبَانِيّ أَبُو إِسْحَاق سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان فَيْرُوز الْكُوفِي. الرَّابِع: عبد ابْن شَدَّاد، بتَشْديد الدَّال: ابْن الْهَاد، واسْمه: أُسَامَة الْكُوفِي. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ مَيْمُونَة بنت الْحَارِث إِحْدَى زَوْجَات النَّبِي. ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين واسطي وكوفي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد ذكرنَا هَذَا، وَمعنى الحَدِيث وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْأَحْكَام فِي بَاب إِذا أصَاب ثوب الْمُصَلِّي امْرَأَته فِي السُّجُود، فَإِنَّهُ أخرج هَذَا الحَدِيث هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن خَالِد عَن الشَّيْبَانِيّ.

стр. 1248

٨١٥٧٦١ - ح دّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ بنِ زِيَادٍ قَالَ حدّثنا الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ شَدَّادٍ قالَ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تَقُولُ كانَ النبيُّ يُصَلِّي وَأنا إلَى جَنْبِهِ نَائِمَةٌ فإِذَا سَجَدَ أصابَنِي ثَوْبُهُ وَأَنا حائِضٌ وَزَادَ مُسَدَّدٌ عنْ خالِدٍ قَالَ حدّثنا سُلَيْمَانُ الشيْبَانِيُّ وأنَا حائِضٌ. . هَذَا طَرِيق آخر بِلَفْظ آخر عَن أبي النُّعْمَان، بِضَم النُّون: مُحَمَّد بن الفضيل، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر فِي بَاب مُبَاشرَة الْحَائِض فِي أَوَائِل كتاب الْحيض، وَلَفظ الحَدِيث هُنَاكَ، قَالَت يَعْنِي مَيْمُونَة: (كَانَ رَسُول الله إِذا أَرَادَ أَن يُبَاشر امْرَأَة من نِسَائِهِ أمرهَا فاتزرت وَهِي حَائِض) . قَوْله: (ثَوْبه) ويروى: (أصابتني ثِيَابه) . قَوْله: (وَأَنا حَائِض) هَذِه الْجُمْلَة وَقعت حَالا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَسَقَطت لغيره. قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت: قَالُوا: إِذا أُرِيد الْحُدُوث يُقَال: حائضه، وَإِذا أُرِيد الثُّبُوت، وَإِن من شَأْنهَا الْحيض، يُقَال: حَائِض، وَلَا شكّ أَن المُرَاد هَهُنَا كَونهَا فِي حَالَة الْحيض. قلت: مَعْنَاهُ أَن الحائضة مُخْتَصَّة بِمَا إِذا كَانَت فِيهِ، وَالْحَائِض أَعم مِنْهُ. انْتهى. قلت: لَا فرق بَين الْحَائِض والحائضة، يُقَال: حَاضَت الْمَرْأَة تحيض حيضا ومحيضاً فَهِيَ حَائِض وحائضة عَن الْفراء وَأنْشد: (كحائضة يَزْنِي بهَا غير حَائِض) وَفِي اللُّغَة: لم يفرق بَينهمَا، غير أَن الأَصْل فِيهِ التَّأْنِيث، وَلَكِن لخصوصية النِّسَاء بِهِ وَعدم ترك التَّاء. ٨٠١ - (بابٌ هَلْ يَغْمِزُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عِنْدَ السُّجُودِ لِكَيْ يَسْجُدَ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ: هَل يغمز الرجل؟ إِلَى آخِره، يَعْنِي: نعم، إِذا غمزها فَلَا شَيْء يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من فَسَاد الصَّلَاة. ٩١٥٨٦١ - ح دّثنا عَمْرُو بنُ عَليٍ قَالَ حدّثنا يَحْيى قَالَ حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ حدّثنا القَاسِمُ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ بِئْسَمَا عَدَلْتُمُنا بِالكَلْبِ وَالجِمَارِ لَقَدْ رَأيْتْني ورسولُ اللَّهِ يُصَلِّي وَأنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ فإِذَا أرَادَ أنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رجْلَيَّ فَقَبَضْتُهُما. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَبَين البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب صِحَة الصَّلَاة وَلَو أَصَابَهَا بعض جسده، وبيَّن فِي الْبَاب السَّابِق صِحَّتهَا وَلَو أَصَابَهَا بعض ثِيَابه. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عَمْرو: بِالْوَاو، ابْن عَليّ الفلاس الْبَاهِلِيّ. الثَّانِي: يحيى الْقطَّان. الثَّالِث: عبيد االعمري. الرَّابِع: الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر. الْخَامِس: عَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهَا. ذكر لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) . قَوْله: (بئْسَمَا) ، كلمة بئس من أَفعَال الذَّم، كَمَا أَن كلمة: نِعْمَ، من أَفعَال الْمَدْح، وشرطهما أَن يكون الْفَاعِل الْمظهر فيهمَا مُعَرفا بِاللَّامِ أَو مُضَافا إِلَى الْمُعَرّف بهَا، أَو مضمراً مُمَيّزا بنكرة مَنْصُوبَة، وَهَهُنَا يجوز الْوَجْهَانِ. الأول: أَن تكون: مَا بِمَعْنى الَّذِي، وَيكون فَاعِلا: لبئس. وَالْجُمْلَة أَعنِي قَوْله: (عدلتمونا) ، صلَة لَهُ بِكَوْن الْمَخْصُوص بالذم محذوفاً، وَالتَّقْدِير: بئس الَّذِي عدلتمونا بالحمار ذَلِك الْفِعْل. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون فَاعل: بئس، مضمراً مُمَيّزا، وَتَكون الْجُمْلَة بعده صفة والمخصوص بالذم أَيْضا محذوفاً، وَالتَّقْدِير: بئس شَيْئا مَا عدلتمونا بالحمار شَيْء. وَفِي الْوَجْهَيْنِ الْمَخْصُوص بالذم مُبْتَدأ أَو خَبره الْجُمْلَة الَّتِي قبله، وَمعنى: عدلتمونا: جعلتمونا مثله. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب الصَّلَاة على الْفراش. قَوْلهَا: (لقد رَأَيْتنِي) بِضَم التَّاء، وَكَون الْفَاعِل وَالْمَفْعُول ضميرين لشَيْء وَاحِد من خَصَائِص أَفعَال الْقُلُوب، وَالتَّقْدِير: لقد رَأَيْت نَفسِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِن كَانَت الرُّؤْيَة بمعناها الْأَصْلِيّ فَلَا يجوز حذف أحد مفعوليه، وَإِن كَانَت بِمَعْنى الإبصار فَلَا يجوز اتِّحَاد الضميرين، ثمَّ أجَاب بقول الزَّمَخْشَرِيّ: فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل اأمواتاً﴾ (آل عمرَان: ٩٦١) جَازَ حذف أَحدهمَا لِأَنَّهُ مُبْتَدأ فِي الأَصْل فيحذف كالمبتدأ، ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي هَذَا مُخَالف لقَوْله فِي الْمفصل وَفِي سَائِر مَوَاضِع الْكَشَّاف لَا يجوز الِاقْتِصَار على أحد مفعولي الحسبان، ثمَّ أجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ رُوِيَ عَنهُ أَيْضا: أَنه إِذا كَانَ الْفَاعِل وَالْمَفْعُول عبارَة عَن

стр. 1249

شَيْء وَاحِد جَازَ الْحَذف، وَأمكن الْجمع بَينهمَا بِأَن القَوْل بِجَوَاز الْحَذف فِيمَا إِذا اتَّحد الْفَاعِل وَالْمَفْعُول معنى وَالْقَوْل بِعَدَمِهِ فِيمَا إِذا كَانَ بَينهمَا الِاخْتِلَاف. والْحَدِيث هُوَ من الْقسم الأول، إِذْ تَقْدِيره: رَأَيْت نَفسِي مُعْتَرضَة أَو أعطي للرؤية الَّتِي بِمَعْنى: الإبصار، حكم الرُّؤْيَة الَّتِي من أَفعَال الْقُلُوب. قَوْلهَا: (وَرَسُول الله يُصَلِّي) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا على الأَصْل، أَعنِي: بِالْوَاو، وَكَذَلِكَ قَوْلهَا: (وَأَنا مُضْطَجِعَة) . قَوْلهَا: (غمز رجْلي) قَالَ الْجَوْهَرِي: غمزت الشَّيْء بيَدي، وَقَالَ الشَّاعِر: وَكنت إِذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أَو تستقيما وغمزته بعيني، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذا مروا بهم يتغامزون﴾ (المطففين: ٠٣) وَالْمرَاد هُنَا الغمز بِالْيَدِ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (فَإِذا سجد غمزني، فقبضت برجلي، وَإِذا قَامَ بسطتهما) . وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (فَإِذا سجد غمزني فرفعتهما فقبضتهما، فَإِذا قَامَ مددتهما) . وَفِي رِوَايَة: (غمزها بِرجلِهِ، فَقَالَ: تنحي) . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: (فَإِذا أَرَادَ أَن يسْجد ضرب رجْلي فقبضتهما فَسجدَ) . وَفِي رِوَايَة لَهُ: (فَإِذا أَرَادَ أَن يسْجد غمز رجْلي فضممتهما إِلَيّ ثمَّ سجد) . ثمَّ مَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ قد ذكرنَا مُسْتَوفى فِي بَاب الصَّلَاة على الْفراش. ٩٠١ - (بابٌ المَرْأة تَطْرَحُ عَنِ المُصَلّى شَيْئاً مِنَ الأَذَى) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ الْمَرْأَة تطرح إِلَى آخِره، وَلَفظ: بَاب منون لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. وَقَوله: الْمَرْأَة، مُبْتَدأ و: تطرح، خَبره وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة. قَالَ ابْن بطال: هَذِه التَّرْجَمَة قريبَة من التراجم الَّتِي قبلهَا، وَذَلِكَ أَن الْمَرْأَة إِذا تناولت مَا على ظهر الْمُصَلِّي فَإِنَّهَا تقصد إِلَى أَخذه من أَي جِهَة أمكنها تنَاوله، فَإِن لم يكن هَذَا الْمَعْنى أَشد من مرورها بَين يَدَيْهِ فَلَيْسَ بِدُونِهِ، وَقد ترْجم على حَدِيث هَذَا الْبَاب فِي الطَّهَارَة قبل الْغسْل بقوله: بَاب إِذا ألقِي على ظهر الْمُصَلِّي قذر أَو جيفة لم تفْسد عَلَيْهِ صلَاته. وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهَذَا الحَدِيث مُسْتَوفى من كل وَجه، فلنذكر هَهُنَا مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من غير مَا ذكرنَا. ١٦٩ - (حَدثنَا أَحْمد بن إِسْحَاق السورماري قَالَ حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى قَالَ حَدثنَا إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن عَمْرو بن مَيْمُون عَن عبد الله قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ َ - قَائِم يُصَلِّي عِنْد الْكَعْبَة وَجمع من قُرَيْش فِي مجَالِسهمْ إِذْ قَالَ قَائِل مِنْهُم أَلا تنْظرُون إِلَى هَذَا الْمرَائِي أَيّكُم يقوم إِلَى جزور آل فلَان فيعمد إِلَى فرثها ودمها وسلاها فَيَجِيء بِهِ ثمَّ يمهله حَتَّى إِذا سجد وَضعه بَين كَتفيهِ فانبعث أشقاهم فَلَمَّا سجد رَسُول الله ﷺ َ - وَضعه بَين كَتفيهِ وَثَبت النَّبِي ﷺ َ - سَاجِدا فضحكوا حَتَّى مَال بَعضهم إِلَى بعض من الضحك فَانْطَلق منطلق إِلَى فَاطِمَة ﵍ وَهِي جوَيْرِية فَأَقْبَلت تسْعَى وَثَبت النَّبِي ﷺ َ - سَاجِدا حَتَّى ألقته عَنهُ وَأَقْبَلت عَلَيْهِم تسبهم فَلَمَّا قضى رَسُول الله ﷺ َ - الصَّلَاة قَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْك بِقُرَيْش اللَّهُمَّ عَلَيْك بِقُرَيْش اللَّهُمَّ عَلَيْك بِقُرَيْش ثمَّ سمى اللَّهُمَّ عَلَيْك بِعَمْرو بن هِشَام وَعتبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة والوليد بن عتبَة وَأُميَّة بن خلف وَعقبَة ابْن أبي معيط وَعمارَة بن الْوَلِيد قَالَ عبد الله فوَاللَّه لقد رَأَيْتهمْ صرعى يَوْم بدر ثمَّ سحبوا إِلَى القليب قليب بدر ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - وَاتبع أَصْحَاب القليب لعنة)

стр. 1250

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأحمد بن اسحق السرماري بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتحهَا وَسُكُون الرَّاء الأولى نِسْبَة إِلَى سرمار قَرْيَة من قرى بُخَارى وَهُوَ الَّذِي يضْرب بشجاعته الْمثل قتل ألفا من التّرْك مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من صغَار شُيُوخ البُخَارِيّ وَقد شَاركهُ فِي رِوَايَته عَن شَيْخه عبيد الله بن مُوسَى الْمَذْكُور وَعبيد الله وَمن بعده كلهم كوفيون وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي وَأَبُو إِسْحَاق اسْمه عَمْرو بن عبد الله وَهَذَا الحَدِيث لَا يرْوى إِلَّا بِإِسْنَادِهِ وَعَمْرو بن مَيْمُون مر فِي بَاب إِذا ألقِي على ظهر الْمُصَلِّي قذر وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود قَوْله " بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ َ - " وَفِي رِوَايَته هُنَاكَ " بَينا " وَقد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ وَالْعَامِل فِيهِ معنى المفاجأة الَّتِي فِي إِذْ قَالَ وَلَا يجوز أَن يعْمل فِيهِ يُصَلِّي لِأَنَّهُ حَال من رَسُول الله ﷺ َ - الْمُضَاف إِلَيْهِ بَين فَلَا يعْمل فِيهِ قَوْله " فيعمد " بِالرَّفْع عطف على " يقوم " ويروى بِالنّصب لِأَنَّهُ وَقع بعد الِاسْتِفْهَام قَوْله " فانبعث أشقاهم " أَي انتهض أَشْقَى الْقَوْم وَهُوَ عقبَة بن أبي معيط قَوْله " جوَيْرِية " أَي صَغِيرَة وَهُوَ تَصْغِير جَارِيَة قَوْله " اللَّهُمَّ عَلَيْك بِقُرَيْش " أَي بهلاكهم قَوْله " بِعَمْرو بن هِشَام " هُوَ أَبُو جهل عَلَيْهِ اللَّعْنَة قَوْله " وَعمارَة بن الْوَلِيد " هُوَ السَّابِع وَلم يذكرهُ الرَّاوِي هُنَاكَ وَهَهُنَا ذكره لِأَنَّهُ هُنَاكَ نَسيَه وَهنا تذكره قَوْله " اتبع " بِضَم الْهمزَة إِخْبَار من رَسُول الله ﷺ َ - بِأَن الله أتبعهم اللَّعْنَة أَي كَمَا أَنهم مقتولون فِي الدُّنْيَا مطرودون عَن رَحْمَة الله فِي الْآخِرَة ويروى وَاتبع بِفَتْح الْهمزَة ويروى بِلَفْظ الْأَمر فَهُوَ عطف على " عَلَيْك بِقُرَيْش " أَي قَالَ فِي حياتهم اللَّهُمَّ أهلكهم وَقَالَ فِي هلاكهم اللَّهُمَّ اتبعهم اللَّعْنَة

стр. 1251

٩ - (كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام مَوَاقِيت الصَّلَاة، وَلما فرغ من بَيَان الطَّهَارَة بأنواعها الَّتِي هِيَ شَرط الصَّلَاة شرع فِي بَيَان الصَّلَاة بأنواعها الَّتِي هِيَ الْمَشْرُوط، وَالشّرط مقدم على الْمَشْرُوط، وقدمها على الزَّكَاة وَالصَّوْم وَغَيرهمَا لما أَنَّهَا تالية الْإِيمَان وثانيته فِي الْكتاب وَالسّنة، ولشدة الِاحْتِيَاج وعمومه إِلَى تعليمها لِكَثْرَة وُقُوعهَا ودورانها، بِخِلَاف غَيرهَا من الْعِبَادَات. وَهِي فِي اللُّغَة من تَحْرِيك الصلوين وهما: العظمان النابتان عِنْد العجيزة. وَقيل: من الدُّعَاء، فَإِن كَانَت من الأول: تكون من الْأَسْمَاء الْمُغيرَة شرعا، المقررة لُغَة، وَإِن كَانَت من الثَّانِي: تكون من الْأَسْمَاء المنقولة وَفِي الشَّرْع عبارَة عَن الْأَركان الْمَعْلُومَة وَالْأَفْعَال الْمَخْصُوصَة والمواقيت جمع: مِيقَات، على وزن: مفعال، وَأَصله موقات قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وإنكسار مَا قبلهَا، من وَقت الشَّيْء يقته إِذا بَين حَده، وَكَذَا وقته يُوَقت، ثمَّ اتَّسع فِيهِ فَأطلق على الْمَكَان فِي الْحَج، والتوقيت أَن يَجْعَل للشَّيْء وَقت يخْتَص بِهِ، وَهُوَ بَيَان مِقْدَار الْمدَّة، وَكَذَلِكَ: التَّأْقِيت. وَقَالَ السفاقسي: الْمِيقَات هُوَ الْوَقْت الْمَضْرُوب للْفِعْل والموضع. وَفِي (الْمُنْتَهى) : كل مَا جعل لَهُ حِين وَغَايَة فَهُوَ موقت، وَوَقته ليَوْم كَذَا أَي أَجله وَفِي (الْمُحكم) : وَقت موقوت وموقت مَحْدُود. وَفِي (نَوَادِر الهجري) ، قَالَ القردي: أيقتوا موقتا آتيكم فِيهِ ثمَّ قَوْله: كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَبعده الْبَسْمَلَة، ولرفيقيه الْبَسْمَلَة مُقَدّمَة وَبعدهَا بَاب مَوَاقِيت الصَّلَاة وفضلها ، وَكَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، لَكِن بِلَا بَسْمَلَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ لَكِن بِلَا: بَاب. ١ - (بابُ مَوَاقِيتِ الصلَاةِ وفَضْلِهَا) من الْعَادة المستمرة عِنْد المصنفين أَن يذكرُوا الْأَبْوَاب والفصول بعد لفظ: الْكتاب، فَإِن الْكتاب يَشْمَل الْأَبْوَاب والفصول، وَالْبَاب هُوَ النَّوْع، وَأَصله: البوب، قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَيجمع على: أَبْوَاب، وَقد قَالُوا: أبوبة وَإِنَّمَا جمع فِي قَول الْقِتَال الْكلابِي: (هتَّاك أخبية ولَاّج أبوبة) للازدواج، وَلَو أفرده لم يجز، وَيُقَال: أَبْوَاب مبوبة كَمَا يُقَال أَصْنَاف مصنفة، والبابة: الْخصْلَة، والبابات: الْوُجُوه وَقَالَ ابْن السّكيت: البابة عِنْد الْعَرَب: الْوَجْه وَقَوْلِهِ: إِنَّ الصَّلَاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابا مَوْقُوتا وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ (النِّسَاء: ١٠٣) . (وَقَوله) ، مجرور عطفا على: مَوَاقِيت الصَّلَاة، أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَوَاقِيت الصَّلَاة وَبَيَان قَوْله: ﴿إنَّ الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ (النِّسَاء: ١٠٣) وَفسّر: موقوتا، بقوله: وقته عَلَيْهِم، اي: وَقت الله تَعَالَى الْكتاب، أَي: الْمَكْتُوب الَّذِي هُوَ الصَّلَاة عَلَيْهِم، أَي: على الْمُسلمين، وَلَيْسَ بإضمار قبل الذّكر لوُجُود الْقَرِينَة، وَوَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات: موقوتا موقتا وقته عَلَيْهِم، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: موقتا، يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ وَاسْتشْكل ابْن التِّين تَشْدِيد الْقَاف من: وقته، وَقَالَ: الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة التَّخْفِيف. قلت:

стр. 1252

لَيْسَ فِيهِ إِشْكَال لِأَنَّهُ جَاءَ فِي اللُّغَة: وقته، بِالتَّخْفِيفِ و: وقته، بِالتَّشْدِيدِ فَكَأَنَّهُ مَا اطلع على مَا فِي (الْمُحكم) وَغَيره. . وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ بقوله: موقتا، بَيَان قَوْله: موقوتا. قلت: هَذَا كَلَام واهٍ لَيْسَ فِي لفظ: موقوتا، إِبْهَام حَتَّى يُبينهُ بقوله: موقتا، وَعَن مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله: موقوتا، يَعْنِي مَفْرُوضًا وَقيل: يَعْنِي محدودا. ٥٢١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسلَمَةَ قالَ قَرَأْتُ علَى مالِكٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ أنَّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ أخَّرَّ الصَّلَاةَ يَوْما فَدَخَلَ عليهِ عُرْوَةَ بنُ الزُّبَيْرِ فأخْبَرَهُ أنَّ الْمُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ أخَّرَّ الصَّلَاةَ يَوْما وَهْوَ بِالْعِرَاقِ فَدَخَلَ عَليْهِ أبُو مَسْعُودٍ الأنْصَارِيُّ فقالَ مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ ألَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ جبْرِيلَ ﷺ نَزَلَ فَصلَّى فَصَلَّى رَسُولُ الله ثُمَّ صلى فصلى رسولُ الله ﷺ ثُمَّ صلَّى فصلَّى رسُولُ الله ﷺ ثُمَّ صلَّى فَصَلَّى رسولُ الله ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصلَّى رسولُ الله ﷺ ثُمَّ قالَ بِهاذَا أُمِرْتُ فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ أوَ إنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أقَامَ لِرَسُولِ الله ﷺ وقْتَ الصَّلَاةِ قَالَ عُرْوَة كذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بنُ أبي مسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَن أبِيهِ. ٥٢٢ - قَالَ عُرْوَةُ وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عائِشَةُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يُصلِّي العَصْرَ والشمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أنْ تَظْهَرَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن جِبْرِيل، ﵇، نزل فصلى) إِلَى آخِره، وَهِي خمس مَرَّات، فَدلَّ أَن الصَّلَاة موقتة بِخَمْسَة أَوْقَات. فَإِن قلت: إِن الحَدِيث لَا يدل إلَاّ على عدد الصَّلَاة، لِأَنَّهُ لم يذكر الْأَوْقَات. قلت: وُقُوع الصَّلَاة خمس مَرَّات يسْتَلْزم كَون الْأَوْقَات خَمْسَة، وَاقْتصر أَبُو مَسْعُود على ذكر الْعدَد، لِأَن الْوَقْت كَانَ مَعْلُوما عِنْد الْمُخَاطب. ذكر رِجَاله الْمَذْكُورين فِيهِ تِسْعَة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان، أَمِير الْمُؤمنِينَ من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير ابْن الْعَوام. السَّادِس: الْمُغيرَة بن شُعْبَة الصَّحَابِيّ. السَّابِع: أَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ، واسْمه: عقبَة بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة الخزرجي الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الثَّامِن: ابْنه بشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: التَّابِعِيّ الْجَلِيل. التَّاسِع: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد من الْمَاضِي. وَفِيه: الْقِرَاءَة على الشَّيْخ. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم مدنيون. وَفِيه: مَا قَالَ ابْن عبد الْبر وَهُوَ أَن هَذَا السِّيَاق مُنْقَطع عِنْد جمَاعَة من الْعلمَاء، لِأَن ابْن شهَاب لم يقل: حضرت مُرَاجعَة عُرْوَة لعمر بن عبد الْعَزِيز، وَعُرْوَة لم يقل: حَدثنِي بشير، لَكِن الِاعْتِبَار عِنْد الْجُمْهُور بِثُبُوت اللِّقَاء والمجالسة، لَا بالصيغ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: اعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الطَّرِيق لَيْسَ بِمُتَّصِل الْإِسْنَاد، إِذْ لم يقل أَبُو مَسْعُود: شاهدت رَسُول الله ﷺ . وَلَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة اللَّيْث عِنْد المُصَنّف تزيل الْإِشْكَال كُله، وَلَفظه: قَالَ عُرْوَة: سَمِعت بشير بن أبي مَسْعُود، يَقُول: سَمِعت أبي يَقُول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، يَقُول: فَذكر الحَدِيث. وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن ابْن شهَاب قَالَ: كُنَّا مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز فَذكره، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ: سَمِعت عُرْوَة يحدث أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ... الحَدِيث. انْتهى. قلت: قَول هَذَا الْقَائِل: رِوَايَة اللَّيْث عِنْد المُصَنّف تزيل الْإِشْكَال كُله ... الخ، غير مُسلم فِي الرِّوَايَة الَّتِي هَهُنَا لِأَنَّهَا غير مُتَّصِلَة الْإِسْنَاد بِالنّظرِ إِلَى الظَّاهِر، وَإِن كَانَت فِي نفس الْأَمر مُتَّصِلَة الْإِسْنَاد، وَكَلَام الْكرْمَانِي بِحَسب الظَّاهِر، وَإِن كَانَ الْإِسْنَاد فِي نفس الْأَمر مُتَّصِلا. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث، وَفِي الْمَغَازِي عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب، ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَنهُ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح، كِلَاهُمَا عَن

стр. 1253

اللَّيْث بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مسلمة عَن ابْن وهب عَن أُسَامَة بن زيد عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أخر الصَّلَاة يَوْمًا) ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي بَدْء الْخلق: (أخر الْعَصْر يَوْمًا) . وَقَوله: (يَوْمًا) بالتنكير ليدل على التقليل، وَمرَاده يَوْمًا مَا، لَا أَن ذَلِك كَانَ سجيته، كَمَا كَانَت مُلُوك بني أُميَّة تفعل، لَا سِيمَا الْعَصْر، فقد كَانَ الْوَلِيد ابْن عتبَة يؤخرها فِي زمن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ ابْن مَسْعُود يُنكر عَلَيْهِ، وَقَالَ عَطاء: أخر الْوَلِيد مرّة الْجُمُعَة حَتَّى أَمْسَى، وَكَذَا كَانَ الْحجَّاج يفعل، وَأما عمر بن عبد الْعَزِيز فَإِنَّهُ أَخّرهَا عَن الْوَقْت الْمُسْتَحبّ المرغب فِيهِ، لَا عَن الْوَقْت، وَلَا يعْتَقد ذَلِك فِيهِ لجلالته وإنكاره عُرْوَة عَلَيْهِ إِنَّمَا وَقع لتَركه الْوَقْت الْفَاضِل الَّذِي صلى فِيهِ جِبْرِيل، ﵊؛ وَقَالَ ابْن عبد الْبر، المُرَاد أَنه أَخّرهَا حَتَّى خرج الْوَقْت الْمُسْتَحبّ لَا أَنه أَخّرهَا حَتَّى غربت الشَّمْس. فَإِن قلت: روى الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق يزِيد بن أبي حبيب عَن أُسَامَة بن زيد اللَّيْثِيّ عَن ابْن شهَاب فِي هَذَا الحَدِيث قَالَ: (دَعَا الْمُؤَذّن لصَلَاة الْعَصْر فأمسى عمر بن عبد الْعَزِيز قبل أَن يُصليهَا) . قلت: مَعْنَاهُ أَنه قَارب الْمسَاء لَا أَنه دخل فِيهِ. قَوْله: (وَهُوَ بالعراق) جملَة أسمية وَقعت حَالا عَن الْمُغيرَة، وَأَرَادَ بِهِ: عراق الْعَرَب، وَهُوَ من عبادان إِلَى الْموصل طولا وَمن الْقَادِسِيَّة إِلَى حلوان عرضا. وَفِي رِوَايَة القعْنبِي وَغَيره، عَن مَالك: وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي خَليفَة عَن القعْنبِي، والكوفة من جملَة عراق الْعَرَب، وَكَانَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة إِذْ ذَاك أَمِيرا على الْكُوفَة من قبل مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. قَوْله: (فَقَالَ: مَا هَذَا؟) أَي: التَّأْخِير. قَوْله: (أَلَيْسَ قد علمت؟) الرِّوَايَة وَقعت كَذَا: أَلَيْسَ، وَكَانَ مُقْتَضى الْكَلَام: أَلَسْت، بِالْخِطَابِ. قَالَ الْقشيرِي: قَالَ بعض فضلاء الْأَدَب: كَذَا الرِّوَايَة وَهِي جَائِزَة، إلَاّ أَن الْمَشْهُور فِي الِاسْتِعْمَال: أَلَسْت، يَعْنِي بِالْخِطَابِ، وَقَالَ عِيَاض: يدل ظَاهر قَوْله: قد علمت على علم الْمُغيرَة بذلك، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك على سَبِيل الظَّن من أبي مَسْعُود لعلمه بِصُحْبَة الْمُغيرَة. قلت: لأجل ذَلِك ذكره بِلَفْظ الِاسْتِفْهَام فِي قَوْله: أَلَيْسَ، وَلَكِن يُؤَيّد الْوَجْه الأول رِوَايَة شُعَيْب عَن ابْن شهَاب عِنْد البُخَارِيّ أَيْضا فِي غَزْوَة بدر بِلَفْظ: فَقَالَ لقد علمت، بِغَيْر حرف الِاسْتِفْهَام، وَنَحْوه عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر وَابْن جريج جَمِيعًا. قَوْله: (إِن جِبْرِيل نزل) بيّن ابْن اسحاق فِي الْمَغَازِي أَن ذَلِك كَانَ صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي فرضت فِيهَا الصَّلَاة، وَهِي لَيْلَة الْإِسْرَاء. قَوْله: (فصلى فصلى رَسُول الله ﷺ ، الْكَلَام هُنَا فِي موضِعين: أَحدهمَا فِي كلمة: (ثمَّ صلى فصلى) ، وَالْآخر فِي كلمة: الْفَاء، أما الأول: فقد قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت: قَالَ فِي صَلَاة جِبْرِيل ﵊: (ثمَّ صلى) بِلَفْظ: ثمَّ، وَفِي صَلَاة الرَّسُول، ﷺ : فصلى بِالْفَاءِ؟ قلت: لِأَن صَلَاة الرَّسُول كَانَت متعقبة لصَلَاة جِبْرِيل، ﵊، بِخِلَاف صلَاته، فَإِن بَين كل صَلَاتَيْنِ زَمَانا، فَنَاسَبَ كلمة التَّرَاخِي. وَأما الثَّانِي: فقد قَالَ عِيَاض: ظَاهره أَن صلَاته ﷺ كَانَت بعد فرَاغ صَلَاة جِبْرِيل، ﵊، لَكِن الْمَنْصُوص فِي غَيره أَن جِبْرِيل، ﵊، أمَّ النبيَّ، ﷺ ، فَيحمل قَوْله: (صلى فصلى) ، على أَن جِبْرِيل كَانَ كلما فعل جزأً من الصَّلَاة تَابعه النَّبِي، ﷺ ، فَفعله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: صلى فصلى، مكررا هَكَذَا خمس مَرَّات، مَعْنَاهُ أَنه كلما فعل جزأً من أَجزَاء الصَّلَاة فعله النَّبِي، ﷺ ، حَتَّى تكاملت صلاتهما. انْتهى. قلت: مبْنى كَلَام عِيَاض على أَن الْفَاء، فِي الأَصْل للتعقيب، فَدلَّ على أَن صَلَاة النَّبِي ﷺ كَانَت عقيب فرَاغ جِبْرِيل، ﵊، من صلَاته. وَحَاصِل جَوَابه أَنه جعل: الْفَاء، على أَصله وأوله بالتأويل الْمَذْكُور. وَبَعْضهمْ ذهب إِلَى أَن: الْفَاء، هُنَا بِمَعْنى: الْوَاو، لِأَنَّهُ ﷺ إِذا ائتم بِجِبْرِيل يجب أَن يكون مُصَليا مَعَه لَا بعده. وَإِذا حملت: الْفَاء، على حَقِيقَتهَا وَجب أَن لَا يكون مُصَليا مَعَه، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن: الْفَاء، إِذا كَانَ بِمَعْنى الْوَاو، يحْتَمل أَن يكون النَّبِي، ﷺ ، صلى قبل جِبْرِيل، لِأَن: الْوَاو، لمُطلق الْجمع، و: الْفَاء، لَا تحْتَمل ذَلِك قلت: فجيء: الْفَاء، بِمَعْنى: الْوَاو، لَا يُنكر كَمَا فِي قَوْله: (بَين الدُّخُول فحومل) فَإِن: الْفَاء، فِيهِ بِمَعْنى: الْوَاو، وَالِاحْتِمَال الَّذِي ذكره الْمُعْتَرض يدْفع بِأَن جِبْرِيل، ﵇، هُنَا مُبين لهيئة الصَّلَاة الَّتِي فرضت لَيْلَة الْإِسْرَاء، فَلَا يُمكن أَن تكون صلَاته بعد صَلَاة النَّبِي ﷺ ، وإلَاّ لَا يبْقى لصَلَاة جِبْرِيل فَائِدَة. وَيُمكن أَن تكون: الْفَاء، هُنَا للسَّبَبِيَّة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ﴾ (الْقَصَص: ١٥) قَوْله: (بِهَذَا) ، أَي: بأَدَاء الصَّلَاة فِي هَذِه الْأَوْقَات. قَوْله: (أمرت، رُوِيَ بِضَم التَّاء وَفتحهَا، وعَلى الْوَجْهَيْنِ هُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: نزل جِبْرِيل،

стр. 1254

عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على النَّبِي ﷺ مَأْمُورا مُكَلّفا بتعليم النَّبِي ﷺ لَا بِأَصْل الصَّلَاة، وَأقوى الرِّوَايَتَيْنِ فتح التَّاء، يَعْنِي: أَن الَّذِي أمرت بِهِ من الصَّلَاة البارحة مُجملا، هَذَا تَفْسِيره الْيَوْم مفصلا. قلت: فعلى هَذَا الْوَجْه يكون الْخطاب من جِبْرِيل، ﵊، للنَّبِي ﷺ ، وَأما وَجه الضَّم: فَهُوَ أَن جِبْرِيل، ﵊، يخبر عَن نَفسه أَنه أَمر بِهِ هَكَذَا، فعلى الْوَجْهَيْنِ الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي قَوْله: ثمَّ قَالَ: يرجع إِلَى جِبْرِيل، ﵊، وَمن قَالَ فِي وَجه الضَّم: أَن النَّبِي، ﷺ ، أخبر عَن نَفسه أَنه أَمر بِهِ، هَكَذَا، وَأَن الضَّمِير فِي: قَالَ، يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ فقدأُبعد، وَإِن كَانَ التَّرْكِيب يَقْتَضِي هَذَا أَيْضا. قَوْله: (إعلم مَا تحدث بِهِ) ، بِصِيغَة الْأَمر، تَنْبِيه من عمر بن عبد الْعَزِيز لعروة على إِنْكَاره إِيَّاه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهره الْإِنْكَار لِأَنَّهُ لم يكن عِنْده خبر من إِمَامَة جِبْرِيل، ﵊، إِمَّا لِأَنَّهُ لم يبلغهُ، أَو بلغه فنسيه، وَالْأولَى عِنْدِي أَن حجَّة عُرْوَة عَلَيْهِ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا رَوَاهُ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَذكر لَهُ حَدِيث جِبْرِيل موطئا لَهُ ومعلما لَهُ بِأَن الْأَوْقَات (إِنَّمَا ثَبت أَصْلهَا بإيقاف جِبْرِيل، ﵊، للنَّبِي، ﷺ ، عَلَيْهَا. قَوْله: (أَو أَن جِبْرِيل) قَالَ السفاقسي: الْهمزَة حرف الِاسْتِفْهَام دخلت على: الْوَاو، فَكَانَ ذَلِك تَقْديرا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْوَاو، مَفْتُوحَة، وَأَن هَهُنَا تفتح وتكسر، وَقَالَ صَاحب (الاقتضاب) كسر الْهمزَة أظهر لِأَنَّهُ اسْتِفْهَام مُسْتَأْنف إلَاّ أَنه ورد: بِالْوَاو، وَالْفَتْح على تَقْدِير: أَو علمت أَو حدثت أَن جِبْرِيل، ﵊، نزل؟ قلت: لم يذكر أحد مِنْهُم أنَّ: الْوَاو، أَي: وَاو هِيَ، وَهِي: وَاو، الْعَطف على مَا ذكره بَعضهم، وَلكنه قَالَ: والعطف على شَيْء مُقَدّر، وَلم يبين مَا هُوَ الْمُقدر. قَوْله: (وَقت الصَّلَاة) بإفراد الْوَقْت فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: وقوت الصَّلَاة، بِلَفْظ الْجمع. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة) ، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا إِمَّا مقول ابْن شهَاب أَو تَعْلِيق من البُخَارِيّ. قلت: فَكيف يكون تَعْلِيقا وَقد ذكره مُسْندًا عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَاب وَقت الْعَصْر، فَحِينَئِذٍ يكون مقول ابْن شهَاب؟ قَوْله: (فِي حُجْرَتهَا) ، قَالَ ابْن سَيّده: الْحُجْرَة من الْبيُوت مَعْرُوفَة، وَقد سميت بذلك لمنعها الدَّاخِل من الْوُصُول إِلَيْهَا، يُقَال: استحجر الْقَوْم واحتجروا: اتَّخذُوا حجرَة، وَفِي (الْمُنْتَهى) و (الصِّحَاح) : الْحُجْرَة حَظِيرَة الْإِبِل، وَمِنْه حجرَة الدَّار. تَقول: احتجرت حجرَة أَي: اتخذتها، وَالْجمع: حجر مثل غرفَة وغرف وحجرات بِضَم الْجِيم. قَوْله: (أَن تظهر) ذكر فِي (الموعب) : يُقَال: ظهر فلَان السَّطْح إِذا علاهُ، وَعَن الزّجاج فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا أَن يظهروه﴾ (الْكَهْف: ٩٧) أَي: مَا قدرُوا أَن يعلوا عَلَيْهِ لارتفاعه وإملاسه، وَفِي (الْمُنْتَهى) : ظَهرت الْبَيْت علوته، وأظهرت بفلان: أعليت بِهِ، وَفِي كتاب ابْن التِّين وَغَيره: ظهر الرجل فَوق السَّطْح إِذا علا فَوْقه، قيل: وَإِنَّمَا قيل لَهُ كَذَلِك لِأَنَّهُ إِذا علا فَوْقه فقد ظهر شخصه لمن تَأمله، وَقيل: مَعْنَاهُ أَن يخرج الظل من قاعة حُجْرَتهَا فَيذْهب، وكل شَيْء خرج فقد ظهر، وَالتَّفْسِير الأول أقرب وأليق بِظَاهِر الحَدِيث، لِأَن الضَّمِير فِي قَوْله: (تظهر) إِنَّمَا هُوَ رَاجع إِلَى: الشَّمْس، وَلم يتَقَدَّم للظل ذكر فِي الحَدِيث، وسنستوفي الْكَلَام فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن قريب فِي بَاب وَقت الْعَصْر، إِن شَاءَ الله. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ وَهُوَ على وُجُوه: الأول: فِيهِ دَلِيل على أَن وَقت الصَّلَاة من فرائضها وَأَنَّهَا لَا تجزي، قبل وَقتهَا، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ بَين الْعلمَاء إلَاّ شَيْء رُوِيَ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَعَن بعض التَّابِعين: أجمع الْعلمَاء على خِلَافه وَلَا وَجه لذكره هَهُنَا لِأَنَّهُ لَا يَصح عَنْهُم وَصَحَّ عَن أبي مُوسَى خِلَافه مِمَّا وَافق الْجَمَاعَة فَصَارَ اتِّفَاقًا صَحِيحا. الثَّانِي: فِيهِ الْمُبَادرَة بِالصَّلَاةِ فِي أول وَقتهَا وَهَذَا هُوَ الأَصْل وَأَن رُوِيَ: الْإِبْرَاد بِالظّهْرِ والإسفار بِالْفَجْرِ بالأحاديث الصَّحِيحَة. الثَّالِث: فِيهِ دُخُول الْعلمَاء على الْأُمَرَاء وإنكارهم عَلَيْهِم مَا يُخَالف السّنة. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز مُرَاجعَة الْعَالم لطلب الْبَيَان وَالرُّجُوع عِنْد التَّنَازُع إِلَى السّنة. الْخَامِس: فِيهِ أَن الْحجَّة فِي الحَدِيث الْمسند دون الْمَقْطُوع، وَلذَلِك لم يقنع عمر بِهِ، فَلَمَّا أسْند إِلَى بشير بن أبي مَسْعُود قنع بِهِ. السَّادِس: اسْتدلَّ بِهِ قوم مِنْهُم ابْن الْعَرَبِيّ على جَوَاز صَلَاة المفترض خلف المتنفل من جِهَة أَن الْمَلَائِكَة لَيْسُوا مكلفين بِمثل مَا كلف بِهِ الْإِنْس قلت: هَذَا اسْتِدْلَال غير صَحِيح، لِأَن جِبْرِيل، ﵊، كَانَ مُكَلّفا بتبليغ تِلْكَ الصَّلَاة وَلم يكن متنفلاً، فَتكون صَلَاة مفترض خلف مفترض. وَقَالَ عِيَاض: يحْتَمل أَن لَا تكون تِلْكَ الصَّلَاة وَاجِبَة على النَّبِي ﷺ حِينَئِذٍ، ورد بِأَنَّهَا كَانَت صَبِيحَة لَيْلَة فرض الصَّلَاة، وَاعْترض عَلَيْهِ بِاحْتِمَال

стр. 1255

أَن الْوُجُوب عَلَيْهِ كَانَ مُعَلّقا بِالْبَيَانِ، فَلم يتَحَقَّق الْوُجُوب إِلَّا بعد تِلْكَ الصَّلَاة. السَّابِع: فِيهِ جَوَاز الْبُنيان، وَلَكِن يَنْبَغِي الِاقْتِصَار فِيهِ، أَلا ترى أَن جِدَار الْحُجْرَة كَانَ قَصِيرا؟ . قَالَ الْحسن: كنت أَدخل فِي بيُوت النَّبِي ﷺ وَأَنا محتلم وَأَنا أسقفها بيَدي. الثَّامِن: اسْتدلَّ بِهِ من يرى جَوَاز الائتمام بِمن يأتم بِغَيْرِهِ، وَالْجَوَاب عَنهُ أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ مبلغا فَقَط كَمَا فِي قصَّة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي صلَاته خلف النَّبِي، ﷺ ، وَصَلَاة النَّاس خَلفه. وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة. التَّاسِع: فِيهِ فَضِيلَة عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْعَاشِر: فِيهِ: مَا قَالَ ابْن بطال فِيهِ دَلِيل على ضعف الحَدِيث الْوَارِد فِي أَن جِبْرِيل، ﵊، أم بِالنَّبِيِّ، ﷺ ، فِي يَوْمَيْنِ لوقتين مُخْتَلفين لكل صَلَاة، قَالَ: لِأَنَّهُ لَو كَانَ صَحِيحا لم يُنكر عُرْوَة على عمر صلَاته فِي آخر الْوَقْت، محتجا بِصَلَاة جِبْرِيل، ﵊، مَعَ أَن جِبْرِيل قد صلى فِي الْيَوْم الثَّانِي فِي آخر الْوَقْت. وَقَالَ: الْوَقْت مَا بَين هذَيْن. وَأجِيب عَن هَذَا بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن تكون صَلَاة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَت خرجت عَن وَقت الِاخْتِيَار وَهُوَ مصير ظلّ الشَّيْء مثلَيْهِ لَا عَن وَقت الْجَوَاز وَهُوَ مغيب الشَّمْس، فَحِينَئِذٍ يتَّجه إِنْكَار عُرْوَة، وَلَا يلْزم مِنْهُ ضعف الحَدِيث أَو يكون إِنْكَار عُرْوَة لأجل مُخَالفَة عمر مَا واظب عَلَيْهِ النَّبِي، ﷺ ، وَهُوَ الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت، وَرَأى أَن الصَّلَاة بعد ذَلِك إِنَّمَا هِيَ لبَيَان الْجَوَاز فَلَا يلْزم مِنْهُ ضعف الحَدِيث أَيْضا. وَفِي قَوْله: مَا واظب عَلَيْهِ النَّبِي، ﷺ ، وَهُوَ الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت نظر لَا يخفى. فَإِن قلت: ذكر حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بعد ذكر حَدِيث أبي مَسْعُود مَا وَجهه؟ قلت: لِأَن عُرْوَة احْتج بِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي كَونه، ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس فِي حُجْرَتهَا، وَهِي الصَّلَاة الَّتِي وَقع الْإِنْكَار بِسَبَبِهَا، وَبِذَلِك تظهر مُنَاسبَة ذكره بِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بعد حَدِيث أبي مَسْعُود، لِأَن حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، يشْعر بِأَنَّهُ، ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي الْعَصْر فِي أول الْوَقْت، وَحَدِيث أبي مَسْعُود يشْعر بِأَن أصل بَيَان الْأَوْقَات كَانَ بتعليم جِبْرِيل، ﵊. فَإِن قلت: مَا معنى قَوْلهَا: قبل أَن تظهر؟ وَالشَّمْس ظَاهِرَة على كل شَيْء من أول طُلُوعهَا إِلَى غُرُوبهَا؟ قلت: إِنَّهَا أَرَادَت: والفيء فِي حُجْرَتهَا. قبل أَن يَعْلُو على الْبيُوت، فَكَنَتْ بالشمس عَن الْفَيْء، لِأَن الْفَيْء عَن الشَّمْس، كَمَا سمي الْمَطَر: سَمَاء، لِأَنَّهُ من السَّمَاء ينزل. ألَا تَرى أَنه جَاءَ فِي رِوَايَة: لم يظْهر الْفَيْء من حُجْرَتهَا. وَفِي لفظ: (وَالشَّمْس طالعة فِي حُجْرَتي) . فَافْهَم. ٢ - (بابٌ قَوْلُ الله تَعَالَى ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الرّوم: ٣١) أَي: هَذَا بَاب، فباب: بِالتَّنْوِينِ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب قَوْله تَعَالَى، بِالْإِضَافَة، ثمَّ الْكَلَام فِي هَذِه الْآيَة على أَنْوَاع: الأول: أَن هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة الرّوم وَقبلهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطرت الله﴾ (الرّوم: ٣٠) الْآيَة. الثَّانِي: فِي مَعْنَاهَا وإعرابها، فَقَوله: ﴿فأقم وَجهك للدّين﴾ (الرّوم: ٣٠) أَي: قوم وَجهك لَهُ غير ملتفت يَمِينا وَشمَالًا، قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، وَعَن الضَّحَّاك والكلبي: أَي: أقِم عَمَلك. قَوْله: ﴿حَنِيفا﴾ (الرّوم: ٣٠) أَي: مُسلما، قَالَه الضَّحَّاك. وَقيل: مخلصا، وانتصابه على الْحَال من الدّين. قَوْله: ﴿فطرت الله﴾ (الرّوم: ٣٠) أَي: وَعَلَيْكُم فطْرَة الله أَي: الزموا فطْرَة الله، وَهِي الْإِسْلَام. وَقيل: عهد الله فِي الْمِيثَاق. قَوْله: ﴿منيبين﴾ (الرّوم: ٣٠) نصب على الْحَال من الْمُقدر، وَهُوَ: إلزموا فطْرَة الله، مَعْنَاهُ: منقلبين، واشتقاقه من: نَاب يَنُوب، إِذا رَجَعَ، وَعَن قَتَادَة: مَعْنَاهُ: تَائِبين، وَعَن ابْن زيد مَعْنَاهُ مُطِيعِينَ، والإنابة الِانْقِطَاع إِلَى الله بالإنابة أَي: الرُّجُوع عَن كل شَيْء. الثَّالِث: فِي بَيَان وَجه عطف قَوْله: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة﴾ (الرّوم: ٣١) هُوَ الْإِعْلَام بِأَن الصَّلَاة من جملَة مَا يَسْتَقِيم بِهِ الْإِيمَان لِأَنَّهَا عماد الدّين، فَمن أَقَامَهَا فقد أَقَامَ الدّين، وَمن تَركهَا فقد هدم الدّين. ٥٢٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا عَبَّادٌ هُوَ ابنُ عَبَّادٍ عنْ أبي جَمْرَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ قدِمَ وَفْدُ عبْدٍ القَيْسِ علَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالُوا إنَّا مِنْ هاذَا الحَيِّ مِنْ رَبِيعَةَ وَلَسْنَانَصلُ إلَيْكَ إلَاّ فِي الشهْرِ الحَرَامِ فَمُرْنَا بِشَيءٍ نَأخُذْهُ عَنْكَ وَنَدْعُوا إلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا فقالَ آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وأنْهَاكُمْ عَنْ أرْبَعٍ الإيمَانُ بِاللَّه ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ شَهَادَةُ أنْ لَا إلَهَ إلَاّ الله وأنِّي رسُولُ الله وإقامُ

стр. 1256

الصَّلَاةِ وإيتَاءُ الزَّكاةِ وأَنْ تُؤَدُّوا إلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ وَأَنْهَى عنِ الدُّبَّاءِ والحنتم وَالمُقَيَّرِ والنَّقِيرِ. مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ إِن فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة اقتران نفي الشّرك بِإِقَامَة الصَّلَاة، وَفِي الحَدِيث: اقتران إِثْبَات التَّوْحِيد بإقامتها؟ فَإِن قلت: كَيفَ الْمُنَاسبَة بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات؟ قلت: من جِهَة التضاد لِأَن ذكر أحد المتضادين فِي مُقَابلَة الآخر يعد مُنَاسبَة من هَذِه الْجِهَة. ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: قُتَيْبَة، وَعباد بن عباد المهلبي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وَالرَّاء واسْمه: نصر بن عمرَان، وَقد أمعنا الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان، لِأَن هَذَا الحَدِيث ذكر فِيهِ لكنه رَوَاهُ هُنَاكَ عَن عَليّ بن الْجَعْد عَن شُعْبَة عَن أبي جَمْرَة، قَالَ: (كنت أقعد مَعَ ابْن عَبَّاس فيجلسني على سَرِيره، فَقَالَ: أقِم عِنْدِي حَتَّى أجعَل لَك سَهْما من مَالِي، فأقمت مَعَه شَهْرَيْن، ثمَّ قَالَ: إِن وَفد عبد الْقَيْس) الحَدِيث، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ أَنه أخرج هَذَا الحَدِيث فِي عشرَة مَوَاضِع وَذكرنَا أَيْضا من أخرجه غَيره. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: عباد وَهُوَ ابْن عباد، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: بِالْوَاو، وَفِي رِوَايَة غَيره عباد هُوَ ابْن عباد بِدُونِ: الْوَاو. وَفِيه: من وَافق اسْمه اسْم أَبِيه. وَفِيه: أَنه من رباعيات البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بغلاني، وبغلان قَرْيَة من بَلخ، وَهُوَ: قُتَيْبَة. وبصري وَهُوَ: عباد، وَأَبُو جَمْرَة. ذكر مَعْنَاهُ مُخْتَصرا: قَوْله: (إِن وَفد عبد الْقَيْس) ، الْوَفْد: قوم يَجْتَمعُونَ فيردون الْبِلَاد، وَقَالَ القَاضِي: هم الْقَوْم يأْتونَ الْملك ركبا، وَهُوَ اسْم الْجمع، وَعبد الْقَيْس: أَبُو قَبيلَة، وَهُوَ ابْن أفصى، بِالْفَاءِ: ابْن دعمى، بِالضَّمِّ: ابْن جديلة بن اسد بن ربيعَة بن نذار. قَوْله: (إِنَّا هَذَا الْحَيّ) بِالنّصب على الِاخْتِصَاص. قَوْله: (من الربيعة خبرلان وَرَبِيعَة هُوَ ابْن نزار بن معد بن عدنان وانما قَالُوا ربيعَة لَان عبد الْقَيْس من اولاده قَوْله (إلَاّ فِي الشَّهْر الْحَرَام) ، المُرَاد بِهِ الْجِنْس، فَيتَنَاوَل الْأَشْهر الْحرم الْأَرْبَعَة: رَجَب، وَذَا الْقعدَة وَذَا الْحجَّة وَالْمحرم. قَوْله: (تَأْخُذهُ) ، بِالرَّفْع على أَنه اسْتِئْنَاف، وَلَيْسَ جَوَابا لِلْأَمْرِ بِقَرِينَة عطف نَدْعُو عَلَيْهِ مَرْفُوعا. قَوْله: (من وَرَاءَنَا) فِي مَحل النصب على أَنه مفعول: نَدْعُو. قَوْله: (ثمَّ فَسرهَا) ، إِنَّمَا أَنْت الضَّمِير نظرا إِلَى أَن المُرَاد من الْإِيمَان الشَّهَادَة وَإِلَى أَنه خصْلَة، إِذا التَّقْدِير: آمركُم بِأَرْبَع خِصَال. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يذكر الصَّوْم هَهُنَا؟ مَعَ أَنه ذكر فِي بَاب أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان حَيْثُ قَالَ: (وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصِيَام رَمَضَان)) ، وَالْحَال أَن الصَّوْم كَانَ وَاجِبا حينئذٍ لِأَن وفادتهم كَانَت عَام الْفَتْح، وَإِيجَاب الصَّوْم فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة. قلت: قَالَ ابْن الصّلاح: وَأما عدم ذكر الصَّوْم فِيهِ فَهُوَ إغفال من الرَّاوِي وَلَيْسَ من الِاخْتِلَاف الصَّادِر عَن رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (الدُّبَّاء) ، بِضَم الدَّال وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالمد، وَقد تقصر وَقد تكسر الدَّال: وَهُوَ اليقطين الْيَابِس، وَهُوَ جمع، والواحدة: دباءة، وَمن قصر قَالَ: دباة و: (الحنتم) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهِي الجرار الْخضر تضرب الى الْحمرَة، و: (النقير) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف، وَهُوَ جذع ينقر وَسطه وينبذ فِيهِ، و: (المقير) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْقَاف وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهُوَ المطلى بالقار، وَهُوَ الزفت وَفِي بَاب أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان: الحنتم والدباء والنقير والمزفت، وَرُبمَا قَالَ: المقير. فَإِن قلت: مَا مُنَاسبَة نَهْيه، ﷺ ، عَن الظروف الْمَذْكُورَة وَأمره بأَدَاء الْخمس بمقارنة أمره بِالْإِيمَان وَمَا ذكره مَعَه قلت كَانَ هَؤُلَاءِ الْوَفْد يكثرون الانتباذ فِي الظروف الْمَذْكُورَة فعرفهم مَا يهمهم، ويخشى مِنْهُم مواقعته، وَكَذَلِكَ كَانَ يخْشَى مِنْهُم الْغلُول فِي الْفَيْء فَلذَلِك نَص عَلَيْهِ. ٣ - (بابُ البَيْعَةِ عَلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْبيعَة على إِقَامَة الصَّلَاة. وَقَوله: (إِقَامَة الصَّلَاة) بِالتَّاءِ رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة غَيرهَا بَاب الْبيعَة على إقَام الصَّلَاة، بِدُونِ: التَّاء، وَهُوَ الأَصْل. والبيعة: هُوَ الْمُبَايعَة على الْإِسْلَام، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْبيعَة عبارَة عَن المعاقدة على الْإِسْلَام والمعاهدة، كَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا بَاعَ مَا عِنْده من صَاحبه وَأَعْطَاهُ خَالِصَة نَفسه وطاعته ودخيلة أمره. ٥٢٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى قَالَ حدَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ حدَّثنا قَيْسٌ عنْ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله قالَ بايَعْتُ رسولَ الله ﷺ عَلَى إقَامِ الصَّلَاة وَإيتَاءِ الزَّكاةِ

стр. 1257

والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث يشْتَمل على ثَلَاثَة أَشْيَاء، والترجمة على الْجُزْء الأول مِنْهَا. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: مُحَمَّد بن الْمثنى، بِفَتْح النُّون الْمُشَدّدَة، تقدم، وَيحيى هُوَ الْقطَّان. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد. وَقيس ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه مَعَ هَذَا الاسناد، غير مُحَمَّد بن الْمثنى، قد مضى فِي بَاب قَول النَّبِي، ﷺ ، الدّين النَّصِيحَة لله وَلِرَسُولِهِ فِي آخر كتاب الْإِيمَان، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بلطائف الْإِسْنَاد، وَمعنى الحَدِيث وَغير ذَلِك مُسْتَوفى مستقصىً. ٤ - (بابٌ الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الصَّلَاة كَفَّارَة، هَكَذَا: الصَّلَاة كَفَّارَة، فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بَاب تَكْفِير الصَّلَاة الْكَفَّارَة عبارَة عَن الفعلة والخصلة الَّتِي من شَأْنهَا أَن تكفر الْخَطِيئَة أَي: تسترها وتمحوها، وَهِي على وزن: فعالة بِالتَّشْدِيدِ للْمُبَالَغَة، كقتالة وضرابة، وَهِي من الصِّفَات الْغَالِبَة فِي بَاب الإسمية، واشتقاقها من الْكفْر بِالْفَتْح وَهُوَ تَغْطِيَة الشَّيْء بالاستهلاك، والتكفير مصدر من: كفر، بِالتَّشْدِيدِ. ٤ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا يحيى عَن الْأَعْمَش قَالَ حَدثنِي شَقِيق قَالَ سَمِعت حُذَيْفَة قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد عمر ﵁ فَقَالَ أَيّكُم يحفظ قَول رَسُول الله ﷺ َ - فِي الْفِتْنَة قلت أَنا كَمَا قَالَه قَالَ إِنَّك عَلَيْهِ أَو عَلَيْهَا لجريء قلت فتْنَة الرجل فِي أَهله وَمَاله وَولده وجاره تكفرها الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالصَّدَََقَة وَالْأَمر وَالنَّهْي قَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيد وَلَكِن الْفِتْنَة الَّتِي تموج كَمَا يموج الْبَحْر قَالَ لَيْسَ عَلَيْك مِنْهَا بَأْس يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن بَيْنك وَبَينهَا بَابا مغلقا قَالَ أيكسر أم يفتح قَالَ يكسر قَالَ إِذا لَا يغلق أبدا قُلْنَا أَكَانَ عمر يعلم الْبَاب قَالَ نعم كَمَا أَن دون الْغَد اللَّيْلَة إِنِّي حدثته بِحَدِيث لَيْسَ بالأغاليط فهبنا أَن نسْأَل حُذَيْفَة فَأمرنَا مسروقا فَسَأَلَهُ فَقَالَ الْبَاب عمر) مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " تكفرها الصَّلَاة " (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي يحيى الْقطَّان. الثَّالِث سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع شَقِيق بن سَلمَة الْأَسدي أَبُو وَائِل الْكُوفِي. الْخَامِس حُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه حَدثنِي حُذَيْفَة رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة غَيره سَمِعت حُذَيْفَة وَفِيه بصريان وهما مُسَدّد وَيحيى وكوفيان الْأَعْمَش وشقيق (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة عَن جرير وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن عمر بن حَفْص قَالَه الْمزي فِي الْأَطْرَاف وَهُوَ وهم وَإِنَّمَا أخرجه عَن عمر بن حَفْص فِي الْفِتَن وَفِي الصَّوْم عَن عَليّ بن عبد الله وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن ابْن نمير وَأبي بكر كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة قَالَه الْمزي وَهُوَ وهم وَإِنَّمَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن ابْن نمير وَأبي كريب وَمُحَمّد بن الْمثنى ثَلَاثَتهمْ عَن أبي مُعَاوِيَة فَوَهم فِي ذكره لأبي بكر وَفِي إِسْقَاطه لِابْنِ الْمثنى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن أَيْضا عَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ أَيْضا عَن ابْن نمير عَن أَبِيه وَأبي مُعَاوِيَة كِلَاهُمَا عَن الْأَعْمَش

стр. 1258

(ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " كُنَّا جُلُوسًا " أَي جالسين قَوْله " فِي الْفِتْنَة " وَهِي الْخِبْرَة والإعجاب بالشَّيْء فتنه يفتنه فتنا وفتونا وأفتنه وأباها الْأَصْمَعِي وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ فتنه جعل فِيهِ فتْنَة وأفتنه أوصل الْفِتْنَة إِلَيْهِ قَالَ إِذا قَالَ أفتنته فقد تعرض الْفِتَن وَإِذا قَالَ فتنته فَلم يتَعَرَّض الْفِتَن وَحكى أَبُو زيد أفتن الرجل بِصِيغَة مَا لم يسم فَاعله أَي فتن والفتنة الضلال وَالْإِثْم وَفتن الرجل أماله عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَن الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك﴾ والفتنة الْكفْر قَالَ تَعَالَى ﴿وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة﴾ والفتنة الفضيحة والفتنة الْعَذَاب والفتنة مَا يَقع بَين النَّاس من الْقِتَال ذكره ابْن سَيّده والفتنة البلية وأصل ذَلِك كُله من الاختبار وَأَنه من فتنت الذَّهَب فِي النَّار إِذا اختبرته وَفِي الغريبين الْفِتْنَة الغلو فِي التَّأْوِيل المظلم وَقَالَ ابْن طريف فتنته وأفتنته وَفتن بِكَسْر التَّاء فُتُونًا تحول من حسن إِلَى قَبِيح وَفتن إِلَى النِّسَاء وَفتن فِيهِنَّ أَرَادَ الْفُجُور بِهن وَفِي الجمهرة فتنت الرجل أفتنه وأفتنته إفتانا وَفِي الصِّحَاح قَالَ الْفراء أهل الْحجاز يَقُولُونَ (مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين) وَأهل نجد يَقُولُونَ بمفتنين من أفتنت وَزعم عِيَاض أَنَّهَا الِابْتِلَاء والامتحان قَالَ وَقد صَار فِي عرف الْكَلَام لكل أَمر كشفه الاختبار عَن سوء وَيكون فِي الْخَيْر وَالشَّر قَالَ تَعَالَى ﴿ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة﴾ قَوْله " قلت أَنا كَمَا قَالَه " أَي أحفظ كَمَا قَالَه رَسُول الله ﷺ َ - (فَإِن قلت) الْكَاف هَهُنَا لماذا وَهُوَ حَافظ لنَفس قَول رَسُول الله ﷺ َ - لَا كمثله (قلت) يجوز أَن تكون الْكَاف هُنَا للتَّعْلِيل لِأَنَّهَا اقترنت بِكَلِمَة مَا المصدرية أَي أحفظ لأجل حفظ كَلَامه وَيجوز أَن تكون للاستعلاء يَعْنِي أحفظ على مَا عَلَيْهِ قَوْله وَقَالَ الْكرْمَانِي لَعَلَّه نَقله بِالْمَعْنَى فاللفظ مثل لَفظه فِي أَدَاء ذَلِك الْمَعْنى (قلت) حَاصِل كَلَامه يؤول إِلَى معنى المثلية وَهُوَ فِي سُؤَاله نفي المثلية فَانْتفى بذلك أَن تكون الْكَاف للتشبيه وَقَالَ بَعضهم الْكَاف زَائِدَة (قلت) هَذَا أَخذه من الْكرْمَانِي وَلم يبين وَاحِد مِنْهُمَا أَن الْكَاف إِذا كَانَت زَائِدَة مَا تكون فَائِدَته (فَإِن قلت) لفظ أَنا مُفْرد وَهُوَ مقول قَوْله (قلت) وَقد علم أَن مقول القَوْل يكون جملَة (قلت) أَنا مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره أَنا أحفظ أَو أضبط أَو نَحْوهمَا قَوْله " عَلَيْهِ " أَي قَول رَسُول الله ﷺ َ - قَوْله " أَو عَلَيْهَا " أَي أَو على مقَالَته وَالشَّكّ من حُذَيْفَة قَالَه الْكرْمَانِي (قلت) يجوز أَن يكون مِمَّن دونه قَوْله " لجريء " خبر أَن فِي قَوْله " إِنَّك " وَاللَّام للتَّأْكِيد والجريء على وزن فعيل من الجراءة وَهِي الْإِقْدَام على الشَّيْء قَوْله " فتْنَة الرجل فِي أَهله " قَالَ ابْن بطال فتْنَة الرجل فِي أَهله أَن يَأْتِي من أَجلهم مَا لَا يحل لَهُ من القَوْل أَو الْعَمَل مِمَّا لم يبلغ كَبِيرَة وَقَالَ الْمُهلب يُرِيد مَا يعرض لَهُ مَعَهُنَّ من شَرّ أَو حزن أَو شُبْهَة قَوْله " وَمَاله " فتْنَة الرجل فِي مَاله أَن يَأْخُذهُ من غير مأخذه ويصرفه فِي غير مصرفه أَو التَّفْرِيط بِمَا يلْزمه من حُقُوق المَال فتكثر عَلَيْهِ المحاسبة قَوْله " وَولده " فتْنَة الرجل فِي وَلَده فرط محبتهم وشغله بهم عَن كثير من الْخَيْر أَو التوغل فِي الِاكْتِسَاب من أَجلهم من غير اكتراث من أَن يكون من حَلَال أَو حرَام قَوْله " وجاره " فتْنَة الرجل فِي جَاره أَن يتَمَنَّى أَن يكون حَاله مثل حَاله إِن كَانَ متسعا قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة﴾ قَوْله " تكفرها الصَّلَاة " أَي تكفر فتْنَة الرجل فِي أَهله وَمَاله وَولده وجاره أَدَاء الصَّلَاة قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ يَعْنِي الصَّلَوَات الْخمس إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر هَذَا قَول أَكثر الْمُفَسّرين وَقَالَ مُجَاهِد هِيَ قَول العَبْد سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَقَالَ ابْن عبد الْبر قَالَ بعض المنتسبين إِلَى الْعلم من أهل عصرنا أَن الْكَبَائِر والصغائر تكفرها الصَّلَاة وَالطَّهَارَة وَاسْتدلَّ بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث وَبِحَدِيث الصنَابحِي " إِذا تَوَضَّأ خرجت الْخَطَايَا من فِيهِ " الحَدِيث وَقَالَ أَبُو عمر هَذَا جهل وموافقة للمرجئة وَكَيف يجوز أَن تحمل هَذِه الْأَخْبَار على عمومها وَهُوَ يسمع قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا﴾ فِي آي كثير فَلَو كَانَت الطَّهَارَة وَأَدَاء الصَّلَوَات وأعمال الْبر مكفرة لما احْتَاجَ إِلَى التَّوْبَة وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي الصَّوْم وَالصَّدَََقَة وَالْأَمر وَالنَّهْي فَإِن الْمَعْنى أَنَّهَا تكفر إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر قَوْله " وَالْأَمر " أَي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر كَمَا صرح بِهِ البُخَارِيّ فِي الزَّكَاة (فَإِن قلت) مَا النُّكْتَة فِي تعْيين هَذِه الْأَشْيَاء الْخَمْسَة (قلت) الْحُقُوق لما كَانَت فِي الْأَبدَان وَالْأَمْوَال والأقوال فَذكر من أَفعَال الْأَبدَان أَعْلَاهَا وَهُوَ الصَّلَاة وَالصَّوْم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهَا لكبيرة إِلَّا على الخاشعين﴾ وَذكر من حُقُوق الْأَمْوَال أَعْلَاهَا وَهِي الصَّدَقَة وَمن الْأَقْوَال أَعْلَاهَا وَهِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر قَوْله " تموج " من ماج الْبَحْر أَي تضطرب وَيدْفَع بَعْضهَا بَعْضهَا لعظمها وَكلمَة مَا فِي كَمَا تموج مَصْدَرِيَّة أَي كموج الْبَحْر وَهُوَ تَشْبِيه غير بليغ قَوْله " قَالَ " أَي قَالَ حُذَيْفَة قَوْله " بَأْس " أَي شدَّة قَوْله

стр. 1259

" لبابا " ويروى " بَابا " بِدُونِ اللَّام قَوْله " مغلقا " صفة الْبَاب قَالَ ثَعْلَب فِي الفصيح أغلقت الْبَاب فَهُوَ مغلق وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه والعامة تَقول غلقت بِغَيْر ألف وَهُوَ خطأ وَذكره أَبُو عَليّ الدينَوَرِي فِي بَاب مَا تحذف مِنْهُ الْعَامَّة الْألف وَقَالَ ابْن سَيّده فِي العويص والجوهري فِي الصِّحَاح فأغلقت قَالَ الْجَوْهَرِي وَهِي لُغَة رَدِيئَة متروكة وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شَرحه الْأَفْصَح غلقت بِالتَّشْدِيدِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وغلقت الْأَبْوَاب﴾ وَفِيه نظر لِأَن غلقت مُشَدّدَة للتكثير قَالَه الْجَوْهَرِي وَغَيره وَفِي الْمُحكم غلق الْبَاب وأغلقه وغلقه الأولى من ابْن دريرد عزاها إِلَى أبي زيد وَهِي نادرة وَالْمَقْصُود من هَذَا الْكَلَام أَن تِلْكَ الْفِتَن لَا يخرج مِنْهَا شَيْء فِي حياتك قَوْله " قَالَ أيكسر " أَي قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أيكسر هَذَا الْبَاب أم يفتح قَوْله " قَالَ يكسر " أَي قَالَ حُذَيْفَة يكسر قَوْله " قَالَ إِذا لَا يغلق أبدا " أَي قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا لَا يغلق أبدا هَذَا الْبَاب وَإِذا هُوَ جَوَاب وَجَزَاء أَي إِذا انْكَسَرَ لَا يغلق أبدا لِأَن المكسور لَا يُعَاد بِخِلَاف المفتوح وَالْكَسْر لَا يكون غَالِبا إِلَّا عَن إِكْرَاه وَغَلَبَة وَخلاف عَادَة وَلَفظ لَا يغلق رُوِيَ مَرْفُوعا ومنصوبا وَجه الرّفْع أَن يُقَال أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير الْبَاب إِذا لَا يغلق وَوجه النصب أَن لَا يقدر ذَلِك فَلَا يكون مَا بعده مُعْتَمدًا على مَا قبله وَالْحَاصِل أَنه فعل مُسْتَقْبل مَنْصُوب بِإِذن وَأذن تعْمل النصب فِي الْفِعْل الْمُسْتَقْبل بِثَلَاثَة أَشْيَاء وَهِي أَن يعْتَمد مَا قبلهَا على مَا بعْدهَا وَأَن يكون الْفِعْل فعل حَال وَأَن لَا يكون مَعهَا وَاو الْعَطف وَهَذِه الثَّلَاثَة مَعْدُومَة فِي النصب قَوْله " قُلْنَا " هُوَ مقول شَقِيق قَوْله " كَمَا أَن دون الْغَد اللَّيْلَة " أَي كَمَا يعلم أَن الْغَد أبعد منا من اللَّيْلَة يُقَال هُوَ دون ذَلِك أَي أقرب مِنْهُ قَوْله " إِنِّي حدثته " مقول حُذَيْفَة قَوْله " لَيْسَ بالأغاليط " جمع أغلوطة وَهِي مَا يغالط بهَا قَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَاهُ حدثته حَدِيثا صدقا محققا من أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ َ - لَا من اجْتِهَاد رَأْي وَنَحْوه وغرضه أَن ذَلِك الْبَاب رجل يقتل أَو يَمُوت كَمَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات قَالَ وَيحْتَمل أَن يكون حُذَيْفَة علم أَن عمر يقتل وَلكنه كره أَن يُخَاطب عمر بِالْقَتْلِ فَإِن عمر كَانَ يعلم أَنه هُوَ الْبَاب فَأتى بِعِبَارَة يحصل مِنْهَا الْغَرَض وَلَا يكون إِخْبَارًا صَرِيحًا بقتْله قَالَ وَالْحَاصِل أَن الْحَائِل بَين الْفِتْنَة وَالْإِسْلَام عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ الْبَاب فَمَا دَامَ عمر حَيا لَا تدخل الْفِتَن فِيهِ فَإِذا مَاتَ دخلت وَكَذَا كَانَ قَوْله " فهبنا " أَي خفنا من هاب وَهُوَ مقول شَقِيق أَيْضا قَوْله " مسروقا " هُوَ مَسْرُوق بن الأجدع وَقد تقدم ذكره قَوْله " فَقَالَ الْبَاب عمر " أَي قَالَ مَسْرُوق الْبَاب هُوَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (فَإِن قلت) قَالَ أَولا أَن بَيْنك وَبَينهَا بَابا فالباب يكون بَين عمر وَبَين الْفِتْنَة وَهنا يَقُول الْبَاب هُوَ عمر وَبَين الْكَلَامَيْنِ مُغَايرَة (قلت) لَا مُغَايرَة بَينهمَا لِأَن المُرَاد بقوله " بَيْنك وَبَينهَا " أَي بَين زَمَانك وَبَين زمَان الْفِتْنَة وجود حياتك وَقَالَ الْكرْمَانِي أَو المُرَاد بَين نَفسك وَبَين الْفِتْنَة بدنك إِذْ الرّوح غير الْبدن أَو بَين الْإِسْلَام والفتنة وَقَالَ أَيْضا (فَإِن قلت) من أَيْن علم حُذَيْفَة أَن الْبَاب عمر وَهل علم من هَذَا السِّيَاق أَنه مُسْند إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - بل كل مَا ذكر فِي هَذَا الْبَاب لم يسند مِنْهُ شَيْء إِلَيْهِ ﷺ َ - (قلت) الْكل ظَاهر مُسْند إِلَيْهِ ﷺ َ - بِقَرِينَة السُّؤَال وَالْجَوَاب وَلِأَنَّهُ قَالَ حدثته بِحَدِيث وَلَفظ الحَدِيث الْمُطلق لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي حَدِيثه ﷺ َ - (فَإِن قلت) كَيفَ سَأَلَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن الْفِتْنَة الَّتِي تَأتي بعده خوفًا أَن يُدْرِكهَا مَعَ علمه بِأَنَّهُ هُوَ الْبَاب (قلت) من شدَّة خَوفه خشى أَن يكون نسي فَسَأَلَ من يذكرهُ ٥٢٦ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عنْ أبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلاً أصَابَ منَ امْرَأةٍ قُبْلَةً فَأتَى النبيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ الله : ﴿أقِمِ الصَّلَاةَ طرَفَيِ النَّهَارِ وزُلفا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (هود: ١١٤) فقالَ الرَّجُلُ يَا رسولَ الله أَلِي هذَا قالَ لَجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ (الحَدِيث ٥٢٦ طرفه فِي: ٤٦٨٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات) ، لِأَن المُرَاد من الْحَسَنَات: الصَّلَوَات الْخمس، فَإِذا أَقَامَهَا تكفر عَنهُ الذُّنُوب إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر، كَمَا ذكرنَا. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: قُتَيْبَة بن سعيد. وَالثَّانِي: يزِيد، من الزِّيَادَة: ابْن

стр. 1260

زُرَيْع بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره عين مُهْملَة. وَالثَّالِث: سُلَيْمَان بن طرخان أَبُو الْمُعْتَمِر، وَقد مر فِي بَاب من خص بِالْعلمِ. وَالرَّابِع: أَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل، بِكَسْر الْمِيم وَضمّهَا وَتَشْديد اللَّام: النَّهْدِيّ، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء وَكسر الدَّال الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى نهد بن زيد بن لَيْث بن أسلم، بِضَم اللَّام: ابْن الحاف بن قضاعة، أسلم على عهد رَسُول الله ﷺ ، وَلم يلقه، وَلكنه أدّى إِلَيْهِ الصَّدقَات، عَاشَ نَحوا من مائَة وَثَلَاثِينَ سنة، وَمَات سنة خمس وَتِسْعين، وَأَنه كَانَ ليُصَلِّي حَتَّى يغشى عَلَيْهِ. وَالْخَامِس: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته بصريون مَا خلا قُتَيْبَة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن قُتَيْبَة وَأبي كَامِل كِلَاهُمَا عَن يزِيد بن زُرَيْع وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُعْتَمر بن سلمَان وَعَن عُثْمَان بن جرير. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَابْن أبي عدي وَعَن اسماعيل بن مَسْعُود عَن يزِيد بن زُرَيْع. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن سُفْيَان بن وَكِيع وَفِي الزَّاهِد عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان. ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (أَن رجلا) هُوَ: أَبُو الْيُسْر، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، وَقد صرح بِهِ التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته: حَدثنَا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: أخبرنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ: أخبرنَا قيس بن الرّبيع عَن عُثْمَان ابْن عبد الله بن موهب عَن مُوسَى بن طَلْحَة، عَن أبي الْيُسْر، قَالَ: أَتَتْنِي امْرَأَة تبْتَاع تَمرا، فَقلت: إِن فِي الْبَيْت تَمرا أطيب مِنْهُ، فَدخلت معي فِي الْبَيْت، فَأَهْوَيْت إِلَيْهَا فَقَبلتهَا، فَأتيت أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: اسْتُرْ على نَفسك وَتب، فَأتيت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكرت لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: أستر على نَفسك وَتب وَلَا تخبر أحدا، فَلم أَصْبِر، فَأتيت رَسُول الله ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: أخلفت غازيا فِي سَبِيل الله فِي أَهله بِمثل هَذَا؟ حَتَّى تمنى أَنه لم يكن أسلم إِلَى تِلْكَ السَّاعَة، حَتَّى ظن أَنه من أهل النَّار. قَالَ: فَأَطْرَقَ رَسُول الله ﷺ طَويلا. حَتَّى أوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ: ﴿أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات ذَلِك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود: ١١٤) . قَالَ أَبُو الْيُسْر: فَأَتَيْته فقرأها عَليّ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ أَصْحَابه: يَا رَسُول الله أَلِهَذَا خَاصَّة أم للنَّاس عَامَّة؟ قَالَ: بل للنَّاس عَامَّة) . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَقيس بن الرّبيع ضعفه. وَكِيع وَغَيره، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: أَبُو الْيُسْر: كَعْب بن عَمْرو السّلمِيّ بَدْرِي. قَوْله: (فَأتى النَّبِي ﷺ أَي: أَتَى الرجل النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ بِمَا أَصَابَهُ. قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿أقِم الصَّلَاة﴾ (هود: ١١٤) يُشِير بِهَذَا إِلَى أَن سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة فِي أبي الْيُسْر الْمَذْكُور. وَفِي تَفْسِير ابْن مرْدَوَيْه: (عَن أبي أُمَامَة أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله أقِم فيَّ حد الله، مرّة أَو مرَّتَيْنِ، فَأَعْرض عَنهُ، ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَة) ، وروى أَبُو عَليّ الطوسي فِي (كتاب الْأَحْكَام) من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: وَلم يسمع مِنْهُ (أَتَى النَّبِي ﷺ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله! أَرَأَيْت رجلا لَقِي امْرَأَة وَلَيْسَ بَينهمَا معرفَة، فَلَيْسَ يَأْتِي الرجل شَيْئا إِلَى امْرَأَته إلَاّ قد أَتَاهُ إِلَيْهَا إلَاّ أَنه لم يُجَامِعهَا، فَأنْزل الله تَعَالَى الْآيَة، فَأمره أَن يتَوَضَّأ وَيُصلي. قَالَ معَاذ: فَقلت يَا رَسُول الله أَهِي لَهُ خَاصَّة أم للْمُؤْمِنين عَامَّة؟ قَالَ: بل للْمُؤْمِنين عَامَّة) . وروى مُسلم من حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (يَا رَسُول الله إِنِّي عَالَجت امْرَأَة فِي أقْصَى الْمَدِينَة، وَإِنِّي أصبت مِنْهَا مَا دون أَن أَمسهَا، فَأَنا هَذَا فَاقْض فيَّ بِمَا شِئْت. فَقَالَ عمر: لقد سترك الله لَو سترت على نَفسك، وَلم يرد عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ شَيْئا. فَانْطَلق الرجل فَأتبعهُ رجلا فَتلا عَلَيْهِ هَذِه الْآيَة) . وَاعْلَم أَن فِي كَون الرجل فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: أَبَا الْيُسْر، هُوَ أصح الْأَقْوَال السِّتَّة. القَوْل الثَّانِي: إِنَّه عَمْرو بن غزيَّة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ، أَبُو حَبَّة، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، التمار، رَوَاهُ أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس: (جَاءَت امْرَأَة إِلَى عَمْرو بن غزيَّة تبْتَاع تَمرا، فَقَالَ: إِن فِي بَيْتِي تَمرا فانطلقي أبيعك مِنْهُ، فَلَمَّا دخلت الْبَيْت بَطش بهَا، فَصنعَ بهَا كل شَيْء إلاّ أَنه لم يَقع عَلَيْهَا، فَلَمَّا ذهب عَنهُ الشَّيْطَان نَدم على مَا صنع، وأتى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله تناولت امْرَأَة فصنعت بهَا كل شَيْء يصنع الرجل بامرأته إلَاّ أَنِّي لم أقع عَلَيْهَا. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : مَا أَدْرِي، وَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا

стр. 1261

فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ حضرت الصَّلَاة فصلوا، فَنزلت الْآيَة: ﴿أقِم الصَّلَاة﴾ (هود: ١١٤) . القَوْل الثَّالِث: إِنَّه ابْن معتب، رجل من الْأَنْصَار ذكره ابْن أبي خَيْثَمَة فِي (تَارِيخه) من حَدِيث إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، قَالَ: (أَتَى النَّبِي ﷺ رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: معتب) ، فَذكر الحَدِيث. القَوْل الرَّابِع: إِنَّه أَبُو مقبل، عَامر بن قيس الْأنْصَارِيّ ذكره مقَاتل فِي (نَوَادِر التَّفْسِير) وَقَالَ: هُوَ الَّذِي نزل فِيهِ: ﴿أقِم الصَّلَاة﴾ (هود: ١١٤) القَوْل الْخَامِس: هُوَ نَبهَان التمار، وَزعم الثَّعْلَبِيّ أَن نَبهَان لم ينزل فِيهِ إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم﴾ (آل عمرَان: ١٣٥) . الْآيَة. القَوْل السَّادِس: إِنَّه عباد، ذكره الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِيره. قَوْله: ﴿طرفِي النَّهَار﴾ (هود: ١١٤) . قَالَ الثَّعْلَبِيّ: طرفِي النَّهَار: الْغَدَاة والعشي، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يَعْنِي صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْمغرب. وَقَالَ مُجَاهِد: صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعشي. وَقَالَ الضَّحَّاك: الْفجْر وَالْعصر، وَقَالَ مقَاتل: صَلَاة الْفجْر وَالظّهْر طرف، وَصَلَاة الْمغرب وَالْعصر طرف، وانتصاب: (طرفِي النَّهَار) على الظّرْف لِأَنَّهُمَا مضافان إِلَى الْوَقْت، كَقَوْلِك: أَقمت عِنْده جَمِيع النَّهَار، وَهَذَا على إِعْطَاء الْمُضَاف حكم الْمُضَاف إِلَيْهِ. قَوْله: ﴿وَزلفًا من اللَّيْل﴾ : (هود: ١١٤) : صَلَاة الْعَتَمَة. وَقَالَ الْحسن: هما الْمغرب وَالْعشَاء، وَقَالَ الْأَخْفَش: يَعْنِي صَلَاة اللَّيْل، وَقَالَ الز (جاج: مَعْنَاهُ الصَّلَاة الْقَرِيبَة من أول اللَّيْل، والزلف: جمع زلفة، وَقَرَأَ الْجُمْهُور، بِضَم الزَّاي وَفتح اللَّام، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر بضمهما، وَقَرَأَ ابْن مُحَيْصِن بِضَم الزَّاي وَجزم اللَّام، وَقَرَأَ مُجَاهِد زلفى مثل قربى، وَفِي (الْمُحكم) زلف اللَّيْل: سَاعَات من أَوله. وَقيل: هِيَ سَاعَات اللَّيْل الْأَخِيرَة من النَّهَار وساعات النَّهَار الْأَخِيرَة من اللَّيْل. وَفِي (جَامع) الْقَزاز: الزلفة: الْقرْبَة من الْخَيْر وَالشَّر، وانتصاب: زلفى، على أَنه عطف على: الصَّلَاة، أَي: أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار، وأقم زلفى من اللَّيْل. قَوْله: ﴿إِن الْحَسَنَات﴾ (هود: ١١٤) . قَالَ الْقُرْطُبِيّ: لم يخْتَلف أحد من أهل التَّأْوِيل أَن الصَّلَاة فِي هَذِه الْآيَة يُرَاد بهَا الْفَرَائِض. قَوْله: (أَلِي هَذَا؟) الْهمزَة للاستفهام، وَقَوله: هَذَا، مُبْتَدأ، وَقَوله، لي، مقدما خَبره. وَفَائِدَة التَّقْدِيم التَّخْصِيص. قَوْله: (كلهم) ، لَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: عدم وجوب الْحَد فِي الْقبْلَة وَشبههَا من الْمس وَنَحْوه من الصَّغَائِر، وَهُوَ من اللمم المعفو عَنهُ باجتناب الْكَبَائِر بِنَصّ الْقُرْآن. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقد يسْتَدلّ بِهِ على أَنه لَا حد وَلَا أدب على الرجل وَالْمَرْأَة، وَإِن وجدا فِي ثوب وَاحِد، وَهُوَ اخْتِيَار ابْن الْمُنْذر. انْتهى قلت سلمنَا فِي نفي الْحَد، وَلَا نسلم فِي نفي الْأَدَب، سِيمَا فِي هَذَا الزَّمَان. وَفِيه: أَن إِقَامَة الصَّلَوَات الْخمس تجْرِي مجْرى التَّوْبَة فِي ارْتِكَاب الصَّغَائِر. وَفِيه: أَن بَاب التَّوْبَة مَفْتُوح، وَالتَّوْبَة مَقْبُولَة وَفِي الْآي الْمَذْكُورَة دَلِيل على قَول أبي حنيفَة فِي أَن التَّنْوِير بِصَلَاة الْفجْر أفضل، وَذَلِكَ لِأَن ظَاهر الْآيَة يدل على وجوب إِقَامَة الصَّلَاة فِي طرف النَّهَار، وبيَّنا أَن طرفِي النَّهَار: الزَّمَان الأول بِطُلُوع الشَّمْس، وَالزَّمَان الأول بغروبها. وأجمعت الْأمة على أَن إِقَامَة الصَّلَاة فِي ذَلِك الْوَقْت من غير ضَرُورَة غير مَشْرُوع، فقد تعذر الْعَمَل بِظَاهِر هَذِه الْآيَة، فَوَجَبَ حملهَا على الْمجَاز، وَهُوَ أَن يكون المُرَاد إِقَامَة الصَّلَاة فِي الْوَقْت الَّذِي يقرب من طرفِي النَّهَار، لِأَن مَا يقرب من الشَّيْء يجوز أَن يُطلق عَلَيْهِ اسْمه، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكل وَقت كَانَ أقرب إِلَى طُلُوع الشَّمْس، وَإِلَى غُرُوبهَا كَانَ أقرب إِلَى ظَاهر اللَّفْظ، وَإِقَامَة صَلَاة الْفجْر عِنْد التَّنْوِير أقرب إِلَى وَقت الطُّلُوع من إِقَامَتهَا عِنْد الْغَلَس، وَكَذَلِكَ إِقَامَة صَلَاة الْعَصْر عِنْدَمَا يصير ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ أقرب إِلَى وَقت الْغُرُوب من إِقَامَتهَا عِنْدَمَا صَار ظلّ كل شَيْء مثله، وَالْمجَاز: كلما كَانَ أقرب إِلَى الْحَقِيقَة كَانَ حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ أولى. وفيهَا: دَلِيل أَيْضا على وجوب الْوتر، لِأَن قَوْله ﴿وَزلفًا﴾ (هود: ١١٤) . يَقْتَضِي الْأَمر بِإِقَامَة الصَّلَاة فِي زلف من اللَّيْل، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عطف على الصَّلَاة فِي قَوْله: ﴿أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار﴾ (هود: ١١٤) . فَيكون التَّقْدِير: وأقم الصَّلَاة فِي زلف من اللَّيْل، والزلف جمع، وَأَقل الْجمع ثَلَاثَة، فَالْوَاجِب إِقَامَة الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الثَّلَاثَة، فالوقتان للمغرب وَالْعشَاء، وَالْوَقْت الثَّالِث للوتر، فَيجب الحكم بِوُجُوبِهِ. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) ذكر هَذَا شَيخنَا قطب الدّين، وَتَبعهُ شَيخنَا عَلَاء الدّين، وَهِي نزغة وَلَا نسلم لَهما قلت: لَا نسلم لَهُ لِأَن عدم التَّسْلِيم بعد إِقَامَة الدَّلِيل مُكَابَرَة. ٥ - (بابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ لوَقْتِهَا) أَي: هَذَا فِي بَيَان فضل الصَّلَاة لوَقْتهَا، وَكَانَ الأَصْل أَن يُقَال: فضل الصَّلَاة فِي وَقتهَا، لِأَن الْوَقْت ظرف لَهَا، ولذكره هَكَذَا وَجْهَان: الأول: أَن عِنْد الْكُوفِيّين أَن حُرُوف الْجَرّ يُقَام بَعْضهَا مقَام الْبَعْض. وَالثَّانِي: اللَّام، هُنَا مثل اللَّام فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ (الطَّلَاق: ١) أَي: مستقبلات لعدتهن، وَمثل قَوْلهم: لَقيته لثلاث بَقينَ من الشَّهْر، وَتسَمى: بلام التَّأْقِيت، والتأريخ. وَأما

стр. 1262

قيام: اللَّام، مقَام: فِي، فَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٤٧) وَقَوله: لَا يجليها لوَقْتهَا إلَاّ هُوَ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٨٧) . وَقَوْلهمْ: مضى لسبيله. فَإِن قلت: فَفِي حَدِيث الْبَاب: على وَقتهَا، فالترجمة لَا تطابقه؟ قلت: اللَّام تَأتي بِمَعْنى: على، أَيْضا نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿ويخرون للأذقان﴾ (الْإِسْرَاء: ١٠٧، ١٠٩) ، ﴿ودعانا لجنبه﴾ (يُونُس: ١٢) ، ﴿وتله للجبين﴾ (الصافات: ١٠٣) . وعَلى الأَصْل جَاءَ أَيْضا فِي الحَدِيث أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن بنْدَار، قَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن عمر حَدثنَا مَالك بن مغول عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار عَن أبي عَمْرو عَن عبد الله، قَالَ: (سَأَلت رَسُول الله ﷺ أَي الْعَمَل أفضل؟ قَالَ: الصَّلَاة فِي وَقتهَا) . وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) ، وَكَذَا أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد بِلَفْظ التَّرْجَمَة. وَأخرجه مُسلم بِالْوَجْهَيْنِ. ٥٢٧ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ هشَاُم بُن عَبْدِ المَلِكِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ الوَلِيدُ بنُ العَيْزَارِ أَخْبرنِي قالَ سَمِعْتُ أبَا عَمْرٍ والشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ حدَّثنا صاحِبُ هَذِه الدَّارِ وأشَارَ إلَى دَارِ عَبْدِ الله قالَ سَأَلْتُ النَّبيَّ ﷺ أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إِلَى الله قالَ الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ أيّ قَالَ ثُمَّ بِر الوَالِدَيْنِ قالَ ثُمَّ أيّ قَالَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله قَالَ حَدثنِي بهنَّ رسولُ الله ﷺ وَلَو اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. . مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَتقدم الْكَلَام فِي: على وَاللَّام. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: الْوَلِيد بن الْعيزَار، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالزاي قبل الْألف وبالراء بعْدهَا: ابْن حُرَيْث، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: الْكُوفِي. الرَّابِع: أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، وَهُوَ سعيد بن إِيَاس، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: المخضرم، أدْرك أهل الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام، عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة قَالَ: أذكر أَنِّي سَمِعت بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأَنا أرعى إبِلا لأهلي بكاظمة، بالظاء الْمُعْجَمَة، وتكامل شَبَابِي يَوْم الْقَادِسِيَّة فَكنت ابْن أَرْبَعِينَ سنة يَوْمئِذٍ، وَكَانَ من أَصْحَاب عبد الله بن مَسْعُود. الْخَامِس: هُوَ عبد الله. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه السماع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِلَفْظ الْإِفْرَاد فِي الْمَاضِي. وَفِيه: القَوْل وَالسَّمَاع وَالسُّؤَال. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. وَفِيه: قَوْله: قَالَ الْوَلِيد بن الْعيزَار: أَخْبرنِي، تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره: حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: أَخْبرنِي الْوَلِيد بن الْعيزَار، قَالَ: سَمِعت أَبَا عَمْرو. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أبي الْوَلِيد، وَفِي التَّوْحِيد عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي الْجِهَاد عَن الْحسن بن الصَّباح، وَفِي التَّوْحِيد أَيْضا عَن عباد بن الْعَوام. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عبيد الله بن معَاذ، وَعَن مُحَمَّد بن يحيى، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْبر والصلة عَن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمروزِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد. ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (حَدثنَا صَاحب هَذِه الدَّار) ، لم يُصَرح فِيهِ شُعْبَة باسم عبد الله، بل رَوَاهُ مُبْهما. وَرَوَاهُ مَالك بن مغول عَن البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد، وَأَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ فِي التَّوْحِيد عَن الْوَلِيد، وصرحا باسم عبد الله، وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، وَأحمد من طَرِيق أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه، وَمَعَ هَذَا فِي قَوْله: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى دَار عبد الله) اكْتِفَاء عَن التَّصْرِيح، لِأَن المُرَاد من: عبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. قَوْله: (أَي الْعَمَل أحب إِلَى الله؟) . وَفِي رِوَايَة مَالك بن مغول: (أَي الْعَمَل أفضل؟) وَكَذَا الْأَكْثَر الروَاة. قَوْله: (على وَقتهَا) اسْتِعْمَال لَفْظَة: على، هَهُنَا بِالنّظرِ إِلَى إِرَادَة الإستعلاء على الْوَقْت، والتمكن على أَدَائِهَا فِي أَي جُزْء من أَجْزَائِهَا، وَاتفقَ أَصْحَاب شُعْبَة على اللَّفْظ الْمَذْكُور، وَخَالفهُم عَليّ بن حَفْص، فَقَالَ: (الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا) . وَقَالَ الْحَاكِم: روى هَذَا الحَدِيث جمَاعَة عَن شُعْبَة، وَلم يذكر هَذِه اللَّفْظَة غير حجاج عَن عَليّ بن حَفْص، وحجاج حَافظ ثِقَة، وَقد احْتج مُسلم بعلي بن حَفْص. قَوْله: (قَالَ: ثمَّ أَي؟) قَالَ الْفَاكِهَانِيّ: إِنَّه غير منون لِأَنَّهُ غير مَوْقُوف عَلَيْهِ فِي الْكَلَام، والسائل ينْتَظر الْجَواب، والتنوين لَا يُوقف عَلَيْهِ، فتنوينه وَوَصله بِمَا بعده خطأ، فَيُوقف

стр. 1263

عَلَيْهِ وَقْفَة لَطِيفَة ثمَّ يُؤْتى بِمَا بعده. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: أَي، مشدد منون، كَذَلِك سَمِعت من ابْن الخشاب. وَقَالَ: لَا يجوز إلَاّ تنوينه لِأَنَّهُ مُعرب غير مُضَاف. وَقَالَ بَعضهم: وَتعقب بِأَنَّهُ مُضَاف تَقْديرا، والمضاف إِلَيْهِ مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: ثمَّ أَي الْعَمَل أحب؟ فَيُوقف عَلَيْهِ بِلَا تَنْوِين. قلت: قَالَ النُّحَاة: إِن أيا الموصولة والشرطية والاستفهامية معربة دَائِما فَإِذا كَانَت: أَي هَذِه معربة عِنْد الْإِفْرَاد، فَكيف يُقَال: إِنَّهَا مَبْنِيَّة عِنْد الْإِضَافَة؟ وَلما نقل عَن سِيبَوَيْهٍ هَذَا هَكَذَا أنكر عَلَيْهِ الزّجاج، فَقَالَ: مَا تبين لي أَن سِيبَوَيْهٍ غلط إلَاّ فِي موضِعين: هَذَا أَحدهمَا، فَإِنَّهُ يسلم أَنَّهَا تعرب إِذا أفردت، فَكيف يَقُول ببنائها إِذا أضيفت؟ قَوْله: (قَالَ: بر الْوَالِدين) ، هَكَذَا هُوَ عِنْد أَكثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (قَالَ: ثمَّ بر الْوَالِدين)) ، بِزِيَادَة كلمة: ثمَّ، و: الْبر، بِكَسْر الْبَاء: الْإِحْسَان، وبر الْوَالِدين: الْإِحْسَان إِلَيْهِمَا وَالْقِيَام بخدمتهما وَترك العقوق والإساءة إِلَيْهِمَا من: بر يبر فَهُوَ بار، وَجمعه: بررة. قَوْله: الْجِهَاد فِي سَبِيل الله) وَهُوَ: الْمُحَاربَة مَعَ الْكفَّار لإعلاء كلمة الله وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام بِالنَّفسِ وَالْمَال. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الذّكر بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة؟ قلت: هَذِه الثَّلَاثَة أفضل الْأَعْمَال بعد الْإِيمَان، من ضيع الصَّلَاة الَّتِي هِيَ عماد الدّين مَعَ الْعلم بفضيلتها كَانَ لغَيْرهَا من أَمر الدّين أَشد تضييعا، وَأَشد تهاونا واستخفافا، وَكَذَا من ترك بر وَالِديهِ فَهُوَ لغير ذَلِك من حُقُوق الله أَشد تركا، وَكَذَا الْجِهَاد: من تَركه مَعَ قدرته عَلَيْهِ عِنْد تعينه، فَهُوَ لغير ذَلِك من الْأَعْمَال الَّتِي يتَقرَّب بهَا إِلَى الله تَعَالَى أَشد تركا، فالمحافظ على هَذِه الثَّلَاثَة حَافظ على مَا سواهَا، والمضيع لَهَا كَانَ لما سواهَا أضيع. قَوْله: (حَدثنِي بِهن) مقول عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَي: بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة، وَأَنه تَأْكِيد وَتَقْرِير لما تقدم، إِذْ لَا ريب أَن اللَّفْظ صَرِيح فِي ذَلِك، وَهُوَ أرفع دَرَجَات التَّحَمُّل. قَوْله: (وَلَو استزدته) أَي: وَلَو طلبت مِنْهُ الزِّيَادَة فِي السُّؤَال لزادني رَسُول الله ﷺ فِي الْجَواب، ثمَّ طلبه الزِّيَادَة يحْتَمل أَن يكون أرادها من هَذَا النَّوْع، وَهِي مَرَاتِب أفضل الْأَعْمَال، وَيحْتَمل أَن يكون أرادها من مُطلق الْمسَائِل الْمُحْتَاج إِلَيْهَا. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: من طَرِيق المَسْعُودِيّ عَن الْوَلِيد: (فَسكت عني رَسُول الله ﷺ وَلَو استزدته لزادني) ، فَكَأَنَّهُ فهم مِنْهُ السَّآمَة، فَلذَلِك قَالَ مَا قَالَه، وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي رِوَايَة مُسلم: (فَمَا تركت أَن أستزيده إلَاّ إرعاء عَلَيْهِ) ، أَي: شَفَقَة عَلَيْهِ لِئَلَّا يسأم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن أَعمال الْبر تفضل بَعْضهَا على بعض عِنْد الله تَعَالَى. فَإِن قلت: ورد أَن إطْعَام الطَّعَام خير أَعمال الْإِسْلَام، وَورد: (إِن أحب الْأَعْمَال إِلَى الله أَدْوَمه) ، وَغير ذَلِك، فَمَا وَجه التَّوْفِيق بَينهمَا؟ قلت: أجَاب النَّبِي ﷺ لكل من سَأَلَ بِمَا يُوَافق غَرَضه، أَو بِمَا يَلِيق بِهِ، أَو بِحَسب الْوَقْت، فَإِن الْجِهَاد كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام أفضل الْأَعْمَال، لِأَنَّهُ كَانَ كالوسيلة إِلَى الْقيام بهَا. والتمكن من أَدَائِهَا، أَو بِحَسب الْحَال، فَإِن النُّصُوص تعاضدت على فضل الصَّلَاة على الصَّدَقَة، وَرُبمَا تجدّد حَال يَقْتَضِي مواساة مُضْطَر فَتكون الصَّدَقَة حِينَئِذٍ أفضل، وَيُقَال: إِن أفعل، فِي: أفضل الْأَعْمَال، لَيْسَ على بَابه، بل المُرَاد بِهِ الْفضل الْمُطلق. وَيُقَال: التَّقْدِير أَن من أفضل الْأَعْمَال، فحذفت كلمة: من، وَهِي مُرَادة قلت: وَفِيه نظر. وَفِيه: مَا قَالَ ابْن بطال: إِن البدار إِلَى الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا أفضل من التَّرَاخِي فِيهَا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَرط فِيهَا أَن تكون أحب من الْأَعْمَال إِذا أُقِيمَت لوَقْتهَا الْمُسْتَحبّ. قلت: لفظ الحَدِيث لَا يدل على مَا ذكره على مَا لَا يخفى، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظ مَا يَقْتَضِي أَولا وَلَا آخرا، فَكَانَ الْمَقْصُود بِهِ الِاحْتِرَاز عَمَّا إِذا وَقعت قَضَاء. وَقَالَ بَعضهم: وَتعقب بِأَن إخْرَاجهَا عَن وَقتهَا محرم، وَلَفظ: أحب، يَقْتَضِي الْمُشَاركَة فِي الِاسْتِحْبَاب، فَيكون المُرَاد الِاحْتِرَاز عَن إيقاعها آخر الْوَقْت. قلت: الَّذِي يدل ظَاهر اللَّفْظ أَن الصَّلَاة مُشَاركَة لغَيْرهَا من الْأَعْمَال فِي الْمحبَّة، فَإِذا وَقعت الصَّلَاة فِي وَقتهَا كَانَت أحب إِلَى الله تَعَالَى من غَيرهَا، فَيكون الِاحْتِرَاز عَن وُقُوعهَا خَارج الْوَقْت. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الْوَقْت الأول من الصَّلَاة رضوَان الله، وَالْوَقْت الآخر عَفْو الله) . وَالْعَفو لَا يكون إلَاّ عِنْد التَّقْصِير. . قلت: قَالَ ابْن حبَان، لما رَوَاهُ فِي (كتاب الضُّعَفَاء) : وَتفرد بِهِ يَعْقُوب بن الْوَلِيد، وَكَانَ يضع الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: هُوَ مَوْضُوع. وَقَالَ الْمَيْمُونِيّ: سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول: لَا أعرف شَيْئا يثبت فِي أَوْقَات الصَّلَاة أَولهَا كَذَا وَآخِرهَا (هَكَذَا، يَعْنِي: مغْفرَة ورضوانا. وَفِيه: تَعْظِيم الْوَالِدين وَبَيَان فَضله وَيجب الْإِحْسَان إِلَيْهِمَا وَلَو كَانَا كَافِرين. وَفِيه: السُّؤَال عَن مسَائِل شَتَّى فِي وَقت وَاحِد، وَجَوَاز تَكْرِير السُّؤَال. وَفِيه: الرِّفْق بالعالم والتوقف عَن الْإِكْثَار عَلَيْهِ خشيَة ملاله. وَفِيه:

стр. 1264

أَن الْإِشَارَة تنزل منزلَة التَّصْرِيح إِذا كَانَت مُعينَة للمشار إِلَيْهِ، مُمَيزَة عَن غَيره. أَلا ترى أَن الْأَخْرَس إِذا طلق امْرَأَته بِالْإِشَارَةِ المفهمة، يَقع طَلَاقه بِحَسب الْإِشَارَة، وَكَذَا سَائِر تَصَرُّفَاته. ٦ - (بابٌ الصَلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ) بَاب منون، تَقْدِيره: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الصَّلَوَات الْخمس كَفَّارَة، وَهَكَذَا وَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات. وَفِي بعض الرِّوَايَات التَّرْجَمَة سَقَطت، وَعَلِيهِ مَشى ابْن بطال وَمن تبعه. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (بَاب الصَّلَوَات الْخمس كَفَّارَة للخطايا إِذا صَلَّاهُنَّ لوقتهن فِي الْجَمَاعَة وَغَيرهَا) . وَقَوله: الصَّلَوَات مُبْتَدأ، و: الْخمس، صفته، و: كَفَّارَة، خَبره. وَقد مر تَفْسِير الْكَفَّارَة. والخطايا جمع خَطِيئَة، وَهِي الْإِثْم. يُقَال: خطأ يخطأ خطأ وخطأة، على وزن: فعلة بِكَسْر الْفَاء، والخطيئة على وزن فعيلة: الْإِثْم. وَلَك أَن تشدد الْيَاء لِأَن كل يَاء سَاكِنة قبلهَا كسرة أَو: وَاو، سَاكِنة قبلهَا ضمة وهما زائدتان للمد لَا للإلحاق، وَلَا هما من نفس الْكَلِمَة، فَإنَّك تقلب الْهمزَة بعد الْوَاو واوا، وَبعد الْيَاء يَاء، وتدغم. وَتقول فِي مقروء: مقروٍّ وَفِي خَطِيئَة: خطية، وأصل الْخَطَايَا: خطائي، على وزن فعائل، فَلَمَّا اجْتمعت الهمزتان قلبت الثَّانِيَة: يَاء، لِأَن قبلهَا كسرة، ثمَّ استثقلت، وَالْجمع، ثقيل، وَهُوَ معتل مَعَ ذَلِك، فقلبت الْيَاء ألفا، ثمَّ قلبت الْهمزَة الأولى يَاء لخفائها بَين الْأَلفَيْنِ. ٥٢٨ - حدَّثنا إبْرَاهيمُ بنُ حَمْزَةَ قَالَ حدَّثني ابنُ أبي حازِمٍ وَالدَّرَاوَرْديُّ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ ابنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ أرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرا بِبابِ أحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ يَمْحُو الله بِهِ الخَطَايَا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الَّذِي قبله أَعم من هَذِه التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ يتَنَاوَل الصَّلَوَات الْخمس وَغَيرهَا من أَنْوَاع الصَّلَاة. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَقد مر فِي كتاب الايمان. الثَّانِي: عبد الْعَزِيز ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَقد مر فِي بَاب نوم الرِّجَال. الثَّالِث: عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي، نِسْبَة إِلَى دراورد، بِفَتْح الدَّال وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ ثمَّ ألف ثمَّ وَاو مَفْتُوحَة ثمَّ رَاء سَاكِنة ثمَّ دَال مُهْملَة: وَهِي قَرْيَة بخراسان. وَقَالَ أَكْثَرهم مَنْسُوب إِلَى دَار بجرد، مَدِينَة بِفَارِس وَهِي من شواذ النّسَب. الرَّابِع: يزِيد، من الزِّيَادَة: ابْن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد اللَّيْثِيّ الْأَعْرَج، مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: مُحَمَّد بن ابراهيم التَّيْمِيّ، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَة. السَّادِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. السَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة، سَمَّاهُ البُخَارِيّ: عبد الله، وَقَالَ عَمْرو بن عَليّ: لَا يعرف لَهُ اسْم. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: اثْنَان اسْم كل مِنْهُمَا: عبد الْعَزِيز، وَفِيه: ثَلَاثَة تابعيون وهم: يزِيد وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير، وَمُحَمّد، وَأَبُو سَلمَة. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة: عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث وَبكر بن مُضر عَن ابْن الْهَاد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَمْثَال عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ، فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث وَحده بِهِ. . ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (أَرَأَيْتُم) الْهمزَة للاستفهام على سَبِيل التَّقْرِير، وَالتَّاء للخطاب،، وَمَعْنَاهُ: أخبروني، ويوري: (أَرَأَيْتكُم) ، بِالْكَاف وَالْمِيم، لَا مَحل لَهما من الْإِعْرَاب. قَوْله: (لَو أَن نَهرا) قَالَ الطَّيِّبِيّ: لفظ: لَو، يَقْتَضِي أَن يدْخل على الْفِعْل وَأَن يُجَاب، لكنه وضع الِاسْتِفْهَام مَوْضِعه تَأْكِيدًا أَو تقريرا، وَالتَّقْدِير، لَو ثَبت نهر صفته كَذَا لما بَقِي كَذَا، وَالنّهر، بِفَتْح الْهَاء وسكونها: مَا بَين جنبيّ الْوَادي، سمي بذلك لسعته، وَكَذَلِكَ سمي النَّهَار لسعة ضوئه. قَوْله: (مَا تَقول) أَي: أَيهَا السَّامع، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (مَا تَقولُونَ) . قَوْله: (ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى الِاغْتِسَال، وَقَالَ ابْن مَالك: فِيهِ شَاهد على إِجْرَاء فعل القَوْل مجْرى فعل الظَّن، وَالشّرط فِيهِ أَن يكون فعلا مضارعا مُسْندًا إِلَى الْمُخَاطب مُتَّصِلا بالاستفهام، كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث. ولغة سليم إِجْرَاء فعل

стр. 1265

القَوْل مجْرى الظَّن بِلَا شَرّ، فَيجوز على لغتهم أَن يُقَال: قلت زيدا مُنْطَلقًا، وَنَحْوه. قَوْله: (مَا تَقول؟) ، كلمة: مَا، الاستفهامية فِي مَوضِع نصب بِلَفْظ: يبْقى، وَقدم لِأَن الِاسْتِفْهَام لَهُ صدر الْكَلَام، وَالتَّقْدِير: أَي: شَيْء تظن ذَلِك الِاغْتِسَال مبقيا من درنه؟ و: تَقول، يَقْتَضِي مفعولين: أَحدهمَا هُوَ قَوْله: ذَلِك، وَالْآخر وَهُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي قَوْله: يبْقى، وَهُوَ بِضَم الْيَاء من الْإِبْقَاء. قَوْله: (من درنه) بِفَتْح الدَّال وَالرَّاء وَهُوَ: الْوَسخ. قَوْله: (شَيْئا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: لَا يبْقى، بِضَم الْيَاء أَيْضا وَكسر الْقَاف، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لَا يبْقى من درنه شَيْء) ، فشيء، مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل قَوْله: لَا يبقي، بِفَتْح الْيَاء وَالْقَاف. قَوْله: (فَكَذَلِك) : الْفَاء، فِيهِ جَوَاب شَرط مَحْذُوف أَي: إِذا أقررتم ذَلِك وَصَحَّ عنْدكُمْ فَهُوَ مثل الصَّلَوَات. وَفَائِدَة التَّمْثِيل التَّقْيِيد وَجعل الْمَعْقُول كالمحسوس. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَجه التَّمْثِيل أَن الْمَرْء كَمَا يتدنس بالأقذار المحسوسة فِي بدنه وثيابه ويطهره المَاء الْكثير، فَكَذَلِك الصَّلَوَات تطهر العَبْد من أقذار الذُّنُوب حَتَّى لَا تبقي لَهُ ذَنبا إِلَّا أسقطته وكفرته. فَإِن قلت: ظَاهر الحَدِيث يتَنَاوَل الصَّغَائِر والكبائر لِأَن لفظ الْخَطَايَا يُطلق عَلَيْهَا. قلت: روى مُسلم من حَدِيث الْعَلَاء عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (الصَّلَوَات الْخمس كَفَّارَة لما بَينهمَا مَا اجْتنبت الْكَبَائِر) . قَالَ ابْن بطال: يُؤْخَذ من الحَدِيث أَن المُرَاد الصَّغَائِر خَاصَّة لِأَنَّهُ شبه الْخَطَايَا بالدرن والدرن صَغِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أكبر مِنْهُ من القروح والجراحات. فَإِن قلت: لِمَ لَا يجوز أَن يكون المُرَاد بالدرن الْحبّ؟ قلت: لَا بل المُرَاد بِهِ: الْوَسخ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُنَاسِبه التَّنْظِيف والتطهير، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: (أَرَأَيْت لَو أَن رجلا كَانَ لَهُ معتمل، وَبَين منزله ومعتمله خَمْسَة أَنهَار، فَإِذا انْطلق إِلَى معتمله عمل مَا شَاءَ الله فَأَصَابَهُ وسخ أَو عرق فَكلما مر بنهر اغْتسل مِنْهُ) الحَدِيث رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ من طَرِيق عَطاء بن يسَار عَنهُ. فَإِن قلت: الصَّغَائِر مكفرة بِنَصّ الْقُرْآن باجتناب الْكَبَائِر، فَمَا الَّذِي تكفره الصَّلَوَات الْخمس؟ قلت: لَا يتم اجْتِنَاب الْكَبَائِر إِلَّا بِفعل الصَّلَوَات الْخمس، فَإِذا لم يَفْعَلهَا لم يكن مجتنبا للكبائر لِأَن تَركهَا من الْكَبَائِر فَيتَوَقَّف التَّكْفِير على فعلهَا. قَوْله: (بهَا) : أَي: بالصلوات، ويروى بِهِ بتذكير الضَّمِير أَي: بأَدَاء الصَّلَوَات. ٥٢٨ - حدَّثنا إبْرَاهيمُ بنُ حَمْزَةَ قَالَ حدَّثني ابنُ أبي حازِمٍ وَالدَّرَاوَرْديُّ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ ابنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ أرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرا بِبابِ أحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ يَمْحُو الله بِهِ الخَطَايَا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الَّذِي قبله أَعم من هَذِه التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ يتَنَاوَل الصَّلَوَات الْخمس وَغَيرهَا من أَنْوَاع الصَّلَاة. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَقد مر فِي كتاب الايمان. الثَّانِي: عبد الْعَزِيز ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَقد مر فِي بَاب نوم الرِّجَال. الثَّالِث: عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي، نِسْبَة إِلَى دراورد، بِفَتْح الدَّال وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ ثمَّ ألف ثمَّ وَاو مَفْتُوحَة ثمَّ رَاء سَاكِنة ثمَّ دَال مُهْملَة: وَهِي قَرْيَة بخراسان. وَقَالَ أَكْثَرهم مَنْسُوب إِلَى دَار بجرد، مَدِينَة بِفَارِس وَهِي من شواذ النّسَب. الرَّابِع: يزِيد، من الزِّيَادَة: ابْن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد اللَّيْثِيّ الْأَعْرَج، مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: مُحَمَّد بن ابراهيم التَّيْمِيّ، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَة. السَّادِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. السَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة، سَمَّاهُ البُخَارِيّ: عبد الله، وَقَالَ عَمْرو بن عَليّ: لَا يعرف لَهُ اسْم. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد، وبصيغة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: اثْنَان اسْم كل مِنْهُمَا: عبد الْعَزِيز، وَفِيه: ثَلَاثَة تابعيون وهم: يزِيد وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير، وَمُحَمّد، وَأَبُو سَلمَة. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: أَن شيخ البُخَارِيّ من أَفْرَاده. ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة: عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث وَبكر بن مُضر عَن ابْن الْهَاد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَمْثَال عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ، فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث وَحده بِهِ. . ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (أَرَأَيْتُم) الْهمزَة للاستفهام على سَبِيل التَّقْرِير، وَالتَّاء للخطاب،، وَمَعْنَاهُ: أخبروني، ويوري: (أَرَأَيْتكُم) ، بِالْكَاف وَالْمِيم، لَا مَحل لَهما من الْإِعْرَاب. قَوْله: (لَو أَن نَهرا) قَالَ الطَّيِّبِيّ: لفظ: لَو، يَقْتَضِي أَن يدْخل على الْفِعْل وَأَن يُجَاب، لكنه وضع الِاسْتِفْهَام مَوْضِعه تَأْكِيدًا أَو تقريرا، وَالتَّقْدِير، لَو ثَبت نهر صفته كَذَا لما بَقِي كَذَا، وَالنّهر، بِفَتْح الْهَاء وسكونها: مَا بَين جنبيّ الْوَادي، سمي بذلك لسعته، وَكَذَلِكَ سمي النَّهَار لسعة ضوئه. قَوْله: (مَا تَقول) أَي: أَيهَا السَّامع، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (مَا تَقولُونَ) . قَوْله: (ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى الِاغْتِسَال، وَقَالَ ابْن مَالك: فِيهِ شَاهد على إِجْرَاء فعل القَوْل مجْرى فعل الظَّن، وَالشّرط فِيهِ أَن يكون فعلا مضارعا مُسْندًا إِلَى الْمُخَاطب مُتَّصِلا بالاستفهام، كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث. ولغة سليم إِجْرَاء فعل القَوْل مجْرى الظَّن بِلَا شَرّ، فَيجوز على لغتهم أَن يُقَال: قلت زيدا مُنْطَلقًا، وَنَحْوه. قَوْله: (مَا تَقول؟) ، كلمة: مَا، الاستفهامية فِي مَوضِع نصب بِلَفْظ: يبْقى، وَقدم لِأَن الِاسْتِفْهَام لَهُ صدر الْكَلَام، وَالتَّقْدِير: أَي: شَيْء تظن ذَلِك الِاغْتِسَال مبقيا من درنه؟ و: تَقول، يَقْتَضِي مفعولين: أَحدهمَا هُوَ قَوْله: ذَلِك، وَالْآخر وَهُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي قَوْله: يبْقى، وَهُوَ بِضَم الْيَاء من الْإِبْقَاء. قَوْله: (من درنه) بِفَتْح الدَّال وَالرَّاء وَهُوَ: الْوَسخ. قَوْله: (شَيْئا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: لَا يبْقى، بِضَم الْيَاء أَيْضا وَكسر الْقَاف، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لَا يبْقى من درنه شَيْء) ، فشيء، مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل قَوْله: لَا يبقي، بِفَتْح الْيَاء وَالْقَاف. قَوْله: (فَكَذَلِك) : الْفَاء، فِيهِ جَوَاب شَرط مَحْذُوف أَي: إِذا أقررتم ذَلِك وَصَحَّ عنْدكُمْ فَهُوَ مثل الصَّلَوَات. وَفَائِدَة التَّمْثِيل التَّقْيِيد وَجعل الْمَعْقُول كالمحسوس. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَجه التَّمْثِيل أَن الْمَرْء كَمَا يتدنس بالأقذار المحسوسة فِي بدنه وثيابه ويطهره المَاء الْكثير، فَكَذَلِك الصَّلَوَات تطهر العَبْد من أقذار الذُّنُوب حَتَّى لَا تبقي لَهُ ذَنبا إِلَّا أسقطته وكفرته. فَإِن قلت: ظَاهر الحَدِيث يتَنَاوَل الصَّغَائِر والكبائر لِأَن لفظ الْخَطَايَا يُطلق عَلَيْهَا. قلت: روى مُسلم من حَدِيث الْعَلَاء عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (الصَّلَوَات الْخمس كَفَّارَة لما بَينهمَا مَا اجْتنبت الْكَبَائِر) . قَالَ ابْن بطال: يُؤْخَذ من الحَدِيث أَن المُرَاد الصَّغَائِر خَاصَّة لِأَنَّهُ شبه الْخَطَايَا بالدرن والدرن صَغِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أكبر مِنْهُ من القروح والجراحات. فَإِن قلت: لِمَ لَا يجوز أَن يكون المُرَاد بالدرن الْحبّ؟ قلت: لَا بل المُرَاد بِهِ: الْوَسخ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُنَاسِبه التَّنْظِيف والتطهير، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: (أَرَأَيْت لَو أَن رجلا كَانَ لَهُ معتمل، وَبَين منزله ومعتمله خَمْسَة أَنهَار، فَإِذا انْطلق إِلَى معتمله عمل مَا شَاءَ الله فَأَصَابَهُ وسخ أَو عرق فَكلما مر بنهر اغْتسل مِنْهُ) الحَدِيث رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ من طَرِيق عَطاء بن يسَار عَنهُ. فَإِن قلت: الصَّغَائِر مكفرة بِنَصّ الْقُرْآن باجتناب الْكَبَائِر، فَمَا الَّذِي تكفره الصَّلَوَات الْخمس؟ قلت: لَا يتم اجْتِنَاب الْكَبَائِر إِلَّا بِفعل الصَّلَوَات الْخمس، فَإِذا لم يَفْعَلهَا لم يكن مجتنبا للكبائر لِأَن تَركهَا من الْكَبَائِر فَيتَوَقَّف التَّكْفِير على فعلهَا. قَوْله: (بهَا) : أَي: بالصلوات، ويروى بِهِ بتذكير الضَّمِير أَي: بأَدَاء الصَّلَوَات. (بابُ تَضْيِيعِ الصَّلاةِ عَنْ وَقْتِهَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَضْييع الصَّلَوَات عَن وَقتهَا، وتضييعها: تَأْخِيرهَا إِلَى أَن يخرج وَقتهَا، وَقيل: تَأْخِيرهَا عَن وَقتهَا الْمُسْتَحبّ، وَالْأول أظهر لِأَن التضييع إِنَّمَا يظْهر فِيهِ، وَهَذِه التَّرْجَمَة إِنَّمَا تثبت فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني، وَلَيْسَت بثابتة فِي رِوَايَة البَاقِينَ. ٥٢٩ - حدَّثنا مُوسَى ابنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا مَهْدِي عَنْ غيْلَانَ عنْ أنَسٍ قَالَ مَا أعْرِفُ شَيْئا ممَّ كانَ عَلى عَهْدِ النبيِّ ﷺ قِيلَ الصَّلَاةُ قالَ ألَيْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيها. وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَلَيْسَ ضيعتم مَا ضيعتم فِيهَا؟) يَعْنِي: من التضييع. ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: مهْدي بن مَيْمُون أَبُو يحيى، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة. الثَّالِث: غيلَان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة ابْن جرير. الرَّابِع: أنس بن مَالك. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع، وبصيغة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن إِسْنَاده كلهم بصريون. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قيل: الصَّلَاة) ، أَي: قيل لَهُ: الصَّلَاة هِيَ شَيْء مِمَّا كَانَ على عهد رَسُول الله ﷺ وَهِي بَاقِيَة، فَكيف تصدق الْقَضِيَّة السالبة عَامَّة؟ فَأجَاب بقوله: (أَلَيْسَ ضيعتم مَا ضيعتم فِيهَا؟) يَعْنِي من تضييعها وَهُوَ: خُرُوجهَا عَن وَقتهَا. وَقَالَ الْمُهلب: المُرَاد بتضييعها تَأْخِيرهَا عَن وَقتهَا الْمُسْتَحبّ لَا أَنهم أخرجوها عَن وَقتهَا، وَتَبعهُ على هَذَا جمَاعَة. قلت: الْأَصَح مَا ذَكرْنَاهُ لِأَن أنسا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك حِين علم أَن الْحجَّاج والوليد بن عبد الْملك وَغَيرهمَا كَانُوا يؤخرون الصَّلَاة عَن وَقتهَا، والْآثَار فِي ذَلِك مَشْهُورَة. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ: أخر الْوَلِيد الْجُمُعَة حَتَّى أَمْسَى فَجئْت فَصليت الظّهْر قبل أَن أَجْلِس، ثمَّ صليت الْعَصْر وَأَنا جَالس إِيمَاء وَهُوَ يخْطب، وَإِنَّمَا فعل ذَلِك عَطاء خوفًا على نَفسه. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم شيخ البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّلَاة من طَرِيق أبي بكر بن عتبَة، قَالَ: صليت إِلَى جنب أبي جُحَيْفَة، فَمشى الْحجَّاج
следующие страницы →